وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (١) أن المتقين جمع تصحيح للمتقي، وأن أصل هذه المادة من (وقى)، ففاء هذه المادة واو، وعينها قاف ولامها ياء. مادة التقوى فاؤها واو، وعينها قاف، ولامها ياء، فهي مما يسميه الصرفيون «اللفيف المفروق» هذا أصلها، إلا أنها دخلها تاء الافتعال كما تقول في قرب: اقترب، وفي كسب: اكتسب، وفي قطع: اقتطع، وفي «وقى» اوتقى.
والقاعدة المقرَّرَة في التصريف: أن كل فعل (مثال) -أعني معتل الفاء بالواو- إذا دخله تاء الافتعال وجب إبدال الواو تاء، وإدغام التاء في التاء، فقيل فيها: «اتقى» هكذا (٢).
وأصل الاتِّقَاء في لغة العرب (٣): هو أن تتخذ وقاية تكون بينك وبين ما تَكْرَهُهُ فَتَقِيكَ منه. تقول العرب: اتقيت الرمضاء بنعلي، واتقيت السيوف بمجني، ومنه قول نابغة ذبيان (٤):
سَقَطَ النَّصِيْفُ ولم تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاولتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ
أي: جَعَلَتْ يَدَهَا وقايَةً بَيْنَنَا وبَيْنَ وَجْهِهَا. وتفسير من قال: (اتقتنا: استقبلتنا) تفسير بالمعنى الإجمالي لا بالحقيقة. وهذا أصله معنى التقوى.
وهي في اصطلاح الشَّرْعِ: أن يجعل العبد وقاية بينه وبين عذاب رَبِّه، هذه الوقاية مركبة من شيئين هما: امتثال أمر الله، واجتناب نهي الله (٥)، والوفاء بالعهود من ذلك؛ لأن الوفاء بالعهود امتثال لأمر الله،
стр. 2662
وترك النقض انتهاء عما نهى الله عنه. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤].
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾ [التوبة: الآيات ٥ - ٨].
يقول الله (جل وعلا): ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: آية ٥].
اختلف العلماء في المراد بهذه الأشهر الحرم (١): فقال بعض العلماء: المراد بها الأشهر الحرم المعروفة الآتي ذكرها في قوله في هذه السورة الكريمة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: آية ٣٦] وهذه الأشهر الأربعة الحرم ثلاثة منها سرد وواحد منها فرد،
стр. 2663
فثلاثتها المتتابعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وآخَر: رجب الفرد. هذه هي الأشهر الحرم.
وقال بعض العلماء: هذه هي المراد هنا في قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وعلى هذا القول فالباقي عن انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النداء بهذه الآيات من أول براءة في موسم الحج عام تسع، الباقي منها خمسون يوماً فقط، وهي العشرون الباقية من ذي الحجة [١/ب] وتمام المحرم، فبانقضاء الخمسين تنتهي على هذا القول./ وهذا القول قاله بعض العلماء، وهو مبني على أن تحريم الأشهر الحرم لم ينسخ، ومعلوم أن العلماء مختلفون في تحريم الأشهر الأربعة المذكورة هل هو باق إلى الآن أو نسخ (١)؟ فكانت جماعة كثيرة من العلماء يقولون: إنه منسوخ. واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ حاصر ثقيفاً في غزوة الطائف في ذي القعدة من عام ثمان، وهذا ثابت أن النبي ﷺ بعض الزمن الذي حاصر فيه ثقيفاً في غزوة الطائف كان من ذي القعدة (٢). قالوا: فلو لم ينسخ تحريم الأشهر الحرم لكف وانصرف عنهم بإهلال ذي القعدة. وكنا نرى هذا القول أَصْوَبَ، مكثنا كثيراً من الزمن ونحن ننصر هذا القول ونقرر أنه
стр. 2664
الأصوب، ثم ظهر لنا بعد ذلك أن أصوب القولين وأولاهما بالصواب أن تَحْرِيم الأشهر الحرم باق لم ينسخ. ومن أصْرَحِ الأدِلَّة في ذلك: أنه دَلَّت عليه الأحاديث الصحاح في حجة الوداع في آخر حياة النبي ﷺ ؛ لأن قوله (صلوات الله وسلامه عليه) في حجة الوداع قبل موته بنحو ثمانين يوماً قوله: «إن اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (١)
نص دال على أَنَّ تَحْرِيمَ الأشهر الحُرُمِ بَاقٍ لم يُنْسَخْ، وهَذا هو الأظْهَر، والله أعلم.
стр. 2665
القول الثاني في هذه الآية الكريمة: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أنها أشهر الإمهال الأربعة التي قدمنا أن التحقيق أن أولها من يوم النحر من ذي الحجة عام تسع، وأنها تنقضي بالعشر من ربيع الثاني من ذلك العام، وإنما قيل لها «حُرُم» لأن الله حرّم فيها قتال المشركين، وقال لهم فيها: سيحوا في الأرض أربعة أشهر، أي: آمِنِينَ مُدْبِرِينَ ومقبلين، قتالكم والتَّعَرُّضُ لَكُمْ حَرَامٌ. وهذا أظهر القَوْلَيْنِ هنا؛ لأن اللام في قوله: ﴿الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: آية ٥] الألف واللام فيها للعهد، والأشهر الحُرم المذكورة لم تكن معهودة هنا، والمعهود هنا هي الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: آية ٢] وعلى هذا فانسلاخها هو ما قدمنا بعد انتهاء العشر الأول من ربيع الثاني كما لا يخفى. وقد بيّنا أن قول الزهري ﵀ أن ابتداء أشهر الإمهال من شوال (١) [أنه إن صح عنه فهو غلط منه. والصحيح قول الجمهور، وهو أن ابتداء تأجيل هذه الأشهر الأربعة من يوم النحر، وتَنْقَضِي في اليوم العاشر من ربيع الثاني].
وانسلاخ الأشهر: معناه انْقِضَاء مُدَّتِهَا. تقول العَرَبُ: انْسَلَخَ الشَّهْرُ، وانْسَلَخَ العَامُ: إذا مَضَى زَمَانُهُ، وسلخته: إذا كنت في آخر يوم من أيامه وقد مضى علي. وهذا معروف في كلام العرب (٢)، ومنه قول لبيد في مُعَلَّقَتِهِ (٣):
стр. 2666
حتى إذا سَلَخا جُمَادى ستَّةً ... جُزْءاً فطَالَ صِيَامُهُ وصِيَامُهَا
والأَشْهُر: جمع شهر. و «الأفْعُل» جمع قِلّة؛ لأنها أرْبَعَةٌ.
والحُرُم: جَمْع حرام، وهو الصفة المشبهة من حَرُمَ الشيء فهو حَرَام.
وإنما قيل للواحد منها «حرام» لأَنَّ اللهَ حَرَّمَ فيه القتال (١)، وهذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ على القَوْلَيْنِ المذْكُورَيْنِ ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين يشركون بالله (جلّ وعلا)، اقتلوهم كلهم ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (حيث): كلمة تدل على المكان، كما تدل (حين) على الزمان، وربما ضُمِّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ، ويجوز فيها لغةً لا قراءة إبدال يائها واواً وتثليث ثائها (٢).
ومعنى ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾: في أي مكان من أمكنة الأرض وجدتموهم فاقتلوهم. وقال بعض العلماء: هذا ما لم يكونوا في الحرم (٣). وقال: عموم هذه الآية يخصصه عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: آية ١٩١]. وعلى هذا القول يكون القتال لا يجوز في الحرم إلا إذا بدؤوا بالقتال. بهذا قال جماعة من العلماء، وقال جماهير من أهل العلم: إنهم يُقْتَلُون في كل مكان، كما دَلَّ عليه عموم (حيث) هنا، وإن كانوا في الحَرَم. قالوا: أمَّا آيَة: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: آية ١٩١] فإنها
стр. 2667
كانت من مراحل تشريع القتال. وإيضاح هذا المعنى: أنه جَرَتِ الْعَادَة في كتاب الله أن الله ﵎ إذا أراد أن يُشرع أمراً عظيماً شاقّاً تشريعه على النفوس إنما يُشرِّعه على سبيل التدريج لا مَرَّة واحدة؛ لأنه حكيم عليم. وهذا أمثلته كثيرة، فمنها: أنه لمّا أراد تحريم الخمر وكانت -قبّحها الله- تَصْعب مفارقتها على مَنْ أَلِفَهَا وتَعَهَّدَهَا حَرَّمها تَدْرِيجاً، ذَمّها أَوَّلاً فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: آية ٢١٩] فبدأ بعيبها، وأن فيها الإثم الكبير، وقال: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ لتبتدئ نفس المؤمن تشمئز منها، ثم بعد ذلك حَرَّمَهَا في أوقات الصلاة، يعني أنها حُرمت عليهم في بعض الأوقات دون بعض، فحرِّم عليهم شربها في الوقت التي تقرب فيه أوقات الصلاة، وكانوا إذاً لا يشربونها إلا من بعد صلاة الصبح؛ لأن مَنْ شَرِبَهَا بعد صَلاة الصبح يصحو قبل صلاة الظهر، وكذلك بعد صلاة العشاء؛ لأن مَن شربها بعد صلاة العشاء يصحو عادة قبل صلاة الصبح، أمّا غير هذا من الأوقات فحرِّم عليهم شربها، كما قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: آية ٤٣].
ثم لما أَنِست نفوسهم بتحريمها في الجملة، وعيبها أولاً، حرّمها تحريماً باتّاً في سورة المائدة بقوله: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: آية ٩٠] وعَلَّقَ الْفَلَاح على اجْتِنَابِهِ، فكان هذا أسهل للتدريج الذي وقع في تحريمها.
وكذلك لمّا أَرَادَ تَشْرِيعَ الصوم -والصوم عبادة شاقّة على النفوس؛ لأن فيها منع البطون والفروج عن شهواتهما- شرّعها تدريجاً: كان أول ما بُدِئ: وجوب الصوم بثلاثة أيام من كل شهر
стр. 2668
مثلاً، ثمّ لما فرِض رمضان فُرِض أولاً على سبيل الخيار بين الصوم وبين الإطعام كما تقدّم في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: آية ١٨٤] فلما أَنِسَتْ النفوس بالصوم في الجملة وتمرنتْ عليه أوجب الصوم إيجاباً تامّاً بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: آية ١٨٥].
وكذلك القتال -وهو محل الشاهد- لمّا كان عظيماً شاقّاً على النفوس؛ لما فيه من تعريض المُهَج والأموال للتلف أذِن فيه أولاً من غير أمْر به في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: آية ٣٩] أَذِنَ فيه أولاً ثم بعد ذلك أوجبهُ في حال دون حال، فأوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم -وهو محل المشاهد- في قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: آية ١٩١] ثم لمّا استأنست النفوس بالقتال وتمرنت عليه أوجبه إيجاباً باتّاً عامّاً بقوله هنا: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: آية ٥].
فهذه الآية الكريمة قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ هو صيغة عموم، فالألف واللام فيه تدل على العموم؛ لأن (المشركين): جمع (المشرك)، وهو اسم فاعل، والألف واللام الداخلتان على اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة -على أحد القولين- يقول علماء العربية: إنها موصولة، والموصولات من صيغ العموم كما تَقَرَّرَ في الأصول (١). وعلى القول بأن هذا اللفظ قد تُتناسى وصفيته فتكون الصفة غير صريحة فيؤول إلى الأسماء -أسماء الأجناس الجامدة-
стр. 2669
فيكون عموماً، فهو لفظ عام على كلا التَّقْدِيرَيْنِ يصدق بكل مشرك، إلا أن النبي ﷺ بيّن تخصيص هذا اليوم بنهيه عن بعض مَنْ يَتَّصِفُ بالشرك، من ذلك: النساء والصبيان من الكفار فإنهم من المشركين، وقد نهى ﷺ عن قتلهم، وكذلك الرهبان في الصوامع نهى عن قتلهم، وكذلك الشيوخ الفانية نهى عن قتلهم، إلا إذا كان الشيخ الفاني يُستعان برأيه فإنه يُقتل؛ لأن رأيه عظيم على المسلمين؛ ولأجل ذلك قتل الصحابة دُريد بن الصمة يوم حنين، وكان ذا شيبة أعمى للاستعانة برأيه؛ لأنه وضع لهم الرأي الحكيم السديد، وخالفه مالك بن عوف النصري كما سيأتي إيضاحه في غزوة حنين في هذه السورة الكريمة. وكذلك المُعاهدون.
وهذه الآية الكريمة قال بعض العلماء (١): قد لا تتناول أهل الكتاب؛ لأن آيتهم مذكورة في هذه السورة؛ لأن الله يقول: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: آية ٢٩] فالكتابي إذا أعطى الجزية يخرج من عموم هذه الآية.
واعلم أن بعض العلماء (٢) قالوا: إن الكتابيّ لا يدخل في اسم المشركين. قالوا: لأن الله غاير بينهما في آيات كثيرة كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: آية ١] فعطف المشركين على أهل الكتاب، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 2670
وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: آية ٦] وقال: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [آل عمران: آية ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ﴾ [المائدة: آية ٨٢] فَدَلَّت هذه الآية على المغايرة بين المشركين وأهل الكتاب، والتحقيق أنَّ الكتابيين نوعٌ من المشركين، وقد أوضح الله في هذه السورة الكريمة أنَّ أهل الكتاب من المشركين حيث قال فيهم: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: آية ٣١] فَصرّح تعالى بأنهم مُشْرِكُونَ إلا أنّهم نوعٌ خاصٌّ من المشركين، ربما أُدخِل في عمومهم، وربما أُفرد منهم، كأنَّه غيرُ داخلٍ فيهم؛ للفوارق التي بين الكتابيين وعبَدَة الأصنام كما هو معروف، وهذا معنى قوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: آية ٥].
قال بعض العلماء: يؤخذ من عموم هذه الآية أنَّ المسلم لَوْ قدر على اغتيال الحربي لجاز له أن يغتاله.
وأخذ بعض العلماء من هذا قالوا: إذا لم يُقدر عليهم إلا بالقتل بالنار كالضرب بمنجنيق من بعيدٍ ونحو ذلك، أنَّ هذا يتناوله العُمُوم (١). وبعض العلماء يقول: هذا مُثْلة، وقد نهى ﷺ عن المُثلة (٢).
وهذا معنى قوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾
стр. 2671
أي: في أي مكانٍ من أمكنةِ الأرض وجدتموهم.
وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ يعني: بالأَسْرِ، فمَعْنَى ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: ائسروهم.
وهذه الآية الكريمة من براءة -وهي من آخر ما نَزَلَ مِنَ القُرْآن- تدل على أنه يجوز قتل المشركين وأخذهم بالأسْر، وقال بعض العلماء: هذه الآية من سورة براءة نسخت قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ [محمد: آية ٤] فليس هناك إلا القتل (١). وقال بعض العلماء: بل آية القِتَال هِيَ الَّتِي نَسَخَتْ آيَةَ بَرَاءَة، فلا يقتل الأسير، إما أن يُمَنَّ عليه وإما أن يُفْدَى (٢).
والتحقيق: أنَّ كل هذه الآيات محكم، وأنها لا يُنْسَخُ بَعْضُها بعضاً؛ لأن النبي ﷺ منذ قاتل الكفار، ربما قتل الأسير، وربما فدى الأسير، وربما مَنَّ على الأسير، كل هذا يفعله ﷺ ، فمعلومٌ أنَّه قتل بعض الأُسارى يوم بدر، قتل النضر بن الحارث يوم بدر أسيراً (٣)،
стр. 2672
وقتل عقبة بن أبي معيط يوم بدرٍ أسيراً (١)، وقد دلت القصة التي ذكرناها في غزاة بدر في سورة الأنفال على أنَّ قَتْلَهُ للنَّضْرِ بن الحارث لم يكن عن وَحْي (٢)، ولذا لما جاءه شعر أخته -أو ابنته- قُتيلة بنت الحارث -أو قُتيلة بنت النضر بن الحارث- لما أرسلت شعرها المشهور إلى النبي ﷺ الذي أبكاه حتى أخضل الدمع لحيته، وقال فيه: «لو بَلَغَنِي شِعْرُهَا قَبْلَ أَنْ أَقْتُلَهُ لَعَفَوْتُ عَنْهُ» (٣) فدلَّ على أنَّه لم يقتله بوحي من الله. وشعرها مشهورٌ قَدَّمْنَاه برمته في سورة الأنفال (٤)، تقول فيه:
يَا راكبًا إنَّ الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ ... مِنْ صُبحِ خَامِسَةٍ وأَنْتَ موفَّقُ
أَبْلِغْ بها مَيْتًا بأنَّ تَحِيَّةً ... مَا إِنْ تَزَالُ بها النَّجَائِبُ تَخْفِقُ
مني إليكَ وعبرةً مسفُوحةً ... جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وأُخْرى تخنُقُ
هل يسمعنَّ النضرُ إن ناديتُه ... أم كيف يسمعُ ميتٌ لا ينطقُ
أمحمدٌ يا خيرَ ضَيْءِ كريمة ... في قومِهَا والفَحْلُ فحلٌ مُعْرِقُ
ما كان ضَرَّكَ لو مَنَنْتَ ورُبَّما ... مَنَّ الفَتى وهو المغيظُ المُحْنَقُ
فالنَّضْرُ أقربُ مَنْ أَسَرْتَ قرابةً ... وأحقُّهم إن كانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سيوفُ بني أبيهِ تَنُوشُه ... للهِ أرحامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ
صَبْرًا يُقادُ إلى المنيةِ مُتْعَبًا ... رَسْفُ المُقَيَّدِ وهو عان مُوثَقُ
فهذا يدل على أنَّ الأمر في ذلك إلى الإمام، إن رأى المصلحة
стр. 2673
للمسلمين القَتْل قَتَل، وإن رأى أنها الفِدَاء فَدَى، وإِنْ رَأَى أنَّهَا المَنُّ مَنَّ، وهذا هو التحقيق -إن شاء الله- وأنَّ الآياتِ كلها محكمة لم ينسخ بعضها بعضاً، والنبي ﷺ قد فعل كل ذلك، أطلق أبا عزةَ في غزاة بدر لما قال له: إنَّه ذو بَنات. ولما أمسكه بحمراء الأسد من صبيحة أُحد بعد أن اشترط عليه ألَاّ يعين عليه المشركين وقال له: يا محمد، عفوك مرةً أخرى. فقال له: لا والله، لا تحك عارضيك بين نساء مكة وتقول: غررت محمداً مرتين!! فقتله (صلوات الله وسلامه عليه) (١). وهذا معنى قوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: آية ٥] بالأسر ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ معناه: ضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ واحْصُروهُمْ في مَعَاقِلِهِمْ حتى لا يستطيعوا أن يخرجوا وينتشروا في الأرض، فضلاً عن أن يصلوا إليكم، فالمراد بالحصر هنا: حصرهم في أماكنهم وفي معاقلهم، والتضييق عليهم ومنعهم من الانتشار في الأرض. هذا معنى قوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾.
﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: المراد بالمرصد هنا: اسم مكان، وقد تقرر في فن التصريف: أن جميع المصادر الميمية، وأسماء الأمكنة، وأسماء الأزمنة إذا لم تكن يعني: من واوي الفاء كانت كلها على (مَفْعَل)، إلا اسمُ الزمان والمكان خاصة إذا كان من (فَعَلَ) بالفتح (يَفْعِلُ) بالكسر (٢). والمرصد هنا القياس فيه:
стр. 2674
(المَفْعَل) وهو اسم مكان. معناه: مكان الرصد. والرصد: هو مراقبة الشيء ليُتَمَكَّنَ مِنْهُ في حَالَةِ غِرّته.
﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: في كل مكانٍ ترصدونهم وترقبونهم فيه، حتى يمروا عليكم فتأخذوهم، فكل شيء هو في طريق شيء مختفياً عنه لتمكنه غرته فهو رصد له. وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عامر بن الطفيل (١):
وَلَقَدْ عَلِمْتُ وَمَا إِخَالُكَ نَاسِياً ... أَنَّ المَنِيَّةَ لِلْفَتَى بالمَرْصَدِ
ومن هذا قولُ الآخر، وهو عدي بن زيد حيث قال (٢):
أَعَاذِلَ إِنَّ الجَهْلَ مِنْ لَذَّةِ الفَتَى ... وَإِنَّ المَنَايَا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ
ومن هذا معنى قوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ [الجن: آية ٩] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: آية ١٤] فمعنى: ﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: اقعدوا لهم في جميع الطرق التي ترصدونهم فيها ليمروا عليكم في حال غرتهم فتتمكنوا منهم. والعرب تقول للإنسان الذي يختفي عند الماء لترد عليه الوَحْش في اللَّيْلِ فيرميها: هذا راصد لها، ومكانه الذي هو فيه: مرصدٌ لها، وهذا معنى معروف.
وقوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: قال بعض العلماء: هو منصوبٌ على أنَّه ظرف، ولمّا قاله الزجاج (٣) غلَّطهُ فيه أبو عليّ الفارسي (٤) وقال: إنَّ مثل هذا لا ينصب على الظرف؛ لأنَّ الطريق مكانٌ محصور
стр. 2675
كالمسجد والبيت، فلا يكون ظرفاً، وإنما هو منصوبٌ بنزع الخافض، ويدل على أنه منصوبٌ بنزع الخافض: هو ما قَدَّمْنَا في سورة الأعراف في قوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: آية ٨٦] فعدَّاهُ بِالْبَاءِ التي هي حَرْفُ الجر، ومعلومٌ عند علماء العربية أنَّ النَّصْبَ بنزع الخافض لا يكون على المشهور قِيَاساً مُطَّرِداً، يُحفظ ما سُمع منه ولا يقاس عليه، خِلافاً للأَخْفَشِ الصَّغِير وهو عَلِيّ بن سُلَيْمَان؛ لأنه يقول: إنَّ النزع بالخافض مطَّرِدٌ في كل ما أُمِنَ فيه اللَّبْس، وقد عقد مذهبه ابن مالكٍ في الكافية فقال (١):
وابنُ سُليمانَ اطرادَه رَأَى ... إِنْ لم يُخَفْ لَبْسٌ كـ (مَنْ زَيْداً نَأَى)
وعلى هذا فمعنى ﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: اقعدوا لهم في كل طريق ترقبونهم وترصدونهم فيها حتى تأخذوهم في غرتهم، وعلى هذا فهو منصوبٌ بنزع الخافض. ونظيره من كلام العرب -في نصب الطريق، المرصد: هو الطريق، في نصبه وتقدير حرف الجر الذي هو منصوبٌ بنزعه- قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذلي في بيته المشهور الذي هو من شواهد سيبويه في كتابه (٢):
لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِل مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
يعني: كما عسل -أي: جرى العَسَلَان- الثعلبُ في الطريق.
وقال بعضُ العلماء: اختار بعض المتأخرين أنَّه ظرف، وإن كان محصوراً (٣)، وبذلك أعرب قوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
стр. 2676
الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: آية ١٦] وهذا معنى: ﴿وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: اقتلوهم أولاً، وأْسروهم، وحاصروهم في معاقلهم وأماكنهم، وخذوا عليهم الطرق، وارصدوا لهم فيها لتأخذوهم.
وهذه أوامرُ من الله بأنه يُبذل في التضييق على المشركين وقتلهم وأخذهم كل غاية المجهود. وهذا معنى قوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
﴿فَإِن تَابُواْ﴾ من كُفْرِهِمْ وَرَجَعُوا عن شِرْكِهِمْ ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ أقاموا صلاة المسلمين ﴿وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ وهي الحقوق الواجبة عليهم في الأموال، فالصلاة والزكاة معروفتان، وإقامة الصلاة: هي الإتيان بها على وجهها الأكمل من مراعاة أركانها، وشروطها، وسننها، وصلاتها في الجماعات، وأوقاتها، إلى غير ذلك. وإقامة الزكاة: هي إعطاء الواجب من الأنْصِبَاء التي بيَّنَهَا النَّبِي ﷺ . إذا فعلوا هذا كله، بأن تابوا من شركهم، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ السبيل (١) في اللغة: الطريق. والتخلية: معناه الترك. فمعنى ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوا طريقهم لا تقعدوا عليها، والعرب تقول: خَلِّ سبيل فلان. أي: اترك له الطريق، ولا تقعد له في طريقه، ولا تتعرض له. فإذا خَلَّيت له طريقه يمر ويذهب بها كيف شاء، معناه: أنك لم تتعرض له، وهذا معروف في كلام العرب كثيرٌ مبتذل، يقولون: خَلِّ سبيله، أي: اتْرُكْه ولا تَتَعَرَّضْ لَهُ؛ لأن سبيله: طريقه الذي يمشي بها، فإذا لم تقعد له فيها ولم تتعرض له فقد تركته يذهب ويقبل ويدبر من غير أن تتعرض له،
стр. 2677
وهو المعروف، ومن هذا المعنى قول ربيعة بن مكدم في رَجَزِهِ المشْهُور في قصته مع دريد بن الصَّمَّة وأصحابه (١):
خَلِّ سَبِيلَ الحَرَّةِ المَنِيعَهْ ... إِنَّكَ لَاقٍ دُونَهَا رَبِيعَهْ
فِي كَفِّهِ خَطِيَّةٌ مُطِيعَهْ ... أَوْ لَا فَخُذْهَا طَعْنَةً سَرِيعَهْ
وَالطَّعْنُ مِنِّي فِي الوَرَى شَرِيعَهْ
معنى: «خَلِّ سبيلها»: لا تَتَعَرَّضْ لهَا واتْرُكْ طَرِيقَهَا تذهب فيها وتَتَوَجَّه كيف شاءت. ومن هذا المعنى قول كعب بن زهير (٢):
فقُلتُ خَلُّوا سَبِيلي لَا أَبَا لَكُمُ ... فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ
وقوله: (خَلِّ سبيلها) من كنايات الطلاق المعْرُوفَة عند الفقهاء في المذاهب. هذا معروف في كلام العرب، فكُلُّ مَنْ تَرَكْتَهُ، وتَرَكْتَ لَهُ طَرِيقَهُ يَذْهَبُ مَعَهَا ويمر مُقْبِلاً ومُدْبِراً حيث شاء فقد خليت سبيله، أي: تركته ولم تَتَعَرَّضْ لَهُ، ومن هذا قول جرير يهجو عمر بن لجيءٍ التميمي (٣):
خَلِّ السَّبِيلَ لِمَنْ يَبْنِي المَنَارَ بِهِ ... وَابْرُزْ بِبَرْزَةَ حَيْثُ اضْطَرَّكَ القَدَرُ
قَدْ خِفْتَ يَا ابْنَ الَّتِي مَاتَتْ مُنَافِقَةً ... مِنْ خُبْثِ بَرْزَةَ أَنْ لَا يَنْزِلَ المَطَرُ
وهذا معنى: ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾.
стр. 2678
وهذه الآيةُ وأمثالها في القرآن هي التي تمسّك بها الصدِّيق أبو بكر ﵁ في قتالِ أهل الردة، لما منعوا الزكاة، فإنَّ الصَّحَابَةَ أوَّلاً قالوا: كيف نُقَاتِلُهُمْ وَهُمْ يَشْهَدُون أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً رَسُول الله؟! ومن مثل هذه الآية استدلَّ أبو بكر ﵁ لأن الله قال: ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ بعد ثلاثة شروط، وهي: توبتهم مِنَ الشِّرْك، وإقامتهم الصلاة، وإيتاؤهم الزكاة. وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول، أنَّ الشرط المشروط بشروطٍ متعدِّدة لا يحصل المشروط إلا بجميعها. فلو قلت لِعَبْدِكَ: إن صام زيد، وصلى، وقام وقعد فأَعْطِهِ دِيناراً، فإنه لا يستحق الدينار إلا إذا فعل جميع الشروط كلها، ولذا تخلية سبيلهم مشروطةٌ بهذه الشروط كلها؛ لأنَّ ما عُلِّق على شرطين أو شروط لا يتحصل إلا بجميع تلك الشروط، كما هو مقرر في الأصول. وأخت هذه الآية آتية قريباً في قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: آية ١١] مفهومه: أنَّهم إن لَمْ يَتُوبُوا، أَوْ لم يُقِيمُوا الصلاة، أو لم يؤتوا الزكاة فلا تخلوا سبيلهم، وليسوا إخوانكم في الدين، أي: وهو كذلك.
وهذه الآية الكريمة قال بعض العلماء: يؤخذ منها أنَّ مَنْ قَالَ: «تُبْتُ» فقط لا يجتزئ بذلك حتى يفعل أفعالاً تدل على صحة ما يَقُولُ؛ لأنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وإِيتَاءَ الزَّكَاةِ بَرَاهِين وأدلة على صدقه في توبته التي قال. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: آية ٥] كثير المغفرة والرحمة، ومن رحمته ومغفرته الكثيرة تَوْبته ورحمته للذين تابوا من شركهم، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فهو كثير المغفرة والرحمة، يرحم هؤلاء ويغفر لهم؛ لأنَّ من تاب تابَ الله
стр. 2679
عليه ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: آية ٣٨].
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: آية ٦].
(إنْ) هي الشرطية. وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾: يقول علماء العربية: إنَّه مَرْفُوعٌ بفعل محذوف يفسره ما بعده. أي: وإن اسْتَجَارَكَ أحدٌ من المشركين؛ لأن ﴿إن﴾ أداة شرط لا تَتَولى إلا الجمل الفعلية، فلا تتولى الجمل الاسمية؛ ولذا يُقَدَّر فِعْلٌ بَعْدَهَا. فـ ﴿أَحَدٌ﴾ عند علماء العربية فاعلُ فعلٍ محذوف يفسرهُ ما بعده (١).
والأحد معناه: الواحد، وأصل همزته مبدلة من واو، أصل الأحد: (وَحَد) بواو؛ لأنَّ هذه المادَّة أصلها واوية الفاء، وكثيراً ما تقول العرب في الوَحَدِ: الأحد، وربما نطقت بلفظ الوَحَد على أصله (٢). ومن ذلك قول نابغة ذبيان (٣):
كَأَنَّ رَحْلِيَ وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنَسٍ وَحِدِ
وقوله: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ قَدْ قَدَّمنا أنَّ السين والتاء للطلب فمن معاني (استفعل) أنَّ السين والتاء للطلب، كقولهم: «اسْتَغْفر ربه» أي: طلبه المغفرة. و «استطعم» طلب الطعام، و «استسقى» طلب السقيا، و «استنجد» طلب النجدة. وهكذا. فقوله: ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ طلب الإجارة منك. والإجارة: هي الأمان. أن تُجِيرَهُ وتُؤَمِّنَهُ من أذَى
стр. 2680
قَوْمِكَ حتى يسمع ما أُنزل إليك. وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ قال بعض العلماء: لما نادى علي بن أبي طالب ﵁ في الموسم بهذه الآية من سورة براءة، أتاه قوم فقالوا: إن انتهت هذه الأشهر الأربعة وانقضت أشهر الإِمْهَال، وكان الواحد منا يريد أن يسمع من محمدٍ ما يقول لينظر هل يتبعه أو لا، يُقتل؟! فقال لهم علي: لا يُقتل؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (١).
معنى هذه الآية الكريمة بإيضاح: أنَّ بعض المشركين إذا أراد أن يسمع ما يقوله رَسُول الله ﷺ ليفهم معنى ما ينزل عليه ويعرف الأوامر التي يأمر بها، والنواهي التي ينهى عنها، والأشياء التي يدعو إليها، ليستيقن في قرارة نفسه أهو حقٌّ فيتبعه أو يعلم أنَّه ليس بحق فيصد عنه، وطلب أن يجار، أن يُؤَمَّن، وألا يصل إليه أذى حتى يسمع القرآن، ويفهم ما أنزل على النبي؛ ليكون على بصيرة مِنْ أَمْرِهِ في الأخْذِ والتَّرْكِ، فإنه يجب أن يعطى ذلك الأمان حتى يسمع ويُتلى عليه القرآن، ويُفَهَّم بما فيه من الزواجر والمواعظ، ثم بعد ذلك إن أسلم فبها ونعمت، وإن أصرَّ على كُفْرِهِ وَجَبَ أَنْ يُردَّ إِلَى مَأمنه وهو محل داره التي يأمن فيها. هذا معنى قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ طلبك أن تجيره وتؤمنه.
﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ هو هذا القرآن العظيم. وهذه الآية الكريمة من سورة براءة نص صريح في أنَّ هذا الذي نقرؤه ونتلوه هو
стр. 2681
بعينه كلامُ الله، فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام البارئ؛ لأن الله صرَّح بأن هذا المشرك المستجير يسمع كلام الله يتلوه عليه نبي الله ﷺ . فهذا المحفوظ في الصدور، المقروء في الألسنة، المكتوب في المصاحف، هو كلام الله (جَلّ وعلا) بمعانيه وألفاظه. ولا شَكَّ أن أصل الكلام صفة الله (جَلَّ وعلا).
ونحن لا نحب إكثار الخوض فيه؛ لأن هذه الصفة هي منشأ البلايا والمحن (١)، ولكن نقول: إن الكلام صفة الله التي لم يزل متصفاً بها، فلم يتجرد يوماً عن كونه متكلماً، فالكلام صفته المتَّصِف بها أزلاً لم يَتَجَرَّدْ، ومَعَ كَوْنِهِ مُتَكَلِّماً فهو في كل وقت يَتَكَلَّمُ بِمَا شاء كيف شاء، على الوجه اللائق بِكَمَالِهِ وجَلالِهِ، فَكَلامُهُ صفته ليس بمخلوق.
وقد أشرنا -مراراً- إلى المحنة التي ابْتَلَى اللهُ بِهَا المسْلِمِينَ في أيام الدولة العباسية بالامتحان بالقول بخلْقِ القُرْآنِ؛ لأَنَّ مِحْنَةَ القول بخلق القرآن نَشَأَتْ فِي أيَّامِ المَأْمُونِ، ولم تزل في أيام المأمون حتى مات، واستفحلت في أيام المعتصم واستحكمت، وفي أيامه ضُرِب سيد المسلمين في زمانه أحمد بن حنبل ﵁ وأرضاه)، يُضرب حتى يُرفع من محل الضرب لا يعرف ليلاً من نهار، إذا أفاق قالوا له: قل: القرآن مخلوق. فيقول: لا، القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. وكذلك مضى زمن الواثق والمحنة قائمة على ساق وقدم، وقد أزالها الله على يد المتوكل غفر الله له وعفا عنه؛ لأن محنة القول بخلق القرآن أزالها المتوكل على الله بعد
стр. 2682
أن مضت في زمن المأمون والمعتصم والواثق. وكان بعض المؤرخين يقولون: إنها في أخريات أيام الواثق أنها بردت وانكسرت شوكتها وضعف شرها وقد قدمنا في هذه الدروس السابقة (١) أن ذلك على يد ذلك الشيخ الشامي، صاحب القصة المشهورة، وأنه شيخ جيء به من الشام أيام الواثق بالله، جيء به مكبلاً بالحديد ليمتحن ويقتل في محنة القول بخلق القرآن، وجيء به، وجلس الواثق يوماً -والرواية رواها الخطيب البغدادي عن ابن الواثق محمد من طرق أسانيدها فيها ما يُنكر، ولكنها قصةٌ معناها صحيح، تَلَقَّاهَا العُلَمَاء بالقبول- وذلك أنّ الواثق لما أراد قتل ذلك الشيخ الشامي ﵀ كان إذا أراد قتل أحد أحضر ولده محمداً -وهو الذي روى الخطيب هذه القصة من طريقه- فجيء بالرجل مُقَيَّداً بالحديد، فقال للواثق: السلام عليك يا أمير المؤمنين!! قال: لا سلَّمك الله. فقال الشيخ: بئس ما أدَّبك مؤدبك يا أمير المؤمنين!! الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: آية ٨٦] واللهِ ما حَيَّيت بأحسن منها ولا رَددتها.
فقال الواثق: ائذنوا لأبي عبد الله -يعني الخبيث أحمد بن أبي دؤاد، عامله الله بما هو أهله؛ لأنه سبب هذه البلايا والمحن- وأحضره، فقال له ابن أبي دؤاد: الرجل متكلم!! فقال الواثق لابن أبي دؤاد: ناظر هذا الرجل. فقال الشيخ الشامي: ابن أبي دؤاد أحقر من أن يناظرني -كما جاء في بعض روايات قصته- فقال له ابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: يا ابن أبي دؤاد: ما أنصفتني. يعني: أنَّ الذي يراد أن يُقَدَّمَ للقتل أحق بأن يكون هو السَّائِل. فقال له: سلْ. فقال: ما تقول يا ابن أبِي دُؤاد
стр. 2683
في القرآن؟ قال: أقول إنَّه مخلوق. قال: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، وتأمرهم بها، ويفتن الخلفاء فيها يمتحنون فيها الناس بفتياك ورأيك، هل كان رَسُول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- هل كانوا عالمين بها أو لا؟ فقال ابن أبي دؤاد: ما كانوا عالمين بها. فقال الشيخ الشامي: ما شاء الله!! ما شاء الله!! جهلها رَسُول الله وخلفاؤه الراشدون وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلمها ابن أبي دؤاد!!، فقال ابن أبي دؤاد: أقلني، والمناظرةُ على بابها. فقال له: ذلك لك. ثم قال له: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. قال: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها هل كان رَسُول الله وخلفاؤه الراشدون عالمين بها أو لا؟ قال: كانوا عالمين بها، ولكنهم لم يدعو الناس إليها. فقال له الشيخ الشامي: يا ابن أبي دؤاد: ألم يسعك في أمة محمد ﷺ ما وسع رَسُول الله في أمته، ووسع خلفاءه الراشدين في رعاياهم؟! فَأَلْقَمَهُ حَجَراً وسكت، وقام الواثق وجلس في محل خلوته واضطجع، وجعل رجله على ركبته وقال: جهلها رَسُول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلمها ابن أبي دؤاد؟ ما شاء الله!! ما شاء الله!! ثم قال: علمها رَسُول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون ولم يدعوا الناس إليها، ألم يسعك يا ابن أبي دؤاد ما وسع رَسُول الله وخلفاءه الراشدين في أمةِ محمد ﷺ ؟ ثم دعا بالحداد وقال له: اذهب وفكَّ قيد هذا الشيخ الشامي. وأعطاه أربعمائة دينار، وقال له: انصرف راشداً إلى أهلك.
وذكر الخطيب في بعض روايات هذه القصة بأسانيد ليست قائمة أنَّه بعد ذلك لم يمتحن أحداً. بل روى -أيضاً- عنه أن الواثق رجع عنها في أُخريات حياته.
стр. 2684
وعلى كل حال فالقرآن كلام الله وصِفَته الأزَلِيَّة، ليس بمخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو صفته الأزلية لم يتجرد عن كونه متكلماً يوماً ما، وهو في كل يوم يتكلم بما شاء، كيف شاء، على الوجه اللائق بكماله وجلاله (جَلّ وعلا) من غير مشابهةٍ للخلق، ومن غير تعطيل له من صفته (جَلّ وعلا). وهذا معنى قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: آية ٦] أَبْلَغَهُ إِيَّاهُ: أَوصَلَهُ إِلَيْهِ. والمأمن هنا: اسم مكان -أيضاً- كالمرصد، فالمأمن والمرصد كلاهما اسم مكان، فالمرصد مكان الرصد، والمأمن: مكان الأمن، أي: أبلغه مكان أمنه، وهو داره الذي جاء منها، وأهله الذي جاء من قِبَلِهم. وهذا معنى قوله: ﴿أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأمر بإجارة المشرك المستجير حتى يسمع كلام الله ويَتَفَهَّمَهُ وَاقِع بسبب أنَّهُمْ ﴿قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون الْوَحْيَ، ولا يفهمون عن الله، فإذا طلبوا أن يعلموا ويتعلموا ويسمعوا ما جاء عن الله فلا تمنعوهم من ذلك، فأمِّنوهم حتى يسمعوا ويَتَفَهَّمُوا ويَعْرِفُوا الحَقَّ لَعَلَّ اللهَ يَهْدِيهم، وهذا معنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ
стр. 2685
الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: الآيات ٧ - ١١].
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: آية ٧].
لما أنزل الله أول هذه السورة ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: آية ١] فنبذ العهد إلى كل المعاهدين، وأعلمهم بأنهم حرب بعد مضي أربعة أشهر، ولم يستثنِ من ذلك إلا القوم الذين ثبتوا على عهدهم ولم ينقضوه، ولم يظاهروا أحداً على المؤمنين، بَيَّن في هذه الآية الكريمة أنَّ ذلك الحكم المذكور في أول هذه السورة أنَّه حكم واقع في محله، وأنَّ نبذ العهود إلى المشركين أمرٌ في غاية الإحكام والصواب؛ لأنه قال: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (كيف) هنا حرف يدل على الاستبعاد، يُستبعد جدّاً أن يكون للمشركين عهد يُحْفظون به ويأمنون به على أنفسهم وأموالهم، مع خبث ما يبطنونه من العَدَاوَةِ للمُسْلِمِينَ.
[٢/أ] / والمعنى: أنَّ نبذ عهودهم إليهم حكم في غاية الصواب واقع في موقعه، موضوع في موضعه؛ لأنهم أهل خبثٍ وأهل عداوةٍ ومكْرٍ للإسلام، يستحقون بنبذ عهودهم إليهم، وأن يكونوا حَرباً، إلا الطائفة الذين ثبتوا. وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ يأمنون به على أنفسهم وأموالهم ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ يأمر نبيه بالوفاء به ﴿وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ ﷺ يعمل لهم بمقتضاه ﴿إِلَاّ﴾ الطائفة الثابتة التي لم يوجد منها غدر ولا مكر فهؤلاء مستثنون كما تقدم.
стр. 2686
﴿إِلَاّ الَّذِينَ [عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾] (١) [التوبة: آية ٧] لأن صلح الحديبية الذي عقده النبي ﷺ مع قريش بواسطة سهيل بن عمرو العامري ﵁ دخل في حلف قريش ودخل في صلحهم معهم قبائل من كنانة بن مدركة، منهم: بنو الديل، وبنو ضمرة، وبنو مدلج أولاد بكر بن عبد مناة بن كنانة، وبنو جذيمة بن عامر، عامر هو ابن عبد مناة بن كنانة أخو بكر. فهم أربع قبائل من كنانة، هؤلاء القبائل الأربع من كنانة بن مدركة كانوا أهل عهد مع النبي ﷺ مع قريش، ثم نقض العهد منهم بنو الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بأن عَدَوا على خُزَاعَةَ، ونقض معهم قريش حيث أعانوهم على الخزاعيين، وبَقِيَ بَنُو ضَمْرَةَ وبَنُو جذيمة بن عامر وبنو مدْلِج على عهدهم لم ينقضوا، وهم الذين استثناهم الله (٢).
وهذه المعاهدة وقع عَهْدُهَا في الحُدَيْبِيَةِ كما عليه جميع المؤرخين. والله (جلّ وعلا) ذكر أنها في المَسْجِدِ الحَرَام، والتحقيق أن الحديبية بعضها في الحلّ وبعضها في الحرم. وهذه الآية تدل على أن معاهدة الحديبية وقعت في الطَّرف منها الذي هو مِنَ الحَرَم؛ لأنه جرت العادة أن الله رُبَّمَا أطْلَقَ المسجد الحرام وأراد به جميع الحرم، فالمراد به هنا: إلا الذين عاهدتم في حرم الله عند الحديبية.
стр. 2687
وأطلق على اسم الحرم «المسجد الحرام»؛ لأنَّهُ مِنْ أهم أجْزَائِهِ، وهو أسلوبٌ عربي معروف (١)، ومن إطلاق المسجد الحرام على جميع الحرم: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: آية ١٩١] أي: لا تقاتلوهم في جميع الحرم؛ ولأجل هذه الإطلاقات سيأتيكم أن قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: آية ٢٨] أنَّ المراد به لا يقربوا الحرم كلَّه بعد هذا العام. وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ﴾ في صلح الحديبية ﴿عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ﴾ (ما) مصدرية ظرفية، وهي منصوبة بـ «استقيموا» (٢)، أي: استقيموا لهم وأوفوا لهم بالعهد إلى تمام مُدَّتِهِمْ في جميع المدة التي استقاموا فيها لكم، ولا تبدؤوهم بنقض العهد. وهذا معنى قوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ كما تقدم في قوله: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: آية ٤] هذا معنى قوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾. والذين قالوا: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قُرَيْش (٣). يظهر أَنَّ قَوْلَهُمْ خِلاف التحقيق؛ لأن قريشاً نقضوا العهد وحاربهم النبي ﷺ في فَتْحِ مَكَّةَ قَبْلَ نُزُولِ هذه الآيات مِنْ بَرَاءَة؛ لأنها نزلت عام تسع، وأرسل النبي بها عليَّ بن أبي طالب ﵁ بعد أبي بكر ينادي بها في الموسم عام تسع. وفي ذلك الوقت أهل مكة قد نقضوا قبل هذا بزمان، وغزاهم النبي ﷺ
стр. 2688
وفتح مكة عنوة على التحقيق، وظفر بهم، وسمُّوا الطلقاء، وأعْطَى عَهْداً لمنْ أراد منهم أن يتربَّص كصفْوان بن أميَّة ومَنْ فِي مَعْنَاه. وهذا معنى قوله: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ويدخل في المتقين دخولاً أوَّلِيّاً: الذين لا ينقضون العهود ويوفون بالعهود؛ لأن الوفاء بالعهد وعدم نقضه ونكثه من تقوى الله (جلّ وعلا)، والمتصف بالتقوى يحبّه الله. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾ [التوبة: آية ٨].
هذا تأكيدٌ بعد تأكيد؛ لأن حكم الله بنبذ العهود إلى الكفار أمرٌ في غاية الإحكام والصواب واقعٌ في موقعه، موضوعٌ في موضعه، والفعل هنا محذوف دلَّ ما قبله عليه (١). أي: كيف يكون لهم عهدٌ عند الله وعند رسوله وحالهم أنهم ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: إن يغلبوكم ويقهروكم ويجدوا فرصة يهينونكم بها لا يراعون فيكم العهود ولا الذمم، ولا يراعون شيئاً، بل يقتلونكم، فمن كانوا بهذه المثابة مِنَ الغَدْرِ والمَكْرِ والخِيَانَةِ وسوء الطوايا والنيات، نَبْذ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ هو أمْرٌ في غاية الحكمة والإصابة. وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا﴾ كيف يكون لهم -للمشركين- عهد والحال أنهم إن يظهروا، وقد عُلِمَ من اللغة العربية أن العرب رُبَّما تحذف الفعل بعد (كيف) إذا تقدم ما يدلّ عليه؛ لأن (كيف) هنا حُذف بعدها
стр. 2689
قوله: ﴿كَيْفَ﴾ يكون لهم عهدٌ عند الله وعند رسوله والحال أنهم وغِرَةٌ صدورهم، حرب أضداد ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ ونظير هذا من كلام العرب في حذف الفعل بعد كيف إذا دَلَّ المَقَام عليه قول الشاعر (١):
وَخَبَّرْتُمَاني أنَّمَا الموْتُ بالقُرَى ... فَكَيْفَ وهَاتَا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
ويُروى: «فكيف وهاتا هضبة وكثيب»، هذا قاله بدويّ أعرابي قال له قوم: إن القرى والمدن والحضر فيها الوباء، يموت الناس فيها غالباً. والصحة أجود في الصحاري؛ لأن أهلها أقلّ موتاً!! فخرج إلى الصحراء، فلما خرج إلى الصحراء فإذا قَبْرٌ في الصحراء بجنب كثيب وهضبة فقال:
وَخَبَّرْتُمَاني أنَّمَا الموتُ بالقُرى ... فكيفَ وهَاتَا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
أي: فكيف مات هذا وهو في البادية وليس في القرى؟ وهذا معنى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ معناه: يغلبوكم وينتصروا عليكم، تقول العرب: ظهروا عليهم: إذا غلبوهم وانتصروا عليهم. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: آية ١٤] أي غالبين منتصرين؛ لأن أصل (ظَهَره): علاه فطلع على ظهره، والغالب كأنه يعلو المغلوب حتى يقف على ظهره، ومنه قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوا ظهره (٢) ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف: آية ٩٧]. كيف يكون
стр. 2690
لهم عهد وهم بهذه المثابة من خبث النيّات والطويّات، وشدة العداوة، وغِرَةٌ صدورهم، والحال ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يغلبوكم ويقهروكم وينتصروا عليكم ﴿لَا يَرْقُبُواْ﴾ أي: لا يراعوا فيكم.
﴿إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ ولا يحفظوا لكم ﴿إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ اعلموا أن المراد بـ (الإلّ) هنا فيه لعلماء التفسير أقوالٌ متقاربة (١):
قال بعض العلماء: (الإلُّ) اسم الله بالعبرانية. واستأنسوا لهذا ببعض القراءات الشاذة: (لا يرقبوا فيكم إِيْلاً ولا ذمة) (٢) والإيل من أسماء الله بالعبرية. فجبرائيل معناه: عبد الله، وإسرافيل: عبد الله، وإسرائيل: عبد الله. وهذا القول قال به جماعة من العلماء، أن (الإيل والإلّ) تطلق على الله، ومعروفٌ في قصة أبي بكر الصديق ﵁ أنه لما جاءه قوم من أصحاب مسيلمة الكذَّاب وقال لهم: اقرؤوا علي مما يدّعي أنه ينزل عليه. فقرءوا عليه شيئاً مِنْ تُرَّهَاتٍ مسيلمة الكذَّاب، فقال: أنتم تعلمون أن هذا لم يخرج من إلّ، أن هذا كلام لم يصدر من الله. وعلى هذا القول فالمراد: إن يظهروا عليكم ويغلبوكم لا يراقبوا فيكم الله، ولا يراعوا فيكم الله، ولا العهود. هذا قال به قوم.
وقالت جماعات من العلماء: (الإلّ) هنا المراد به القرابة، أي: لا يراعون فيكم قرابة، بل يقتلونكم وإن كنتم من قراباتهم. وبهذا قال جماعات من علماء التفسير، وإطلاق الإلِّ على القرابة
стр. 2691
معنى معروف في كلام العرب مشهور، ومنه قول تميم بن مقبل (١):
أَفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا ... قَطَّعُوا الإِلَّ وأَعْرَاقَ الرَّحِمْ
أي: قطعوا القرابات ولم يصلوها، ومنه بهذا المعنى قول حسان بن ثابت ﵁ (٢):
لََعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ في قُرَيْشٍ ... كَإِلِّ السَّقْبِ مِنْ رأْلِ النَّعَامِ
يعني: إنّ قرابتك في قريش كذب كقرابة السقب الذي هو الحوار -أعني ولد الناقة- من رألِ النعام، ولا قرابة بين أولاد الإبل وأولاد النعام، ومن هذا المعنى قول يزيد بن مفرغ الحميري في شعره الذي ينفي به نسب زياد بن أبيه عن قريش، ويعاتب معاوية في استلحاقه له؛ لما كان بينه وبين عبّاد بن زياد من العداوة، وما أهانه به عبّاد بن زياد كما هو معروف، قال يزيد بن مفرّغ الحميريُّ في ذلك أبياته المشهورة التي يقول فيها (٣):
ألَا أبْلِغْ معاويةَ بْنَ حَرْبٍ ... مُغَلْغَلَة مِنَ الرَّجُلِ اليَمَانِي ...
أَتَغْضَب أن يُقالَ أَبُوكَ عَفٌّ ... وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِي
إلى أن قال في ابن زياد:
فَأَشْهَدُ أَنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ ... كَإِلِّ الجِلِّ مِنْ وَلَدِ الأَتَانِ
أَيْ: إِنَّ قَرَابَتَكَ فِي قُرَيْش، وهذا معنى معروف في كلام العرب، وعلى هذا القول ﴿لَا يَرْقُبُواْ﴾ أي: لا يُرَاعُون ولا يحْفَظُون
стр. 2692
فيكم ﴿إِلاًّ﴾ أي: قرابة ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ أي: لا قرابة ولا عهداً، وقال بعض العلماء: الإلّ هو الحِلْفُ، فالعَرَبُ تقول: بَيْنِي وبين فلانٌ إِلٌّ: إذا كان بَيْنَكُمَا حِلْفٌ. قالوا: واشتقاق (الإِلُّ) أنهم كانوا إذا تَحَالَفُوا وتَمَاسَحُوا بالأَيْدِي عند الحلف رفعوا أصواتهم، والعرب تقول: «ألَّ، يَؤُلُّ» إِذَا صَرَخَ ورَفَعَ صوته، ومنه: أَلِيلُ المَرِيضِ؛ أي: أَنِينُ المَرِيضِ المُرْتَفِع، والعرب تقول: «دعت الجارية أَلَلَيْهَا» إذا وَلْوَلَتْ؛ لأن الأليل صراخٌ وصوت. ومنه قولهم: دَعَتِ الجارية ألليها: إذا وَلْوَلَتْ قَول الكميت (١):
وأنتَ ما أنت في غَبْراءَ مُظْلمةٍ ... إذا دَعَتْ أَلَلَيْها الكَاعِبُ الفُضُلُ
وقال قومٌ آخرون: إن (الإلّ) معناه العهد. وعلى هذا القول فهو شيءٌ معطوف على نفسه باختلاف اللفظين، وقد قدّمنا في هذه الدروس مراراً (٢) أن عطف الشيء على نفسه بلفظين مختلفين أنه أسلوبٌ عربي معروف؛ لأن المغايرة في اللفظ ربما نزلتها العرب كمغايرة المعنى. وهذا الأسلوب في اللغة العربية وفي القرآن، فمن أشهر أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: الآيات ١ - ٤] لأن (الذي) و (الذي) كلها واقعة على شيء واحد هو الله (جلّ وعلا)، إلا أنه لما اختلفت الألفاظ صار العطف بسبب اختلافها، وهو أسلوب معروف في العربية، ومن شواهده المشهورة قول الشاعر (٣):
стр. 2693
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ ... ولَيْثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم
وهو كثير في كلام العرب، ومما أنشده له صاحب اللسان قول الشاعر (١):
إِنِّي لأعظم في صدر الكَميِّ على ... ما كان في زَمَنِ التَّجْدِيرِ والقِصَرِ
وقول عنترة في معلقته (٢):
حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... أَقْوَى وأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الهَيْثَمِ
لأن (الإقواء) و (الإقفار) معناهما واحد. و (التجدير) و (القصر) معناهما واحد.
واختار كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀ أن هذه المعاني كلها يجب حمل (الإلِّ) عليها؛ لأنه شاملٌ لِلْعَهْدِ والقرابة، والحلف (٣)؛ أي: لا يُرَاعُونَ فِيكُمْ عَهْداً، ولا قرابة، ولا حلفاً، ولا يُرَاعُونَ اللهَ فِيكُمْ. وهَذَا الذي ذهب إليه هو مِنْ حَمْلِ المُشْتَركِ على مَعَانيه، وحمل المشترك على معنييه أو معانيه مما اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماء الأصُول، والذي حَرَّرَهُ المحققون من أصوليي أصحاب المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على مَعْنَيَيْهِ أو معانيه (٤)، فيجوز أن تقول مثلاً: عدا اللصوص البارحة على
стр. 2694
عين زيد. تعني: أنه عَوَّروا عَيْنَهُ الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسَرقوا عينه التي هي ذهبه وفِضَّتُه فتحمله على الجميع إذا قَصَدْتَ ذَلِكَ، وكان في كلامه ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾.
﴿يَرْقُبُواْ﴾ معناه: يَحْفَظُوا ويُرَاقِبُوا ويُرَاعُوا. والذمَّةُ: مَعْنَاهُ العَهْدُ، وكل ما تجب المحافظة عليه ويؤاخذ بِنَكْثِهِ تسميه العرب (ذِمَّة). وهو هنا: العَهْدُ، وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني: يبذلون لكم الكلام الطيب الحلو باللسان دون ما في القلوب؛ لأن ما في قلوبهم من البغض وإضمار العداوة والشحناء لا يساعد وما تجري به ألسنتهم، فالألسنة تقول شيئاً وما تنطوي عليه الصدور شيءٌ آخر. وهذا معنى قوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تُوَافِقُ مَا يَنْطِقُونَ بِهِ بِأَفْوَاهِهِمْ لما هي منطوية عليه من الكفر والبغض وشدة العَدَاوَةِ لَكُمْ. وهذا معنى قوله: ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ والقلوب هنا جمع قَلْب. وهذه الآيات وأمثالها تدلُّ على أن الذي يدرك ويقع فيه الإباء والانْقِيَاد وجميع أنواع الإدْرَاك كلّه القلب (١). وذلك أمرٌ لا شك فيه؛ لأن الذي خلق العقل ومنَّ بالعَقْلِ أعْلَم حيث وَضَعَ العَقْل، فالله (جلّ وعلا) في آيات كتابه يبين دائماً أنه جعله في القلب كقوله: ﴿لهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: آية ١٧٩] وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: آية ٤٦] ولم يقل الله يوماً ما: ولكن تعمى الأدمغة التي في
стр. 2695
الرؤوس. ولم يقل: فإنها لا تعمى الأدمغة. أبداً؛ لأن العَقْلَ محلُّه القَلْب هذا جاء به الوحي الصحيح وكلام مَنْ خَلَقَ القَلْبَ وتَفَضَّلَ بالقَلْبِ، فلَمْ يَأْتِ فِي آيَةٍ واحِدَة ولا في حديثٍ واحد أن مَرْكَزَ العَقْلِ فِي الدِّمَاغِ أَبَداً، لم يقل الله: لهم أدمغة يفقهون بها. أبداً، ولكن يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾، و ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ ولم يقل: وتأبى أدمغتهم.
أبداً، والذي خَلَقَ القَلْبَ وَمَنَّ به ووضعه لا شكّ أنه أعلم بالمحل الَّذِي وَضَعَ به مِنْ فَلْسَفَاتِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ الجَهَلَةِ وأذْنَابِهِمْ، وهذا معنى قوله: ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الفسق: الخروج عن طاعة الله، فكل خارجٌ عن طاعة الله فَهُو فَاسِق، ومنه قوله: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ٥٠] أيْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، والعَرَبُ تقول: فسق عن الطريق: إذا خرج منها. ومنه قول الرَّاجِزِ (١):
يَهْوَينَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِراً ... فَوَاسِقاً عن قَصْدِهَا جَوَائِرَا
فواسقاً؛ أي: خارجات عن طريقهن.
والمراد بالفسق شرعاً: هو الخروج عن طاعة الله. والخروج عن طاعة الله قد يعظم، وقد يكون بعضه أعظم من بعض، فالخروج الأكبر هو الكفر بالله، والمعاصي والكبائر خروج دون خروج؛ ولذا سُمّي الكافر فاسقاً؛ لأنه خارج عن طاعة الله الخروج الأعظم، كقوله جل وعلا: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٦] وقد يطلق الفسق على خروج دون خروج، كالمرتكب لبعض الذنوب، كقوله: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: آية ٦].
стр. 2696
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يُقال: لِمَ قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم جميعهم فاسقون، أكثرهم وأقلهم، كلهم فاسقون، فما وجه التعبير بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾؟
أجاب جماعة من العلماء عن هذا السؤال بأن المراد بالفسق هنا فسق خاص، وهو فسق نقض العهود وعدم الوفاء بها (١)، أي: وأكثرهم ناكثون، ناقضون للعهود، فاسقون هذا النوع الخاص من الفسق، وإن كان الجميع مشتركين في أنواع الفسق والكفر. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩)﴾ [التوبة: آية ٩].
﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الاشتراء في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: الاستبدال، فكل أحد استبدل شيئاً من شيء تقول العرب: اشتراه، فالاشتراء في لسانها يتناول كل استبدال كائناً ما كان، ومن هذا المعنى قول الراجز (٢):
بُدِّلْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ... وبالثَّنَايَا الواضِحَاتِ الدَّرْدَرَا ...
كَمَا اشْتَرى المُسْلمُ إذْ تَنَصَّرَا
أي: كما تبدل المسلم، إذا أخذ النصرانية بدل الدين.
والثمن في لغة العرب: تطلقه على كل عوض كائناً ما كان، تسميه العرب ثمناً. أما إطلاق (الشراء) على الثمن والمثمن، وتسمية المبيع (مُثمناً)، والمدفوع فيه (ثمناً) فهو اصطلاح خاص للفقهاء في
стр. 2697
البيوع. ومن إطلاق (الشراء) على الاستبدال و (الثمن) على كل عوض في اللغة العربية قول علقمة بن عَبَدَة التميمي (١):
والحَمدُ لا يُشتَرى إلا له ثَمَنٌ ... مما تَضِنُّ به النفوسُ مَعْلُومُ
ومن هذا المعنى قول ابن أبي ربيعة المخزومي (٢):
إن كنت حَاوَلْتَ دُنيا أو أَقَمْتَ لها ... ماذا أَخَذْتَ بتركِ الحَجِّ من ثَمَنِ
أي: من عوض يخلفه لك. وهذا معنى ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ استبدلوا بآيات الله الشرعية -التي هي هذا القرآن العظيم- تركوها وتَعَوَّضُوا منها ثمناً قليلاً. واختلف العلماء بالمراد بهذا الثَّمَنِ القَلِيل (٣)، فقال جماعة من العلماء: هي نزلت في قوم من الأعراب الذين كانوا عاهدوا النبي ﷺ فدعاهم أبو سفيان بن حرب، وأطعمهم أُكْلَة، ونقضوا العهود بسبب ذلك. وهذا قاله جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المفسرين في هذه الآية. وهو مستبعد جدّاً؛ لأن هذه الآية من براءة نزلت بعد إسلام أبي سفيان؛ لأنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ عَامَ الفَتْحِ عَامَ ثَمَانٍ، وَهَذِهِ نَزَلَتْ عَامَ تِسْعٍ.
وقال بعض العلماء: هي في اليهود؛ لأنهم هم الذين تَبَدَّلُوا الرُّشَا من بيان الحق، وهو ضعيف أيضاً.
والتحقيق -إن شاء الله- أن المعنى: أن الكفار تبدلوا من آيات الله والعمل بما جاء عن الله ثمناً قليلاً من متاع الحياة الدنيا، وهو -مثلاً- عدم التقيد بالشرع، وبقاؤهم على ما كانوا عليه،
стр. 2698
واتباعهم أهواءهم، كما قال (جل وعلا): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية ٩٠] فتعوضوا من هذا اتباعهم هواهم، وبقاءهم على ما كانوا عليه؛ لأنه أحب إليهم. وهذا شيء تافه تَعَوَّضُوا مِنْهُ سَعَادَةَ الدنيا والآخرة. وهذا معنى قوله: ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ الظاهر أن (صَدّ) (١) هنا هي المتعدية، والمفعول محذوف؛ أي: فصدوا الناس عن سبيله؛ لأن صدودهم في أنفسهم معلوم من قوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ لأَنَّ مَنِ اشْتَرَى بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قليلاً فهو صَادٌّ عن سبيل الله، فبيَّنَ أنَّهُمْ ضُلَاّل بقوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وبيّن أنهم مُضِلُّونَ بقوله: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: صدوا غيرهم عن سبيل الله (جل وعلا).
والسبيل: معناه الطريق. وسبيل الله: دين الإسلام؛ لأنه طريق الله التي أمَرَ بِهَا وَوَعَدَ الجزاء الحسن لمن اتَّبَعَها؛ ولذا سُميت: (سبيل الله) أي: طريقه التي يدعو إليها، والتي تُوَصِّلُ إلى رضاه، وإلى نَيْلِ ما عنده مِنَ الكرامة.
وقد قدمنا أن (السبيل) تُذكَّر وتؤنث (٢)، فمن تذكيرها في القرآن: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ﴾ [الأعراف: آية ١٤٦] برجوع الضمير مذكراً على السبيل. ومن تأنيث السبيل: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: آية ١٠٨]، ولم يقل: «هذا سبيلي أدعو إلى الله».
стр. 2699
وهذا معنى قوله: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: آية ٩].
﴿سَاء﴾: فعل جامد لإنشاء الذم. هو بمعنى (بئس)؛ لأن (ساء) بمعنى (بئس) وتعمل عمل (بئس) ( ... ) (١).
و (ما) إذا جاءت بعد (بئس) أو (نِعم) قال بعض العلماء: يجوز أن تكون نكرة مميزة للفاعل الذي هو الضمير المحذوف، ويجوز أن تكون هي فاعل (بئس) و (ساء) و (نِعم) (٢). وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فعلى أنها مميّزة فالتقدير: (ساء هو) أي: بئس هو شيئاً كانوا يعملونه. وعلى أنها فاعل فالأمر واضح. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾ [التوبة: آية ١٠] كائناً من كان ﴿إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ أي: قرابة ولا عهداً. أو: لا يرقبون في مؤمنٍ اللهَ، لا يرقبون اللهَ ولَا يَخَافُونه في المؤمنين فيتَّقون الله فيهم.
ثم قال: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ المعتدي: (مُفْتَعِل) من العدوان، والعدوان: مجاوزة الحد. والمراد بالمعتدين: الذين يُجَاوِزُونَ مَا أحَلَّ اللهُ إِلَى ما حَرَّم. وهذا معنى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.
ثم قال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: آية ١١] فسَّرْناها.
﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فَهُمْ إخْوَانُكم في الدين. مفهومه: أنهم إن
стр. 2700
لم يتوبوا من الشرك، أو لم يقيموا الصلاة، أو لم يؤتوا الزَّكَاة لا يكونون إخواننا في الدين. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ آيات هذا القرآن العظيم، نفصِّلُهَا معْنَاه: نُبَيِّنُهَا ونوضِّحُهَا، ولا نترك بها إجْمَالاً.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إنما خَصّ القَوْم الذين يعلمون؛ لأنهم هم المنتفعون بِهَا؛ لأن من لم يرزقهم اللهُ عِلْماً لا ينتفعون بها. وجرت العادة في القرآن أنه يخص بالشيء العام المنتفعين به دون غيرهم، كقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: آية ٤٥] لأنه المنتفع بالإنذار، وإن كان منذراً للأَسْوَدِ والأحْمَرِ ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ [يس: آية ١١] لأنه المنتفع مع أنه منذر للأسود والأحمر ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] لأنه هو المنتفع، وإن كان يُذكِّر جميع الخلق بالقرآن (١). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. ونرجو الله (جل وعلا) أن نكون ممَّنْ يَفْهَم عن الله تفصيله لآياته؛ لأن هذا القرآن العظيم فَصَّلَ اللهُ فِيهِ كلَّ شَيْء، وأوْضَحَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً ... ﴾ الآية [الأعراف: آية ٥٢].
﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ