← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يُقال: لِمَ قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم جميعهم فاسقون، أكثرهم وأقلهم، كلهم فاسقون، فما وجه التعبير بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾؟ أجاب جماعة من العلماء عن هذا السؤال بأن المراد بالفسق هنا فسق خاص، وهو فسق نقض العهود وعدم الوفاء بها (١)، أي: وأكثرهم ناكثون، ناقضون للعهود، فاسقون هذا النوع الخاص من الفسق، وإن كان الجميع مشتركين في أنواع الفسق والكفر. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩)﴾ [التوبة: آية ٩]. ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الاشتراء في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه: الاستبدال، فكل أحد استبدل شيئاً من شيء تقول العرب: اشتراه، فالاشتراء في لسانها يتناول كل استبدال كائناً ما كان، ومن هذا المعنى قول الراجز (٢): بُدِّلْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ... وبالثَّنَايَا الواضِحَاتِ الدَّرْدَرَا ... كَمَا اشْتَرى المُسْلمُ إذْ تَنَصَّرَا أي: كما تبدل المسلم، إذا أخذ النصرانية بدل الدين. والثمن في لغة العرب: تطلقه على كل عوض كائناً ما كان، تسميه العرب ثمناً. أما إطلاق (الشراء) على الثمن والمثمن، وتسمية المبيع (مُثمناً)، والمدفوع فيه (ثمناً) فهو اصطلاح خاص للفقهاء في

стр. 2697

البيوع. ومن إطلاق (الشراء) على الاستبدال و (الثمن) على كل عوض في اللغة العربية قول علقمة بن عَبَدَة التميمي (١): والحَمدُ لا يُشتَرى إلا له ثَمَنٌ ... مما تَضِنُّ به النفوسُ مَعْلُومُ ومن هذا المعنى قول ابن أبي ربيعة المخزومي (٢): إن كنت حَاوَلْتَ دُنيا أو أَقَمْتَ لها ... ماذا أَخَذْتَ بتركِ الحَجِّ من ثَمَنِ أي: من عوض يخلفه لك. وهذا معنى ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ استبدلوا بآيات الله الشرعية -التي هي هذا القرآن العظيم- تركوها وتَعَوَّضُوا منها ثمناً قليلاً. واختلف العلماء بالمراد بهذا الثَّمَنِ القَلِيل (٣)، فقال جماعة من العلماء: هي نزلت في قوم من الأعراب الذين كانوا عاهدوا النبي ﷺ فدعاهم أبو سفيان بن حرب، وأطعمهم أُكْلَة، ونقضوا العهود بسبب ذلك. وهذا قاله جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المفسرين في هذه الآية. وهو مستبعد جدّاً؛ لأن هذه الآية من براءة نزلت بعد إسلام أبي سفيان؛ لأنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ عَامَ الفَتْحِ عَامَ ثَمَانٍ، وَهَذِهِ نَزَلَتْ عَامَ تِسْعٍ. وقال بعض العلماء: هي في اليهود؛ لأنهم هم الذين تَبَدَّلُوا الرُّشَا من بيان الحق، وهو ضعيف أيضاً. والتحقيق -إن شاء الله- أن المعنى: أن الكفار تبدلوا من آيات الله والعمل بما جاء عن الله ثمناً قليلاً من متاع الحياة الدنيا، وهو -مثلاً- عدم التقيد بالشرع، وبقاؤهم على ما كانوا عليه،

стр. 2698

واتباعهم أهواءهم، كما قال (جل وعلا): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية ٩٠] فتعوضوا من هذا اتباعهم هواهم، وبقاءهم على ما كانوا عليه؛ لأنه أحب إليهم. وهذا شيء تافه تَعَوَّضُوا مِنْهُ سَعَادَةَ الدنيا والآخرة. وهذا معنى قوله: ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾. ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ الظاهر أن (صَدّ) (١) هنا هي المتعدية، والمفعول محذوف؛ أي: فصدوا الناس عن سبيله؛ لأن صدودهم في أنفسهم معلوم من قوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ لأَنَّ مَنِ اشْتَرَى بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قليلاً فهو صَادٌّ عن سبيل الله، فبيَّنَ أنَّهُمْ ضُلَاّل بقوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وبيّن أنهم مُضِلُّونَ بقوله: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: صدوا غيرهم عن سبيل الله (جل وعلا). والسبيل: معناه الطريق. وسبيل الله: دين الإسلام؛ لأنه طريق الله التي أمَرَ بِهَا وَوَعَدَ الجزاء الحسن لمن اتَّبَعَها؛ ولذا سُميت: (سبيل الله) أي: طريقه التي يدعو إليها، والتي تُوَصِّلُ إلى رضاه، وإلى نَيْلِ ما عنده مِنَ الكرامة. وقد قدمنا أن (السبيل) تُذكَّر وتؤنث (٢)، فمن تذكيرها في القرآن: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ﴾ [الأعراف: آية ١٤٦] برجوع الضمير مذكراً على السبيل. ومن تأنيث السبيل: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: آية ١٠٨]، ولم يقل: «هذا سبيلي أدعو إلى الله».

стр. 2699

وهذا معنى قوله: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: آية ٩]. ﴿سَاء﴾: فعل جامد لإنشاء الذم. هو بمعنى (بئس)؛ لأن (ساء) بمعنى (بئس) وتعمل عمل (بئس) ( ... ) (١). و (ما) إذا جاءت بعد (بئس) أو (نِعم) قال بعض العلماء: يجوز أن تكون نكرة مميزة للفاعل الذي هو الضمير المحذوف، ويجوز أن تكون هي فاعل (بئس) و (ساء) و (نِعم) (٢). وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فعلى أنها مميّزة فالتقدير: (ساء هو) أي: بئس هو شيئاً كانوا يعملونه. وعلى أنها فاعل فالأمر واضح. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾ [التوبة: آية ١٠] كائناً من كان ﴿إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً﴾ أي: قرابة ولا عهداً. أو: لا يرقبون في مؤمنٍ اللهَ، لا يرقبون اللهَ ولَا يَخَافُونه في المؤمنين فيتَّقون الله فيهم. ثم قال: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ المعتدي: (مُفْتَعِل) من العدوان، والعدوان: مجاوزة الحد. والمراد بالمعتدين: الذين يُجَاوِزُونَ مَا أحَلَّ اللهُ إِلَى ما حَرَّم. وهذا معنى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: آية ١١] فسَّرْناها. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فَهُمْ إخْوَانُكم في الدين. مفهومه: أنهم إن

стр. 2700

لم يتوبوا من الشرك، أو لم يقيموا الصلاة، أو لم يؤتوا الزَّكَاة لا يكونون إخواننا في الدين. وهذا معنى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ آيات هذا القرآن العظيم، نفصِّلُهَا معْنَاه: نُبَيِّنُهَا ونوضِّحُهَا، ولا نترك بها إجْمَالاً. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إنما خَصّ القَوْم الذين يعلمون؛ لأنهم هم المنتفعون بِهَا؛ لأن من لم يرزقهم اللهُ عِلْماً لا ينتفعون بها. وجرت العادة في القرآن أنه يخص بالشيء العام المنتفعين به دون غيرهم، كقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: آية ٤٥] لأنه المنتفع بالإنذار، وإن كان منذراً للأَسْوَدِ والأحْمَرِ ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ [يس: آية ١١] لأنه المنتفع مع أنه منذر للأسود والأحمر ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: آية ٤٥] لأنه هو المنتفع، وإن كان يُذكِّر جميع الخلق بالقرآن (١). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. ونرجو الله (جل وعلا) أن نكون ممَّنْ يَفْهَم عن الله تفصيله لآياته؛ لأن هذا القرآن العظيم فَصَّلَ اللهُ فِيهِ كلَّ شَيْء، وأوْضَحَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً ... ﴾ الآية [الأعراف: آية ٥٢]. ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ

стр. 2701

بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [التوبة: الآيات ١٢ - ١٦]. [هذه] (١) الآياتُ من سورة براءة يكاد المفسِّرون من الصحابة فمن بعدهم يُجمعون على أنها نازلة في نقض أهل مكة للعهد الذين عقدوه مع النبي ﷺ بالحديبية (٢)، وذلك يدل على أن بعض هذه الآيات من سورة براءة نزلت قبل التاريخ الذي كنا نقول؛ لأن هذا نازل قبل عام تسع على القول بأنها في أهل مكة، وعامة المفسرين يقولون: إنها فيهم، ولا نعلم أحداً ممن اشتهر عنهم أخذ العلم يقول في غيرهم إلا القول المروي عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن هذه في قوم لم يقاتَلوا بعدُ وقت نزولها (٣). وعلى هذا القول فلا تُحفظ تفاصيل لهذا النكث والنقض، بل الظاهر والسياق يقتضي أنها في أهل مكة؛ لأن قوله: ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: آية ١٣] الذين هموا بإخراجه هم أهل مكة، وعلى هذا عامة المفسرين. ومعنى الآية الكريمة: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: آية ١٢] النكث في لغة العرب: هو تفكيك طاقات الشيء المفتول، فالحبل المفتول -مثلاً- إذا فككتَ طاقاته، وجعلت كل واحدة منها على حدة فقد نكثته، وقد نقضته، كما في قوله: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾

стр. 2702

[النحل: آية ٩٢] جمع نِكْث. وعلماء البلاغة يقولون: إن النكث والنقض حقيقة في الحسِّيَّاتِ، كل مفتول فككت بين طاقاته فقد نَقَضْته وقد نكثته، وأنها في المعنويات كالعهود مستعارة (١). ونحن دائماً نقول: إنها أساليب عربية نطقت بها العرب منذ تكلمت بلغتها، ونزل بها القرآن، يطلق النكث على تفكيك طاقات الحبل، ويطلقه أيضاً على الإخلال بالعهود ونقضها وإبطالها. ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم﴾ الأيمان: جمع يمين. قال بعض العلماء: هي العهود (٢). وقال بعض العلماء: هي الأيمان التي تؤكَّد بها العهود؛ لأنهم إذا أُخِذَت عليهم العهود أكدوها بالأيمان. وقوله: ﴿مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي: من بعد العهد الذي عقدوه مع النبي ﷺ . ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ الطعن في الدين معناه: استنقاصه وثَلْبه بالمعايب. يقولون: إن دين الإسلام ليس بشيء، وأنهم يعيبونه إذا نقضوا العهد وعابوا الدين وثلبوه.

стр. 2703

﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الأصل: فقاتلوهم، إلا أن هؤلاء الذين ينقضون العهود ويسبون الدين أجرى الله العادة أنهم الرؤساء المتبوعون؛ لأن الله أجرى عادته بأن الذين يناصبون الرسل بالعداوة هم القادة المتبوعون المُتْرَفُون، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [الزخرف: آية ٢٣] المتنعمون الكبار منها. وهذه سنة الله في خلقه؛ ولذلك لما سأل هرقل أبا سفيان في حديثه الصحيح المشهور: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعافهم؟ فقال: بل ضعافهم. قال: أولئك أتباع الأنبياء (١). وهذه سنة الله في كونه؛ ولذا قال: ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾. قرأ هذا الحرف من السبعة نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ بجعل الهمزة الأخيرة بين بين (٢)، وقرأه عامة الباقين من السبعة: ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين. والأئمة جمع إمام، وأصله: أَأْمِمَة وزنه: (أَفْعِلَة) جمع (فِعَال) كمثال وأمثلة. توصِّلَ فيه إلى الإدغام بتسكين الميم الأولى، ونُقِلَت حركتها إلى الهمزة فقيل فيه: (أئمة) (٣) والأئمة جمع الإمام، والإمام

стр. 2704

هو: المقْتَدَى به. وللكفر أئمة يُقْتَدَى بِهِمْ فيه -والعياذ بالله- كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: آية ٤١]. ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: رؤساء الكُفْر وعُظَمَاءَهُ الذين عابُوا دِينَكُمْ ونَقَضُوا عُهُودَكُمْ. والعادة أن الذي يَتَصَدَّى لِتَكْذِيبِ الرّسل وعنادهم وعداوتهم الرؤساء المتبوعون، شياطين الإنس. وما جرى على ألْسِنَة كثير من العلماء هنا أنهم: أبو جهل وأمية بن خلف وسهيل بن عمرو إلى أشراف المذكورين في غزوة بدر، فهو خلاف الظاهر (١) للإجماع على تأخر هذه الآيات كثيراً إلى عام تسع، أو إلى أنها نزلت قبل الفتح عام ثمان، وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ بفتح الهمزة. وهو جمع يمين، وقَرَأَهُ ابْنُ عامر من السبعة: ﴿إنهُمْ لا إِيمانَ لهُمْ لعَلَّهم يَنتَهون﴾ (٢). فعلى قراءة الجمهور (٣): ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ جمع يمين، التحقيق فيها: أنَّ نَفْي أيمانهم على قراءة الجمهور إنما يراد به أنَّهُمْ لا يوفون بها وهي عندهم كَلَا أيْمَان؛ لأنهم ينقضونها، وهذا أسلوب عَرَبِي معروف؛ تقول العرب لمن يكذب وينقض العهود: لا تَغْتَرّ بِيَمِينِ هذا

стр. 2705

فلا يمين له، يعني: لا يَفِي بِهَا ولا يبرّها ولا يوفي بعهد، وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول الحماسي (١): وَإِنْ حَلَفَت لَا يَنْقُضُ البَيْنُ عَهْدَهَا ... فَلَيْسَ لِمَخْضُوبِ البَنَانِ يَمِينُ يعني ليس للنساء أيْمَان؛ لأنهن ينقضنها غالباً. هذا مراده. وقد تمسك الإمام أبو حنيفة ﵀ بظاهر هذه الآية فقال: لا تُقبل يمين من كافر، ويمين الكافر كَلَا شَيْء، فلا يمين له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (٢). وعلى قراءة ابن عامر: ﴿إنهُمْ لَا إِيمَان لهُمْ لعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ ففي معنى الآية الكريمة وجهان واضحان معروفان من التفسير: أحدهُمَا: أن المراد بالإيمانِ المنفِيِّ عنهم هو الإيمان الذي هو دين الإسلام، يعني: لا إسلام لهم ولا دين. القول الثاني: -وهو أظهرهما- أنه مصدر: (آمَنَه يؤمِنُه إيماناً) إذا أمَّنه وجعله في مأمن. فالعرب تقول: آمنت فلاناً أومنه، معناه: أمّنته وجعلت له الأمان، وهو معنى مشهور في كلام العرب؛ منه قول الشاعر (٣): أَيَّانَ نُؤْمِنْكَ تُؤْمَنْ غَيْرَنَا وَإِذَا ... لَمْ تُدْرِكِ الأَمْنَ منَّا لم تَزَلْ حَذِرَا وهذا أظهر القَوْلَيْنِ؛ لأَنَّ نفي الإيمان عن أئمة الكُفْر معروف واضح. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.

стр. 2706

قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ فقاتلوهم لأجل أن يكون قتالكم لهم رادعاً وسبباً لانتهائهم. وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (١) أَنَّ مِنْ أَشْهَرِ مَعَانِي (لعل) في القرآن معنيان: أحدهما: أنها على معناها الظاهر من التَّرَجِّي، والمعنى: قاتلوهم على رَجَائِكُمْ أنَّ ذَلِك القتال يكون موجباً لانتهائهم عن الكُفْر والطعن في الدين، وهذا بحسب ما يظهر للناس الذين يجهلون العواقب، أما الله (جلّ وعلا) فهو عالم بما كان وما يكون، وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: آية ٤٤] أي: على رجائكما بقدر علمكما أن يكون ذلك سبباً لأن يتذكر أو يخشى. الوجه الثاني: هو ما قاله بعض علماء التفسير من أن كل (لعل) في القرآن فهي بمعنى: التعليل، إلا التي في الشعراء ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: آية ١٢٩] قالوا: هي بمعنى كأنَّكُمْ تَخْلدون. وإتيان «لعل» بمعنى التعليل معنىً معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (٢): فقُلتُم لنا كُفُّوا الحروبَ لعلَّنَا ... نكفُّ ووثَّقْتُم لَنَا كلَّ موثقِ فقوله: «كفوا الحروب لعلنا نكف» أي: كفوا لأجل أن نكف عنكم.

стр. 2707

وقوله: ﴿يَنتَهُونَ﴾ أي: يَرْتَدِعُونَ ويَكُفُّونَ وَيَنْزَجِرُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والطَّعْنِ في الدين. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة من سورة براءة: أن الذي يطعن في دين الإسلام بلسانه ويستخف به أنه يُقتل (١)، أما إذا كان ذِمِّيّاً عُقِدَت له ذِمَّةُ المسلمين فطعن في الإسلام أو سبّ النبي ﷺ فالجمهور على أنه يُقتل (٢)؛ لأن ذلك ينتقض به عهده ويبطل به عهده. وقال بعض العلماء: إنه لا يقتل ولكنه يُؤدَّب ويُعَزَّر؛ لأنَّهُ أُعْطِيَ له الأمان وهو على كفره. والأول أظْهَر. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ أي: قاتلوهم لَعَلَّهُمْ يَنتَهُون عن كفرهم. [٢/ب] / قال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: آية ١٣]. (ألا) هنا حرف تَحْضِيض، والتَّحْضِيض معناه الطلب بِحَثٍّ وشِدَّة. والمعنى: إن الله هنا طلب منهم بِحَثّ وشدة أن يقاتلوا هؤلاء الكفَرَة أئمة الكفر، وبيّن لهم أن قِتَالهُمْ إيَّاهُمْ الذي حضَّض عليهم فيه أن له أسباباً متعددة، كل واحد منها يستوجبه بانفراده، فكيف بها مجموعة؟! الأول منها: أنهم نكثوا أيمانهم. الثاني: أنهم هموا بإخراج الرسول (صلوات الله وسلامه عليه).

стр. 2708

الثالث: أنهم بدءوكم بالقتال. فهذه الأسباب حَرِيَّةٌ بأن يُقاتَل الذين اقترفوها وجاءوا بها. وهذا معنى قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً﴾. قد قَدَّمْنَا مِراراً (١) أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، وأنه في الوضع العربي يختص بالذكور دون الإناث، بدليل قوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء﴾ [الحجرات: آية ١١] وأن المرأة ربما دَخَلَتْ فِي اسْمِ (القَوْم) بحكم التَّبَع إذا اقْتَرَنَ بما يدل عليه، كقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣]. وقال بعض العلماء: سُمِّيَ قوم الرجل قوماً؛ لأنه لا قوام للإنسان إلا جماعة ينضم إليها ويدخل في جملتها. وهذا معنى قوله: ﴿قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ﴾ أي: نقضوا عهودهم، أو نقضوا العهود وأخلُّوا بالأيمان التي حلفوها تَوْكيداً للعهود. ﴿نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: آية ١٣] الجَمَاهِير على أنَّ هَؤُلَاءِ الذين هَمّوا بإخراج الرسول هُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ (٢) حين دَبَّرُوا لَهُ المَكِيدَة التي قَدَّمْنَاها مُوضَّحَة في سورة الأنفال (٣) في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: آية ٣٠] والله (جل وعلا) نص في بعض الآيات أنهُمْ أَخْرَجُوهُ بالفِعْل؛ لأنهم في الحقيقة اضطروه وألجئُوهُ (صلوات الله وسلامه عليه) إلى

стр. 2709

الخروج؛ لأن عمه أبا طالب ما دام حيّاً كان يكفّهُمْ عنه، ويرْدَعُهم عنه، ولا يقدرون أن يبلغوا منه المبلغ الذي بلغوا بعد أن مات، وكان يقول له (١): واللهِ لنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بجَمْعِهِم ... حَتَّى أُوسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفينَا ... اصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَة ... ............................... فلما توفي أبو طالب ضيّقوا عليه حتى خرج (صلوات الله وسلامه عليه) ودخل هو وصاحبه الصديق في الغار كما ستأتي قصة ذلك مُفَصَّلة في هذه السورة الكريمة -سورة براءة- حيث نصّ الله عليه فيها. وقد قال جل وعلا: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: آية ١٣] فصرَّح بأنهم أخْرَجُوه. وقال (جلّ وعلا): ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: آية ١] وقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: آية ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: آية ٧٦] إلى غير ذلك من الآيات. والرسول هو سيدنا محمد (صلوات الله وسلامه عليه). وأصل الرسول (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) رَسُول بمعنى مُرْسَل. وأصل الرسول مصدر، إتيان المصادر على وزن (الفعول) مسموع بقلة، كرسول بمعنى الرسالة، وقبول، وولوع، في أوزان قليلة (٢). والتحقيق أن أصل الرسول مصدر، ومن إطلاقه مصدراً قول الشاعر (٣):

стр. 2710

لقد كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِقَوْلٍ وَلا أرسَلْتَهُم بِرَسُولِ يعني: ما أرسلتهم برسالة. ومن فوائد كون أصل الرسول مصدراً؛ لأن هذا الأصل يُحل به بعض الإشكالات في القرآن؛ لأَنَّ مِنَ المُقَرَّرِ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّة أن المصدر إذا نُعت به أُلزم الإفراد والتذكير، وربما تنوسي كونه مصدراً فجُمِع (١)، وقد جاء (الرسول) مجموعاً بلفظ المفرد، وقد جاء مُثَنى بلفظ المفرد؛ لأن الله قال في سورة طه: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا﴾ [طه: آية ٤٧] فثنّى، وقال في سورة الشعراء: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بالإفراد. ووجه الإفراد في آية الشعراء: أن أصل الرسول مصدر، والمصادر إذا نُزِّلت منزلة الأوصاف أُفردت وذُكِّرَت، ويدل لهذا أنه سُمع في لغة العرب إطلاق الرسول مراداً به الجمع؛ لأن أصله مصدر، ومنه بذلك المعنى قول أبي ذؤيب الهذلي (٢): أَلِكْنِي إليها وخَيرُ الرسولِ ... أَعْلَمُهُم بنَوَاحي الخَبَر يعني: وخير الرسل. وهذا معنى قوله: ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾. ثم قال: ﴿وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: آية ١٣] حذف المتعلق لقوله: ﴿بَدَؤُوكُمْ﴾ والظاهر أن المعنى: بدؤوكم بالقتال والعدوان عليكم أول مرة، واختلف العلماء في وجه ذلك على قولين (٣):

стр. 2711

أحدهما: أن ابتداءهم لِلْقِتَالِ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مُفَصَّلاً في سورة الأنفال في غزوة بدر؛ لأن النبي ﷺ خَرَجَ فِيهَا لِلْعِير خَاصَّةً ولم يخرج للقتال، فَلَمَّا سَاحَل أبو سفيان بالعير، ونجت العير، واستنفر النفير، وجاءهم الخَبَرُ أن عِيرَهُمْ قَدْ سلمت، كان مِنْ حَقِّهِمْ في ذلك الوقت أن يرجعوا، كما أشار عليهم به عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ وعُتْبَة بن ربيعة وحكيم بن حزام، ولكن الخبيث أبا جهل قال: والله لا نرجع حتى نرد بدراً -وكانت من مواسم العرب- وتعزف علينا الغواني، ونشرب الخمر. وفي بعض الروايات أنه قال: لا نَرْجِع حتى نستأصل محمداً وأصحابه (١). فلما نجت عيرهم وجاءوا بعد ذلك إلى بَدْر مَعْنَاه أنهم يريدون الشَّرَّ، فكان هذا ابتداءهم بالشر. وقال بعض العلماء: -وهو أظهرهما- أن معنى: ﴿وَهُم بَدَؤُوكُمْ﴾ أي: بدؤوكم بنقض العهود وقتْل مَنْ كان داخلاً في حِلْفِكُمْ كما وقع من قريش في إعانتهم لبني الديل بن بكر على خزاعة فقتلوهم، كما قال راجزهم (٢): هم بَيَّتُونا بالوَتِيرِ هُجَّدَا ... وقَتلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا فابتداء هذا القتل كأنهم بدءوا بالقتل ونقض العهود، وخزاعة في ذلك الوقت لهم حكم أصحاب النبي ﷺ لدخولهم في عهده. وهذا معنى قوله: ﴿وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كان في المرة الأولى ابتداء السوء حاصلاً منهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: آية ١٣].

стр. 2712

ثم إن الله لما أمر النبي ﷺ وأصحابه بقتال الكفار أنكر عليهم أن يخافوا الكفار، قال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ بِهَمْزَةِ الإِنْكَارِ. يعني: لا تخشوا هؤلاء أبداً فإنهم كفَرَة فَجَرَة، والله (جل وعلا) أحَقّ أَنْ تَخْشَوْهُ فتمتثلوا أمره، وتقاتلوا أئمة الكفر الذين همُّوا بإخْرَاجِ الرَّسُولِ، وبدءوا بالشر أول مرة. وهذا معنى قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾. ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ (إن) في قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ تشكل دائماً على المتعلمين وبعض العلماء (١)، و (إن) هذه هي التي اختلف فيها البصريون والكوفيون، وهي كثيرة في القرآن، فالبصريون يقولون: إن (إن) هذه أنها صيغة شرط جيء بها مراداً بها التهييج وقوة الحمل على الامتثال، وهو أسلوب عربي معروف، أن العرب تنطق بأداة الشرط ولا تريد به حقيقة تعليق جزاء على شرط، وإنما تريد به التهييج والدعوة الصارمة إلى الامتثال، كما تقول للرجل: «إن كنت ابن فلان فافعل لي كذا» وأنت تعلم أنه ابن فلان، إلا أنك تستنهضه وتستحثه، ومن هذا المعنى قول واحد من أولاد الخنساء لما أوصتهم بالجهاد في سبيل الله (٢): لستُ لخنساءَ ولا للأَخْرَمِ ... ولا لعمرو ذي الثَّنَاءِ الأَقْدَمِ ... إن لم أَرِدْ في الجَيْشِ جَيْش الأَعْجَمي ... ماضٍ على الهولِ خِضَمّ خِضْرِمِ يعني: إن لم أرد في الجيش فلست ابناً لأبي ولا لأمي. لا يقصد التعليق وإنما يقصد تحريض نفسه على هذا. هذا معناها عند البصريين فيما يصح فيه هذا وفيما لا يصح فيه هذا كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: آية ٢٧] وهم داخلوه قطعاً.

стр. 2713

وقوله ﷺ في أحاديث الزيارة: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (١) وهم لاحقون بهم قطعاً، قالوا: السر في هذا التعليق ليُعَلِّم الله خلقه أنهم لا يتكلمون عن مستقبل إلا بتعليقه على مشيئة من له المشيئة، ولو كان أمراً واقعاً لا محالة فكيف بغيره. أما الكوفيون فإنهم يقولون: إن (إن) هذه بمعنى (إذ) وأنها تعليلية، ويقولون: «فالله أحق أن تخشوه إذ كنتم مؤمنين» أي: لأجل كونكم كنتم مؤمنين فذلك يستوجب منكم الخشية، وإطلاق (إن) بمعنى (إذ) رُبَّمَا سُمِع في كلام العرب، وأنشد له بعض علماء العربية قول الفرَزْدَق (٢): أتَغْضَبُ إن أُذْنَا قُتيبة حُزَّتَا ... جِهَاراً ولم تَغْضَب لِقَتْلِ ابْنِ خَازِمِ يعني: أتغضب لأجل «إذ حُزَّتْ أُذُنَا قُتَيْبَةَ؛ لأجل أَنْ حُزَّتَا» وهذان الوجهان في قوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ١٣]. قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ [التوبة: الآيتان ١٤، ١٥]. [﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ] (٣) وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾.

стр. 2714

لما أَمَرَ اللهُ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه بمقاتلة أئمة الكفر وَعَدَهُمْ وَعْدَهُ الجَمِيل -وهو لا يخلف الميعاد- ليستَنْشِطَ هِمَمَهُمْ بهذا الوعد على امْتِثَال الأمر ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ أي: قاتلوا الكفَرَة وأئمة الكفر ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ «يعذب» فعل مضارع مجزوم بجزاء الطلب، وجماهير مِنْ عُلَمَاءِ العرَبِيَّة يقولون: إن جزم المضارع في جَزَاءِ الطَّلَبِ أن أصله مجزوم بشرط مُقَدَّر دل الأمر عليه، وتقديره: إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم. وهو جائز (١)، فالجزم يجوز، ولو لم يجزم لكان جائزاً؛ لأن الجزم في جزاء الطلب لم يتعين. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ هذا التعذيب الذي يعذبهم الله بأيديهم هو القتل بالضرب الوجيع الذي يصل به صاحبه إلى النار. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ أي: يذللهم ويهينهم بالأسر، فإن القتل تعذيب، والأسر خزي وإهانة وإذلال، وهذا معنى قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾. ﴿وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ويعنكم عليهم حتى تقتلوا منهم وتأسروا. ﴿وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ١٤] (يشف) معناه: يداوي داء قلوبهم؛ لأن المؤمن يكون وَغِر الصدر حانقه على الكافر، كأن قلبه مريض لما فيه من شدة الغضب، وكون صدره وَغِراً على الكفار لكفرهم بالله وقتلهم للمسلمين فإذا أمكنه الله منهم وقتلهم وأَسَرَهُمْ شَفَى ذَلِكَ صَدْرَهُ؛ لأَنَّ الغَيْظَ كأنه داء

стр. 2715

كامن في صدره، والتمكن من الأعداء والتسليط عليهم وقتلهم وأسرهم يشفي ذلك الداء الكامن في الصدر، فينشرح الصدر، ويزول ما كان فيه من كامن المرض الدَّفِين والحِقْد على الكفار. وهذا معنى معروف في كلام العرب مشهور مبتذل جدّاً، ومنه قول مهلهل بن ربيعة (١): ولكنَّا نَهَكْنَا الْقَوْمَ ضَرْباً ... عَلَى الأَثْبَاجِ مِنْهُمْ وَالنّحُورِ ... هتَكْتُ بِهِ بُيُوتَ بَنِي عُبَادٍ ... وَبَعْضُ القَتْلِ أَشْفَى للصُّدُورِ لأن طالب الثأر كأنه وَغِر الضمير حران، فإذا قتل صاحبه بردت غلته وشُفي ما في صدره. وهذا كثير معروف في كلام العرب مَشْهُور. وهذا معنى قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ١٤] قال جَمَاهِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِير: إن المراد بالقَوْمِ المؤمنين أنهم خزاعة (٢) حيث تَمَالأَ عليهم البكريون وقريش وقتّلوهم في الحرم، واسْتَنْجَدُوا بالنَّبِيِّ ﷺ لما أرسلوا عمرو بن سالم في قوم منهم بديل بن ورقاء، وقال عمرو رجزه الذي ذكرنا قبل هذا. وعن النبي ﷺ أنه قال: «لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ» (٣) يعني مِنْ خُزَاعَةَ، وقد كان ذلك سبباً لغزاة الفتح، وقد قتل جماعة من المشركين يوم الفتح، قال بعض المؤرخين: قتل منهم اثنا عشر رجلاً يوم فتح مكة، والأظهر كما قدمنا مراراً أن أهل مكة قُتلت منهم جماعات. وقد جاء في صحيح مسلم ما يدل على ذلك (٤)، ويدل

стр. 2716

على ذلك رجز حماس بن قيس المشهور الذي هو مشهور عند العلماء؛ لأن حماس بن قيس كان في مكة، وكان يقول لامرأته: لأُخدمنك نساء محمد ﷺ ، ولأجعلهن لك خدماً. وكان يقول لها: إذا جئتك منهزماً فأغلقي الباب دوني. فكان في ذلك اليوم في الطائفة التي وقع فيها القتل والقتال فجاءها مذعوراً منهزماً، وكان يقول قبل يوم الفتح (١): إنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمَا لِي عِلَّةٌ ... هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وأَلَّه ... وذُو غِرَارَيْنِ سَرِيْعُ السَّلَّه فلما جاء زَوْجَتَهُ ووجهه كأنه زَعْفَران مِنَ الخَوْفِ، وقال لها تفتح له الباب، فقالت له: أين الذي كنت تقول؟ فقال (٢): إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمَهْ ... إِذْ فَرَّ صَفْوانٌ وفَرَّ عِكْرِمَهْ ... واسْتَقْبَلَتْنَا بالسّيوفِ المُسْلِمَهْ ... لهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ ... يقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وجُمْجُمهْ ... ضَرْباً فَلَا تَسْمعُ إِلَاّ غَمْغَمَهْ ... لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ وهذا صريح في أنهم قاتلوا وقتلوا. وفي صحيح مسلم: أنهم لم يتعرض لهم ذلك اليوم أحد إلا أناموه (٣) كما هو معروف. وقد ذكرناه مُفصلاً في سورة الأنفال (٤). فهذا القتل -قتل قريش وإذلالهم

стр. 2717

وقهرهم- شفى صدور الخزاعيين حيث أخذوا بثأرهم وأذل الله عدوهم. وهذا معنى قوله: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: الآيتان ١٤، ١٥] لِمَا نالوا من شفاء غليل صدورهم من قهر أعدائهم كما قال الشاعر (١): تعلَّمْ شِفَاءَ النَّفسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا ... فَبَالِغْ بِلُطْفٍ فِي التَّحَيُّلِ والمَكْرِ وهذا معنى ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ قراءة الجمهور: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ لأنها ليست معطوفاً على الجزاء، والأفعال المعطوفة على الجزاء جُزمت، والقراءة هنا هي الجزم. أما اللغة فيجوز في الأفعال المعطوفة على الشرط والجزاء معاً بعد أن تستكمل أداة الشرط شرطها وجزاءها، فالأفعال المعطوفة عليها معلوم أنها يجوز فيها ثلاث لغات: الجزم كما في قراءة هذه الآيات، والرفع، والنصب، وهو معنى معروف في كلامهم، وفي أوجه العربية الثلاثة يروى قول نابغة ذبيان (٢): فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قابوسَ يَهلِكْ ... رَبِيعُ النَّاسِ والشَّهْرُ الحَرَامُ ... وَنَأْخُذَ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أجَبّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ فيه: «ونأخذْ»، «ونأخُذُ»، «ونأخُذَ» بالجزم، والنصب، والفتح. وهذا معنى قوله: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ بعد ذلك يتوب الله على من يشاء أن يتوب عليه، قد يوفق بعض المشركين فيتوبون

стр. 2718

إلى الله ويتوب عليهم. وتوبة الله على عبده هي أن يُقِيلَ عَثْرَتَهُ، ويقبل منه رجوعه حتى يكون الذي صَدَرَ مِنْه كَأَنّه لم يكن. ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ أن يَتُوبَ عَلَيْهِ، فمفعول المشيئة محذوف. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كثير العلم يبالغ في علم نفسه لإحاطة علمه بكل شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ لأنه حكيم في شرعه وفي أقواله وأفعاله وتدبيره وجزائه، فهو حكيم في كل شيء، وله الحكمة البالغة (جلّ وعلا). قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة: الآيات ١٦ - ١٩]. يقول الله (جلّ وعلا): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [التوبة: آية ١٦]. (أم) هنا هي المنقطعة. ومعنى (أم) المنقطعة عند علماء العربية: أنها تأتي بمعنى استفهام الإنكار، وبمعنى (بل) الإضرابية، وتأتي بمعناهما معاً، وهو أجودها (١).

стр. 2719

و (حسبتم) معناه ظننتم. والإنكار الذي في قوله: «أم» يتوجه إلى من ظن أنه يدخل الجنة من غير ابتلاء ولا امتحان. والمعنى: أحسبتم، أي: أظننتم أن الله يترككم من غير أن يختبركم بالمشاق التي يظهر بالاختبار بها المطيع من العاصي، والمحق من المبطل، والصادق من الكاذب؟ والمعنى: لا بد أن يبتليكم الله ويمتحنكم بأنواع الابتلاء، ومن أعظمها: الأمر بالجهاد في سبيل الله الذي فيه تعريض المُهَج والأمْوَال للتَّلَفِ والضياع؛ لأن ذلك يظهر به الزائف من الخالص، ويُتَبَيَّن به الصَّادِق مِنَ الكَاذِبِ، وهذا معنى قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ يعني أظننتم؟ الحسبان معناه الظن ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾ أن يَتْرُككم الله من غير اختبار ولا امتحان ولا ابتلاء؟ لا. لا يكون ذلك أبداً ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ هي (لم) النافية دخلت عليها (ما) المزيدة لتوكيد النفي، وهي تدل على توقع حصول الأمر ولم يحصل بالفعل. وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي: يترككم الله ولم يختبركم اختباراً يُعلم به من هو الصادق منكم ومن هو الكاذب، ومن هو المخلص وغيره. وهذه الآيات وأمثالها في القرآن التي ربما يفهم الجاهل منها أن الله يختبرهم ليطرأ له علم بذلك الاختبار، هذا لا يُراد؛ لأنَّ عَالِمَ الغيب والشهادة عالمٌ بِمَا كان وما سيكون وما يقع، وعالم بالمعدومات والموجودات والجائزات والمستحيلات، حتى إنه مِنْ إِحَاطَةِ علمه ليعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد وأنه لا يكون يعلم أن لو كان كيف يكون، كما أوضحناه مراراً (١).

стр. 2720

وجرت العادة في القرآن أن الله ﵎ إذا جاء عنه بعض الآيات التي فيها شبه خفاء لا بد أن يبيّنه ويوضحه في بعض المواضع، وقد أوضح هذا في آية من سورة آل عمران قدمناها مراراً، أوضح فيها أنه يختبر ويبتلي ليُظهر للناس حقيقة الناس، ويعلموا المخلص من الزائف، والصادق من الكاذب، وتلك الآية هي قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: آية ١٥٤] بيّن أن ما أوقع بهم يوم أحد من تسليط المشركين عليهم وقتل سبعين منهم أنه فعل ذلك لأجل أن يبتليهم ويختبرهم ويمحص ما في قلوبهم، فظهر المنافقون من الصادقين، ومع هذا قال بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: آية ١٥٤] ومن هو عالم بما يخطر في الضمائر لا يستفيد بالاختبار علماً سبحانه (جلّ وعلا) عن ذلك. فالمراد بـ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ هنا إظهار مَعْلُومَهُ لِلنَّاسِ، أو العلم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء؛ لأن الله عالم بأفعالهم قبل أن يفعلوها، وعلمه بها أولاً لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعالم أيضاً بها وقت فعلها وذلك العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب. وقال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ يعني: أحسبتم أن يترككم الله ولم يرَ الله عملكم حتى يتبيّن للناس المخلص من غيره (١). وعلى هذا التفسير الذي فسرها به فالمعنى يشبه قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: آية ١٠٥] وعلى كل حال فيجب على كل مسلم أن يعتقد أن علم الله محيط بكل شيء،

стр. 2721

لا يخفى عليه شيء، يعلم ما كان، وما سيكون، وما سبق في علمه أنه لا يكون يعلم أن لو كان كيف يكون. وقد قدمنا في هذه الدروس مراراً (١) الآيات الكثيرة الدالة على إحاطة علمه حتى بالمعدومات الذي سبق في علمه أنها لا توجد، وأنه عالم بأنها لو وُجدت أنها لا تكون، وأنها لو كانت يعلم كيف تكون، دلت على هذا آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله في سورة الأنعام: ﴿فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٧] إذا رأى الكفار الحقائق يوم القيامة نَدِمُوا عَلَى تَكْذِيب الرسل وتمنوا أن يُردوا إلى الدنيا مرة أخرى ليؤمنوا ويصدقوا الرسل، وهذا الرد الذي تمنوه الله عالم بأنه لا يكون، ومع ذلك فقد صرح بأن هذا الرد الذي لا يكون هو عالم أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبداً؛ لأن الله ثبطهم عنها لحكمة وإرادة كما صرح به في قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٤٦] وخروجهم هذا الذي لا يكون صرح بعلمه أن لو كان كيف يكون حيث قال: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ... ﴾ الآية [التوبة: آية ٤٧]. ونظائر هذا كثيرة في كتاب الله (جلّ وعلا) وهذا معنى قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ [التوبة: آية ١٦] يعني: يعلمهم علماً يظهرهم به للناس حتى يتميزوا به، أما هو فهو عالم بكل ما يصنعون وما يؤولون إليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ

стр. 2722

لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: آية ٦٣] يعلمها قبل أن يعملوها. وهذه الآية نصّ الله على ما دلت عليه هنا في آيات كثيرة كقوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: الآيتان ١، ٢] لا يكون ذلك ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ ومن نظائرها قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: آية ١٤٢] وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: آية ٢١٤]. وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل عمران: الآيتان ١٦٦، ١٦٧] أي: يميز بينهم بما يعمله من الاختبار ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: آية ١٧٩] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: آية ٣١] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية المصرحة بأنه قد اقتضت حكمة الله أن لا يترك خلقه من غير ابتلاء وامتحان، بل لا بد أن يمتحنهم ويبتليهم بالشدائد والعظائم ليظهر الذي هو على الحق من الذي هو على الباطل، ويتبين الصادق من الكاذب. وهذا معنى قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: آية ١٦]. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ﴾ معطوف على فعل الصلة، والمعنى: ولما يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الذين لم يتخذوا من دون الله وليجة. والمعنى: لا بد أن يمتحنكم حتى يُعْلَم المجاهد في سبيل الله

стр. 2723

والمخلص الذي لم يتخذ وليجة من دون الله ولا رسوله؛ لأن بعض الناس ظهر نفاقهم وبعضهم ظهر اتخاذهم الوليجة من دون الله. واعلم أن الوليجة في لغة العرب: كل شيء أدخلته في شيء فهو وليجة (١). والمراد بها هنا: بطانة السوء؛ لأنهم يدخلون في المسلمين وليسوا منهم؛ لأن كثيراً من غير المخلصين يتخذون أعداء الله أولياء، ويفشون إليهم أسرار المسلمين، ويطلعونهم على حقائقهم، وهم أعداء للمسلمين، كما كان عبد الله بن أُبيّ وأصحابه يفعلون، هم مع الكفار واليهود، والمعنى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ولم يتخذوا من دون رَسُول الله، ولم يتخذوا من دون المؤمنين وليجة، أي: أولياء وبطانات سوء يوالونهم دون المسلمين؛ لأن الأعداء خارجون عن المسلمين، فإدخالهم فيهم كأنه وليجة لهم وإدخال لمن ليس منهم فيهم. فالوليجة هنا: بطانة السوء، وأولياء السوء، يتخذُهم بعض غير الصادقين في إيمانهم أولياء، كما تقدم في قوله: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: آية ٢٨] فاتخاذ هؤلاء الأولياء هو الوليجة؛ لأن العدو الموالَى من المسلمين المُدْخَل فيهم وليجة فيهم وليس منهم، والعرب تقول للرجل في القوم ليس منهم: هو وليجة. يعني داخل فيهم وليس منهم. ووليجة الأمر: دخيلته، وهؤلاء وليجة فلان، معناه: أصحاب سره وداخله، وتطلق على المفرد والجمع. وهذا معنى ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: آية ١٦] أي: دخيلة من الأعداء يتخذونهم

стр. 2724

أولياء، ويوالونهم، ويفشون إليهم أسرار المسلمين، كما كان يفعله المنافقون، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول أبان بن تغلب: فَبِئْسَ الْوَلِيجَةُ لِلْهَارِبِينَ ... وَالمُعْتَدِينَ وَأَهْلِ الرِّيَب (١) وهذا معنى قوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ أي: بطانة سوء وأولياء يدخلونهم ويولجونهم في المسلمين وليسوا من المسلمين، بل هم أعداء المسلمين، يفشون إليهم أسرار المسلمين، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: آية ١١٨]. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعني: الخبير أخص من العالم، والخبرة أخص من العلم؛ لأن العلم يطلق على كل علم، والخبرة لا تطلق في اللغة إلا على علم خاص، وهو علم الشيء الذي من شأنه أن يخفى، فالعرب تقول في الشيء الذي شأنه أن يخفى: على الخبير سقط، وأنا خبير بهذا. فلو قلت مثلاً: أنا عالم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء، كان هذا كلاماً عربيّاً، ولو قلت: أنا خبير بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء، لما كان هذا كما ينبغي؛ لأن العرب لا تكاد تطلق الخبرة إلا على المعرفة بما من شأنه أن يخفى، كما قال الشاعر في العيافة (٢): خَبِيرٌ بنُو لهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيَا ... مَقَالةَ لهْبيِ إذا الطَّيْرُ مَرَّتِ

стр. 2725

ومعنى خِبْرَته (جلّ وعلا): أنه يعلم الخفايا والخبايا كما يعلم الظاهر، فلا تخفى عليه خافية. وهذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم الذي نوَّهْنَا عنه مراراً كثيرة ولا نزال ننوه عنه. وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة: آية ١٧] ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ مساجدُ هنا ذُكِرَتْ مرتين: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ والثانية في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾. أما الأُولى منهما وهي قولُه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فقد قرأه عامةُ السبعةِ غيرَ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرو: ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ بصيغةِ جمعِ التكسيرِ. وقرأه ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مسجدَ الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ (١). أما مساجدُ الثانيةُ وهي قولُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فقد أَجْمَعَ جميعُ القراءِ على قراءتِها بصيغةِ الجمعِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ولم يقرأها أحدٌ بالإفرادِ كما هو معروفٌ. وقولُه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ سببُ نزولِها أن كفارَ قريشٍ صَدُّوا النبيَّ ﷺ عن البيتِ الحرامِ، وقالوا: هو بيتُنا ونحن أولياؤه، وافتخروا بعمارةِ المسجدِ الحرامِ، كما يأتي. يفتخرونَ دائمًا ببيتِ اللَّهِ الحرامِ وأنهم عُمَّارُهُ وأهلُه، كما سيأتي في قولِه: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تُهْجِرُونَ (٦٧)﴾ [المؤمنون: الآيتان ٦٦، ٦٧]

стр. 2726

وفي القراءة الأُخرى: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ (١). ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالبيتِ، على أَظْهَرِ التفسيرين؛ لأنهم يتكبرون به بأنهم قُطَّانه وعُمَّاره وأولياؤه، فَرَدَّ اللَّهُ عليهم في هذه الآيةِ الكريمةِ. وقد قدمنا طرفًا من ذلك في سورةِ الأنفالِ في قولِه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَاّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَاّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: آية ٣٤]. وقال هنا: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما يصح ولا ينبغي ولا يمكن هذا التناقضُ؛ لأن المساجدَ بيوتُ اللَّهِ، أُسِّسَتْ على طاعتِه والتقربِ إليه بما يرضيه، والمشركونَ كفَرَةٌ فجَرَةٌ، أعمالُهم في المساجدِ كلِّها كفرٌ وتمردٌ على الله وَعُدْوَانٌ، كيف يكونُ هذا يجتمعُ مع هذا؟! لأن المساجدَ إنما بُنِيَتْ لطاعةِ اللَّهِ، وتُؤَسَّسُ على ما يُرْضِي اللَّهَ (جلَّ وعلا) وهؤلاء كفَرَةٌ أعمالُهم كلُّها كفرٌ وصدٌّ عن سبيل الله، فهذا من الشيء الذي لا يمكنُ أن يجتمعَ؛ لأن فيه اجتماعَ النقيضين. وهذا معنَى قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ١٧] وفي قراءةِ ابنِ كثيرٍ وأبِي عمرٍو: ﴿يعمروا مسجدَ الله﴾ هو المسجد الحرام، مسجد مكة حرسها الله. وقولُه: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ هذا محلُّ التناقضِ؛ لأن عمارةَ المسجدِ الحرامِ فِعْلُ الْمُطِيعِينَ والمتقربين إلى اللَّهِ، كيف يفعلونَ هذا في وقتِ الحالِ التي هم شاهدونَ فيها على أنفسِهم بالكفرِ؟ وقولُه: ﴿شَاهِدِينَ﴾ حالٌ من واوِ الفاعلِ في قولِه: ﴿يَعْمُرُوا﴾ أي: يعمروها في حالِ كونِهم شاهدين على أنفسِهم بالكفرِ.

стр. 2727

[٣/أ] / قال بعضُ العلماءِ (١): شهادتُهم على أنفسِهم بالكفرِ إنما هي بأفعالِهم؛ لأن مَنْ سَجَدَ ووضعَ جبهتَه للصنمِ فقد شَهِدَ على نفسِه، وَنَادَى بأعظمِ الكفرِ وأفظعِه. وعلى هذا فهي شهادةُ حَالٍ. وقال بعضُ العلماءِ: هي شهادةُ مقالٍ أيضًا، فهم شاهدون بالحالِ والمقالِ. قالوا: يُرَادُ بذلك أنهم في تَلْبِيَتِهِمْ وطوافِهم بالبيتِ في المسجدِ الحرامِ يقولونَ: لَبَّيْكَ لا شريكَ لكَ، إلا شريكًا هو لَكَ، تملكُه وما مَلَكَ [وقال بعضُ العلماءِ: شهادتُهم على أنفسِهم بالكفرِ هو أن الكافرَ إذا قلتَ له: ما دِينُكَ؟ فيقول] (٢) النصرانيُّ: نصرانيٌّ، والصابئ: صابئٌ، والمشركُ يقول: مشرك؛ لأنه يَعْبُدُ مع الله غيرَه. والله (جلَّ وعلا) ذَكَرَ مثلَ هذا من شهادتِهم على أنفسِهم في غيرِ هذا الموضعِ كقولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: الآيتان ٦، ٧] أي: الإنسان، وفيه الأقوالُ المذكورةُ هنا. وهذا معنَى قولِه: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ لأن عمارةَ مساجدِ اللَّهِ هي من القربةِ والطاعةِ لله لا تمكن من أحد هو في حال وقت فعله إيَّاها شاهدٌ على نفسه بأنه كافر. وعمارةُ المسجدِ الحرامِ تشملُ أَمْرَيْنِ: أحدُهما: العمارةُ الحسيةُ، وهي مَرَمَّتُهُ وبناؤُه وتزيينُ بنائه.

стр. 2728

والثانيةُ: عمارتُه المعنويةُ، وهي عبادةُ اللَّهِ وطاعتُه فيه، واللائقُ بالكفارِ هنا هو الأولُ؛ لأنهم كانوا يَسْدِنُونَ البيتَ وقد بَنَوْهُ، كما قال زهيرٌ (١): وَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ وبناءُ قريشٍ له معروفٌ، حضره النبيُّ ﷺ في صِغَرِهِ كما هو معروفٌ. وهذا معنَى قولِه: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ١٧]. ﴿أُولَئِكَ﴾ الكفرةُ الشاهدونَ على أنفسهم بالكفرِ ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ومنها عمارتُهم للبيتِ الحرامِ؛ لأن الكفرَ يحبطُ جميعَ الأعمالِ. ومعنَى ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ اضْمَحَلَّتْ وكانت لا فائدةَ فيها؛ لأن أفعالَ الكفارِ تضمحلُّ ولا تنفعُهم يومَ القيامةِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنْثُورًا (٢٣)﴾ ويقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: الآيتان ١٥، ١٦] أما أفعالُ الكافرِ من قُرَبِهِ فإنها تنفعُه في الدنيا؛ لأن الكافرَ إذا أطاع اللَّهَ في الدنيا مُخْلِصًا في طَاعتِه لوجهِ اللَّهِ كَأَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ، ويصلَ الرحمَ، وَيُقْرِيَ الضيفَ، وَيُنَفِّسَ عن المكروبِ، ويعينَ [المظلوم] (٢)، فإذا فَعَلَ الكافرُ هذه القربَ يقصدُ بها وجهَ اللَّهِ فإن اللَّهَ يعاوضه في الدنيا ويعطيه ثوابَه في الدنيا من الصحةِ والرزقِ

стр. 2729

والمالِ، ولا شيءَ له يومَ القيامةِ، كما دَلَّتْ على هذا آياتٌ من كتابِ اللَّهِ، كقولِه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: آية ٢٠]. وَثَبَتَ معناه في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أنسٍ ﵁ (١). وهذا معنى قولِه: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: آية ١٧] النار- والعياذُ بالله - هي نارُ الْخِزْيِ التي أَعَدَّ اللَّهُ لأعدائه يومَ القيامةِ. والألفُ التي بين النونِ والراءِ منقلبةٌ عن واوٍ، فأصلُها من مادةِ الأجوفِ واوي العين، أصلها (نَوِرْ) ولذا يقولون في النظرِ من بعيدٍ إلى النارِ: تَنَوَّرْتُهَا. فلو كانت يائيةَ العينِ لقالوا: تَنَيَّرْتُهَا. قالوا واشتقاقُها من: نَارَتِ الظبيةُ. إذا ارتفعت جافلةً؛ لأن طبيعةَ النارِ الارتفاعُ. (٢) ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ خلودُ الكفارِ في النارِ خلودٌ أبديٌّ سرمديٌّ لا انقطاعَ له، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٩٧]، ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَاّ عَذَابًا (٣٠)﴾ [النبأ: آية ٣٠]، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: آية ١٦٢]. ومعروفٌ في هذا إيرادٌ يُورِدُهُ الكفرةُ الملاحدةُ وأذنابُهم وَمَنْ تَعَلَّقَ بهم يقولونَ: إن الله (جلَّ وعلا) في غايةِ الحكمةِ والعدالةِ، وهو العدلُ الحكيمُ (جلَّ وعلا) والكافرُ إنما عَصَى في الدنيا أيامًا معدودةً، قالوا: فكيفَ يكونُ العملُ في أيامٍ معدودةٍ محدودةٍ والجزاءُ دائمٌ لَا ينقطعُ أبدًا؟ وأين الحكمةُ والإنصافُ في هذا؟ قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يقولُ

стр. 2730

هذا!! وهذا يتمسك به الملاحدةُ وأذنابُ الكفرةِ (١). والجوابُ عن هذا أن الكافرَ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - خبثُه الذي ينطوي عليه الذي هو سببُ كُلِّ ما جاءه من البلايا هو دائمٌ أبدًا لا يزولُ ولا ينقطعُ، فكان جزاؤُه دائمًا لا يزولُ ولَا ينقطعُ، والله (جلَّ وعلا) يقول: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: آية ٢١] (خيرًا) نكرةٌ في سياقِ الشرطِ وهي تَعُمُّ، فلا يكونُ في قلوبِهم خيرٌ أبدًا في وقتٍ ما كائنًا ما كَانَ. ومما يوضحُ ذلك: أنهم لَمَّا عاينوا النارَ، وشاهدوا الحقائقَ، وكشفَ اللَّهُ غطاءهم عنهم، وَعَايَنُوا كُلَّ شيءٍ، وَتَمَنَّوُا الردَّ إلى الدنيا مرةً أخرى، صرَّح اللَّهُ بأن ما طُبِعُوا عليه وما جُبِلُوا عليه من الكفرِ لا يزولُ أبدًا، وأنه لو رَدَّهُمْ إلى الدنيا لرجعوا إلى كفرهم؛ لأنهم مُنْطَوُونَ عليه لا يفارقُهم أبدًا، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] فهذا يدلُّ على أنهم لا يَنْفَكُّونَ عن كفرِهم، وأنهم دائمونَ عليه أبدًا، فكان جزاؤُه دائمًا عليهم أبدًا، جزاءً وفاقًا، ولله (جل وعلا) الحكمةُ في كل ما يفعلُه، وهو الحكمُ العدلُ اللطيفُ الخبيرُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: آية ١٨]. [المقررُ] (٢) عند علماءِ العربيةِ أن (إنما) أداةُ حصرٍ وإثباتٍ.

стр. 2731

يعنِي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ العمارةُ المعنويةُ بالعباداتِ وَذِكْرِ اسمِ اللَّهِ فيها، والعمارةُ الحسيةُ، من بنائِها وترميمِها، هذا كُلُّهُ من شأنِ المؤمنينَ، لَا مِنْ شَأْنِ الكفارِ، وهذا قولُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. (مَنْ) فاعل قولِه ﴿يَعْمُرُ﴾ الذي آمَنَ بالله هو الذي يَعْمُرُ مساجدَ اللَّهِ، لا الكافرُ الذي عملُه ضِدٌّ لِمَا بُنِيَتْ له المساجدُ، فهذا تناقضٌ لا يمكنُ أن يكونَ عَامِرًا للمساجدِ، وعملُه ضِدُّ ما بُنِيَتْ له المساجدُ، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: صَدَّقَ به (جلَّ وعلا) وبكلِّ ما يجبُ التصديقُ به. ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ هو يومُ القيامةِ. وجرتِ العادةُ أن اللَّهَ يذكرُ الإيمانَ باليومِ الآخرِ مع الإيمانِ به؛ لأَنَّ الكفرَ باليومِ الآخِرِ سببٌ لكلِّ البلايا وأنواعِ الكفرِ والجحودِ؛ لأن مطامعَ العقلاءِ محصورةٌ في أمرين: هما: جلبُ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، والذي لا يصدقُ بيومِ القيامةِ لَا يرغبُ في خيرٍ في ذلك اليوم، ولا يخافُ من شَرٍّ في ذلك اليومِ، فلا يَنْزَجِرُ عن شيءٍ، ولا يَرْعَوِي عن شيءٍ؛ ولذا كان التكذيبُ بالبعثِ من أشنعِ أنواعِ الكفرِ بالله (جلَّ وعلا) وقد صرَّح اللَّهُ بأن المكذبين بالبعثِ والشاكِّين فيه من حَطَبِ جهنمَ في آياتٍ كثيرةٍ كقولِه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: آية ١١] وقولُه في المنكرين للبعثِ: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهامُ إنكارٍ منهم في الخلقِ الجديدِ بعد الموتةِ الأُولَى، قال اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: آية ٥]. وهذا معنى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ يعني: الصلواتِ المكتوباتِ الخمسَ. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾

стр. 2732

الحقوقَ الواجبةَ في الأموالِ كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا. ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ جماهيرُ العلماءِ يقولونَ: (عسى) من اللَّهِ واجبةٌ (١) لأن اللَّهَ كريمٌ لَا يُطْمَعُ في شيءٍ إلا هو فاعلُه لشدةِ كَرَمِهِ (جلَّ وعلا) وفضلِه. ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: السالكينَ طريقَ النجاةِ والصوابِ الْمُوصِلَةَ إلى الجنةِ، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ من حديثِ أبي سعيد الخدري ﵁ أنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ» (٢) لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: آية ١٨] وقال أبو بكر بن العربي في الكلامِ على هذا الحديثِ في قولِه: «فَاشْهَدَوُا لَهُ بِالإِيمَانِ» اشْهَدُوا له شهادةً ظاهرةً؛ لأن فعلَه يدلُّ عليها، وتعاهد المساجد يدلُّ على إيمانِه ظاهرًا كما دَلَّ عليه قولُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أما حقيقةُ الباطنِ فهي عندَ اللَّهِ جَلَّ وعلا. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.

стр. 2733

وقولُه: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ﴾ لم يَخَفْ أحدًا إلا اللَّهَ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ وأمثالِها في القرآنِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقالَ: لَا يوجدُ أحدٌ إلا هو يَخْشَى من غيرِ اللَّهِ، ويخافُ من غيرِ اللَّهِ؛ لأن كل المخاوف والمحاذير جُبلت طبائعُ البشرِ على الخوفِ والخشيةِ منها، والذي لم يَخْشَ شيئًا من المخاوفِ والمحاذرِ هذا أمرٌ صَعْبٌ. والعلماءُ يُجِيبُونَ عن هذا بِجَوَابَيْنِ (١): بعضُهم يقولُ: الخشيةُ التي هي شِرْكٌ بالله التي يحذِّر اللَّهُ منها هي خشيةُ الأصنامِ، والخوفُ من المعبوداتِ من دونِ اللَّهِ، وهذا النوعُ دَلَّتْ عليه آياتٌ كثيرةٌ؛ لأن عَبَدَةَ الأصنامِ يُخَوِّفُونَ مَنْ يَسُبُّ الأصنامَ بأن الأصنامَ ستفعلُ له وتفعلُ، كما قالوا لِنَبِيِّ اللَّهِ هودٍ: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [هود: الآيات ٥٤ - ٥٦] وكذلك لما خوَّفوا منها نبيَّ اللَّهِ إبراهيمَ (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ) وقالوا له: سوف تفعلُ بكَ أصنامُنا وتفعلُ، قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: آية ٨١] وخوَّفوا بها نَبِيَّ اللَّهِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في سورةِ الزمرِ في قولِه ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ثم قال ردًّا عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: آية ٣٦] وفي القراءةِ الأخرى (٢): ﴿بكاف عباده﴾ وهذا كثيرٌ في

стр. 2734

القرآنِ، فهذه الخشيةُ التي يخافُ صاحبُها من عاقبةِ الأصنامِ هذا كفرٌ بِاللَّهِ وشركٌ به. وقال بعضُ العلماءِ: هي الخشيةُ الدنيويةُ من الناسِ إذا كانت تحملُ الإنسانَ على أن يعصيَ اللَّهَ، كالذي يَخْشَى من الكفارِ وَيَجْبُنُ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، كما تقدَّم في قولِه: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ١٣] أما ما يعرض للإنسانِ من الخوفِ من الأشياءِ والمحاذيرِ بِجِبِلَّتِهِ فهذا أمرٌ لا مؤاخذةَ به؛ لأن اللَّهَ لَا يكلفُ نفسًا إلا وسعَها كما هو معلومٌ، وهذا معنى قولِه: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: آية ١٨]. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة: آية ١٩]. قال بعضُ العلماءِ: نزلت هذه الآيةُ الكريمةُ في العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، ذلك أنه لَمَّا أُسِرَ يومَ بدرٍ كان علي بن أبي طالب ﵁ يلومُه ويشددُ عليه في قتالِه للنبيِّ ﷺ ، وكان الصحابةُ يُعَيِّرُونَهُ وأصحابَه بالشركِ بالله، فقال لهم: تذكرونَ مساوئَنا ولَا تذكرونَ محاسنَنا!! فقال له عَلِيٌّ: أَلَكُمْ مَحَاسِنُ؟ قال: نعم، نحن نُعَمِّرُ بيتَ اللَّهِ الحرامَ، ونسقي الحاجَّ، ونفكَّ العانيَ، ونفعل ونفعل (١).

стр. 2735

وقال بعضُ العلماءِ: نزلت في عثمانَ بنِ طلحةَ، أو شيبةَ بنِ طلحةَ، وَعَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، والعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ. قال العباسُ: أنا صاحبُ السقايةِ. وقال صاحبُ بَنِي عبدِ الدارِ: أنا سادنُ البيتِ، عندي مفتاحُ الكعبةِ، لو أشاءُ لَبِتُّ فيها. وقال عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ: صليتُ إلى القبلةِ قبلَ أن يصليَ الناسُ إليها، وذكرَ الجهادَ ونحوَ ذلك، فأنزل اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ (١).
следующие страницы →