← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

يعنِي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ العمارةُ المعنويةُ بالعباداتِ وَذِكْرِ اسمِ اللَّهِ فيها، والعمارةُ الحسيةُ، من بنائِها وترميمِها، هذا كُلُّهُ من شأنِ المؤمنينَ، لَا مِنْ شَأْنِ الكفارِ، وهذا قولُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. (مَنْ) فاعل قولِه ﴿يَعْمُرُ﴾ الذي آمَنَ بالله هو الذي يَعْمُرُ مساجدَ اللَّهِ، لا الكافرُ الذي عملُه ضِدٌّ لِمَا بُنِيَتْ له المساجدُ، فهذا تناقضٌ لا يمكنُ أن يكونَ عَامِرًا للمساجدِ، وعملُه ضِدُّ ما بُنِيَتْ له المساجدُ، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: صَدَّقَ به (جلَّ وعلا) وبكلِّ ما يجبُ التصديقُ به. ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ هو يومُ القيامةِ. وجرتِ العادةُ أن اللَّهَ يذكرُ الإيمانَ باليومِ الآخرِ مع الإيمانِ به؛ لأَنَّ الكفرَ باليومِ الآخِرِ سببٌ لكلِّ البلايا وأنواعِ الكفرِ والجحودِ؛ لأن مطامعَ العقلاءِ محصورةٌ في أمرين: هما: جلبُ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، والذي لا يصدقُ بيومِ القيامةِ لَا يرغبُ في خيرٍ في ذلك اليوم، ولا يخافُ من شَرٍّ في ذلك اليومِ، فلا يَنْزَجِرُ عن شيءٍ، ولا يَرْعَوِي عن شيءٍ؛ ولذا كان التكذيبُ بالبعثِ من أشنعِ أنواعِ الكفرِ بالله (جلَّ وعلا) وقد صرَّح اللَّهُ بأن المكذبين بالبعثِ والشاكِّين فيه من حَطَبِ جهنمَ في آياتٍ كثيرةٍ كقولِه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: آية ١١] وقولُه في المنكرين للبعثِ: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهامُ إنكارٍ منهم في الخلقِ الجديدِ بعد الموتةِ الأُولَى، قال اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: آية ٥]. وهذا معنى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ يعني: الصلواتِ المكتوباتِ الخمسَ. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾

стр. 2732

الحقوقَ الواجبةَ في الأموالِ كما بَيَّنَّاهُ مِرَارًا. ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ جماهيرُ العلماءِ يقولونَ: (عسى) من اللَّهِ واجبةٌ (١) لأن اللَّهَ كريمٌ لَا يُطْمَعُ في شيءٍ إلا هو فاعلُه لشدةِ كَرَمِهِ (جلَّ وعلا) وفضلِه. ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أي: السالكينَ طريقَ النجاةِ والصوابِ الْمُوصِلَةَ إلى الجنةِ، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ من حديثِ أبي سعيد الخدري ﵁ أنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ» (٢) لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: آية ١٨] وقال أبو بكر بن العربي في الكلامِ على هذا الحديثِ في قولِه: «فَاشْهَدَوُا لَهُ بِالإِيمَانِ» اشْهَدُوا له شهادةً ظاهرةً؛ لأن فعلَه يدلُّ عليها، وتعاهد المساجد يدلُّ على إيمانِه ظاهرًا كما دَلَّ عليه قولُه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أما حقيقةُ الباطنِ فهي عندَ اللَّهِ جَلَّ وعلا. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.

стр. 2733

وقولُه: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ﴾ لم يَخَفْ أحدًا إلا اللَّهَ. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ وأمثالِها في القرآنِ سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقالَ: لَا يوجدُ أحدٌ إلا هو يَخْشَى من غيرِ اللَّهِ، ويخافُ من غيرِ اللَّهِ؛ لأن كل المخاوف والمحاذير جُبلت طبائعُ البشرِ على الخوفِ والخشيةِ منها، والذي لم يَخْشَ شيئًا من المخاوفِ والمحاذرِ هذا أمرٌ صَعْبٌ. والعلماءُ يُجِيبُونَ عن هذا بِجَوَابَيْنِ (١): بعضُهم يقولُ: الخشيةُ التي هي شِرْكٌ بالله التي يحذِّر اللَّهُ منها هي خشيةُ الأصنامِ، والخوفُ من المعبوداتِ من دونِ اللَّهِ، وهذا النوعُ دَلَّتْ عليه آياتٌ كثيرةٌ؛ لأن عَبَدَةَ الأصنامِ يُخَوِّفُونَ مَنْ يَسُبُّ الأصنامَ بأن الأصنامَ ستفعلُ له وتفعلُ، كما قالوا لِنَبِيِّ اللَّهِ هودٍ: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [هود: الآيات ٥٤ - ٥٦] وكذلك لما خوَّفوا منها نبيَّ اللَّهِ إبراهيمَ (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ) وقالوا له: سوف تفعلُ بكَ أصنامُنا وتفعلُ، قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: آية ٨١] وخوَّفوا بها نَبِيَّ اللَّهِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، كما نَصَّ اللَّهُ عليه في سورةِ الزمرِ في قولِه ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ثم قال ردًّا عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: آية ٣٦] وفي القراءةِ الأخرى (٢): ﴿بكاف عباده﴾ وهذا كثيرٌ في

стр. 2734

القرآنِ، فهذه الخشيةُ التي يخافُ صاحبُها من عاقبةِ الأصنامِ هذا كفرٌ بِاللَّهِ وشركٌ به. وقال بعضُ العلماءِ: هي الخشيةُ الدنيويةُ من الناسِ إذا كانت تحملُ الإنسانَ على أن يعصيَ اللَّهَ، كالذي يَخْشَى من الكفارِ وَيَجْبُنُ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، كما تقدَّم في قولِه: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ١٣] أما ما يعرض للإنسانِ من الخوفِ من الأشياءِ والمحاذيرِ بِجِبِلَّتِهِ فهذا أمرٌ لا مؤاخذةَ به؛ لأن اللَّهَ لَا يكلفُ نفسًا إلا وسعَها كما هو معلومٌ، وهذا معنى قولِه: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: آية ١٨]. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة: آية ١٩]. قال بعضُ العلماءِ: نزلت هذه الآيةُ الكريمةُ في العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، ذلك أنه لَمَّا أُسِرَ يومَ بدرٍ كان علي بن أبي طالب ﵁ يلومُه ويشددُ عليه في قتالِه للنبيِّ ﷺ ، وكان الصحابةُ يُعَيِّرُونَهُ وأصحابَه بالشركِ بالله، فقال لهم: تذكرونَ مساوئَنا ولَا تذكرونَ محاسنَنا!! فقال له عَلِيٌّ: أَلَكُمْ مَحَاسِنُ؟ قال: نعم، نحن نُعَمِّرُ بيتَ اللَّهِ الحرامَ، ونسقي الحاجَّ، ونفكَّ العانيَ، ونفعل ونفعل (١).

стр. 2735

وقال بعضُ العلماءِ: نزلت في عثمانَ بنِ طلحةَ، أو شيبةَ بنِ طلحةَ، وَعَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، والعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ. قال العباسُ: أنا صاحبُ السقايةِ. وقال صاحبُ بَنِي عبدِ الدارِ: أنا سادنُ البيتِ، عندي مفتاحُ الكعبةِ، لو أشاءُ لَبِتُّ فيها. وقال عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ: صليتُ إلى القبلةِ قبلَ أن يصليَ الناسُ إليها، وذكرَ الجهادَ ونحوَ ذلك، فأنزل اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ (١).

стр. 2736

وأكثرُ المفسرين أن سببَ نزولِها هو افتخارُ الكفارِ بسقايتِهم الحاجَّ، وعمارتِهم المسجدَ الحرامَ، وَجَعْلِهِمْ ذلك مثلَ إيمانِ المؤمنين، وأن لهم من الأَجْرِ مثلَ ما للمؤمنين، فَأَنْكَرَ اللَّهُ عليهم. وقد جاء في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ حديثٌ مُشْكِلٌ، لأنه خرَّج جماعةٌ عن النعمانِ بنِ بشيرٍ ﵁، ومن جملةِ مَنْ خَرَّجَ حديثَه مسلمُ بنُ الحجاجِ ﵀ في صحيحِه، أن سببَ نزولِها أن النبيَّ ﷺ كان يومَ جمعةٍ وعندَ منبرِ النبيِّ ﷺ رِجَالٌ، فقال واحدٌ منهم: لا أُبَالِي أن أفعلَ شيئًا بعدَ الإسلامِ إلَاّ أن أسقيَ الحاجَّ. وقال الثاني: لا أبالي أن أفعلَ شيئًا بعد الإسلامِ إلا أن أُعَمِّرَ المسجدَ الحرامَ. وقال الثالثُ: الجهادُ في سبيلِ اللَّهِ أفضلُ من هذا كلِّه. فزجرهما عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ وقال: لا تَرْفَعُوا أصواتَكم عندَ منبرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وكان هذا يومَ جمعةٍ. فإذا صلى الجمعةَ استفتيتُ رسولَ الله فيم اختلفتُم فيه. وأنه استفتى النبيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ سببُ نزولِ هذه الآيةِ على هذا السياقِ أَخْرَجَهُ مسلمٌ في صحيحِه وجماعةٌ (١)، وهو مُشْكِلٌ جِدًّا؛ لأنا لو فَرَضْنَا أن نزولَها في المؤمنين لَا يناسبُ قولَه في آخِرِهَا: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: آية ١٩] فَدَلَّ على أن الصحيح أنها في الكفارِ، وهذا الحديثُ أصلُه فيه إشكالٌ معروفٌ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ، وقد أَوْرَدَ أبو عبدِ اللَّهِ القرطبيُّ ﵀ في تفسيرِ هذه الآيةِ إزالة هذا الإشكال (٢)،

стр. 2737

وكلامُه فيه أجودُ ما وقفتُ عليه في إزالةِ إشكالِه، قال: إنهم لَمَّا اختلفوا وَذَكَرَ واحدٌ منهم عمارةَ المسجدِ، وَذَكَرَ الثاني سقايةَ الحجِّ، وَذَكَرَ الثالثُ الجهادَ، وسأل عمرُ بنُ الخطابِ النبيَّ ﷺ ، أن النبيَّ إنما قرأَ الآيةَ- وَكَانَتْ نازلةً قَبْلُ- مستدلاً بها لحكم ما اختلفوا فيه، وهي قولُه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ فظنَّ الراوي أن قراءةَ النبيِّ لها أن ذلك وقتُ نزولها، وذلك ليس بوقتِ نزولِها، فهي نازلةٌ قبلُ ولكنه ذَكَرَهَا استشهادًا واستدلالاً لِمَا اختلفوا فيه. وهذا هو الأظهرُ، والله تعالى أعلم. وقولُه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الظاهرُ أن (جَعَلَ) هنا هي التي بمعنَى اعْتَقَدَ، وأنه أَنْكَرَ عليهم اعتقادَهم تساوي هذين الأمرين وهما بعيدٌ من المساواة، بينهما بَوْنٌ عظيمٌ، وبونٌ شاسعٌ. وكان بعضُهم يقولُ: لَا يبعدُ أن تكونَ هي التي بمعنَى (صيَّر) أي: صيرتُم هذا كهذا وادعيتُم أنه مثلُه. وقد ذَكَرْنَا في هذه الدروسِ مرارًا (١) أن لفظةَ (جعل) تأتِي في اللغةِ العربيةِ لأربعةِ مَعَانٍ، ثلاثةٌ منها موجودةٌ في كتابِ الله، ورابعها موجودٌ في اللغةِ العربيةِ ولم يوجد في كتابِ اللَّهِ، من هذه المعانِي الأربعةِ: كونُ (جعل) بمعنَى (اعتقد) وجعل التي بمعنَى اعتقدَ أصلُها تَنْصِبُ المبتدأَ والخبرَ مفعولين، ومنها قولُه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: آية ١٩] وفي القراءة الأخرى (٢): ﴿الذين هم عند الرحمن إناثًا﴾ والمعنَى: جَعَلُوا الملائكةَ إناثًا، أي:

стр. 2738

اعْتَقَدُوهُمْ إناثًا؛ لأنهم لم يصيروهم إناثًا ولا يَقْدِرُونَ، فهي (جَعَلَ) بمعنَى (اعتقد). والثانيةُ: (جَعَلَ) بمعنَى (صيَّر) ومنه قولُه: ﴿جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: آية ١٥] أي: صَيَّرْنَاهُمْ. وهذه أيضًا تَنْصِبُ المبتدأَ والخبرَ مفعولين. والثالثةُ: (جَعَلَ) بمعنَى (خَلَقَ) وهي تتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، ومن هذا قولُه في أولِ سورةِ الأنعامِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: آية ١] أي: خلق الظلماتِ والنورَ، بدليلِ عطفِه على قولِه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾. هذه ثلاثةُ مَعَانٍ كُلُّهَا في القرآنِ: (جَعَلَ) بمعنى (اعْتَقَدَ)، (جعل) بمعنَى (صيَّر)، (جعل) بمعنى (خَلَقَ). الرابعُ منها: (جَعَلَ) بمعنَى (شَرَعَ) جَعَلَ يفعلُ كذا إذا شَرَعَ فيه. وهذه ليست موجودةً في كتابِ اللَّهِ، وهي موجودةٌ في كلامِ العربِ بكثرةٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (١): وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْتُ يُثْقِلُنِي ... ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِ وهذا معنَى قولِه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: آية ١٩]. والسقاية هي إحدى الوظائفِ؛ لأن قُصَيَّ بنَ كلابٍ - وهو مُجَمِّعٌ - لَمَّا جمَّع قريشًا وأخذ سدانةَ الكعبةِ من خزاعةَ، وجمَّع قريشًا وكان يُسِمَّى مُجَمِّعًا؛ لأنه جَمَعَ قبائلَ قريشٍ بمكةَ، وهو الذي يقولُ فيه ابنُ حذافةَ (٢):

стр. 2739

أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ جَعَلَ الوظائفَ وهي السقايةُ والرفادةُ والندوةُ واللواءُ وحجابةُ البيتِ، هذه الوظائفُ كلُّها جعلها لعبدِ الدارِ بنِ قُصَيٍّ؛ لأن أولادَ قصي أربعةٌ: عبدُ بنُ قُصَيٍّ، وكان عبد الدارِ بنُ قُصَيٍّ، وعبد العزَّى بن قصي، وعبد منافِ بن قصي. وكان عبدُ الدارِ بنُ قصيٍّ أقلَّ أولادِه شرفًا وأكثرهم خمولاً، فأعطاه جميعَ الوظائفِ. وَجَعَلَ إلى عبدِ الدارِ السقايةَ والرفادةَ والحجابةَ ودارَ الندوةِ واللواءَ. اللواءُ: هو حَمْلُ اللواءِ في الميدانِ عندَ التحامِ الحربِ. ودارُ الندوةِ: هي الدارُ التي كانوا لَا يعقدونَ ولا يحلونَ إلا بها، اشتراها بعدَ ذلك حكيمُ بنُ حزامٍ وباعها وتصدقَ بثمنِها (١). ولما قالوا له: يا أبا خالدٍ: بِعْتَ مأثرةَ قريشٍ!! قال لهم: الشرفُ بالدِّينِ لا بالديرِ. والسقايةُ: كان قصيٌّ يجمعُ أموالاً على قريشٍ يجعلُ منها الرفادةَ والسقايةَ. الرفادةُ: مالٌ يكونُ عندَهم يكونُ رفدًا لمن تَعَطَّلَ، إذا مات بعيرُ حَاجٍّ اشتروا له بعيرًا، وإذا افتقر أحدٌ أو انقطعت به النفقةُ زَوَّدُوهُ منه حتى يصلَ إلى أهلِه. كل هذا يفعلُه قصي ويأخذ هذا المالَ على قريش. والسقايةُ: كانوا يأخذونَ النبيذَ والشرابَ الطيبَ ويجعلونَه في الموسمِ في الأماكنِ التي تَغْشَاهَا النَّاسُ، فيأتي الناسُ فيشربونَ

стр. 2740

مَجَّانًا. وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أن أعرابيًّا جاء واستسقاهم من سقايتِهم فسقوه نبيذًا، فقال الأعرابيُّ: سبحان الله! إن الناس يسقونَ في سقايتهم اللبنَ والعسلَ وأنتم تسقونَ النبيذَ!! يعيبهم بأن سقايتَهم نبيذٌ. فأخبره ابنُ عباسٍ أن النبيَّ ﷺ مرَّ بهم وَسَقَوْهُ من نبيذِها، وأمرهم أن يسقوا الناسَ منه. قال: لا نزيدُ على ما أمرنا به رسولُ اللَّهِ ﷺ (١). ومعلومٌ أن هذا النبيذَ الذي أمر النبيُّ بِسَقْيِهِ على تقديرِ صحةِ هذا أنه نبيذٌ لا يُسْكِرُ كثيرُه؛ لأن النبيذَ الذي يُسْكِرُ كثيرُه لَا ينبغي أن يُقْدَمَ على شُرْبِهِ؛ لأنه ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (٢) كما هو معروفٌ. فهذه هي سقايةُ الحاجِّ. والرفادةُ والحجابةُ التي هي سدانةُ البيتِ كانت كُلُّهَا لعبدِ الدارِ، وَلَمَّا شبَّ أولادُ عبدِ منافٍ وأرادوا نزعَ هذه الأشياءِ من بَنِي عبدِ الدارِ، ووقعت المخالفةُ بينَ قريشٍ، وتحالفوا للقتالِ الحلف الذي يقال فيه «حِلْفُ الْمُطَيِّبِينَ» و «حِلْفُ لَعَقَةِ الدَّمِ» كما هو معروفٌ، ثم اصطلحوا على أن تبقَى السقايةُ والرفادةُ أن تُرَدَّ لِبَنِي عبدِ منافٍ، ويبقى للعبدريين اللواءُ والندوةُ وحجابةُ البيتِ، أي: سدانة الكعبة حرسها اللَّهُ. فهذه السقايةُ كانوا يفتخرونَ بها ويقولونَ: نحن نَسْقِي الحجَّ ونعمر بيت الله!! ويجعلونَ هذا أفضلَ ممن يؤمنُ بالله، فأنكر اللَّهُ عليهم فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: آية ١٩] الحجاجُ يقدمونَ عليكم فتسقونَهم ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كَتَرْمِيمِهِ وبنائِه.

стр. 2741

﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ لَا بُدَّ أن يُقَدَّرَ مضافٌ في أحدِ الأَمْرَيْنِ (١). قال بعضُ العلماءِ: يقدرُ في الأولِ، والمعنَى: أجعلتُم أصحابَ سقايةِ الحاجِّ، أو أهلَ سقايةِ الحاجِّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كمن آمَنَ، أي: كالذين آمنوا بالله؟ وقال بعضُ العلماءِ: يُقَدَّرُ المضافُ في الثانِي: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ﴾ كعملِ مَنْ آمَنَ بالله. والأمرانِ جائزانِ، وأظهرُهما: تقديرُه في الأولِ، والمعنَى: أجعلتُم أهلَ سقايةِ الحاجِّ وأصحابَ عمارةِ المسجدِ كالذين آمنوا بالله، لا يكونون مثلَهم أبدًا. وَيُسْتَأْنَسُ لهذا بالقراءةِ الشاذةِ المرويةِ عن ابن الزبير وأُبَيِّ بنِ كعبٍ وأبي وجزةَ وغيرهم في قوله: «أجعلتُم سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرة المسجدِ الحرامِ» (٢) السُقاة: جمع الساقي، كقاضي وقضاة. والعَمَرَةُ: جمع عَامِرٍ، ككاتبٍ وكَتبَةٍ، وظالمٍ وَظَلَمَةٍ. فهي قراءةٌ شاذةٌ إلا أنها يُسْتَأْنَسُ بها للمعنَى. والحاجُّ: اسمُ جنسٍ لكلِّ مَنْ يحجُّ بيتَ اللَّهِ الحرامِ، وسقايتُهم: كما كانوا يسقونَ النبيذَ والشرابَ الحلوَ في المواسمِ أيامَ الحجِّ. ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما بَنَاهُ قريشٌ في صِغَرِ النبيِّ ﷺ . جعلتُم واعتقدتُم هذا ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ لَا يكون مثله. ثم قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لَا يستوي هؤلاء وهؤلاء، لأن

стр. 2742

عملَ هؤلاء باطلٌ للكفرِ؛ لأن اللَّهَ قال: ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: آية ١٦] وقال (جلَّ وعلا): ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: آية ٢٣] وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: آية ١٩] أي: ومنهم الكفرةُ الذين يفتخرونَ بسقايةِ الحاجِّ وعمارةِ المسجدِ الحرامِ، فَهُمْ قومٌ ظالمونَ لَا يهديهم اللَّهُ (جلَّ وعلا). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: الآيات ٢٠ - ٢٤]. يقول الله (جلَّ وعلا): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: الآيات ٢٠ - ٢٢]. لَمَّا قال أهلُ مكةَ مفتخرين بأنهم يسقونَ الحاجَّ، ويعمرونَ المسجدَ الحرامَ، ويفكونَ العانيَ - أي: الأسيرَ - وافتخروا بمثلِ هذه الخصالِ، وأنكر اللَّهُ عليهم تسويتَهم بين ذلك وبين الجهادِ والإيمانِ في قولِه الذي ذَكَرْنَا: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ

стр. 2743

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: آية ١٩] صَرَّحَ هنا بأن الإيمانَ بِاللَّهِ والهجرةَ والجهادَ في سبيلِ اللَّهِ أعظمُ درجةً وأفضلُ مما يفتخرُ به أهلُ مكةَ. والظاهرُ أن صيغةَ التفضيلِ هنا لمطلقِ الوصفِ؛ لأن كفارَ أهلِ مكةَ لا درجةَ لهم في سقايةِ الحاجِّ ولا عمارةِ المسجدِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ١٧] ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وبكلِّ ما يجبُ به الإيمانُ ﴿وَهَاجَرُوا﴾ أوطانَهم وديارَهم وأموالَهم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ هؤلاء ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ (درجةً): تمييزٌ محولٌ عن الفاعلِ، أي: أَرْفَعُ رتبةً ومكانةً ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المذكورونَ ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الظافرونَ بالحظِّ الأكبرِ؛ لأن العربَ تقولُ: «فاز فلان». إذا ظفر بما كان يتمنَّى، وظفر بأكبرِ مطلوبٍ، يقولونَ: «فاز»: نال الفوزَ، ومنه: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: آية ١٨٥]. والإتيانُ بضميرِ الفصلِ بينَ المسندِ والمسندِ إليه في قولِه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يدلُّ على اختصاصِهم بالفوزِ دونَ الذين قالوا: نحنُ نسقي الحاجَّ وَنُعَمِّرُ المسجدَ الحرامَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: آية ٢١] قرأ هذا الحرفَ عامةُ السبعةِ غير حمزةَ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ مضارعُ يُبشَّره يُبشره. وقرأه حمزةُ من السبعةِ (١): ﴿يَبْشُرُهُمْ ربهم برحمة منه﴾ الآية، فعلى قراءةِ حمزةَ: ﴿يَبْشُرُهُم﴾ مضارعُ (بَشَرَه) ثلاثيًّا مجردًا (يَبْشرُهُ) بالضمِّ. وعلى قراءةِ الجمهورِ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ مضارعُ (بشَّره) بالتضعيفِ (يُبَشِّرُه، تبشيرًا).

стр. 2744

وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مرارًا (١) أن البشارةَ في لغةِ العربِ هي الإخبارُ بما يَسُرُّ، فكلُّ مَنْ أخبرَك بما يسركَ فقد بشَّرَكَ، وبَشَرَكَ على اللغةِ الأخرى، وأنه يُطْلَقُ أيضًا على البشارةِ بما يسوءُ، فالعربُ أيضًا تُسَمِّي الإخبارَ بما يسوءُ (بشارةً) إذا اقترنَ بما يدلُّ على ذلك، وهو كثيرٌ في القرآنِ، كقولِه: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: آية ٣٤] وقد ذَكَرْنَا أنه أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ. تقول العربُ: «بَشَّره بكذا». إذا أخبرَه بما يسوؤه، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): يُبَشِّرُنِي الْغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي ... فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرْ وبَيْنُ أَهْلِهِ مِمَّا يسوؤُه الإخبارُ به. وقولُ الآخَرِ (٣): أَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي جَفَوْنِي ... وَقَالُوا الْوُدُّ مَوْعِدُهُ الْحَشْرُ فجفاءُ الأحبةِ إخبارٌ بما يسوءُ. ومعلومٌ أن الذين تَكَلَّمُوا في البلاغةِ والذين كانوا يُقَسِّمُونَ الكلامَ إلى حقيقةٍ ومجازٍ يقولونَ: إن البشارةَ حقيقةٌ في الإخبارِ بما يَسُرُّ، وهي في الإخبارِ بما يسوءُ استعارةٌ عندهم، ويجعلونَها من الاستعارةِ المسماةِ في اصطلاحِ البيانيين بالاستعارةِ العناديةِ، ويقسمونَها إلى تهكميةٍ وتمليحيةٍ كما هو معروفٌ في مَحَلِّهِ (٤). ونحن نقررُ دائمًا أنها أساليبُ عربيةٌ، كلها حقيقةٌ في مَحَلِّهِ، وقد وَضَعْنَا في ذلك رسالةً تُسمى (مَنْعُ جوازِ المجازِ في الْمُنَزَّلِ للتعبدِ والإعجازِ) وهذا معنَى قولِه:

стр. 2745

﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: آية ٢١] الرحمةُ: مصدرُ رَحِمَهُ، والرحمةُ من صفاتِ اللَّهِ (جلَّ وعلا)، ونحن معاشرَ المسلمين نَصِفُ اللَّهَ بما وَصَفَ به نفسَه، وبما وصفَه به رسولُه ﷺ ، وَنُثْبِتُ له ما أَثْبَتَ لنفسِه، مُنَزِّهِينَ خالقَ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ الخلقِ، فلا نميلُ إلى التعطيلِ، ولا إلى التمثيلِ، بل نُقِرُّ بصفاتِ اللَّهِ ونؤمنُ بها على سبيلِ المخالفةِ لصفاتِ الخلقِ، كما عَلَّمَنَا اللَّهُ في قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] ومرارًا نوضحُ مذهبَ السلفِ في آياتِ الصفاتِ عندَ كُلِّ المناسباتِ. ومعنَى قولِه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: آية ٢١] قرأ هذا الحرفَ عامةُ السبعةِ غير شعبةَ - أبي بكر - عن عاصمٍ: ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ بكسرِ الراءِ. وقرأه شعبةُ عن عاصمٍ: ﴿ورُضوان﴾ بضمِّ الراءِ (١) وهما لغتانِ فصيحتانِ، وقراءتانِ صحيحتانِ؛ لأن العربَ تقولُ في مصدر (رضي) تقول: رَضِيَ يرضى رضاءً ورضوانًا. وتزيدُ فيه الألفَ والنونَ، والألفُ والنونُ تزادانِ في بعضِ المصادرِ كثيرًا كالكفرانِ والرجحانِ والغفرانِ والرضوانِ. والكسرُ والضمُّ لغتانِ فيه، ورضوانُ اللَّهِ: رِضَاهُ (جل وعلا)، والرضا أيضًا صفةٌ من صفاتِ الله (جلَّ وعلا) أَثْبَتَ لنفسه الاتصافَ بها إذا امتُثلت أوامرُه واجتُنبت نواهيه، كما قال تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: آية ٨] ونحن دائمًا نُوصِي أنفسَنا وإخوانَنا وعامةَ المسلمين أن يعتقدوا في مذهبِ السلفِ المعتقدَ الواضحَ الذي هو في ضوءِ القرآنِ العظيمِ، الذي لَا إشكالَ فيه ولا قِيلَ ولا قَالَ، وصاحبُه يَلْقَى اللَّهَ

стр. 2746

سَالِمًا من البلايا التي وَقَعَ فيها الناسُ الذين أَكْثَرُوا الخوضَ في ذلك بِقِيلٍ وَقَالَ. وإيضاحُ مذهبِ السلفِ في آياتِ الصفاتِ كما بَيَّنَهُ القرآنُ وَأَوْضَحَهُ هذا المحكمُ المنزلُ أنه يتأسسُ على ثلاثةِ أصولٍ مَنْ جاء بها كاملةً لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا، وَمَنْ أَخَلَّ بواحدٍ منها أوقعَ نفسَه في بليةٍ فلا يدري هل يتخرجُ منها أو لا (١)؟ أَوَّلُ هذه الأسسِ: هو الأساسُ الأعظمُ للتوحيدِ، والحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ على طريقٍ صحيحٍ، هذا الأساسُ الأعظمُ هو: أن يعتقدَ الإنسانُ أن خالقَ السماواتِ والأرضِ مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ جميعِ خَلْقِهِ في جميعِ صفاتِهم وأفعالِهم وذواتِهم، فالخلقُ صنعةٌ، والخالقُ (جلَّ وعلا) صانعٌ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: آية ٨٨] والصنعةُ لَا تُشْبِهُ صانعَها، فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمَ هذا الأساسِ عن الله، وَعَلِمَ أن الخلائقَ صنعةٌ، وأن خالقَهم هو صانعُهم وَمُدَبِّرُهُمْ ومنشئُهم عَلِمَ أنه لَا مناسبةَ بينَ صفاتِه وصفاتِهم، وأنه مُنَزَّهٌ كُلَّ التنزيهِ، مقدسٌ كُلَّ التقديسِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ، لا في ذواتِهم، ولا في صفاتِهم، ولا في أفعالِهم. هذا الأساسُ الأعظمُ، فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ هذا الأساسَ، وَفَهِمَهُ عن اللَّهِ، وَطَهَّرَ قلبَه من أدرانِ التشبيهِ، وأقذارِ التمثيلِ، كان يهونُ عليه بعد ذلك أن يُصَدِّقَ اللَّهَ فيما وَصَفَ به نفسَه، ويؤمنَ بصفاتِ اللَّهِ على الوجهِ اللائقِ بكمالِه وجلالِه (٢).

стр. 2747

وهذا الذي أقولُه لكم ليس من تلقاءِ نَفْسِي بل هو من تعليمِ خالقِ السماواتِ والأرضِ في المحكمِ الْمُنَزَّلِ الذي هو أعظمُ كتابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ على أشرفِ رسولٍ؛ لأن اللَّهَ يقولُ فيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: آية ١١] فَوَضْعُ الأساسِ الأولِ الذي هو أساسُ التنزيهِ ومخالفةُ الخلقِ في ذواتِهم وصفاتِهم وأفعالِهم بقولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: آية ١١] ثم وَضَعَ بعدَه الأساسَ الثانيَ وهو الإيمانُ بصفاتِ اللَّهِ على أساسِ ذلك التنزيهِ، لَا إيمانًا دَنِسًا وَسِخًا ذَاهِبًا إلى صفاتِ الخلقِ، لا .. لا .. لا، بل هو إيمانٌ مُنَزَّهٌ مَبْنِيٌّ على أساسِ التنزيهِ. وقولُه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بَعْدَ قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيه سِرٌّ أَعْظَمُ، ومغزًى أكبرُ، وتعليمٌ عظيمٌ من رَبِّ العالمين، كأنه يقولُ لَكَ: تَعَقَّلْ يا عبدي وَتَفَهَّمْ، ولا تَنْفِ عَنِّي سمعي وبصري بدعوى أن المخلوقاتِ تسمعُ وَتُبْصِرُ، وأن إثباتَ ذلك فيه تشبيهٌ، لا .. لا .. ، رَاعِ في إثباتِ السمعِ والبصرِ أولَ الآية، وَابْنِهِ على نَفْيِ المماثلةِ والمخالفةِ، وَارْبِطْ أولَ الآيةِ بِآخِرِهَا، فأولُها تنزيهٌ، وآخرُها إيمانٌ بالصفاتِ على أساسِ ذلك التنزيهِ، فلا تَقْطَعْ أولَ الآيةِ من آخرِها، ولَا آخرَها من أولِها، بل ارْبِطْ بينَهما، ولا تَقُلْ: المخلوقاتُ تسمعُ وتبصرُ، وإثباتُ السمعِ والبصرِ لله تَشْبِيهٌ. لا، أَثْبِتِ السمعَ والبصرَ، ولكن إثباتًا مبنيًّا على ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا إثباتًا وسخًا نَجِسًا قذرًا ذاهبًا إلى صفاتِ الخلقِ، لَا .. لَا، فأولُ الآيةِ تنزيهٌ بلا تعطيلٍ، وآخرُها إيمانٌ بالصفاتِ وإثباتٌ لها بِلَا تمثيلٍ.

стр. 2748

الأصلُ [الثالثُ] (١) من هذه الأصولِ الثلاثةِ: هي أن يعلمَ الإنسانُ قَدْرَهُ، ويقفَ عند حَدِّهِ؛ لأن خالقَ السماواتِ والأرضِ أعظمُ وأجلُّ وأكبرُ من أن تحيطَ به العقولُ المخلوقةُ المسكينةُ، واللَّهُ يقولُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: آية ١١٠] فَنَفَى الإحاطةَ للعلمِ البشريِّ عن خالقِ السماواتِ والأرضِ نَفْيًا بَاتًّا. فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وهو متمسكٌ بهذه الأسسِ الثلاثةِ في ضوءِ كتابِ اللَّهِ لَقِيَهُ في سلامةٍ وفي غيرِ ندامةٍ. ونحن الآنَ في طريقِنا في إسراعٍ وحثٍّ إلى الوقوفِ بين يَدَيِ اللَّهِ (جلَّ وعلا)؛ لأن هذه اللحظاتِ والدقائقَ والثوانيَ يظنُّ الجاهلُ أنها هادئةٌ، وأنها واقفةٌ، وهي تقطعُ بنا آلافَ الأميالِ إلى المحشرِ، فَعَنْ قريبٍ ونحن قائمونَ بين يَدَيِ اللَّهِ في صعيدٍ واحدٍ، ينفذنا البصرُ ويسمعنا الداعي، ويسألنا اللَّهُ، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: آية ٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: الآيتان ٩٢، ٩٣] فَيُوشِكُ أن يقولَ لنا: ماذا كان موقفُكم من صفاتِي التي كنتُ أُثْنِي بها على نَفْسِي في كتابِي، ويثنِي بها عَلَيَّ رَسُولِي ﷺ ؟ [ولا يقولُ لكَ اللَّهُ: لِمَ نَزَّهْتَنِي عن مشابهةِ خَلْقِي؟ لَا وَاللَّهِ، لا يقولُ لكَ ذلك] (٢) [٣/ب] / أبدًا بل تنزيهُ رَبِّ السماواتِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ في ذواتِهم وصفاتِهم وأفعالِهم طريقُ سلامةٍ محققةٍ لَا شَكَّ فيه، ولا

стр. 2749

يقولُ لكَ اللَّهُ: لِمَ صَدَّقْتَنِي فيما مدحتُ به نفسِي، وأثنيتُ به على نفسِي، وأنزلتُه في كُتُبِي مُعَلِّمًا خَلْقِي أن يَمْدَحُونِي به؟! لا يقولُ لكَ: هذا أبدًا، ولا يقولُ لكَ: لِمَ تقفُ عند حَدِّكَ، وتقرُّ بما لا تَعْلَمُ؟ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ بل هي كُلُّهَا طرقُ سلامةٍ محققةٍ. وَاعْلَمُوا أيها الإخوانُ أن أولَ البلايا ومنشأَ الرزايا كُلِّهَا من أنجاسِ القلوبِ بسببِ التشبيهِ، كُلُّ البلايا منشؤُها الوحيدُ بسببِ أنجاسِ القلوبِ من أقذارِ التشبيهِ. هذا أصلُ البلاءِ والمحنِ والفتنِ الذي طَبَّقَتْ وَجَلَّلَتْ هذه المعمورةَ؛ لأَنَّ السلفيَّ - مثلاً - العاملَ بضوءِ القرآنِ، إذا سَمِعَ اللَّهَ يُثنِي على نفسِه بصفةٍ من الصفاتِ التي أَثْبَتَهَا لنفسِه، سواء كَانَتْ صفةَ ذاتٍ أو صفةَ فِعْلٍ، كقولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: آية ٥٩] امتلأَ قَلْبُهُ إجلالاً وتعظيمًا وإكبارًا، وَعَلِمَ أن هذا الاستواءَ الذي أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه في سبعِ آياتٍ من كتابِه أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والتنزيهِ والتقديسِ والمباعدةِ عن صفاتِ المخلوقينَ ما يقطعُ جميعَ علائقِ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ. أما إذا كان قلبُ الإنسانِ فيه بعضُ أقذارِ التشبيهِ فأولُ ما يسبقُ إلى ذهنِه أن هذا الاستواءَ ظاهرُه استواءُ المخلوقاتِ - سبحانَ اللَّهِ وتعالى عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا - فيخطرُ في ذهنِه أنه انتصابٌ كانتصابِ هذا، فَيَتَقَذَّرُ القلبُ من أقذارِ التنجيسِ والتشبيهِ، فعندَ ذلك تأتِي البلايا، وبعدَ ذلك إذا قال: ظاهرُ هذا هو مشابهةُ صفاتِ المخلوقينَ جاءت البلايا من هنا، ثم إنه دَعَاهُ شؤمُ هذا التشبيهِ إلى أن ينفيَ هذه الصفةَ عن اللَّهِ، وَمَنْ يَنْفِي عن اللَّهِ وَصْفًا أَثْبَتَهُ لنفسِه فهو «أَجْرَأُ من خَاصِي

стр. 2750

الأَسَدِ» (١). ثم إذا نَفَى هذه الصفةَ عنه ذَهَبَ يتلمسُ إلى وصفٍ في زَعْمِهِ مُلَائِمٍ، ثم يبدلُ الاستواءَ بالاستيلاءِ فيقولُ: اسْتَوَى معناه اسْتَوْلَى!! ويضربُ لهذا مثلاً بقولِ الراجزِ في بِشْرِ بْنِ مروانَ (٢): قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ فهذا غلطٌ شديدٌ كبيرٌ أيها الإخوانُ!! ونحن نرجو اللَّهَ أن الذين وَقَعُوا فيه من العلماءِ أن يعفوَ اللَّهُ عنهم ويغفرَ لهم لحسنِ نياتِهم، فَهُمْ كما قال الشافعيُّ ﵀ (٣): رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ... وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقَا ونرجو اللَّهَ ألا يكونوا كالذين قال الله فيهم: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: آية ٥٩]. وهذا الذي ذَهَبُوا إليه أعظمُ وأشرُّ وأضرُّ من الذي فَرُّوا منه؛ لأنا نقولُ: أيها الإنسانُ الذي ضَرَبْتَ مثلاً لاستيلاءِ اللَّهِ على عرشِه الذي فَسَّرْتَ به الاستواءَ من تلقاءِ نفسِك باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ وضربتَ له المثلَ ببيتِ الرجزِ المذكورِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ أَمَا تَسْتَحِي من اللَّهِ؟ أما تخافُ اللَّهَ؟ وبأيِّ مبررٍ سَوَّغْتَ لنفسِك أن تشبهَ استيلاءَ اللَّهِ على عرشِه الذي زعمتَ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ وهل يوجدُ في الدنيا تشبيهٌ أنتنُ وأخسُّ وأقبحُ من

стр. 2751

هذا؟! شَبَّهْتَ العرشَ بالعراقِ، وربَّ السماواتِ والأرضِ ببشرِ بنِ مروانَ، وهذا يفتحُ بابًا إلى بحورٍ من أنواعِ التشبيهِ لَا ساحلَ لها أبدًا؛ لأنه فيه تشبيهُ استيلاءِ اللَّهِ على عرشِه المزعومِ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مخلوقًا فَغَلَبَهُ فَاسْتَوْلَى عليه!! فَمِنْ هنا يُضْطَرُّ هذا القائلُ أن يقولَ: الاستيلاءُ الذي فَسَّرْتَ به الاستواءَ استيلاءٌ مُنَزَّهٌ عن استيلاءِ المخلوقينَ. ونحن نقولُ: كيف تُنَزِّهُهُ وأنتَ تضربُ له المثلَ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ؟ ثم نقولُ: إذا لَزِمَنَا أن نُنَزِّهَ أحدَ الكلمتين: إما الاستواء الذي نَصَّ اللَّهُ عليه في كتابِه وَأَنْزَلَهُ في سبعِ آياتٍ من القرآنِ كتابًا يُتْلَى أو الاستيلاء الذي جئتَ به، أيهما أَحَقُّ بالتنزيهِ؟ والجوابُ: ولا شكَّ أن كلامَ ربِّ العالمينَ الذي أَنْزَلَهُ وَحْيًا يُتْلَى من فوقِ سبعِ سماواتٍ أحقُّ بالتنزيهِ من غيرِه. فمقصودُنا أن نُبَيِّنَ لإخوانِنا أن المدارَ على حفظِ القلبِ والمحافظةِ عليه من أقذارِ التشبيهِ، وأن يعلمَ الإنسانُ أن كُلَّ وصفٍ وَصَفَ اللَّهُ به نفسَه فهو بالغٌ من غايةِ الجلالِ والكمالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ ما يقطعُ جميعَ علائقِ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ؛ فَيُحْمَلُ على أطهرِ المعانِي وأعظمِها وأقدسِها وأليقِها بِاللَّهِ (جلَّ وعلا) وأبعدِها عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقينَ. ولو قال قائلٌ: نحن لا نعقلُ استواءً تُدْرِكُهُ عقولُنا إلا مثلَ استواءِ المخلوقينَ. فنقولُ له: وهل عقلتَ كيفيةَ الذاتِ المقدسةِ المتصفةِ بهذا الاستواءِ؟ فلا بد أن يقولَ: لَا. فنقولُ: معرفةُ كيفيةِ الصفاتِ متوقفةٌ على معرفةِ كيفيةِ الذاتِ، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: آية ١١٠] والأشياءُ تختلفُ بإضافاتِها، فالصفةُ المضافةُ وَالْمُسْنَدَةُ إلى اللَّهِ تخالفُ المضافةَ والمسندةَ إلى غيرِه

стр. 2752

كمخالفةِ ذاتِ اللَّهِ لذواتِ خَلْقِهِ، فصفاتُ الخلقِ حَقٌّ، وصفاتُ اللَّهِ حَقٌّ، إلا أن صفاتِ اللَّهِ لائقةٌ بذاتِ اللَّهِ، منافيةٌ لصفاتِ المخلوقينَ كمنافاةِ [ذاتِ الخالقِ لذواتِ] (١) الْخَلْقِ، والإضافاتُ تتغيرُ بها المخلوقاتُ فكيفَ بِمَا بَيْنَ الخالقِ والمخلوقِ؟ فمثلاً - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - كلمةُ (رَأْس) أعنِي: كلمةَ (الراءِ والهمزةِ والسينِ) (رأس) هذه الكلمةُ إذا أَضَفْتَهَا إلى الإنسانِ وقلتَ: رأسُ الإنسانِ. وأضفتَها إلى الوادِي فقلتَ: رأسُ الوادِي. وأضفتَها إلى المالِ فقلتَ: رأسُ المالِ. وأضفتَها إلى الجبلِ فقلتَ: رأسُ الجبلِ، أَلَيْسَتْ هذه الإضافاتُ مختلفةً في حقائقِها، متباينةً كُلَّ التباينِ؟ مع أنها مخلوقاتٌ حقيرةٌ ضعيفةٌ تَبَايَنَتْ وَتَخَالَفَتْ لاختلافِ إضافاتِها، فما بَالُكَ بالاختلافِ الواقعِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ؟ لا مشابهةَ هناك ولا مناسبةَ بَيْنَ خالقٍ ومخلوقٍ. فَعَلَيْنَا أن نمشيَ على هذا النمطِ، وإذا سَمِعْنَا اللَّهَ يُثْنِي على نفسِه بصفةٍ أن نعتقدَ أنها صفةٌ بالغةٌ من غاياتِ التنزيهِ والكمالِ والإجلالِ ما يقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَها وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، ونؤمنَ بها على خصوصِ هذا الأساسِ من التنزيهِ، ولَا نؤمنَ بها إيمانًا وَسِخًا قَذِرًا ذَاهِبًا إلى المشابهةِ بصفاتِ الْخَلْقِ، لَا .. لَا، ثم نقطعُ الطمعَ عن إدراكِ الكيفياتِ والإحاطةِ العلميةِ؛ لأن اللَّهَ نَفَاهَا نفيًا بَاتًّا في قولِه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: آية ١١٠] فإننا إذًا نكونُ مُنَزِّهِينَ رَبَّنَا، مُصَدِّقِينَ لِرَبِّنَا، وَاقِفِينَ عندَ حَدِّنَا، وتنزيهُ اللَّهِ طريقٌ مأمونةٌ، وتصديقُ اللَّهِ ورسولِه طريقٌ مأمونةٌ، والوقوفُ عندَ الحدِّ طريقٌ مأمونةٌ. وسنبسط على هذا الكلامِ - إن شاء الله - في بعضِ المناسباتِ الآتيةِ. وهذا

стр. 2753

معنَى قولِه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (٢١)﴾ [التوبة: آية ٢١]. الجناتُ: جمعُ تصحيحٍ للجنةِ، والجنةُ في لغةِ العربِ (١): البستانُ، فإن العربَ تُسَمِّي كُلَّ بستانٍ جنةً، وسيأتِي قولُه: ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: آية ١٧] والبستانُ صاحبُ القصةِ المعروفةِ. وإطلاقُ الجنةِ على البستانِ إطلاقٌ معروفٌ مشهورٌ، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى (٢): كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقَا هذا أصلُ الجنةِ في لغةِ العربِ، وهي في اصطلاحِ الشرعِ: دارُ الكرامةِ التي أَعَدَّ اللَّهُ لأوليائِه يومَ القيامةِ، فهي شجرةٌ مثمرةٌ، ونخلةٌ مضطردةٌ، وغرفةٌ عاليةٌ، وزوجةٌ حسناءُ، نرجو اللَّهَ أن يرزقَنا الجنةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ نحنُ وإخواننا المسلمينَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾. النعيمُ: خفضُ العيشِ ولينُه، وهو ضِدُّ البؤسِ كما هو معروفٌ. وقولُه: ﴿مُّقِيمٌ﴾ أي دائمٌ أبدًا لا يزولُ، وهذا كمالُ النعمةِ؛ لأَنَّ كمالَ النعمةِ الإقامةُ فيها وعدمُ الانتقالِ عنها؛ لأَنَّ أعظمَ ما يُكَدِّرُ النعمَ والمسارَّ هو أن يُفَكِّرَ الإنسانُ في أنه يفارقُها. فترى الإنسانَ في لَذَّاتِهِ وَفِي نِعَمِهِ وترفِه، إذا فَكَّرَ في أنه غدًا يموتُ عنها، وَتُنْكَحُ نساؤُه، وَتُقْسَمُ أموالُه، ويذهبُ عنه كُلُّ شيءٍ فَزِعَ من ذلك،

стр. 2754

وَأَظْلَمَتِ الدنيا في عَيْنَيْهِ، ولم يَتَلَذَّذْ بما هو فيه، وقد صَدَقَ أبو الطيبِ حيث يقول (١): أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي شُرُورٍ ... تَيقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا وهذا معروفٌ عندهم، فكمالُ اللذةِ والنعمةِ إنما هو بالإقامةِ أبدًا، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) نَصَّ في آياتٍ من كتابِه على أن نعيمَ الجنةِ لَا ينقطعُ ولا يزولُ، كما قال تعالى في سورةِ هودٍ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: آية ١٠٨] فقولُه: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غيرُ مقطوعٍ أبدًا، وكذلك قولُه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: آية ٩٦] أي: باقٍ لا نفادَ له أبدًا، والآياتُ الدالةُ على هذا متعددةٌ في كتابِ اللَّهِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: الآية ٢٢] على الدوامِ لا يَزُولُونَ، كما قال جلَّ وعلا: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف: آية ١٠٨] لا يتحولونَ عنها إلى غيرِها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ (جل وعلا) ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الأجرُ في لغةِ العربِ: جزاءُ العملِ. ومعنَى ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: جزاء عملهم وهو الجنة، وَوَصَفَهُ باِلْعِظَمِ لِمَا في الجنةِ من عظيمِ الشأنِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ فيها: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: آية ١٧] ولأَجْلِ هذا وَصَفَ هذا الجزاءَ بالعِظَمِ. وقد جاء مُفَصَّلاً في القرآنِ جميعُ مَلَاذِّهِ، كالمناكحِ في النساءِ التي هُنَّ في غايةِ الجمالِ، والملابسِ التي هي في غايةِ الجمالِ،

стр. 2755

والمشاربِ والأوانِي وَالْحُلِيِّ والولدانِ والغلمانِ إلى غيرِ ذلك من نعيمِ الجنةِ المفصلِ في آياتِ هذا القرآنِ العظيمِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: آية ٢٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: آية ٢٣]. سببُ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنه كان رجالٌ من المسلمينَ يؤمنونَ بِاللَّهِ ويريدونَ الهجرةَ، فإذا أرادَ الواحدُ منهم أن يهاجرَ إلى رسولِ اللَّهِ ليشاركَ المسلمينَ فيما هُمْ فيه مِنَ الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ والدعوةِ إلى اللَّهِ جاءته امرأتُه وأولادُه وأبوه وأخوه يناشدونَه بالله أَلَاّ يذهبَ عنهم، ويقولونَ له: إلى مَنْ تَكِلُنَا؟ وَيُثَبِّطُونَهُ، فبعضُهم يَمْكُثُ مِنْ أَجْلِ هذا. فنهاهم اللَّهُ عن هذا، وسيأتِي في سورةِ التغابنِ آيةُ التغابنِ النازلةُ في عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ، وهي قولُه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: آية ١٤] لأنها نَزَلَتْ في عوفِ بنِ مالكٍ، كان كُلَّمَا أرادَ الهجرةَ جاءت امرأتُه وأولادُه وَنَاشَدُوهُ بالله، وقالوا: إلى مَنْ تَكِلُنَا؟ فَيَتَثَبَّطُ، فَلَمَّا هاجرَ بعدَ ذلك وجدَ المسلمينَ سَبَقُوهُ بِكُلِّ خيرٍ، فَنَدِمَ وأرادَ أن يضربَ امرأتَه وأولادَه بسببِ تثبيطهم إياه. فَأَمَرَ اللَّهُ المسلمينَ أن يتحفظوا من الأولادِ والأزواجِ لئلا يُثَبِّطُوهُمْ عن الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، وأنهم إن وَقَعَ منهم شيءٌ أن لا يُؤَاخِذُوهُمْ، بل يَعْفُوا عنهم

стр. 2756

وَيَصْفَحُوا (١)، كما قال في آيةِ التغابنِ: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: آية ١٤] ثم قال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: اصْفَحُوا عنهم واغفروا لهم ولا تُؤَاخِذُوهُمْ. وهذا معنَى قولِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾ [التوبة: آية ٢٣] قالوا: لم يَذْكُرِ الأولادَ هنا وَذَكَرَهَا في غيرِ هذا الموضعِ، لَا تتخذوهم أولياءَ تُوَالُونَهُمْ إذا كانوا يريدونَ أن يقطعوكم عن الهجرةِ. ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ قرأ الهمزةَ الثانيةَ من قولِه: ﴿أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو مسهلةً بَيْنَ بَيْنَ، والباقونَ بتحقيقِها كما هو مَعْلُومٌ (٢). ومعنَى ﴿اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ﴾ معناه: اختارُوه وآثَرُوهُ على الإيمانِ، إن آثَرُوا الكفرَ واختارُوه على الإيمانِ لَا تَتَّخِذُوهُمْ أولياءَ، بل قَاطِعُوهُمْ وَهَاجِرُوا ولا تَرْكَنُوا إليهم. ويتعددُ في القرآنِ إطلاقُ (اسْتَحَبَّ) بمعنَى: (اخْتَارَ) و (آثَرَ) ومنه قولُه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: آية ١٧] أي: فاختارُوه وَآثَرُوهُ عليه. ومنه قولُه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: آية ٣] أي: يُؤْثِرُونَهَا ويقدمونَها عليها. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ﴾ [التوبة: آية ٢٣] فيكونُ معهم فيما هُمْ فيه ويتركُ الهجرةَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

стр. 2757

وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (١) أن أصلَ مادةِ (الظلمِ) مادةُ: (الظاء واللام والميم) (ظَلَم) أنها في لغةِ العربِ التي نَزَلَ بها القرآنُ أصلُها في الوضعِ العربيِّ: هو وضعُ الشيءِ في غيرِ مَحَلِّهِ. فَمَنْ وَضَعَ شيئًا في غيرِ مَحَلِّهِ تقولُ العربُ: إنه ظَلَمَ؛ لأنه وَضَعَ الشيءَ في غيرِ محله. ومنه قالوا للذي يَضْرِبُ لَبَنَهُ قبلَ أن يروبَ: «ظالم». لأنه وَضَعَ الضربَ في غيرِ محلِّه؛ لأنه يُفْسِدُ زُبْدَهُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى الْعَكَدِ الظَّلِيمُ وقولُ الآخَرِ (٣): وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرِبنْيِ شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ أصلُ الظلمِ هو وضعُ الشيءِ في غيرِ محلِّه، وجاءَ في القرآنِ في موضعٍ واحدٍ بمعنَى النقصِ، وهو: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: آية ٣٣] أي: ولم تَنْقُصْ منه شيئًا. وأصلُ الظلمِ: وضعُ الشيءِ في غيرِ محلِّه، وأعظمُ أنواعِ وضعِ الشيءِ في غيرِ محلِّه: الكفرُ بالله؛ لأنه وَضْعٌ للعبادةِ في غيرِ مَنْ خَلَقَ، فالذي يأكلُ رزقَ اللَّهِ، ويتقلبُ في نعيمِه، ويعبدُ غيرَه قد وَضَعَ عبادتَه في غَيْرِ موضعِها؛ فهو ظالمٌ، وهذا أكبرُ أنواعِ الظلمِ؛ ولأجلِ هذا يكثرُ في القرآنِ العظيمِ إطلاقُ الظلمِ على الكفرِ، كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 2758

مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقد ثَبَتَ فِي صحيحِ البخاريِّ (١) أن النبيَّ ﷺ فَسَّرَ قولَه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: آية ٨٢] قال: بِشِرْكٍ. ثم تلَا آيةَ لقمانَ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذا أصلُ الظلمِ. وقد يكونُ ظلمٌ دونَ ظُلْمٍ؛ لأن مَنْ أَطَاعَ الشيطانَ وَعَصَى رَبَّهُ بغيرِ ما يكفرُ به قد وضعَ الطاعةَ في غيرِ موضعِها، ووضع المعصية في غير موضعِها حيث عَصَى رَبَّهُ وأطاعَ عدوَّه. وَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وضعَ العبادةَ في غيرِ موضعِها؛ ولذلك هنالك ظلمٌ هو كفرٌ، وهنالك ظُلْمٌ دونَ ظلمٍ هو خروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ لَا يبلغُ بصاحبِه الكفرَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنهم وَضَعُوا الأمرَ في غيرِ موضعِه فَاتَّخَذُوا مَنْ يَضُرُّهُمْ أولياءَ، وتركوا ما ينفعُهم من الهجرةِ والجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: آية ٢٤]. سببُ نزولِها هو ما أَشَرْنَا له آنِفًا؛ لأَنَّ بعضَ الناسِ كان إذا أَسْلَمَ عَاقَتْهُ هذه العوائقُ عن الهجرةِ والجهادِ في سبيلِ اللَّهِ (جلَّ وعلا) بأن تُعَطِّلَهُ عن ذلك الأبناءُ والآباءُ والإخوانُ والعشائرُ والزوجاتُ والأموالُ المكتسَبةُ والتجاراتُ التي يُخاف أن تضيعَ بالكسادِ ويضيعَ

стр. 2759

رِبْحُهَا، إِن كان هذا كُلُّهَ أحبَّ إليكم من اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ ومن الجهادِ في سبيلِه ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ هو أمرُ تهديدٍ كما يَأْتِي. وقولُه: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ اسمُ كَانَ. و ﴿أَحَبَّ﴾ خبرُها. ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: قُلْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لهؤلاء المتخلفينَ عن الهجرةِ في سبيلِ اللَّهِ بسببِ هذه العوائقِ الآتيةِ، قُلْ لَهُمْ: إن كانت هذه الأمورُ التي عَاقَتْكُمْ أَحَبَّ إليكم من اللَّهِ ومن رَسُولِهِ ومن جهادٍ في سبيلِه فانتظروا أمرًا يأتيكم مِنَ اللَّهِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾. الآباءُ جمع الأبِ، والعربُ تقولُ: «أَبٌ» إذا نَكَّرَتْهَا تعربُها على العينِ وتحذفُ لَامَهَا ولَا تُعَوِّضُ منه شيئًا، وهي من الأسماءِ التي تُعْرَبُ على العينِ عند التنكيرِ والتعريفِ. أما إذا أُضيفت فَإِنَّ لَامَهَا تَرْجِعُ لها (١)، وأصلُ لَامِ (الأب) واوٌ، أصلُه (أبوٌ) فلامُ الكلمةِ وَاوٌ، فإنها إذا أُضِيفَتْ - مثلاً - أُعْرِبَتْ بالواوِ والألفِ والياءِ، فَرَجَعَتْ لها لامُها كما هو معروفٌ. وإذا نُكِّرَتْ أو عُرِّفَتْ أُسْقِطَتْ لامُها وَأُعْرِبَتْ على العينِ (٢). والإخوانُ جمعُ أخٍ. وأصلُ (أخٍ) أيضًا لَامُهُ المحذوفةُ واو؛ ولهذا رَجَعَتْ في جمعِ التكسيرِ في قولِه: ﴿وَإِخْوَانُكُمْ﴾ فالأخُ أصلُه (أخوٌ) بالواوِ، فلامُه المحذوفةُ واوٌ (٣)، وهو كالأبِ في جميعِ ما كنا نَذْكُرُ. هذا معنَى قولِه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾. الأبناءُ جمعُ الابنِ وهو معروفٌ.

стр. 2760

﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ الأزواجُ جمعُ زوجٍ، وزوجُ الرجلِ امرأتُه، ومفردُه (زوج) بلا هاءٍ، وهذه هي اللغةُ الفصيحةُ. العربُ تقولُ: هذه زوجُه، أي: امرأتُه، وزعم بعضُ علماءِ العربيةِ أن قولَهم (زوجتُه) بالتاءِ أنها من لَحْنِ الفقهاءِ، وأنها لا أساسَ لها في العربيةِ. والتحقيقُ أن اللغةَ الفصحى في امرأةِ الرجلِ أنها (زوجُه) بلا تاءٍ، وأن التاءَ لغةٌ فيها مسموعةٌ وليست لَحْنًا كما يقولُه بعضُهم (١). وَمِنْ إِطْلَاقِ الزوجةِ بالتاءِ على امرأةِ الرجلِ قولُ الفرزدقِ، هَمَّامِ بْنِ غَالِبٍ، وهو عربيٌّ قُحٌّ (٢): وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا ومنه قولُ الحماسيِّ (٣): فَشَكَا بَنَاتِي شَجْوَهُنَّ وَزَوْجَتِي ... وَالظَّاعِنُونَ إِلَيَّ ثُمَّ تَصَدَّعُوا وفي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أَنَسٍ أن النبيَّ ﷺ قال في صفيةَ: إنها زوجتِي (٤). فالتحقيقُ أن الزوجةَ بالتاءِ لغةٌ لَا لَحْن، وأن اللغةَ الفصحى في امرأةِ الرجلِ أن يقال فيها: (زَوْجُهُ) بلا هاءٍ. وهذا معنَى ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ أي: نِسَاؤُكُمْ. ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قرأ هذا الحرفَ عامةُ السبعةِ - غير أبي بكرٍ عن عاصمٍ - (أعني بأبي بكر: شعبةَ) قرؤوه كلُّهم: ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ بالإفرادِ.

стр. 2761

وقرأه شعبةُ عن عاصمٍ: ﴿وعشيراتكم﴾ (١) بجمعِ التصحيحِ، جمع عشيرةٍ، وعشيرةُ الرجلِ ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه ما يدلُّ على أنها تشملُ إلى الجدِّ العاشرِ؛ لأنه ثَبَتَ في الصحيحِ (٢) أن النبيَّ ﷺ لَمَّا نزلَ عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: آية ٢١٤] أنه امْتَثَلَهَا فَنَادَى بني فِهْر، وفِهْرٌ هو جدُّه العاشرُ ﷺ ، فَدَلَّ هذا الحديثُ الصحيحُ على أن العشائرَ تشملُ إلى الجدِّ العاشرِ من الرجلِ، وهذا معنَى ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾. ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ الاقترافُ في لغةِ العربِ معناه الاكتسابُ، أموالٌ اكْتَسَبْتُمُوهَا تخافونَ إن سَافَرْتُمْ عنها أن تضيعَ ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ تخافونَ إذا هاجرتُم عنها أن تكسدَ ولا تَجِدَ رواجًا وربحًا، وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: إن التجارةَ التي يخافُ كَسَادَهَا مَنْ عِنْدَهُ بناتٌ - مثلاً - إذا خرج كَسَدْنَ ولم يَجِدْنَ أزواجًا يتزوجونهن (٣). والأولُ هو ظاهرُ القرآنِ، وهو ظاهرُ اللغةِ، وإن كان الثانِي قال به جماعةٌ. ﴿وَمَسَاكِنُ﴾ جَمْعُ الْمَسْكَنِ وهي الديارُ والقصورُ ﴿تَرْضَوْنَهَا﴾ يعنِي ترضونَها سَكَنًا وتحبونَ الإقامةَ وَالسُّكْنَى فيها، إن كان هذا كلُّه

стр. 2762

أحبَّ إليكم من اللَّهِ ورسولِه وجهادٍ في سبيلِه ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ قد ثَبَتَ في الصحيح (١) عن النبيِّ ﷺ أنه لا يُؤْمِنُ أحدٌ حتى يكونَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أحبَّ إليه من أهلِه وولدِه بل وَمِنْ نفسِه التي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فلا يؤمنُ أحدٌ حتى يكونَ ﷺ أحبَّ إليه من نفسِه التي بين جَنْبَيْهِ وَمِنْ كُلِّ شيءٍ كائنًا ما كان. وكذلك محبةُ اللَّهِ (جلَّ وعلا)، فالمسلمُ يُحِبُّ اللَّهَ (جلَّ وعلا) ويحبُّ رسولَه ﷺ . وَاعْلَمُوا أيها الإخوانُ أن العلامةَ الواضحةَ لمحبةِ اللَّهِ ورسولِه هي امتثالُ أَمْرِ اللَّهِ واجتنابُ نَهْيِ اللَّهِ فيما بَلَّغَهُ عنه رسولُه محمدٌ ﷺ . هذا هو علامةُ المحبةِ. وَاعْلَمُوا أن كُلَّ مَنْ يَدَّعِي محبةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو يخالفُه أنه كذابٌ، كذابٌ، لا يحبُّ اللَّهَ ولَا رسولَه، وَمَنْ يُخَالِفُ اللَّهَ فالحبُّ منتقصٌ بقدرِ المخالفةِ، والمحبُّ جِدًّا لا يخالفُ محبوبَه، فعلامةُ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ رسولِه الواضحةُ والشهادةُ به القاطعةُ هي اتباعُ ما جاء عن اللَّهِ على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ ، ومصداقُ هذا في كتابِ اللَّهِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: آية ٣١] فمحبةُ اللَّهِ ومحبةُ رسولِ اللَّهِ علامتُها القاطعةُ اتباعُ رسولِ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي أنه يحبُّ اللَّهَ ويحبُّ رسولَ اللَّهِ ويرتكبُ الأمورَ المخالفةَ لِمَا جاء به رسولُ اللَّهِ عن اللَّهِ فهو كَذَّابٌ، كذابٌ، كذابٌ في دَعْوَاهُ المحبةَ. وهذا أمرٌ معروفٌ عند

стр. 2763

الناسِ؛ لأنه من الجبلةِ المعروفةِ عند العامةِ أن المحبةَ تقتضِي الاتباعَ: لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ (١) وقد صدق مَنْ قال (٢): قَالَتْ وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ حَالِ عَاشِقِهَا ... بِاللَّهِ صِفْهُ وَلَا تَنْقُصْ وَلَا تَزِدِ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ رَهْنَ الْمَوْتِ مِنْ ظَمَأٍ ... وَقُلْتِ قِفْ عَنْ وُرُودِ الْمَاءِ لَمْ يَرِدِ هذا في محبةِ مخلوقٍ على وَجْهٍ غيرِ لائقٍ فكيف بمحبةِ اللَّهِ ورسولِه؟ فَالْمُحِبُّ لِلَّهِ هو مطيعُ اللَّهِ، والمحبُّ لرسولِ اللَّهِ ﷺ هو متبعٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ . وقولُه: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ التربصُ في لغةِ العربِ: الانتظارُ، ومنه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: آية ٢٢٨]. تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا ... تُطَلَّقُ يَوْمًا أَوْ يَمُوتَ حَلِيلُهَا (٣)

стр. 2764

قال بعضُ العلماءِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الظاهرُ أنه واحدُ الأمورِ، ولَا شَكَّ أن في هذه الآيةِ تَهْدِيدًا وتخويفًا لِمَنْ دَامَ على إيثارِه هذه الأشياءَ على الله وعلى رسولِه ﷺ ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ﴾ جلَّ وعلا ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. مِثْلُ هذه الآياتِ فيه سؤالٌ معروفٌ للعلماءِ، كقولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فَاللَّهُ (جلَّ وعلا) نَفَى هدايتَه للفاسقين، وَنَفَى هدايتَه للظالمين، مع أَنَّا نُشَاهِدُ بعضَ الفاسقينَ الظالمينَ يَهْدِيهِ اللَّهُ، وَكَمْ مِنْ كافرٍ شديدٍ في الكفرِ، ظالمٍ فاسقٍ يهديه اللَّهُ. هذا وجهُ الإشكالِ. وأجابَ العلماءُ عن هذا بِجَوَابَيْنِ: أحدُهما: أن قولَه: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ من العامِّ المخصوصِ، وأن المرادَ بها الذين سَبَقَ في علمِ اللَّهِ أنهم لا يهتدونَ من الفسَقَةِ وَالظَّلَمَةِ الذين قال اللَّهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ الآيةَ [يونس: الآيتان ٩٦، ٩٧]. وقال بعضُ العلماءِ: لا يهديهم ما زالوا مُتَّصِفِينَ بالظلمِ والفسقِ، فإذا نَزَعُوا عن ذلك برحمةِ اللَّهِ وهدايتِه زَالَ عنهم اسمُ الفسقِ والظلمِ، فلا مانعَ إذًا من هُدَاهُمْ. هكذا قَالَهُ بعضُ العلماءِ وَاللَّهُ تعالى أعلمُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: آية ٢٤]. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ

стр. 2765

جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: الآيات ٢٥ - ٢٧]. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ اللامُ جوابُ قَسَمٍ محذوف، وَاللَّهِ لقد نصركم اللَّهُ. أي: أعانَكم على أعدائِكم ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أي: في مشاهدَ ومواضعَ كثيرةٍ، كما نصركم يومَ بدرٍ، ويومَ الأحزابِ، ويومَ فتحِ مكةَ، إلى غيرِ ذلك ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: آية ٢٥] بَيَّنَ اللَّهُ في هذه الآيةِ الكريمةِ أن النصرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وحدَه، لا بكثرةِ العددِ ولا بكثرةِ العُددِ ﴿كَم مِّنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٤٩] لأن أكثرَ غزاةٍ قبلَ تبوك غزاها النبيُّ ﷺ غزوةُ حُنَيْنٍ، كانوا اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا، عشرة آلافِ مقاتلٍ فَتَحَ بهم مكةَ، وألفانِ من مَسْلَمَةِ الفتحِ من قريش وَمَنْ معهم وهم الطلقاءُ. وكان بعضُ العلماءِ يقول: إنه دَخَلَ مكةَ وَفَتَحَهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ ألفًا. فيكون المجموعُ: أربعةَ عشرَ ألفًا. ذَكَرُوا أن الصحابةَ قالوا: لن نُغْلَبَ اليومَ من قِلَّةٍ. بعضُهم يقولُ: إن هذه قَالَهَا أبو بكر ﵁، وقيل: قَالَهَا رجلٌ آخَرُ. فَلَمَّا أَعْجَبَتْهُمُ الكثرةُ وأنهم كانوا اثني عشر ألفًا، أو أربعةَ عشرَ ألفًا، وقيل: ستةَ عشرَ ألفًا. وأكثرُ الرواياتِ أنهم كانوا اثْنَيْ عشرَ ألفًا، عشرةُ آلافٍ فَتَحَ بهم مكةَ، وألفانِ من أهلِ مكةَ أَسْلَمُوا وَغَزَوْا معه ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ هذه الكثرةُ ﴿شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ وهذا نَصُّ اللَّهِ فيه على ما وَقَعَ بالمسلمينَ أولَ وقعةِ حُنَيْنٍ، يُبَيِّنُ لهم أن النصرَ من عنده (جلَّ وعلا) وحدَه لَا مِنْ كثرةِ العددِ والعُددِ.

стр. 2766

ونحن دائمًا في هذه الدروسِ إنا جاءت غزوةٌ من مَغَازِي رسولِ الله ﷺ في الآياتِ القرآنيةِ نُفَصِّلُهَا ونذكرُ تفاصيلَها لتمامِ الفائدةِ كما أَوْضَحْنَا فيما مَضَى غزوةَ أُحُدٍ في سورةِ آلِ عمرانَ، وغزوة [بدر] (١) في سورةِ [الأنفال] (٢)، وسيأتِي في سورِ القرآنِ العظيمِ أكثرُ مغازيه ﷺ . وهذه الغزوةُ التي أَشَارَ لها اللَّهُ هنا وَبَيَّنَ أن الصحابةَ أَعْجَبََتْهُمْ كثرتُهم فيها، وأن كثرتَهم لم تُغْنِ عنهم شيئًا، وأنهم ضَاقَتْ عليهم الأرضُ بما رَحُبَتْ ثم وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، هي غزوةُ حُنَيْنٍ، وسنشيرُ الآنَ إلى هذه الغزوةِ ونذكرُ تفاصيلَها. أما حنين فهو وَادٍ من أوديةِ تِهَامَةَ بينَ مكةَ والطائفِ غيرُ بعيدٍ من ذِي المجازِ، وأما الذين غَزَاهُمْ فَهُمْ هوازنُ، وهوازنُ قبيلةٌ من قبائلِ قيسِ عيلانَ بنِ مضر؛ لأن هوازنَ هو ابنُ منصورِ بنِ خصفةَ بنِ عكرمةَ (٣) بنِ قيسِ عيلانَ بنِ مُضَرٍ. قال بعضُ أصحابِ المغازي وَالسِّيَرِ (٤): لَمَّا سمع هوازنُ بخروجِ النبيِّ ﷺ من [المدينة] (٥) ظَنُّوا أنه يقصدُهم في غزاةِ الفتحِ فتجمعوا، جَمَعَهُمْ رئيسُهم في ذلك الوقتِ، ورئيسُهم في ذلك الوقتِ مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ من بَنِي نصرِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ. ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ أن النبيَّ ﷺ فَتَحَ مكةَ جَمَعَهُمْ مالكُ بنُ عوفٍ وعزموا على مقاتلةِ

стр. 2767

النبيِّ ﷺ ، فسمع النبيُّ ﷺ بأخبارِهم فأرسلَ إليهم عبدَ اللَّهِ بنَ أبي حدردٍ الأسلميَّ ﵁ عَيْنًا يعرفُ له أخبارَهم، فدخلَ في القومِ مُخْتَفِيًا وسمع أخبارَهم، وعرفَ أنهم عازمونَ على حربِ النبيِّ ﷺ . وكان النبيُّ ﷺ قد فَتَحَ مكةَ في رمضانَ من سنةِ ثَمَانٍ. قال بعضُ أصحابِ المغازي (١): فَتَحَهَا لعشرينَ خَلَتْ من رمضانَ وعشرٍ بَقِيَتْ، وأنه أقامَ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ بمكةَ بعدَ أن فَتَحَ مكةَ وخمسَ ليالٍ من شوالٍ، ثم غَزَا بعدَ خمسَ عشرةَ ليلةً من فَتْحِهِ مكةَ غَزَا هوازنَ بِاثْنَيْ عشرَ ألفًا من أصحابِه، عشرة آلاف الذين فَتَحَ بهم مكةَ، والألفانِ الذين أَسْلَمُوا وخرجوا غَازِينَ معه من الطلقاءِ أهلِ مكةَ، ثم إن النبيَّ ﷺ سَمِعَ بأن هوازنَ تَجَمَّعُوا له في وادي حُنَيْنٍ فَقَصَدَهُمْ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) وقد صَلَّى (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) الصبحَ، وفي مخرجِه هذا من مكةَ إلى حنينٍ. مَرَّ بذاتِ أنواطٍ، وهي سدرةٌ خضراءُ كبيرةٌ كان المشركونَ يَأْتُونَهَا يومًا مِنَ السنةِ يذبحونَ عِنْدَهَا، ويعكفونَ عندها، ويعلقونَ عليها سلاحَهم تُسَمَّى «ذَاتَ أَنْوَاطٍ» وكان كثيرٌ مِمَّنْ معه حديثُ عهدٍ بالإسلامِ، فقالوا له: يا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ. فقال (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه): "اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " [الأعراف: آية ١٣٨] (٢) وكان العباسُ بنُ مرداسٍ السلميُّ

стр. 2768

قال: لَمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ مِنْ مكةَ قاصدًا هوازنَ قال قصيدةً يَصِفُ فيها جيشَ رسولِ الله ﷺ وما يَعْزِمُ عليه من غزوِ هوازنَ منها أنه يقول (١): أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وأَسْفَلَهَا ... عَنِّي رِسَالَةَ نُصْحٍ فِيهِ تِبْيَانُ ... إِنِّي أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَابِحَكُمْ ... جَيْشًا لهُ فِي فَضَاءِ الأَرْضِ أَرْكَانُ ... فِيهِمْ سُلَيْمٌ أَخُوكُمْ غَيْرَ تَارِكِكُمْ ... وَالْمُسْلِمُونَ عِبَادُ اللَّهِ غَسَّانُ ... وَفِي عِضَادَتِهِ الْيُمْنَى بَنُو أَسَدٍ ... وَالأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ ... تَكَادُ تَرْجُفُ مِنْهُ الأَرْضُ رَهْبَتَهُ ... وَفِي مُقَدَّمِهِ أَوْسٌ وَعُثْمَانُ يعني بـ (أوسٌ وعثمانُ) قَبِيلَتَيْ مُزَيْنَةَ من قبائلِ أُدِّ بنِ طابخةَ بنِ إلياس، ومزينةُ أُمُّهُمْ. فَتَوَجَّهَ إليهم رسولُ الله ﷺ ، فَلَمَّا كان قَرِيبًا منهم كان مالكُ بنُ عوفٍ جَمَعَ جميعَ مَنْ طَاوَعَهُ مِنْ هَوَازِنَ، وكانت خَرَجَتْ معه بنو نصرٍ كُلُّهَا (بَنُو نصرِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ)، وبنو جُشَمَ كُلُّهَا، (جُشَمُ بنُ بكرِ بنِ هوازنَ) وبنو سعدٍ كُلُّهُمْ، (سعدُ بنُ بكرِ بنِ هوازنَ)، ولم يخرج معه كثيرٌ من بَنِي عامرِ بنِ صعصعةَ من قبائلِ هوازنَ، تَخَلَّفَ عنه بَنُو ربيعةَ، وبنو كلابٍ، وجاء معه أوزاعٌ قليلةٌ من بَنِي هلالِ بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وجماعةٌ من بني عمرِو بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وَبَنِي عوفِ بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وجاء معه ثقيفٌ كُلُّهَا، وكانت ثقيفٌ كُلُّهَا ترجع إلى قبيلتين، وثقيف أهل الطائف، وثقيف هو ابنُ بكرِ بنِ مُنَبِّهِ بنِ هوازنَ، هم من قبائلِ هوازنَ، وإن كان كثيرٌ من الناس يَظُنُّ أنهم مع هوازنَ، فَهُمْ من هوازنَ؛ لأن ثقيفَ بنَ مُنَبِّهِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ جاءت معه ثقيف كلها لم يَبْقَ منهم أَحَدٌ، وكان

стр. 2769

رئيسُ الجميعِ مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ، وكان في ثقيف أهلِ الطائفِ رئيسانِ، رئيسُ الأحلافِ، ورئيسُ بَنِي مالكٍ؛ أما رئيسُ الأحلافِ ذلك اليومَ فهو قاربُ بنُ الأسودِ بنِ مسعودِ بنِ الْمُعَتِّبِ، ورئيسُ بَنِي مالكٍ هو ذُو الخمارِ، وهو سبيعُ بنُ الحارثِ، وأخوه أحمرُ بنُ الحارثِ. وجاء دريدُ بنُ الصمةِ من بَنِي جشمَ بنِ بكرٍ، وكان سَيِّدًا عظيمًا من ساداتِ هوازنَ، مُجَرِّبًا في الحروبِ، وكان في ذلك الوقتِ شَيْخًا فَانِيًا يرتعشُ، لا فائدةَ فيه إلا التيمنُ برأيه، جاء راكبًا في شِجَارٍ (١) له، وكان جماعُ الناسِ إلى مالكِ بنِ عوفٍ النصريِّ، فقال دريدٌ: هذا المحلُّ الذي أنتم فيه أَيُّ وادٍ أنتم فيه؟ قالوا: نحنُ الآنَ بوادِي أَوْطَاسٍ. قال: نِعْمَ مَجَالُ الخيلِ، لا حَزْنٌ ضَرْسٌ ولا سَهْلٌ دَهْسٌ. ثم إنه قال: ما لي أَسْمَعُ بكاءَ الصغيرِ، ونهاقَ الحميرِ، ورغاءَ البعيرِ، ويعارَ الشاءِ؟ قالوا له: جَمَعَ مالكُ بنُ عوفٍ مع هوازنَ مواشيَهم وأموالَهم ونساءَهم وذراريَهم!! فقال: أين مالكٌ؟ فَدُعِيَ له مالكُ بنُ عوفٍ، فقال: يا مَالِكُ!! لقد أصبحتَ رئيسَ قومِك، وإن هذا يومٌ له ما بعدَه، فَمَا لِي أسمعُ رغاءَ البعيرِ، وبكاءَ الصغيرِ، ونهاقَ الحميرِ، ويعارَ الشاءِ؟ قال: سُقْتُ مع الناسِ أموالَهم ونساءَهم وأولادَهم. قال: وَلِمَ؟ قال: أريدُ أن يكونَ عند ظهرِ كُلِّ رجلٍ أهلُه ومالُه ليقاتلَ عنهم ولا يَفِرَّ. فقال دريدٌ يهزأُ بِمَالِكٍ (أَنْقَضَ به) - أي أَخْرَجَ من فمه صوتًا استهزاءً به - وقال: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، هل يَرُدُّ المنهزمَ شيءٌ؟! هذا ليس برأيٍ؛ لأنها إن كانت عليكَ فُضِحْتَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فكانَ الأَوْلَى أن تردَّهم إلى متمنِّع بلادِهم وَعُلْيَا قومِهم، فإن كانت لكَ فإنه لا ينفعُك إلا رجلٌ بسيفِه وَرُمْحِهِ، وإن

стр. 2770

كانت عليكَ أَلْفَاكَ ذلك وقد أحرزتَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ. فقال مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَا أفعلُ غيرَ هذا. ثم قال: يا معشرَ هوازنَ وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي أَوْ لأَتَّكِئَنَّ على هذا السيفِ حتى يخرجَ من ظَهْرِي!! فقالوا: أَطَعْنَاكَ. فقال دريدٌ: هذا يومٌ لم أَشْهَدْهُ ولم يَفُتْنِي. ثم قال: هل حَضَرَ أحدٌ من بَنِي كَعْبٍ أَوْ كِلَابٍ؟ قالوا: ما حَضَرَهَا أحدٌ من بَنِي كعبٍ وَلَا كلابٍ. يعني كعبًا وكلابًا أولادَ عامرِ بنِ صعصعةَ. قال: غابَ الجدُّ والحدُّ (١) لو كان يومَ رفعةٍ وعلاءٍ لم يَغِبْ عنه كعبٌ وكلابٌ. قال: مَنْ حَضَرَهَا مِنْ عَامِرٍ؟ قالوا: بَنُو عوفِ بنِ عامرٍ، وَبَنُو عمرِو بنِ عامرٍ. قال: ذَانِكَ الجذعانِ من عامرٍ لا ينفعانِ ولا يضرانِ. ثم قال دريدٌ (٢): [٤/أ] يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... / أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ ... أَقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ (٣) كَأَنَّهَا شَاةٌ صَدَعْ (٤) ثم إن مالكَ بنَ عوفٍ أَمَرَهُمْ فَكَمِنُوا للنبيِّ ﷺ وأصحابِه في مضايقِ وَادِي حنينٍ وأحنائِه، كانوا في مضايقِ الوادِي بِجَنْبَتَيِ الوادِي كَامِنِينَ له. وقال لهم ملكُهم - مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ: إذا أَقْبَلَ عليكم القومُ فَشُدُّوا عليهم شدةَ رجلٍ واحدٍ. فصلَّى النبي ﷺ الصبحَ وسارَ بأصحابِه في الْغَلَسِ - يعني: بقية ظلامِ الليلِ مختلطةً بضياءِ
следующие страницы →