ونحن دائمًا في هذه الدروسِ إنا جاءت غزوةٌ من مَغَازِي رسولِ الله ﷺ في الآياتِ القرآنيةِ نُفَصِّلُهَا ونذكرُ تفاصيلَها لتمامِ الفائدةِ كما أَوْضَحْنَا فيما مَضَى غزوةَ أُحُدٍ في سورةِ آلِ عمرانَ، وغزوة [بدر] (١) في سورةِ [الأنفال] (٢)، وسيأتِي في سورِ القرآنِ العظيمِ أكثرُ مغازيه ﷺ .
وهذه الغزوةُ التي أَشَارَ لها اللَّهُ هنا وَبَيَّنَ أن الصحابةَ أَعْجَبََتْهُمْ كثرتُهم فيها، وأن كثرتَهم لم تُغْنِ عنهم شيئًا، وأنهم ضَاقَتْ عليهم الأرضُ بما رَحُبَتْ ثم وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، هي غزوةُ حُنَيْنٍ، وسنشيرُ الآنَ إلى هذه الغزوةِ ونذكرُ تفاصيلَها.
أما حنين فهو وَادٍ من أوديةِ تِهَامَةَ بينَ مكةَ والطائفِ غيرُ بعيدٍ من ذِي المجازِ، وأما الذين غَزَاهُمْ فَهُمْ هوازنُ، وهوازنُ قبيلةٌ من قبائلِ قيسِ عيلانَ بنِ مضر؛ لأن هوازنَ هو ابنُ منصورِ بنِ خصفةَ بنِ عكرمةَ (٣) بنِ قيسِ عيلانَ بنِ مُضَرٍ.
قال بعضُ أصحابِ المغازي وَالسِّيَرِ (٤): لَمَّا سمع هوازنُ بخروجِ النبيِّ ﷺ من [المدينة] (٥) ظَنُّوا أنه يقصدُهم في غزاةِ الفتحِ فتجمعوا، جَمَعَهُمْ رئيسُهم في ذلك الوقتِ، ورئيسُهم في ذلك الوقتِ مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ من بَنِي نصرِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ. ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ أن النبيَّ ﷺ فَتَحَ مكةَ جَمَعَهُمْ مالكُ بنُ عوفٍ وعزموا على مقاتلةِ
стр. 2767
النبيِّ ﷺ ، فسمع النبيُّ ﷺ بأخبارِهم فأرسلَ إليهم عبدَ اللَّهِ بنَ أبي حدردٍ الأسلميَّ ﵁ عَيْنًا يعرفُ له أخبارَهم، فدخلَ في القومِ مُخْتَفِيًا وسمع أخبارَهم، وعرفَ أنهم عازمونَ على حربِ النبيِّ ﷺ . وكان النبيُّ ﷺ قد فَتَحَ مكةَ في رمضانَ من سنةِ ثَمَانٍ.
قال بعضُ أصحابِ المغازي (١): فَتَحَهَا لعشرينَ خَلَتْ من رمضانَ وعشرٍ بَقِيَتْ، وأنه أقامَ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ بمكةَ بعدَ أن فَتَحَ مكةَ وخمسَ ليالٍ من شوالٍ، ثم غَزَا بعدَ خمسَ عشرةَ ليلةً من فَتْحِهِ مكةَ غَزَا هوازنَ بِاثْنَيْ عشرَ ألفًا من أصحابِه، عشرة آلاف الذين فَتَحَ بهم مكةَ، والألفانِ الذين أَسْلَمُوا وخرجوا غَازِينَ معه من الطلقاءِ أهلِ مكةَ، ثم إن النبيَّ ﷺ سَمِعَ بأن هوازنَ تَجَمَّعُوا له في وادي حُنَيْنٍ فَقَصَدَهُمْ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) وقد صَلَّى (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) الصبحَ، وفي مخرجِه هذا من مكةَ إلى حنينٍ. مَرَّ بذاتِ أنواطٍ، وهي سدرةٌ خضراءُ كبيرةٌ كان المشركونَ يَأْتُونَهَا يومًا مِنَ السنةِ يذبحونَ عِنْدَهَا، ويعكفونَ عندها، ويعلقونَ عليها سلاحَهم تُسَمَّى «ذَاتَ أَنْوَاطٍ» وكان كثيرٌ مِمَّنْ معه حديثُ عهدٍ بالإسلامِ، فقالوا له: يا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ. فقال (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه): "اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " [الأعراف: آية ١٣٨] (٢) وكان العباسُ بنُ مرداسٍ السلميُّ
стр. 2768
قال: لَمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ مِنْ مكةَ قاصدًا هوازنَ قال قصيدةً يَصِفُ فيها جيشَ رسولِ الله ﷺ وما يَعْزِمُ عليه من غزوِ هوازنَ منها أنه يقول (١):
أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وأَسْفَلَهَا ... عَنِّي رِسَالَةَ نُصْحٍ فِيهِ تِبْيَانُ ...
إِنِّي أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَابِحَكُمْ ... جَيْشًا لهُ فِي فَضَاءِ الأَرْضِ أَرْكَانُ ...
فِيهِمْ سُلَيْمٌ أَخُوكُمْ غَيْرَ تَارِكِكُمْ ... وَالْمُسْلِمُونَ عِبَادُ اللَّهِ غَسَّانُ ...
وَفِي عِضَادَتِهِ الْيُمْنَى بَنُو أَسَدٍ ... وَالأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ ...
تَكَادُ تَرْجُفُ مِنْهُ الأَرْضُ رَهْبَتَهُ ... وَفِي مُقَدَّمِهِ أَوْسٌ وَعُثْمَانُ
يعني بـ (أوسٌ وعثمانُ) قَبِيلَتَيْ مُزَيْنَةَ من قبائلِ أُدِّ بنِ طابخةَ بنِ إلياس، ومزينةُ أُمُّهُمْ. فَتَوَجَّهَ إليهم رسولُ الله ﷺ ، فَلَمَّا كان قَرِيبًا منهم كان مالكُ بنُ عوفٍ جَمَعَ جميعَ مَنْ طَاوَعَهُ مِنْ هَوَازِنَ، وكانت خَرَجَتْ معه بنو نصرٍ كُلُّهَا (بَنُو نصرِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ)، وبنو جُشَمَ كُلُّهَا، (جُشَمُ بنُ بكرِ بنِ هوازنَ) وبنو سعدٍ كُلُّهُمْ، (سعدُ بنُ بكرِ بنِ هوازنَ)، ولم يخرج معه كثيرٌ من بَنِي عامرِ بنِ صعصعةَ من قبائلِ هوازنَ، تَخَلَّفَ عنه بَنُو ربيعةَ، وبنو كلابٍ، وجاء معه أوزاعٌ قليلةٌ من بَنِي هلالِ بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وجماعةٌ من بني عمرِو بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وَبَنِي عوفِ بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وجاء معه ثقيفٌ كُلُّهَا، وكانت ثقيفٌ كُلُّهَا ترجع إلى قبيلتين، وثقيف أهل الطائف، وثقيف هو ابنُ بكرِ بنِ مُنَبِّهِ بنِ هوازنَ، هم من قبائلِ هوازنَ، وإن كان كثيرٌ من الناس يَظُنُّ أنهم مع هوازنَ، فَهُمْ من هوازنَ؛ لأن ثقيفَ بنَ مُنَبِّهِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ جاءت معه ثقيف كلها لم يَبْقَ منهم أَحَدٌ، وكان
стр. 2769
رئيسُ الجميعِ مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ، وكان في ثقيف أهلِ الطائفِ رئيسانِ، رئيسُ الأحلافِ، ورئيسُ بَنِي مالكٍ؛ أما رئيسُ الأحلافِ ذلك اليومَ فهو قاربُ بنُ الأسودِ بنِ مسعودِ بنِ الْمُعَتِّبِ، ورئيسُ بَنِي مالكٍ هو ذُو الخمارِ، وهو سبيعُ بنُ الحارثِ، وأخوه أحمرُ بنُ الحارثِ. وجاء دريدُ بنُ الصمةِ من بَنِي جشمَ بنِ بكرٍ، وكان سَيِّدًا عظيمًا من ساداتِ هوازنَ، مُجَرِّبًا في الحروبِ، وكان في ذلك الوقتِ شَيْخًا فَانِيًا يرتعشُ، لا فائدةَ فيه إلا التيمنُ برأيه، جاء راكبًا في شِجَارٍ (١) له، وكان جماعُ الناسِ إلى مالكِ بنِ عوفٍ النصريِّ، فقال دريدٌ: هذا المحلُّ الذي أنتم فيه أَيُّ وادٍ أنتم فيه؟ قالوا: نحنُ الآنَ بوادِي أَوْطَاسٍ. قال: نِعْمَ مَجَالُ الخيلِ، لا حَزْنٌ ضَرْسٌ ولا سَهْلٌ دَهْسٌ.
ثم إنه قال: ما لي أَسْمَعُ بكاءَ الصغيرِ، ونهاقَ الحميرِ، ورغاءَ البعيرِ، ويعارَ الشاءِ؟ قالوا له: جَمَعَ مالكُ بنُ عوفٍ مع هوازنَ مواشيَهم وأموالَهم ونساءَهم وذراريَهم!! فقال: أين مالكٌ؟ فَدُعِيَ له مالكُ بنُ عوفٍ، فقال: يا مَالِكُ!! لقد أصبحتَ رئيسَ قومِك، وإن هذا يومٌ له ما بعدَه، فَمَا لِي أسمعُ رغاءَ البعيرِ، وبكاءَ الصغيرِ، ونهاقَ الحميرِ، ويعارَ الشاءِ؟ قال: سُقْتُ مع الناسِ أموالَهم ونساءَهم وأولادَهم. قال: وَلِمَ؟ قال: أريدُ أن يكونَ عند ظهرِ كُلِّ رجلٍ أهلُه ومالُه ليقاتلَ عنهم ولا يَفِرَّ. فقال دريدٌ يهزأُ بِمَالِكٍ (أَنْقَضَ به) - أي أَخْرَجَ من فمه صوتًا استهزاءً به - وقال: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، هل يَرُدُّ المنهزمَ شيءٌ؟! هذا ليس برأيٍ؛ لأنها إن كانت عليكَ فُضِحْتَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فكانَ الأَوْلَى أن تردَّهم إلى متمنِّع بلادِهم وَعُلْيَا قومِهم، فإن كانت لكَ فإنه لا ينفعُك إلا رجلٌ بسيفِه وَرُمْحِهِ، وإن
стр. 2770
كانت عليكَ أَلْفَاكَ ذلك وقد أحرزتَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ. فقال مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَا أفعلُ غيرَ هذا. ثم قال: يا معشرَ هوازنَ وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي أَوْ لأَتَّكِئَنَّ على هذا السيفِ حتى يخرجَ من ظَهْرِي!! فقالوا: أَطَعْنَاكَ. فقال دريدٌ: هذا يومٌ لم أَشْهَدْهُ ولم يَفُتْنِي. ثم قال: هل حَضَرَ أحدٌ من بَنِي كَعْبٍ أَوْ كِلَابٍ؟ قالوا: ما حَضَرَهَا أحدٌ من بَنِي كعبٍ وَلَا كلابٍ. يعني كعبًا وكلابًا أولادَ عامرِ بنِ صعصعةَ. قال: غابَ الجدُّ والحدُّ (١) لو كان يومَ رفعةٍ وعلاءٍ لم يَغِبْ عنه كعبٌ وكلابٌ. قال: مَنْ حَضَرَهَا مِنْ عَامِرٍ؟ قالوا: بَنُو عوفِ بنِ عامرٍ، وَبَنُو عمرِو بنِ عامرٍ. قال: ذَانِكَ الجذعانِ من عامرٍ لا ينفعانِ ولا يضرانِ. ثم قال دريدٌ (٢):
[٤/أ] يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... / أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ ...
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ (٣)
كَأَنَّهَا شَاةٌ صَدَعْ (٤)
ثم إن مالكَ بنَ عوفٍ أَمَرَهُمْ فَكَمِنُوا للنبيِّ ﷺ وأصحابِه في مضايقِ وَادِي حنينٍ وأحنائِه، كانوا في مضايقِ الوادِي بِجَنْبَتَيِ الوادِي كَامِنِينَ له.
وقال لهم ملكُهم - مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ: إذا أَقْبَلَ عليكم القومُ فَشُدُّوا عليهم شدةَ رجلٍ واحدٍ. فصلَّى النبي ﷺ الصبحَ وسارَ بأصحابِه في الْغَلَسِ - يعني: بقية ظلامِ الليلِ مختلطةً بضياءِ
стр. 2771
الصبحِ - فَانْحَدَرُوا في وَادِي حنينٍ يَمْشُونَ، فلم يَشْعُرُوا بشيءٍ إلا وقد دَخَلُوا في مكمنِ القومِ، فَشَدُّوا عليهم شدةَ رجلٍ واحدٍ، وصارت الرماحُ والسهامُ كأنها رِجْلُ جرادٍ منتشرٍ عليهم، فَوَقَعَ مَا وَقَعَ، وَزَلَّ المسلمونَ، وَوَقَعَ ما قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ فَثَبَتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على بغلتِه البيضاءِ، وبعضُهم يقولُ: الشهباء؛ لأَنَّ لونَها بياضٌ فيه شُهبةٌ. والعباسُ بنُ عبدِ المطلبِ ﵁ آخِذٌ بِزِمَامِهَا. وبعضُهم يقولُ: آخِذٌ بِرِكَابِهَا الأيمنِ، أو حَكَمَتِهَا، وَآخِذٌ بِرِكَابِهَا الثانِي أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، وكان مع النبيِّ جماعةٌ من آلِ بيتِه، منهم عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالبٍ ﵁، والعباسُ بنُ عبدِ المطلبِ، وَأَبُو سفيانَ بنُ الحارثِ، والفضلُ بنُ العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ ﵃، وربيعةُ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وأيمنُ بنُ أُمِّ أيمنَ مولاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وَثَبَتَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ذلك الثباتَ العظيمَ، وكان يركضُ البغلةَ في نَحْرِ الْعَدُوِّ يسرعُ إليهم ويقولُ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وهذا من الشجاعةِ منقطعُ النظيرِ (١)؛ لأنه على بغلةٍ لَا تُحْسِنُ الْكَرَّ وَلَا الْفَرَّ، لا تصلحُ لِكَرٍّ وَلَا لِفَرٍّ، وقد انكشفَ عنه أصحابُه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، وليس مَعَهُ إِلَاّ قومٌ قليلٌ، ومع هذا يركضُ في وجهِ العدوِّ وَيُنَوِّهُ بِاسْمِهِ ليعرفَه مَنْ لَمْ يكن يعرفه!! وقال للعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ - وكان رَجُلاً ضَخْمًا قَوِيًّا جهيرَ الصوتِ جِدًّا - "نَادِ: يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ" فنادَى العباسُ بأعلى صوتِه: يَا
стр. 2772
أصحابَ السَّمُرَةِ. والسَّمُرَةُ هي شجرةُ الحديبيةِ التي وَقَعَتْ تحتَها بيعةُ الرضوانِ، وقد بَايَعُوهُ فيها على أن لا يَفِرُّوا عنه. وفي بعضِ المراتِ يقولُ: يا أصحابَ السمرةِ، يا أصحابَ سورةِ البقرةِ. يَدْعُوهُمْ. فَسَمِعُوا نداءَه فقالوا: يَا لَبَّيْكَ. وتراجعَ إليه المسلمونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ، وقد أَعْجَزَهُمْ أن يَرُدُّوا الأباعرَ التي يَرْكَبُونَهَا؛ لأنها آلَمَهَا وَقْعُ السِّهَامِ، فلم يَقْدِرُوا على رَدِّهَا ولا عَطْفِهَا.
قال العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ ﵁: فَوَاللَّهِ لَمَّا نَادَيْتُهُمْ فَسَمِعُوا صَوْتِي فكأنما عَطَفُوا عليه عطفةَ البقرِ على أولادِها. وكان (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) أَخَذَ قبضةً من ترابٍ فَرَمَى بها في أَوْجُهِ القومِ وقال: شَاهَتِ الوجوهُ. وَذَكَرَ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُ واحدٍ أنه رَوَى من طرقٍ كثيرةٍ عن أولادِ أولئك الجيشِ الذين أَسْلَمُوا بعدَ ذلك أنهم قالوا: لَقِينَا أصحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَا لَبِثْنَا أَنْ هَزَمْنَاهُمْ وَاتَّبَعْنَاهُمْ حتى أَتَيْنَا على صاحبِ البغلةِ الشهباءِ فَزَجَرَنَا زَجْرًا قَوِيًّا، وَأَخَذَ قبضةً من ترابٍ وَحَصًى فرمى بها في أَوْجُهِنَا فلم تبقَ عينٌ ولا فَمٌ إلا امْتَلأَتْ من ذلك الْحَصَى. وَرَجَعُوا مُنْهَزِمِينَ، فَمِنْ ذلك الوقتِ الذي رَمَى تلك القبضةَ في أَوْجُهِهِمْ وكان حَدُّهُمْ كَلِيلاً وَأَمْرُهُمْ مُدْبِرًا. ثم إنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) وكان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ ﵁ في ذلك اليومِ شديدَ الشجاعةِ يُنوِّه بالنفرِ الذين بَقَوْا مَعَهُ، والذي يقولُه العباسُ في شعرِه أنهم عَشَرَةٌ فقط حيث يقول (١):
стр. 2773
أَلَا هَلْ أَتَى عِرْسِي مُكَرِّي وَمَقْدَمِي ... بِوَادِي حُنَيْنٍ وَالأَسِنَّةُ تُشْرَعُ
إلى أن قال:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةٌ ... وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا ...
وَعَاشِرُنَا لَاقَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ ... لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّهِ لَا يَتَوَجَّعُ
يعنِي بعاشرِهم الذي لَاقَى الحِمَامَ أي: الموتَ: أيمنَ بنَ أُمِّ أيمنَ ﵁، أُمُّهُ أُمُّ أيمنَ مولاةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فرجع المسلمونَ لَمَّا سَمِعُوا نداءَ العباسِ، فاجتمعَ عليه من أوائلهم مئةُ رجلٍ، فَأَمَرَهُمُ النبيُّ ﷺ أن يَصْدُقُوا الحملةَ على القومِ، فَاجْتَلَدَ الناسُ اجْتِلَادًا شديدًا، فَنَظَرَ إليهم رسولُ الله ﷺ فإذا هم يَجْتَلِدُونَ ويتقاتلونَ قتالاً شديدًا، فقال (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه): «الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» (١). وكانت من الكلماتِ التي لم يُسْبَقْ قَبْلَهَا، قال بعضُ مَنْ رَوَى قِصَّةَ حنينٍ هذه: فوالله ما تَرَاجَعَ المسلمونَ إِلَاّ وَالأَسْرَى بجنبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (٢). وكان مِمَّنْ ثَبَتَ ذلك اليومَ ثَبَاتًا عظيمًا أُمُّ سليمٍ امرأةُ أَبِي طلحةَ، وهي حَامِلٌ في ذلك الوقتِ بعبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، كانت تشدُّ وَسْطَهَا بِبُرْدٍ وفي يدِها خنجرٌ، وهي مُمْسِكَةٌ بعيرِ أَبِي طلحةَ، وَلَمَّا سَأَلُوهَا عن الخنجرِ قالت: إذا قَرُبَ مِنِّي بعضُ المشركين بَعَجْتُ به بَطْنَهُ (٣). فهي عظيمةٌ في الشجاعةِ والثباتِ، فرجعَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبُوا أكتافَ العدوِّ يَقْتَلُونَهُمْ
стр. 2774
وَيَأْسِرُونَهُمْ، ثم إنهم فَرُّوا وَانْهَزَمُوا، طائفةٌ منهم فيها سَيِّدُهُمْ مالكُ بنُ عوفٍ انْهَزَمُوا ورجعوا إلى حصنِ الطائفِ فَتَحَصَّنُوا به، وطائفةٌ عَسْكَرُوا في أوطاس.
وأوطاس محلٌّ هو وَحُنَيْنٌ يَجْمَعُهُمْ وَادٍ واحدٌ، إلا أنهم عَسْكَرُوا في محلٍّ بعيدٍ منه، فأرسلَ النبيُّ ﷺ في أَثَرِهِمْ سريةً أَمَّرَ عليها أبا عامرٍ الأشعريَّ ﵁، ومعه في تلك السريةِ ابنُ عَمِّهِ أبو موسَى الأشعريُّ، فَأَدْرَكَ أَبُو عَامِرٍ فَلَّهُمْ، وأخذَ ما عندهم من السَّبَايَا أيضًا، وَاسْتُشْهِدَ أبو عامرٍ، أَصَابَهُ سهمٌ في ركبتِه فماتَ، واسْتَحَرَّ القتلُ ذلك اليومَ في ثقيفٍ خاصةً، ثم في بَنِي مَالِكٍ فَقُتِلَ منهم سبعونَ رجلاً، أو أكثرَ، وقتلَ قومٌ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكثيرٌ من هوازنَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ﵎، وفي ذلك اليومِ قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (١).
وكان أبو قتادةَ ﵁ كما ثَبَتَ عنه رَأَى رَجُلاً عليه رَجُلٌ من المشركين يريدُ أن يقتلَه، فجاءَ فَضَرَبَ المشركَ من ورائِه على حَبْلِ عاتقِه فَقَطَعَ دِرْعَهُ وَقَطَعَ حبلَ عاتقِه، قال: فَرَجَعَ إِلَيَّ فضمني ضَمَّةً شممتُ منها ريحَ الموتِ، ثم أَدْرَكَهُ الموتُ فَأَرْسَلَنِي. ثم إنه بعدَ ذلك سَأَلَ عن درعِ ذلك الرجلِ لِيَأْخُذَهَا؛ لأَنَّهُ قاتِلُه، والنبيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» فَنَادَى أبو قتادةَ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فلم يَجِدْ أحدًا يشهدُ له، فَأَخْبَرَ رسولَ الله ﷺ ، فقال رجلٌ من القومِ: هو عندي يا رسولَ اللَّهِ، فَأَرْضِهِ منه. قال له أبو بكر: لَاهَا اللَّهِ لَا يعمدُ إلى أسدٍ من أسودِ اللَّهِ يقاتلُ عن اللَّهِ ورسولِه فيعطيك سَلَبَهُ!! قال له ﷺ : «صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ» (٢).
стр. 2775
فهذه القصةُ أَوَّلاً انْهَزَمَ فيها المسلمونَ، وقد ثَبَتَ في الصحيحِ (١) عن البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ أنه سَأَلَهُ رجلٌ: أَفَرَرْتُمْ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ حُنَيْنٍ؟ قال: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، وكان يقولُ: «أَقْبِلُوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»
ثم إن النبيَّ ﷺ جَمَعَ جميعَ سَبْيِ هوازنَ، وكان فيه آلافٌ عديدةٌ من السَّبَايَا من النساءِ وَالذَّرَارِي، ومن الأموالِ ما لا يُحْصِيهِ إِلَاّ اللَّهُ، من الإبلِ والشاءِ وجميعِ الأموالِ، وكان قد نَفَّلَ بعضَ أصحابِه، فَأَعْطَى عَلِيَّ بنَ أَبِي طالبٍ جاريةً تُسَمَّى ريطةَ بنتَ هلالٍ، وأعطى عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ جاريةً تُسَمَّى زينبَ بنتَ حيانَ، في أشياءٍ كثيرةٍ (٢). ثم إن النبيَّ ﷺ رَجَعَ بنفسِه يتبعُ فَلَّهُمْ إلى الطائفِ، فَحَاصَرَ أهلَ الطائفِ؛ لأَنَّ أهلَ الطائفِ - ثَقِيفًا - لَمَّا مَاتَ منهم ما مَاتَ في غزوةِ حنينٍ وَرَجَعُوا تَحَصَّنُوا بحصنِ الطائفِ، وَصَارُوا يُخْرِجُونَ السهامَ مِنْ كُوَى الحائطِ يُرامون بها أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَكَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنًا يُحَاصِرُهُمْ، وَمَاتَ في حصارِهم جماعةٌ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ مُتَحَصِّنُونَ لم يُؤْذَنْ له في فَتْحِهِمْ، فسأل عنهم معاويةَ بنَ نوفلٍ الديليَّ: ماذا تَرَى؟ قال: أَرَى أنَّ هؤلاء القومَ كالثعلبِ في جُحْرِهِ، إن أَطَلْتَ المقامَ على جُحْرِهِ أَخَذْتَهُ، وإن
стр. 2776
ذَهَبْتَ عنه لَا يَضُرُّكَ بشيء (١)، فسألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يدعوَ عليهم فَأَبَى أن يدعوَ عليهم، وقال: «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ» (٢)
ثم بعدَ ذلك أَسْلَمُوا، وجاؤوا وَافِدِينِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكان النبيُّ ﷺ أَمَرَ بالسبايا والمغانمِ فذهبَ بها رجلٌ أَمَّرَهُ عليها إلى الجعرانةِ وكانت هناك حتى رَجَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِصَارِهِ إلى الطائفِ، فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَه وفدُ هوازنَ مُسْلِمِينَ، وقام خطيبُهم زهيرُ بنُ صردٍ أبو صرد أمامَ النبيِّ ﷺ وقال له: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا أصلٌ وعشيرةٌ، وإنه قد وَقَعَ بنا ما ترى، وإنا تُبْنَا إلى اللَّهِ وَرَجِعْنَا مُسْلِمِينَ. ولو وَقَعَ ما وقع بنا وجئنا الحارثَ بنَ أَبِي شمر الغسانيَّ أو النعمانَ بنَ المنذرِ لَرَجَوْنَا عَائِدَتَهُ بالخيرِ وَعَطْفَهُ عَلَيْنَا، وأنتَ خيرُ مكفولٍ، وكذا وكذا، فَرُدَّ علينا أموالَنا ونساءَنا. قال لهم ﷺ : «اخْتَارُوا أَيَّهُمَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ: أَسَبْيُكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟» فقالوا: خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وأموالِنا فنختارُ نساءَنا وأولادَنا. فقال لهم النبيُّ ﷺ : «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» فقال المهاجرونَ: ما كان لنا منها فهو لرسولِ اللَّهِ. وقال الأنصارُ: ما كان لنا فهو لرسولِ اللَّهِ. وقال الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ: أما أنا وبنو تميمٍ فَلَا، وقال عيينةُ بنُ حصنٍ الفزاريُّ: أَمَّا أَنَا وبنو فزارةَ فَلَا، وقال عباسُ بنُ مرداسٍ السلميُّ: أما أنا وبنو سليمٍ
стр. 2777
فَلَا. فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: ما كان لنا فهو لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال لهم العباسُ: وَهَّنْتُمُونِي حيث لم تُجِيزُوا ما قلتُ عليكم. ثم إن النبيَّ ﷺ رَدَّ لوفدِ هوازنَ جميعَ سَبَايَاهُمْ، جميعَ نِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ (١).
وَاخْتَلَفَتْ عباراتُ المؤرخينَ وأصحابِ المغازي هل كان رَدُّهُمْ لهم قَبْلَ أن تقسمَ الغنائمُ، أو بعدَ قَسْمِهَا (٢)؟ وظاهرُ كلامِ ابنِ إسحاقَ وَمَنْ وَافَقَهُ أنه كان قبلَ قسمِ الغنائمِ، وموسى بنُ عقبةَ وغيرُه من أئمةِ المغازِي يقولونَ: إنه كان بعدَ أن قُسِّمَتْ غَنَائِمُهُمْ. قال ابنُ عمرَ ﵁. كانت الجاريةُ التي أعطانِي عمرُ بنُ الخطابِ أَرْسَلْتُهَا إلى أخوالِي مِنْ بَنِي جُمَحَ يُصْلِحُونَهَا وَيُزَيِّنُونَهَا لِي حتى أطوفَ بالبيتِ وأرجعَ فأدخلَ بها، فَلَمَّا رجعتُ أَنْوِي الدخولَ بها إذا أَصْلَحَها لِي أخوالِي فإذا الناسُ يَشْتَدُّونَ، قلتُ: ما بَالُكُمْ؟ قالوا: رَدَّ إلينا رسولُ الله ﷺ نساءَنا وأولادَنا، فقال: اذْهَبُوا إلى صاحبتِكم في بَنِي جُمَحَ فَخُذُوهَا (٣). ثم إن زهيرَ بنَ صُرد خطيبَ هوازنَ الذي خَطَبَ لهم رسولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْطَفَهُ بخطبةٍ نثريةٍ، وبشعرٍ أيضًا، فَمِنْ شِعْرِهِ الذي يَسْتَعْطِفُهُ به (٤):
стр. 2778
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ ...
امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ ...
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ ...
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
وقد كان قال له في خُطْبَتِهِ: إنما وراءَ هذه الحضرةِ من نساءِ هوازنَ خالاتُك وحواضنُكَ (١). ثم إن النبيَّ ﷺ رَدَّ عليهم جميعَ نسائِهم وأولادِهم، وكان عيينةُ بنُ حصنٍ قد أَخَذَ عَجُوزًا وقال: هذه العجوزُ لَهَا حَسَبٌ وَنَسَبٌ في قَوْمِهَا، فيكونُ فداؤُها شيئًا كثيرًا غاليًا. فالنبيُّ ﷺ خَيَّرَ: مَنْ أَرَادَ أن يعطيَ شيئًا من سبايا هوازنَ لِيُرَدَّ إلى أهلِه مَجَّانًا فَعَلَ، وَمَنْ أَرَادَ الْعِوَضَ عنه قال له رسولُ الله ﷺ : «سَنُعَوِّضُكَ عَنْهُ مِنْ أَوَّلِ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَمِنْ أَوَّلِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا سِتَّ فَرَائِضَ».
والظاهرُ أن مرادَه بالفرائضِ رؤوسٌ مِنَ الإبلِ؛ لأَنَّ حِقَّةَ الزكاةِ تُسَمَّى (فريضةً) ثم إن عيينةَ بنَ حصنٍ قِيلَ له: خُذْ عن هذه سِتًّا. فقال: لَا. فَامْتَنَعَ وقال: لَا آخُذُ عنها شيئًا. يطمعُ في فداءٍ كثيرٍ!!
стр. 2779
فقال له زهيرُ بنُ صردٍ: وَاللَّهِ ما فُوهَا بِبَارِدٍ، ولا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، ولَا بَطْنُهَا بِوَالِدٍ، ولَا زَوْجُهَا بِوَاجِدٍ. فلما قال له هذا الكلامَ قَبِلَ معاوضتَها بما عُوِّضَ به بقايا السَّبْيِ (١)، ثم إن أهلَ الغزاةِ الذين حَضَرُوهَا من الأعرابِ وغيرِهم خافوا أن يردَّ النبيُّ ﷺ على هوازنَ الأموالَ أيضًا، فَضَيَّقُوا عليه فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اقْسِمْ علينا فَيْئَنَا، حتى أَلْجَؤُوهُ إلى سَمُرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فقال: «رُدُّوا عَلَيَّ رِدائِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ مِنَ الْفَيْءِ مِثْلُ شَجَرِ تِهَامَةَ لَقَسَمْتُهُ كُلَّهُ عَلَيْكُمْ، وَلَا تَجِدُونِي جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا وَلَا بَخِيلاً» (٢). (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) فَأَعْطَى ذلك اليومَ المؤلفةَ قلوبُهم، أعطى الأقرعَ بنَ حابسٍ مائةً من الإبلِ، وعيينةَ بنَ حصنٍ مائةً من الإبلِ، وأعطى أَبَا سفيانَ مائةً من الإبلِ، وابنَه معاويةَ مائةً من الإبلِ، وصفوانَ بنَ أميةَ مائةً من الإبلِ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمَّا عَزَمَ على غزاةِ حُنَيْنٍ استعارَ من صفوانَ بنِ أميةَ الجمحيَّ أَدْراعًا كانت له وَسِلَاحًا، فقال له: أَغَصْبًا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» (٣)
وكانت تلك الأدرعُ قد فُقِدَ منها شيءٌ في
стр. 2780
القتالِ، فَلَمَّا أرادَ النبيُّ ﷺ أن يعوضَه قال له: إِنَّ في قلبِي اليومَ ما لم يَكُ في قلبِي بالأمسِ، إني صرتُ أرغبُ في الإيمانِ. ولم يَأْخُذْ عِوَضَ أدراعه، قال بعضُ العلماءِ: لَمَّا أرادَ الخروجَ اسْتَسْلَفَ مِنْ ربيعةَ المخزوميِّ آلافًا كثيرةً يستعينُ بها، وَأَعْطَى المؤلفةَ قلوبُهم.
وَلَمَّا وقعَ بالمسلمينَ ما وقع أولاً وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ كان بعضُ قريشٍ إيمانُهم في ذلك الوقتِ لم يكن قويًّا حتى ذَكَرُوا مثلَه عن أبِي سفيانَ بنِ حربٍ ﵁ قالوا: كانَ في ذلك الوقتِ إيمانُه مدخولاً، فقال: هزيمتُهم لا يَرُدُّهَا البحرُ (١). وكان مع صفوانَ بنِ أميةَ أخوه لأُمِّهِ - وصفوانُ بنُ أميةَ في ذلك الوقتِ على شِرْكِهِ، ومعه أخوه لأُمِّهِ - بعضُهم يقول: اسمُه كلدةُ بنُ الحنبلِ. فلما وَقَعَ بالمسلمينَ ما وَقَعَ أولاً وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ قال: الآنَ بَطَلَ سحرُ محمدٍ. فقال له صفوانُ بنُ أميةَ وهو مُشْرِكٌ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، وَاللَّهِ لأَنْ يَرُبَّنِي رجلٌ من قريشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من هوازنَ (٢).
وكان شيبةُ بنُ عثمانَ بنِ أبي طلحةَ قُتِلَ أبوه عثمانُ بنُ أبي طلحةَ يومَ أُحُدٍ في حَمَلَةِ اللواءِ من بَنِي عبدِ الدارِ، وَعَمُّهُ طلحةُ بنُ أبِي طلحةَ وغيرُه من أعمامِه، وكان حَنِقًا على النبيِّ ﷺ ، فَخَرَجَ في غزاةِ حنينٍ وهو على كُفْرِهِ يريدُ أن يصادفَ غرةً من رسولِ اللَّهِ ﷺ ليقتلَه ويأخذَ بثأرِه، فلما انْكَشَفَ المسلمونَ وَوَقَعَ ما
стр. 2781
وَقَعَ قال شيبةُ: جئتُ من طرفِ بَغْلَتِهِ الأيمنِ فإذا عمُّه مُمْسِكٌ بِرِكَابِ بغلتِه، قلتُ: هذا عمُّه ولن يَخْذُلَهُ، فجئتُ من الطرفِ الثاني فإذا أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ مُمْسِكٌ ركابَه من الجنبِ الآخَرِ، فقلتُ: وهذا ابنُ عَمِّهِ لن يَخْذُلَهُ، فجئتُ من ورائِه فَلَمَّا قَرُبْتُ منه وَأَرَدْتُ أن أساورَه بالسيفِ وقلتُ: الآنَ آخُذُ ثَأْرِي فأقتلُ محمدًا ﷺ ، في بعضِ الرواياتِ أنه قال: جَاءَنِي عنقٌ مِنْ نَارٍ كأنه برقٌ خاطفٌ فَصِرْتُ أرجعُ القهقرى خوفًا منه، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ فقال: «ادْنُ يَا شَيْبَ!!» فَمَسَحَ صدرَه ودعا له اللَّهَ. قال: وَاللَّهِ ما رَفَعَ يدَه عَنِّي حتى صار أحبَّ إِلَيَّ من كُلِّ شيءٍ. وفي بعضِ رواياتِ هذه القصةِ عن شيبةَ بنِ عثمانَ بنِ أبِي طلحةَ ﵁، قال: لَمَّا أردتُ أن أضربَه وأقتلَه جُعِلَ في فؤادي شيءٌ لَا أَدْرِي ما هو مَنَعَنِي منه، فتيقنتُ أنه ممنوعٌ مِنِّي، ثم دَعَا لي فصارَ أحبَّ الناس إِلَيَّ (١).
فصار شيبةُ بعدَ أن كان يريدُ قتلَ النبيِّ ﷺ يقاتلُ معه في إخلاصٍ ونصحٍ.
ثم إن النبيَّ ﷺ لَمَّا قَسَّمَ غنائمَ حُنَيْنٍ أَعْطَى المؤلفةَ قلوبُهم،
على مكةَ عتَّابَ بنَ أَسِيدِ بنِ أَبِي العيصِ بنِ أميةَ ﵁ (١)، وكان إِذْ ذاك ابنَ عشرين سنةً.
هذا طرفٌ أَشَرْنَا له من هذه الوقعةِ التي نَوَّهَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) بها في كتابِه، ولم نُرِدِ الإطالةَ فيها كثيرًا، وسنرجعُ - إن شاء الله - في اليومِ الآتِي إلى معنَى الآيةِ ونفسرُها؛ لأنا الآن ما ذَكَرْنَا إلا بَسْطَ سببِ نزولِها الذي نَزَلَتْ فيه. وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: هذه أولُ آيةٍ نَزَلَتْ من سورةِ براءة. فهذه الآيةُ نَزَلَتْ قَبْلَ أَوَّلِهَا.
يقولُ اللَّهُ جلَّ وعلا: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾.
اللامُ توطئةُ قسمٍ محذوفٍ، أي: وَاللَّهِ ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أَعَانَكُمْ على أعدائكم ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ المواطنُ: جمعُ مَوْطِنٍ، وموطنُ الحربِ معناه مشهدُه وموقفُه، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعر (٢):
وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلَايَ طِحْتَ كَمَا أَرَى ... بِأَجْرَامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
стр. 2787
أي: كَمْ مَشْهَدِ حَرْبٍ. لقد أعانكم اللَّهُ على أعدائكم في مواقفَ ومشاهدَ عديدةٍ، كما نَصَرَكُمْ يومَ بدرٍ، ويومَ الخندقِ، ويومَ قريظةَ، ويومَ النضيرِ، ويومَ الحديبيةِ، ويومَ فتحِ مكةَ، إلى غيرِ ذلك من المواقفِ التي تَخْرُجُونَ منها وأنتم ظاهرونَ منصورون.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ قيل: التقديرُ: في أيام مواطن، ويوم حنين أيضًا، أي: ولقد نصركم يومَ حنينٍ ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ يومَ حنينٍ حِينَ الْتَقَوْا بهوازنَ، وكانوا كَمَنُوا لهم في مضايقِ وادِي حنينٍ ومخارمِه وأحنائِه، ثم شَدُّوا عليهم شدةَ رجلٍ واحدٍ، وكانوا في هذه الوقعةِ قبلَ ملاقاةِ العدوِّ كأن الصحابةَ أُعْجِبُوا بكثرتِهم لأنهم اجْتَمَعَ منهم ذلك اليومَ شيءٌ لم يَجْتَمِعْ مثلُه قَطُّ فيما مَضَى، وقالوا: لن نُغْلَبَ اليومَ مِنْ قِلَّةٍ. فَبَيَّنَ لهم اللَّهُ أن النصرَ من عندِه وحدَه، لا بالعددِ ولا بالعُددِ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: آية ١٢٦] ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ أُعْجِبْتُمْ بكثرةِ عددِكم وقلتُم: لَنْ نُغْلَبَ اليومَ مِنْ قِلَّةٍ ﴿فَلَمْ تُغْنِ﴾ هي، أي: الكثرةُ التي أَعْجَبَتْكُمْ لم تُغْنِ ﴿عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ لم تُفِدْكُمْ ولم تُجْدِكُمْ قَبْلَ أن يُنَزِّلَ اللَّهُ عليكم سكينتَه وينصرَكم. وهذا امتحانٌ من اللَّهِ وابتلاءٌ وبيانٌ لِخَلْقِهِ أن النصرَ بيدِه وحدَه لَا بكثرةِ العددِ ولا بكثرةِ العُددِ؛ ولذا لَمَّا أَمَدَّهُمْ بالملائكةِ بَيَّنَ لهم مع ذلك أن النصرَ به وحدَه، قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: آية ١٢٦] ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: آية ٢٥] فلم تَنْفَعْكُمْ ولم تُجْدِ عنكم شيئًا. والعربُ تقولُ: هذا لا يُغْنِي شيئًا، وما أَغْنَى عَنِّي هذا شيئًا. يَعْنُونَ: ما نَفَعَنِي وما أَجْدَانِي.
стр. 2788
وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (١) أن أصلَه من الغَنَاءِ بالفتحِ والمدِّ، فالغَنَاءُ في لغةِ العربِ:- كَسَحَابٍ - معناه: النفعُ. ومعنَى (لا يغني عنه) أي: لا يَحْصُلُ له به غَنَاءٌ. أي: نَفْعٌ. وقد قَدَّمْنَا لغاتِ هذه المادةِ مِرَارًا في هذه الدروسِ، وَبَيَّنَّا أن الغَنَاءَ بالفتحِ والمدِّ - غَنَاءٌ كسحابٍ - أن معناه: النفعُ. ومنه قولُ بعضِ شعراءِ بَنِي أسدِ بنِ خزيمةَ (٢):
وَقَلَّ غَنَاءً عَنْكَ مَالٌ جَمَعْتَهُ ... إِذَا صَارَ مِيرَاثًا وَوَارَاكَ لَاحِدُ
«قَلَّ غَنَاءً عَنْكَ» أي: قلَّ نفعًا لك. تمييزٌ مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ.
وأن (الغَنَى) بالمدِّ والقصرِ أنه الإقامةُ في الموضعِ، فالعربُ تقولُ: غَنِيَ بالمكانِ يغنَى به غَنًى - على القياسِ - أي: أقام به. ومنه في هذا المعنَى قولُه تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس: آية ٢٤].
والغِنَاءُ - بكسرِ الغينِ والمدِّ إلى الهمزةِ، غِنَاء كَكِتَابٍ - معناه: الألحانُ الْمُطْرِبَةُ، قَبَّحَهَا اللَّهُ.
والغِنى بالكسرِ والقصرِ هو ضِدُّ الفقرِ، والغِنَى بالضمِّ والقصرِ جَمْعُ غُنْيَةٍ، وهو المالُ الذي يَقْتَنِيهِ الإنسانُ فيغتني به في حياتِه.
وَالْغُنَاءُ بضمٍّ فَمَدٍّ لَا أعرفُه في لغةِ العربِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الباءُ بمعنَى (مع)، و (ما) مصدريةٌ. والمعنَى: ضَاقَتْ عليكم الأرضُ مع سَعَتِهَا ورُحْبِهَا،
стр. 2789
والرُّحْبُ بالضمِّ: هو الاتساعُ، والرَّحْبُ: وَصْفٌ، تقولُ: مكانٌ رَحْبٌ، يعنِي: وَسِيعٌ، وصدرٌ رَحْبٌ أي: وَسِيعٌ. والرُّحْبُ: معناه السعةُ، والرَّحْبُ بالفتحِ المصدرُ، فـ (الباءُ) بمعنى (مع) و (ما) مصدريةٌ. والمعنَى: ضَاقَتْ عليكم الأرضُ في حالِ كونِ ذلك مع سَعَتِهَا وَرُحْبِهَا متلبسةً بسعتها وَرُحْبِهَا. والجارُّ والمجرورُ في موضعِ الحالِ، كقولِك: زُرْتُهُ بثيابِي. أي مع ثيابِي. أي: في حالِ كَوْنِي مُتْلَبِسًا بها. والخائفُ يضيقُ عليه فضاءُ الأرضِ الواسعُ؛ لأن مَنِ اشْتَدَّ خوفُه ضَاقَتِ الأرضُ في عينه وإن كانت طويلةً عريضةً واسعةً، كما قال الشاعرُ (١):
كَأَنَّ بِلَادَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ ... عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ
وهذا معنَى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾.
﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ مُوَلِّينَ الأدبارَ مُنْهَزِمِينَ؛ لأنهم أولُ المرةِ في ذلك اليومِ انْهَزَمُوا. وعن سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ أنه انْهَزَمَ فيمن انْهَزَمَ، وكان لابسًا بُرْدَيْنِ مُتَّزِرًا بأحدِهما مُتْرَدِيًا بالآخَرِ، فلما اشْتَدَّ منهزمًا هاربًا انْحَلَّ الإزارُ الذي يَتَّزِرُ به وعجل عن أن يشده فصار جَامِعًا له بيديه، ومرَّ على النبيِّ ﷺ في هذه الحالةِ والنبيُّ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) في غايةِ الثباتِ والطمأنينةِ، فالتفتَ إليه وقال: «رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا» (٢) وهو هَارِبٌ، فَرَجَعُوا مُدْبِرِينَ. هذا معنَى قولِه: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢٥] ﴿مُّدْبِرِينَ﴾ معناه: مُوَلِّينَ عدوَّكم بأدبارِكم، فَارِّينَ منه.
стр. 2790
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ السكينةُ: فعيلةٌ من السكونِ، ومعناها: الطمأنينةُ والأَمَنَةُ المستوجبانِ لأكملِ الثباتِ ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ [التوبة: آية ٢٦] أي: أَمَنَتَهُ من الخوفِ، وطمأنينتَه في القلوبِ المستوجبةِ لأكملِ الثباتِ على رسولِه محمد ﷺ حيث كان على بغلتِه الشهباءِ (دُلْدُل) يركضُها إلى نحورِ العدوِّ ويقولُ: «أَقْبِلُوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» (١)
﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وَأَنْزَلَ سكينتَه أيضًا على المؤمنين. قال بعضُ العلماءِ: المرادُ بالمؤمنينَ الذين أنزل الله سكينتَه عليهم: مَنْ ثَبَتُوا معه ﷺ . وقال بعضُ العلماءِ: يدخلُ فيهم الذين رَجَعُوا بعد الفرارِ والهزيمةِ وَقَاتَلُوا معه عَدُوَّهُ. والتحقيقُ: أن اللَّهَ أَنْزَلَ سكينتَه على الجميعِ، الذين بَقُوا معه ولم يَفِرُّوا والذين رجعوا إليه.
واختلف العلماءُ فيمن بَقِيَ معه ولم يَنْهَزِمْ (٢)، وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: عَشَرَةُ رجالٍ أو أحدَ عشرَ رجلاً، وقد ذَكَرْنَاهُمْ، ومن جُمْلَتِهِمْ: شيبةُ بنُ عثمانَ بنِ أبي طلحةَ كان يريدُ الغدرَ بالنبيِّ ﷺ فَآمَنَ في ذلك الوقتِ، وكان من الثَّابِتِينَ الْمُقَاتِلِينَ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ . وكثيرٌ من أصحابِ الْمَغَازِي يقولونَ: ثَبَتَ معه
стр. 2791
نحوٌ من مائةِ رجلٍ أو ثمانينَ. وبعضُ العلماءِ يُوَفِّقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ يقولُ: أما العشرةُ أو الأحدَ عشرَ فلم يتحركوا، وأما المائةُ أو الثمانونَ فَهُمُ الذين رَجَعُوا بسرعةٍ وحملوا على عَدُوِّ النبيِّ ﷺ ، ذَكَرُوا أن عَلِيَّ بنَ أبِي طالبٍ ﵁ قَتَلَ ذلك اليومَ أربعينَ رَجُلاً بيدِه، وَذَكَرُوا عن أبِي طلحةَ أنه لَمَّا قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (١) أنه قَتَلَ عشرينَ رجلاً فأخذَ أسلابَهم، وكان عَلِيٌّ ﵁ ذلك اليومَ هو الذي أَسْقَطَ الجملَ الذي عليه رايةُ هوازنَ؛ لأن رايتَهم كانت عند رَجُلٍ على رُمْحٍ طويلٍ راكبٍ على جَمَلٍ أحمرَ، يتقدمُ أمامَ الناسِ، فإذا أَدْرَكَ الناسَ طعنهم بالرمحِ، وإذا فَاتُوهُ رَفَعَ لواءَه على الرمحِ ليراه مَنْ بَعْدَهُ!! فَابْتَدَرَهُ عَلِيٌّ ﵁ ورجلٌ من الأنصارِ فَضَرَبَ عَلِيٌّ الجملَ على عرقوبيه فسقطَ على عَجُزِهِ، فابتدرَ الأنصاريُّ الرجلَ فَأَطَنَّ رِجْلَهُ بنصفِ ساقِه وَانْجَعَفَ عن رَحْلِهِ (٢).
ثم إن اللَّهَ قال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ هذه الجنودُ هي الملائكةُ لم يَرَهَا المؤمنونَ ولكن الكفارَ رَأَوْهَا، فذكر ابنُ عبدِ البرِّ أنه رُوِيَ من طرقٍ كثيرةٍ عن أولادِ أولئك الذين كانوا من الكفارِ شَهِدُوا حُنَيْنًا عن آبائِهم أنهم قالوا: لَقِينَا أصحابَ محمد ﷺ فَمَا وَقَفُوا لنا حلبَ شاةٍ، فَهَزَمْنَاهُمْ وَاتَّبَعْنَاهُمْ، حتى إذا انْتَهَيْنَا إلى صاحبِ البغلةِ البيضاءِ أو البغلةِ
стр. 2792
الشهباءِ رَأَيْنَا رجالاً بِيضًا على خيلٍ بُلْقٍ وقالوا لنا: «ارْجِعُوا، شَاهَتِ الوجوهُ» (١)، وقد كان النبيُّ قال أيضًا هذه الكلمةَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فانْهَزَمُوا». وجاء من رواياتٍ أُخَرَ أن مالكَ بنَ عوفٍ النَّصْرِيَّ سيدَ هوازنَ أَرْسَلَ عيونًا يَتَجَسَّسُونَ له أخبار النَّبِيِّ ﷺ ، فجاؤوه وقد انْخَلَعَتْ أوصالُهم. أي: كان ما بينَ عظامِهم مُتَفَكِّكًا. فقالوا: رَأَيْنَا رجالاً بيضًا على خَيْلٍ بلقٍ فما تَمَالَكْنَا أن وَقَعَ بنا ما ترى (٢).
وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) في هذا القرآنِ العظيمِ ذَكَرَ التأييدَ بجنودِ الملائكةِ في أربعِ سورٍ من كتابِه، في ثلاثةٍ منها يقولُ: ﴿لَّمْ تَرَوْهَا﴾ وفي الرابعةِ لم يَقُلْ: ﴿لَّمْ تَرَوْهَا﴾.
أما الثلاثُ التي قال فيها: ﴿لَّمْ تَرَوْهَا﴾ فمنها: الملائكةُ الذين نَزَلُوا في غزوةِ الخندقِ - غزوةِ الأحزابِ - الآتِي ذِكْرُهُمْ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: آية ٩].
الثانيةُ: الملائكةُ الْمُنَزَّلُونَ في غزوةِ حنينٍ هذه، المذكورونَ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: آية ٢٦].
стр. 2793
الثالثةُ: الملائكةُ الذين نَزَلُوا بِنَبِيِّنَا ﷺ يومَ دَخَلَ في الغارِ هو وصاحبُه، وسيأتِي بَسْطُ قِصَّتِهِمْ - إن شاء الله - في هذه السورةِ الكريمةِ سورةِ براءةٍ، وذلك في قولِه: ﴿إِلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: آية ٤٠] فَفِي هذه المواضعِ الثلاثةِ كُلِّهَا يقيدُ بـ (لَمْ تَرَوْهَا)، (لَمْ تَرَوْهَا) لأنه يُنْزِلُ ملائكةً لَا يراهم بنو آدمَ؛ لأنهم ليسوا من شَكْلِهِمْ ولا من جِنْسِهِمْ حتى يَرَوْهُمْ.
وفي الموضعِ الرابعِ لم يُقَيِّدْ بقولِه: (لَمْ تَرَوْهُمْ) وهو الملائكةُ النازلونَ يومَ بدرٍ، المذكورونَ في الأنفالِ وآلِ عمرانَ، حيث قال اللَّهُ في الأنفالِ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ الآية [الأنفال: آية ١٣]. وَذَكَرَهُمْ أيضًا في سورةِ آلِ عمرانَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ... ﴾ إلى قولِه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ [آل عمران: الآيتان ١٢٣، ١٢٤] وقد قَدَّمْنَا في سورةِ الأنفالِ (١)
أن أَظْهَرَ الأقوالِ أن الملائكةَ قَاتَلَتْ يومَ بدرٍ، وأنها لم تُقَاتِلْ في غيرِها بل تأتِي لِتَجْبِينِ الكفارِ وتقويةِ قلوبِ المؤمنينَ وَنُصْرَتِهِمْ، هذا هو الظاهرُ، وقد ذَكَرَ (جل وعلا) فَرْقًا شَاسِعًا بَيْنَ مَنْ يَفِرُّ في غزوةِ بدرٍ وَمَنْ فَرَّ في غيرِها؛ لأنه شَدَّدَ غايةَ التشديدِ فيمن يَفِرُّ فِي غزوةِ بَدْرٍ كما تَقَدَّمَ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: آية ١٦] بهذا التشديدِ العظيمِ، ولم يَقُلْ مثلَ هذا فِيمَنِ انهزمَ من الصحابةِ يومَ
стр. 2794
أُحُدٍ، ولا فيمن انْهَزَمَ منهم يومَ حُنَيْنٍ؛ لأن بعضَ الصحابةِ انْهَزَمُوا يومَ أُحُدٍ، وبعضُهم لم يرجعوا إلى النبيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: آية ١٥٥] ثم قال هنا: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: آية ٢٧] فَأَشَارَ إلى أنه تَابَ عليهم من هزيمتِهم.
وهذا معنَى قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم هوازنُ، عَذَّبَهُمْ بأيدِي المؤمنينَ حيث قَتَلُوهُمْ قَتْلاً وَجِيعًا وَأَسَرُوهُمْ وَأَخَذُوا أولادَهم ونساءَهم وأموالَهم مِصْدَاقًا لقولِه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة: آية ١٤] ﴿وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين كانوا يقاتلونَ النبيَّ وأصحابَه كهوازنَ ﴿وَذَلِكَ﴾ العذابُ ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢٦] ثم اللَّهُ تعالى قال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: آية ٢٧] قال بعضُ العلماءِ: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ يدخلُ فيه المنهزمونَ الذين انهزموا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، مَنْ رَجَعَ منهم وَكَرَّ ومَنْ لَمْ يَرْجِعْ. قالوا: ويدخل فيه الكافرونَ الذين قال اللَّهُ: ﴿وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: آية ٢٦] لأَنَّ كثيرًا منهم تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عليهم. وقد كان رئيسُ هوازنَ مالكُ بنُ عوفٍ ﵁ أَسْلَمَ وكان من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنه لَمَّا انْهَزَمَتْ هوازنُ رَاحَ مع فَلِّ الطائفِ - والفَلُّ هو بقيةُ الْمُنْهَزِمِينَ - وَتَحَصَّنَ بحصنِ الطائفِ، فَأَرْسَلَ إليه النبيُّ ﷺ سِرًّا: أنه إِنْ قَدِمَ إليه رَدَّ إليه أهلَه وولدَه وأعطاه. فَخَافَ إن أَعْلَمَ ثَقِيفًا بذلك أن يَمْنَعُوهُ، فأمر أن يُرْحَلَ جَمَلُهُ في مَحَلٍّ عَيَّنَهُ لهم،
стр. 2795
ثم جاءه مُخْتَفِيًا، وَسَارَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وجاء إلى النبيِّ ﷺ مُسْلِمًا فَأَكْرَمَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَدَّ إليه أهلَه وولدَه، وأعطاه مائةً من الإبلِ كما أَعْطَى الْمُؤَلَّفِينَ.
وقد كان مالكُ بنُ عوفٍ سَيِّدُ هوازنَ مَدَحَ النبيَّ ﷺ ببعضِ أشعارِه، ومن ذلك قولُه لَمَّا رَدَّ له رسولُ الله ﷺ مَا رَدَّ له وأعطاه مائةً من الإبلِ (١):
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ ... فِي النَّاسِ كُلِّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ
هذا يمدحُه به رئيسُ الذين كانوا أعداءَه بالأمسِ يقاتلونَه، رَجَعَ في هذا الزمنِ القريبِ إلى مَدْحِهِ والثناءِ عليه هذا الثناءَ الجميلَ:
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ ... فِي النَّاسِ كُلِّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ ...
أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إِذَا اجْتُدِي ... وَمَتَى تَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمَّا فِي غَدِ (٢) ...
وَإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرَّدَتْ أَنْيَابُهَا ... بِالسَّمْهَرِيِّ وَضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ ...
فَكَأَنَّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ ... وَسْطَ الْهَبَاءَةِ خَادِرٌ فِي مَرْصَدِ
وهذا معنَى قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٢٦] فَقَسَّمَ النبيُّ ﷺ غنائمَ هوازنَ بَعْدَ أن رَدَّ إليهم أولادَهم ونساءَهم، قَسَّمَ غنائمَهم بالجعرانةِ في ذي القعدة عامَ ثَمَانٍ - ثم إنه أَحْرَمَ بعد أن قَسَّمَهَا بعمرةٍ (٣) - من الهجرةِ.
стр. 2796
وكانت في السبايا التي جِيءَ بها رسول اللَّهِ ﷺ : الشيماءُ بنتُ الحارثِ بنِ عبدِ الْعُزَّى، أُمُّهَا حليمةُ السعديةُ، أختُ رسولِ اللَّهِ ﷺ من الرضاعةِ، كانت تقولُ لهم: مَهْلاً عَلَيَّ لَا تُزْعِجُونِي فإني أختُ صاحبِكم من الرضاعةِ، فلما جاءت أَخْبَرَتِ النبيَّ ﷺ فَسَأَلَهَا عن العلامةِ فقالت له: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي كَتِفِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ. فعرف ﷺ العلامةَ فبسط لها رداءَه وأجلسَها عليه وأكرمَها غايةَ الإكرامِ، وَخَيَّرَهَا أن تبقَى معه محببةً مكرمةً أو أن يردَّها إلى أهلِها ويمتعَها. فاختارت الردَّ إلى أهلها فَمَتَّعَهَا. كانوا يقولونَ: من جملةِ ما أعطاها جَارِيَةٌ وَغُلَامٌ، زَوَّجَتِ الغلامَ من الجاريةِ، قالوا: وكان عقبهما فيهم لا يكادُ ينقطع (١). وهذا من كرمِه ووفائِه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، فإن الإنسانَ إذا استعرضَ شيئًا من سِيرَتِهِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) رأى العظمةَ الهائلةَ من الشجاعةِ الكاملةِ، والحلمِ الكاملِ، والكرمِ الكاملِ، والوفاءِ الكاملِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه). وهذا معنَى قولِه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: آية ٢٧] على مَنْ يشاءُ أن يتوبَ عليه، وهذه يُفْهَمُ منها أنه تعالى تَابَ على الذين انْهَزَمُوا وإن لم يُصَرِّحْ بها. أما الذين انْهَزَمُوا
стр. 2797
يومَ أُحُدٍ فقد صَرَّحَ بأنه تابَ عليهم في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: آية ١٥٥].
وقولُه هنا: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ التوبةُ تُطْلَقُ من اللَّهِ على عبدِه، ومن العبدِ إلى رَبِّهِ، فإذا أُطْلِقَتِ التوبةُ من العبدِ إلى رَبِّهِ عُدِّيَتْ بـ (إلى) ولم تُعَدَّ بـ (على) تقولُ: تُبْتُ إلى اللَّهِ. ولا تقولُ: تُبْتُ على اللَّهِ. وإذا تَوَجَّهَتْ من الربِّ إلى عبدِه عُدِّيَتْ بـ (على) تقولُ: تَابَ اللَّهُ عليه. ولم تَقُلْ: تَابَ إليه. أما التوبةُ الواقعةُ من المخلوقينَ فإن الوصفَ منها يُطْلَقُ على (تَائِبٍ) وعلى (تَوَّابٍ) بصيغةِ المبالغةِ. أما توبةُ اللَّهِ على عَبْدِهِ فلم يَأْتِ الوصفُ منها إلا على (تَوَّابٍ).
وقد قَدَّمْنَا مِرَارًا (١) أن توبةَ العبدِ إلى رَبِّهِ المستوجبةِ لتوبةِ اللَّهِ على عَبْدِهِ أنها واجبةٌ فَوْرًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وأن مَنْ أَخَّرَهَا كان ذلك ذَنْبًا تَجِبُ منه التوبةُ.
وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (٢) أن في التوبةِ إلى اللَّهِ (جلَّ وعلا) إِشْكَالَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ عندَ العلماءِ:
أحدُهما: إِطْبَاقُ العلماءِ على أن توبةَ العبدِ إلى رَبِّهِ هي مُرَكَّبَةٌ من ثلاثةِ أركانٍ، وهي: إقلاعُه عن الذنبِ إن كان مُتَلَبِّسًا به، وَنَدَمُهُ على ما صَدَرَ منه، ونيتُه أن لا يعودَ. فهذه هي الأركانُ التي تتألفُ منها توبةُ العبدِ النصوحُ إلى رَبِّهِ، الذي إذا فَعَلَهَا جاءته توبةُ اللَّهِ؛ لأن
стр. 2798
اللَّهَ يتوبُ على مَنْ تَابَ عليه، كما قال (جلَّ وعلا): ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: آية ٨] وهم يقولونَ: «عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ» (١). هذا فيه إشكالانِ معروفانِ:
أحدُهما: أن التوبةَ واجبةٌ بإجماعِ العلماءِ فَوْرًا من كُلِّ ذَنْبٍ يُجْتَرَمُ. فعلينا جميعًا إذا صَدَرَ من الواحدِ مِنَّا ذنبٌ أن يرجعَ إلى اللَّهِ ويتوبَ إليه فورًا ولا يؤخرَ التوبةَ من ذلك، فإن أَخَّرَهَا كان تأخيرُها ذَنْبًا يحتاجُ إلى توبةٍ أخرى. والندمُ من أركانِها بالإجماعِ، وركنُ الواجبِ واجبٌ إجماعًا، فالندمُ على الذنبِ واجبٌ؛ لأنه من أركانِ التوبةِ، وركنُ الواجبِ واجبٌ، والإشكالُ هنا في الندمِ؛ لأن المعروفَ أن الندمَ من الانفعالاتِ النفسيةِ والتأثراتِ، لا من الأفعالِ الاختياريةِ كما هو مُشَاهَدٌ، والعلماءُ مُجْمِعُونَ على أنه لا تكليفَ إلا بفعلٍ اختياريٍّ، وأن الانفعالاتِ والتأثراتِ النفسانيةَ لا يَمْلُكُهَا أَحَدٌ، فكيف يُكَلَّفُ بالندمِ ويُوجِبُ عليه وهو انفعالٌ وتأثرٌ نَفْسَانِيٌّ ليسَ تحتَ طاقتِه، وأنتَ تُشَاهِدُ الإنسانَ يُجَاهِدُ نفسَه ليطردَ عنها الندمَ، كالبائعِ المغبونِ يتجلدُ وَيَتَقَوَّى ويريدُ أن لا يندمَ وهو يندمُ غَصْبَ أَنْفِهِ؛ لأنه انفعالٌ وتأثرٌ، كما أن بعضَ الناسِ يريدُ أن يَنْدَمَ ولا يندمُ إذا كان الذنبُ الذي وَقَعَ فيه - والعياذُ بالله - مِمَّا كان يَشْتَهِيهِ جِدًّا، كالذي يظفرُ بِقُبْلَةٍ من امرأةٍ يعشقُها، إذا أخطرَ ذلك على قلبِه يصعبُ عليه أن يندمَ عليه؛ لأنها أُمْنِيَتُهُ التي كان يرجوها فإذا كان الندمُ قد يريدُه الإنسانُ ولا يَجِدُهُ، وقد يدفعُه عنه ولا يندفعُ، وهو انفعالٌ وتأثرٌ نفسانيٌّ فكيف يكونُ ركنًا من أركانِ التوبةِ، ويكونُ واجبًا، ومعلومٌ إجماعُ العلماءِ على أن اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ إلا بِفِعْلٍ؟
стр. 2799
هذا الإشكالُ أَجَابَ عنه العلماءُ بأن المرادَ بإيجابِ الندمِ هو إيجابُ الأخذِ في أسبابِه؛ لأن الإنسانَ إذا أَخَذَ بأسبابِ الندمِ أَخْذًا صحيحًا ولم يُحَابِ نفسَه لَا بد أن يندمَ، وَمَنْ كانت أسبابُه الموصلةُ إليه متيسرةً في طوعِ المكلفِ فكأنه مُتَيَسِّرٌ في طاقةِ المكلفِ؛ لأن الإنسانَ إذا أَخَذَ نفسَه أَخْذًا حَقِيقِيًّا وعرَّفها في داخلِ قرارةِ نفسِه أنه لا يوجدُ في الدنيا إنسانٌ يَبْلُغُ من الْبَلَهِ والتغفيلِ ما يستلذُّ به طعامًا أو شرابًا حُلْوًا وفيه سُمٌّ قَاتِلٌ؛ لأن عامةَ العقلاءِ لَا يحبونَ الطعامَ الحلوَ ولا الشرابَ الحلوَ ولو كان في غايةِ اللذاذةِ والحلاوةِ إذا كان في داخلِه سمٌّ فَتَّاكٌ قَاتِلٌ، هذا يعافُه جميعُ الناسِ ويكرهونَه، ولا شَكَّ أن حلاواتِ المعاصِي ولذاذاتِها عند الجَهَلَةِ، وإنما هي منطويةٌ عليه من السمِّ القاتلِ الفتاكِ، وهو سَخَطُ خالقِ السماواتِ والأرضِ وغضبُه، أن العاقلَ إذا تَأَمَّلَ في هذا تَأَمُّلاً حقيقيًّا ولم يُحَابِ نفسَه وأخذَها بالتحقيقِ لا بد أن يندمَ؛ لأن الإنسانَ لو نَالَ ما نَالَ من حلاوةِ الذنبِ فهو يعلمُ أن تلك الحلاوةَ منطويةٌ على أَشَدِّ السمومِ وَأَفْتَكِهَا وهو سخطُ خالقِ السماواتِ والأرضِ وغضبُه؛ لأنه قد يستوجبُ هلاكَه في الدنيا وعذابَه السرمديَّ في الآخرة، وهذا معروف؛ لأنه لا يأخذُ الإنسانَ في أسبابِ الندمِ أَخْذًا صحيحًا حَقِيقِيًّا ويعرفُ عواقبَ الذنبِ وسرعةَ انقضاءِ حلاوتِه.
فَلَا تَقْرَبِ الأَمْرَ الْحَرَامَ فَإِنَّمَا ... حَلَاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُهَا (١)
**** ... **** ...
تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا ... مِنَ الْمَعَاصِي وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالْعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ مِنْ مَغَبَّتِهَا ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ (٢)
стр. 2800
فَمَنْ عَرَفَ حقارةَ لذةِ المعصيةِ وشدةَ السمومِ الفتاكةِ المنطويةِ عليها، وَأَعْمَلَ عقلَه [إعمالاً] (١) صحيحًا لا بد أن يندمَ، فَلَمَّا كانت الأسبابُ الموصلةُ إلى الندمِ متيسرةً لَا يعجزُ عنها إلا مَنْ حَابَى نفسَه ولم يستعمل أسبابَ الندمِ صارَ الندمُ كأنه في طوقِ الإنسانِ.
الإشكالُ الثانِي: هو ما ذَكَرَهُ العلماءُ في الإقلاعِ؛ لأن الإقلاعَ عن الذنبِ والكفَّ عن شَرِّ الذنبِ، وعدمَ التمادِي فيه، هذا ركنٌ من أركانِ التوبةِ، فَلَا توبةَ مع عدمِ الإقلاعِ؛ لأَنَّ المتلبسَ بالذنبِ الذي لم يُقْلِعْ عنه لَا توبةَ له بإجماعِ العلماءِ، والإشكالُ في هذا أن بعضَ الناسِ يتوبُ مع تعذرِ الإقلاعِ عليه، كالذي كان ينشرُ بدعةً من البدعِ حتى طَارَتْ في أقطارِ الدنيا، وصار يُعْمَلُ بها في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، ومعلومٌ أن مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيئةً فَعَلَيْهِ وزرُها ووزرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ، لَا ينقصُ ذلك من أوزارِهم شيئًا. ثم إنه نَدِمَ على بدعتِه وأرادَ الإقلاعَ والرجوعَ عنها، لَكِنَّ شَرَّهُ منتشرٌ مستطيرٌ في أقطارِ الدنيا؛ لأن البدعةَ التي بَثَّ وهي إلى الآن في أقطارِ الدنيا يَتَنَاقَلُهَا الناسُ بعضُهم عن بعضٍ، وَيُضِلُّونَ بها بعضَهم عن بعضٍ، فهل نقولُ: هذا مُقْلِعٌ؛ لأنه فَعَلَ غايةَ ما يستطيعُ، أو نقولُ: ليس بِمُقْلِعٍ؛ لأن فسادَه لم يَزَلْ فهو منتشرٌ في أقطارِ الدنيا الآنَ؟
وَمِنْ هذا القبيلِ: مَنْ غَصَبَ أرضًا، كأن غَصَبَ أرضًا مثلاً عشرينَ مِيلاً في عشرينَ ميلاً وهو جالسٌ في وسطِها، ثم إنه نَدِمَ على
стр. 2801
الغصبِ وأرادَ أن يخرجَ من الأرضِ المغصوبةِ نَادِمًا، الزمنُ الذي يمكثُه قبلَ أن يخرجَ منها لو أدركَه الموتُ وهو فيها هل نقولُ: هل هذا تائبٌ؛ لأنه فَعَلَ غايةَ ما يستطيعُ؟ أو نقولُ: لَمْ يُقْلِعْ؛ لأنه إلى الآن لم يَتَخَلَّ عن الشيء الذي غَصَبَهُ، بل هو في حوزتِه إلى الآن؟ وهو يشغلُه بجسمِه؟ ومن هذا المعنَى: مَنْ رَمَى إنسانًا مِنْ بَعِيدٍ بسهمٍ ثُمَّ لَمَّا فَارَقَ السهمُ نَدِمَ والسهمُ في الهواءِ فتابَ إلى اللَّهِ (جلَّ وعلا) والسهمُ في الهواءِ، ثم بعدَ أن تَابَ أَصَابَ السهمُ في الرميةِ فَقَتَلَهُ، هل نقولُ: هو تائبٌ؛ لأنه فَعَلَ في ذلك الوقتِ ما يستطيعُ، أو نقولُ: ليسَ بِتَائِبٍ؛ لأن فسادَه منتشرٌ، وَأَثَرُ جريمتِه بَاقٍ لم يَنْقَطِعْ؟ هذه مسائلُ اختلفَ فيها علماءُ الأصولِ حولَ الإقلاعِ عن الذنبِ في التوبةِ (١). والمحققونَ مِنْ علماءِ الأصولِ أن الإنسانَ إذا فَعَلَ غايةَ ما في وِسْعِهِ وَنَدِمَ على ما صَدَرَ منه أن اللَّهَ يغفرُ له بذلك ويتوبُ عليه؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: آية ٢٨٦] وهذا معنَى قولِه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، أي: ويتوبُ اللَّهُ على مَنْ يشاءُ أن يتوبَ عليه ﴿وَاللَّهُ﴾ (جلَّ وعلا) ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كثيرُ المغفرةِ والرحمةِ لعبادِه؛ لأَنَّ اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، فقد جاء في غزوةِ حُنَيْنٍ هذه أن النبيَّ ﷺ رأى امرأةً من السَّبْيِ تَصِيحُ تطلبُ ولدَها وهي في غايةِ التشويشِ إليه حتى وَجَدَتْهُ فَجَعَلَتْ تُقَبِّلُهُ وَتَضُمُّهُ إليها من شدةِ شَفَقَتِهَا عليه، فقال النبيُّ ﷺ لأصحابِه: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا هَذَا فِي النَّارِ؟» قالوا: لَا. قال: «ولِمَ؟» قالوا: لشفقتها عليه.
قال: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ هَذِهِ
آية ٢٨] هذه مِمَّا كان ينادي به عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ ﵁ في مواسمِ عامِ تِسْعٍ، ولم يَحُجَّ بعدها مُشْرِكٌ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُرْيَانٌ، خَاطَبَ اللَّهُ عبادَه في هذه الآيةِ الكريمةِ باسمِ الإيمانِ ليكونَ ذلك أَدْعَى وأبعثَ على الامتثالِ، آمِرًا لهم أن يُبْعِدُوا الكفارَ عن مسجدِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ صَرَّحَ في هذه الآيةِ الكريمةِ بأن المشركينَ نَجَسٌ، والنجسُ أصلُه مصدرُ نَجِسَ الشيءُ ينجسُ نَجَسًا فهو نَجِسٌ بفتحٍ فكسرٍ، أصلُه مصدرٌ. وهذا من النعتِ بالمصدرِ، والمصدرُ إذا نُعِتَ به أُفْرِدَ وَذُكِّرَ، تقولُ: مشركٌ نَجَسٌ، ومشركة نَجَسٌ، ومشركانِ نَجَسٌ، ومشركاتٌ نَجَسٌ، ومشركونَ نَجَسٌ. تطلقُه بالإفرادِ على الواحدِ والاثنين والجمعِ من الذكورِ والإناثِ.
قال بعضُ العلماءِ: هي نجاسةٌ كالنجاسةِ الحسيةِ، ولذا قال بعضُ العلماءِ: ذَاتُ المشركِ نَجِسٌ كالكلبِ والخنزيرِ. وعن الحسنِ البصري ﵀: مَنْ صَافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ (١).
وجماهيرُ العلماءِ - وهو الصوابُ إن شاء اللَّهُ - على أن النجاسةَ في هذه الآيةِ الكريمةِ معنويةٌ، فهو نَجِسٌ مَعْنًى، والمعنَى أعظمُ من الحسِّ؛ لأن شِرْكَهُ بِاللَّهِ أنتنُ شيءٍ وأقذرُه وأنجسُه، وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: نجاستُه أيضًا لأنه لم يَتَطَهَّرْ من جنابةٍ، ولم يَتَوَضَّأْ ولم يَجْتَنِبْ شيئًا من القاذوراتِ والأنجاسِ، فهو ملازمٌ للنجاسةِ. وأكثرُ العلماءِ على أن الكافرَ الذي لم يَتَلَبَّسْ بَدَنُهُ بنجاسةٍ أن نجاستَه معنويةٌ لَا حسية، وأنه لأَجْلِ هذه النجاسةِ المعنويةِ أَمَرَ اللَّهُ أن يُبْعَدَ عن المسجدِ الحرامِ ولَا يَقْرُبَ منه.
стр. 2804
قال عطاءٌ ﵀ وغيرُ واحدٍ من العلماءِ: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: آية ٢٨] المرادُ بالمسجدِ الحرامِ: الحرمُ كُلُّهُ (١)، أي: لَا يَقْرَبِ المشركونَ حَرَمَ اللَّهِ كُلَّهُ، بل يجبُ إبعادُهم عن الحرمِ وعدمُ قُرْبَانِهِمْ إياه. وهذا القولُ هو الحقُّ والصوابُ - إن شاء الله -
стр. 2805
لأنه دَلَّ استقراءُ القرآنِ العظيمِ على أن اللَّهَ يُطْلِقُ المسجدَ الحرامَ على جميعِ الحرمِ، وهذه الآيةُ من جملةِ الآياتِ التي أَطْلَقَ فيها المسجدَ الحرامَ وأرادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ، كقولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: آية ١] والصحيحُ أن الإسراءَ وَقَعَ به من بيتِ أُمِّ هَانِئٍ بنتِ أبي طالبٍ في مكةَ في الحرمِ لَا في نفسِ المسجدِ، وقد قَدَّمْنَا في الآياتِ الماضيةِ قولَه: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: آية ٧] والمعاهدةُ في طرفِ الحرمِ من الحديبيةِ، فهذه الآياتُ دَلَّتْ على أن مَنْعَ الكفارِ والمشركينَ من القربانِ عَامٌّ لجميعِ الحرمِ لَا لخصوصِ المسجدِ وحدَه، خلافًا لمن قَامَ مَعَ اللفظِ.
والفاءُ في قولِه: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ دَلَّ مَسْلَكُ الإيماءِ والتنبيهِ مِنْ مَسَالِكِ العلةِ في الأصولِ على أنها أداةُ تعليلٍ، وكذلك قُرِّرَ في الأصولِ أن الفاءَ من حروفِ التعليلِ (١)، كقولِهم: سَهَى فَسَجَدَ. أي: لعلةِ سَهْوِهِ. وَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يدُه. أي: لعلةِ سرقتِه. وأساءَ فَأُدِّبَ. أي: لعلةِ إساءتِه. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: آية ٢٨] لعلةِ نجاستِهم التي يجبُ أن تُبْعَدَ من المسجدِ ويُتَوَقَّى إياها. والحاصلُ أن الصحيحَ - إن شاء الله - أنه لَا يجوزُ أن يدخلَ جميعَ حرمِ مكةَ مُشْرِكٌ (٢). والصوابُ - إن شاء اللَّه - أنها لا يدخلُها الْكِتَابِيُّونَ من يهودٍ ولا نَصَارَى (٣)، خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عن أبِي حنيفةَ ﵀ أنه لا مانعَ من دخولِ اليهوديِّ والنصرانيِّ الذميِّ - مثلاً - الحرمَ، بل المسجد. قالوا: لأن اللَّهَ إنما مَنَعَ منه خصوصَ المشركينَ. قالوا: وأهلُ الكتابِ ليسوا من المشركينَ (٤).
واستدلوا بآياتٍ من كتابِ اللَّهِ ظاهرُها المغايرةُ بَيْنَ أهلِ الكتابِ والمشركينَ، كقولِه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: آية ١] وقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: آية ٦] وقولِه: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: آية ١٨٦] وقولِه: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: آية ١٠٥] وقولِه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: آية ٨٢] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ التي عَطَفَ اللَّهُ فيها أهلَ الكتابِ على المشركينَ، قالوا: والعطفُ يَقْتَضِي المغايرةَ، فَدَلَّ أنهم ليسوا من المشركينَ، والتحقيقُ الذي لا شكَّ فيه - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أن أهلَ الكتابِ من المشركينَ، وقد نَصَّ اللَّهُ على أنهم من المشركينَ في هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ براءة؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ أهلَ الكتابِ وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ