الغصبِ وأرادَ أن يخرجَ من الأرضِ المغصوبةِ نَادِمًا، الزمنُ الذي يمكثُه قبلَ أن يخرجَ منها لو أدركَه الموتُ وهو فيها هل نقولُ: هل هذا تائبٌ؛ لأنه فَعَلَ غايةَ ما يستطيعُ؟ أو نقولُ: لَمْ يُقْلِعْ؛ لأنه إلى الآن لم يَتَخَلَّ عن الشيء الذي غَصَبَهُ، بل هو في حوزتِه إلى الآن؟ وهو يشغلُه بجسمِه؟ ومن هذا المعنَى: مَنْ رَمَى إنسانًا مِنْ بَعِيدٍ بسهمٍ ثُمَّ لَمَّا فَارَقَ السهمُ نَدِمَ والسهمُ في الهواءِ فتابَ إلى اللَّهِ (جلَّ وعلا) والسهمُ في الهواءِ، ثم بعدَ أن تَابَ أَصَابَ السهمُ في الرميةِ فَقَتَلَهُ، هل نقولُ: هو تائبٌ؛ لأنه فَعَلَ في ذلك الوقتِ ما يستطيعُ، أو نقولُ: ليسَ بِتَائِبٍ؛ لأن فسادَه منتشرٌ، وَأَثَرُ جريمتِه بَاقٍ لم يَنْقَطِعْ؟ هذه مسائلُ اختلفَ فيها علماءُ الأصولِ حولَ الإقلاعِ عن الذنبِ في التوبةِ (١). والمحققونَ مِنْ علماءِ الأصولِ أن الإنسانَ إذا فَعَلَ غايةَ ما في وِسْعِهِ وَنَدِمَ على ما صَدَرَ منه أن اللَّهَ يغفرُ له بذلك ويتوبُ عليه؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: آية ٢٨٦] وهذا معنَى قولِه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعولُ المشيئةِ محذوفٌ، أي: ويتوبُ اللَّهُ على مَنْ يشاءُ أن يتوبَ عليه ﴿وَاللَّهُ﴾ (جلَّ وعلا) ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كثيرُ المغفرةِ والرحمةِ لعبادِه؛ لأَنَّ اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، فقد جاء في غزوةِ حُنَيْنٍ هذه أن النبيَّ ﷺ رأى امرأةً من السَّبْيِ تَصِيحُ تطلبُ ولدَها وهي في غايةِ التشويشِ إليه حتى وَجَدَتْهُ فَجَعَلَتْ تُقَبِّلُهُ وَتَضُمُّهُ إليها من شدةِ شَفَقَتِهَا عليه، فقال النبيُّ ﷺ لأصحابِه: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا هَذَا فِي النَّارِ؟» قالوا: لَا. قال: «ولِمَ؟» قالوا: لشفقتها عليه.
قال: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ هَذِهِ
آية ٢٨] هذه مِمَّا كان ينادي به عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ ﵁ في مواسمِ عامِ تِسْعٍ، ولم يَحُجَّ بعدها مُشْرِكٌ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُرْيَانٌ، خَاطَبَ اللَّهُ عبادَه في هذه الآيةِ الكريمةِ باسمِ الإيمانِ ليكونَ ذلك أَدْعَى وأبعثَ على الامتثالِ، آمِرًا لهم أن يُبْعِدُوا الكفارَ عن مسجدِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ صَرَّحَ في هذه الآيةِ الكريمةِ بأن المشركينَ نَجَسٌ، والنجسُ أصلُه مصدرُ نَجِسَ الشيءُ ينجسُ نَجَسًا فهو نَجِسٌ بفتحٍ فكسرٍ، أصلُه مصدرٌ. وهذا من النعتِ بالمصدرِ، والمصدرُ إذا نُعِتَ به أُفْرِدَ وَذُكِّرَ، تقولُ: مشركٌ نَجَسٌ، ومشركة نَجَسٌ، ومشركانِ نَجَسٌ، ومشركاتٌ نَجَسٌ، ومشركونَ نَجَسٌ. تطلقُه بالإفرادِ على الواحدِ والاثنين والجمعِ من الذكورِ والإناثِ.
قال بعضُ العلماءِ: هي نجاسةٌ كالنجاسةِ الحسيةِ، ولذا قال بعضُ العلماءِ: ذَاتُ المشركِ نَجِسٌ كالكلبِ والخنزيرِ. وعن الحسنِ البصري ﵀: مَنْ صَافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ (١).
وجماهيرُ العلماءِ - وهو الصوابُ إن شاء اللَّهُ - على أن النجاسةَ في هذه الآيةِ الكريمةِ معنويةٌ، فهو نَجِسٌ مَعْنًى، والمعنَى أعظمُ من الحسِّ؛ لأن شِرْكَهُ بِاللَّهِ أنتنُ شيءٍ وأقذرُه وأنجسُه، وكان بعضُ العلماءِ يقولُ: نجاستُه أيضًا لأنه لم يَتَطَهَّرْ من جنابةٍ، ولم يَتَوَضَّأْ ولم يَجْتَنِبْ شيئًا من القاذوراتِ والأنجاسِ، فهو ملازمٌ للنجاسةِ. وأكثرُ العلماءِ على أن الكافرَ الذي لم يَتَلَبَّسْ بَدَنُهُ بنجاسةٍ أن نجاستَه معنويةٌ لَا حسية، وأنه لأَجْلِ هذه النجاسةِ المعنويةِ أَمَرَ اللَّهُ أن يُبْعَدَ عن المسجدِ الحرامِ ولَا يَقْرُبَ منه.
стр. 2804
قال عطاءٌ ﵀ وغيرُ واحدٍ من العلماءِ: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: آية ٢٨] المرادُ بالمسجدِ الحرامِ: الحرمُ كُلُّهُ (١)، أي: لَا يَقْرَبِ المشركونَ حَرَمَ اللَّهِ كُلَّهُ، بل يجبُ إبعادُهم عن الحرمِ وعدمُ قُرْبَانِهِمْ إياه. وهذا القولُ هو الحقُّ والصوابُ - إن شاء الله -
стр. 2805
لأنه دَلَّ استقراءُ القرآنِ العظيمِ على أن اللَّهَ يُطْلِقُ المسجدَ الحرامَ على جميعِ الحرمِ، وهذه الآيةُ من جملةِ الآياتِ التي أَطْلَقَ فيها المسجدَ الحرامَ وأرادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ، كقولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: آية ١] والصحيحُ أن الإسراءَ وَقَعَ به من بيتِ أُمِّ هَانِئٍ بنتِ أبي طالبٍ في مكةَ في الحرمِ لَا في نفسِ المسجدِ، وقد قَدَّمْنَا في الآياتِ الماضيةِ قولَه: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: آية ٧] والمعاهدةُ في طرفِ الحرمِ من الحديبيةِ، فهذه الآياتُ دَلَّتْ على أن مَنْعَ الكفارِ والمشركينَ من القربانِ عَامٌّ لجميعِ الحرمِ لَا لخصوصِ المسجدِ وحدَه، خلافًا لمن قَامَ مَعَ اللفظِ.
والفاءُ في قولِه: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ دَلَّ مَسْلَكُ الإيماءِ والتنبيهِ مِنْ مَسَالِكِ العلةِ في الأصولِ على أنها أداةُ تعليلٍ، وكذلك قُرِّرَ في الأصولِ أن الفاءَ من حروفِ التعليلِ (١)، كقولِهم: سَهَى فَسَجَدَ. أي: لعلةِ سَهْوِهِ. وَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يدُه. أي: لعلةِ سرقتِه. وأساءَ فَأُدِّبَ. أي: لعلةِ إساءتِه. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: آية ٢٨] لعلةِ نجاستِهم التي يجبُ أن تُبْعَدَ من المسجدِ ويُتَوَقَّى إياها. والحاصلُ أن الصحيحَ - إن شاء الله - أنه لَا يجوزُ أن يدخلَ جميعَ حرمِ مكةَ مُشْرِكٌ (٢). والصوابُ - إن شاء اللَّه - أنها لا يدخلُها الْكِتَابِيُّونَ من يهودٍ ولا نَصَارَى (٣)، خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عن أبِي حنيفةَ ﵀ أنه لا مانعَ من دخولِ اليهوديِّ والنصرانيِّ الذميِّ - مثلاً - الحرمَ، بل المسجد. قالوا: لأن اللَّهَ إنما مَنَعَ منه خصوصَ المشركينَ. قالوا: وأهلُ الكتابِ ليسوا من المشركينَ (٤).
واستدلوا بآياتٍ من كتابِ اللَّهِ ظاهرُها المغايرةُ بَيْنَ أهلِ الكتابِ والمشركينَ، كقولِه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: آية ١] وقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: آية ٦] وقولِه: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: آية ١٨٦] وقولِه: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: آية ١٠٥] وقولِه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: آية ٨٢] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ التي عَطَفَ اللَّهُ فيها أهلَ الكتابِ على المشركينَ، قالوا: والعطفُ يَقْتَضِي المغايرةَ، فَدَلَّ أنهم ليسوا من المشركينَ، والتحقيقُ الذي لا شكَّ فيه - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أن أهلَ الكتابِ من المشركينَ، وقد نَصَّ اللَّهُ على أنهم من المشركينَ في هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ براءة؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ أهلَ الكتابِ وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ
стр. 2806
وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: آية ٢٩] ثم صَرَّحَ بأن أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ من المشركينَ في قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: الآيتان ٣٠،٣١] فَصَرَّحَ بأنهم مشركونَ بعدَ أن صَرَّحَ بمنعِ المشركينَ من المسجدِ الحرامِ أَتْبَعَهُ بأن الْكِتَابِيِّينَ من
نفسِ المشركينَ، وهذا بُرْهَانٌ وَاضِحٌ.
وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ... ﴾ [التوبة: آية ٣١] ومعلومٌ أن الذي اتَّخَذَ الأحبارَ والرهبانَ أربابًا من المشركينَ شِرْكُ رُبُوبِيَّةٍ كما لا يَخْفَى. وسيأتِي في هذه الآياتِ الكريمةِ من سورةِ براءة بيانُ أَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ تشريعَ أحدٍ ونظامَه واتبعَ تشريعَ الشيطانِ المخالفَ لتشريعِ اللَّهِ كُلٌّ مُتَّبِعٌ لتشريعِ الشيطانِ الذي يشرعه على ألسنةِ أوليائِه تاركًا تشريعَ اللَّهِ الذي شَرَعَهُ على ألسنةِ رُسُلِهِ كافرٌ مُشْرِكٌ بالله (١)، كما سَنُوَضِّحُهُ في هذه الآياتِ الآتيةِ. وَمِنْ أصرحِ الأدلةِ عليه أنه لَمَّا وَقَعَتْ تلك المناظرةُ المشهورةُ بينَ حزبِ الرحمنِ وحزبِ الشيطانِ في حُكْمٍ من أحكامِ الحلالِ والحرامِ، وحزبِ الشيطانِ يقولونَ: إن ذلك الحكمَ حلالٌ، ويستدلونَ بوحيٍ شيطانيٍّ، وحزبُ الرحمنِ يقولونَ: إن ذلك الحكمَ حرامٌ. ويستدلونَ بوحيٍ قرآنيٍّ، لَمَّا اخْتَصَمُوا وَأَدْلَى كُلٌّ بحجتِه تَوَلَّى اللَّهُ الفصلَ بينهم فأفتَى بينَهم فتوى سماويةً تُتْلَى قرآنًا في سورةِ الأنعامِ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعني الميتةَ؛ لأَنَّ الكفارَ أَوْحَى إليهم الشيطانُ: أن سَلُوا محمدًا عن الشاةِ تصبحُ ميتةً، مَنْ هو الذي قَتَلَهَا؟ فقال لهم:
стр. 2807
اللَّهُ قَتَلَهَا. فقالوا: إِذَنْ ما ذَكَّيْتُمُوهُ وذبحتموه بأيديكم حلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ حرامٌ، فأنتم أحسنُ من اللَّهِ. فهؤلاءِ استدلوا بوحيٍ إبليسيٍّ!! ما ذبحتموه حلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ حرامٌ، فأنتم إِذَنْ أحسنُ من الله!!
والمسلمونَ استدلوا بوحيٍ قرآنيٍّ، وهو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. فلما أَدْلَى كُلٌّ بحجتِه فَصَلَ اللَّهُ بينهم فَأَفْتَى في قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ منه الميتةُ، أي: وإن زَعَمُوا أنها ذبيحةُ اللَّهِ. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] أي: الأكلُ منها فِسْقٌ. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ يعني قولَهم: ما ذبحتموه حلالٌ، وما ذبحه اللَّهُ حرامٌ، فأنتم إِذَنْ أحسنُ من اللَّهِ.
ثم قال، وهو مَحَلُّ الفتيا السماويةِ من رَبِّ العالمينَ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] فَصَرَّحَ بأن مَنْ أَطَاعَ تشريعَ الشيطانِ في حِلِّ الميتةِ أنه مشركٌ بربِّ العالمينَ، ولَا شَكَّ أن اليهودَ والنصارى أَطَاعُوا الشيطانَ فيما هو أعظمُ من إباحةِ الميتةِ كما لا يَخْفَى، والشيطانُ عَالِمٌ بأن الذين يَتَّبِعُونَ نظامَه وقانونَه أنهم مشركونَ به، عَالِمٌ هذا في قرارةِ نفسِه، ولكنه في الدنيا يُدَلِّسُ لهم وَيَجْحَدُ، فإذا كان يومَ القيامة الذي تظهرُ فيه الدفائنُ، وَتَبْرُزُ فيه الحقائقُ أوضحَ لهم تَبَرُّؤَهُ من شِرْكِهِمْ به كما سيأتِي في سورةِ إبراهيمَ الخليلِ في الخطبةِ العظيمةِ التي ذَكَرَهَا اللَّهُ عن الشيطانِ، وهي قولُه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ إِلَاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: آية ٣٢] فصرَّح بأنهم كانوا مشركينَ به من قَبْلُ، ولَا شَكَّ أن اليهودَ والنصارى دَاخِلُونَ في
стр. 2808
هذا دخولاً أوليًّا، وكذلك قولُه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: آية ١٠٠] واليهودُ والنصارى داخلونَ فيهم بلا شَكٍّ، وهذا الشركُ الشيطانيُّ باتباعِ نظامِه وشرعِه هو الذي وَبَّخَ اللَّهُ مرتكبَه في سورةِ (يس)، وَبَيَّنَ مصيرَه النهائيَّ في قولِه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: الآيتان ٦٠، ٦١] إلى أن قال مُوَبِّخًا لهم نَاعِيًا عقولَهم: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: آية ٦٢] ثم بَيَّنَ مصيرَهم النهائيَّ الأخيرَ في قولِه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ [يس: الآيتان ٦٣، ٦٤] وهذا الشركُ الشيطانيُّ بالاتباعِ هو الذي نَهَى إبراهيمُ عنه أباه في قولِه: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: آية ٤٤] وقال تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: الآية٤١] وسيأتِي لهذا المبحثِ زيادةُ إيضاحٍ بالآياتِ القرآنيةِ قريبًا في الآياتِ الآتيةِ - إن شاء اللَّهُ - في الكلامِ على قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣١] فهذه النصوصُ ولا سيما آية براءة هذه التي صَرَّحَتْ أن خصوصَ أهلِ الكتابِ من المشركينَ تَدُلُّ على مَنْعِهِمْ من دخولِ الحرمِ، وما نُقِلَ عن بعضِ العلماءِ وَرُوِيَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ من أنهم لا مانعَ من دخولِهم الحرمَ، فيه نَظَرٌ، والأصوبُ والأظهرُ أنهم يُمْنَعُونَ منه؛ لأنهم نَجَسٌ؛ ولأن اللَّهَ صَرَّحَ بأنهم مشركونَ. والتحقيقُ - إن شاء الله - أن المرادَ بالمسجدِ الحرامِ فيها الحرمُ كُلُّهُ، فلَا يجوزُ أن يدخلَ حَرَمَ مكةَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ ولَا كافرٌ، كِتَابِيًّا أو غيرَه، وما رُوِيَ عن جابرٍ ﵁ من أنه خَصَّصَ هذه الآيةَ الكريمةَ وقال: لا يدخلُ فيها العبدُ والأَمَةُ، إذا كان للمسلمِ عَبْدٌ ذِمِّيٌّ أو أمةٌ ذميةٌ
стр. 2809
مملوكانِ فلا مانعَ من دخولِهما المسجدِ (١). وَرُوِيَ فيه حديثٌ مرفوعٌ، والتحقيقُ عند الْمُحَدِّثِينَ أن الموقوفَ على جابرٍ هو الأثبتُ الصحيحُ والمرفوعُ ليس بصحيحٍ (٢). وقولٌ قاله جابرٌ لا يمكنُ أن يُخَصَّصَ به النصُّ الصريحُ، ولا سيما النص المبني حكمُه على العلةِ؛ لأنه صَرَّحَ بأنهم نجسٌ، وأشار بالفاءِ إلى أن تلك النجاسةَ هي سببُ منعِهم من قربانِ المسجدِ.
وعلى كُلِّ حالٍ فالمشركونَ كعَبَدةِ الأوثانِ أَجْمَعَ جميعُ العلماءِ على مَنْعِهِمْ من دخولِ المسجدِ، واختلفوا في الكتابيِّ وفي غيرِ المسجدِ من سائرِ الْحَرَمِ، وقد بَيَّنَّا أن الصوابَ - إن شاء الله - مَنْعُهُمْ من ذلك كُلِّهِ.
ولو جاءت من المشركينَ رسالةٌ إلى سلطانِ المسلمينَ - وهو بمكةَ - لا يُدْخَلُ الرسولُ، بل يَخْرُجُ إليه خارجَ الحرمِ حتى يسمعَ منه ما يقولُ، ويعطيَه الرَّدَّ خارجَ الحرمِ، أو يرسلَ إليه مَنْ يَنُوبُ عنه في ذلك (٣).
قال بعضُ العلماءِ (٤) - وبه قال جماعةٌ من المالكيةِ - إن الواحدَ منهم إن دَخَلَ مُخْتَفِيًا وماتَ وَدُفِنَ في الحرمِ واطُّلِعَ عليه أنه يُنْبَشُ قبرُه، وَتُخْرَجُ عظامُه من الحرمِ، ولا يُتْرَكُ في حرمِ اللَّهِ؛ لأنه نَجِسٌ قَذِرٌ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فالتحقيقُ أنه لا يجوزُ أن يدخلَ حرمَ اللَّهِ
стр. 2810
كافرٌ، وأن اللَّهَ نَهَى عن قربانِهم إياها، لا يقربوه فضلاً عن أن يدخلوه.
واختلف العلماءُ في غيرِ المسجدِ الحرامِ من المساجدِ هل يدخلُ الكفارُ المساجدَ غير المسجدِ الحرامِ (١)؟ اختلف العلماءُ في ذلك، فذهب مالكٌ ﵀ وأكثرُ أصحابِه في طائفةٍ من العلماءِ إلى أنه لا يجوزُ أن يدخلَ كافرٌ مسجدًا من مساجدِ اللَّهِ كائنًا مَنْ كان في أي قُطْرٍ [٥/أ] من أقطارِ الأرضِ في حَرَمٍ أو حِلٍّ. / واستدلَّ مالكٌ لهذا الحكمِ بأدلةٍ، قالوا: من تلك الأدلةِ أن اللَّهَ (جلَّ وعلا) صَرَّحَ بالعلةِ فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقد تقررَ في علمِ الأصولِ أن العلةَ تارةً تُعَمِّمُ معلولَها وتارةً تُخَصِّصُهُ (٢)، وقد جاءت مواضعُ من كتابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رسولِه لَا خِلافَ فيها بَيَّنَ العلماءُ أن العلةَ تُعَمِّمُ معلولَها، قالوا: وَمِنْ أمثلةِ ما تُعَمِّمُ فيه العلةُ معلولَها قولُه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) في حديثِ أبِي بكرةَ الثابتِ في الصحيحِ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (٣) نَصَّ (٤) النبيُّ ﷺ في هذا الحديثِ الصحيحِ على مَنْعِ علةِ الحاكمِ الغضبانِ من الحكمِ؛ لأَنَّ الغضبَ يشوشُ فِكْرَهُ، فيمنعُه من تَقَصِّي فَهْمِ أقوالِ الخصومِ، وَفَهْمِ ما يحكمُ عليهم به. قالوا: إذا كان الحاكمُ في غايةِ الجوعِ والعطشِ الْمُفْرِطَيْنِ، أو في غايةِ الحزنِ والسرورِ الْمُفْرِطَيْنِ، أو في غايةِ الحقنِ والحقبِ المفرطينِ - والحقنُ: مدافعةُ البولِ. والحقبُ: مدافعةُ الغائطِ - إذا
стр. 2811
كان في أَمْرٍ من هذه الأمورِ يشوشُ الفكرَ تشويشًا عظيمًا مثلَ تشويشِ [الغضبِ] (١) أو أشدَّ لَا يجوزُ له أن يحكمَ، فتعليلُه بالغضبِ المستلزمِ لتشويشِ الفكرِ عِلَّةٌ عَمَّمَتْ هذا الحكمَ وَعَدَّتْهُ إلى كُلِّ شيءٍ يشوشُ فِكْرِ الإنسانِ.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿نَجَسٌ﴾ قذرٌ، ومعلومٌ أن المساجدَ بيوتُ اللَّهِ، وأن اللَّهَ قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: آية ٣٦] وأن شيئًا صَرَّحَ اللَّهُ بأنه نَجَسٌ، ومعلومٌ قذارةُ النَّجَسِ، لا ينبغي أن يُدْخَلَ في بيوتِ اللَّهِ التي أُسِّسَتْ لعبادةِ اللَّهِ وعلى الطهارةِ وعلى تَجَنُّبِ الأقذارِ. هذا من أدلةِ مالكٍ، واستدلَّ الإمامُ مالكٌ أيضًا بما قَدَّمْنَا من آيةِ سورةِ البقرةِ، وهي قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَاّ خَائِفِينَ﴾ [البقرة: آية ١١٤] قال: معناه لَا يَدْخُلُونَهَا أبدًا إلا خائفينَ من المسلمينَ أن يَطَّلِعُوا عليهم فَيُنَكِّلُوا بهم. فَسَّرَ الآيةَ هذا التفسيرَ، واستدلَّ بعمومِها.
وَذَهَبَ آخرونَ من العلماءِ، منهم الأئمةُ الثلاثةُ إلى أن دخولَ الكافرِ لمسجدٍ غيرِ المسجدِ الحرامِ قالوا: لا مانعَ منه ولا يُمْنَعُ، وبعضُهم يُقَيِّدُ بقولِه: إن دَعَتْ إلى ذلك حاجةٌ، وبعضُهم يُطْلِقُ. واستدلوا على ذلك بأدلةٍ، منها: أن النبيَّ ﷺ رَبَطَ ثمامةَ بنَ أُثال سيدَ بني حنيفةَ - لَمَّا أُخِذَ أسيرًا - رَبَطَهُ وهو كافرٌ في ساريةٍ من سَوَارِي مسجدِه هذا (٢) قالوا: وَأَنْزَلَ وَفْدَ نجرانَ فِي المسجدِ وهم
стр. 2812
كفارٌ (١)، ومعلومٌ أن في هذا البحثِ مناقشةً، وأن مَنْ قال: يُمْنَعُ دخولُ الكفارِ المساجدَ، أجابوا عن كُلٍّ بجوابٍ، فقالوا في حديثِ ثمامةَ: إنه وَقَعَ قبلَ تحريمِ دخولِ المساجدِ. وجاؤوا بأدلةٍ احْتَجُّوا بها، وحاصلُ ما للعلماءِ فيها هو ما ذَكَرْنَا.
وكان بعضُ العلماءِ يقولُ (٢): إذا أَسْلَمَ الكافرُ لَزِمَهُ أن يتطهرَ؛ لأنه نَجَسٌ، وقال بعضُهم: يجبُ على الكافرِ الطهارةُ إذا أَسْلَمَ، قالوا: لأنه لا بد أن تكونَ كانت عليه جَنَابَةٌ. وهذا قال به جماعةٌ من العلماءِ، ويدلُّ له: أَمْرُهُ ﷺ ثمامةَ بنَ أُثالٍ الحنفيَّ لَمَّا أَسْلَمَ أن يغتسلَ (٣). قالوا: ذَهَبَ إلى حائطِ أبِي طلحةَ واغتسلَ فيه. وقالوا أيضًا: أَمَرَ قيسَ بنَ عاصمٍ لَمَّا أَسْلَمَ أن يغتسلَ بماءٍ وسدرٍ (٤). وكان
стр. 2813
ابنُ وهبٍ من أصحابِ مالكٍ يقولُ: لَا يجبُ عليه إذا أَسْلَمَ غُسْلٌ؛ لأن الإسلامَ يَجُبُّ كُلَّ شيءٍ قَبْلَهُ، ويَجُبُّ الجناباتِ، وَيجُبُّ كُلَّ شَرٍّ وسوءٍ كان قبلَه. هذا معنَى قولِه: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾.
﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وعامُهم هذا هو عامُ تسعٍ على التحقيقِ، وَخَالَفَ قومٌ منهم قتادةُ (١) وأبو بكر بنُ العربيِّ (٢)، قالوا: هو عَامُ عَشْرٍ. وقال أبو بكر بن العربيِّ المالكيُّ: عَجَبًا لعاقلٍ يقولُ: إن هذا العامَ عامُ تِسْعٍ!! ونحنُ نقولُ: العجبُ كُلُّ العجبِ من كلامِ ابنِ العربيِّ هذا!! والعامُ بلا شَكٍّ أنه عامُ تِسْعٍ، والإشارةُ بقولِه: ﴿هَذَا﴾ إلى العامِ الذي هُمْ فيه في ذلك الوقتِ الراهنِ، وهو عامُ تسعٍ بلَا نزاعٍ، والذي غَلِطَ في هذا من العلماءِ وقال: هو عامُ عَشْرٍ. الْتَبَسَ عليه ما بَيْنَ المضافِ والمضافِ إليه؛ لأن المضافَ هو لفظةُ (بعد)، والباء والعين والدال ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ البعديةُ المضافةُ إلى عامِهم هذا، فعامُهم هذا هو عامُ تسعٍ يقينًا لا شَكَّ فيه، وما بعدَ عامِ تسعٍ أولُه عامُ عشرٍ؛ لأن الشيءَ إذا انتهى عامَ تسعٍ فالزمنُ الذي بعدَ انتهائِه يُسَمَّى أنه بَعْدَهُ. فالبعديةُ واقعةٌ بعامِ عَشْرٍ، أما العامُ المذكورُ في قولِه: ﴿عَامِهِمْ هَذَا﴾ المضافُ إليه البعديةُ، فهو عامُ تسعٍ بلا نزاعٍ كما لَا يَخْفَى.
стр. 2814
ثم قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن الكفارَ يُمْنَعُونَ من الإتيانِ إلى الحرمِ لأن أهلَ مكةَ كانوا في الموسمِ تَحُجُّ إليهم قبائلُ العربِ من أقطارِ الدنيا فيأتونَ بالأموالِ والطعامِ يبيعونَها، فَلَمَّا مُنِعُوا من أن يَحُجُّوا، وَأُمِرَ المشركونَ بتجنبِ الحرمِ، قالوا: مِنْ أينَ نعيشُ؟ كنا نعيشُ مما يأتِي به هؤلاء في مواسمِهم فإنا سَنَفْتَقِرُ، ولن يبقَى لنا شيءٌ نعيشُ به إن مُنِعَ هؤلاء من القدومِ علينا؛ لأنا كنا نعيش بما يُورِدُونَهُ من الأطعمةِ والأموالِ ونحوِ ذلك. فقال لهم اللَّهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ ﴿خِفْتُمْ﴾ من الخوفِ. أصلُ ﴿خِفْتُمْ﴾ مِنْ خَافَ يَخَافُ.
هذه المادةُ فاؤُها خاءٌ، وعينها واوٌ، ولامُها فَاءٌ، وقد يُشْكِلُ على طالبِ العلمِ مِنْ أينَ جاءت هذه الكسرةُ التي كُسِرَ بها الخاءُ في قولِه: ﴿خِفْتُمْ﴾ مع أن المادةَ من الأجوفِ الواويِّ العينِ. فسببُ كسرِ الخاءِ من قولِه: ﴿خِفْتُمْ﴾ أن مَاضِيَ (خَافَ) أصلُه (خَوِف) بكسرِ الواوِ، قُلِبَتِ الواوُ أَلِفًا فقيلَ فيه: (خاف) والواوُ المبدلةُ من الألفِ أصلُها مكسورةٌ، فإذا بُنِيَ الفعلُ إلى ضميرِ الرفعِ كالتاءِ هنا سَقَطَتِ العينُ بالاعتلالِ وَجُعِلَتْ كسرةُ الواوِ الساقطة بالاعتلالِ نُقِلَتْ إلى الفاءِ ليدلَّ على أن العينَ كانت مكسورةً كما هو مُقَرَّرٌ معلومٌ في فنِّ التصريفِ (١).
وقد ذَكَرْنَا (٢) أن الخوفَ في لغةِ العربِ هو الغَمُّ من أمرٌ مُسْتَقْبَلٌ. وأن الحزنَ هو الغمُّ من أمرٍ فائتٍ. وربما أَطْلَقَتِ العربُ أحدَهما في موضعِ الآخَرِ كما هو مَعْرُوفٌ.
стр. 2815
وقولُه: ﴿عَيْلَةً﴾ العيلةُ في لغةِ العربِ: معناها الفقرُ. تقولُ العربُ: عَالَ الرجلُ يَعِيلُ عيلةً. إذا افْتَقَرَ فَقْرًا. فـ (العيلةُ) من أجوفَ يائيِّ العينِ، عَالَ يعيلُ عيلةً إذا افْتَقَرَ. وعالَ يعولُ بالواوِ إذا جَارَ وعدلَ عن الحقِّ. وَذَكَرَ بعضُهم أنه مسموعٌ عن العربِ أيضًا: عَالَ يَعُولُ - بالواوِ - إذا افْتَقَرَ (١). وهو غَرِيبٌ!!
أما (عيلةٌ) فمعناه فَقْرًا. وَعَالَ يعيلُ بمعنَى افْتَقَرَ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلَاحِ الأنصاريِّ (٢):
وَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
أي: لا يدري الْغَنِيُّ مَتَى يفتقرُ، ومنه بهذا المعنَى قولُ جَرِيرٍ (٣):
وَاللَّهُ نَزَّلَ فِي الْكِتَابِ فَرِيضَةً ... لَابْنِ السَّبِيلِ وَلِلْفَقِيرِ الْعَائِلِ
وَصَفَهُ بنفسِه توكيدًا لاختلافِ اللفظينِ. فالمعنَى: إِنْ خِفْتُمْ فَقْرًا فسوف يُغْنِيكُمُ اللَّهُ من فضلِه، ولا شكَّ أن اللَّهَ أَغْنَاهُمْ من فضلِه. قال بعضُ العلماءِ: أَغْنَاهُمْ من فضلِه بما فَتَحَ من بابِ الجزيةِ. قالوا: والدليلُ عليه أن الآيةَ التي بعدَها آيةُ الجزيةِ، فَأَخَذَ المسلمونَ الجزيةَ من الكفارِ واستغنَى بها المسلمونَ. وقال بعضُ العلماءِ: أَغْنَاهُمْ بإنزالِ المطرِ، وَأَخْصَبَتِ الأرضُ، فَأَخْصَبَتْ بلادُ اليمنِ، وأخصبت تبالةُ وجُرش، وجلبوا لهم من الطعامِ والودكِ، وأسلمَ قبائلُ العربِ في اليمنِ وفي نَجْدٍ وفِي غيرِه، فكانوا يَحُجُّونَ كُلَّ سنةٍ ويأتونَهم بمثلِ
стр. 2816
ما كانوا يأتونَهم به من الطعامِ والأموالِ فَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ بذلك (١). وهذا معنَى قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال بعضُ العلماءِ (٢): يُؤْخَذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ حُكْمٌ، وهو أن تعلقَ القلبِ بأسبابِ الرزقِ والمعيشةِ لَا ينافِي التوكلَ ولا يقدحُ في توكلِ الإنسانِ؛ لأن هؤلاء القومَ لَمَّا تَخَيَّلَ لهم أن الطريقَ التي كانوا يعيشونَ منها أنها انْقَطَعَتْ بمنعِ المشركينَ من الحجِّ، وَخَافُوا الفقرَ من هذا الطريقِ ما عَنَّفَ اللَّهُ عليهم ولَا عَابَهُمْ بل قَرَّرَهُمْ على ذلك، فقال لهم: إِنْ خِفْتُمُ الفقرَ من هذا الطريقِ، ومن أن السببَ الذي كُنْتُمْ تعيشونَ به أنه انقطعَ فسوفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ بأسبابٍ أُخَرَ. وهذا معنًى معروفٌ، أن الأسبابَ لَا تُنَافِي التوكلَ، فالمسلمُ الذي يعلمُ ما جاءَ عن اللَّهِ يتسببُ ويتعاطَى جميعَ الأسبابِ لحياتِه، ويتسببُ فِي أسبابِ الرزقِ والمعيشةِ على الوجوهِ الشرعيةِ غيرِ الْمُزْرِيَةِ، ومع ذلك فهو مُتَوَكِّلٌ على اللَّهِ، والذي يتركُ جميعَ الأسبابِ ويقولُ: توكلتُ على الله!! هذا مُخَالِفٌ للشرع، مخالفٌ لِمَا جاء عن اللَّهِ، والذي يعتمدُ في كُلِّ شيءٍ على الأسبابِ ولا ينظرُ إلى رَبِّهِ هذا أيضًا ضَالٌّ مُضِلٌّ، والذي يستعملُ الأسبابَ كما شَرَعَهَا له رَبُّهُ، ويكونُ اعتمادُه في الحقيقةِ على رَبِّهِ فهذا هو المؤمنُ.
ألا تَرَوْنَ أن نَبِيَّ اللَّهِ يعقوبَ، وقد قال اللَّهُ فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: آية ٦٨] عَلَّمَ أولادَه السببَ في التحرزِ عن العينِ فقال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ فهذا تَسَبُّبٌ في التحرزِ عن العينِ؛ لأنها تَضُرُّ، ثم صَرَّحَ مع ذلك بتوكلِه الكاملِ على
стр. 2817
اللَّهِ حيث قَالَ: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: الآية ٦٧] فالأخذُ بالأسبابِ لَا ينافِي التوكلَ كما هو معروفٌ، وقد قال اللَّهُ لمريمَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: آية ٢٥] ولا شَكَّ أنه لو أَرَادَ أن يتساقطَ عليها رُطَبُهَا من غيرِ سببٍ لَتَسَاقَطَ مِنْ غيرِ سببٍ، ولكنه أَجْرَى العادةَ بِأَنْ جَعَلَ للأرزاقِ والمعايشِ والأشياءِ أسبابًا، رَبَطَ بَيْنَ الأسبابِ ومسبباتِها بما شَاءَ بقدرتِه وحكمتِه:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ ... وَهُزِّي إِلَيْكِ الْجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ ...
وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيهِ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ ... جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ (١)
فالأخذُ في الأسبابِ مع مراعاةِ الشرعِ، وتعلقُ القلبِ بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلُهُ على اللَّهِ، هذه طريقةُ الأنبياءِ، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) يقولُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ [المائدة: آية ٣] يعنِي: أن مَنِ اضْطُرَّ إلى أَكْلِ الميتةِ أَكَلَ الميتةَ وتسبَّب في إمساكِ رمقِه بأكلِ الميتةِ، ولم يَقُلْ له فَانْتَظِرْ وَتَوَكَّلْ على اللَّهِ حتى ينزلَ لك رزقٌ من السماءِ!! لَمْ يَقُلْ هذا تعليمًا للناسِ بالأخذِ بالأسبابِ، وتعلق قلوبهم بربهم، وتوكلهم عليه. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ إن شاء أن يغنيَكم. فَعَلَّقَ الغِنَى بمشيئتِه، فَلَا يكونُ شيءٌ إلا بمشيئتِه (جلَّ وعلا)؛ لأن الأرزاقَ مقسومةٌ بمشيئتِه (جلَّ وعلا)، فهو الذي تَوَلَّى قسمَها بنفسِه وَلَمْ يَكِلْهُ إلى أَحَدٍ، كما سيأتِي في سورةِ الزخرفِ في الكلامِ على قولِه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
قراءةِ ﴿نَنْسَأها﴾ (١) يعني: نُؤَخِّرُهَا؛ لأن اللَّهَ يؤخرُ بعضَ الآياتِ إلى أمدٍ معلومٍ، ثم يأتِي ببدلها، تارةً يأتِي ببدلِها ناسخًا، وتارةً تكونُ مُنسأة لا منسوخةً؛ لأنها كانت مَعْلُومًا أنها مُغَيَّاةٌ بغايةٍ. وإيضاحُ هذا: أن اللَّهَ أَنْزَلَ آياتٍ في أهلِ الكتابِ تَدُلُّ على عدمِ قتالِهم، كقولِه في سورةِ البقرةِ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: آية ١٠٩]. ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ أي: عن أهلِ الكتابِ ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: حتى يأتيَكم الأمرُ الأخيرُ من الله. وكانت هذه الآيةُ من سورةِ براءة فيها الأمرُ الذي كانوا ينتظرونَه في آيةِ البقرةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: آية ٢٩].
لأن أهلَ الكتابِ من يهودٍ وَنَصَارَى وإن قالوا: لا إله إلا الله وأقروا بالقيامةِ فَهُمْ كَمَنْ أَنْكَرَ وجودَ اللَّهِ وأنكرَ وجودَ القيامةِ؛ لأنهم لَمَّا اتخذوا الأربابَ معه وَأَشْرَكُوا به في الأربابِ وقالوا: إن عُزيرًا ابنُه، وإن المسيحَ ابنُه!! هذا قولُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولَا باليومِ الآخِرِ؛ لأن الكافرَ إذا كَفَرَ بِاللَّهِ من وجهٍ لا ينفعُه الإيمانُ به من وجهٍ آخَرَ، فَمَنْ قال: لَا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَادَّعَى لله ولدًا، أو شريكًا، أو رَبًّا معه، فهذا لا يؤمنُ بالله ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ وهو يومُ القيامةِ، ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بل يُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرمونَ ما أحلَّ الله، ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، الذي هو دينُ الإسلامِ.
стр. 2820
وفي قولِه: ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾ وجهانِ من التفسيرِ (١):
أحدُهما: أن (الحقَّ) هو ضِدُّ الباطلِ، وأن دينَ الحقِّ من إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه. أي: الدينُ الذي هو الحقُّ الذي هو دينُ الإسلامِ. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: آية ٨٥]. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: آية ١٩].
الوجهُ الثانِي: أن الحقَّ هو اللَّهُ، فالحقُّ من أسماءِ اللَّهِ. ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: دين الله الذي شَرَعَهُ على لسانِ نَبِيِّهِ محمدٍ ﷺ .
وقولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيانٌ للذين أُمِرُوا بقتالِهم الموصوفونَ بأنهم لَا يؤمنونَ بالله إلى آخِرِ ما ذكر.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِنْ يَهُودٍ وَنَصَارَى.
وعندما نَزَلَتْ تَجَهَّزَ ﷺ لقتالِ النصارى في غزوةِ تبوك كما ستأتِي تفاصيلُه في هذه السورةِ الكريمةِ.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾: (حتى) حرفُ غايةٍ، وَالْمُغَيَّا هنا ﴿قَاتِلُوا﴾ أي: قاتلوهم، وَأَمَدُ ذلك القتالِ إلى غايةٍ هي أن ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ إِذْ لم يؤمنوا بالله، فإن آمَنُوا بالله فَذَلِكَ، وإلا فَلَا بُدَّ أن يُعْطُوا الجزيةَ.
الجزيةُ: (فِعْلةٌ) وقد تَقَرَّرَ في عِلْمِ العربيةِ أن (الفِعلةَ) بكسرِ الفاءِ تأتِي لبيانِ الهيئاتِ، من هيئاتِ المصدرِ. وأصلُها من جَزَى يجزي؛ لأن الكفارَ - أهلُ الكتابِ -: يُنْعِمُ عليهم المسلمونَ بحقنِ
стр. 2821
دمائِهم وعدمِ قتلِهم. والمدافعةِ عنهم، وَمَنْعِ كُلِّ مَنْ أَرَادَ أن يظلمَهم، فهذا الإحسانُ يُجَازَوْنَهُ نوعًا من الجزاءِ عُبِّرَ عنه بالجزيةِ من (جزى يجزي) إذا كَافَأَ ما أُسْدِيَ إليه، تقولُ العربُ: أَحْسَنَ إِلَيَّ فَجَزَيْتُهُ، أي: كَافَأْتُهُ بما أَسْدَى، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
يَجْزِيكَ أَوْ يُثْنِي عَلَيْكَ وَإِنَّ مَنْ ... أَثْنَى عَلَيْكَ بِمَا فَعَلْتَ كَمَنْ جَزَى
وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ فيه أَوْجُهٌ من التفسيرِ معروفةٌ عندَ العلماءِ لَا يُكَذِّبُ بعضُها بعضًا (٢): قال بعضُ العلماءِ: ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾: أي: عَنْ قهر وتحتَ ذُلٍّ وكلِّ ما أعطاه الإنسانُ مقهورًا ذليلاً تقولُ العربُ: أَعْطَاهُ عَنْ يَدٍ. وقال بعضُ العلماءِ: يُعْطِيهِ عن يدٍ معناه: يُسَلِّمُهُ بيدِه ولَا يُرْسِلُ به غيرَه، فالدافعُ واقفٌ والآخِذُ جالسٌ. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أَيْ: نَقْدًا مُتسلمًا باليدِ لا نسيئةً. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن اعترافِهم بنعمةِ المسلمينَ عليهم حيث قَبِلُوا منهم العوضَ ولم يقتلوهم. والحالُ في هذا ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصاغرونَ: المتصفونَ بالصَّغَارِ. والصَّغَارُ في لغةِ العربِ معناه: الذلُّ والحقارةُ والهوانُ. ومعنَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: حَقِيرُونَ ذَلِيلُونَ. وَسَنُبَيِّنُ هنا - إن شاء الله - بعضَ أحكامِ الجزيةِ:
اعْلَمُوا أَوَّلاً أن النبيَّ ﷺ نَزَلَ عليه القرآنُ بجوازِ أَخْذِ الجزيةِ من أهلِ الكتابِ، ولكنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) بَيَّنَ أنهم وإن أُخِذَتْ منهم الجزيةُ فلَا يجوزُ بحالٍ من الأحوالِ ولَا بِوَجْهٍ من الوجوهِ
стр. 2822
أن يُتركوا يسكنونَ في جزيرةِ العربِ، فإقامةُ الكفارِ وَسُكْنَاهُمْ في جزيرةِ العربِ ممنوعٌ لَا يجوزُ بحالٍ، فيجبُ على المسلمينَ أن يُخْرِجُوهُمْ من جزيرةِ العربِ جميعِها ولَا يتركوا فيها كافرًا. وهذا من آخِرِ ما أَوْصَى به محمدٌ ﷺ ، وقد ثَبَتَ في الصحيحين من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: اشْتَدَّ برسولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ يومَ الخميسِ، وَأَوْصَى عندَ موتِه بثلاثٍ، قال: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ» قال الراوي: ونسيتُ الثالثةَ (١). فهذا حديثٌ صحيحٌ أَوْصَى به النبيُّ عند موتِه. وقد أخرجَ مسلمٌ وغيرُه أنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) قال: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعُ فِيهَا إِلَاّ مُسْلِمًا» (٢). وروى الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: آخِرُ ما عَهِدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أن قَالَ: «لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» (٣).
وروى أحمدُ وغيرُه عن أبِي عبيدةَ بنِ الجراحِ ﵁ قال: آخِرُ ما قالَه رسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ
стр. 2823
الْعَرَبِ» (١).
فهذه الأحاديثُ وأمثالُها تَدُلُّ على أنه لَا يجوزُ أن يسكنُ كافرٌ بجزيرةِ العربِ كائنًا ما كَانَ، وأن على المسلمينَ إخراجُ الكفارِ من جزيرةِ العربِ، ولكنهم لا يمنعونَ من الإتيانِ إليها لتجارةٍ أو نحوِه من غيرِ إقامةٍ بها، وكان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ إذا أَرَادَ بعضُ اليهودِ دخولَ الحجازِ لتجارةٍ أَذِنَ له وَأَجَّلَ لهم ثلاثةَ أيامٍ يبيعونَ فيها ويشترونَ ثم يذهبونَ (٢).
وَاعْلَمُوا أن الجزيةَ إذا أَسْلَمَ الكافرُ اختلف العلماءُ هل تسقطُ عنه الجزيةُ (٣)؟ وَأَظْهَرُ القولينِ: أنه تسقطُ عنه الجزيةُ لِمَا جاءَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لَا جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ» (٤) ولأنه لا تُؤْخَذُ منه وهو صَاغِرٌ؛ لأن المسلمَ لا يُحَقَّرُ ولَا يُهَانُ.
وقال الشافعيُّ في طائفةٍ من العلماءِ: إذا أَسْلَمَ لَمْ تسقط عنه
стр. 2824
الجزيةُ؛ لأنها بقيت دَيْنًا فيه، فهي كسائرِ الديونِ، إلا أنه عند أدائِها يُؤَدِّيهَا غيرَ صاغرٍ ولا مُهَانٍ؛ لأَجْلِ إسلامِه، ولكنها تَقَرَّرَتْ في ذمتِه.
واختلف العلماءُ: في القَدْرِ الذي يُؤْخَذُ من أهلِ الجزيةِ (١)، وَمِمَّنْ تُؤْخَذُ الجزيةُ (٢)؟ فقال جماعةٌ من العلماءِ: تُؤْخَذُ الجزيةُ من كُلِّ كتابيٍّ عَجَمِيًّا كان أو عَرَبِيًّا، والجزيةُ بالأديانِ لَا بالأنسابِ. وهذا القولُ هو الصحيحُ والأظهرُ.
وقال بعضُ العلماءِ: تُؤْخَذُ من مُشْرِكِي العجمِ ولا تُؤْخَذُ من مشركِي العربِ. وهو قولُ أبِي حنيفةَ ﵀ (٣).
والحقُّ أن الجزيةَ تُؤْخَذُ من كُلِّ كتابيٍّ عربيًّا كان أو غيرَه، وقد أَمَرَ النبيُّ ﷺ مُعَاذًا لَمَّا أرسلَه إلى اليمنِ أن يأخذَ من كُلِّ حالمٍ من كفارِ أهلِ اليمنِ - أهلِ الكتابِ - الذين لم يُسْلِمُوا أن يأخذَ من كُلِّ حالمٍ دينارًا منهم (٤).
وبعثَ خالدَ بنَ الوليدِ إلى أُكَيْدَر فَأَخَذَ من أُكيدر
стр. 2825
الجزيةَ (١). وأُكيدر دومة معلومٌ أنه عَرَبِيٌّ، أصلُه من كندةَ، كما قاله غيرُ واحدٍ.
وَأَخَذَ الجزيةَ من أهلِ نجرانَ (٢). وأكثرُ أهلِ نجرانَ نصارى عربٌ. وهذا هو التحقيقُ، فالحقُّ الذي لا شكَّ فيه أن الكتابيَّ الذي كان على دينِ أهلِ الكتابِ قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ ﷺ تُؤْخَذُ منهم الجزيةُ بنصِّ هذه الآيةِ؛ ولأَنَّهَا لم تُفَصِّلْ.
وأما المجوسُ فقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنهم تُؤْخَذُ منهم الجزيةُ، فقد رَوَى البخاريُّ في صحيحِه عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ أَخَذَ الجزيةَ من مجوسِ هجرَ (٣). وقد
стр. 2826
أخذ الجزيةَ من أهلِ البحرينِ (١) وأكثرهم في ذلك الوقتِ كانوا مَجُوسًا.
فالحقُّ الذي لا شكَّ فيه أنها تُؤْخَذُ من المجوسِ لِمَا جاء عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (٢) وَثَبَتَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أنه قال: أَشْهَدُ فقد أَخَذَ رسولُ اللَّهِ الجزيةَ من مجوسِ هجرَ. وكان عمرُ بنُ الخطابِ تَوَقَّفَ في أَخْذِ الجزيةِ من المجوسِ حتى شَهِدَ عندَه عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ﵁ (٣).
والشافعيُّ ﵀ يقولُ: لَا تُؤْخَذُ إلا مِنَ الكتابيِّ عربيًّا كان أو عجميًّا، أو من المجوسيِّ بِالسُّنَّةِ. أما المشركونَ مِنْ عَبَدَةِ الأوثانِ وما جَرَى مجراهم (٤) قال الشافعيُّ: لَا تُؤْخَذُ منهم الجزيةُ. وقال به
стр. 2827
جماعةٌ من العلماءِ. قالوا ووجهُه: أن اللَّهَ [مَا نَصَّ في المشركينَ] (١) إلا على القتلِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: آية ٥] وفي أهلِ الكتابِ قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: آية ٢٩] وفي المجوسِ ثَبَتَ أخذُ الجزيةِ منهم بالسنةِ. فالمشركونَ لهم السيفُ، وأهلُ الكتابِ لهم الجزيةُ بالقرآنِ، والمجوسُ لهم الجزيةُ بِالسُّنَّةِ، وبهذا قال جماعةٌ من العلماءِ منهم الشافعيُّ.
وقال مالكُ بنُ أنسٍ ﵀ في جماعةٍ من العلماءِ: إنها تُؤْخَذُ من كُلِّ كافرٍ وَثَنِيًّا كان يعبدُ الأصنامَ أو مجوسيًّا، أو كتابيًّا، فتؤخذُ من جميعِ الكفارِ. هذا قولُ مالكٍ في طائفةٍ من العلماءِ.
وأقلُّ ما جاء في قَدْرِ الجزيةِ على الرجلِ من أهلِ الكتابِ دينارٌ (٢).
قال جمهورُ العلماءِ: لَا تُنْقَصُ الجزيةُ عن دينارٍ. وبعضُهم يقولُ: لَا حَدَّ لَهَا، فما صَالَحَ عليه الإمامُ هو الذي يُؤْخَذُ.
وكان عمرُ بنُ الخطابِ أَخَذَ الجزيةَ من أهلِ الشامِ (٣)، وَأَخَذَهَا من أهلِ السوادِ (٤). وكان النبيُّ ﷺ أَمَرَ معاذًا أن يأخذَ الجزيةَ من أهلِ اليمنِ من كُلِّ حَالِمٍ دينارًا (٥).
والتحقيقُ أنها لَا تُؤْخَذُ من الصبيانِ والنساءِ، بل من الرجالِ المقاتلينَ، كما دَلَّ عليه حديثُ معاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» (٦).
стр. 2828
يعنِي: لا صَبِيًّا، ولا امرأةً؛ ولأن الصبيانَ والنساءَ ليسوا من المقاتلينَ ولا يجوزُ قتلُهم. وَاللَّهُ يقولُ في الْمُقَاتِلِينَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. فَدَلَّ أن الذي يُعْطِي الجزيةَ هم المقاتلونَ لَا غيرهم. كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ أَخَذَ الجزيةَ من أهلِ الشامِ على الواحدِ أربعةُ دنانيرَ (١).
وعن ابنِ أبِي نُجيح أنه سألَ مجاهدًا ﵀: ما بالُ أهلِ اليمنِ أُخِذَ منهم في الجزيةِ دينارٌ، وأهلُ الشامِ أربعةُ دنانيرَ؟ قال: ذلك باعتبارِ الفقرِ وَالْيَسَارِ، وهؤلاءِ فقراءُ أُخِذَ منهم دينارٌ، وهؤلاءِ مُوسِرُونَ أُخِذَ منهم أربعةُ دنانيرَ (٢). وكان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ أَخَذَ الجزيةَ من أهلِ السوادِ، فَأَخَذَ من الفقيرِ -والمرادُ به الفقيرُ الذي لَهُ حِرْفَةٌ وتَسَبُّبٌ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، ومن المتوسطِ أربعةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، ومن الغنيِّ ثمانيةً وأربعينَ درهمًا (٣).
وبعضُ العلماءِ يقولُ هذا، وبعضُهم يقولُ: أربعةُ دنانيرَ، وبعضُهم يقول: دينارٌ. وقد أَمَرَ النبي بدينارٍ، وأخذ عمرُ من أهلِ الشامِ أربعةَ دنانيرَ، ومن أهلِ السوادِ اثْنَيْ عَشَرَ [درهمًا] (٤) للفقيرِ، وأربعةً وعشرينَ للمتوسطِ، وثمانيةً وأربعينَ للغنيِّ.
стр. 2829
والتحقيقُ - إن شاء الله - أن كُلَّ هذا واسعٌ بحسبِ ما يراهُ الإمامُ، إلا أنه لا ينبغي أن ينقصَ الجزيةَ عن دينار. وهذا معنَى قولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: آية ٢٩] لأَنَّ اللَّهَ ﵎ ما أَذِنَ في تركِهم إلا بهذا.
واختلفَ العلماءُ في الْعِوَضِ الذي أُعْطِيَتْ عنه الجزيةُ (١): قال بعضُ العلماءِ: عِوَضُهَا حقنُ دمائِهم. وعلى هذا القولِ إذا أَسْلَمَ سقطت عنه الجزيةُ؛ لأن دمَه حَقَنَهُ الإسلامُ. وقال بعضُهم: عِوَضُهَا حَقْنُ دمائِهم، والمدافعةُ عنهم، وَمَنْعُ مَنْ أرادَ أن يَظْلِمَهُمْ. وعلى هذا تَبْقَى الجزيةُ فيه ولو أَسْلَمَ. هكذا قالَه بعضُ العلماءِ.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: الآيتان ٣٠، ٣١].
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٠] قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ السبعةِ غيرَ عاصمٍ والكسائيِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ﴾ بلا تنوينٍ على الراءِ. وقرأه عاصمٌ والكسائيُّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ بتنوينِ الراءِ (٢). وقرأ عامةُ السبعةِ غيرَ عاصمٍ: ﴿يضاهُون قول الذين كفروا﴾ بضم الهاء ليس بعدها همزةٌ.
стр. 2830
وَقَرَأَ من السبعةِ عاصمٌ وحدَه: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بكسرِ الهاءِ وهمزةٍ بعدَه (١).
وفي الآيةِ التي قبلَ هذا أَمَرَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) بعقوبةِ أهلِ الكتابِ بقولِه: ﴿قَاتِلُوا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ موجبَ تلك العقوبةِ بقولِه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ثم أَكَّدَ موجبَ عقوبتِه بقولِه هنا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ يعني: هؤلاء الذين أَمَرْتُكُمْ بقتالِهم مرتكبونَ من الجرائمِ ما يستوجبُ قتالَهم ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: آية ٢٩] فَأَوْجَبَ على أهلِ الكتابِ عقوباتٍ شديدةً، منها: قتالُهم حتى يدفعوا الجزيةَ ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَخِسَّاءُ أَذِلَاّءُ. وكذلك لحقارتِهم على اللَّهِ [٥/ب] / بَيَّنَّا أن النبيَّ ﷺ أَوْصَى بإخراجِهم من جزيرةِ العربِ [وتطهيرِها منهم] (٢). ومن آخِرِ ما أَوْصَى به النبيُّ ﷺ تطهيرُ جزيرةِ العربِ من اليهودِ والنصارى وسائرِ المشركينَ (٣). ولَا شَكَّ أن هذا أَمْرٌ مُهِمٌّ، لو لم يكن مُهِمًّا لَمَا أَوْصَى به النبيُّ عند موتِه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، ولكنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) عَلَّمَنَا في هذا الدينِ العظيمِ أن له عزائمَ وَرُخَصًا، فهذا الدينُ العظيمُ أنزلَه اللَّهُ مُنْقَسِمًا إلى عزائمَ ورخصٍ، فعزائمُه: تُسْتَعْمَلُ عندَ الأوقاتِ المناسبةِ لها، ورخصُه: تستعملُ عندَ الأوقاتِ المناسبةِ لها؛ لأن الدينَ السماويَّ لَا بُدَّ أن يكونَ مُشْتَمِلاً على مواجهةِ التطوراتِ والأحداثِ حيث ما كانت وأيًّا ما كانت، ففي كُلِّ حالٍ له فيها مواجهةٌ.
ونريدُ هنا أن نُبَيِّنَ بعضَ الأشياءِ التي يجوزُ أخذُها من الكفارِ
стр. 2831
والتي لا يجوزُ أخذُها؛ ليكونَ المسلمُ على بصيرةٍ من ذلك، ويعلمَ ما ينبغي وما لا ينبغي، وَيُفَرِّقَ بينَ ما يضرُّ وما لا يضرُّ. لَا شَكَّ أنه إن كانت القوةُ كاملةً للمسلمينَ من غيرِ حاجةٍ للكفارِ في شيءٍ أنهم يقومونَ بأنفسِهم ويقيمونَ عزائمَ اللَّهِ في المشركينَ مِنْ قَتْلٍ حتى يُعْطُوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرونَ، وتطهيرُ جزيرةِ العربِ منهم إلى غيرِ ذلك مِمَّا قَدَّمْنَا أنه لا بُدَّ منه في كُلِّ الأحوالِ وفي كُلِّ الظروفِ، أي: إذا كان محل العزائمِ والمسلمون في قوتِهم كما ينبغي، أما إذا كان المسلمونَ في ضَعْفٍ عن ذلك، أو في حاجةٍ ماسةٍ ضروريةٍ إلى الكفارِ فَلِكُلِّ حالٍ مقالٌ، وقد عَلَّمَنَا النبيُّ ﷺ الْمَخْرَجَ في جميعِ هذه الأشياءِ، فهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) لَمَا أَمْكَنَهُ أن يُجْلِيَ بني قَيْنُقَاعَ من غيرِ حاجةِ المسلمينَ ولا ضرورةٍ عليهم أجلاهم من المدينةِ إلى الشامِ، وَلَمَا أمكنَه بعد ذلك أن يُجْلِيَ بنِي النضيرِ أجلاهم من المدينةِ إلى أطرافِ الشامِ كما سيأتِي في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ... ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [الحشر: آية ٢]. وَلَمَّا كانت حاجةُ المسلمينَ ماسةً إلى عدمِ إجلاءِ خيبر لم يُجْلِهِمْ بل عَامَلَهُمْ ليتولوا القيامَ على نَخْلِ خيبرَ وأرضِها، وأعطاهم شَطْرَ ثمارِ نخلِ خيبرَ وما يخرجُ من أرضِها، وهو ﷺ عازمٌ على إخراجِهم عندما أَمْكَنَتِ الفرصةُ، وصار وقتُ العزيمةِ، وانتهى وقتُ الرخصةِ؛ وَلِذَا ثَبَتَ في بعضِ الرواياتِ الصحيحةِ أنهم لَمَّا قالوا له: أَقِرَّنَا على الأرضِ نقومُ على نَخْلِهَا وزرعِها بشطرِها. قال لهم ﷺ : «نُقِيمُكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شَئْنَا، وَإِنْ شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ» (١)
لأنه عازمٌ على إخراجِهم
стр. 2832
(صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، عندما تسنحُ الفرصةُ المواتيةُ لذلك، فالعزيمةُ لها وقتُها، وإنا كان الوقتُ للعزيمةِ لا يجوزُ أن تُهْمَلَ بحالٍ من الأحوالِ، فإذا كان الظرفُ مناسبًا للرخصِ أُعْمِلَتِ الرخصُ؛ لأن دينَ الإسلامِ دينٌ مرنٌ صالحٌ لمواجهةِ جميعِ التياراتِ والأحداثِ والتطوراتِ، وقد قَدَّمْنَا في سورةِ [آل عمران] (١) طَرَفًا جَيِّدًا من هذا في الكلامِ على قولِه: ﴿لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: آية ٢٨] أي: إلا أن تخافوا منهم خوفًا فَلِذَلِكَ حَالٌ وَحُكْمٌ آخَرُ.
وَاعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن المؤسفَ كل المؤسف هو أن الذي يجوزُ لنا أن نأخذَه من الكفارِ والذي يمتنعُ علينا أن نأخذَه منهم معكوسٌ في أقطارِ المعمورةِ الآنَ!! يأخذونَ منهم ما لا يَحِلُّ أَخْذُهُ، ويتركونَ ما لَا ينبغِي تَرْكُهُ، فيعكسونَ القضيةَ عَكْسًا تَامًّا!! وإيضاحُ هذا المعنَى أنه يجوزُ للمسلمينَ أن يَنْتَفِعُوا بأعمالِ الكفارِ التي هي أمورٌ دنيويةٌ بحتةٌ وَيَحْذَرُوا كُلَّ الحذرِ من أن يُقَلِّدُوهُمْ في شيءٍ من أوامرِ الدينِ. وسنذكرُ لكم أمثلةً من هذا يتضحُ بها المقامُ (٢): هذا سَيِّدُ الخلقِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه - لَمَّا تَوَاطَأَتْ عليه قُوَى الشَّرِّ وَاضْطَرُّوهُ أن يخرجَ مِنْ مَسْقَطِ رَأْسِهِ - كما قَدَّمْنَا في سورةِ الأنفالِ في الكلامِ على قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: آية ٣٠] وَدَخَلَ هو وصاحبُه في غارٍ كما سيأتِي تفصيلُه في هذه السورةِ الكريمةِ إن شاء الله - وَجَدَ في ذلك الوقتِ
стр. 2833
كافرًا مِنْ بَنِي دؤلِ بنِ كنانةَ يُسَمَّى عبدَ اللَّهِ بنَ الأُرَيْقِطِ، وكان في ذلك الوقتِ كافرًا من عبَدَةِ الأوثانِ، إلا أن عندَه خبرةٌ دنيويةٌ بالطرقِ من مكةَ إلى المدينةِ؛ لأنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) في ذلك الوقتِ محتاجٌ إلى خبيرٍ بِالطُّرُقِ؛ لأن الطرقَ المعهودةَ السابلةَ أَمْسَكَهَا الكفارُ وجعلوا جعائلَ لكلِّ مَنْ أَتَى بمحمدٍ ﷺ أن يُعْطُوهُ الأموالَ الكثيرةَ، فصارَ لا يمكن أن يسيرَ في الطرقِ المعهودةِ والسبلِ السابلةِ، بل لا بُدَّ أن يذهبَ من بُنَيَّاتِ طرقٍ ليست هي المعهودةَ، وهذه تحتاجُ إلى خبرةٍ خاصةٍ ووجدَ هذه الخبرةَ عند كافرٍ من بَنِي دؤلِ بنِ كنانةَ يُسَمَّى عبدَ اللَّهِ بنَ الأريقط، فَأَوْدَعَهُ رواحلَه وأعطاه الموعدَ، وكان ذلك الكافرُ أَمِينًا معه، فجاءَه في الموعدِ وَذَهَبَ به وجاء به من طُرُقٍ غيرِ معهودةٍ حتى أَوْصَلَهُ المدينةَ بسلامٍ (١).
فالنبيُّ ﷺ عندَ الحاجةِ انتفعَ بخبرةِ هذا الكافرِ ولم يَقُلْ: هذه خِبْرَةٌ نَجِسَةٌ قَذِرَةٌ لأنها من كَافِرٍ، بل انْتَفَعَ بها على حَدِّ قولِهم «اجْتَنِ الثِّمَارَ وَأَلْقِ الْخَشَبَةَ فِي النَّارِ». وكذلك لَمَّا سَمِعَ بالكفارِ في غزوةِ الأحزابِ قال له سلمانُ الفارسيُّ - كما هو مذكورٌ في الأخبارِ وَالسِّيَرِ -: كُنَّا إِذَا خِفْنَا خَنْدَقْنَا (٢). فأشارَ إليه بالخندقِ، وهو خطةٌ حربيةٌ عسكريةٌ، فقامَ النبيُّ ﷺ وانتفعَ بهذه الخطةِ الحربيةِ العسكريةِ وإن كانت ابْتَدَعَتْهَا أذهانُ فارسَ الذين هُمْ كفَرَةٌ يعبدونَ النارَ، ولم يَقُلْ: هذه خطةٌ نَجِسَةٌ قذرةٌ؛ لأَنَّ أصلَها من الكفارِ!! بل انتفعَ بما ينفعُه في دنياه وهو محافظٌ على دِينِهِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ ﷺ هَمَّ أن يمنعَ الرجالَ من أن يطؤوا نساءَهم فِي حالةِ إرضاعِهن؛ لأن العربَ كانوا يَظُنُّونَ أن الرجلَ إذا أَتَى أَبُوهُ أُمَّهُ وهي
стр. 2834
تُرْضِعُهُ أن ذلك يُضْعِفُ عظمَه ويتركُ فيه ضَعْفًا طَبِيعِيًّا!! كانوا إذا ضَرَبَ الرجلُ وَنَبَا سيفُه عن الضريبةِ قالوا: هذا من آثارِ الغيلةِ، وهي وطءُ الْمُرْضِعِ!! وكان شاعرُهم يقولُ (١):
فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ ... فتَنْبُوا فِي أَكُفِّهُمُ السُّيُوفُ
فَأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ عن فَارِسَ والرومِ أنهم يفعلونَ ذلك ولا يضرُّ أولادَهم (٢)، فَأَخَذَ هذه الخطةَ الطبيةَ من فارسَ والرومِ ولم يَمْنَعْهُ خبثُ مَنْ جاء بها عن أن يأخذَها. فهذا تعليمُ الصادقِ المصدوقِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه).
وَمِمَّا هو واضحٌ أن ما جاء به الكفَرَةُ الفَجَرَةُ الخنازيرُ الذين يُسَمُّونَ أنفسَهم (أهلَ الحضارةِ) أنهم جاؤوا بماءٍ زُلَالٍ، وجاؤوا بِسُمٍّ فَتَّاكٍ قَتَّالٍ؛ لأن ما في الحضارةِ الغربيةِ من المنافعِ الدنيويةِ لا يحتاجُ أن يُنَوَّهَ عنه، فَهُمْ خَدَمُوا الإنسانَ - من حيث إنه جِسْمٌ - خدمةً هائلةً ما كانت تخطرُ على البالِ. ولَا يُحْتَاجُ أن يُنوَّهَ عنها، ولكنهم بالنسبةِ إلى الروحِ وإلى عنصرِ الإنسانِ من حيثُ كونه رُوحًا مُفْلِسُونَ كُلَّ الإفلاسِ. فعلى المسلمينَ أن يُمَيِّزُوا بَيْنَ ما يَضُرُّ وما لا يَضُرُّ، فيأخذوا منهم الأمورَ الدنيويةَ فينتفعوا بخبرتِهم في الأمورِ كما انتفعَ ﷺ فِي الأمورِ الدنيويةِ من الكفارِ، أما أنهم يأخذونَ عنهم كُفْرَهُمْ وَتَمَرُّدَهُمْ على اللَّهِ وإفلاسَهم الروحيَّ النهائيَّ فهذا مِمَّا لا يجوزُ وَلَا كان ينبغِي لعاقلٍ أن يفعلَه.
ونحنُ دائمًا نُبَيِّنُ الموقفَ السليمَ فِي الأوضاعِ الراهنةِ للإسلامِ والمسلمينَ، وَنَعْرِضُهُ على الدليلِ العظيمِ المعروفِ عندَ علماءِ
стр. 2835
الأصولِ بـ (السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ)، وعندَ علماءِ المنطقِ. بـ (الشَّرْطِيِّ الْمُنْفَصِلِ)، وعندَ علماءِ الجدلِ بـ (الترديدِ والتقسيمِ) (١)، فنقولُ: إن موقفَ المسلمينَ مِمَّا أَحْدَثَتْهُ الحضارةُ الغربيةُ التي صارت سببَ ضلالٍ ودمارٍ مع ما أُدْخِلَ في الثقافاتِ من البلايا والويلاتِ، نقولُ: وهو بالتقسيمِ الصحيحِ منحصرٌ في أربعةِ أقسامٍ حَصْرًا اسْتِقْرَائِيًّا (٢)، وقد تَقَرَّرَ في علمِ البحثِ والمناظرةِ، وعلمِ الأصولِ أن للحصرِ طَرِيقَيْنِ: إما عَقْلٌ، وإما استقراءٌ، فهو محصورٌ في أربعةِ طرقٍ بطريقِ الاستقراءِ:
أَوَّلُهَا: أن نقولَ: يجبُ علينا أن نأخذَ جميعَ ما أَنْتَجَتْهُ الحضارةُ الغربيةُ من مائِها الزلالِ وَسُمِّهَا الفتَّاكِ القتَّالِ، فهذا قِسْمٌ وَاحِدٌ، أو نقولُ: نتركهما معًا، أو نأخذُ نافعَها ونتركُ ضارَّها، أو نأخذُ ضَارَّهَا ونتركُ نافعَها، فهي أربعةُ أقسامٍ بالحصرِ الاستقرائيِّ، فإذا رَجَعْنَا لهذه الأقسامِ الأربعةِ بِالسَّبْرِ الصحيحِ نَجِدُ ثلاثةً منها باطلةً، وواحدًا صحيحًا، وهذه فائدةُ السبرِ والتقسيمِ، التقسيمُ: يحصرُ الأوصافَ، والسبرُ: يُمَيِّزُ بَيْنَ خَبِيثِهَا وَطَيِّبِهَا وصالحِها وطالحِها. فلو قُلْنَا: نَأْخُذُ جميعَ ما أَنْتَجَتْهُ الحضارةُ الغربيةُ، فإن مَنْ أرادَ أن يأخذَ الماءَ الزلالَ مَمْزُوجًا بالسمِّ الفتاكِ القَتَّالِ لَا ينتفعُ بالماءِ، وَمَنْ أَرَادَ تَقَدُّمًا مِنَ الأمورِ الدنيويةِ التي عندهم مع ما فيها من الانحلالِ، وضياعِ الأخلاقِ، والتمردِ على نظامِ السماءِ، والإلحادِ والكفرِ بخالقِ السماواتِ والأرضِ، فهذا لا ينفعُ معه شيءٌ، إذا الدينُ لم يَكُنْ فَلَا كانت الدنيا. فهذا قِسْمٌ باطلٌ يَقِينًا، ولو قلنا: نتركهما جميعًا، فهذا القسمُ باطلٌ أيضًا؛ لأَنَّ تركَ الأخذِ بالقوةِ تَوَاكُلٌ وعجزٌ
стр. 2836
وتمردٌ على نظامِ السماءِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: آية ٦٠].
فَتَرْكُ القوةِ والاستعدادِ للعدوِّ مخالفٌ للشرعِ الكريمِ، ومخالفٌ لِلْفِطَرِ السليمةِ، فالحياةُ بتطوراتِها الراهنةِ لَا يجوزُ للمسلمينَ أن يتركوا استعمالَ القوةِ وجميعَ أنواعِ الوسائلِ لتكونَ عندهم قوةٌ يدافعونَ بها عن أنفسِهم ودينِهم، فهذا القسمُ باطلٌ أيضًا.
القِسْمُ الثالثُ: وهو أن يُؤْخَذَ سُمُّهَا فقط، ويتركَ زُلَالُهَا، فَمَنْ وَجَدَ ماءً زُلالاً وَسُمًّا فَاتِكًا قَتَّالاً، واختار السمَّ على الماءِ فهذا مجنونٌ أَهْوَجُ!!
أما أن نأخذَ نافعَها ونتركَ ضَارَّهَا، فهذا هو اللائقُ بكلِّ عاقلٍ أن يأخذَ ما ينفعُه ويتركُ ما يضرُّه.
والمؤسفُ كُلُّ المؤسفِ أن الذين تَأَثَّرُوا بهذه الحضارةِ من الناسِ الذين أصلُهم مسلمونَ لم يأخذوا من هذه الحضارةِ إلا سُمَّهَا الْفَتَّاكَ الْقَتَّالَ، ولم ينتفعوا بمائِها الزلالِ، فتراهم يقلدونَهم في الإلحادِ والكفرِ بِاللَّهِ وَالْمَسْخَرَةِ من الدينِ، والاستهزاءِ بآياتِ اللَّهِ، في الوقتِ الذي لم يَأْخُذُوا عنهم شيئًا مما أَنْتَجُوهُ من الأمورِ النافعةِ في الدنيا.
مَا أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلَاسَ بِالرَّجُلِ (١)
فَهُمْ يجمعونَ بَيْنَ الكفرِ والإفلاسِ - والعياذُ بالله - وهذا الشيءُ الذي طَبَّقَ المعمورةَ وانتشرَ في أقطارِ الدنيا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
стр. 2837
وعلى كُلِّ حالٍ فدينُ الإسلامِ هُوَ هُوَ، وصلتُه بالله هِيَ هِيَ، دينٌ عريقٌ عظيمٌ أُسُسُهُ قويمةٌ عظيمةٌ، لو لم يَكُنْ مَبْنِيًّا على أُسُسٍ عظيمةٍ، وكتابُه محفوظٌ لَطَمَسُوا أَثَرَهُ في قُرُونٍ!! ولكنه دِينٌ عَرِيقٌ ثابتُ الجذورِ لَا يتغيرُ ولا يتزعزعُ، وإنما تَنَكَّرَ له المنتسبونَ إليه فصاروا خفافيشَ تقودُهم الكفارُ إلى ما يشاؤون، فيقلدونَهم في كُلِّ كُفْرٍ وَكُلِّ إلحادٍ، وَكُلِّ انحطاطٍ خُلُقِيٍّ، وَكُلِّ تمردٍ على نظامِ السماءِ، وكفر بخالقِ السماواتِ والأرضِ، في الوقت الذي لا ينتفعونَ بالأمورِ [الدنيويةِ] (١). وإنما حَكَيْنَا هذا أَسَفًا من واقعٍ نرجو اللَّهَ أن يزيلَ هذا عن المسلمينَ.
ولما كان جزاءُ الكفارِ وعقوبتُهم عظيمةً بَيَّنَ بعضَ أسبابِ ذلك فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣٠] قال بعضُ العلماءِ (٢): قَالَتْهُ جماعةٌ من اليهودِ، منهم: سَلَاّمُ بنُ مشكم، وشأسُ بنُ قيسٍ، ونعمانُ بنُ أَوْفَى، ومالكُ بنُ الصيفِ من اليهودِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - زعموا أن عُزيرًا ابنُ اللَّهِ.
وقال بعضُهم: قاله القدماءُ من اليهودِ فَاتَّبَعَهُمُ الآخَرون.
وقال بعضُهم: إن الذي قالَه قبلَ اليهودِ في زمنِ محمدٍ ﷺ ، وأن سببَ ذلك أنهم قَتَّلُوا الأنبياءَ فَرَفَعَ اللَّهُ التوراةَ وَمَسَخَهَا من قلوبِهم، أو أن "بختنصرَ" قَتَلَ علماءَهم، وَضَاعَتْ عليهم التوراةُ، وكان بعضُهم دَفَنَهَا في مَحَلٍّ، وكان عُزيرٌ قد قَدَّمْنَا قضيتَه أن الله أماتَه مائةَ عامٍ ثم بَعَثَهُ، وجاء وقد ضَاعَتِ التوراةُ عليهم، بَقُوا لم يحفظوا منها شيئًا، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ إياها فقرأها عليهم لم يَخْرِمْ منها حَرْفًا، فقالوا: ما
стр. 2838
عَلَّمَهُ اللَّهُ إياها إلا لأنه ابنُه!! ومما يَدُلُّ على أن هذه المقالةَ صَدَرَتْ من اليهودِ أن هذا القرآنَ يُتْلَى من قديمِ الزمانِ من نزولِ هذه الآيةِ ولم يُعْلَمْ أن يهوديًّا في زمانِها كَذَّبَ بذلك وقال: ما قُلْنَا هذا!! مع مسارعتِهم إلى التكذيبِ.
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ﴾ [التوبة: آية ٣٠] يعنِي عيسى بنَ مريمَ قالوا إنه ابنُ اللَّهِ.- قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فَأَشْرَكُوا.
وقولُه: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: آية ٣٠] على قراءةِ الجمهورِ، وهو مضارعُ: (ضَاهَاهُ يُضَاهِيهِ) إذا حَاكَاهُ وَشَابَهَهُ. وعلى قراءةِ عاصمٍ: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهو بمعناه؛ لأن (ضَاهَأَ) يقال فيها: (ضَاهَا) بلا هَمْزٍ، ويقال فيها: (ضَاهَأَ) بالهمزِ، وهما لغتانِ صحيحتانِ وقراءتانِ سبعيتانِ صحيحتانِ (١).
ومعنَى المضاهاةِ والمضاهأةِ معناها: المحاكاةُ والمشابهةُ. يعني: يُحَاكُونَ ويشابهونَ قولَ الذين كَفَرُوا (٢) مِنْ كُفَّارِ مكةَ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ. وقال بعضُ العلماءِ: قالها المتأخرونَ من اليهودِ يُحَاكُونَ المتقدمينَ منهم. وقال بعضُ العلماءِ: قال النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ يُحَاكُونَ اليهودَ في قولِهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهذا كُلُّهُ لَا يُكَذِّبُ بعضُه بعضًا، وهذا معنَى قولِه: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ دَلَّ المقامُ عليه، أي: يُحَاكِيَ قولُهم قولَ الذين كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال بعضُ العلماءِ (٣) معناه: لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
стр. 2839
وقال بعضُ العلماءِ: (قَاتَلَهُ اللَّهُ) كلمةُ تعجبٍ تقولُها العربُ إذا تَعَجَّبَتْ من شَيْءٍ يقولونَ: قَاتَلَ اللَّهُ فلانًا ما أَفْعَلَهُ لكذا. أو ما أَشَدَّ استحقاقَه لأن يُقْتَلَ، أو نحو ذلك.
قولُه: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ (يُفْعَلُونَ) من الإفكِ، والإفكُ: أسوأُ الكذبِ؛ لأن أصلَ مادةِ (أَفَكَهُ) إذا قَلَبَهُ. كُلُّ شيءٍ قَلَبْتَهُ فقد (أَفَكْتَهُ) ومنه قيل لِقُرَى قومِ لوطٍ: (المؤتفكات) لأن جبريلَ أَفكَها، أي: قَلَبَهَا فجعلَ عاليَها سافلَها. وإنما سُمِّيَ أسوأُ الكذبِ (إفكًا) لأنه صَرْفٌ للكلامِ في معناه الصحيحِ إلى معانِي أُخَرَ كاذبةٍ (١). وهذا معنَى قولِه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٠].
قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: الآيات ٣١ - ٣٣].
يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: آية ٣١].
ذَكَرَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في هذه الآياتِ الكريماتِ من سورةِ براءة
стр. 2840
جرائمَ اليهودِ والنصارى، فَعَدَّ منها أنهم نَسَبُوا له الأولادَ، وَأَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٠] كيف يُصْرَفُونَ عن الحقِّ مع وضوحِه، وَيَدَّعُونَ للواحدِ الأحدِ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، يَدَّعُونَ له الأولادَ فيقولونَ: عُزير ابنُ اللَّهِ، والمسيحُ ابنُ اللَّهِ؟ سبحانَه وتعالى عما يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا.
ثم ذَكَرَ من معائبِهم وإجرامِهم بلايا أُخَرَ فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: آية ٣١] أي: وَاتَّخَذُوا المسيحَ بنَ مريمَ رَبًّا من دونِ اللَّهِ أيضًا. وهذه الآيةُ جاء عن النبيِّ ﷺ أنه فَسَّرَهَا لِعَدِيِّ بنِ حاتمٍ ﵁ لَمَّا سَأَلَهُ عنها، فقد أَخْرَجَ الترمذيُّ وغيرُه عن عديِّ بنِ حاتمٍ ﵁ أنه أتى النبيَّ ﷺ وفي عُنُقِهِ صليبٌ من ذَهَبٍ، فقال له ﷺ : «اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» وَسَمِعَهُ يقرأُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ - وكان عَدِيٌّ في الجاهليةِ نَصْرَانيًّا - فقال عَدِيٌّ: ما كُنَّا نعبدُهم من دونِ اللَّهِ. فقال له النبيُّ ﷺ : «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتَتَّبِعُوهُمْ؟» قال: بَلَى. قال: «ذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ» (١). وهو معنَى اتخاذِهم أربابًا. وهذا التفسيرُ النبويُّ المقتضِي أن كُلَّ مَنْ يَتَّبِعُ مُشَرِّعًا فيما أَحَلَّ وَحَرَّمَ مُخَالِفًا لتشريعِ اللَّهِ أنه عابدٌ له، متخذُه رَبًّا، مُشْرِكٌ به، كافرٌ بالله هو تفسيرٌ صحيحٌ لا شَكَّ في صحتِه، والآياتُ القرآنيةُ الشاهدةُ لصحتِه لَا تكادُ تُحْصِيهَا في المصحفِ الكريمِ، وَسَنُبَيِّنُ - إن شاء الله - طَرَفًا من ذلك: