← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وتمردٌ على نظامِ السماءِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: آية ٦٠]. فَتَرْكُ القوةِ والاستعدادِ للعدوِّ مخالفٌ للشرعِ الكريمِ، ومخالفٌ لِلْفِطَرِ السليمةِ، فالحياةُ بتطوراتِها الراهنةِ لَا يجوزُ للمسلمينَ أن يتركوا استعمالَ القوةِ وجميعَ أنواعِ الوسائلِ لتكونَ عندهم قوةٌ يدافعونَ بها عن أنفسِهم ودينِهم، فهذا القسمُ باطلٌ أيضًا. القِسْمُ الثالثُ: وهو أن يُؤْخَذَ سُمُّهَا فقط، ويتركَ زُلَالُهَا، فَمَنْ وَجَدَ ماءً زُلالاً وَسُمًّا فَاتِكًا قَتَّالاً، واختار السمَّ على الماءِ فهذا مجنونٌ أَهْوَجُ!! أما أن نأخذَ نافعَها ونتركَ ضَارَّهَا، فهذا هو اللائقُ بكلِّ عاقلٍ أن يأخذَ ما ينفعُه ويتركُ ما يضرُّه. والمؤسفُ كُلُّ المؤسفِ أن الذين تَأَثَّرُوا بهذه الحضارةِ من الناسِ الذين أصلُهم مسلمونَ لم يأخذوا من هذه الحضارةِ إلا سُمَّهَا الْفَتَّاكَ الْقَتَّالَ، ولم ينتفعوا بمائِها الزلالِ، فتراهم يقلدونَهم في الإلحادِ والكفرِ بِاللَّهِ وَالْمَسْخَرَةِ من الدينِ، والاستهزاءِ بآياتِ اللَّهِ، في الوقتِ الذي لم يَأْخُذُوا عنهم شيئًا مما أَنْتَجُوهُ من الأمورِ النافعةِ في الدنيا. مَا أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلَاسَ بِالرَّجُلِ (١) فَهُمْ يجمعونَ بَيْنَ الكفرِ والإفلاسِ - والعياذُ بالله - وهذا الشيءُ الذي طَبَّقَ المعمورةَ وانتشرَ في أقطارِ الدنيا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

стр. 2837

وعلى كُلِّ حالٍ فدينُ الإسلامِ هُوَ هُوَ، وصلتُه بالله هِيَ هِيَ، دينٌ عريقٌ عظيمٌ أُسُسُهُ قويمةٌ عظيمةٌ، لو لم يَكُنْ مَبْنِيًّا على أُسُسٍ عظيمةٍ، وكتابُه محفوظٌ لَطَمَسُوا أَثَرَهُ في قُرُونٍ!! ولكنه دِينٌ عَرِيقٌ ثابتُ الجذورِ لَا يتغيرُ ولا يتزعزعُ، وإنما تَنَكَّرَ له المنتسبونَ إليه فصاروا خفافيشَ تقودُهم الكفارُ إلى ما يشاؤون، فيقلدونَهم في كُلِّ كُفْرٍ وَكُلِّ إلحادٍ، وَكُلِّ انحطاطٍ خُلُقِيٍّ، وَكُلِّ تمردٍ على نظامِ السماءِ، وكفر بخالقِ السماواتِ والأرضِ، في الوقت الذي لا ينتفعونَ بالأمورِ [الدنيويةِ] (١). وإنما حَكَيْنَا هذا أَسَفًا من واقعٍ نرجو اللَّهَ أن يزيلَ هذا عن المسلمينَ. ولما كان جزاءُ الكفارِ وعقوبتُهم عظيمةً بَيَّنَ بعضَ أسبابِ ذلك فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣٠] قال بعضُ العلماءِ (٢): قَالَتْهُ جماعةٌ من اليهودِ، منهم: سَلَاّمُ بنُ مشكم، وشأسُ بنُ قيسٍ، ونعمانُ بنُ أَوْفَى، ومالكُ بنُ الصيفِ من اليهودِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - زعموا أن عُزيرًا ابنُ اللَّهِ. وقال بعضُهم: قاله القدماءُ من اليهودِ فَاتَّبَعَهُمُ الآخَرون. وقال بعضُهم: إن الذي قالَه قبلَ اليهودِ في زمنِ محمدٍ ﷺ ، وأن سببَ ذلك أنهم قَتَّلُوا الأنبياءَ فَرَفَعَ اللَّهُ التوراةَ وَمَسَخَهَا من قلوبِهم، أو أن "بختنصرَ" قَتَلَ علماءَهم، وَضَاعَتْ عليهم التوراةُ، وكان بعضُهم دَفَنَهَا في مَحَلٍّ، وكان عُزيرٌ قد قَدَّمْنَا قضيتَه أن الله أماتَه مائةَ عامٍ ثم بَعَثَهُ، وجاء وقد ضَاعَتِ التوراةُ عليهم، بَقُوا لم يحفظوا منها شيئًا، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ إياها فقرأها عليهم لم يَخْرِمْ منها حَرْفًا، فقالوا: ما

стр. 2838

عَلَّمَهُ اللَّهُ إياها إلا لأنه ابنُه!! ومما يَدُلُّ على أن هذه المقالةَ صَدَرَتْ من اليهودِ أن هذا القرآنَ يُتْلَى من قديمِ الزمانِ من نزولِ هذه الآيةِ ولم يُعْلَمْ أن يهوديًّا في زمانِها كَذَّبَ بذلك وقال: ما قُلْنَا هذا!! مع مسارعتِهم إلى التكذيبِ. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ﴾ [التوبة: آية ٣٠] يعنِي عيسى بنَ مريمَ قالوا إنه ابنُ اللَّهِ.- قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فَأَشْرَكُوا. وقولُه: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: آية ٣٠] على قراءةِ الجمهورِ، وهو مضارعُ: (ضَاهَاهُ يُضَاهِيهِ) إذا حَاكَاهُ وَشَابَهَهُ. وعلى قراءةِ عاصمٍ: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهو بمعناه؛ لأن (ضَاهَأَ) يقال فيها: (ضَاهَا) بلا هَمْزٍ، ويقال فيها: (ضَاهَأَ) بالهمزِ، وهما لغتانِ صحيحتانِ وقراءتانِ سبعيتانِ صحيحتانِ (١). ومعنَى المضاهاةِ والمضاهأةِ معناها: المحاكاةُ والمشابهةُ. يعني: يُحَاكُونَ ويشابهونَ قولَ الذين كَفَرُوا (٢) مِنْ كُفَّارِ مكةَ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ. وقال بعضُ العلماءِ: قالها المتأخرونَ من اليهودِ يُحَاكُونَ المتقدمينَ منهم. وقال بعضُ العلماءِ: قال النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ يُحَاكُونَ اليهودَ في قولِهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهذا كُلُّهُ لَا يُكَذِّبُ بعضُه بعضًا، وهذا معنَى قولِه: ﴿يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ دَلَّ المقامُ عليه، أي: يُحَاكِيَ قولُهم قولَ الذين كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال بعضُ العلماءِ (٣) معناه: لَعَنَهُمُ اللَّهُ.

стр. 2839

وقال بعضُ العلماءِ: (قَاتَلَهُ اللَّهُ) كلمةُ تعجبٍ تقولُها العربُ إذا تَعَجَّبَتْ من شَيْءٍ يقولونَ: قَاتَلَ اللَّهُ فلانًا ما أَفْعَلَهُ لكذا. أو ما أَشَدَّ استحقاقَه لأن يُقْتَلَ، أو نحو ذلك. قولُه: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ (يُفْعَلُونَ) من الإفكِ، والإفكُ: أسوأُ الكذبِ؛ لأن أصلَ مادةِ (أَفَكَهُ) إذا قَلَبَهُ. كُلُّ شيءٍ قَلَبْتَهُ فقد (أَفَكْتَهُ) ومنه قيل لِقُرَى قومِ لوطٍ: (المؤتفكات) لأن جبريلَ أَفكَها، أي: قَلَبَهَا فجعلَ عاليَها سافلَها. وإنما سُمِّيَ أسوأُ الكذبِ (إفكًا) لأنه صَرْفٌ للكلامِ في معناه الصحيحِ إلى معانِي أُخَرَ كاذبةٍ (١). وهذا معنَى قولِه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٠]. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: الآيات ٣١ - ٣٣]. يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: آية ٣١]. ذَكَرَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في هذه الآياتِ الكريماتِ من سورةِ براءة

стр. 2840

جرائمَ اليهودِ والنصارى، فَعَدَّ منها أنهم نَسَبُوا له الأولادَ، وَأَتْبَعَ ذلك بقولِه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٠] كيف يُصْرَفُونَ عن الحقِّ مع وضوحِه، وَيَدَّعُونَ للواحدِ الأحدِ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، يَدَّعُونَ له الأولادَ فيقولونَ: عُزير ابنُ اللَّهِ، والمسيحُ ابنُ اللَّهِ؟ سبحانَه وتعالى عما يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا. ثم ذَكَرَ من معائبِهم وإجرامِهم بلايا أُخَرَ فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: آية ٣١] أي: وَاتَّخَذُوا المسيحَ بنَ مريمَ رَبًّا من دونِ اللَّهِ أيضًا. وهذه الآيةُ جاء عن النبيِّ ﷺ أنه فَسَّرَهَا لِعَدِيِّ بنِ حاتمٍ ﵁ لَمَّا سَأَلَهُ عنها، فقد أَخْرَجَ الترمذيُّ وغيرُه عن عديِّ بنِ حاتمٍ ﵁ أنه أتى النبيَّ ﷺ وفي عُنُقِهِ صليبٌ من ذَهَبٍ، فقال له ﷺ : «اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» وَسَمِعَهُ يقرأُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ - وكان عَدِيٌّ في الجاهليةِ نَصْرَانيًّا - فقال عَدِيٌّ: ما كُنَّا نعبدُهم من دونِ اللَّهِ. فقال له النبيُّ ﷺ : «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتَتَّبِعُوهُمْ؟» قال: بَلَى. قال: «ذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ» (١). وهو معنَى اتخاذِهم أربابًا. وهذا التفسيرُ النبويُّ المقتضِي أن كُلَّ مَنْ يَتَّبِعُ مُشَرِّعًا فيما أَحَلَّ وَحَرَّمَ مُخَالِفًا لتشريعِ اللَّهِ أنه عابدٌ له، متخذُه رَبًّا، مُشْرِكٌ به، كافرٌ بالله هو تفسيرٌ صحيحٌ لا شَكَّ في صحتِه، والآياتُ القرآنيةُ الشاهدةُ لصحتِه لَا تكادُ تُحْصِيهَا في المصحفِ الكريمِ، وَسَنُبَيِّنُ - إن شاء الله - طَرَفًا من ذلك:

стр. 2841

اعْلَمُوا أيها الإخوانُ أن الإشراكَ بِاللَّهِ في حُكْمِهِ والإشراكَ به في عبادتِه كلاهما بمعنًى واحدٍ، لا فَرْقَ بينهما ألبتةَ، فالذي يَتْبَعُ نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ، وتشريعًا غيرَ ما شَرَّعَهُ اللَّهُ، وقانونًا مُخَالِفًا لشرعِ اللَّهِ من وَضْعِ البشرِ، مُعْرِضًا عن نورِ السماءِ الذي أَنْزَلَهُ اللَّهُ على لسانِ رسولِه، مَنْ كان يفعلُ هذا هو وَمَنْ يعبدُ الصنمَ ويسجدُ للوثنِ لَا فرقَ بينَهما ألبتةَ بوجهٍ من الوجوهِ، فَهُمَا واحدٌ، فَكِلَاهُمَا مشركٌ بِاللَّهِ، هذا أَشْرَكَ به في عبادتِه، وهذا أَشْرَكَ به في حُكْمِهِ، والإشراكُ به في عبادتِه، والإشراكُ به في حُكْمِهِ كِلَاهُمَا سواءٌ، وقد قال اللَّهُ (جلَّ وعلا) في الإشراكِ به في عبادتِه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠]. وقال في الإشراكِ به في حُكْمِهِ أيضًا: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٢٦]. وَفِي قراءةِ ابنِ عامرٍ من السبعةِ: ﴿ولا تُشْرِكْ في حكمه أحدا﴾ (١) بصيغةِ النهي المطابقةِ لقولِه: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠] فَكِلَاهُمَا إشراكٌ بِاللَّهِ؛ وَلِذَا بَيَّنَ النبيُّ لعديِّ بنِ حاتمٍ أنهم لَمَّا اتبعوا نظامَهم في التحليلِ والتحريمِ وَشَرْعِهِمُ المخالفِ لشرعِ اللَّهِ كانوا عبدةً لهم، مُتَّخِذِيهِمْ أربابًا، والآياتُ القرآنيةُ في المصحفِ الكريمِ المُصَرِّحةُ بهذا المعنَى لا تكادُ تُحْصِيهَا، ومن أَصْرَحِهَا: الْمُنَاظَرَةُ التي أَشَرْنَا لها، وَوَعَدْنَا بإيضاحِ مَبْحَثِهَا هنا، وهي المناظرةُ التي وَقَعَتْ بَيْنَ حزبِ الرحمنِ وحزبِ الشيطانِ في حُكْمِ تحليلِ لحمِ الميتةِ وتحريمِه، فحزبُ الشيطانِ يقولونَ: إن الميتةَ حلالٌ، ويستدلونَ

стр. 2842

بِوَحْيٍ مِنْ وَحْيِ الشيطانِ، وهو أن الشيطانَ أَوْحَى إلى أصحابِه وتلامذتِه في مكةَ أَنِ اسْأَلُوا محمدًا عن الشاةِ تصبحُ ميتةً مَنْ هُوَ الذي قَتَلَهَا؟ فَلَمَّا قال: اللَّهُ قَتَلَهَا. احْتَجُّوا على النبيِّ وأصحابِه في تحريمِهم الميتةَ بفلسفةٍ مِنْ وَحْيِ الشيطانِ وقالوا: ما ذَبَحْتُمُوهُ وَذَكَّيْتُمُوهُ بأيديكم حلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ بسكينٍ مِنْ ذَهَبٍ تقولونَ حرامٌ!! فَأَنْتُمْ أحسنُ مِنَ اللَّهِ إِذًا!! فهذا فلسفةُ الشيطانِ ووحيُ إبليسَ اسْتَدَلَّ بها كفارُ مكةَ على اتباعِ نظامِ الشيطانِ وتشريعِه وقانونِه بِدَعْوَى أن ما ذَبَحَهُ اللَّهُ أحلُّ مِمَّا ذَبَحَهُ الناسُ، وأن تذكيةَ اللَّهِ أطهرُ من تذكيةِ الخلقِ، وَاسْتَدَلَّ أصحابُ النبيِّ والنبيُّ ﷺ على تحريمِ الميتةِ بوحيِ الرحمنِ في قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: آية ٣] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: آية ١٧٣] فَأَدْلَى هؤلاء بنصٍّ من نصوصِ السماءِ، وَأَدْلَى هؤلاء بفلسفةٍ من وحيِ الشيطانِ، وَوَقَعَ بينَهم جدالٌ وخصامٌ، فَتَوَلَّى رَبُّ السماواتِ والأرضِ الْفُتْيَا في ذلك بنفسِه فَأَنْزَلَهَا قُرْآنًا يُتْلَى في سورةِ الأنعامِ مُعَلِّمًا بها خلقَه، أن كُلَّ مَنْ يتبعُ نظامًا وتشريعًا وقانونًا مُخَالِفًا لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فهو مشركٌ بِاللَّهِ كافرٌ مُتَّخِذٌ ذلك المتبوعَ رَبًّا، فأنزل اللَّهُ ذلك في قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ منه الميتةُ. أي: وإن قالوا: إنها ذَكَاةُ اللَّهِ، وأنها أَطْهَرُ. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: إن الأكلَ من الميتةِ لَفِسْقٌ. أي: لَخُرُوجٌ عَنْ طاعةِ الرحمنِ إلى طاعةِ الشيطانِ ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من الْكَفَرَةِ ككفارِ مكةَ ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ لأجلِ أن يجادلُوكم بِوَحْيِ الشيطانِ، ما ذبحتمُوه حلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ حرامٌ، فأنتم أحسنُ من اللَّهِ. ثم قال - وهو مَحَلُّ الشاهدِ -: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أي:

стр. 2843

اتَّبَعْتُمُوهُمْ في ذلك النظامِ الذي وَضَعَهُ الشيطانُ لأَتْبَاعِهِ وَأَقَامَ دليلاً من وَحْيِهِ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، متخذونَ مَنِ اتَّبَعْتُمْ تشريعَه رَبًّا غيرَ اللَّهِ. وهذا الشركُ في قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ هو الشركُ الأكبرُ المخرجُ عن مِلَّةِ الإسلامِ بإجماعِ المسلمينَ، وهو الذي أَشَارَ اللَّهُ إليه في قولِه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: آية ١٠٠] وهو الذي صَرَّحَ به الشيطانُ في خطبتِه يومَ القيامةِ المذكورةِ في قولِه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: آية ٢٢] وهو المرادُ على أَصَحِّ التفسيرين في قولِه: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: آية ٤١] يعبدونَ الشياطينَ باتباعِهم أنظمتَهم وتشريعاتِهم على ألسنةِ الكفارِ، وهو الذي نَهَى عنه إبراهيمُ أَبَاهُ: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: آية ٤٤] أي: بِاتِّبَاعِ ما يقررُ لَكَ من نظامِ الكفرِ والمعاصِي مُخَالِفًا لشرعِ اللَّهِ الذي أَنْزَلَهُ على رُسُلِهِ، وهذه العبادةُ بعينِها هي التي وَبَّخَ اللَّهُ مُرْتَكِبَهَا وَبَيَّنَ مصيرَه الأخيرَ في سورةِ "يس" في قولِه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: آية ٦٠] ما عَبَدُوهُ بسجودٍ ولَا ركوعٍ وإنما عَبَدُوهُ باتباعِ نظامٍ وتشريعٍ وقانونٍ شَرَعَ لهم أمورًا غيرَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ فاتبعوه وتركوا ما شَرَعَ اللَّهُ فعبدوه بذلك واتخذوه رَبًّا كما بَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ لعديِّ بنِ حاتمٍ ﵁، فهذا أمرٌ لَا شَكَّ فيه، وهو المرادُ بقولِه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: آية ١١٧] يعني: ما يعبدونَ إلا شيطانًا مَرِيدًا، أي: عبادةَ اتباعِ نظامٍ وتشريعٍ. وَاعْلَمْ أن قومًا زَعَمُوا أنهم يريدونَ أن يتحاكموا إلى شرعِ الشيطانِ والذي وَضَعَهُ، وَادَّعُوا مع ذلك أنهم

стр. 2844

مؤمنونَ فعَجَّبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ من دَعْوَاهُمُ الكاذبةِ الفاجرةِ التي لا يمكنُ أن تُصَدَّقَ في سورةِ النساءِ في قولِه (جلَّ وعلا): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: آية٦٠]. وَكُلُّ مَنْ تَحَاكَمَ إلى غيرِ ما أنزل اللَّهُ فهو متحاكمٌ إلى الطاغوتِ، وهؤلاء قومٌ أَرَادُوا التحاكمَ إلى الطاغوتِ وزعموا أنهم مؤمنونَ بالله فَعَجَّبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ كَذِبِ هؤلاءِ وعدمِ حيائِهم في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ يُعَجِّبه منهم ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الذي شَرَعَ لهم تلك النظمَ والأوضاعَ التي يسيرونَ عليها ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ وَأَقْسَمَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) إقسامًا سماويًّا من رَبِّ العالمينَ على أنه لا إيمانَ لِمَنْ لم يُحَكِّمْ رسولَ اللَّهِ فيما جاء به عن اللَّهِ خالصًا من قلبِه في باطنِه وَسِرِّهِ في قولِه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: آية ٦٥] وَبَيَّنَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه أن الْحُكْمَ له وحدَه لَا شريكَ له في حُكْمِهِ، وكلما ذَكَرَ اختصاصَه بالحكمِ أَوْضَحَ العلاماتِ التي يُعَرِّفُ بها بَيْنَ مَنْ يستحقُّ أن يحكمَ ويأمرَ وَيَنْهَى وَيُشَرِّعَ ويحللَ ويحرمَ، وَبَيْنَ مَنْ ليس له شيءٌ من ذلك، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: آية ٤٠] ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص: آية ٧٠] وَسَنُبَيِّنُ لكم أمثلةً من ذلك، من ذلك قولُه في سورةِ الشورى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: آية ١٠] ثم إِنَّ اللَّهَ كأنه قال: هذا الذي يكونُ المرجعُ إليه،

стр. 2845

والقولُ قولُه، والكلمةُ كلمتُه، حتى يُرَدَّ إليه كُلُّ شَيْءٍ، اخْتُلِفَ فيه ما صفاتُه التي يَتَمَيَّزُ بها عن غيرِه؟ قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ثم بَيَّنَ صفاتِ مَنْ يستحقُّ الحكمَ والتشريعَ والتحليلَ والتحريمَ والأمرَ والنهيَ فقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: الآيات ١٠ - ١٢] هذه صفاتُ مَنْ له أن يحكمَ ويحللَ ويحرمَ ويأمرَ وينهى، أَفَتَرَوْنَ أيها الإخوانُ أن واحدًا من هؤلاءِ القردةِ الخنازيرِ الكلابِ أبناءِ الكلابِ الذين يضعونَ القوانينَ الوضعيةَ فيهم واحدٌ يستحقُّ هذه الصفاتِ التي هي صفاتُ مَنْ له أن يحكمَ ويحللَ ويحرمَ ويأمرَ وينهى؟!! ومن الآياتِ الدالةِ على هذا النوعِ قولُه تعالى في سورةِ القصصِ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾. ثم بَيَّنَ صفاتِ مَنْ له أن يحكمَ فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [القصص: الآيات ٧٠ - ٧٣] هل في الكفَرَةِ القردةِ الخنازيرِ الكلابِ أبناءِ الكلابِ الذين يضعونَ النظمَ ويزعمونَ أنهم يرتبونَ بها علاقاتِ الإنسانِ ويضبطونَ بها شؤونَه هل في هؤلاء من يستحقُّ أن يوصفَ بهذه الصفاتِ التي هي صفاتُ مَنْ له أن يحكمَ ويأمرَ وينهى ويحللَ

стр. 2846

ويحرمَ؟! ومن ذلك قولُه تعالى في أخرياتِ القصصِ: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ (١) [إِلَاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾] [القصص: آية ٨٨]. [٦/أ] / والآياتُ القرآنيةُ في مثلِ هذا كثيرةٌ جِدًّا. والحاصلُ أن التشريعَ لا يكونُ إلا للأعلى الذي لا يمكنُ أن يكونَ فوقَه آمِرٌ ولَا نَاهٍ ولا مُتَصَرِّفٌ، فهو للسلطةِ العليا، أما المخلوقُ الجاهلُ الكافرُ المسكينُ فليس له أن يُحللَ ويحرِّمَ، والعجبُ كُلُّ العجبِ مِنْ قومٍ كان عندهم كتابُ اللَّهِ وَرِثُوا الإسلامَ عن آبائِهم، وعندَهم هذا القرآنُ العظيمُ، والنورُ المبينُ، وَسُنَّةُ خيرِ الخلقِ ﷺ ، يُبَيِّنُ اللَّهُ ورسولُه كُلَّ شيءٍ، ومع ذلك يعرضونَ عن هذا زاعمينَ أنه لا يَحْسُنُ القيامُ بشؤونِ الدنيا بعدَ تطوراتِها الراهنةِ، يطلبونَ الصوابَ في زبالاتِ أذهانِ كفرةٍ خنازيرَ، لَا يعلمونَ شيئًا!! هذا مِنْ طمسِ البصائرِ - والعياذُ بالله - لا يُصَدِّقُ به إلا مَنْ رآه، ولكن الخفافيشَ يعميها نورُ القرآنِ العظيمِ، فالقرآنُ العظيمُ نورٌ عظيمٌ، والخفاشُ لا يكادُ أن يرى النورَ: خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... فَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (٢) هذا القرآنُ العظيمُ ينصرفونَ عنه، وترى الواحدَ الذي هو مسؤولٌ عنهم يُعْلِنُ في غيرِ حياءٍ من اللَّهِ ولا حياءٍ من الناسِ بوجهٍ لا ماءَ فيه، بكلِّ وقاحةٍ أنه يُحَكِّمُ في نفسِه وفي الناسِ الذين هم رعيتُه الذين هو مسؤولٌ عنهم يحكمُ في أديانِهم، وفي أنفسِهم، وفي عقولِهم، وفي أنسابِهم، وفي أموالِهم، وفي أعراضِهم، قانونًا أَرْضِيًّا

стр. 2847

وضعَه خنازيرُ كفرةٌ جهلةٌ أنتنُ من الكلابِ والخنازيرِ، وأجهلُ خلقِ اللَّهِ، مُعْرِضًا عن نورِ السماءِ الذي وَضَعَهُ اللَّهُ (جلَّ وعلا) على لسانِ خَلْقِهِ، فهذا مِنْ طَمْسِ البصائرِ لَا يُصَدِّقُ به إلا مَنْ رَآهُ - والعياذُ بالله - اللَّهُمَّ لا تَطْمِسْ بصائرَنا ولا تُزِغْ قُلُوبَنَا بعدَ إِذْ هَدَيْتَنَا. وَاعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن كُلَّ مَنْ يَتَعَالَمُ أمامَ الخالقِ (جلَّ وعلا) بلا حياءٍ في وَجْهِهِ أنه يُعْرِضُ عمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ على محمدٍ ﷺ مُدَّعِيًا أنه لا يَقْدِرُ أن يقومَ بتنظيمِ علاقاتِ الدنيا يطلبُ النورَ وَالْهُدَى في زبالاتِ أذهانِ خنازيرَ كفرةٍ فجرةٍ جهلةٍ في غايةِ الجهلِ أنه هو وفرعونُ وهامانُ وقارونُ في الكفرِ سواءٌ، لأنه لا يُعْرِضُ عن اللَّهِ، وعن تشريعِ اللَّهِ، ويفضِّل عليه تشريعَ الشيطانِ، ونظامَ إبليسَ الذي شَرَعَهُ على ألسنةِ أوليائِه إلا مَنْ لَا نصيبَ له في الإيمانِ بوجهٍ مِنَ الوجوهِ، كما رأيتُم الآياتِ الكثيرةَ الدالةَ على ذلك، وَتَعْجِيبُ اللَّهِ نَبِيَّهُ مِنَ ادِّعَاءِ مِثْلِهِ الإيمانَ. فعلى المسلمينَ جميعًا أن يعلموا ويعتقدوا- ونحن نقولُ: لَا شَكَّ يجبُ على كُلِّ مسلمٍ كَائِنًا مَنْ كان أن يعلمَ- أنه لَا حلالَ إلا ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، ولا حرامَ إلا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، ولا دينَ إلا ما شَرَّعَهُ اللَّهُ، فَمَنْ سِوَى اللَّهِ لَا تحليلَ له ولا تحريمَ؛ لأنه عَبْدٌ مسكينٌ ضعيفٌ مربوبٌ، عليه أن يعملَ بما يَأْمُرُ بِهِ رَبُّهُ، فيتبعُ ما يُشَرِّعُهُ رَبُّهُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأحبارُ: جَمْعُ حَبْرٍ بفتحِ الحاءِ وكسرِها. والتحقيقُ أنهما لغتانِ. والأحبارُ: العلماءُ. والرهبانُ: المتعبدونَ المنقطعونَ في الصوامعِ، وهو جمعُ راهبٍ، وشذَّ قومٌ فقالوا: إن الواحدَ منهم يقال له (رهبان) واستدلوا

стр. 2848

بِقَوْلِ الراجز (١): لَوْ كَلَّمَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ فِي الْجَبَلْ ... لأَقْبَلَ الرُّهْبَانُ يَهْوِي وَنَزَلْ أنه واحدٌ. والتحقيقُ: أنه جمعُ راهبٍ. ﴿أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأربابُ: جَمْعُ رَبٍّ، لأنهم عَبَدُوهُمْ، والعبادةُ من صفاتِ الرَّبِّ (جلَّ وعلا) وحدَه لَا يُعْبَدُ سواه. ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ بِمَا أُمِرُوا به مِنَ الدِّينِ ﴿إِلَاّ﴾ لأَجْلِ أن يعبدوا اللَّهَ وَحْدَهُ ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: معبودًا واحدًا ﴿لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ لَا معبودَ بِحَقٍّ إلا هو وحدَه (جلَّ وعلا) ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تَنْزِيهًا له أَتَمَّ تنزيهٍ عما يشركونَ به شركَ ربوبيةٍ وشركَ طاعةٍ وشركَ عبادةٍ. وهذه الآيةُ من سورةِ براءةٍ بَيَّنَ اللَّهُ فيها أن النصارى واليهودَ مشركونَ كما أَشَرْنَا إليه سابقًا. وهذا معنَى قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣١]. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: آية ٣٢] قال بعضُ العلماءِ: نورُ اللَّهِ هو هذا القرآنُ العظيمُ، وقد سَمَّى اللَّهُ هذا القرآنَ نُورًا في آياتٍ كثيرةٍ كقولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: آية ١٥] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا﴾ [النساء: آية ١٧٤] ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ﴾ [الشورى: آية ٥٢] ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: آية ١٥٧] ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: آية ٨] هو نورٌ

стр. 2849

أضاءَ اللَّهُ به كُلَّ شيءٍ، وَكُلُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ أنه نورٌ وأنه حَقٌّ فإن ذلك إنما جَاءَهُ مِنْ قِبَلِ عَمَاهُ؛ لأنه خُفَّاشٌ أَعْمَى، والأَعْمَى لا يرى الشمسَ، وقد بَيَّنَ اللَّهُ هذا في سورةِ الرعدِ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: آية ١٩] فَصَرَّحَ بأن الذي يَمْنَعُهُ من أن يعلمَ أنه الحقُّ إنما هو عَمَاهُ. إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ ... فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ (١) وقولُه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ يعني: يُذْهِبُوا أدلةَ هذا القرآنِ العظيمِ وَيُبْطِلُوهَا ويمنعوا إقامةَ أدلتِه وإظهارَه للحقِّ وَالدِّينِ. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ في قولِه: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وَجْهَانِ (٢): أحدُهما: أن المرادَ أن إطفاءَه بأفواهِهم هو تكذيبُهم به وقولُهم: إنه شِعْرٌ أو سِحْرٌ أو كهانةٌ أو أساطيرُ الأولينَ أو مكذوبٌ على اللَّهِ. فهذا إرادتُهم تكذيبُه وإبطالُه بأفواهِهم بالقولِ الكاذبِ. وقال بعضُهم: شَبَّهَ فِعْلَهُمْ بِمَنْ رَأَى نورًا مستضيئًا مَلأَ أَقْطَارَ الدنيا وأرادَ أن ينفخَه ليطفئَه بنفخةٍ؛ لأَنَّ النفخَ يطفئُ النورَ الضعيفَ، ولا يقدرُ على النورِ العظيمِ القويِّ. كأنه شَبَّهَ إرادتَهم لإطفائِه بِمَنْ يريدُ أن ينفخَ في نورٍ عظيمٍ مَلأَ الأرضَ ليطفئَه بالنفخِ،

стр. 2850

وهذا لا يمكنُ أبدًا ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ (جلَّ وعلا) ﴿إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ للعلماءِ بحثٌ لغويٌّ في قولِه: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ﴾ (١) قالوا: لأَنَّ الاستثناءَ يكونُ مِنْ نَفْيٍ قَبْلَهُ، وهنا ليس فيه نَفْيٌ، والإثباتُ لَا يُسْتَثْنَى منه، فلا تقولُ: ضربتُ إلا زيدًا، وأكرمتُ إلا عَمْرًا. وأجاب بعضُ العلماءِ عن هذا بأن الإباءَ فيه معنَى الامتناعِ، والامتناعُ مُضَمَّنٌ معنَى الجحدِ، هم يريدونَ كذا ولم يُرِدِ اللَّهُ إلا أن يُتِمَّ نورَه. فهو في معنَى النفيِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو متعلقٌ بمحذوفٍ: وَيَأْبَى اللَّهُ كُلَّ شيءٍ إلا إتمامَ نورِه، فهذا وحدَه لا بُدَّ أن يَقَعَ. ثم قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ فَلَوْ كَرِهَ الكافرونَ إتمامَه فهو مُتَمِّمُهُ مَهْمَا كان. ﴿هُوَ﴾ أي: اللَّهُ ﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [التوبة: آية ٣٣] هو محمدٌ ﷺ . ﴿بِالْهُدَى﴾ قال بعضُ العلماءِ: الْهُدَى أيضًا هو هذا القرآنُ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: آية ١٨٥] قالوا: ﴿بِالْهُدَى﴾ أي: بالقرآنِ الفارقِ بينَ الحقِّ والباطلِ ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ هو دينُ الإسلامِ؛ الذي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ غيرَه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: آية ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: آية ٨٥] وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: آية ٣].

стр. 2851

﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الضميرُ فِي قولِه: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ فيه وجهانِ للعلماءِ (١): قال بعضُهم -وَهُوَ مَرْوِيٌّ عن ابنِ عَبَّاسٍ (٢) -: الضميرُ عائدٌ إلى النبيِّ ﷺ . أي: أَرْسَلَهُ بهذا الْهُدَى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ليطلعَه على جميعِ الأديانِ فَيُبَيِّنُ لأهلِها حقيقَها من باطلِها، كما قَدَّمْنَاهُ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: آية ٤٨] ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: آية ١٥] ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: آية ٩٣] وغير ذلك من الآياتِ أن النبيَّ ﷺ عَلِمَ من كتابِ اللَّهِ ما جاء في جميعِ الكتبِ المتقدمةِ. القولُ الثانِي: - وعليه الأكثرُ - أن الضميرَ لِلدِّينِ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي: ليظهرَ دِينَ الإسلامِ، أي: يُعْلِيَهُ على جميعِ الأديانِ كُلِّهَا. وهذا الإعلاءُ يدخلُ فيه إظهارُه بالحجةِ والبرهانِ، فبراهينُه قاطعةٌ، وَحُجَجُهُ ساطعةٌ لَا شَكَّ فيه، وكتابُه محفوظٌ، فلا شيءَ يُوَازِيهِ ولَا يُشَابِهُهُ. قال بعضُ العلماءِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي: يَنْصُرَهُ ويُغَلِّبَهُ على جميعِ الأديانِ، وقد وَفَّى اللَّهُ بهذا فيما مَضَى، وَسَيَفِي به - أيضًا - في المستقبلِ؛ لأن الدينَ فيما مضى ظَهَرَ على جميعِ الأديانِ، وَأَذَلَّ الدولَ الكبارَ العظيمةَ المعروفةَ، كالدولةِ الكسرويةِ، والدولةِ القيصريةِ، لم يَبْقَ منهم إلا مَنْ هو يُعْطِي الجزيةَ عن يدٍ وهو صاغرٌ، أو مُسْلِمٌ، وَانْتَشَرَ في أقطارِ الدنيا من شَرْقِهَا وغربِها، وَظَهَرَ على كُلِّ الأديانِ، وَأَذَلَّ أهلَها، وسيأتِي ذلك في آخِرِ هذا الزمانِ أيضًا كما جاء في أحاديثَ صحيحةٍ كثيرةٍ أنه لا يَبْقَى في آخِرِ الزمانِ أحدٌ إلا كان

стр. 2852

مُسْلِمًا (١)، ولم يكن في المعمورةِ غير دينِ الإسلامِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: آية ٣٣] إظهارُه على الدِّينِ كُلِّهِ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: الآيات ٣٤ - ٣٦]. قال اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: الآيتان ٣٤، ٣٥] لَمَّا ذَكَرَ الله (جلَّ وعلا) أن اليهودَ والنصارى اتخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا بَيَّنَ أن الرهبانَ والأحبارَ لا ينبغي اتخاذُهم أربابًا؛ لأن أكثرَهم فَجَرَةٌ غيرُ مستقيمينَ فقال: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ

стр. 2853

بِالْبَاطِلِ﴾ أي: فكيف تتخذونَ هؤلاء أربابًا مع أن الإنسانَ لو اتَّخَذَ أشرفَ الأنبياءِ رَبًّا أو أعظمَ الملائكةِ رَبًّا لكانَ مِنْ كبارِ المشركينَ، أَحْرَى مَنْ يتخذُ الفجَرَةَ أَرْبَابًا ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: الآية ٨٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ ... ﴾ العلماء ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾: المتعبدينَ في صوامعِهم. ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ هذه أصلُها لامُ الابتداءِ التي تُزَحْلِقُهَا (إِنَّ) المكسورة عن المبتدأِ إلى الخبرِ ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ قال بعضُ العلماءِ: يأخذونَ الرُّشَا. وقال بعضُ العلماءِ: يأخذونَ من أتباعِهم أموالاً باسمِ الدِّينِ ثم يأكلونَها، قال بعضُهم: يأخذونَ أموالاً باسمِ الكنيسةِ والبيعةِ ونحوِ ذلك مما يُخَيِّلُونَ لأتباعِهم أن أخذَه مِنَ الدِّينِ ومرادُهم الغرضُ الدنيويُّ (١). وقولُه: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأَنَّ مَنِ استشارَ الرهبانَ والأحبارَ مِنْ أتباعِهم: هَلْ يأخذُ دِينَ الإسلامِ يمنعونَهم من ذلك، وَيَصُدُّونَهُمْ عن سبيلِ اللَّهِ التي هي دِينُ الإسلامِ. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ﴾ العربُ تقولُ: «كَنَزْتُ الشيءَ» إذا جمعتَه وجعلتَ بعضَه إلى بعضٍ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ على المالِ المجموعِ بعضُه إلى بعضٍ المدفونِ في الأرضِ، والكنزُ في اللغةِ يُطْلَقُ على كُلِّ مجموعٍ مضمومٍ بعضُه إلى بعضٍ، ومنه: ناقةٌ مكتنزةُ اللحمِ؛ لأن لَحْمَهَا بعضُه مُنْضَمٌّ إلى بعضٍ. سواء كان في باطنِ الأرضِ أو على ظاهرِها (٢).

стр. 2854

قال بعضُ العلماءِ: هذه في أهلِ الكتابِ. قاله معاويةُ، واختلف معه أبو ذَرٍّ ﵀. كان أبو ذَرٍّ في الشامِ فشكاه معاويةُ إلى عثمانَ فَأَشْخَصَهُ عثمانُ إلى المدينةِ، وكان أبو ذرٍّ ﵁ عندَه مذهبٌ معروفٌ مخالفٌ لجميعِ أقوالِ الصحابةِ يُضَيِّقُ في اقتناءِ المالِ، وكان ﵁ يقولُ: إن الإنسانَ إذا ادَّخَرَ شيئًا زائدًا عن خَلَّتِه الضروريةِ فهو كَنْزٌ يُكْوَى به وجهُه وظهرُه وجنبُه، وكان يذكرُ هذا للناسِ، وَمِنْ أجلِ هذا أَمَرَهُ عثمانُ ﵁ أيامَ خلافتِه أن يخرجَ إلى الربذةِ وَتُوُفِّيَ بها ﵁ وأرضاه) (١)، وأبو ذَرٍّ معذورٌ؛ لأنه جاء النبيَّ في أولِ الإسلامِ، وكان المسلمونَ في أولِ الإسلامِ فقراءَ ليس عندهم شيءٌ، وكان التشديدُ في إمساكِ الذهبِ والفضةِ في ذلك الوقتِ عظيمًا، فَسَمِعَ من النبيِّ شيئًا ورجعَ إلى أهلِه بالباديةِ، ثم أَنْزَلَ اللَّهُ فريضةَ الزكاةِ، وَكَثُرَ المالُ واتسعَ الأمرُ، وَزَالَ التشديدُ، ولم يَعْلَمْ ﵁ بشيءٍ من ذلك، فصارَ على التشديدِ الأولِ؛ لأنه سَمِعَهُ من رسولِ اللَّهِ ولم يَسْمَعْ ما طَرَأَ بَعْدَ ذلك. هذا قَالَهُ بعضُ الصحابةِ وهو الظاهرُ أنه الحقُّ (٢). قولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ رَدَّ الضميرَ هنا على الفضةِ ولم يَقُلْ: «ولَا ينفقونَهما» وللعلماءِ في توجيهِه في اللغةِ العربيةِ أقوالٌ (٣)، والتحقيقُ أن من أساليبِ اللغةِ

стр. 2855

العربيةِ التي نَزَلَ بها القرآنُ رجوعُ الضميرِ على أحدِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ بـ (الواو) أو (الفاء) أو (أو)، وهو في (أو) أظهرُ اكتفاءً ببعضِهما؛ لأن الآخَرَ مفهومٌ منه، وهو كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ (١) فَمِنْ أمثلتِه في القرآنِ: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا ... ﴾ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا﴾ [البقرة: آية ٤٥] ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: الآية ٢٠] ومن أمثلتِه بـ (أو): ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ [النساء: آية ١١٢] ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: آية ١١] وَمِنْ رجوعِ الضميرِ إلى المتعاطفينِ بـ (أو) قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: آية ١٣٥] ومثالُ إفرادِه في المتعاطفينِ بـ (الفاء): قولُ امرئِ القيسِ (٢): فَتُوضِحَ فَالْمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ... . . . . . . . . . . . . . . . فَرَدَّهُ على أحدِهما. وهو في العطفِ بـ (الواو) كالآيةِ كثيرٌ جِدًّا في كلامِ العربِ، منه قولُ نابغةِ ذبيانَ (٣): وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْمًا لَاهِيَيْنِ بِهَا ... وَالدَّهْرُ وَالْعَيْشُ لَمْ يَهْمِمْ بِإِمْرَارِ ولم يقل: «وَلَمْ يَهْمِمَا». ومنه قولُ حسانَ ﵁ (٤): إِنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ وَالشَّعْرَ الأَ ... سْوَدَ مَا لَمْ يُعَاصِ كَانَ جُنُونَا وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ.

стр. 2856

وقولُه: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ التحقيقُ - إن شاء الله - الذي هو الصوابُ؛ أن كنزَ الفضةِ والذهبِ الذي يُكْوَى به صاحبُه هو ما مَنَعَ فيه حَقَّ اللَّهِ من الزكاةِ (١)، أما ما أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ، وَأُخْرِجَ حَقُّ اللَّهِ الواجبُ فيه، فالباقِي بعدَ هذا لا يُسَمَّى كَنْزًا، وإن كان تحتَ الأرضِ، ولا يُكْوَى به صاحبُه، هذا هو المذهبُ الحقُّ - إن شاء الله - وأدلتُه واضحةٌ، وبراهينُه ساطعةٌ لَا شَكَّ فيها؛ لأن اللَّهَ أَوْجَبَ في مالِ الإنسانِ من ذَهَبِهِ أو فضتِه أو مَاشِيَتِهِ أو ثمارِه وزروعِه، وَكُلُّ ذلك أَوْجَبَ فيه حَقًّا مُعَيَّنًا في أقدارٍ معينةٍ بَيَّنَهَا رسولُ الله ﷺ ، بَيَّنَ أنها هي الحقُّ في مالِ الإنسانِ، وأن أَخْذَهَا يُطَهِّرُ الإنسانَ وَيُطَهِّرُ له مالَه، فإذا أَدَّى ما أوجبَه اللَّهُ عليه وَأَمَرَهُ به فقد طَهُرَ هو وَطَهُرَ مالُه، ولم يَبْقَ فيه شيءٌ عليه تَبَعَةٌ؛ لأن اللَّهَ لو كان يكوي به جنبَه ووجهَه وظهرَه فلا فائدةَ في دفعِ الزكاةِ إذا كان المالُ يَلْزَمُ أن ينفقَه كُلَّهُ، فلا وجهَ للزكاةِ ولا محلَّ للمواريثِ؛ لأن الفرائضَ والمواريثَ التي نَزَلَ بها كتابُ اللَّهِ إنما هي في أموالٍ تبقى بعد صاحبِها، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ فيه - إن شاء الله - أن الكنزَ الذي يُكْوَى به صاحبُه هو ما مَنَعَ فيه حَقَّ اللَّهِ ولم يُؤَدِّ زكاتَه، أما ما أَدَّى زكاتَه وأعطى حَقَّ اللَّهِ فيه فليس بكنزٍ ولا يُكْوَى به، فإن شَاءَ أكثرَ من التطوعِ، وإن شاء أَمْسَكَ لنفسِه، والقدرُ الواجبُ أَوْجَبَ اللَّهُ أَخْذَهُ مُعَيَّنًا بتحديدٍ من رسولِه ﷺ ، وَمِمَّا يوضحُ هذا قولُه [لرسولِه] (٢) ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: آية ١٠٣] وهي الزكاةُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ أَخْذَهَا يُطَهِّرُهُمْ ويزكيهم. وفي حديثِ ضمام بنِ ثعلبةَ لَمَّا أَمَرَهُ النبيُّ بدعائمِ

стр. 2857

الإسلامِ، وَذَكَرَ له فرضَ الزكاةِ، قال: هَلْ عَلَيَّ غيرُها؟ قال: «لَا إِلَاّ أَنْ تَطَوَّعَ» (١). فهذا هو الحقُّ - إن شاء الله - أنّ ما أُدِّيَتْ زكاتُه فليس بكنزٍ ولو تحتَ الأرضِ، وما لم تُؤَدَّ زكاتُه فهو كنزٌ يُكْوَى به صاحبُه وإن كان ظاهرًا على وجهِ الأرضِ. قال ابنُ خويز منداد من المالكيةِ: هذه الآيةُ من سورةِ براءةٍ تَضَمَّنَتْ زكاةَ العينِ (٢). يعنِي بالعينِ: النَّقْدَيْنِ، الذهبَ والفضةَ. ونحن عادةً في هذه الدروسِ إذا مَرَرْنَا بآيةٍ من كتابِ اللَّهِ هي أصلُ بابٍ من أبوابِ الفقهِ نتعرضُ إلى مسائلِه الكبارِ، ونبينُ عيونَها ومسائلَها التي لها أهميةٌ، وهذه الآيةُ الكريمةُ على التحقيقِ فيها كأنها تشيرُ إلى الزكاةِ، وأن مَنْ لَمْ يُؤَدِّهَا أنه يُكْوَى بذلك المالِ الذي لم يُؤَدِّ زكاتَه كما سيأتِي في حديثِ مسلمٍ. اعْلَمُوا أن المسلمينَ أَجْمَعُوا على وجوبِ زكاةِ الفضةِ والذهبِ، وأن النبيَّ ﷺ لا خلافَ بَيْنَ العلماءِ مِنْ كافةِ المسلمينَ أنه - بَيَّنَ قَدْرَ نصابِ الفضةِ وقدرَ الواجبِ فيها، فَبَيَّنَ أن نصابَ الفضةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ شرعيٍّ، وأنها خمسةُ أواقٍ، والأوقيةُ: أربعونَ درهمًا، وأن قدرَ الواجبِ منها: ربعُ الْعُشْرِ (٣)، هذا أمرٌ لا شَكَّ فيه، أن مِائَتَيْ درهمٍ ففيها زكاةٌ يخرج منها ربعُ عُشْرِهَا، وليس في أقلَّ من مِائَتَيْ درهم شرعي زكاة. والدرهمُ الشرعيُّ: قال علماءُ المالكيةِ بالتحديدِ: ينبغي أن يكونَ بوزنِ أهلِ مكةَ الأولِ المتعارفِ؛ لِمَا ثَبَتَ

стр. 2858

عَنِ ابنِ عمرَ عند النسائيِّ وأبي داودَ أن النبيَّ ﷺ قال: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ» (١) فالخمسةُ الأوسقُ تُعْرَفُ بصاعِ النبيِّ ﷺ في المدينةِ، ومائتا درهمٍ - نصابُ الفضةِ - تُعْرَفُ بالوزنِ الذي كان مَعْرُوفًا عِنْدَ أهلِ مكةَ. وقد حَرَّرَ علماءُ المالكيةِ الأَمْرَيْنِ (٢) وقالوا: إن الدرهمَ المكيَّ الشرعيَّ وزنُه خمسونَ وخُمسا حبةٍ من مطلقِ الشعيرِ. هكذا الذي يقولونَ، وزاد بعضُهم: سُبْعُ الحبةِ. والتحقيقُ عندَهم هو هذا، فإذا كان عندَ الإنسانِ مائتا درهمٍ شرعية فإنه يَجِبُ عليه زكاتُها وإخراجُ ربعِ عُشْرِهَا كما هو معلومٌ، وهذا لا نزاعَ فيه بين العلماءِ. وَكُلُّ درهمٍ ستةُ دوانقَ، وكلُّ عشرةِ دراهمَ سبعةُ مثاقيلَ، وأربعونَ درهمًا هي الأوقيةُ. وهذا معروفٌ لَا نِزَاعَ فيه.

стр. 2859

وأكثرُ العلماءِ على أن الفضةَ لَا وَقْصَ فيها (١)، فإذا كانت عنده مائتا درهمٍ أَخْرَجَ ربعَ عُشْرِهَا، وَكُلُّ ما زَادَ فَبِحِسَابِهِ. وقال بعضُ العلماءِ: إذا زَادَ عن مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لم يكن عليه شيءٌ حتى يبلغَ الأربعينَ درهمًا. أما الذهبُ فقد ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أنه لم يَثْبُتْ فيه تحديدٌ مِنَ النبيِّ ﷺ لا فِي نصابِه ولا في الْمُخْرَجِ منه (٢)، وهذا مرويٌّ عن الشافعيِّ، وقاله ابنُ عبدِ البرِّ، وَبَالَغَ ابنُ حزمٍ في نصرِه، أن النبيَّ لم يَثْبُتْ عنه شيءٌ في تحديدِ نصابِ الذهبِ ولَا في قدرِ الْمُخْرَجِ منه. والتحقيقُ أن النبيَّ ﷺ ثَبَتَ عنه قدرُ نصابِ الذهبِ وقدرُ الْمُخْرَجِ منه، وأن نصابَ الذهبِ عشرونَ دِينَارًا ليس فيما دُونَهَا صدقةٌ، وأن في الذهبِ مثلَ ما في الفضةِ ربع العشر. اعْلَمُوا أولاً أن الكتابَ والسنةَ وإجماعَ المسلمينَ كُلُّ واحدٍ منها قَدْ دَلَّ على أن الزكاةَ تَجِبُ في الذهبِ، وقد دَلَّ عليه القرآنُ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ﴾ الآيةَ [التوبة: آية ٣٤]. وَدَلَّتْ عليه السنةُ الصحيحةُ الثابتةُ عن النبيِّ ﷺ ، من ذلك ما ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أبِي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُخْرِجُ مِنْهُمَا حَقَّهَا إِلَاّ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَظَهْرُهُ وَوَجْهُهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا

стр. 2860

إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (١) فهذا نَصٌّ صَحِيحٌ ثَابِتٌ في صحيحِ مسلمٍ أن الذهبَ تَجِبُ فيه الزكاةُ، وأن مَنْ لَمْ يُؤَدِّ زكاتَه يكوى به يومَ القيامةِ، وَيُصَفَّحُ له صفائحَ من نارٍ. إذا عرفتُم أن أصلَ زكاةِ الذهبِ واجبةٌ بالكتابِ والسنةِ والإجماعِ، فبيانُ تحديدِ النصابِ وقدرِ الْمُخْرَجِ منه كأنه بيانٌ لإجمالٍ من كتابِ الله، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ ما يُبَيِّنُ هذا الإجمالَ ويوضحُه، وَيُعَيِّنُ قَدْرَ نصابِ الذهبِ، وقدرَ الواجبِ إخراجُه فيه، وهو ما رَوَاهُ أبو داودَ في سُنَنِهِ من طريقِ أبِي إسحاقَ عن عاصمِ بنِ ضمرةَ السلوليِّ والحارثِ الأعورِ الهمذانيِّ عن عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال ما معناه: «إِنَّ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ نِصْفَ دِينَارٍ» (٢). وهذا بِعَيْنِهِ تحديدُ النصابِ بعشرينَ دينارًا، وتحديدُ الواجبِ فيه بربعِ الْعُشْرِ، هذا الحديثُ رواه أبو داودَ وَسَكَتَ عنه. ومعروفٌ أن كثيرًا من العلماءِ نَاقَشُوا في هذا الحديثِ وَضَعَّفُوهُ بالحارثِ الأعورِ، وقالوا: وعاصمُ بنُ ضمرةَ السلوليُّ ضعيفٌ أيضًا، فَضَعَّفُوا هذا الحديثَ. ونحن نقول (٣): إن هذا الحديثَ عِنْدَ المناقشةِ الصادقةِ ليسَ بضعيفٍ، وأن الحارثَ الأعورَ وإن كان ضعيفًا عند قومٍ -وإن وَثَّقَهُ

стр. 2861

ابنُ المدينيِّ وغيرُه (١) - فقد ضَعَّفَهُ أكثرُ العلماءِ. أما عاصمُ بنُ ضمرةَ فالتحقيقُ أنه صدوقٌ أَثْنَى عليه غيرُ واحدٍ، وهو لا بأسَ به، فروايتُه

стр. 2862

مُحْتَجٌّ بها وهي معتضدةٌ بأشياءٍ عديدةٍ تقومُ بها الروايةُ الضعيفةُ أَحْرَى التي هي غيرُ ضعيفةٍ؛ لأَنَّ روايتَه معتضدةٌ بروايةِ الحارثِ الأعورِ، وهو يُقْبلُ في المتابعاتِ والشواهدِ، ومعتضدةٌ بإجماعِ المسلمينَ على مقتضاه؛ لأن هذا الحديثَ أَجْمَعَ على مُقْتَضَاهُ عامةُ المسلمينَ ولم يخالف منهم أحدٌ إلا شيء يُرْوَى عن داودَ الظاهريِّ وبعضِ أتباعِه، أما فقهاءُ الأمصارِ والصحابةُ والأئمةُ الأربعةُ وأصحابُهم وكافةُ العلماءِ المعروفينَ لم يُخَالِفْ أحدٌ منهم في أن نصابَ الذهبِ عشرونَ دينارًا، وأن الواجبَ فيه ربعُ العُشْرِ كالفضةِ، ورُوي عن الحسنِ البصريِّ أن نصابَه أربعونَ (١)، وعن طاووسٍ أنه يقاسُ بالفضةِ، فَمَا بَلَغَ من الذهبِ قيمةَ مائتي درهمٍ كانت فيه الزكاةُ، وما دُونَ ذلك فَلَا. وهذا لا يكادُ يُلْتَفَتُ إليه (٢) لكثرةِ مَنْ خَالَفَهُ من أَجِلَاّءِ العلماءِ من الصحابةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. فحديثُ عاصمِ بنِ ضمرةَ حجةٌ، وهو معتضدٌ بروايةِ الحارثِ الأعورِ، وبإجماعِ المسلمينَ، وهذا إنما هو بيانٌ لأمرٍ ثَبَتَ بالكتابِ والسنةِ والإجماعِ أنه واجبٌ، ومعلومٌ أن البيانَ إرشادٌ

стр. 2863

ودلالةٌ، وهو يصحُّ في كُلِّ شيءٍ يَجْلُو الجهالةَ والإجمالَ. وهذا هو التحقيقُ -إن شاء الله- أن نصابَ الذهبِ عشرونَ مِثْقَالاً، وأن الواجبَ فيها ربعُ العشرِ، وأنه لا وَقْصَ فيه فما زَادَ فَبِحِسَابِهِ. فإن كان عندَه بعضُ النصابِ من الذهبِ وبعضُه من الفضةِ فهل يضمُّ الفضةَ للذهبِ (١)؟ ليس في ذلك نَصٌّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأنظارُ العلماءِ اختلفت فيه، فَذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى أنه لا يُضَمُّ الذهبُ إلى الفضةِ ولا الفضةُ إلى الذهبِ في الزكاةِ، وتوقفَ في هذا الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ في روايةِ الأثرمِ، وَقَطَعَ في روايةِ حنبلٍ أنه لَا يُضَمُّ أحدُهما إلى الآخَرِ (٢). فَمَنْ كانت عنده عشرةُ مثاقيلَ ومائةُ درهمٍ لا زكاةَ عليه على هذا، وبهذا قال الإمامُ الشافعيُّ وأكثرُ أصحابِه في طائفةٍ كثيرةٍ من العلماءِ. وقال مالكُ بنُ أنسٍ وأصحابُه: يُضَمُّ الذهبُ إلى الفضةِ فيكونُ النصابُ منهما معًا. وهو مَرْوِيٌّ عن أبي حنيفةَ (رحمة الله) على الجميعِ. وعلى هذا فلو كان عنده مائةُ درهمٍ وعشرةُ دنانيرَ وَجَبَتْ عليه الزكاةُ، فَأَخْرَجَ من الدنانيرِ ربعَ عُشْرِهَا، ومن الدراهمِ ربعَ عُشْرِهَا وهكذا. وَاعْلَمُوا أن مِنْ توابعِ هذه المسألةِ أشياء اختلفَ فيها العلماءُ سنذكرُ طرفًا منها، من ذلك: إذا كان الذهبُ والفضةُ حُلِيًّا مَصُوغًا مُبَاحًا تتزينُ به النساءُ، هل تجبُ فيه الزكاةُ أو لا (٣)؟ اختلف فيه

стр. 2864

العلماءُ وفقهاءُ الأمصارِ والصحابةُ فَمَنْ بعدَهم، فذهب كثيرٌ من العلماءِ إلى أنه لا زكاةَ في الْحُلِيِّ المباحِ، منهم مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وأصحابُهما وَخَلْقٌ لَا يُحْصَى من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم. وذهب آخرونَ إلى أن الحليَّ المباحَ تجبُ فيه الزكاةُ، وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه وخلقٌ من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم. واحتجَّ كُلٌّ بحججٍ، أما الذين قالوا: لا تَجِبُ فيه الزكاةُ فإنما احْتَجُّوا بحديثٍ جاء في ذلك وآثارٌ عن الصحابةِ، واحتجوا بوضعِ اللغةِ، أما الحديثُ الذي جاء في ذلك هو حديثٌ رواه البيهقيُّ في كتابِ معرفةِ السننِ والآثارِ، رواه من طريقِ عافيةَ بنِ أيوبَ عن الليثِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبيرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قال: «لَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ» (١). هذا الحديثُ قال الآخرونَ: لا يجوزُ الاحتجاجُ به؛ لأن عافيةَ بنَ أيوبَ مجهولٌ، وَغَالَى البيهقيُّ ﵀ فقال: إن العملَ بحديثِ عافيةَ هذا من جنسِ العملِ بأحاديثِ الكذابينَ. ونحن نقول: إن هذه مغالاةٌ منه ﵀؛ لأن عافيةَ بنَ أيوبَ لم يَقُلْ فيه أحدٌ إنه كذَّابٌ، وغايةُ ما في البابِ أن البيهقيَّ ظَنَّ أنه مجهولٌ، وقد وَثَّقَهُ غيرُ البيهقيِّ، فقد نقل ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِ

стр. 2865

الجرحِ والتعديلِ عن أبي زرعةَ أنه وَثَّقَ عافيةَ بنَ أيوبَ هذا وقال: لَا بأسَ به (١). وقال ابن الجوزيِّ في جَرْحِهِ وتعديلِه: لَا أعلمُ فيه قادحًا ولا جرحًا (٢). فدعوى أنه من الكذابينَ ليس بصحيحٍ. وَاحْتَجُّوا بآثارٍ من الصحابةِ كثيرةٍ؛ لأنه جاءت آثارٌ عن الصحابةِ أنهم لا يُخْرِجُونَ زكاةَ الْحُلِيِّ، وهو ثابتٌ عن عائشةَ (٣) وابنِ عمرَ (٤) وجماعةٍ من الصحابةِ ﵃ وَاحْتَجُّوا بالقياسِ، ومعلومٌ أن القياسَ يُسْتَعْمَلُ مع النصِّ إذا كان لتعضيدِ النصِّ لا لِيُخَالِفَهُ؛ لأن النصوصَ لَا مانعَ من اعتضادِ بعضِها بعضًا، وقد تَقَرَّرَ في الأصولِ (٥) أن النصَّ الذي يُوَافِق (٦) [القياسَ مُقَدَّمٌ في حالِ الترجيحِ]. النوعُ الثانِي من القياسِ: وهو المعروفُ عندَهم بـ (قياسِ العكسِ)، وقياسُ العكسِ قال جماعةٌ من الأصوليينَ: يُحْتَجُّ به،

стр. 2866

وَأَبَى الاحتجاجَ به جماعةٌ آخرونَ (١). وقياسُ العكسِ قد نَبَّهَ عليه النبيُّ ﷺ في الحديثِ الثابتِ في صحيحِ مسلمٍ؛ لأنه ﷺ لَمَّا قَالَ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ أَجْرٌ» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أيأتِي أحدُنا شهوتَه وله فيها أَجْرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» (٢) فهذا قياسُ عكسٍ، وهو إعطاءُ حكمٍ عكسَ حكمٍ لتعاكسِهما في العلةِ (٣). قالوا: وكذلك هنا في الْحُلِيِّ المباحِ، فإن العروضَ لا تجبُ الزكاةُ في عَيْنِهَا، فإذا كانت للتجارةِ وَجَبَتِ الزكاةُ في عينِها، عكسَ الذهبِ والفضةِ، فإن الزكاةَ في عينِها، فإذا انقطعَ عنها اسمُ النماءِ والتجارةِ صَارَتْ لَا زكاةَ فيها، من قياسِ العكسِ. ومن أمثلةِ قياسِ العكسِ عندَ المالكيةِ مِمَّا اختلفوا مع غيرِهم في القيءِ: هل ينقضُ الوضوءَ أو لا؟ قالوا: لا ينقضُ الوضوءَ كثيرُ القيءِ، قياسًا على قليلِ القيءِ، عكسَ البولِ، فإنه لَمَّا انتفضَ الوضوءُ بقليلِه انتقضَ بكثيرِه. ومن أمثلةِ قياسِ العكسِ عندَ الحنفيةِ قولُهم: لَا قصاصَ في القتلِ بكبيرِ الْمُثَقَّلِ، كعمودِ الحديدِ والصخرةِ، قياسًا على صغيرِ الْمُثَقَّلِ، كالقضيبِ الذي لا قصاصَ في الضربِ به، عكسَ الْمُحَدَّدِ، فإنه لَمَّا وَجَبَ القصاصُ في قليلِه وجبَ في كثيرِه. هذا هو غالبُ حجةِ أهلِ هذا القولِ الذين قالوا: لا زكاةَ في الْحُلِيِّ.

стр. 2867

أما الذين قالوا: تجبُ في الحليِّ المباحِ زكاةٌ فاحتجوا أيضًا بأحاديثَ جاءت عن النبيِّ ﷺ ، وبآثارٍ عن السلفِ، وبوضعِ اللغةِ، وبالقياسِ أيضًا (١). أما وضعُ اللغةِ مِنْ حجةِ الأولينَ فقولُهم: إنه ﷺ قال: «وَفِي الرِّقَّةِ (٢) رُبُعُ الْعُشْرِ» (٣) وقال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (٤). قالوا: والورقُ لا تُطْلَقُ إلا على الدراهمِ المنقوشةِ، ولا تطلقُ على الحليِّ. هذا من حجةِ الأولينَ بالوضعِ اللغويِّ. وأما الذين قالوا: تجبُ الزكاةُ فيه فاحتجوا أيضًا بأحاديثَ جاءت عن النبيِّ ﷺ ، وآثارٍ عن السلفِ، وبالقياسِ، وبوضعِ اللغةِ أيضًا.

стр. 2868

ومن الأحاديثِ الدالةِ على ذلك: ما رواه أبو داودَ والنسائيُّ من طريقِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ - وَجَدُّهُ: هو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ ﵄ - أن النبيَّ ﷺ دَخَلَتْ عليه امرأةٌ ومعها ابنتُها، وفي يدِ ابنتِها مَسَكَتَانِ غليظتانِ من ذهبٍ - يعني سِوَارَيْنِ من ذَهَبٍ - فقال لها: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟» فقالت: لَا. فقال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟!» فخلعتهما فقالت: هُمَا لِلَّهِ ولرسولِه (١).

стр. 2869

هذا الحديثُ أخرجَه أبو داودَ والنسائيُّ من طريقِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ. والتحقيقُ أن روايةَ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ - مع ما فيها من الكلامِ - أنها يصحُّ الاحتجاجُ بها، وأنها ليست بضعيفةٍ. وقال الترمذيُّ في هذا الحديثِ: لم يَرِدْ من طريقٍ صحيحةٍ (١) وَذَكَرَهُ من طُرُقٍ كلُّها ضعيفةٌ، ولم يَطَّلِعْ على روايةِ حسينٍ الْمُعَلِّمِ له. والتحقيقُ أنه جاء من روايةٍ أَقَلُّ درجاتِها الحسنُ، فلا شَكَّ في الاحتجاجِ بهذا الحديثِ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وهذا روي أيضًا عن غيرها. وقد أخرج أبو داودَ في سُنَنِهِ أيضًا عن أُمِّ سَلَمَةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها كانت تَلْبَسُ أوضاحًا من ذَهَبٍ، فسألت رسولَ اللَّهِ فقالت: أَكَنْزٌ هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَأُدِّيَتْ زَكَاتُهُ لَيْسَ بِكَنْزٍ» (٢) فهذا يدلُّ على أن الأوضاحَ التي تَتَزَيَّنُ بها

стр. 2870

من حُلِيِّهَا أن فيها الزكاةَ. ويعتضدُ هذا بحديثِ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ دخل عليها وفي يدِها فَتَخَاتٌ من فضةٍ - والفتخاتُ: نوعٌ من الخواتمِ لا فصوصَ له، وقد يكونُ في أصابعِ اليدِ، وقد يُجْعَلُ في أصابعِ الرِّجْلِ- فقال: «مَا هَذِهِ؟» قالت: فقلتُ: شيءٌ صنعتُه لأَتَزَيَّنَ لكَ به! فقال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهَا؟» قالت: لَا، قال: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» (١). واستدلوا أيضًا بحديثِ أسماءَ بنتِ يزيدَ بنِ السكنِ قالت: دخلتُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ أنا وخالتي، وعلينا أساورُ من ذهبٍ، فقال: «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاةَ هَذَا؟» فقلنا: لا. فقال: «أَدِّيَا زَكَاتَهُ، أَيَسُرُّكُمَا أَنْ تُسَوَّرَا بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» (٢). فهذه أربعةٌ من

стр. 2871

أصحابِ رسولِ اللَّهِ يَرْوُونَ عنه وجوبَ الزكاةِ في الحليِّ: ابنُ عمرِو بنِ العاصِ، وَأُمُّ سلمةَ، وعائشةُ، وأسماءُ بنتُ يزيدَ، وَعَضَّدُوا هذا أيضًا بالقياسِ. وَوَرَدَ فيه آثارٌ عن الصحابةِ أيضًا، كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ يأمرُ خازنَه أن يُخْرِجَ زكاةَ حُلِيِّ بناتِه (١). واستدلوا بالقياسِ، قالوا: تجبُ الزكاةُ في الذهبِ والفضةِ في المصوغِ منهما كما جَازَتْ في المسكوكِ والمسبوكِ، بجامعِ أن الكلَّ أصلُه من ذهبٍ وفضةٍ، أصلُه من عَيْنٍ وَجَبَتْ فيها الزكاةُ. واحتجوا بوضعِ اللغةِ، قالوا: إن أصلَ الْحُلِيِّ المصوغِ أصلُه يقال له ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، والصنعةُ لا تُذْهِبُ حكمَ الأصلِ، ولا تنقلُ اسمَه من كُلِّ الوجوهِ. هذا حاصلُ ما احتجَّ به هؤلاءِ، وما احتجَّ به هؤلاء، ومعلومٌ أن العقولَ إذا ازْدَحَمَتْ في مثلِ هذا وتشابهتِ الأدلةُ أن النبيَّ ﷺ أَلْقَى على مثل هذا أنوارًا نبويةً وأضواءً عظيمةً من ضوءِ النبوةِ تُبَيِّنُ المخرجَ الصحيحَ منه، وهو قولُه ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٢)،

стр. 2872

«فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (١) فلا ينبغِي للإنسانِ إلا أن يزكيَ حُلِيَّ امرأتِه وبناتِه للخروجِ من عهدةِ التكليفِ؛ لأن مَنْ زَكَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا منه بلا نزاعٍ، وَمَنْ [لم يُزَكِّهِ] (٢) كان في قيلٍ وقال، جماعةٌ يقولونَ: لَا عليكَ، وجماعة يقولونَ: إن زكاةَ الحليِّ واجبٌ. ومما يدخلُ تحتَ هذه المسألةِ: زكاةُ العروضِ الْمُعَدَّةِ للبيعِ والشراءِ (٣). أَجْمَعَ عامةُ علماءِ المسلمينَ على أن عروضَ التجارةِ

стр. 2873

تجبُ فيها الزكاةُ، وأنها تُزَكَّى مثلَ زكاةِ العينِ، تُقَوَّمُ عند الْحَوْلِ، ما يُشْتَرَى منها بالذهبِ يُقوَّمُ بالذهبِ، وما يُشْتَرَى بالفضةِ يُقوَّمُ بالفضةِ. قال هذا بعضُ العلماءِ، ثم يُخْرَجُ ربعُ عُشْرِهَا، وهذا لا نعلمُ خلافًا فيه إلا شيء يُروى عن داودَ الظاهريِّ وبعضِ أتباعِه (١). وأما عامةُ الصحابةِ، وفقهاءُ الأمصارِ، ومنهم الأئمةُ الأربعةُ، وأتباعُهم، على وجوبِ الزكاةِ في عروضِ التجارةِ، واستدلوا لذلك بِأَدِلَّةٍ منها أحاديثُ جاءت بذلك عن النبيِّ ﷺ منها: ما أَخْرَجَهُ الحاكمُ بِإِسْنَادَيْنِ وقال: «كلاهما صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ» وأخرجَه الدارقطنيُّ والبيهقيُّ أن النبيَّ ﷺ قال: «فِي الإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهَا» (٢) وَالْبَزُّ: يشملُ جميعَ ما يُلْبَسُ وهذه من

стр. 2874

عروضِ التجارةِ. وهذا الحديثُ فيه مناقشاتٌ طويلةٌ عريضةٌ معروفةٌ يطولُ ذِكْرُهَا. وجميعُ هذه المسائلِ قد بَيَّنَّا مناقشاتِ العلماءِ فيها في الذهبِ والفضةِ، والتجاراتِ، والمعادنِ، والديونِ في كتابنا: (أضواء البيان) في الكلامِ على هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ براءةٍ (١). والحاصلُ: أنه جاء عن أبي ذَرٍّ وعن سَمُرَةَ بنِ جندبٍ الفزاريِّ ﵁ كِلَاهُمَا جاء عنه حديثٌ يدلُّ على زكاةِ عروضِ التجارةِ، أما حديثُ أبي ذَرٍّ فقد ذَكَرْنَاهُ. وأما حديثُ سمرةَ بنِ جندبٍ الذي رَوَاهُ عنه أبو داودَ أن النبيَّ ﷺ كان يأمرُنا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مِمَّا نُعِدُّ للبيعِ (٢). وفي مناقشاتٍ طويلةٍ عريضةٍ، فَمِنْ مضعِّف

стр. 2875

ومصحِّح، وجماعةٌ صَحَّحُوا حديثَ الحاكمِ، وصحَّحه الحاكمُ، وانتصرَ كثيرٌ لتصحيحِه، ولا شَكَّ أنه معتضدٌ بإجماعِ المسلمينَ في عهدِ الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم على أن عروضَ التجارةِ تجبُ فيها الزكاةُ. وقد ثَبَتَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنه أَخَذَ زكاةَ الجلودِ من حِمَاس، فعن أبِي عمرِو بنِ حِمَاس أن أباه مَرَّ بعمرَ بنِ الخطابِ يحملُ جلودًا فقال: هل أديتَ زكاةَ هذا؟ - في جلودٍ يَتَّجِرُ بها - فقال: لَا، قال: هذا مالٌ، فحسبوه فوجدوا الزكاةَ قد وَجَبَتْ فيه، فأخذ منه زكاةَ الجلودِ (١). فهذا ثابتٌ عن عمرَ بنِ الخطابِ ولم يُخَالِفْهُ أحدٌ من الصحابةِ، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الزكاةِ في عروضِ التجارةِ. ما زكاةُ الديونِ، وهل تَمْنَعُ الديونُ الزكاةَ من المالِ أو لا (٢)؟ فليس في ذلك شيءٌ عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنه لم يَرِدْ عن رسولِ اللَّهِ شيءٌ في زكاةِ الدَّيْنِ، ولا هَلْ هو مُسْقِطٌ للزكاةِ أو لا؟ والعلماءُ مختلفونَ فيه، فاختلفوا في زكاةِ الدَّيْنِ، فكان مالكُ بنُ أنسٍ ﵀
следующие страницы →