← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

أصحابِ رسولِ اللَّهِ يَرْوُونَ عنه وجوبَ الزكاةِ في الحليِّ: ابنُ عمرِو بنِ العاصِ، وَأُمُّ سلمةَ، وعائشةُ، وأسماءُ بنتُ يزيدَ، وَعَضَّدُوا هذا أيضًا بالقياسِ. وَوَرَدَ فيه آثارٌ عن الصحابةِ أيضًا، كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ يأمرُ خازنَه أن يُخْرِجَ زكاةَ حُلِيِّ بناتِه (١). واستدلوا بالقياسِ، قالوا: تجبُ الزكاةُ في الذهبِ والفضةِ في المصوغِ منهما كما جَازَتْ في المسكوكِ والمسبوكِ، بجامعِ أن الكلَّ أصلُه من ذهبٍ وفضةٍ، أصلُه من عَيْنٍ وَجَبَتْ فيها الزكاةُ. واحتجوا بوضعِ اللغةِ، قالوا: إن أصلَ الْحُلِيِّ المصوغِ أصلُه يقال له ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، والصنعةُ لا تُذْهِبُ حكمَ الأصلِ، ولا تنقلُ اسمَه من كُلِّ الوجوهِ. هذا حاصلُ ما احتجَّ به هؤلاءِ، وما احتجَّ به هؤلاء، ومعلومٌ أن العقولَ إذا ازْدَحَمَتْ في مثلِ هذا وتشابهتِ الأدلةُ أن النبيَّ ﷺ أَلْقَى على مثل هذا أنوارًا نبويةً وأضواءً عظيمةً من ضوءِ النبوةِ تُبَيِّنُ المخرجَ الصحيحَ منه، وهو قولُه ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٢)،

стр. 2872

«فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (١) فلا ينبغِي للإنسانِ إلا أن يزكيَ حُلِيَّ امرأتِه وبناتِه للخروجِ من عهدةِ التكليفِ؛ لأن مَنْ زَكَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا منه بلا نزاعٍ، وَمَنْ [لم يُزَكِّهِ] (٢) كان في قيلٍ وقال، جماعةٌ يقولونَ: لَا عليكَ، وجماعة يقولونَ: إن زكاةَ الحليِّ واجبٌ. ومما يدخلُ تحتَ هذه المسألةِ: زكاةُ العروضِ الْمُعَدَّةِ للبيعِ والشراءِ (٣). أَجْمَعَ عامةُ علماءِ المسلمينَ على أن عروضَ التجارةِ

стр. 2873

تجبُ فيها الزكاةُ، وأنها تُزَكَّى مثلَ زكاةِ العينِ، تُقَوَّمُ عند الْحَوْلِ، ما يُشْتَرَى منها بالذهبِ يُقوَّمُ بالذهبِ، وما يُشْتَرَى بالفضةِ يُقوَّمُ بالفضةِ. قال هذا بعضُ العلماءِ، ثم يُخْرَجُ ربعُ عُشْرِهَا، وهذا لا نعلمُ خلافًا فيه إلا شيء يُروى عن داودَ الظاهريِّ وبعضِ أتباعِه (١). وأما عامةُ الصحابةِ، وفقهاءُ الأمصارِ، ومنهم الأئمةُ الأربعةُ، وأتباعُهم، على وجوبِ الزكاةِ في عروضِ التجارةِ، واستدلوا لذلك بِأَدِلَّةٍ منها أحاديثُ جاءت بذلك عن النبيِّ ﷺ منها: ما أَخْرَجَهُ الحاكمُ بِإِسْنَادَيْنِ وقال: «كلاهما صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ» وأخرجَه الدارقطنيُّ والبيهقيُّ أن النبيَّ ﷺ قال: «فِي الإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهَا» (٢) وَالْبَزُّ: يشملُ جميعَ ما يُلْبَسُ وهذه من

стр. 2874

عروضِ التجارةِ. وهذا الحديثُ فيه مناقشاتٌ طويلةٌ عريضةٌ معروفةٌ يطولُ ذِكْرُهَا. وجميعُ هذه المسائلِ قد بَيَّنَّا مناقشاتِ العلماءِ فيها في الذهبِ والفضةِ، والتجاراتِ، والمعادنِ، والديونِ في كتابنا: (أضواء البيان) في الكلامِ على هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ براءةٍ (١). والحاصلُ: أنه جاء عن أبي ذَرٍّ وعن سَمُرَةَ بنِ جندبٍ الفزاريِّ ﵁ كِلَاهُمَا جاء عنه حديثٌ يدلُّ على زكاةِ عروضِ التجارةِ، أما حديثُ أبي ذَرٍّ فقد ذَكَرْنَاهُ. وأما حديثُ سمرةَ بنِ جندبٍ الذي رَوَاهُ عنه أبو داودَ أن النبيَّ ﷺ كان يأمرُنا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مِمَّا نُعِدُّ للبيعِ (٢). وفي مناقشاتٍ طويلةٍ عريضةٍ، فَمِنْ مضعِّف

стр. 2875

ومصحِّح، وجماعةٌ صَحَّحُوا حديثَ الحاكمِ، وصحَّحه الحاكمُ، وانتصرَ كثيرٌ لتصحيحِه، ولا شَكَّ أنه معتضدٌ بإجماعِ المسلمينَ في عهدِ الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم على أن عروضَ التجارةِ تجبُ فيها الزكاةُ. وقد ثَبَتَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنه أَخَذَ زكاةَ الجلودِ من حِمَاس، فعن أبِي عمرِو بنِ حِمَاس أن أباه مَرَّ بعمرَ بنِ الخطابِ يحملُ جلودًا فقال: هل أديتَ زكاةَ هذا؟ - في جلودٍ يَتَّجِرُ بها - فقال: لَا، قال: هذا مالٌ، فحسبوه فوجدوا الزكاةَ قد وَجَبَتْ فيه، فأخذ منه زكاةَ الجلودِ (١). فهذا ثابتٌ عن عمرَ بنِ الخطابِ ولم يُخَالِفْهُ أحدٌ من الصحابةِ، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الزكاةِ في عروضِ التجارةِ. ما زكاةُ الديونِ، وهل تَمْنَعُ الديونُ الزكاةَ من المالِ أو لا (٢)؟ فليس في ذلك شيءٌ عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنه لم يَرِدْ عن رسولِ اللَّهِ شيءٌ في زكاةِ الدَّيْنِ، ولا هَلْ هو مُسْقِطٌ للزكاةِ أو لا؟ والعلماءُ مختلفونَ فيه، فاختلفوا في زكاةِ الدَّيْنِ، فكان مالكُ بنُ أنسٍ ﵀

стр. 2876

يرى على التاجرِ المديرِ (١) أن يزكيَ دينَه، يزكي الحالَّ منه على الْمُوسِرِينَ بالعددِ، والمؤجلَ يزكيه بالقيمةِ؛ لأنه يُزَكِّي الدَّيْنَ مع عروضِ التجارةِ. وإذا كان الدَّيْنُ على حالٍّ مَلِيءٍ موسرٍ مُقِرٍّ وعليه بَيِّنَةٌ فَمَالِكٌ يقولُ: إن مثلَ هذا كمثلِ الشيءِ الذي في صندوقِه؛ لأَنَّ القدرةَ على التحصيلِ حصولٌ، فَيُزَكِّيهِ بالعددِ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال آخرونَ: لَا يُزَكِّيهِ إلا إذا قَبَضَهُ. في تشاعيبَ وأقوالٍ معروفةٍ. وهل يُسْقِطُ الدَّيْنُ الزكاةَ أو لا (٢)؟ لا نَصَّ فيه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، والعلماءُ مختلفونَ فيه، وأقوالُهم مع كثرتِها متشابهةٌ ترجِع إلى ثلاثةِ مذاهبَ: قومٌ قالوا: إن الدَّيْنَ لا يُسْقِطُ شيئًا من الزكاةِ، وقومٌ قالوا: يُسْقِطُهَا كُلَّهَا. وقومٌ فَرَّقُوا بينَ الأموالِ الظاهرةِ والباطنةِ، قالوا: يُسْقِطُ الدَّيْنُ الزكاةَ في الأموالِ الباطنةِ. والأموالُ الباطنةُ: هي الذهبُ، والفضةُ، وعروضُ التجارةِ، فهذه يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ. والأموالُ الظاهرةُ: هي المواشِي والثمارُ والحبوبُ والمعادنُ، قالوا: زكاةُ هذه لا يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ؛ لأنها ظاهرةٌ، والزكاةُ واجبةٌ في عَيْنِهَا في أقوالٍ معروفةٍ. ومن المسائلِ التي اختلفوا فيها: زكاةُ المعادنِ (٣) وَقَدْرُ

стр. 2877

الواجبِ فيها، فَذَهَبَ مالكٌ والشافعيُّ أنه: لا يَجِبُ في زكاةِ المعادنِ إلا في معدنِ الذهبِ والفضةِ خاصةً؛ لأن الذهبَ والفضةَ من [الأصناف التي فيها] (١) الزكاةُ، وجمهورُ العلماءِ منهم مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ على أن زكاةَ المعدنِ ربعُ العشرِ، وفي مذهبِ مالكٍ والشافعيِّ: أن المعدنَ إذا كان معدنَ ذهبٍ أو فضةٍ كل ما يخرج منه من ذهبٍ وفضةٍ أُدِّيَتْ منه زكاتُه حالاًّ ولم يُنتظر به الحولَ، وهي ربعُ العشرِ، ولا زكاةَ عندهما في معدنٍ إلا إذا كان ذَهَبًا أو فضةً. وكان الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵀ يقولُ: تجبُ الزكاةُ في جميعِ المعادنِ، سواء كانت من الذهبِ والفضةِ، أو من الحديدِ والنحاسِ والرصاصِ أو الزجاجِ والزرنيخِ وسائر المعادن، حتى المعادن السائلة كالقارِ والنفطِ فإنها تجبُ فيها الزكاةُ عندَه، فزكاتُها عندَه ربعُ العشرِ. أما الإمامُ أبو حنيفةَ ﵀ فإن الواجبَ عندَه من المعادنِ الْخُمْسُ؛ لأنه يرى الخُمسَ من الركازِ، وقد جاء في ذلك حديثٍ أنه ﷺ سُئِلَ عن الركازِ؟ [٦/ب] / وأنه قال: «الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمَخْلُوقَانِ فِي الأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (٢)، وهذا الحديثُ لَا يَصِحُّ.

стр. 2878

ولا تجبُ الزكاةُ في المعادنِ عندَ أبِي حنيفةَ إلا فيما ينطبعُ منها كالذهبِ والفضةِ والحديدِ والنحاسِ والرصاصِ، وما جرى مجرَى ذلك. ومن ذلك قولٌ له وَجْهٌ من النظرِ قالت به جماعاتٌ من العلماءِ: أن المعدنَ إذا كان في استخراجِه كُلْفَةٌ ونفقاتٌ أن زكاتَه ربعُ العشرِ، وإذا كان يَخْرُجُ بِلَا كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ أن زكاتَه الخمسُ. وَأَجْمَعَ المسلمونَ على أن الركازَ فيه الخمسُ (١)، واشترط الشافعيُّ أن يكونَ الركازُ من ذهبٍ أو فضةٍ، وعامةُ العلماءِ على خِلَافِهِ، والركازُ عند غيرِ أبِي حنيفةَ: دَفْنٌ جَاهِلِيٌّ، وعندَ أبِي حنيفةَ يشملُ جميعَ المعادنِ. هذه أقوالُ العلماءِ ذَكَرْنَاهَا مُخْتَصَرَةً، وقد أَوْضَحْنَاهَا في كتابِنا الذي أَشَرْنَا إليه.

стр. 2879

( ... ) (١) بهمزةٍ محققةٍ، وقرأه ورشٌ وحدَه عن نافعٍ: ﴿إنما النسيُّ زيادة في الكفر﴾ [التوبة: آية ٣٧] بياءٍ مشددةٍ، وما زَعَمَهُ بعضُهم - وقال به ابنُ جريرٍ - من أن قراءةَ ورشٍ هذه عن نافعٍ غَلَطٌ (٢). خلافُ التحقيقِ، بل هي قراءةٌ سبعيةٌ صحيحةٌ لَا كلامَ فيها، قرأ بها ورشٌ عن نافعٍ ﴿إنما النَّسِيُّ زيادةٌ في الكفرِ﴾ أُبْدِلَتِ الهمزةُ ياءً، ثم أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ كما يقرأ بعضُ القراءِ: ﴿النبيء﴾ بالهمزةِ وبعضُهم يقرأُ ﴿النبيُّ﴾ (٣) بتشديدِ الياءِ (٤). وقرأَ قولَه: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ وشعبةُ عن عاصمٍ: ﴿يَضِلَّ به الذين كفروا﴾ بفتحِ الياءِ وكسرِ الضادِ، مضارعُ (ضَلَّ يَضِلُّ) مُجَرَّدًا لَازِمًا، وقرأه حمزةُ والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصمٍ: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِضَمِّ

стр. 2880

الياءِ وفتحِ الضادِ مَبْنِيًّا للمفعولِ (١). أما قراءةُ ﴿يَضَلُّ به الذين كفروا﴾ و ﴿يُضِلُّ به الذين كفروا﴾ فليستَا سَبْعِيَّتَيْنِ (٢). وقرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: ﴿زُين لهم سُوءُ وَعْمالهم﴾ بإبدالِ الهمزةِ الثانيةِ واوًا. وقرأه غيرُهم من السبعةِ: ﴿سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ بتحقيقِ الهمزةِ الثانيةِ (٣). هذه هي القراءاتُ السبعيةُ في الآيةِ. وسببُ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ هو ما أَشَرْنَا إليه أن الكفارَ كانوا يتلاعبونَ في الأشهرِ الْحُرُمِ (٤)، وبعضُهم يقولُ: في أشهرِ الحجِّ، فَيُحَرِّمُونَ منها ما لم يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، ويحلونَ ما لم يُحَلِّلْهُ اللَّهُ (٥). فَبَيَّنَ (جلَّ وعلا) في هذه الآيةِ أن ذلك كفرٌ على كفرٍ، أنه كفرٌ ازْدَادُوا به كُفْرًا على كفرهم الأولِ. والعلماءُ مختلفونَ في أولِ مَنْ سَنَّ هذه السنةَ السيئةَ الخبيثةَ، وهي سنةُ النسيءِ. فكان بعضُ العلماءِ يقولُ: أولُ مَنْ أَحْدَثَهُ الملعونُ عمرُو بنُ لحيِّ بنِ قمعةَ بنِ إلياسَ بنِ مضرَ، وهو الخبيثُ الذي هو أولُ مَنْ جاء بالأصنامِ إلى جزيرةِ العربِ، وهو أولُ مَنْ بَحَّرَ البحائرَ فيها، وَسَيَّبَ السوائبَ، وَغَيَّرَ معالمَ دينِ إبراهيمَ التي كانت في جزيرةِ

стр. 2881

العربِ عليه لعائنُ اللَّهِ (١). وأكثرُ المؤرخينَ يقولونَ: إن أولَ مَنْ سَنَّ هذه السنةَ القبيحةَ قومٌ من بطنٍ من بَنِي كنانةَ يُسَمَّى بني فقيمٍ، وهم من أولادِ مالكِ بنِ كنانةَ، يزعمُ العربُ أنهم كانوا مُتَمَسِّكِينَ بدينِ إبراهيمَ، وكانوا يُشَرِّعُونَ لهم ما شاؤوا، ويتبعونَهم فيما شاؤوا، يقال: إن أولَ مَنْ فَعَلَ ذلك منهم رجلٌ يُسَمَّى نعيمَ بنَ ثعلبةَ (٢). والذي قاله غيرُ واحدٍ من المؤرخينَ وأوضحَه ابنُ إسحاقَ في سيرتِه أن أولَ مَنْ فَعَلَ هذا منهم رجلٌ يُسَمَّى القَلَمَّسَ. والدليلُ على ذلك موجودٌ في أشعارِهم. واسمُ القَلَمَّسِ هذا حذيفةُ بنُ عبيدِ بنِ فقيمٍ، وبنو فقيمٍ بطنٌ من بني مالكِ بنِ كنانةَ. كان هذا الرجلُ الذي هو حذيفةُ المعروفُ بالقلمَّسِ يقولُ لهم: سأؤخرُ عنكم تحريمَ المحرَّم وأنسؤه إلى صَفَرٍ، فاذهبوا فَقَاتِلُوا في المحرَّم فإني حَوَّلْتُ حرمتَه إلى صفر. فَهُمْ يتبعونَه، ثم لَمَّا مَاتَ القَلَمَّسُ قام بهذا الأمرِ بعدَه ابنُه العبادُ بنُ القَلَمَّسِ، فكان يُحِلُّ لهم هذا التحليلَ وهذا التحريمَ، ثم لَمَّا مَاتَ العبادُ قام به بعدَه ابنُه قَلَعُ بنُ عبادٍ، ثم لَمَّا مَاتَ قام به بعدَه ابنُه أميةُ بنُ قَلَعِ بنِ عبادٍ، ثم لَمَّا مات قام به بعدَه ابنُه عوفُ بنُ أميةَ، ثم لَمَّا مات قام به بعدَه ابنُه جنادةُ بنُ عوفٍ المعروفُ بأبي ثمامةَ، كنيتُه ككنيةِ مسيلمةَ الكذابِ، وهو الذي قام عليه الإسلامُ وهو بهذه السُّنةِ السيئةِ الخبيثةِ. كانوا إذا انتهت أيامُ حَجِّهِمُ وَانْقَضَتْ أيامُ مِنَى ذهبوا إلى هذا الرجلِ الذي هو أبو ثمامةَ جنادةُ بنُ عوفِ بنِ أميةَ الكنانيُّ فيقولُ: أنا الذي لَا يُعَابُ ولا يُجَابُ،

стр. 2882

ولا مَرَدَّ لِمَا أقولُ، أَخَّرْتُ عنكم تحريمَ المحرمِ إلى صفر (١). فيتبعونَه، فجاء الإسلامُ بتغييرِ هذا وَرَدِّ كُلِّ شيءٍ إلى مَحَلِّهِ. وقد ذَكَرْنَا أن العلماءَ اختلفوا في الأشهرِ الحرمِ هل حرمتُها باقيةٌ إلى الآن؟ ويكونُ مَنْ نَسَأَ النسيءَ الآنَ ازدادَ كفرًا وَفَعَلَ كفرًا. أو هي منسوخةٌ ولا تحريمَ في الأشهرِ الحرمِ، وأن قتالَ العدوِّ يجوزُ في جميعِ الأشهرِ (٢)؟ وَذَكَرْنَا أن المشهورَ عند العلماءِ الذي عليه الأكثرُ أنه قد نُسِخَ تحريمُ الأشهرِ الحرمِ، واستدلوا على ذلك بظواهرِ آياتٍ ليست صريحةً في ذلك، وَمِنْ أصرحِ ما استدلوا به هو ما ذَكَرْنَا من أنه ثَبَتَ في الصحيحينِ أن النبيَّ ﷺ حاصرَ ثَقِيفًا في غزوةِ الطائفِ بَعْضًا من ذِي القعدة (٣). وهذا ثابتٌ في الصحيحينِ ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فيه. قالوا: لم تنسخ لما حَاصَرَ النبيُّ ﷺ ثقيفًا في ذي القعدةِ وهو شهرٌ حَرَامٌ. وقد ذَكَرْنَا أن الذي كان يظهرُ لنا وننصرُه أن تحريمَ الأشهرِ الحرمِ قد نُسِخَ، وأن الذي تَحَقَّقْنَاهُ بعدَ ذلك وَصِرْنَا نجزمُ به أنها باقيةُ التحريمِ إلى الآن، ولم يُنْسَخْ تحريمُها، كما كان يُقْسِمُ عليه عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ﵀، كان يحلفُ أن حرمتَها باقيةٌ (٤). وَمِنْ أَصْرَحِ الأدلةِ في ذلك هو الحديثُ الذي أَشَرْنَا إليه؛ لأن النبيَّ ﷺ خَطَبَ به يومَ النحرِ في حجةِ

стр. 2883

الوداعِ عامَ عَشْرٍ، ولم يَعِشْ بعد ذلك إلا نحوَ ثمانينَ يومًا، وقد صَرَّحَ فيه بأن ذلك الشهرَ حرامٌ، وذلك اليومَ حرامٌ، وذلك البلدَ حرامٌ (١)، ولم يَأْتِ بعدَ ذلك شيءٌ يَنْسَخُ هذا التحريمَ الثابتَ عنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه). وهذه الآيةُ الكريمةُ قبلَ أن نشرعَ في تفسيرِها نشيرُ إلى أن فيها حُكْمًا يجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعتبرَ به وينظرَه؛ لأن هؤلاء القومَ كفارٌ، كانوا يسجدونَ للأصنامِ، فَلَمَّا أَحَلَّ لهم رَجُلٌ شيئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَحَرَّمَ عليهم شيئًا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وهم يعلمونَ أن اللَّهَ حرَّم تلك الأشهرَ الحُرمَ، ولا يَشُكُّونَ في ذلك، وأن هذا الرجلَ الكنانيَّ أحلَّ لهم ما حرَّمه اللَّهُ، وحرَّم عليهم ما أحلَّه اللَّهُ، فاتبعوا تحريمَ هذا الإنسانِ، فَصَرَّحَ اللَّهُ بأن هذا كفرٌ جديدٌ ازْدَادُوهُ إلى كفرِهم الأولِ. فهذه الآيةُ الكريمةُ من سورةِ براءة مِنْ أَصْرَحِ النصوصِ القرآنيةِ في أن كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ، وتشريعًا غيرَ تشريعِ اللَّهِ، وقانونًا غيرَ قانونِ اللَّهِ، أنه كافرٌ بالله، إن كان يزعمُ الإيمانَ فقد كَفَرَ، وإن كان كافرًا فقد ازْدَادَ كُفْرًا جديدًا إلى كفرِه الأولِ. والآياتُ الدالةُ على هذا المعنَى لَا تكادُ تُحْصِيهَا في هذا المصحفِ الكريمِ، الذي هو أعظمُ كتابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ من السماءِ إلى الأرضِ، وهو آخِرُ كتابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ على أكرمِ نَبِيٍّ، وآخِرُ نَبِيٍّ جَمَعَ فيه له علومُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. وسنذكرُ لكم طرفًا من ذلك كما ذَكَرْنَاهُ قبلَ هذا مرارًا (٢) نُبَيِّنُ به أن الحلالَ هو ما أحلَّه اللَّهُ، والحرامَ هو ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينَ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأن كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ نظامًا وتشريعًا وقانونًا - ولو سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ - غيرَ ما أَنْزَلَهُ اللَّهُ

стр. 2884

في وحيِه على نَبِيِّهِ ﷺ أنه كافرٌ بذلك، فإن كان كافرًا قَبْلَهُ ازْدَادَ كُفْرًا جديدًا إلى كفرِه الأولِ، وإن كان يزعمُ الإيمانَ فقد جاءَ بما يَكْفُرُ به. وَمِنْ أصرحِ الأدلةِ في هذا: المناظرةُ العظيمةُ المشهورةُ التي وَقَعَتْ بينَ الكفارِ والمسلمينَ في حُكْمٍ مِنْ أحكامِ الحلالِ والحرامِ، فالمسلمونَ يقولونَ: إن هذا الأمرَ حرامٌ. ويستدلونَ بنصٍّ من نصوصِ الوحيِ. وحزبُ الشيطانِ وتلامذتُه وأتباعُه يقولونَ: إن هذا الحكمَ حلالٌ. ويستدلونَ على ذلك بفلسفةٍ من وَحْيِ الشيطانِ. ويأتِي كلٌّ منهم بدليلِه، فلما تَحَاجُّوا وتخاصموا وحصلَ الجدالُ بينَهم في ذلك أَفْتَى اللَّهُ تعالى بنفسِه فتوى سماويةً تُتْلَى علينا قُرْآنًا في سورةِ الأنعامِ، وإيضاحُ هذا: أن الشيطانَ - لعنَه اللَّهُ - جاء كفارُ قريشٍ وقال لهم: سَلُوا محمدًا ﷺ عن الشاةِ تُصْبِحُ ميتةً، مَنْ هُوَ الذي قَتَلَهَا؟ فأجابهم: اللَّهُ قَتَلَهَا. فقالوا: إِذَنْ ما ذبحتموه بأيديكم حلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ بسكينٍ من ذَهَبٍ تقولونَ: هو حرامٌ، فأنتم إِذَنْ أحسنُ من الله!! فأنزلَ اللَّهُ في ذلك بإجماعِ العلماءِ في سورةِ الأنعامِ هذه الفتوى السماويةَ بعد أن بَيَّنَ اللَّهُ خصامَ المتخاصمينَ فيها فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الميتة. وإن زعم حزبُ الشيطانِ أنها ذبيحةُ اللَّهِ، وأن ما قَتَلَهُ اللَّهُ أحلُّ مما قتله الناسُ. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الضميرُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ راجعٌ إلى المصدرِ الكامنِ في جوفِ الفعلِ الصناعيِّ في قولِه: ﴿تَأْكُلُوا﴾ أي: وإنه أي: الأكلُ من الميتةِ ﴿لَفِسْقٌ﴾ أي: خروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ، وإن زَعَمَ حزبُ الشيطانِ أنها ذبيحةُ اللَّهِ، وأن ما قَتَلَهُ اللَّهُ أَحَلُّ وَأَطْهَرُ مما قَتَلَهُ الناسُ. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ وحي الشيطانِ ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بالوحيِ

стр. 2885

الشيطانيِّ، وهو قولُهم: ما ذبحتُموه حلالٌ، وما قتلَه اللَّهُ حرامٌ، فأنتم إذًا أحسنُ من اللَّهِ!! ثم أَفْتَى اللَّهُ الفتوى السماويةَ التي تَتَرَدَّدُ في آذانِ الخلقِ مساءً وصباحًا بقولِه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: آية ١٢١] وإن أطعتُم أتباعَ الشيطانِ في تحليلِ ما حرَّمه اللَّهُ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ بالله شِرْكًا أكبرَ، كما قال في هؤلاءِ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ٣٧] وهذا الشركُ شركٌ أكبرُ مُخْرِجٌ عن الملةِ؛ لأنه شركُ طاعةٍ، وشركُ الطاعةِ شركٌ في الْحُكْمِ، والشركُ في الحكمِ كالشركِ في العبادةِ لَا فرقَ بينهما الْبَتَّةَ؛ لأن اللَّهَ هو الملكُ الجبارُ العظيمُ الأعظمُ لَا يرضَى أن يكونَ معه شريكٌ في عبادتِه ولا أن يكونَ معه شريكٌ في حكمِه سبحانَه (جلَّ وعلا) أن يكونَ له شريكٌ في عبادتِه أو شريكٌ في حكمِه، وقد بَيَّنَ هذين الأمرين في سورةٍ واحدةٍ من كتابِه وهي سورةُ الكهفِ، فقال في الإشراكِ به في عبادتِه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠] وقال في الإشراكِ به في حُكْمِهِ: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ٢٦] فَمَنِ اتَّخَذَ تشريعًا غيرَ تشريعِ اللَّهِ، واتبع نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ، وقانونًا غيرَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ - سواءً سَمَّاهُ نظامًا أو دستورًا، أو سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ - هو كافرٌ بالله؛ لأنه يُقَدِّمُ ما شَرَعَهُ الشيطانُ على ألسنةِ أوليائِه مما جُمِعَ من زبالاتِ أذهانِ الكفرةِ على نورِ السماءِ الذي أَنْزَلَهُ اللَّهُ (جلَّ وعلا) على رُسُلِهِ لِيُسْتَضَاءَ به في أرضِه، وَتُنْشَرَ به عدالتُه وطمأنينتُه ورخاؤُه في الأرضِ. وهذا مِمَّا لا نزاعَ فيه، وهذا الشركُ الذي هو شركُ اتباعٍ، اتباعِ

стр. 2886

قانونٍ ونظامٍ وتشريعٍ هو الذي يُوَبِّخُ اللَّهُ مرتكبَه يومَ القيامةِ على رؤوسِ الأشهادِ في سورةِ يَس في قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ... ﴾ [يس: آية ٦٠] ما عَبَدُوا الشيطانَ بأن سجدوا للشيطانِ، ولا ركعوا للشيطانِ، ولا صاموا له، ولا صلوا، وإنما عبادتُهم للشيطانِ هي اتباعُ مَا سَنَّ لهم من النظمِ والقوانين من الكفرِ بالله ومعاصِي اللَّهِ. ثم قال: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا﴾ [يس: الآيتان ٦١، ٦٢] أي: خلائقَ كثيرةً لَا تُحْصَى. ثم وَبَّخَ عقولَهم فقال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: آية ٦٢] ثم ذَكَرَ المصيرَ النهائيَّ للذي كان يتبعُ نظامَ إبليسَ، وقانونَ الشيطانِ في دارِ الدنيا ذَكَرَ مصيرَه النهائيَّ في قولِه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ الآيات ... [يس: الآيتان ٦٣، ٦٤]. وهذا هو معنَى قولِ إبراهيمَ: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: آية ٤٤] أي: لا تَتَّبِعْ ما شَرَعَ لكَ الشيطانُ وَسَنَّهُ من الكفرِ باللَّه، ومعاصِي اللَّهِ، وهو معنَى قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَانًا﴾ [النساء: آية ١١٧] أي: ما يدعونَ إلا الشيطانَ، وهو دعاءُ عبادةٍ باتباعِ نظامِه وتشريعِه. وهو أصحُّ الْوَجْهَيْنِ في قولِه (جلَّ وعلا) في الملائكةِ: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: آية ٤٠] لأن الملائكةَ قالوا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: آية ٤١] أي: يتبعونَ الشياطينَ ويعبدونَهم باقتفاءِ ما يَسُنُّونَ لهم من القوانينَ والنظمِ، وهذا أَمْرٌ لَا نزاعَ فيه، فَكُلُّ مَنْ يتبعُ نظامَ أحدٍ وتشريعِ أحدٍ وقانونَه فهو متخذُه رَبًّا؛ ولذا جاء في الحديثِ المشهورِ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ ﵁ أنه لَمَّا جاء النبيُّ ﷺ وكان في

стр. 2887

عنقِ عديٍّ صليبٌ فقال له النبيُّ: «يَا عَدِيُّ أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» وصادفَه يقرأُ سورةَ براءة هذه، سَمِعَهُ يقولُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣١] وكان عَدِيٌّ نَصْرَانِيًّا في الجاهليةِ فقال: ما كنا نتخذُهم أربابًا. فأجابَه النبيُّ بما معناه: أَلَمْ يَحِلُّوا لكم ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرِّموا عليكم ما أحلَّ اللَّهُ فتتبعوهم؟ قال: بلى. قال: تلك عبادتُهم، وبذلك اتخذتُموهم أربابًا (١). فهذه الآياتُ الكريمةُ تدلُّ على أن كُلَّ مَنْ يتبعُ نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ وإن سَمَّاهُ قانونًا أو دستورًا أو سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ فهو كافرٌ بالله، ولو كان كافرًا قبلَ ذلك وارتكبَ شيئًا يعلم أن اللَّهَ حَرَّمَهُ فَحَلَّلَ ما يعلمُ أن اللَّهَ حَرَّمَهُ، أو حَرَّمَ ما يعلمُ أن الله حَلَّلَهُ، فإنه ولو كان كافرًا قبلَ هذا يزدادُ بذلك كُفْرًا جديدًا إلى كُفْرِهِ الأولِ، كما قال هنا: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ٣٧] وهذا معروفٌ لا نزاعَ فيه بينَ العلماءِ، فالحلالُ هو ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ هو ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ، ولا تشريعَ إلا لِلَّهِ؛ لأن التشريعَ والأمرَ والنهيَ لا يكونُ إلا للسلطةِ التي ليس فوقَها شيءٌ، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) هو خالقُ هذا الخلقِ، وخالقُ النِّعَمِ التي أَنْعَمَ بها عليه، فهو الْمَلِكُ فَلَا يَرْضَى أن يأمرَ فيه غيرُه وينهى، بل الأمرُ له وحدَه، والنهيُ له وحدَه، والتشريعُ له وحدَه، فَكُلُّ مُشَرِّعٍ دُونَهُ ضَالٌّ، وَكُلُّ مُتَّبِعٍ تشريعًا غيرَ تشريعِه فهو كافرٌ به - جلَّ وعلا - وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في آياتٍ كثيرةٍ هذا المعنَى، فكانَ قومٌ في زمنِ النبيِّ ﷺ أَرَادُوا أن يَتَحَاكَمُوا إلى غيرِ شرعِ اللَّهِ، وَادَّعُوا أنهم مؤمنونَ فعجَّب اللَّهُ نَبِيَّهُ من كَذِبِ دعواهم، وأن دعواهم الإيمانَ لا تَصِحُّ بوجهٍ من الوجوهِ مع إرادتِهم

стр. 2888

التحاكمَ إلى غيرِ اللَّهِ، وذلك في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: آية ٦٠] فَعَجَّبَهُ من دعواهم الإيمانَ وهم يريدونَ التحاكمَ إلى غيرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وهذا لا يَخْفَى، وَأَقْسَمَ اللَّهُ (جل وعلا) في آيةٍ من كتابِه أنه لا يؤمنُ أحدٌ حتى يكونَ مُتَّبِعًا في قرارةِ نفسِه لِمَا جاءَ به سيدُ الرسلِ محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) وذلك بقولِه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: آية ٦٥] هذا قسمٌ من اللَّهِ أَقْسَمَ به ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فما ظَنُّكُمْ بالذين يُحَكِّمُونَ فيما شَجَرَ بينَهم قانونَ نابليونَ وما جرى بعدَه من زبالاتِ أذهانِ الكفَرَةِ؟ أَلَا تَرَوْنَ أن اللَّهَ أَقْسَمَ في هذه الآيةِ من سورةِ النساءِ أنهم لا يؤمنونَ؟ وَمَنْ أصدقُ من اللَّه قِيلاً؟ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حديثًا؟ فعلى كُلِّ مسلمٍ أن يعلمَ أن الحاكمَ هو اللَّهُ، وأن الحكمَ لله وحدَه، وأنه لا يُحلُّ إلا اللَّهُ، ولا يُحَرِّمُ إلا اللَّهُ، فلا حلالَ إلا ما أحلَّه اللَّهُ، ولا حرامَ إلا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ على لسانِ رسولِه ﷺ ، ولا دينَ إلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ. فما عَمَّتْ به البلوى من انصرافِ جُلِّ مَنْ في المعمورةِ عن نورِ السماءِ الذي أَنْزَلَهُ اللَّهُ على سيدِ خلقِه وأعظمِ رُسُلِهِ، موضحًا له في أعظمِ كتابٍ أَنْزَلَهُ من سمائه إلى أرضه، منصرفينَ عن هذا مع وضوحِ أدلتِه وقيامِ براهينِه وصيانتِه لمقوماتِ الناسِ؛ لأن القرآنَ العظيمَ والسنَّةَ النبويةَ المبينةَ له جاء فيهما غايةُ الحفاظِ على جميعِ مقوماتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا والآخرةِ، ولا سِيَّمَا الجواهر الستة التي يدورُ عليها نظامُ العالَم في الدنيا ونظامُ العدالةِ

стр. 2889

والجورُ فيه، وهذه الأمورُ الستةُ لا يوجدُ شيءٌ أشدُّ محافظةً عليها مما جاء به سيدُ الخلقِ محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، ونعني بهذه الستةِ التي أَشَرْنَا إليها: المحافظةُ على الدينِ السماويِّ الذي هو الصلةُ بينَ السماءِ والأرضِ وبينَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، ثم المحافظةُ على الأنفسِ من القتلِ والإزهاقِ، ثم المحافظةُ على الأنسابِ من الضياعِ والاختلاطِ وتقذيرِ الفُرُشِ، ثم المحافظةُ على العقولِ من الضياعِ؛ لأن العقولَ إذا ضَاعَتْ صار المجتمعُ حيواناتٍ يضربُ بعضُه بعضًا، ثم المحافظةُ على الأموالِ، ثم المحافظةُ على الأعراضِ. فدينُ الإسلامِ جاء بأعظمِ حياطةٍ وصيانةٍ للدينِ، وحياطة وصيانة للنفسِ، وحياطة وصيانة للعقلِ، وحياطة وصيانة للنَّسَبِ، وحياطة وصيانة للمالِ، وحياطة وصيانة للعِرْضِ، وستأتِي هذه الأشياءُ في هذه الدروسِ كُلٌّ في محلِّه، وقد قَدَّمْنَا ما جاء منها. فهذا دينُ الإسلامِ الذي بَيَّنَ اللَّهُ فيه كُلَّ شيءٍ، وَحَافَظَ فيه على جميعِ المقوماتِ، وَأَعْطَى فيه الأجسامَ حقوقَها، والأرواحَ حقوقَها، وَأَرْشَدَ الإنسانَ إلى عملٍ مزدوجٍ يقومُ به الإنسانُ معاونًا جسمُه روحَه، وروحُه جسمَه؛ لأن مَنْ أَخَلَّ بناحيةِ الجسمِ أَهْمَلَ، وَمَنْ أخلَّ بناحيةِ الروحِ فهو أضيعُ وأضيعُ. فعلينا جميعًا أن نعلمَ أنه لا بدَّ من اتباعِ شَرْعِ اللَّهِ ودينِ اللَّهِ، وأن مَنْ طَلَبَ تشريعًا وتحليلاً وتحريمًا في غيرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ فهو ليس على دينِ الإسلامِ، أَحْرَى أن يكونَ من المؤمنينَ الذين يقولونَ: إن اللَّهَ ينصرُهم وأنه معهم وهم أعداؤُه، وقد بَيَّنَ اللَّهُ في القرآنِ أن الذي له التحريمُ والتحليلُ، والأمرُ والنهيُ لَا يكونُ إلا له صفاتٌ ليست كصفاتِ خَلْقِهِ، بل صفاتُه مميزةٌ عظيمةٌ لائقةٌ به دالةٌ على أنه هو الذي يأمرُ وينهى ويحللُ ويحرِّم، كقولِه

стр. 2890

تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وكأنه قال: أتريدونَ أن تعرفوا صفاتِ مَنْ يكونُ له الحكمُ في الأشياءِ ولا يُصْدَرُ في حُكْمٍ إلا عنه ما هي؟ ثُمَّ بَيَّنَّهَا في قولِه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: آية ١٠] ثم بَيَّنَ صفاتِ مَنْ له الحكمُ ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: الآيات ١٠ - ١٢] هذه صفاتُ مَنْ لَهُ الحكمُ، أما الكفَرَةُ الفجَرَةُ الخنازيرُ أبناءُ الكلابِ فليس لهم أن يحكموا في بلادِ اللَّهِ، ولا في عبادِ اللَّهِ، ويحرموا ما شاؤوا ويحللوا ما شاؤوا، فَمُتَّبِعُهُمْ هو أَعْمَى الناسِ بصيرةً وَأَضَلُّهُمْ سَبِيلاً: خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... فَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (١) وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) يقولُ: ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: آية ١٢] الذي له الحكمُ هو العليُّ الكبيرُ الذي عُلُوُّهُ وعظمتُه فوقَ كُلِّ شيءٍ، وهو أعظمُ مِنْ كُلِّ شيءٍ، وأكبرُ من كُلِّ شيءٍ. ويقولُ (جلَّ وعلا): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: آية ٨٨] فلا يكونُ الحكمُ إلا لِمَنْ لا يهلك، ولمن كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَه، هذه صفاتُ مَنْ له الحكمُ، ويقولُ (جل وعلا): ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآية ٧٠] ثم بَيَّنَ صفاتِ مَنْ له الحكمُ فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ

стр. 2891

إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [القصص: آية ٧١]. فالحكمُ لَا يكونُ إلا للعظيمِ الأعظمِ الذي هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ، الرازقُ لكلِّ شيءٍ، الفاعلُ ما يشاءُ في كلِّ شيءٍ، هذا الذي يُتَّبَعُ تشريعُه ويُحَلُّ ما أَحَلَّ، ويحرَّم ما حَرَّمَ، أما القوانينُ والنظمُ الملتقطةُ من زبالاتِ أذهانِ الكفَرَةِ الفجَرَةِ فلَا يَتَّبِعُهَا ويعتقدُها وَيُحَكِّمُهَا في أموالِ المجتمعِ وعقولِه وأنسابِه وأديانِه وأعراضِه إلا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصائرَهم، وَمَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصيرتَه فَلَا حيلةَ له ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: آية ٤٠] ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ... ﴾ [الرعد: آية ١٩] لَا ليسَ كمثلِه. ومعنى الآيةِ الكريمةِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: آية ٣٧] اختلفَ العلماءُ في تحقيقِ كلمةِ (النسيءِ) هنا (١) فقالَ بعضُهم: هو مِنْ (نسأ) الثلاثيةِ وهو (فَعِيلٌ) بمعنَى مفعولٍ، فالعربُ تقولُ: نساه ينسؤه نَسْئًا، إذا أَخَّرَهُ. والعربُ تأتِي بـ (الفعيل) مكانَ (المفعولِ) كما يقولونَ: قتيلٌ مكانَ مقتولٍ، وجريحٌ مكانَ مجروحٍ، ونسيءٌ مكانَ منسوءٍ، أي: مُؤَخَّرٌ. فَعَلَى هذا القولِ فالنسيءُ (فعيلٌ) بمعنَى (مفعولٍ) وكقتيلٍ بمعنَى مقتولٍ، وجريحٍ بمعنَى مجروحٍ. وعلى هذا فهو مِنْ (نَسَأَ) الثلاثيةِ. والقولُ الثانِي: أن النسيءَ اسمُ مصدرِ (أَنْسَأَ) الرباعيةِ على وزنِ (أَفْعَل) لأَنَّ العربَ تقولُ: أَنْسَأَ الأمرَ يُنْسِئُهُ إِنْسَاءً وَنَسِيئَةً. فالإنساءُ مصدرٌ قياسيٌّ، والنسيءُ مصدرُ (أَنْسَأَ) مصدرًا سماعيًّا، كما جاء

стр. 2892

النذيرُ مصدرًا لأَنْذَرَ، والنكيرُ مصدرًا لأَنْكَرَ، والنسيءُ مصدرًا لأَنْسَأَ، بمعنَى: أَخَّرَ. فعلى أن النسيءَ اسمُ مصدرٍ بمعنَى الإِنْسَاءِ فلا إشكالَ؛ لأن الإنساءَ فعلُ الفاعلِ، وعلى هذا فلا إشكالَ في قولِه: ﴿زِيَادَةٌ﴾ أي: لأَنَّ تأخيرَ الشهرِ الحرامِ وَإِنْسَاءَهُ من نقلِه من المحرمِ وتأخيرَه منه إلى صَفَرٍ. هذا التأخيرُ والإنساءُ زيادةٌ في الكفرِ، لأنه أَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ وهو المحرَّم، وَحَرَّمَ ما أحلَّه اللَّهُ وهو صَفَرٌ. أما على القولِ بأن (النسيءَ) (فعيل) بمعنَى (مفعولٍ) وأنه من (نَسَأَ) الثلاثيةِ، وأن النسيءَ بمعنَى الزمانِ الْمَنْسُوءِ، فيكونُ في قولِه: ﴿زِيَادَةٌ﴾ إشكالٌ؛ لأن نفسَ الشهرِ المنسوءِ الْمُؤَخَّرِ ليس هو عَيْنَ الزيادةِ؛ وَلِذَا لا بُدَّ فِي هذا المعنَى من تقديرِ مضافٍ، أي: إنما نَسْءُ النسيءِ زيادةٌ في الكفرِ. أو إنما النسيءُ ذُو زيادةٍ، أي صاحبُ زيادةٍ في الكفرِ حَاصِلَةٌ فيه. فَاتَّضَحَ من هذا أنه على أن النسيءَ اسمُ مصدرٍ من (أَنْسَأَ) فلا تقديرَ في قولِه: ﴿زِيَادَةٌ﴾. وعلى أنه (فعيلٌ) بمعنَى (مفعولٍ) مِنْ (نَسَأَ) الثلاثيةِ فلا بدَّ من تقديرِ مضافٍ إما قبلَ الزيادةِ أو قبلَ النسيءِ، فتقول: نَسْءُ المنسوءِ زيادةٌ، أي: تأخيرُ الشهرِ زيادةٌ في الكفرِ. أو تقولُ: المنسوءُ ذُو زيادةٍ، أي: صاحبُ زيادةٍ في الكفرِ لوقوعِها بسببِه. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ لأنهم كانوا كفارًا، فلما أحلُّوا مُحَرَّمًا وهم يعلمونَ أن اللَّهَ حَرَّمَهُ، وحرموا صفرًا وهم يعلمونَ أن اللَّهَ ما حَرَّمَهُ، صاروا بهذا التشريعِ مُرْتَكِبِينَ كُفْرًا جديدًا كما بَيَّنَّا، ازْدَادُوا بهذا الكفرِ كُفْرًا جديدًا إلى كُفْرِهِم الأولِ. ﴿يَضِلُّ به الذين كفروا﴾ و ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه:

стр. 2893

يضلهم الشيطانُ كما يأتِي في قولِه: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾. ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ قد أَشَرْنَا أن هذه الآيةَ الكريمةَ من سورةِ براءة والحديثَ الذي جاء في مضمونِها: أَنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ .. الحديثَ (١). غَلِطَ فيه خلقٌ من كبارِ المفسرينَ، وَمَنْ تَكَلَّمُوا على الحديثِ، وأن الصورةَ الحقيقيةَ التي قالت بها جماعةٌ من السلفِ (٢) - والقرآنُ يشهدُ لصحةِ قولِهم - أنها التي كان يَعْمَلُهَا الكنانيون القَلَمَّس وَمَنْ بعدَه، وكان شاعرُهم يفتخرُ بذلك ويقولُ شاعرُهم وهو عميرُ بنُ قيسٍ المعروفُ بـ (جذل الطَّعان) (٣): لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ... كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا ... أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ... شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا ... وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ يُدْرَكْ بِوِتْرٍ ... وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ يُعْلَكْ لِجَامَا أنهم كانوا يأتون جنادةَ بنَ عوفٍ إذا صَدَرُوا مِنْ مِنًى، فيقومُ ويقولُ: أنا الذي لَا أُجَابُ وَلَا أُعَابُ، ولا مردَّ لِمَا أقولُ، هذا العام قد

стр. 2894

أخرتُ عنكم حرمةَ المحرمِ إلى صفرٍ فَقَاتِلُوا في المحرمِ، ثم حَرِّمُوا مكانَه صَفَرًا ويأتِي في العامِ القابلِ ويقولُ مثل مقالتِه: أنا الذي لَا أُجَابُ ولَا أُعَابُ، ولا مردَّ لِمَا أقولُ، قد حَرَّمْتُ هذا العامَ مُحَرَّمًا وَأَبَحْتُ صَفَرًا. كما هي العادةُ، فيحلُّ لهم المحرَّم عامًا ويحرِّم مكانَه صَفَرًا، ويحرِّم المحرَّم عامًا ويتركُ الأشهرَ على حَالِهَا (١). وهذا مُوَافِقٌ لقولِه: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ وموافقٌ لقولِه: ﴿لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: آية ٣٧] أما الصورُ الأخرى فلا تتفقُ مع الآيةِ. أما الذين زَعَمُوا أنه يقولُ لهم في بعضِ السنينَ: حللتُ لكم المحرمَ وَصَفَرًا معًا فَهُمَا صفرانِ، لا محرمَ في هذه السنةِ، وإنما فيها صفرانِ. فيحلُّ لهم المحرمَ ويتركُ صفرًا على حلالِه الأصليِّ، وفي السنةِ القابلةِ يقولُ: هُمَا مُحَرَّمَانِ، المحرمُ الذي كان حرامًا، وصفرٌ بدلَ المحرمِ الذي حَرَّمْنَاهُ في السنةِ القابلةِ. فهذا وإن قال به جماعةٌ كبيرةٌ من العلماءِ (٢) فهو لَا يصحُّ؛ لأنهم على هذا القولِ في إحدى السَّنَتَيْنِ ما حرَّموا إلا ثلاثةَ أشهرٍ، والأشهرُ الحرمُ أربعةٌ، وفي السنةِ الثانيةِ حَرَّمُوا خمسةَ أشهرٍ، فلم يُوَاطِئُوا ما حَرَّمَ اللَّهُ لَا في السنةِ الأُولَى ولا في السنةِ الثانيةِ. وكذلك قولُ مَنْ قَالَ: إنهم كانوا يُسَمُّونَ صَفَرًا مُحَرَّمًا، ويسمونَ ما بعد صفرٍ صفرًا، وكلُّ شهرٍ يسمونَه باسمِ ما بعدَه، وَيَحُجُّونَ في كُلِّ شهرٍ عَامَيْنِ، وأن حَجَّةَ أبِي بكرٍ عامَ تسعٍ، وَافَقَتْ ذَا القعدةِ، وأن أبا بكر حَجَّ بالناسِ عامَ ذِي القعدةِ، وأن النبيَّ ﷺ حَجَّ بالناسِ حجَّة موافِقة ذَا الحجةِ، وأن هذا معنَى

стр. 2895

استدارةِ الزمانِ كهيئتِه يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ (١). فهذا لَا شَكَّ في أنه فَاسِدٌ باطلٌ؛ لأن اللَّهَ صَرَّحَ في كتابِه بقولِه في حجةِ أبِي بكرٍ بالناسِ عامَ تِسْعٍ: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: آية ٣] وقد أذن ببراءة عَلِيٍّ ﵁ وَمَنْ معَه يومَ الحجِّ الأكبرِ، ومعلومٌ أن اللَّهَ لَا يُنْزِلُ في كتابِه يومَ الحجِّ الأكبرِ يريدُ أنه مِنْ ذي القعدةِ! فهذا من الباطلِ الذي لَا شَكَّ فيه، فهذا كُلُّهُ لَا يصحُّ، فالتحقيقُ أن هذه الصورةَ التي نَزَلَ بها القرآنُ التي كان يفعلُ لهم الكنانيونَ أنهم سَنَةً يُحَرِّمُونَ صَفَرًا ويحلونَ المحرَّم مكانَه، وفي سَنَةٍ يُبْقُونَ الأمرَ على حالِه فيحلونَ المحرَّم سَنَةً ويحرِّمونه سنةً ويواطئوا بذلك - يوافقوا - عدةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وهي أربعةُ أشهرٍ من السنةِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾. العامُ: السنةُ، والألفُ التي في مكانِ عينِه منقلبةٌ عن واوٍ، فَيُكَسَّرُ على (أعوامٍ) فعينُه واوٌ. ﴿لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: آية ٣٧] المواطأةُ: الموافقةُ، أي لِيُوَافِقُوا عدةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ؛ لأن اللَّهَ حَرَّمَ أربعةَ أشهرٍ من السنةِ فَهُمْ يُحَرِّمُونَ قدرَ ما حَرَّمَ اللَّهُ إلا أنهم يعصونَ اللَّهَ بتغييرِه عن محلِّه، فالعدةُ هي العدةُ وَلَكِنَّ عينَ الزمانِ ليست هي عينَ الزمانِ، فهم يصيبونَ في العدةِ ويخطئونَ في تعيينِ المعدودِ، ومن هنا كانوا عصاةً بذلك. هذا هو الصحيحُ في معنَى الآيةِ الذي لا إشكالَ فيه، والصورُ الأُخَرُ فيها نظرٌ، ليست بصوابٍ، وإن قال بها مَنْ قال بها من

стр. 2896

العلماءِ. هذا معنَى قولِه: ﴿لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ زَيَّنَ لهم الشيطانُ سوءَ أعمالِهم الخبيئةِ. وهذا يدلُّ على أن مِنْ أسوأِ الأعمالِ وأخبثِها تحليلَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وتحريمَ ما أَحَلَّ اللَّهُ ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٣٧] هذه الآيةُ وأمثالُها بالقرآنِ فيها سؤالٌ معروفٌ، وَإِشْكَالٌ مشهورٌ، وهو أن يقولَ طالبُ العلمِ: هذه الآيةُ وأمثالُها صرَّح اللَّهُ فيها بأنه لا يهدِي الكافرينَ، مع أنَّا نشاهدُ اللَّهَ يهدي كثيرًا من الكافرينَ، فَاللَّهُ يهدي مَنْ يشاءُ من الكفارِ، ويضلُّ مَنْ يَشَاءُ، فما وَجْهُ تعميمِه في قولِه: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ هذا وجهُ السؤالِ. وللعلماءِ عنه جوابانِ معروفانِ: أحدُهما: أن هذه الآيةَ الكريمةَ وأمثالَها في القرآنِ من العامِّ المخصوصِ، أي: لا يهدِي القومَ الكافرينَ الذين سَبَقَ في عِلْمِهِ عدمُ هدايتِهم وشقاؤهم شقاءً أزليًّا، كقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: الآيتان ٩٦، ٩٧] وقولُه: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ [يس: آية ٧] ونحو ذلك من الآياتِ. وعلى أن هذه الآيةَ الكريمةَ من العامِّ المخصوصِ بآياتٍ أُخَرَ فلَا إشكالَ. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ما دام اللَّهُ (جلَّ وعلا) مُرِيدًا منهم أن يكونوا كافرينَ، فإذا شَاءَ اللَّهُ أن [يهديَهم

стр. 2897

هُدَاهُمْ. وقال بعضُ العلماءِ: لَا يهديهم ما داموا مُصِرِّينَ على كُفْرِهِمْ] (١). [٧/أ] / نقولُ (٢): إِنَّ مِنْ عَادَتِنَا التي نَجْرِي عليها في هذه الدروسِ أن نتعرضَ لِمَا نَظُنُّ أنه يسألُ عنه طلبةُ العلمِ، وقد مَرَّ في الآيةِ الماضيةِ، سؤالٌ معروفٌ يتساءلُ عنه طَلَبَةُ أهلِ العلمِ، وَنَسِينَا أن نتكلمَ عليه، فَأَحْبَبْنَا أن نَسْتَدْرِكَهُ الآنَ تَتْمِيمًا للفائدةِ، ونعنِي بذلك: أنا ذَكَرْنَا، أن العلماءَ اختلفوا في نسخِ الأربعةِ الْحُرُمِ، وأن قومًا قالوا: نُسِخَتْ، فجازَ للمسلمينَ الجهادُ في كُلِّ السَّنَةِ، وأن جماعةً من العلماءِ قالوا: إن تحريمَها باقٍ لم يُنْسَخْ، وذكرنا أنَّا كُنَّا أولاً نعتقدُ صحةَ نَسْخِهَا، وَأَنَّا عَرَفْنَا بعدَ ذلك أن الصحيحَ عدمُ نَسْخِهَا، وَذَكَرْنَا أن من أصرحِ الأدلةِ على نسخِها ما ثَبَتَ أن النبيَّ ﷺ حاصرَ ثقيفًا بالطائفِ في بعضِ ذِي القعدةِ وهو شهرٌ حرامٌ، ولو لم يكن القتالُ فيها حلالاً لَمَّا حَاصَرَهُمْ فيها، فَعَلِمْنَا مِنْ هنا أن طالبَ العلمِ يقولُ: إذا قررتُم أن التحقيقَ عدمُ نسخِها فما وَجْهُ حصارِ النبيِّ ﷺ لثقيفٍ في الشهرِ الحرامِ؟! هذا هو السؤالُ الذي كُنَّا نَوَدُّ أن نتعرضَ للإجابةِ عنه، وهذا

стр. 2898

السؤالُ أجابَ عنه جماعةٌ من العلماءِ بما مُلَخَّصُهُ في نُقْطَتَيْنِ وَهُمَا (١): أن حصارَ النبيِّ ﷺ لثقيفٍ كان ابتداؤُه في شهرٍ حلالٍ، والدوامُ قد يغتفرُ فيه ما لا يغتفرُ في الابتداءِ؛ لأن مِنَ المسائلِ ما يُحَرَّمُ فيها الابتداءُ ولا يحرمُ فيها الدوامُ، ألا تَرَوْنَ أن الرجلَ الْمُحْرِمَ لا يجوزُ له أن يبتدئَ تزويجًا، ولو تزوجَ قبل إحرامِه ثم أَحْرَمَ لم يَنْفَسِخْ تزويجُه بهذا الإحرامِ الطارئِ على تزويجِه، وكذلك الإحرامُ يُمْنَعُ ابتداءُ الطِّيبِ فيه، فلو كان مُتَطَيِّبًا قبلَه، لَا يمنعُ الدوامَ على الطِّيبِ الأولِ الإحرامُ عندَ جماهيرِ العلماءِ، فالشاهدُ أن الدوامَ في بعضِ الصورِ قد يُغْتَفَرُ فيه ما لا يُغتفر في الابتداءِ، وفي هذه الصورةِ يتأكدُ بشيءٍ آخَرَ وهو ما قَدَّمْنَا في كلامِنا على غزوةِ حُنَيْنٍ (٢) في تفسيرِ آيةِ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: آية ٢٥] أن النبيَّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مكةَ في رمضانَ عامَ ثمانٍ، ولم يكن يريدُ أن يغزوَ هوازنَ، سَمِعَ أن مالكَ بنَ عوفٍ النصريَّ، سيدَ هوازنَ جَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ من هوازنَ وفيهم ثقيفٌ؛ لأن ثقيفًا من هوازنَ؛ لأن ثقيفَ بْنَ منبهِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ بنِ منصورٍ، وأنهم تَجَمَّعُوا له يريدونَ حربَه، فَهُمُ الذينَ بدؤوا بإرادةِ الحربِ، ولم يَكُنِ النبيُّ ﷺ قَاصِدًا حربَهم في ذلك الوقتِ قبلَ ذلك، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ النبيُّ ﷺ يومَ حنينٍ واستفاءَ أموالَهم، رَجَعَ فَلُّهُمْ (والفَلُّ بقيةُ المنهزمينَ) فَتَحَصَّنُوا بحصنِ الطائفِ. فحصارُه ﷺ للطائفِ ليستنزلَ الذين كانوا يقاتلونَه في غزوةِ حنينٍ من تمامِ غزوةِ حنينٍ، وكانوا هم

стр. 2899

البادئين بالقتالِ، والأشهرُ الْحُرُمُ إذا بُدِئَ المسلمونَ فيها بالقتالِ قَاتَلُوا، كما تَقَدَّمَ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: آية ١٩٤] وكما قَدَّمْنَاهُ في الكلامِ على قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: آية ١٩١] فهذا هو الذي أَجَابَ به العلماءُ عن حصارِ النبيِّ ﷺ لثقيفٍ على القولِ ببقاءِ حرمةِ الأشهرِ الْحُرُمِ. يقول اللَّهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلَاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: الآيتان ٣٨، ٣٩]. وقولُه تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: آية ٣٨]. أَجْمَعَ كافةُ العلماءِ، أن هذه الآيةَ الكريمةَ من سورة براءة نَزَلَتْ لما اسْتَنْفَرَ النبيُّ ﷺ المسلمينَ إلى غزوِ الرومِ (١)، وفي غزوةِ تبوك، كان ذلك في ساعةِ العسرةِ، كما يأتِي منصوصًا في هذه السورةِ الكريمةِ، وكان وقتَ شدةِ الحرِّ، والأرضُ في غايةِ الجدبِ، وكان في المدينةِ النخيلُ حين أَزْهَتْ ثمرتُه، وطابت الظلالُ والمياهُ الباردةُ، فَرَكَنُوا إلى الدعةِ، وإلى نعيمِ الدنيا في

стр. 2900

الظلِّ والثمارِ والمياهِ والظلالِ الباردةِ، فَرَكَنُوا إلى هذا؛ لأن العدوَّ قَوِيٌّ وكثيرُ العددِ جِدًّا، والشقةُ بعيدةٌ، والزمانُ حَارٌّ؛ ولذا مَنْ تَكَاسَلُوا منهم وَبَّخَهُمُ اللَّهُ هذا التوبيخَ العظيمَ في هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ أي شيء ثبت لكم يقتضي نُكُولَكُمْ عن الغزوِ واختيارَكم للدعةِ والراحةِ على مرضاةِ اللَّهِ وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ؟ ﴿مَا لَكُمْ﴾ أي شيء ثبتَ لكم. ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ أي: إذا قال لكم رسولُ الله ﷺ وأصحابُه: ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ انْفِرُوا معناه: تَهَيَّؤُوا خارجينَ متحركينَ لحربِ الرومِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأَنَّ القتالَ والجهادَ في سبيلِ اللَّهِ هو أعظمُ أنواعِ سبيلِ اللَّهِ (جلَّ وعلا). ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ أصلُه: (تَثَاقَلْتُمْ) والمقررُ في علمِ العربيةِ: أن كُلَّ ماضٍ على وزنِ (تَفَاعَلَ) أو على وزن (تَفَعَّلَ) إذا تَقَارَبَتْ حروفُه الأُولَى، يكثرُ في اللغةِ العربيةِ إدغامُ بعضِها في بعضٍ واجتلابُ همزةِ الوصلِ لإمكانِ النطقِ بالساكنِ (١)، وهذا يكثرُ في القرآنِ في (تَفَاعَلَ) و (تَفَعَّلَ)، كقولِه هنا في (تفاعل): ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ أصلُه: (تثاقلتم)، ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: آية ٧٢] أصلُه: (تَدَارَأْتُمْ)، ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: آية ٣٨] أصلُه: (تَدَارَكُوا)، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ [النمل: آية ٦٦] أصلُه: (تَدَارَكَ علمُهم). وكذلك هو فِي (فَعَّلَ) كقولِه (جلَّ وعلا): ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: آية ٢٤] أصلُه: (تَزَيَّنَتْ) من (تَفَعَّلَ)، ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ [النمل: آية ٤٧] أصلُه: (تَطَيَّرْنَا). وهذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ،

стр. 2901

ومن شواهدِه العربيةِ المشهورةِ ما أَنْشَدَهُ الفراءُ من قولِ الشاعرِ (١): تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ يعني بقولِه «ما اتّابع»: تَتَابَعَ. ومعنَى ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ تَثَاقَلْتُمْ، أي: تَكَاسَلْتُمْ وتباطأتُم وتقاعستُم عن الخروجِ في سبيلِ اللَّهِ لغزوِ الكفارِ. ثم إن اللَّهَ أَنْكَرَ عليهم إنكارًا قويًّا بأداةِ الإنكارِ التي هي الهمزةُ في قولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ قد تَقَرَّرَ في عِلْمِ العربيةِ أن لفظةَ (مِنْ) تأتِي بمعنَى البدلِ (٢)، كقولِه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [الزخرف: آية ٦٠] أي: لَجَعَلْنَا بَدَلَكُمْ ملائكةً في الأرضِ ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ أي: بدلَ الآخرةِ، وإتيانُ (مِنْ) بمعنَى البدلِ، أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلَى طَهَيَانِ يعنِي ليس لنا شربةٌ باردةٌ مكانَ زمزمَ؛ لأنه يُؤْخَذُ حارًّا، ويُروَى: فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ حَمْنَانَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى طَهَيَانِ وَالطَّهَيَانُ: عُودٌ كانوا يجعلونَه مرتفعًا فِي جانبِ البيتِ متلقيًّا للهواءِ يعلقونَ عليه الماءَ ليبردَ (٤).

стр. 2902

وقولُه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ الهمزةُ همزةُ إنكارٍ؛ لأَنَّ أَسْفَهَ الناسِ وأقلَّهم عقلاً هو مَنْ يرضى بالدنيا بدلاً من الآخرةِ؛ لأنه يعتاضُ القليلَ التافهَ من الكثيرِ الذي لا يُقَدِّرُ قدرَه إلا اللَّهُ، وفي هذا وَبَّخَهُمْ؛ لأنه نَقْضٌ ضِمْنِيٌّ للعقدِ الذي عَقَدَهُ معهم؛ لأن اللَّهَ (جلَّ وعلا) عقد عُقْدَةً بينَه وبينَ عبادِه المؤمنينَ وَأَبْرَمَهَا، وهو أنه اشْتَرَى منهم أنفسَهم وأموالَهم بالجهادِ، يشتري من المؤمنِ حياتَه الدنيويةَ وهي حياةٌ قصيرةٌ مُنغَّصَةٌ مشوشةٌ بالأمراضِ والمصائبِ والبلايا والمشاقِّ، يشتريها منه بحياةٍ أبديةٍ سرمديةٍ، لا شيبَ فيها ولا هرمَ ولا مرضَ ولا غضبَ ولا أَلَمَ ولا تشويشَ، ويشتري منه مالاً قليلاً وَعَرَضًا زائلاً من الدنيا بِالْحُورِ الْعِينِ والوِلْدانِ وغُرَفِ الجنةِ وأنهارِها وثمارِها، والنظرِ إلى وَجْهِ اللَّهِ الكريمِ. فهذا هو البيعُ الرابحُ، وَاللَّهُ يقولُ في هذه السورةِ الكريمةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: آية ١١١] هذا هو البيعُ الرابحُ والمعاملةُ الراجحةُ، أما الذي يَنْقُضُهَا وينكثُها ويقدمُ للدنيا على الآخرةِ فهذا سَفِيهٌ يستحقُّ أشدَّ الإنكارِ؛ ولذا أَنْكَرَ اللَّهُ عليه بقولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ فإنه لا يَقْنَعُ بِالدُّونِ إلا مَنْ هو في غايةِ الدونِ، وقد صَدَقَ مَنْ قال (١): إِذَا مَا عَلَا الْمَرْءُ رَامَ الْعُلَا ... وَيَقْنَعُ بِالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا فلَا يقنعُ بالدونِ إلا مَنْ هو دُونَ كما لَا يَخْفَى، وهذا معنَى

стр. 2903

قولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾. قد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا أن تسميةَ اللَّهِ (جلَّ وعلا) في كتابِه للدارِ الذي نَؤُولُ إليها تسميته إِيَّاهَا (الآخرة) ينبغي للمسلمِ أن ينظرَ فيه ويعتبرَ فيه، وقد أَوْجَبَ اللَّهُ على كلِّ إنسانٍ أن ينظرَ في مبدئِه، وإذا نَظَرَ في مبدئِه دَعَاهُ ذلك إلى النظرِ في انتهاءِ أَمْرِهِ الذي يَؤُولُ به إلى مُسَمَّى الآخرةِ، وإيضاحُ ذلك أن اللَّهَ قال بصيغةِ أَمْرٍ سَمَاوِيٍّ من اللَّهِ ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ [الطارق: آية ٥] لامُ الأمرِ في قولِه: ﴿فَلْيَنْظُرِ﴾ لامُ أمرٍ صادرةٌ مِنْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ، متوجهةً إلى مُسَمَّى الإنسانِ، يأمرُه اللَّهُ أن ينظرَ إلى الشيءِ الذي خُلِقَ منه ليعلمَ مبدأَ أمرِه وَمِنْ أينَ جَاءَ؟ وما سببُ وجودِه؟ وعلى أَيِّ طريقٍ جَاءَ؟ ثُمَّ ليَنْظُرْ بعدَ ذلك في مصيرِه، وإلى أين يُذْهَبُ به، وإلى أين يَصِيرُ، وإلى أين يكونُ آخِرُ أَمْرِهِ؟ وقد بَيَّنَ لنا هذا المحكمَ المنزلَ الذي جَمَعَ اللَّهُ به علومَ الأولينَ والآخرينَ، مبدأُ هذا الإنسانِ الضعيفِ ومنتهاه، ومصيرُه النهائيُّ الذي لا يحيدُ عنه إلى شيءٍ آخَرَ، فَبَيَّنَ أن أولَ الإنسانِ ترابٌ بَلَّهُ اللَّهُ بماءٍ، وهو قولُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: آية ٥] فمبدأُ رحلةِ الإنسانِ ومنشؤُه من الترابِ، بَلَّهُ اللَّهُ بالماءِ، فصارَ طِينًا، وهو قولُه تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: آية ٦١] ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّنْ طِينٍ لَاّزِبٍ﴾ [الصافات: آية ١١] ثم جَعَلَ نسلَه من سلالةٍ من طِينٍ، ثم إن الله خَمَّرَ ذلك الطينَ حتى صَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، ثم أَيْبَسَهُ حتى صَارَ صلصالاً كالفخارِ، ثم خَلَقَ منه آدمَ وجعلَه لَحْمًا وَدَمًا، ثم خَلَقَ منه زوجَه، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: آية ١] هي آدمُ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حواءَ. وَذَكَرَ ذلك في الأعرافِ وفي الزمرِ كما

стр. 2904

هو معروفٌ، ثم بعدَ أن حَصَلَ رجلٌ وامرأةٌ صَارَ طريقةُ وجودِ الإنسانِ على طريقِ التناسلِ المعروفةِ، يكونُ أولاً من نطفةٍ أمشاجٍ من ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ، ثم يخلقُ اللَّهُ تلك النطفةَ علقةً وهي الدمُ الجامدُ الذي إذا صُبَّ عليه الماءُ الحارُّ لم يَذُبْ، ثم يجعلُ اللَّهُ تلك العلقةَ مضغةً، ثم المضغةَ عِظَامًا، ثم يَكْسُو العظامَ لَحْمًا، ويخلقُ هذا البشرَ السويَّ الذي تنظرونَ إليه، الذي كُلُّ موضعِ إبرةٍ منه فيها من غرائبِ صُنْعِ اللَّهِ وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ، وقد ذَكَرْنَا مِرَارًا أن أعظمَ مَا فُتِنَ به ضعافُ العقولِ من المسلمينَ حِذْقُ الإفرنجِ، في حالةِ الدنيا، وَمِنْ أبرعِ ما بَرَعُوا فيه الطبُّ، وأنا أقولُ لكم: إنه لو اجتمعَ اليومَ جميعُ مَنْ في المعمورةِ مِنْ مهَرَةِ الأطباءِ يريدونَ أن يعملوا عمليةً في جَنِينٍ في رَحِمِ أُمِّهِ فإنهم لا يقدرونَ أن يعملوا العمليةَ حتى يَشُقُّوا بطنَها وَرَحِمَهَا والمشيمةَ التي على الولدِ، ثم يأتوا بالأشعةِ الكهربائيةِ ليمكنَهم أن يَرَوْا، ثم يعملوا، فقد تموتُ وهو الأغلبُ!! وهذا خالقُ السماواتِ والأرضِ (جلَّ وعلا)، ليس فِينَا ولا فيهم ولا في غيرِنا أحدٌ إلا وهو يعملُ فيه آلافَ العملياتِ الهائلةِ وهو في بطنِ أُمِّهِ، من غيرِ أن يحتاجَ إلى شَقِّ بطنِها، ولا إلى شَقِّ رَحِمِهَا، ولا إلى شَقِّ المشيمةِ التي على الولدِ ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: الآية ٦]. هذه الأعينُ قد فَتَحَهَا اللَّهُ (جلَّ وعلا) وأنتم في بطونِ أمهاتِكم، وَصَبَغَ بعضَها بصبغٍ أسودَ، وبعضَها بصبغٍ أبيضَ، وَأَنْبَتَ عليها هذا الشعرَ، وجعلَ لها هذا الوعاءَ من الجفونِ، وهذا الدماغَ خَلَقَهُ وجعلَه في هذا الوعاءِ، وَخَاطَ عليه هذه العظامَ هذه الخياطةَ الهائلةَ، وهذا

стр. 2905

الأنفُ خلقَه وثقبَه، وهذا الفمُ خلقَه وثقبَه، وجعلَ اللسانَ، وَأَجْرَى في الفمِ عَيْنًا باردةً هي الريقُ، يبتلعُ بها الطعامَ، لو أَمْسَكَ عنه الريقَ لَمَا ابتلعَ الزبدَ الذائبَ، وَشَقَّ له مجاريَ البولِ، ومجاريَ الغائطِ، ومجاريَ العروقِ والشرايين للدورةِ الدمويةِ، ولو نُظِرَ إلى موضعِ عضوٍ واحدٍ من الإنسانِ لوُجِدَ فيه من غرائبِ صنعِ اللَّهِ وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ، ومع هذا كلِّه فخالقُ السماواتِ والأرضِ يجعلُ هذه العملياتِ الهائلةَ فيكم وأنتم في بطونِ أمهاتِكم، من غيرِ أن يحتاجَ إلى بِنْجٍ، بل بِنْجُ القدرةِ وعظمةِ الخالقِ، يُفْعَلُ للمرأةِ جميعُ هذا وهي تضحكُ وتفرحُ وتمرحُ وتعصِي خالقَ السماواتِ والأرضِ، لَا تشعرُ بشيءٍ، لعظمةِ وقدرةِ هذا الإلهِ الخالقِ العظيمِ (جلَّ وعلا)، ثم إن الله (جلَّ وعلا) يخلقُ هذا الإنسانَ بما فيه من الغرائبِ والعجائبِ الذي كُلُّ موضعِ إبرةٍ منه يبهرُ العقولَ بما أَوْدَعَ فيه اللَّهُ مِنْ بارعِ صنعِه وغرائبِ عجائبِه، ثم يخرجُه من بطنِ أُمِّهِ ويسهلُ له طريقَ الخروجِ من ذلك المكانِ الضيقِ كما يأتِي في قولِه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ [عبس: آية ٢٠] ثم يُلْهِمُهُ أَخْذَ الثديِ وهو في ذلك الصغرِ، ويلطفُ به حتى يكبرَ ويعظمَ ويكونَ قويًّا يجادلُ في رَبِّهِ، وتلك المحطةُ هي التي نَحْنُ فيها الآنَ، فقد جَاوَزْنَا ما قبلَها من المحطاتِ، وهي التي نحنُ فيها الآنَ، وهذه المحطةُ التي نحنُ فيها هي المحطةُ التي يُؤْخَذُ منها الزادُ، والسفرُ أمامَها طويلٌ، وَالشُّقَّةُ هائلةٌ، فَكَأَنَّ الإنسانَ يُقال له: يا مسكينُ، أنتَ في رحلةٍ عظيمةٍ، وَآخِرُهَا أعظمُ من أَوَّلِهَا، أشدُّ مسافةً وأكبرُ خطرًا وأعظمُ غررًا، فَخُذْ أهبتَك في وقتِ الإمكانِ، وليس موضع يمكنكَ به أخذُها إلا في هذا الزمنِ، الذي لا تَدْرِي في أَيِّ وقتٍ يقطعُك الموتُ فيه وَيَخْتَرِمُكَ، فعلى الإنسانِ أن يبادرَ بأعظمِ ما

стр. 2906

يكونُ من السرعةِ ليأخذَ زَادَهُ ويستعدَّ عدتَه لبقيةِ هذا السفرِ العظيمِ الهائلِ الشاقِّ، ثم بعدَ هذه المرحلةِ ننتقلُ جميعًا إلى مرحلةٍ تُسَمَّى مرحلةَ القبورِ، نصيرُ جميعًا إلى القبورِ كما صَارَ إليها مَنْ قَبْلَنَا. وَذَكَرُوا أن أعرابيًّا بدويًّا سمع قارئًا يقرأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: الآيتانِ ١، ٢]. قال: انْصَرَفُوا وَاللَّهِ من المقابرِ إلى دارٍ أُخْرَى (١). لأن الزائرَ مُنْصَرِفٌ لا محالةَ، ثم إنهم يومَ القيامةِ يُخْرَجُونَ من القبورِ إلى محطةٍ أخرى وهي محطةُ عرصاتِ الحشرِ، يجتمعونَ فيها جميعًا في صعيدٍ واحدٍ ينفذُهم البصرُ ويُسمعُهم الدَّاعِي، ثم يَقْضِي اللَّهُ بينَ خلقِه بالشفاعةِ الكبرى، شفاعةِ سيدِ الأنبياءِ محمدٍ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، فإذا انْقَضَى حسابُهم وَتَمَّتْ مجازاتُهم، عندَ ذلك صدورًا أشتاتًا ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: آية ٦] فمذهوبٌ به ذاتَ اليمينِ إلى الجنةِ، ومذهوبٌ به ذاتَ الشمالِ إلى النارِ، ولَا يجتمعونَ بَعْدَ ذلك، وهذا قولُه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، وهذه الأشتاتُ قَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ معناها في سورةِ الرومِ، في قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: الآيات ١٤ - ١٦]. فإذا دَخَلُوا أماكنَهم دَخَلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، وفي ذلك الوقتِ يُدْعَى بالموتِ في صورةِ كبشٍ أملحَ، في مَرْأَى كُلٍّ منهم ثم يُذْبَحُ، ويُقال: يا أهلَ الجنةِ خلودٌ فلَا موتَ، ويا أهلَ النارِ خلودٌ فلَا موتَ، وذلك هو معنَى قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

стр. 2907

[مريم: آية ٣٩] إِذْ قُضي الأمرُ وَذُبِحَ الموتُ واستقرَّ كلٌّ في منزلِه استقرارًا أبديًّا، فهذا الاستقرارُ الذي لا تَحَوُّل بعدَه، من أجلِه قِيلَ للدارِ (الآخرة) لأنها ليس بعدَها محطةٌ أخرى ينتقلُ إليها، فهي آخِرُ المحطاتِ التي ينتقلُ إليها، لا يبغونَ عنها حِوَلاً في الجنةِ، ولا خروجَ لهم من النارِ، وهذا هو معنَى قولِه: (الآخرة). قولُه تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ﴾ أي: في جنبِها وبالنسبةِ والإضافةِ إليها ﴿إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ جِدًّا، قد جاء عن النبيِّ ﷺ أنه ضَرَبَ لذلك مَثَلاً بِمَنْ وَضَعَ إصبعَه في البحرِ، فَلْيَنْظُرْ بماذا يخرجُ به أصبعُه من البحرِ (١)، فذلك بمثابةِ قلةِ الدنيا بجنبِ الآخرةِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ لأَنَّ الدنيا دارٌ قليلٌ ما فيها، وأهلُها الذين كانوا يتمتعونَ بها إذا بُعِثُوا يحلفونَ أنهم ما مَكَثُوا فيها إلا ساعةً كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: آية ٥٥] وَبَيَّنَ أن أقواهم عقلاً وأثبتَهم نظرًا يَدَّعِي أنهم مَكَثُوا يومًا أو بعضَ يومٍ، وهو قولُه في (طه): ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ يَوْمًا﴾ [طه: آية ١٠٤] وهذا معنَى قولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ (الدنيا) تأنيثُ الأَدْنَى، وهي في غايةِ الدناءةِ والدنوِّ؛ لأنها قِيلَ من الدنوِّ بأنها عَرَضٌ عاجلٌ الآنَ، وقيل من الدناءةِ بالنسبةِ إلى الآخرةِ (٢).

стр. 2908

﴿إِلَاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: آية ٣٩]. قولُه: ﴿إِلَاّ تَنْفِرُوا﴾ هي (إن) الشرطيةُ أُدْغِمَتْ في (إلا) يعنِي: إلا تَنْفِرُوا، إن لم تَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ وَتَنْفِرُوا لجهادِ أعداءِ اللَّهِ وإعلاءِ كلمتِه فإن ذلك ضررُه عليكم لا على اللَّهِ ولا على رسولِه. وهذه الآيةُ فيها سِرٌّ عظيمٌ يَعْلَمُ به الإنسانُ أن كُلَّ ما يفعلُه إنما أثرُه راجعٌ إلى نفسِه، فإن كان شَرًّا فهو يَجْنِي شَرًّا على نفسه، وإن كان خيرًا فهو يجلبُ الخيرَ لنفسِه ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: آية ٧]. فَعَلَى كُلِّ عاقلٍ في دارِ الدنيا أن يعتبرَ بمعنَى هذه الآيةِ وما في معناها من الآياتِ، وهو أن ما يفعلُه الإنسانُ لَا يَجْنِيهِ إلا هو، وأن حركاتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا يَبْنِي بها مسكنَه الذي يصلُ إليه ويخلدُ فيه خلودًا أبديًّا يومَ القيامةِ، فهذه الحركاتُ والسكناتُ في دارِ الدنيا يظنُّ الجاهلُ أنها أمورٌ لَا طائلَ تحتَها، ولا يلزمُ الاحتياطُ والنظرُ الدقيقُ فيها، وهذا من أشنعِ الغلطِ؛ لأن حركاتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا مُقْبِلاً ومدبرًا، ذاهبًا وجائيًا، متصرفًا هنا وهنا، كُلُّهُ يبني منزلَه ومقرَّه النهائيَّ، إما أن يَبْنِيَ بذلك غرفةً من غرفِ الجنةِ يخلدُ فيها، أو يبنيَ به سجنًا من سجونِ جهنمَ، هذا هو الواقعُ، فَعَلَى كُلِّ مسلمٍ أن ينظرَ في أقوالِه وأفعالِه، فيعلم أنه ينفعُ بالطيبِ منها نفسَه، ويضرُّ بالخبيثِ منها نفسَه، ليحاسبَ فيجتنبَ الخبيثَ ويجتلبَ الطَّيِّبَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِلَاّ تَنْفِرُوا﴾ إلا تَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ ورسولِه بالنفرِ إلى الأعداءِ لجهادِ أعداءِ اللَّهِ، وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ، ونصرِ دينِ اللَّهِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أنتم الذين تنالون الضرَّ مِنْ ذلك. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الظاهرُ أن هذا العذابَ شاملٌ لعذابِ

стр. 2909

الدنيا وعذابِ الآخرةِ، لأن التكاسلَ عن مقاومةِ الأعداءِ في دارِ الدنيا من أسبابِ عذابِ الدنيا؛ لأنه يُضْعِفُ المسلمينَ ويقوي أعداءَهم فيُهينونهم في قعرِ بيوتِهم كما هو واقعٌ الآنَ؛ لأن المسلمينَ، أو من يتسمونَ باسمِ المسلمينَ معذبونَ في أقطارِ الدنيا من جهةِ الكفرةِ، يضطهدونَهم، ويظلمونَهم، ويقتلونَهم، ويتحكمونَ في خيراتِ بلادِهم، وهذا كُلُّهُ من أنواعِ عذابِ الدنيا لتركِهم الجهادَ وإعلاءَ كلمةِ اللَّهِ (جلَّ وعلا). وما ذكره غيرُ واحدٍ عن ابنِ عباسٍ من أنه قال: إن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في بعضِ قبائلِ العربِ، اسْتَنْفَرَهُمُ النبيُّ ﷺ إلى الغزوِ فَامْتَنَعُوا، فمنع اللَّهُ عنهم المطرَ، وأضرَّهم بالقحطِ (١). هذا قد يدخلُ في الآيةِ في الجملةِ، ولا يمكنُ أن يكونَ معناها؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾. فهذا يدلُّ على أن المرادَ به ليس حبسَ المطرِ، وإن كان حبسُ المطرِ من أنواعِ العذابِ التي تُسَبِّبُهَا مخالفةُ اللَّهِ (جلَّ وعلا)؛ لأن مخالفةَ اللَّهِ وعدمَ القيامِ بأمرِه ونهيِه هي سببُ كُلِّ البلايا كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: آية ٣٠]. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الأليمُ: معناه الْمُوجِعُ الذي يَجِدُ صاحبُه شدةَ أَلَمِهِ ووجعِه، والتحقيقُ هو ما قَدَّمْنَاهُ مرارًا (٢): أن الأليمَ بمعنَى المؤلمِ، وأن (الفعيل) يأتِي في لغةِ العربِ بمعنَى (الْمُفْعِلِ).

стр. 2910

فما ذَكَرَهُ بعضُهم عن الأصمعيِّ من أن (الفعيل) لا يكونُ بمعنَى (المُفعل) وعليه أَرَادَ بعضُهم أن يفسرَ الأليمَ بأنه يُؤْلَمُ به أو يُحْصَلُ بسببِه أَلَمٌ، فَكُلُّهُ خلافُ التحقيقِ، والتحقيقُ أن من أساليبِ اللغةِ العربيةِ إطلاقَهم (الفعيلَ) وإرادةَ (المُفعِل) وهذا معروفٌ في كلامهم، ومنه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: آية ١٠١] أي: مبدعُها، ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ [هود: آية ٢٥] أي: منذرٌ لكم، ونظيرُه من كلامِ العربِ قولُ غيلانَ بنِ عقبةَ المعروفِ بذي الرُّمَّةِ (١): وَيَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ ... يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمٌ أَيْ: مُؤْلِمٌ، وقولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ (٢): أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ فقولُه: «الدَّاعِي السَّمِيعُ» يعني: الدَّاعِي الْمُسْمِعُ، وقول عمرِو بنِ معدِ يكربَ أيضًا (٣): وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ أَيْ: مُوجِعٌ. وهذا هو الصحيحُ. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أَكْثَرَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في القرآنِ مِنْ ذِكْرِهِ أن الموجودينَ إذا لم يُطِيعُوهُ وَيَمْتَثِلُوا أمرَه فهو غَنِيٌّ عنهم قادرٌ على إذهابِهم وإزالتِهم بالكليةِ والإتيانِ بِمَنْ يَخْلُفُهُمْ، بل مَنْ يكونُ خَيْرًا منهم، وقد قَدَّمْنَا هذا مِرَارًا وسيأتِي أيضًا، فَمِنَ الآياتِ التي بَيَّنَ بها هذا قولُه تعالى في سورةِ النساءِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ
следующие страницы →