← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

يكونُ من السرعةِ ليأخذَ زَادَهُ ويستعدَّ عدتَه لبقيةِ هذا السفرِ العظيمِ الهائلِ الشاقِّ، ثم بعدَ هذه المرحلةِ ننتقلُ جميعًا إلى مرحلةٍ تُسَمَّى مرحلةَ القبورِ، نصيرُ جميعًا إلى القبورِ كما صَارَ إليها مَنْ قَبْلَنَا. وَذَكَرُوا أن أعرابيًّا بدويًّا سمع قارئًا يقرأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: الآيتانِ ١، ٢]. قال: انْصَرَفُوا وَاللَّهِ من المقابرِ إلى دارٍ أُخْرَى (١). لأن الزائرَ مُنْصَرِفٌ لا محالةَ، ثم إنهم يومَ القيامةِ يُخْرَجُونَ من القبورِ إلى محطةٍ أخرى وهي محطةُ عرصاتِ الحشرِ، يجتمعونَ فيها جميعًا في صعيدٍ واحدٍ ينفذُهم البصرُ ويُسمعُهم الدَّاعِي، ثم يَقْضِي اللَّهُ بينَ خلقِه بالشفاعةِ الكبرى، شفاعةِ سيدِ الأنبياءِ محمدٍ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، فإذا انْقَضَى حسابُهم وَتَمَّتْ مجازاتُهم، عندَ ذلك صدورًا أشتاتًا ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: آية ٦] فمذهوبٌ به ذاتَ اليمينِ إلى الجنةِ، ومذهوبٌ به ذاتَ الشمالِ إلى النارِ، ولَا يجتمعونَ بَعْدَ ذلك، وهذا قولُه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، وهذه الأشتاتُ قَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ معناها في سورةِ الرومِ، في قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: الآيات ١٤ - ١٦]. فإذا دَخَلُوا أماكنَهم دَخَلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، وفي ذلك الوقتِ يُدْعَى بالموتِ في صورةِ كبشٍ أملحَ، في مَرْأَى كُلٍّ منهم ثم يُذْبَحُ، ويُقال: يا أهلَ الجنةِ خلودٌ فلَا موتَ، ويا أهلَ النارِ خلودٌ فلَا موتَ، وذلك هو معنَى قولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

стр. 2907

[مريم: آية ٣٩] إِذْ قُضي الأمرُ وَذُبِحَ الموتُ واستقرَّ كلٌّ في منزلِه استقرارًا أبديًّا، فهذا الاستقرارُ الذي لا تَحَوُّل بعدَه، من أجلِه قِيلَ للدارِ (الآخرة) لأنها ليس بعدَها محطةٌ أخرى ينتقلُ إليها، فهي آخِرُ المحطاتِ التي ينتقلُ إليها، لا يبغونَ عنها حِوَلاً في الجنةِ، ولا خروجَ لهم من النارِ، وهذا هو معنَى قولِه: (الآخرة). قولُه تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ﴾ أي: في جنبِها وبالنسبةِ والإضافةِ إليها ﴿إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ جِدًّا، قد جاء عن النبيِّ ﷺ أنه ضَرَبَ لذلك مَثَلاً بِمَنْ وَضَعَ إصبعَه في البحرِ، فَلْيَنْظُرْ بماذا يخرجُ به أصبعُه من البحرِ (١)، فذلك بمثابةِ قلةِ الدنيا بجنبِ الآخرةِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ لأَنَّ الدنيا دارٌ قليلٌ ما فيها، وأهلُها الذين كانوا يتمتعونَ بها إذا بُعِثُوا يحلفونَ أنهم ما مَكَثُوا فيها إلا ساعةً كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: آية ٥٥] وَبَيَّنَ أن أقواهم عقلاً وأثبتَهم نظرًا يَدَّعِي أنهم مَكَثُوا يومًا أو بعضَ يومٍ، وهو قولُه في (طه): ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ يَوْمًا﴾ [طه: آية ١٠٤] وهذا معنَى قولِه: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَاّ قَلِيلٌ﴾ (الدنيا) تأنيثُ الأَدْنَى، وهي في غايةِ الدناءةِ والدنوِّ؛ لأنها قِيلَ من الدنوِّ بأنها عَرَضٌ عاجلٌ الآنَ، وقيل من الدناءةِ بالنسبةِ إلى الآخرةِ (٢).

стр. 2908

﴿إِلَاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: آية ٣٩]. قولُه: ﴿إِلَاّ تَنْفِرُوا﴾ هي (إن) الشرطيةُ أُدْغِمَتْ في (إلا) يعنِي: إلا تَنْفِرُوا، إن لم تَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ وَتَنْفِرُوا لجهادِ أعداءِ اللَّهِ وإعلاءِ كلمتِه فإن ذلك ضررُه عليكم لا على اللَّهِ ولا على رسولِه. وهذه الآيةُ فيها سِرٌّ عظيمٌ يَعْلَمُ به الإنسانُ أن كُلَّ ما يفعلُه إنما أثرُه راجعٌ إلى نفسِه، فإن كان شَرًّا فهو يَجْنِي شَرًّا على نفسه، وإن كان خيرًا فهو يجلبُ الخيرَ لنفسِه ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: آية ٧]. فَعَلَى كُلِّ عاقلٍ في دارِ الدنيا أن يعتبرَ بمعنَى هذه الآيةِ وما في معناها من الآياتِ، وهو أن ما يفعلُه الإنسانُ لَا يَجْنِيهِ إلا هو، وأن حركاتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا يَبْنِي بها مسكنَه الذي يصلُ إليه ويخلدُ فيه خلودًا أبديًّا يومَ القيامةِ، فهذه الحركاتُ والسكناتُ في دارِ الدنيا يظنُّ الجاهلُ أنها أمورٌ لَا طائلَ تحتَها، ولا يلزمُ الاحتياطُ والنظرُ الدقيقُ فيها، وهذا من أشنعِ الغلطِ؛ لأن حركاتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا مُقْبِلاً ومدبرًا، ذاهبًا وجائيًا، متصرفًا هنا وهنا، كُلُّهُ يبني منزلَه ومقرَّه النهائيَّ، إما أن يَبْنِيَ بذلك غرفةً من غرفِ الجنةِ يخلدُ فيها، أو يبنيَ به سجنًا من سجونِ جهنمَ، هذا هو الواقعُ، فَعَلَى كُلِّ مسلمٍ أن ينظرَ في أقوالِه وأفعالِه، فيعلم أنه ينفعُ بالطيبِ منها نفسَه، ويضرُّ بالخبيثِ منها نفسَه، ليحاسبَ فيجتنبَ الخبيثَ ويجتلبَ الطَّيِّبَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿إِلَاّ تَنْفِرُوا﴾ إلا تَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ ورسولِه بالنفرِ إلى الأعداءِ لجهادِ أعداءِ اللَّهِ، وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ، ونصرِ دينِ اللَّهِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أنتم الذين تنالون الضرَّ مِنْ ذلك. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الظاهرُ أن هذا العذابَ شاملٌ لعذابِ

стр. 2909

الدنيا وعذابِ الآخرةِ، لأن التكاسلَ عن مقاومةِ الأعداءِ في دارِ الدنيا من أسبابِ عذابِ الدنيا؛ لأنه يُضْعِفُ المسلمينَ ويقوي أعداءَهم فيُهينونهم في قعرِ بيوتِهم كما هو واقعٌ الآنَ؛ لأن المسلمينَ، أو من يتسمونَ باسمِ المسلمينَ معذبونَ في أقطارِ الدنيا من جهةِ الكفرةِ، يضطهدونَهم، ويظلمونَهم، ويقتلونَهم، ويتحكمونَ في خيراتِ بلادِهم، وهذا كُلُّهُ من أنواعِ عذابِ الدنيا لتركِهم الجهادَ وإعلاءَ كلمةِ اللَّهِ (جلَّ وعلا). وما ذكره غيرُ واحدٍ عن ابنِ عباسٍ من أنه قال: إن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في بعضِ قبائلِ العربِ، اسْتَنْفَرَهُمُ النبيُّ ﷺ إلى الغزوِ فَامْتَنَعُوا، فمنع اللَّهُ عنهم المطرَ، وأضرَّهم بالقحطِ (١). هذا قد يدخلُ في الآيةِ في الجملةِ، ولا يمكنُ أن يكونَ معناها؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾. فهذا يدلُّ على أن المرادَ به ليس حبسَ المطرِ، وإن كان حبسُ المطرِ من أنواعِ العذابِ التي تُسَبِّبُهَا مخالفةُ اللَّهِ (جلَّ وعلا)؛ لأن مخالفةَ اللَّهِ وعدمَ القيامِ بأمرِه ونهيِه هي سببُ كُلِّ البلايا كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: آية ٣٠]. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الأليمُ: معناه الْمُوجِعُ الذي يَجِدُ صاحبُه شدةَ أَلَمِهِ ووجعِه، والتحقيقُ هو ما قَدَّمْنَاهُ مرارًا (٢): أن الأليمَ بمعنَى المؤلمِ، وأن (الفعيل) يأتِي في لغةِ العربِ بمعنَى (الْمُفْعِلِ).

стр. 2910

فما ذَكَرَهُ بعضُهم عن الأصمعيِّ من أن (الفعيل) لا يكونُ بمعنَى (المُفعل) وعليه أَرَادَ بعضُهم أن يفسرَ الأليمَ بأنه يُؤْلَمُ به أو يُحْصَلُ بسببِه أَلَمٌ، فَكُلُّهُ خلافُ التحقيقِ، والتحقيقُ أن من أساليبِ اللغةِ العربيةِ إطلاقَهم (الفعيلَ) وإرادةَ (المُفعِل) وهذا معروفٌ في كلامهم، ومنه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: آية ١٠١] أي: مبدعُها، ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ [هود: آية ٢٥] أي: منذرٌ لكم، ونظيرُه من كلامِ العربِ قولُ غيلانَ بنِ عقبةَ المعروفِ بذي الرُّمَّةِ (١): وَيَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ ... يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمٌ أَيْ: مُؤْلِمٌ، وقولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ (٢): أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ فقولُه: «الدَّاعِي السَّمِيعُ» يعني: الدَّاعِي الْمُسْمِعُ، وقول عمرِو بنِ معدِ يكربَ أيضًا (٣): وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ أَيْ: مُوجِعٌ. وهذا هو الصحيحُ. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أَكْثَرَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في القرآنِ مِنْ ذِكْرِهِ أن الموجودينَ إذا لم يُطِيعُوهُ وَيَمْتَثِلُوا أمرَه فهو غَنِيٌّ عنهم قادرٌ على إذهابِهم وإزالتِهم بالكليةِ والإتيانِ بِمَنْ يَخْلُفُهُمْ، بل مَنْ يكونُ خَيْرًا منهم، وقد قَدَّمْنَا هذا مِرَارًا وسيأتِي أيضًا، فَمِنَ الآياتِ التي بَيَّنَ بها هذا قولُه تعالى في سورةِ النساءِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ

стр. 2911

وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: آية ١٣٣] وقولُه في الأنعامِ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: آية ١٣٣] وقولُه تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: الآيتانِ ١٩، ٢٠]. وقولُه في سورةِ القتالِ: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: آية ٣٨] ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: آية ٥٤] أي: بدلاً من هؤلاء الْمُرْتَدِّينَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: آية ٣٩] أي: يأتِي بقومٍ يجعلُهم بَدَلَكُمْ خَيْرًا منكم، إذا اسْتُنْفِرُوا نَفَرُوا، ولا يُؤْثِرُونَ الحياةَ الدنيا على الآخرةِ، كما دَلَّتْ عليه هذه الآياتُ المذكورةُ، وهذا معنَى قولِه: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. وقد ذَكَرْنَا مِرَارًا (١)، أن لفظةَ (القومِ) اسمُ جمعٍ لَا واحدَ له من لفظِه، يُطْلَقُ في اللغةِ العربيةِ الإطلاقَ الأولَ على الذكورِ خاصةً دونَ النساءِ؛ لأنه وُضِعَ للذكورِ خاصةً، وربما دَخَلَتْ فيه النساءُ بِحُكْمِ التبعِ إذا دَلَّ على ذلكِ قرينةٌ، أما الدليلُ على أن القومَ اسمُ جمعٍ خاصٌّ بالرجالِ، في أصلِ وضعِه: فقولُه تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: آية ١١] ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾ فعطفُه النساءَ على القومِ يدلُّ على عدمِ دخولِهن في اسمِ القومِ، ونظيرُه من كلامِ العربِ قولُ زهيرِ بنِ أبِي سُلْمَى (٢):

стр. 2912

وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ فَعَطَفَ النساءَ على القومِ، وربما دَخَلَتِ النساءُ في اسمِ القومِ بحكمِ التبعِ إذا دَلَّتْ على ذلك قرينةٌ خارجيةٌ، ومنه قولُه تعالى في سورةِ النملِ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: آية ٤٣]. وقولُه: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ قال بعضُ العلماءِ: الضميرُ المنصوبُ في «تَضُرُّوهُ» عائدٌ إلى اللَّهِ، أي: لَا تَضُرُّوا اللَّهَ شيئًا بعدمِ امتثالِكم أمرَه ولَا سعيِكم في إعلاءِ كلمتِه (١). وهذا الوجهُ هو الذي يشهدُ له القرآنُ كقولِه (جلَّ وعلا): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [محمد: آية ٣٢] وتدلُّ على هذا الآياتُ القرآنيةُ الكثيرةُ أن اللَّهَ غَنِيٌّ عن خَلْقِهِ الذين يدعوهم لطاعتِه، فإنما يَدْعُوهُمْ لنفعِهم، فامتثالُهم نَفْعُهُ لهم، وتمردُهم ضررُه عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: آية ٦]، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: آية ٨]، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: آية ٧] إلى غيرِ ذلكَ من الآياتِ. وقال بعضُ العلماءِ: الضميرُ المنصوبُ عائدٌ إلى النبيِّ ﷺ (٢)، أَيْ: لَا تَضُرُّوا النبيَّ ﷺ بذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ له بنصرِه، كما يأتِي في قولِه: ﴿إِلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ... ﴾ الآيةَ [التوبة: آية ٤٠]

стр. 2913

وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: آية ٣٩] معناه: أنه (جلَّ وعلا) قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، فهو قادرٌ على ما شَاءَ، وقادرٌ أيضًا على ما لم يَشَأْ، فهو (جَلَّ وَعَلَا) قادرٌ على هدايةِ أبِي بكرٍ الصديقِ، وقادرٌ على هدايةِ أبِي لَهَبٍ، لَا شَكَّ أنه قادرٌ على الأَمْرَيْنِ، وقد أَرَادَ أحدَ الْمَقْدُورَيْنِ، وهو هدايةُ أبِي بكرٍ، وَلَمْ يُرِدِ المقدورَ الثانيَ وهو هدايةُ أبِي لهبٍ، فهو (جلَّ وعلا) قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، لا يَتَعَاصَى عليه شيءٌ، يقولُ للشيءِ: كُنْ فَيَكُونُ، خَلْقُهُ لجميعِ البشرِ كخلقِه لنفسٍ واحدةٍ ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: آية ٢٨] لأنه (جلَّ وعلا) لا يَتَعَاصَى على قدرتِه شيءٌ سبحانَه (جل وعلا). [٧/ب] / يقولُ اللَّهُ جلَّ وعلا: ﴿إِلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: آية ٤٠]. هذه الآيةُ يقولُ اللَّهُ (جلَّ وعلا) فيها للذين تَكَاسَلُوا عن غزوةِ تبوكَ وَتَثَاقَلُوا وَتَبَاطَؤُوا أن يَغْزُوا الرومَ مع النبيِّ ﷺ : ﴿إِلَاّ تَنْصُرُوهُ﴾ (إن) هي الشرطيةُ مدغمةً في (لا) والضميرُ المنصوبُ في (تنصروه) عائدٌ إلى النبيِّ ﷺ ، يعني: إن تَتَقَاعَسُوا وَتَتَثَاقَلُوا عن نصرةِ نَبِيِّهِ ﷺ في غزوةِ تبوكَ فإن الله نَاصِرُهُ لَا محالةَ، سواء تَثَاقَلْتُمْ أَمْ لَمْ تَتَثَاقَلُوا. وقد بَيَّنَ (جَلَّ وعلا) أنه نَصَرَهُ في حالةِ الضعفِ والقلةِ، في حالةِ كَانَ هو وصاحبُه دَاخِلَيْنِ في غارٍ مُخْتَفِيَيْنِ عن المشركينَ، فَلَمَّا نصره اللَّهُ في حالةِ الضعفِ والقلةِ فكيفَ لَا ينصرُه في حالةِ الكثرةِ والقوةِ؟ وهذا

стр. 2914

معنَى قولِه: ﴿إِلَاّ تَنْصُرُوهُ﴾ فَاللَّهُ ناصرُه على كُلِّ حالٍ، ثم بَيَّنَ نَصْرَهُ له السابقَ في حالةِ الضعفِ والقلةِ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ على أعدائِه حيث أَنْجَاهُ اللَّهُ منهم، وَخَيَّبَ مكرَهم وأبطلَه، ثم أظهرَه عليهم بَعْدَ ذلك. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حينَ أَخْرَجَهُ الذين كفروا وهم كفارُ مكةَ، ومعنَى إخراجِهم له أنهم اضْطَرُّوهُ وَأَلْجَؤُوهُ إلى أن يخرجَ؛ لأن النبيَّ ﷺ كان فِي حياةِ عَمِّهِ أبِي طالبٍ يدفعُ عنه مَكْرَ قريشٍ، وَيَحْمِيهِ منهم، ويقولُ له (١): وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا فَلَمَّا مَاتَ أبو طالب وَجَدَ الأنصارَ وَبَايَعُوا النبي ﷺ بيعةَ العقبةِ خاف قريشٌ من النبيِّ ﷺ ، وَعَظُمَ عليهم أَمْرُهُ، وَهَالَهُمْ شأنُه، فقالوا: هذا الرجلُ صار له أتباعٌ في القبائلِ الأُخْرَى، فما نَأْمَنُ أن يَغْزُونَا بأتباعه فيحتلنا. واعتزموا على أن يقتلوه، وقد قَدَّمْنَا السببَ الذي أَلْجَأَ النبيَّ ﷺ إلى الهجرةِ في سورةِ الأنفالِ، في الكلامِ على قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ (٢) [الأنفال: آية ٣٠]. وذلك أن قريشًا لَمَّا هَالَهُمْ أمرُ النبيِّ ﷺ وَعَظُمَ عليهم شأنُه، وخافوا أن تتبعَه قبائلُ العربِ فيغزوَهم بهم حاولوا أن يقتلوه، فاجتمعوا في دارِ الندوةِ، واجتمعَ جميعُ ساداتِ قبائلِ قريشٍ في ذلك الاجتماعِ، وجاءهم إبليسُ - عليه لعائنُ اللَّهِ - في صورةِ شيخٍ جليلٍ جَائيًا من

стр. 2915

بلادِ نَجْدٍ، وقال لهم: قد علمتُ بما اعتزمتُم عليه. وَأَرَادَ أن يجلسَ معهم ليتبادلَ معهم الرأيَ، أَدْخَلُوهُ معهم، فَتَشَاوَرُوا في أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال قائلٌ منهم، يقال هو أبو البختريِّ: احْبِسُوهُ وَنَتْرُكُهُ مَحْبُوسًا حتى يموتَ. فقال ذلك الشيخُ الذي هو إبليسُ في صورةِ ذلك الشيخِ: ليس هذا لكم بِرَأْيٍ؛ لأنكم إن حبستموه جاء بَنُو عَمِّهِ وأتباعُه فَانْتَزَعُوهُ منكم، وَغَلَبُوكُمْ عليه. فقال آخَرُ: نرى أن نخرجَه من بلادِنا وأرضِنا ونصلحَ شأنَنا بعدَه إذا أَخْرَجْنَاهُ. فقال لهم إبليسُ اللعينُ في صورةِ ذلك الشيخِ: ليس هذا وَاللَّهِ بِرَأْيٍ؛ لأنكم إن أَخْرَجْتُمُوهُ فقد عرفتُم حلاوةَ منطقِه، وعذوبةَ لسانِه، فقد يَتْبَعُهُ الناسُ فيغزوكم في ديارِكم فيغلبَكم على أَمْرِكُمْ. فقال أبو جهلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: إن عندي لَرَأْيًا ما أراكم ذَكَرْتُمُوهُ، خُذُوا من كُلِّ قبيلةٍ من قبائلِ قريشٍ شابًّا حدثًا قويًّا وَأَعْطُوهُ سَيْفًا وأْمُرُوهُمْ يضربوه ضربةَ رجلٍ واحدٍ فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في قبائلِ قريشٍ، فلن يستطيعَ بَنُو عبدِ منافٍ أن يُحَارِبُوا جميعَ قريشٍ، فيقبلوا منا عقلَه، فنعقلَه ونعطيَهم دِيَتَهُ، ونستريحَ من شَأْنِهِ. فقال لهم إبليسُ اللعينُ: هذا وَاللَّهِ هو الرأيُ. فَأَجْمَعُوا رأيَهم على هذا وأنهم يقتلونَه، واجتمعوا لتنفيذِ ذلك عندَ بابِ الدارِ التي ينامُ فيها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وكان أَبْو بَكْرٍ ﵁ قبلَ ذلك هَاجَرَ إلى الحبشةِ فِيمَنْ هَاجَرَ، فَلَقِيَهُ عمرُو بنُ الدغنةِ سيدُ بَنِي القارةِ، وهم بنو الهونِ بنِ خزيمةَ بنِ مدركةَ بنِ إلياسَ، فقال لأبِي بكرٍ: أنتَ لَا تذهبُ، وأنتَ فِي ذِمَّتِي. فرجع به في ذمتِه، وَأَعْطَاهُ قريشٌ ذمةَ ابنِ الدغنةِ على أن لا يُظْهِرَ قراءتَه ولا دِينَهُ، وأن يجعلَ دينَه سِرًّا في بيتِه، فلما طال ذلك على أبي بكرٍ ﵁ صار يُظْهِرُ صلاتَه وقراءتَه، فَأَرْسَلَتْ قريشٌ إلى عمرِو بنِ الدغنةِ، الذي كان في ذمتِه

стр. 2916

أبو بكرٍ ﵁، فقالوا: نَحْنُ لَا نحبُّ أن نخفرَ ذمتَك، وإن صاحبَك صَارَ يفعلُ ما لم يَحْصُلْ عليه الاتفاقُ، فكلم ابنُ الدغنةِ أَبَا بكرٍ ﵁ فقال: إما أن تَفِيَ بالشرطِ الذي تَوَافَقْنَا عليه، وإما أن تَرُدَّ إِلَيَّ ذمتي. فقال له أبو بكر ﵁: رَدَدْتُ إليكَ ذمتَك، وأنا في ذمةِ اللَّهِ تعالى. وكان أبو بكر لَمَّا أرادَ أن يهاجرَ أشارَ له النبيُّ ﷺ أنه يطمعُ أن يُؤْذَنَ له في الهجرةِ، فقعد أبو بكر ﵁ طَمَعًا في أن يُؤْذَنَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ في الهجرةِ فيكون رفيقَه، واشترى رَاحِلَتَيْنِ، وكان يعلفُهما الْخَبَطَ، وهو ورقُ السمرِ، شجرٌ معروفٌ، علفهما إياه أشهرًا عديدةً، أربعةً، أو ستةً، أو غيرَ ذلك. فلما اجتمعت قريشٌ لقتلِ النبيِّ ﷺ وكان النبيُّ ﷺ يأتِي بيتَ أبِي بكرٍ كُلَّ يومٍ إما أولَ النهارِ أو آخرَه، فبينما هُمْ ذاتَ يومٍ إِذْ قَدِمَ عليهم رسولُ اللَّهِ ﷺ في حَرِّ الظهيرةِ، فقال أبو بكر: هذا وقتٌ ما جَاءَنَا به رسولُ الله، وَاللَّهِ ما جاء إلا لأَمْرٍ حَدَثَ. ثم لَمَّا دَخَلَ عليه رسولُ الله ﷺ قال لأبِي بكرٍ: أَقِمْ مَنْ عِنْدَكَ. فقال: هُمْ أَهْلُكَ يا رسولَ اللَّهِ، هُمُ ابْنَتَايَ - يعني عائشةَ وأسماءَ ﵄ - فأخبرَ النبيُّ أبا بكر ﵁ أن اللَّهَ أَذِنَ له في الهجرةِ، فقال: الصحبةَ يا رسولَ اللَّهِ. فقال: الصحبة. قالت أسماءُ ﵂: ما رأيتُ أحدًا يبكي من الفرحِ قبلَ ذلك اليومِ، فأبو بكر يَبْكِي من الفرحِ. كذا قاله غيرُ واحدٍ من أهلِ الأخبارِ وَالسِّيَرِ، ثم إن قريشًا اجتمعوا لتنفيذِ الخطةِ وقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ جبريلُ فأخبرَ النبيَّ ﷺ وَأَمَرَهُ بالخروجِ، فنادى النبيُّ ﷺ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ وأمرَه أن يضطجعَ في مكانِه، وأن ينامَ في البُرْدِ الذي كان ينامُ فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم إن اللَّهَ أَخَذَ بأعينِهم فَمَرَّ بهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم

стр. 2917

وقرأ عليهم آياتٍ من أولِ سورةِ (يس) حتى بَلَغَ ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: آية ٩] وَوَضَعَ على رأسِ كُلِّ واحدٍ منهم الترابَ. ثم خرجَ هو وأبو بكرٍ ﵁. قال بعضُهم: خرج من خوخةٍ في قَفَا دارِ أبي بكرٍ التي في بَنِي جُمَحَ، وذهب هو وأبو بكر إلى الغارِ، وهو غارٌ في جبلٍ من جبالِ مكةَ يُسَمَّى ثورًا، فدخل فيه هو والنبيُّ ﷺ ، وجاءَه ليلاً، ومكثوا فيه ثلاثَ ليالٍ بأيامِها حتى يرجعَ الطلبُ، وَآجَرُوا رجلاً من بَنِي دؤلِ بنِ كنانةَ يُسَمَّى عبدَ اللَّهِ بنَ الأريقطِ على دينِ كفرِ قريشٍ، يُقال: إن له خؤولةً في بَنِي سهمِ بنِ عمرِو بنِ هصيصِ بنِ كعبِ بنِ لؤيٍ، فَأَمَّنَهُ وَاسْتَأْجَرَهُ على راحلتيهما وواعدَه بعدَ ثلاثِ ليالٍ أن يأتيَهم بالراحلتين في غارِ ثورٍ، وكان كافرًا أمينًا، كَتَمَ سِرَّهُمَا وَحَفِظَ عليهما أمرَهما، وجاءهما في الموعدِ، وكان عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرٍ ﵄ غلامًا ثَقِفًا شابًّا عاقلاً، كان يأتيهم بأخبارِ قريشٍ وَكُلِّ ما قالوا وَتَحَدَّثُوا به في شأنِهم في النهارِ يأتيهم به في الليلِ في الغارِ، وكانت أسماءُ ﵂ تأتيهم بالطعامِ، وكان عامرُ بنُ فهيرةَ الطائيُّ ﵁ مولَى أبي بكرٍ الصديقِ كان عبدًا مَمْلُوكًا لأولادِ أُمِّ رومانَ، وهي أُمُّ عائشةَ، كانت لها أولادٌ قبلَ أبِي بكرٍ، وكان عامرُ بنُ فهيرةَ هذا عَبْدًا لهم، فاشتراه أبو بكر ﵁ فَأَعْتَقَهُ، فكان مولًى لأَبِي بكرٍ، كان يريحُ على النبيِّ وأبي بكر غَنَمًا لأبي بكر ﵁ فيحلبُ لهم منها فيشربونَ بالليلِ، ثم إذا كان في آخِرِ الليلِ صَاحَ بها فأصبحَ مع رعاءِ قريشٍ، ولا يَدْرُونَ أنه كان معهم. فمكثوا فيها ثلاثَ ليالٍ، فجاءهم عبدُ اللَّهِ بنُ الأريقطِ الدؤليُّ - رفيقُهم - وَرَكِبَا، وكان خرِّيتًا ماهرًا، سار بهم في طرقٍ غيرِ معهودةٍ؛ لأَنَّ الطرقَ المعهودةَ عليها

стр. 2918

الرصدُ والعيونُ، وكانت قريشٌ أَخَذُوا قائفًا خبيرًا بِقَصِّ الأثرِ يقال هو سراقةُ بنُ مالكِ بنِ جعشمَ، ويقال هو غيرُه، فَاقْتَصَّ بهم الأثرَ حتى بلغ الغارَ، وقال: مِنْ هَاهُنَا ضاعَ الأثرُ. ويقول أصحابُ الأخبارِ وَالسِّيَرِ: إن الله قَيَّضَ العنكبوتَ فَنَسَجَتْ على الغارِ (١)، وَقَيَّضَ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَبَاضَتَا على فَمِ الغارِ (٢)، فلما جاء كفارُ مكةَ وَوَصَلُوا فَمَ الغارِ، قال أبو بكر لرسولِ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أن أحدَهم نَظَرَ تحتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا. فقال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَالُكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟» (٣) فرجعوا خَائِبِينَ. فلما كان بعدَ ثلاثِ ليالٍ ورجعَ الطلبُ جاءهم عبدُ اللَّهِ بنُ الأُريقطِ براحلتيهما وَرَكِبَا ومعهما عامرُ بنُ فهيرةَ. وكان عامرُ بنُ فهيرةَ رديفَ أبِي بكرٍ والنبيُّ ﷺ على إحدى الناقتين اللتينِ اشتراهما أبو بكر لهذا الْغَرَضِ، وهي ناقتُه العضباءُ المشهورةُ، وَلَمَّا عرضها عليه أبو بكر ﵁ أَبَى أن يَقْبَلَهَا إلا بالثمنِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، فخرجَ بهما في طريقٍ يُسَمَّى طريقَ الساحلِ، وجاء إلى طرقٍ غيرِ معهودةٍ، وابنُ إسحاقَ ذَكَرَ الْمَحَالَّ التي جاء منها (٤)، تارةً يَصِلُونَ إلى الطريقِ المعهودةِ، وتارةً يخرجونَ عنها

стр. 2919

حتى وصلوا المدينةَ. ومن أشهرِ ما حَصَلَ في طريقِهم إلى المدينةِ قصةُ أُمِّ معبدٍ، وقصةُ سراقةَ بنِ مالكِ بنِ جعشمَ. وَمِمَّا نَزَلَ من القرآنِ في هذا السفرِ، نَزَلَتْ فيه آياتٌ من القرآنِ منها قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: آية ٨٥] قال بعضُ العلماءِ: نَزَلَتْ في الجحفةِ في سفرِ الهجرةِ هذا، وفي هذا السفرِ مَرَّ على ديارِ بَنِي مُدْلِجٍ، يقول بعضُهم: هي قريبٌ من قديدٍ فقال رَجُلٌ: رأيتُ أشخاصًا كأنهم القومُ الذين يطلبهم قريشٌ. فعلم سراقةُ بنُ مالكٍ أنهم هُمْ، ولكنه طَمِعَ بأن يأخذَهم أو يقتلَهم فينال الجعائلَ التي جَعَلَتْهَا قريشٌ. فقال: لَا، أولئك قومٌ خرجوا للكلأ. ثم بعدَ هنيهةٍ خَرَجَ وَأَمَرَ جاريتَه أن تُسْرِجَ فرسَه من وراءِ أَكَمَةٍ، ثم خرج مختفيًا فركب على فرسِه، فلما قاربَهما سَاخَتْ به قوائمُ فَرَسِهِ في الأرضِ، في القصةِ المشهورةِ، فطلب الأمانَ من رسولِ اللَّهِ ﷺ (١)، قال بعضُ أهلِ السيرِ والأخبارِ: إن النبيَّ ﷺ كَتَبَ له رقعةً، وصار يُثَبِّطُ الناسَ ويردُّهم عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعَ بذلك الخبيثُ أبو جَهْلٍ، وأرسل إلى بَنِي مُدْلِجٍ يحذرُهم من نصرِ سراقةَ لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ويقولُ أبو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ في ذلك أشعارًا في غايةِ الكفرِ، ويعيبُ على سراقةَ نصرَه لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ومما يقولُ في ذلك (٢): بَنِي مُدْلِجٍ إِنِّي أَخَافُ سَفِيهَكُمْ ... سُرَاقَةَ مُسْتَغْوٍ لِنَصْرِ مُحَمَّدِ

стр. 2920

عَلَيْكُمْ بِهِ أَلَاّ يُفَرِّقَ شَمْلَكُمْ ... فَيُصْبِحَ شَتَّى بَعْدَ عِزٍّ وَسُؤْدَدِ فسمع بشعرِه سراقةُ بنُ مالكٍ وأرسلَ إليه بأبياتِه المشهورةِ التي ذَكَرَهَا غيرُ واحدٍ من المؤرخينَ وأصحابِ السيرِ وهو قولُه (وكان أَبُو جهلٍ يُكَنَّى أبا الحكم (١): أَبَا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا ... لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ... رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ عليكَ بكفّ القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه بِأَمْرٍ يَوَدُّ النَّاسُ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ ... بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا يُسَالِمُهْ وَمَرَّ في هذه الطريقِ بعاتكةَ بنتِ خالدٍ الخزاعيةِ المعروفةِ بِأُمِّ مَعْبَدٍ ﵂؛ لأنها أَسْلَمَتْ وقد رَوَيْتُ قصتَها عنها وعن أخيها حُبيشِ بنِ خالدٍ ويقال خنيس بن خالد وغيرهما (٢) أنهم كانوا

стр. 2921

في شِدَّةٍ، وكانت أغنامُهم عازبةً، فَمَرَّ بها رسولُ اللَّهِ ﷺ ومعه أبو بكر وعامرُ بنُ فهيرةَ وعبدُ اللَّهِ بنُ الأريقطِ، فسألوها هل عندها لحمٌ أو تَمْرٌ يُبَاعُ؟ فقالت: لا شيءَ عندها. وقالت: لو كان عندنا القِرَى ما أَعْوَزَكُمْ؛ لأن الْحَيَّ في شدةٍ، والأغنامُ عازبةٌ، فَنَظَرَ رسولُ الله ﷺ إلى شاةٍ في كسرِ خيمتِها فقال: «مَا بَالُ هَذِهِ الشَّاةِ؟» قالت: خَلَّفَهَا الجهدُ. قال: «أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلُبَهَا؟» قالت: إن وجدتَ فيها حليبًا فاحلبها. فدعا بها رسولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ ضرعَها وسمى الله، فَتَفَاجَّتْ وَاجْتَرَّتْ، ودعا بإناءٍ عظيمٍ فحلب فيه حتى امتلأ، فسقاها هي وَمَنْ معها، ثم سَقَى قَوْمَهُ، وشرب ﷺ وقال فيما يقولُ أهلُ الأخبارِ: «سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا» (١) ثم أخذَ الإناءَ وملأه مرةً أخرى وتركَه عندَها وخرجَ. فلم تَمْكُثْ إلا قليلاً أن جاء زوجُها أبو معبدٍ فوجدَ الإناءَ مملوءًا من اللبنِ، فعجب منه وقال: كيف هذا اللبنُ؟ ولا حلوبةَ في البيتِ؟ فقالت: جاءنا رجلٌ مباركٌ من صفتِه كيت وكيت، فقال: صِفِيهِ لِي يا أُمَّ مَعْبَدٍ. فَوَصَفَتْهُ وصفَها المشهورَ، فقالت له: رأيتُ رجلاً ظاهرَ الوَضَاءةِ، حَسَنَ الْخَلْقِ، مليحَ الوجهِ، لم تُعِبْهُ تُجْلَة (٢)، ولم تُزْرِ به صُعْلَةٌ، قَسِيمٌ وَسِيمٌ، في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وفي

стр. 2922

أشفارِه حَوَرٌ، وفي صوتِه صَحَلٌ، أكحلُ أقرنُ أزجُّ، في عنقه سَطَعٌ، وفي لحيتِه كثافةٌ. إذا صمت فعليه الوقارُ، وإذا تكلم سَمَا وعليه البهاءُ، حُلْوُ المنطقِ، فَصْلٌ ليس بنزرٍ ولا هَذْرٍ، كأن منطقَه خَرَزَاتُ نَظْمٍ يتحدَّرْن أو يَنْحَدِرْنَ، أجملُ الناسِ وأبهاهم من بعيدٍ، وأحسنُهم من قريبٍ، رَبْعَةٌ لَا تَنسَؤهُ عينٌ لطولِه، ولا تَقْتَحِمُهُ عينٌ لقِصَرهِ، إلى آخِرِ ما ذَكَرَتْ من أوصافِه الكريمةِ الجليلةِ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه (١). وهذه المعانِي الجليلةُ قد لا يَفْهَمُهَا كُلُّ الناسِ، سنُشيرُ إلى ما لا يُفْهَمُ منها: فقولُها: (لم تَعِبْهُ التُّجلَةُ) (٢): بِضَمِّ التاءِ والجيمِ معناه عِظَمُ البطنِ وكبرُها. وقيل: ارتفاعُ الْخَاصِرَتَيْنِ ونتؤوهما. (وَلَمْ تزْرِ به صُعْلَةٌ): الصُّعلَةُ: صِغَرُ الرأسِ صغرًا مفرطًا. يعنِي: ليس ضخمَ البطنِ، ولا صغيرَ الرأسِ جِدًّا، بل هو ضامرُ البطنِ، رأسُه ليس بصغيرٍ صغرًا مزريًا. وقولُها: (في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ): الدَّعَجُ: سوادُ العينِ مع سعتِها. وقولُها: (في أشفارِه وَطَفٌ): الوَطَفُ: هو كثرةُ شعرِ الجفنِ. وقولُها (أَزَجّ) تعني: قليلُ شعرِ الحاجبِ. وقولُها: (أقرنُ): تعني أن شعرَ حَاجِبَيْهِ يمتدُّ طرفُ هذا حتى يقربَ من هذا مع الزَّجَجِ فيه.

стр. 2923

وقولُها: (في عنقه سَطَعٌ): أي طُولٌ؛ لأنه ليسَ قصيرَ العنقِ. إلى آخِرِ ما ذَكَرَتْهُ من أوصافِه الجميلةِ. فلما جاء زوجُها قال: هذا وَاللَّهِ صاحبُ قريشٍ الذي يطلبونَه وَلأَجْهَدَنَّ في أن أصحبَه. وَذَكَرَ غيرُ واحدٍ أنه أَسْلَمَ بعدَ ذلك وَهَاجَرَ إلى النبيِّ ﷺ . وفي صبيحةِ ذلك اليوم سَمِعَ قريشٌ هاتفًا من الجنِّ يسمعونَ صوتَه مرتفعًا، ولا يَرَوْنَ شخصَه، يُنْشِدُ ذلك الشعرَ المشهورَ الذي يقولُ فيه (١): جَزَى اللَّهُ رُبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَاّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْبِرِّ وَارْتَحَلَا بِهِ ... فَأَصْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمْ ... بِهِ مِنْ فَعَالِ اللَّهِ جَاهًا وَسُؤْدَدِ لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ... فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ ولم يدرِ قريشٌ أين ذهبَ النبيُّ ﷺ حتى سَمِعُوا هاتفًا من الجنِّ على أبِي قُبَيْس ينشدُ هذا الشعرَ، يسمعونَ أيضًا صوتَه ولا يرونَ شَخْصَهُ: فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانُ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ ... بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ فقال أبو جهل: ما هذانِ السعدانِ، سعد كذا أو سعد كذا (٢).

стр. 2924

فسمِع بعد ذلك الهاتفَ يقول (١): أَيَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا ... وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجَيْنِ الْغَطَارِفِ أَجِيبَا إِلَى دَاعِي الْهُدَى وَتَمَنَّيَا ... عَلَى اللَّهِ بِالْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ فَإِنَّ جَزَاءَ اللَّهِ لِلطَّالِبِ الْهُدَى ... جِنَانٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ ذَاتِ رَفَارِفِ ثم إن النبيَّ ﷺ استمرَّ في طريقِه ذاهبًا إلى هذه المدينةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ - وكان الأنصارُ ﵃ سمعوا بخروجِ النبيِّ ﷺ ، وكان النبيُّ في طريقِه، لَقِيَ الزبيرَ بنَ العوامِ كما ذَكَرَهُ البخاريُّ (٢) في قومٍ مسلمينَ جاؤوا تجارًا من الشام، فكساهم ثيابًا بِيضًا وجاؤوا يلبسونَ ثيابًا بيضًا، وكان الأنصارُ كلما صَلَّوُا الصبحَ خرجوا إلى حرتِهم ينتظرونَ رسولَ الله ﷺ فَرَحًا بقدومِه، فلم يزالوا ينتظرونَه حتى تَغْلِبَهُمْ الشمسُ على الظلالِ، والزمنُ زمنُ حَرٍّ في ذلك الوقتِ، ولم يزالوا كذلك حتى رَجَعُوا إلى بيوتِهم وقتَ شدةِ الحرِّ بعدَ أن غَلَبَتْهُمُ الشمسُ على الظلالِ، فصعد رجلٌ من يهودٍ على أطم من آطامِهم فأبصرَ برسولِ اللَّهِ ﷺ والذين مَعَهُ في ثيابٍ بِيضٍ يزولُ بهم السرابُ، فلم يَتَمَالَكْ أن نادى بأعلى صوتِه: يا بني قَيْلَةَ هذا جدُّكُم الذي تنتظرونَ، فَثَارَ الأنصارُ في السلاحِ وَتَلَقَّوْهُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) (٣). وفي بعضِ الرواياتِ الثابتةِ (٤) أنه لما قَرُبَ من المدينةِ

стр. 2925

جَلَسَ في ظِلِّ نخلةٍ، وأن الأنصارَ جاؤوه في السلاحِ، وكان كثيرٌ منهم لم يَرَ النبيَّ ﷺ ولم يَعْرِفْ هو أو أبو بكر جَلَسَ تحتَ ظِلِّ تلك الشجرةِ حتى تَحَوَّلَ الظلُّ عن النبيِّ ﷺ فقام أبو بكر فَظَلَّ عليه بردائِه، فَعَلِمُوا أنه هو. وجاء في بعضِ الرواياتِ أنه جاء المدينةَ في حرِّ الظهيرةِ (١). وفي بعضها (٢) أنه دَخَلَهَا في الليلِ. وقد وَفَّقَ بينَهما بعضُ العلماءِ (٣) بأن أصلَ قدومِه وقتَ الظهيرةِ، وأنه جَلَسَ تحتَ تلك النخلةِ حتى صار آخِر النهارِ. فجاء بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ في قباء، وَقَدِمَ أولاً على بَنِي عمرِو بن عوفٍ من الأوسِ في قباء وَمَكَثَ فيهم مدةً. واختلف العلماءُ في قَدْرِ المدةِ التي مَكَثَ فيهم (٤)، فَثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه أنه مَكَثَ فيهم بضعَ عشرةَ يومًا (٥)، وجاء عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ ﵁ وَأَدْرَكَ النبيَّ ﷺ وهو في بني عمرِو بنِ عوفٍ بقباء؛ لأَنَّ النبيَّ ﷺ كانت تدعوه قريشٌ (الأمينَ) وكان عنده كثيرٌ من الودائعِ يحفظُها لأمانتِه عندَهم، فَخَلَّفَ عليَّ بنَ أبِي طالبٍ ﵁ بعد أن هاجر هو وأبو بكر حتى يَرُدَّ على الناس ودائعَهم، ثم يتبعه ﷺ ، فَلَحِقَ به وهو في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ بقباء. كان ابنُ إسحاقَ يقولُ: قَدِمَ النبيُّ ﷺ على بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ بقباء يومَ الإثنينِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ من ربيعٍ الأولِ، وَمَكَثَ فيهم

стр. 2926

يومَ الإثنينِ ويومَ الثلاثاءِ والأربعاءَ والخميسَ (١)، ثم سار يومَ الجمعةِ إلى المدينةِ. وهذا قولُ ابنِ إسحاقَ. وروى البخاريُّ عن طريقِ الزهريِّ ما يقتضي أنه مَكَثَ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً (٢). فَلَمَّا خَرَجَ من بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ ذاهبًا إلى المدينةِ، قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه (٣): وَافَتْهُ الجمعةُ حذاءَ مسجدِ بَنِي سالمِ بنِ عوفٍ، المسجدِ الذي في الوادِي بَيْنَ قباء والمدينة، فَصَلَّى فيه الجمعةَ. قالوا: وهي أولُ جمعةٍ صَلَاّهَا بالمدينةِ، فجاءه عتبانُ بنُ مالكٍ ﵁ وعباسُ بنُ عبادةَ بنِ نضلةَ في رجالٍ من بَنِي سالمِ بنِ عوفٍ، وقالوا: يا نَبِيَّ الله: أَقِمْ عندنا في العزةِ والعددِ والمنعةِ. فقال يعني ناقتَه: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» فخرجت ذاهبةً إلى المدينةِ، فَلَمَّا وَازَى دُورَ بَنِي بياضةَ تَلَقَّاهُ زيادُ بنُ لبيدٍ وفروةُ بنُ عمرٍو في رجالٍ من بَنِي بياضةَ فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَلُمَّ إلينا في العدةِ والعددِ والمنعةِ. قال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» فلما مَرَّتْ

стр. 2927

بديارِ بَنِي ساعدةَ من الخزرجِ تلقاه سعدُ بنُ عبادةَ ﵁ والمنذرُ بنُ عمرٍو ﵃ وقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ هَلُمَّ إلينا في العدةِ والعددِ والمنعةِ. قال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» فلما مَرَّتْ ببني عديِّ بنِ النجارِ وهم أخوالُه الأقربونَ ﷺ ؛ لأَنَّ جدَّه عبدَ المطلبِ أُمُّهُ سلمى بنتُ عمرِو بنِ زيدٍ من بَنِي عديِّ بنِ النجارِ، تلقاه منهم رجالٌ منهم سليطُ بنُ قيسٍ وأبو سليطٍ. فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَلُمَّ إلى أخوالِك في العددِ والعدةِ والمنعةِ. قال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» فلما مَرَّتْ بديارِ بَنِي الحارثِ بنِ الخزرجِ (١) تَلَقَّاهُ جماعةٌ منهم، منهم سعدُ بنُ الربيعِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ، وخارجةُ بنُ زيدٍ ﵃، في رجالٍ من بَنِي الحارثِ بنِ الخزرجِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ هَلُمَّ إلينا في العددِ والعدةِ والمنعةِ. قال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» حتى بَلَغَتْ ديارَ بني مالكِ بنِ النجارِ فَبَرَكَتْ بجنبِ هذا المسجدِ. وكان إذ ذلك الوقتِ مربدًا، والمربدُ موضعُ إصلاحِ التمرِ، وكان لِيَتِيمَيْنِ من بَنِي مالكِ بنِ النجارِ، هُمَا سهلٌ وسهيلٌ ابْنَا عمرٍو، وابنُ إسحاقَ يقول (٢): إنهما في حجرِ معاذِ بنِ عفراءَ. وجاء في صحيحِ البخاريِّ من طريقِ الزهريِّ ما يقتضي أنهما في حجرِ أسعدَ بنِ زرارةَ ﵁ (٣). فبركت الناقةُ، فلما بركت قال ابنُ إسحاقَ (٤): لم ينزل عنها رسولُ الله ﷺ حتى قَامَتْ وَمَشَتْ قليلاً ثم التفتت وَرَجَعَتْ إلى مبركِها الأولِ. وتحلحلت فيه ووضعت جِرَانَهَا في الأرضِ. والجرانُ: بَاطِنُ عنقِ البعيرِ، وكان أقربُ بيتٍ لذلك بيتُ أبِي أيوب الأنصاريِّ - خالدِ بنِ زيدٍ ﵁ - فَأَخَذَ رحلَ رسولِ اللَّهِ ﷺ إلى بيتِه، ولم يَزَلْ ﷺ في بيتِ أبِي أيوب حتى بَنَى هذا المسجدَ، وَبَنَى مساكنَه وَحُجَرَهُ التي بجنبِه فانتقلَ إليها. هذا ملخصٌ عَمَّا جاء في هذا السِّفْرِ المباركِ، سِفْرِ الهجرةِ، فيه بعضُ رواياتٍ ثابتةٍ في الصحيحِ، وفيه كثيرٌ منه في السيرةِ والأخبارِ،

стр. 2928

والسيرُ والأخبارُ تُحكى، وإنما يُحْتَاجُ إلى التصحيحِ فيها لِمَا يتوقفُ عليه بعضُ الأحكامِ الشرعيةِ، وهذه القصةُ ذَكَرَ بعضُ العلماءِ فيها أحكامًا مفيدةً كثيرةً منها: أن النبيَّ ﷺ اسْتَأْمَنَ كافرًا على سِرِّهِ وَأَمْنِهِ، وانتفعَ بخبرةِ كافرٍ، ومثل هذا يحتاجُ إلى التنبيهِ عليه اليومَ؛ لأن الناسَ اليومَ بين مُفْرِطٍ ومفرِّط في الانتفاعِ من الكفارِ، فبين مُفْرِطٍ يزعمُ أن تقليدَ الكفارِ يلزمُ في كُلِّ شيء، حتى ولو كان الانسلاخَ من دينِ اللَّهِ، ومنهم مُفَرِّطُونَ يقولونَ: لَا تأخذوا عنهم شيئًا ولو من أمورِ الدنيا البحتةِ. والتحقيقُ أنه يُؤْخَذُ عنهم ما يجوزُ أخذُه، ولا يؤخذُ عنهم ما لا يجوزُ أخذُه. والنبيُّ ﷺ علَّم أُمَّتَهُ ذلك في وقائعَ كثيرةٍ، من ذلك أنه لَمَّا لم يَجِدْ إلا أمينًا كافرًا ائتمن هذا الأمينَ الكافرَ وعاملَه وانتفعَ بخبرتِه العظيمةِ في الطرقِ على حَدِّ قولهم: «اجْتَنِ الثمارَ وَأَلْقِ الخشبةَ في النارِ» (١) ولم يكن جامدًا، ولم يَقُلْ: هذا كافرٌ، والكافرُ خبيثٌ، والانتفاعُ بالخبيثِ خبيثٌ. بل تَبَرَّأَ منه. لا، بل انتفعَ بخبرتِه واستأجرَه؛ ولهذا نظائرُ كثيرةٌ، من ذلك: أن النبيَّ ﷺ لَمَّا سَمِعَ بقدومِ الأحزابِ مع كثرتِهم وقلةِ المؤمنينَ قال له سلمانُ الفارسيُّ: كُنَّا إذا خِفْنَا خَنْدَقْنَا (٢). فالخندقُ خطةٌ عسكريةٌ ابْتَدَعَتْهَا أذهانُ فارسَ، وهم كفارٌ يعبدونَ النارَ، فلم يَقُلِ النبيُّ ﷺ : هذه خطةٌ نجسةٌ؛ لأَنَّ الكفارَ ابتدعوها. بل أخذ بها وانتفعَ بها وهو متمسكٌ بدينِه، وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ ما يقتضي أن النبيَّ ﷺ هَمَّ بمنعِ الغيلةِ، وهي وطأُ المرضعِ؛ لأَنَّ العربَ كانوا يعتقدونَ أن المرأةَ إذا

стр. 2929

كانت تُرْضِعُ وَلَدَهَا إذا جَامَعَهَا زوجُها وهي ترضعُ ولدَها أن ذلك يُضْعِفُ ولدَها ويضعفُ عظمَه وَيَضُرُّهُ، وكانوا إذا ضَرَبَ الرجلُ فَنَبَا سيفُه عن الضريبةِ قالوا: هذا من آثارِ الغيلةِ عليه، وُطِئَتْ أُمُّهُ وهو يرضعُها حتى كان شاعرُهم يقول (١): فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ ... فَتَنبُوا فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ فَسَمِعَ ﷺ عن الرومِ وفارسَ أنهم يفعلونَ هذا ولا يضرُّ أولادَهم فأخذ هذه الخطةَ الطبيةَ عن الرومِ وفارسَ (٢). وهذه الخطةُ العسكريةُ عن فارسَ والانتفاعِ بهذه الخبرةِ عن هذا الرجلِ الكافرِ الذي يعبدُ الوثنَ ليعلِّم أمتَه أنهم يأخذون من الكفارِ أمورَهم الدنيويةَ البحتةَ، ولا يُقَلِّدُوهُمْ في كفرِهم وضلالِهم، وهذا واضحٌ لا إشكالَ فيه. ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: أن اللَّهَ (جل وعلا) يقولُ: إلا تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ وتتقاعسوا وتتباطؤوا عنه في غزوةِ تبوكَ فالله يَكْفِيهِ ولا يحتاجُ إليكم وقد نَصَرَهُ في مواضعَ أعسرَ وأشدَّ من هذا، فقد نَصَرَهُ اللَّهُ حين أَخْرَجَهُ الذين كفروا بما ذَكَرْنَا من تواطئِهم عليه وإلجائِهم إلى الخروجِ. كان بعضُ العلماءِ يقولُ (٣): يُؤْخَذُ من هذه الآيةِ من سورةِ براءة بعضُ الأحكامِ الفقهيةِ، وأن الإنسانَ إذا أَكْرَهَ إنسانًا على الاعتداءِ، كَأَنْ أكرهَه على أن يقتلَ أو يتلفَ مالاً، أن المكرِه (بكسرِ الراءِ) أعنِي باسمِ الفاعلِ، يلزمُه غُرْمُ ذلك والقصاصُ فيه، لأَنَّ [الله] (٤) نَسَبَ الإخراجَ إليهم؛ لأنهم أَلْجَؤُوا النبيَّ ﷺ إليه. فَسَمَّى

стр. 2930

الْمُكْرِهَ فاعلاً، فهذا له وجهٌ من النظرِ ظاهرٌ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: آية ٤٠] كقولِه: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ [محمد: آية ١٣] ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: آية ١٣] ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: آية ١]. وقولُه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ حال ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في حالِه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: واحدًا من اثنينِ ليس معه إلا رجلٌ واحدٌ ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ بدلٌ من قولِه: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فـ (إذْ) الثانيةُ بَدَلٌ من (إذ) الأُولَى، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ الغارُ هو الثقبُ في الجبلِ، والمرادُ به الغارُ المذكورُ في جبلِ ثورٍ من جبالِ مكةَ ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ النبيُّ ﷺ ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ وقد أَجْمَعَ جميعُ المسلمينَ أنه أبو بكرٍ ﵁. وفي هذه الآيةِ من سورةِ براءة أعظمُ منقبةٍ لأَبِي بكرٍ ﵁، فما يحاولُ به الإماميةُ وغيرُهم من الشيعةِ من الكلامِ في أبِي بكرٍ ﵁ وتفنيدِ ما دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ من فضلِه وعظمتِه، كُلُّهُ باطلٌ لَا يُلْتَفَتُ إليه، وقد قال بعضُ العلماءِ (١): مَنْ أَنْكَرَ أن أبا بكر صاحبُ رسول الله كَفَرَ لتكذيبِه بهذه الآيةِ الكريمةِ. ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ الحزنُ في لغةِ العربِ (٢) هو الغمُّ من أمرٍ فائتٍ، وربما تُطْلِقُهُ العربُ على الغمِّ مِنْ أَمْرٍ مستقبلٍ نادرًا، كما هنا. والخوفُ: الغمُّ من أمرٍ مستقبلٍ، وربما أَطْلَقَتْهُ العربُ على الغمِّ من أمرٍ فائتٍ، أي: لَا يُدَاخِلْكَ حزنٌ من الخوفِ.

стр. 2931

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: آية ٤٠] وقد قال أبو بكر في قصةِ الغارِ قصيدتَه الرائيةَ المشهورةَ التي يُبَيِّنُ فيها قولَ النبيِّ ﷺ هذا له حيث يقول (١): قَالَ الرَّسُولُ وَلَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ... وَنَحْنُ فِي سُدْفَةٍ مِنْ ظُلْمَةِ الْغَارِ ... لَا تَخْشَ شَيْئًا فَإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُنَا ... وَقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنْهُ بِإِظْهَارِ إلى آخِرِ القصيدةِ المشهورةِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ العربُ تقولُ: (حَزِن) بكسرِ الزاءِ (يحزَن) بفتحِها (حَزَنًا) على القياسِ و (حُزْنا) إذا أصابَه الحَزَنُ، وأكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ الحزنُ في الغمِّ من أمرٍ فائتٍ، وقد يُطْلَقُ على الغمِّ من أمرٍ مستقبلٍ كما هنا. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذه معيةٌ خاصةٌ، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) بَيَّنَ في كتابِه أن له مع خلقِه معيةً خاصةً ومعيةً عَامَّةً. أما المعيةُ الخاصةُ كقولِه هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿كَلَاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: آية ٦٢]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: آية ٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾، فمعنَى هذه المعيةِ: أن اللَّهَ ناصرُهم وحافظُهم وكالئُهم وَمُعِينُهُمْ، هذه هي المعيةُ المذكورةُ هنا. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السكينةُ: (فعيلةٌ) من السكونِ، وهي الطمأنينةُ وثبوتُ الْجَأْشِ حتى لا يكونَ فيه خوفٌ ولا حَزَنٌ. ﴿عَلَيْهِ﴾ التحقيقُ أن الضميرَ عائدٌ إلى النبيِّ ﷺ ، وقال

стр. 2932

بعضُهم: هو إلى أَبِي بكر (١)؛ لأنه هو الحزينُ الذي يتشوشُ ضميرُه ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ [التوبة: آية ٤٠] أي: أَيَّدَ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أي: قَوَّاهُ ﴿بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ظاهرُ هذه الآيةِ الكريمةِ أن وقتَ إتيانِ الكفارِ إلى الغارِ أن اللَّهَ (جلَّ وعلا) جَعَلَ عِنْدَ النبيِّ في ذلك الوقتِ جنودًا من الملائكةِ لم يَرَهَا الناسُ، لو أَرَادَ الكفارُ أن يفعلوا به شيئًا لأَهْلَكُوهُمْ، وهذا هو ظاهرُ الآيةِ، وأكثرُ المفسرينَ يقولونَ: إن معنَى ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: مَا وَقَعَ من نزولِ الملائكةِ يومَ بدرٍ، ويومَ الأحزابِ، ويومَ حنينٍ كما تَقَدَّمَ إيضاحُه. وظاهرُ القرآنِ أن جنودَ الملائكةِ تحيطُ به في ذلك الوقتِ، وَاللَّهُ الذي هو أعظمُ معه بنصرِه وعزِّه وقوتِه في ذلك الوقتِ لَا يخافُ شيئًا، ولكن اللَّهَ (جلَّ وعلا) يُشَرِّعُ بأفعالِ رسلِه وأقوالِهم لخلقِه، فالله (جلَّ وعلا) مع عظمتِه وجلالِه وتصريحِ النبيِّ بأنه معه، وأن اللَّهَ أَيَّدَهُ بجنودِ الملائكةِ، مع هذا يدخلُ في غارٍ في ظلمةِ الليلِ، والغارُ فيه الحياتُ وخشاشُ الأرضِ؛ لِيَسُنَّ للناسِ ويشرعَ لهم حَمْلَ أعباءِ تبليغِ الرسالةِ والدعوةِ، وأن يتحملوا في شأنِ الدعوةِ إلى [٨/أ] اللَّهِ كُلَّ البلايا والمشاقِّ، ويستهينوا فيها بكلِّ عظيمٍ، هذا هو السرُّ في ذلك، / وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ السفلى: تأنيثُ الأسفلِ، وهو الذي يَفْضُلُ غيرَه في السفالةِ والخساسةِ والانحطاطِ، كلمةُ الكفارِ جَعَلَهَا اللَّهُ هي السفلى، وكلمةُ الكفارِ هي كلمةُ الكفرِ، وعبادةُ الأصنامِ، وعبادةُ غيرِ اللَّهِ (جلَّ وعلا). ومعنَى كونِها هي السفلى: اندحارُ أهلِها وقمعُهم وإظهارُ كلمةِ اللَّهِ.

стр. 2933

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ كلمةُ اللَّهِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وما تَضَمَّنَتْهُ، صارت هي العليا، وصار الْحُكْمُ لها، وصار صناديدُ الكفَرَةِ بينَ مقتولٍ ومأسورٍ وَمُسْلِمٍ، وصارت أحكامُ اللَّهِ هي التي تَنْفُذُ، وكلمتُه هي التي يُعْمَلُ بها في أرضِه، ودحض اللَّهُ الكفارَ وأهلَكهم. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ العزيزُ: الغالبُ الذي لَا يغلبُه شيءٌ. والعزةُ: الغلبةُ، ومنه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: آية ٨] أي: لله الغلبةُ ولرسولِه وللمؤمنينَ، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: آية ٢٣] أي: غَلَبَنِي في الخصامِ. ومن أمثالِ العربِ: «مَنْ عَزَّ بَزَّ» (١) يعنونَ مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. ومنه قولُ الخنساءِ بنتِ عمرِو بنِ الشريدِ السلميةِ الشاعرةِ (٢): كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى ... إِذِ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا والحكيمُ (٣): هو مَنْ يضعُ الأمورَ في مواضعِها وَيُوقِعُهَا في مَوَاقِعِهَا. وهذانِ الاسمانِ من أسماءِ اللَّهِ (العزيزُ الحكيمُ) المتضمنانِ هاتينِ الصفتينِ من صفاتِ اللَّهِ، وهي عِزُّهُ وحكمتُه وحكمه هما أبلغُ شيءٍ في امتثالِ أمرِه وطاعتِه (جلَّ وعلا)؛ لأن عزتَه أَيْ غلبتَه وقوتَه وقهرَه وسلطانَه يجعلُك أيها المسكينُ العظيمُ تَخَافُهُ وتخضعُ لأمرِه ونهيِه، وكونُه (جلَّ وعلا) حكيمًا لا يأمرُك إلا بما فيه لكَ الخيرُ، ولا ينهاكَ إلا عَمَّا فيه لكَ الشرُّ، ذلك يقتضِي أيضًا أن تطيعَه وتخضعَ

стр. 2934

لأمرِه ونهيِه. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: آية ٤٠]. قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاّتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: الآيات ٤١ - ٤٣]. يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾. قال جماعةٌ من العلماءِ: هذه الآيةُ الكريمةُ هي أولُ آيةٍ نَزَلَتْ من سورة براءة. قالوا: أولُ ما نَزَلَ منها: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ الآية ... ثم بعدَ ذلك نَزَلَ أولُها وآخِرُها (١). وقولُه: ﴿انْفِرُوا﴾ أمرٌ بالنفرِ، والنفرُ المرادُ به هنا: التهيؤُ والحركةُ للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، وَكُلُّ متحركٍ بسرعةٍ لأَمْرٍ من الأمورِ تقولُ العربُ: نَفَرَ له، كقولِهم: النَّفْرُ غداةَ كذا. يعنونَ: تَفَرُّقَ الناسِ من مِنًى ذاهبينَ إلى أوطانِهم؛ لأنهم تَنْقَضِي مهمةُ حَجِّهِمْ فيسرعونَ الحركةَ متفرقينَ إلى أوطانِهم. كما قال ابنُ أبِي ربيعةَ (٢): لَا نَلْتَقِي إِلَاّ ثَلَاثَ مِنًى ... حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا النَّفْرُ

стр. 2935

فمعنَى قولِه: ﴿انْفِرُوا﴾ تَحَرَّكُوا مُسْرِعِينَ للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ حالانِ، والخِفَافُ جمعُ خفيفٍ. والثقالُ: جمعُ ثقيلٍ. و «الفَعِيلُ» إذا كان وَصْفًا يَكْثُرُ جمعُه على (الفِعَالِ) جمعَ كثرةٍ كما هو معروفٌ في مَحَلِّهِ. والمرادُ بقولِه: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ جاء فيه لأهلِ العلمِ ما يقرُب من خمسةَ عشرَ قولاً أو أكثرَ (١)، والمرادُ بها كُلِّهَا: إنما هو تمثيلُ الخفةِ والثقلِ. والمعنَى الجامعُ لذلك كلِّه: ﴿انْفِرُوا﴾ تَحَرَّكُوا مسرعينَ إلى جهادِ الرومِ إلى تبوكَ في حالِ كونِكم خفافًا أو ثقالاً. والمرادُ بالخفافِ: الذين تَخِفُّ عليهم الحركةُ لتهيؤِ أسبابِ القوةِ والحركةِ عندَهم. والثقالُ: الذين يثقلُ عليهم ذلك لسببٍ من الأسبابِ. وأقوالُ العلماءِ في هذا كالأمثلةِ لذلك، كقولِ مَنْ قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ شبابًا وشيوخًا. وقولِ مَنْ قال: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ مراضًا وصحاحًا. وقولِ مَنْ قال: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ نشاطًا وغير نشاط. وقولِ مَنْ قال: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ أصحاب عيال وغير أصحاب عيال. وقولِ مَنْ قال: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ أي: أصحاب ضِياع وبساتينَ أو غير أصحابها. فهذه أقوالٌ كثيرةٌ. كقولِ مَنْ قال: ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ مشاغيل وغير مشاغيل. إلى ذلك ( ... ) (٢). يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ

стр. 2936

الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: الآيتان ٤٤، ٤٥]. لَمَّا دَعَا النبيُّ ﷺ المسلمينَ إلى النفرِ في غزوةِ تبوكَ جاءَ رؤساءُ المنافقينَ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ، والجدُّ بنُ قيسٍ، وهؤلاء أعظمُ المنافقينَ، وَمَنْ سَارَ في ركابِهم، جاؤوا إلى النبيِّ ﷺ يستأذنونَه في الجلوسِ والتخلفِ عن غزوةِ تبوكَ؛ لأنهم أعداءُ للإسلامِ في باطنِ أمرِهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ أن ذلك الاستئذانَ رغبةٌ في التخلفِ ليس من فِعَالِ المسلمينَ، وأنه من فِعَالِ الذين لَا يؤمنونَ بِاللَّهِ ولَا باليومِ الآخِرِ. قال: ﴿لَا يَسْتَئذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ .. ﴾. الجمهورُ يقرؤون: ﴿يَسْتَئذِنُكَ﴾ والسوسيُّ: ﴿يستاذنك﴾ بإبدال الهمزةِ (١). ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يصدقون بالله (جلَّ وعلا)، وإيمانُهم بالله، الإيمانُ بالله إذا أُطْلِقَ شملَ الإيمانَ من الجهاتِ الثلاثِ، وهو تصديقُ القلبِ بالاعتقادِ، واللسانِ بالإقرارِ، والجوارحِ بالعملِ. فالمؤمنُ بمعنَى الإيمانِ الصحيحِ هو مَنْ آمَنَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه. وهذا الاستئذانُ ليس من أفعالِ المسلمينَ ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الإيمانُ باليومِ الآخِرِ كثيرًا ما يجعلُه اللَّهُ مذكورًا مع الإيمانِ به؛ لأَنَّ مَنْ لَمْ يؤمن باليومِ الآخِرِ لَا يخافُ بَأْسًا يومَ القيامةِ ولا يطمعُ في خيرٍ، فهو يفعلُ ما يشاءُ، فالكفرُ باليومِ الآخِرِ رأسُ كُلِّ شَرٍّ، والإيمانُ به رأسُ كُلِّ خَيْرٍ.

стр. 2937

﴿أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ (أنْ) هذه كلامُ العلماءِ فيها راجعٌ إلى قَوْلَيْنِ (١): أحدُهما: أنها هذه التي يُحْذَفُ قبلَها حرفُ الجرِّ. والمعنَى على هذا: «لَا يستأذنك الذين يؤمنون بِاللَّهِ في أَنْ يُجَاهِدُوا» أي: في الجهادِ وَتَرْكِ الجهادِ؛ لأن المؤمنينَ بالله مسارعون إلى مرضاةِ اللَّهِ، منقادونَ إلى الجهادِ، سائرونَ مع النبيِّ ﷺ . لَا يستأذنونَ لأَجْلِ أن يُؤْذَنَ لهم في التخلفِ، وقد تقررَ في علمِ العربيةِ أن حذفَ حرفِ الجرِّ قبلَ المصدرِ المنسبكِ من (أنَّ) وصلتِها و (أنْ) وصلتِها مطردٌ لا نزاعَ في اطرادِه (٢)، ومحلُّ المصدرِ بعدَ حذفِ حرفِ الجرِّ أَكْثَرُ علماءِ العربيةِ يقولونَ منصوبٌ، وهو الذي عليه كبراؤهم. وقال قومٌ: هو مخفوضٌ. واستدلوا على خفضِه بقولِ الشاعرِ (٣): فَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلَا دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ قالوا: خَفَضَ «وَلَا دَيْنٍ» عطفًا على المصدرِ المنسبكِ من (أن) وصلتِها بعدَ حذفِ حرفِ الجرِّ. قالوا: والأصلُ: «وما زرتُ ليلى لكونِها حبيبةً، ولا لِدَيْنٍ» والمحققونَ منهم يقولونَ: محلُّه النصبُ. وهذا الذي عليه جمهورُهم، قالوا: ولا شاهدَ في البيتِ لأنه مِمَّا يُسَمَّى عند النحويين عطفَ التوهمِ. وحاصلُ عطفِ التوهمِ عند النحويينَ أنه تكونُ الكلمةُ يجوزُ فيها الخفضُ وليست بمخفوضةٍ،

стр. 2938

فيعطفون عليها المخفوضِ نظرًا إلى جوازِ خفضِها، وإن كانت غيرَ مخفوضةٍ في الواقعِ (١). ومن شواهدِه المشهورةِ قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى (٢): بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... وَلَا سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيَا فقولُه: (ولا سابق) بالخفضِ في روايةِ بيتِ زهيرِ عطفًا على «مدرك» وهو منصوبٌ، إلا أنه يجوزُ جَرُّهُ بالباءِ، فيجوزُ: لستُ بِمُدْرِكٍ ولا سابقٍ. ونظيرُه قولُ الآخَرِ (٣): مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلَا نَاعِبٍ إِلَاّ بِيَيْنٍ غُرَابُهَا كما هو معلومٌ في محلِّه. ونحنُ نذكرُ هذه الأشياءَ العربيةَ وإن كان أكثرُ المستمعينَ لَا يفهمونَها لأنا نريدُ أن تكونَ هذه الدروسُ القرآنيةُ يستفيدُ منها كُلُّ الحاضرينَ على قَدْرِ استعداداتِهم، وَاللَّهُ يوفقُ الجميعَ للخيرِ. الوجهُ الثانِي: أن (أن) هذه هي التي تُحْذَفُ قبلَها (لا) أو مضاف كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: آية ١٧٦] ففي قولِه: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ ونحوِه وجهانِ. أي: يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم لئلَاّ تضلوا، أو كراهةَ أن تضلوا. هذانِ الوجهانِ في (أن) في القرآنِ فيما يماثلُ هذا كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وقولِه: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] أي: لئلَاّ تصيبوا، أو كراهةَ أن تصيبوا. وهذانِ الوجهانِ في قولِه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

стр. 2939

الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ [التوبة: الآية ٤٤] بل إذا أَمَرْتَ بالجهادِ قاموا مُسْرِعِينَ ممتثلين أمرَ اللَّهِ، راغبينَ في غزوِ الكفرةِ لأن تكونَ كلمةُ اللَّهِ هي العليا. وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن المؤمنَ بمعنَى المؤمنِ الصحيحِ من صفاتِه الكاشفةِ أن يكونَ مُبَادِرًا للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ مُضَحِّيًا بالنفيسِ والغالِي من نفسِه ومالِه للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ لإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ (جلَّ وعلا). وهذا معنَى قولِه: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ [التوبة: آية ٤٤] التقوى في قلوبِ الناسِ لَا تَخْفَى على اللَّهِ، فَاللَّهُ يعلمُ ما في قلوبِ الناسِ، لا يَخْفَى عليه بَرٌّ مِنْ فَاجِرٍ، ولا مُتَّقٍ من عَاصٍ. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: آية ٢٣٥] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: آية ١٦] ﴿عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ لَا يَخْفَى عليه الْمُتَّقِي من العاصِي، فَمَنْ زَعَمَ للنبيِّ أنه معه، وأنه يحبُّ الإسلامَ والجهادَ، إلا أنه معذورٌ بكذا وكذا لأعذارٍ كاذبةٍ فَاللَّهُ عَالِمٌ بكذبِه، عَالِمٌ بِالْمُتَّقِي حقًّا وبغيرِه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك. وفي هذا تهديدٌ للمنافقينَ الذين يَدَّعُونَ التقوى ويضمرونَ غيرَها، ووعدٌ عظيمٌ للمؤمنينَ الذين تنطوي قلوبُهم على تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٤]. ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٤٥] قد تَقَرَّرَ عندَ جماهيرِ العلماءِ أن (إنما) أداةُ حصرٍ، والصحيحُ أن (إنما) أداةُ حصرٍ كما حَرَّرَهُ علماءُ الأصولِ في مبحثِ (دليلِ الخطابِ) أعنِي (مفهومَ المخالفةِ) والبلاغيونَ في مبحثِ

стр. 2940

(القصرِ) (١) فـ (إنما) أداةُ حَصْرٍ. يعنِي: لَا يستئذنك هذا الاستئذانَ الذي يُرَادُ به التخلف عن الجهادِ والقعودِ لأعذارٍ كاذبةٍ. ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الذين لَا يُصَدِّقُونَ بالله ولا يؤمنون باليومِ الآخِرِ فلا يرغبون فيما عِنْدَ اللَّهِ، ولا يخافون عذابَ اللَّهِ. وقولُه: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شَكَّتْ قلوبُهم. فـ ﴿وَارْتَابَتْ﴾ معناه: شَكَّتْ. والتاءُ فيه تاءُ الافتعالِ. وأصلُ حروفِه الأصليةِ: الراءُ في محلِّ الفاءِ، والياءُ في مَحَلِّ العينِ، والباءُ في محلِّ اللامِ، أصلُ المادةِ (رَيَبَ) بـ (راءٍ) فـ (ياء) فـ (باء) والتاءُ تاءُ الافتعالِ، وأصلُها (وَارْتِيبَتْ قلوبُهم) (٢) أي: دَاخَلَهَا الرَّيْبُ. أصلُ الريبِ في لغةِ العربِ معناه الإزعاجُ والإقلاقُ. هذا أصلُ معناه الأصليِّ، تقولُ العربُ: رَابَهُ الأمرُ. إذا أَزْعَجَهُ وَأَقْلَقَهُ. وهذا هو معناه الحقيقيُّ، ومنه قولُ توبةَ بنِ الْحُمَيِّرِ الخفاجيِّ (٣): وَكُنْتُ إِذَا مَا زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا أي: أَزْعَجَنِي وَأَقْلَقَنِي، وكلما جاء الريبُ في القرآنِ والارتيابِ فمعناه الشكُّ على كُلِّ حالٍ. وإنما سُمِّيَ الشاكُّ مُرْتَابًا وَأُطْلِقَ اسمُ الريبِ على الشكِّ لأَنَّ الشاكَّ لَا تطمئنُّ نفسُه إلى طرفِ الإيجابِ، ولا إلى طرفِ السلبِ، فهو تارةً يميلُ إلى الإيجابِ، وتارةً يميلُ إلى السلبِ، فنفسُه مُنْزَعِجَةٌ قلقةٌ ليست مطمئنةً إلى الثبوتِ ولا إلى

стр. 2941

النفيِ. ومعنَى ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شَكَّتْ قلوبُهم والعياذُ بِاللَّهِ. وَأَسْنَدَ الارتيابَ إلى القلوبِ لأَنَّ القلبَ هو مَحَلُّ الإدراكِ الذي يكونُ فيه الشكُّ، ويكونُ فيه اليقينُ، ويكونُ فيه العلمُ والإدراكُ. وهذا الارتيابُ سَيُبَيِّنُهُ لهم المؤمنونَ يومَ القيامةِ كما يأتِي بيانُه في سورةِ الحديدِ؛ لأنه سيأتِي في سورةِ الحديدِ - إن شاء الله - أَنَّ كُلَّ مَنْ كان يقولُ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ في دارِ الدنيا يُعْطِيهِ اللَّهُ نورًا، فيكونُ عندَ المنافقينَ نُورٌ، وعندَ المؤمنينَ نورٌ، فإذا - مثلاً - اشْتَدَّ الأمرُ وصارَ الناسُ في فصلِ الخطابِ انْطَفَأَ نورُ المنافقينَ وَبَقُوا في ظلامٍ دامسٍ، وعند ذلك يقولُ المؤمنونَ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: آية ٨] ويقولُ المنافقونَ للمؤمنينَ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: آية ١٣] فإذا ضُرِبَ ذلك السورُ بَيْنَ المنافقينَ والمؤمنينَ قال المنافقونَ للمؤمنينَ: ﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ [الحديد: آية ١٤] أَلَمْ نكن معكم في دارِ الدنيا؟ وكنا نحضرُ معكم المساجدَ والغزواتِ، ونأتِي معكم المواطنَ؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ كنتُم معنا ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ وهذا محلُّ الشاهدِ. ذلك الارتيابُ الذي قال عنهم هنا: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: آية ٤٥] هو من الأسبابِ التي تجعلُهم يومَ القيامةِ وراءَ السورِ، والعياذُ بالله. وقولُه: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ﴾ أي: فَهُمْ في شَكِّهِمْ ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يذهبونَ حائرينَ تارةً يُقَدِّمُونَ رِجلاً ويؤخرونَ أخرى، يذهبون ويرجعون، يتوجهون إلى الإيمان مرة ويكفرون مرة (والعياذ بالله جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.

стр. 2942

﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: الآيتان ٤٦، ٤٧]. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ هؤلاء المنافقون الذين جاؤوا يستأذنون النبيَّ ﷺ في القعودِ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ، والجدِّ بنِ قيسٍ، وأضرابِهم، قال الله لِنَبِيِّهِ إنهم يستأذنون ويعتذرون الأعذارَ الكاذبةَ وهم في باطنِ أمرِهم مُصِرُّونَ على القعودِ وعدمِ الخروجِ، وَبَيَّنَ دليلَ ذلك في قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ لو أراد هؤلاءِ المنافقون المستأذنون الخروجَ معكَ إلى غزوةِ تبوكَ ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ معكَ ﴿لأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: للخروجِ ﴿عُدَّةً﴾ أي: لَتَأَهَّبُوا للخروجِ وتهيؤوا له؛ لأن مَنْ يعزمُ على الخروجِ إلى قتالِ العدوِّ يتهيأُ قبلَ ذلك ويستعدُّ لذلك بإحضارِ العدةِ اللازمةِ لذلك، ولكن هؤلاء لم يَعُدُّوا شيئًا، ولم يُبالوا بشيءٍ، فَدَلَّ على أنهم مصرونَ عازمونَ على التخلفِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ﴾ [التوبة: آية ٤٦] أي: للخروجِ ﴿عُدَّةً﴾ أي: لَتَأَهَّبُوا له أُهْبَتَهُ وتهيؤوا له بإعدادِ ما يَلْزَمُهُ. ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ كَرِهَ اللَّهُ انبعاثَهم كَوْنًا وقدرًا؛ لأن اللَّهَ يعلمُ أنهم لو خرجوا مع رسولِه ما كان في خروجِهم له إلا الشرُّ، فلا يجدُ منهم إلا الضررَّ والشرَّ، فَثَبَّطَهُمْ عنه بحكمتِه لُطْفًا برسولِه ﷺ ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ الانبعاثُ مصدرُ انبعثَ ينبعثُ إذا ذَهَبَ إلى الشيءِ. ومنه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: آية ١٢] ومعنَى ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم غَازِينَ معكَ إلى تبوكَ،

стр. 2943

كَرِهَ اللَّهُ خروجَهم معكَ لضررِ ذلك عليكَ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ عن ذلك الخروجِ مراعاةً لمصلحتكَ. والتثبيطُ: التبطئةُ والتعويقُ وعدمُ الخروجِ، فَثَبَّطَهُمْ عنكَ مراعاةً لمصلحتكَ ومصلحةِ مَنْ مَعَكَ مِنَ المسلمينَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. ﴿قِيلَ﴾ هنا مَبْنِيٌّ للمفعولِ حُذِفَ فاعلُه، واختلفَ العلماءُ في فاعلِه المحذوفِ (١)، فقال بعضُ العلماءِ: قال بعضُهم لبعضٍ في سِرِّهِمْ وباطنِ أمرِهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وَاسْتَأْذِنُوهُ لتقعدوا. وقال بعضُهم: أَذِنَ لهم النبيُّ ﷺ فقال: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وعلى هذا القولِ فـ (اقعدوا) هو الإذنُ. وبعضُهم يقول: قولُه: ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أَذِنَ لهم إِذْنًا صاحبُه لَا يرضى عنهم. والمرادُ بالقاعدينَ: الذين ليس من شأنِهم الحضورُ، كالصبيانِ والزَّمْنَى والنساءِ، ونحو ذلك ممن ليس من شأنِه الخروجُ للقتالِ. وقال بعضُ العلماءِ: هو كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ، الله يقولُ للشيءِ: «كُنْ فَيَكُونُ «، فقال: «اقْعُدُوا». فكان قعودُهم، واختار هذا بعضُ العلماءِ. ثم إن الله قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ [التوبة: آية ٤٧] لو خرج فيكم رؤساءُ هؤلاء المنافقينَ الذين يحركونَهم ويرأسونَهم في الشرِّ كابْنِ أُبَيِّ بنِ سلولَ والجدِّ بنِ قيسٍ - قبحهما الله - وأمثالهم ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم﴾ غازينَ إلى تبوكَ ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ ما حصلتُم منهم على فائدة ولم يزيدوكم إلا خبالاً. والخبالُ معناه: الفسادُ. أي: ما زَادُوكُمْ إلا فَسَادًا؛ لأنهم يفسدونَ عليكم.

стр. 2944

وقولُه: ﴿ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ العربُ تقولُ: أَوْضَعَ يُوضِعُ إيضاعًا. إذا أَسْرَعَ في سيرِه. فالإيضاعُ: الإسراعُ في السيرِ. وَاسْمُ فاعلِه (موضِع) ومنه قولُ امرئِ القيسِ (١): أَرَانَا مُوْضِعِينَ لأَمْرِ غَيْبٍ ... وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ و ﴿خِلالَكُمْ﴾ معناه: بينكَم، يعنِي: لَا يزيدونَكم إلا فسادًا على فسادٍ، ولأَسْرَعُوا فيما بينَكم بالمشيِ بالنميمةِ وإلقاءِ المخالفاتِ والأراجيفِ والأكاذيبِ التي تضرُّ المسلمينَ ولا تنفعُهم. وهذا معنَى قولِه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ لأن العدوَّ إذا كان في ثيابِ صديقٍ يفعلُ كُلَّ شَرٍّ ويضرُّ كُلَّ مضرةٍ من حيث لا يشعرُ به، فَهُمْ لَا يزيدونَكم إلا الفسادَ. أي: لا يزيدونَكم شيئًا كائنًا ما كان إلا الفسادَ والخبالَ، فإنهم يفسدون عليكم وكأنهم يفسدون وهم في المدينةِ، فإذا سافروا كان خبالُهم وفسادُهم أكثرَ؛ لأنهم يُلْقُونَ بينهم بالنمائمِ ويلقونَ الأراجيفَ والتخويفَ من المشركينَ وإلقاءِ التشاويشِ كي يخافَ المسلمونَ، ولتفسد ذاتُ بينهم، وهم أعداءُ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - وهذا معنَى قولِه تعالى: ﴿ولأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ معناه يطلبونَ لكم الفتنةَ. ﴿الْفِتْنَةَ﴾ هي ما يُوقِعُونَ بكم من الشرِّ، من المعاداةِ بينَكم بإلقاءِ النميمةِ والخوفِ من الأعداءِ بإلقاءِ الأراجيفِ الكاذبةِ ونحوِ ذلك. وقولُه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ في هذا الحرفِ وجهانِ من التفسيرِ للعلماءِ (٢):

стр. 2945

قال بعضُ العلماءِ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيونٌ يسمعونَ الأخبارَ ويأتونَهم بها لِيَقْدِرُوا بذلك على ما شاؤوا من الفسادِ والخبالِ. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ هم ساداتٌ وأشرافٌ في قومِهم، وفيكم مَنْ يسمعُ لهم لمكانتِهم وشرفِهم في قبيلتِه كابنِ أُبَيٍّ والجدِّ بنِ قيسٍ وَمَنْ يكونُ له شرفٌ وسيادةٌ في قومِه يسمعونَ منه وَتُؤَثِّرُ دعايتُه السيئةُ عليهم بإلقاءِ الفتنِ والأراجيفِ. وهذا معنى قولِه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وهذه الآيةُ الكريمةُ نَصَّ اللَّهُ (جلَّ وعلا) فيها على إحاطةِ عِلْمِهِ، وأنه (جلَّ وعلا) من شدةِ إحاطةِ علمِه بالأشياءِ يعلمُ الأشياءَ الذي سَبَقَ في علمِه أنها لا تكونُ (١)، هو يعلمُ أن لو كانت كيف تكونُ؛ لأن هؤلاء المتخلفينَ عن غزوةِ تبوكَ كالجدِّ بنِ قيسٍ وعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سلولَ لا يحضرونَها أبدًا؛ لأن اللَّهَ كَرِهَ انبعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ عنها لحكمةٍ إلهيةٍ، ومصلحةً للمسلمينَ، فَهُمْ لا يحضرونَها أبدًا، وقد سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ الأزليِّ أنهم لا يحضرونَها أبدًا، وأنهم لا يخرجونَ معه أبدًا، وخروجُهم هذا الذي سَبَقَ في سابقِ عِلْمِهِ أنه لا يكونُ صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أن لو كان كيف يكونُ، فَعَرِفْنَا من هذا أنه (جلَّ وعلا) يعلم الموجوداتِ والمستحيلاتِ والمعدوماتِ والجائزاتِ، حتى إنه من إحاطةِ علمِه ليعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في سابقِ علمِه أنه لا يوجدُ يعلمُ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ لشدةِ إحاطةِ علمِه بالأشياءِ، فخروجُ هؤلاءِ لا يكونُ، وهو عَالِمٌ ذلك الخروجَ الذي لا يكونُ أن لو كان كيف يكونُ، كما قال هنا: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ الآيةَ [التوبة: آية ٤٧] والآياتُ الدالةُ على
следующие страницы →