النفيِ. ومعنَى ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شَكَّتْ قلوبُهم والعياذُ بِاللَّهِ. وَأَسْنَدَ الارتيابَ إلى القلوبِ لأَنَّ القلبَ هو مَحَلُّ الإدراكِ الذي يكونُ فيه الشكُّ، ويكونُ فيه اليقينُ، ويكونُ فيه العلمُ والإدراكُ. وهذا الارتيابُ سَيُبَيِّنُهُ لهم المؤمنونَ يومَ القيامةِ كما يأتِي بيانُه في سورةِ الحديدِ؛ لأنه سيأتِي في سورةِ الحديدِ - إن شاء الله - أَنَّ كُلَّ مَنْ كان يقولُ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ في دارِ الدنيا يُعْطِيهِ اللَّهُ نورًا، فيكونُ عندَ المنافقينَ نُورٌ، وعندَ المؤمنينَ نورٌ، فإذا - مثلاً - اشْتَدَّ الأمرُ وصارَ الناسُ في فصلِ الخطابِ انْطَفَأَ نورُ المنافقينَ وَبَقُوا في ظلامٍ دامسٍ، وعند ذلك يقولُ المؤمنونَ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: آية ٨] ويقولُ المنافقونَ للمؤمنينَ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: آية ١٣] فإذا ضُرِبَ ذلك السورُ بَيْنَ المنافقينَ والمؤمنينَ قال المنافقونَ للمؤمنينَ: ﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ [الحديد: آية ١٤] أَلَمْ نكن معكم في دارِ الدنيا؟ وكنا نحضرُ معكم المساجدَ والغزواتِ، ونأتِي معكم المواطنَ؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ كنتُم معنا ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ﴾ وهذا محلُّ الشاهدِ. ذلك الارتيابُ الذي قال عنهم هنا: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: آية ٤٥] هو من الأسبابِ التي تجعلُهم يومَ القيامةِ وراءَ السورِ، والعياذُ بالله.
وقولُه: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ﴾ أي: فَهُمْ في شَكِّهِمْ ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يذهبونَ حائرينَ تارةً يُقَدِّمُونَ رِجلاً ويؤخرونَ أخرى، يذهبون ويرجعون، يتوجهون إلى الإيمان مرة ويكفرون مرة (والعياذ بالله جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
стр. 2942
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: الآيتان ٤٦، ٤٧].
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ هؤلاء المنافقون الذين جاؤوا يستأذنون النبيَّ ﷺ في القعودِ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ، والجدِّ بنِ قيسٍ، وأضرابِهم، قال الله لِنَبِيِّهِ إنهم يستأذنون ويعتذرون الأعذارَ الكاذبةَ وهم في باطنِ أمرِهم مُصِرُّونَ على القعودِ وعدمِ الخروجِ، وَبَيَّنَ دليلَ ذلك في قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ لو أراد هؤلاءِ المنافقون المستأذنون الخروجَ معكَ إلى غزوةِ تبوكَ ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ معكَ ﴿لأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: للخروجِ ﴿عُدَّةً﴾ أي: لَتَأَهَّبُوا للخروجِ وتهيؤوا له؛ لأن مَنْ يعزمُ على الخروجِ إلى قتالِ العدوِّ يتهيأُ قبلَ ذلك ويستعدُّ لذلك بإحضارِ العدةِ اللازمةِ لذلك، ولكن هؤلاء لم يَعُدُّوا شيئًا، ولم يُبالوا بشيءٍ، فَدَلَّ على أنهم مصرونَ عازمونَ على التخلفِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ﴾ [التوبة: آية ٤٦] أي: للخروجِ ﴿عُدَّةً﴾ أي: لَتَأَهَّبُوا له أُهْبَتَهُ وتهيؤوا له بإعدادِ ما يَلْزَمُهُ.
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ كَرِهَ اللَّهُ انبعاثَهم كَوْنًا وقدرًا؛ لأن اللَّهَ يعلمُ أنهم لو خرجوا مع رسولِه ما كان في خروجِهم له إلا الشرُّ، فلا يجدُ منهم إلا الضررَّ والشرَّ، فَثَبَّطَهُمْ عنه بحكمتِه لُطْفًا برسولِه ﷺ ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ الانبعاثُ مصدرُ انبعثَ ينبعثُ إذا ذَهَبَ إلى الشيءِ. ومنه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: آية ١٢] ومعنَى ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم غَازِينَ معكَ إلى تبوكَ،
стр. 2943
كَرِهَ اللَّهُ خروجَهم معكَ لضررِ ذلك عليكَ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ عن ذلك الخروجِ مراعاةً لمصلحتكَ. والتثبيطُ: التبطئةُ والتعويقُ وعدمُ الخروجِ، فَثَبَّطَهُمْ عنكَ مراعاةً لمصلحتكَ ومصلحةِ مَنْ مَعَكَ مِنَ المسلمينَ، وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
﴿قِيلَ﴾ هنا مَبْنِيٌّ للمفعولِ حُذِفَ فاعلُه، واختلفَ العلماءُ في فاعلِه المحذوفِ (١)، فقال بعضُ العلماءِ: قال بعضُهم لبعضٍ في سِرِّهِمْ وباطنِ أمرِهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وَاسْتَأْذِنُوهُ لتقعدوا. وقال بعضُهم: أَذِنَ لهم النبيُّ ﷺ فقال: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وعلى هذا القولِ فـ (اقعدوا) هو الإذنُ. وبعضُهم يقول: قولُه: ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أَذِنَ لهم إِذْنًا صاحبُه لَا يرضى عنهم. والمرادُ بالقاعدينَ: الذين ليس من شأنِهم الحضورُ، كالصبيانِ والزَّمْنَى والنساءِ، ونحو ذلك ممن ليس من شأنِه الخروجُ للقتالِ.
وقال بعضُ العلماءِ: هو كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ، الله يقولُ للشيءِ: «كُنْ فَيَكُونُ «، فقال: «اقْعُدُوا». فكان قعودُهم، واختار هذا بعضُ العلماءِ.
ثم إن الله قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ [التوبة: آية ٤٧] لو خرج فيكم رؤساءُ هؤلاء المنافقينَ الذين يحركونَهم ويرأسونَهم في الشرِّ كابْنِ أُبَيِّ بنِ سلولَ والجدِّ بنِ قيسٍ - قبحهما الله - وأمثالهم ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم﴾ غازينَ إلى تبوكَ ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ ما حصلتُم منهم على فائدة ولم يزيدوكم إلا خبالاً. والخبالُ معناه: الفسادُ. أي: ما زَادُوكُمْ إلا فَسَادًا؛ لأنهم يفسدونَ عليكم.
стр. 2944
وقولُه: ﴿ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ العربُ تقولُ: أَوْضَعَ يُوضِعُ إيضاعًا. إذا أَسْرَعَ في سيرِه. فالإيضاعُ: الإسراعُ في السيرِ. وَاسْمُ فاعلِه (موضِع) ومنه قولُ امرئِ القيسِ (١):
أَرَانَا مُوْضِعِينَ لأَمْرِ غَيْبٍ ... وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ
و ﴿خِلالَكُمْ﴾ معناه: بينكَم، يعنِي: لَا يزيدونَكم إلا فسادًا على فسادٍ، ولأَسْرَعُوا فيما بينَكم بالمشيِ بالنميمةِ وإلقاءِ المخالفاتِ والأراجيفِ والأكاذيبِ التي تضرُّ المسلمينَ ولا تنفعُهم. وهذا معنَى قولِه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ لأن العدوَّ إذا كان في ثيابِ صديقٍ يفعلُ كُلَّ شَرٍّ ويضرُّ كُلَّ مضرةٍ من حيث لا يشعرُ به، فَهُمْ لَا يزيدونَكم إلا الفسادَ. أي: لا يزيدونَكم شيئًا كائنًا ما كان إلا الفسادَ والخبالَ، فإنهم يفسدون عليكم وكأنهم يفسدون وهم في المدينةِ، فإذا سافروا كان خبالُهم وفسادُهم أكثرَ؛ لأنهم يُلْقُونَ بينهم بالنمائمِ ويلقونَ الأراجيفَ والتخويفَ من المشركينَ وإلقاءِ التشاويشِ كي يخافَ المسلمونَ، ولتفسد ذاتُ بينهم، وهم أعداءُ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - وهذا معنَى قولِه تعالى: ﴿ولأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ معناه يطلبونَ لكم الفتنةَ. ﴿الْفِتْنَةَ﴾ هي ما يُوقِعُونَ بكم من الشرِّ، من المعاداةِ بينَكم بإلقاءِ النميمةِ والخوفِ من الأعداءِ بإلقاءِ الأراجيفِ الكاذبةِ ونحوِ ذلك.
وقولُه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ في هذا الحرفِ وجهانِ من التفسيرِ للعلماءِ (٢):
стр. 2945
قال بعضُ العلماءِ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيونٌ يسمعونَ الأخبارَ ويأتونَهم بها لِيَقْدِرُوا بذلك على ما شاؤوا من الفسادِ والخبالِ.
وقال بعضُ العلماءِ: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ هم ساداتٌ وأشرافٌ في قومِهم، وفيكم مَنْ يسمعُ لهم لمكانتِهم وشرفِهم في قبيلتِه كابنِ أُبَيٍّ والجدِّ بنِ قيسٍ وَمَنْ يكونُ له شرفٌ وسيادةٌ في قومِه يسمعونَ منه وَتُؤَثِّرُ دعايتُه السيئةُ عليهم بإلقاءِ الفتنِ والأراجيفِ. وهذا معنى قولِه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وهذه الآيةُ الكريمةُ نَصَّ اللَّهُ (جلَّ وعلا) فيها على إحاطةِ عِلْمِهِ، وأنه (جلَّ وعلا) من شدةِ إحاطةِ علمِه بالأشياءِ يعلمُ الأشياءَ الذي سَبَقَ في علمِه أنها لا تكونُ (١)،
هو يعلمُ أن لو كانت كيف تكونُ؛ لأن هؤلاء المتخلفينَ عن غزوةِ تبوكَ كالجدِّ بنِ قيسٍ وعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سلولَ لا يحضرونَها أبدًا؛ لأن اللَّهَ كَرِهَ انبعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ عنها لحكمةٍ إلهيةٍ، ومصلحةً للمسلمينَ، فَهُمْ لا يحضرونَها أبدًا، وقد سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ الأزليِّ أنهم لا يحضرونَها أبدًا، وأنهم لا يخرجونَ معه أبدًا، وخروجُهم هذا الذي سَبَقَ في سابقِ عِلْمِهِ أنه لا يكونُ صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أن لو كان كيف يكونُ، فَعَرِفْنَا من هذا أنه (جلَّ وعلا) يعلم الموجوداتِ والمستحيلاتِ والمعدوماتِ والجائزاتِ، حتى إنه من إحاطةِ علمِه ليعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في سابقِ علمِه أنه لا يوجدُ يعلمُ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ لشدةِ إحاطةِ علمِه بالأشياءِ، فخروجُ هؤلاءِ لا يكونُ، وهو عَالِمٌ ذلك الخروجَ الذي لا يكونُ أن لو كان كيف يكونُ، كما قال هنا: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً﴾ الآيةَ [التوبة: آية ٤٧] والآياتُ الدالةُ على
стр. 2946
هذا المعنَى كثيرةٌ جِدًّا، من ذلك ما قدَّمنا في سورةِ الأنعامِ من أن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا رأوا القيامةَ وَعَايَنُوا الحقيقةَ تَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى ليصدقوا الرسلَ ويؤمنوا بِاللَّهِ، وهذا الردُّ الذي تَمَنَّوْهُ عَلِمَ اللَّهُ أنه لا يكونُ، وقد صَرَّحَ بأنه عَالِمٌ أن لو كان كيف يكونُ، وذلك في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام: آية ٢٧] هذا الردُّ الذي تَمَنَّوْهُ هو عَالِمٌ أنه لا يكونُ، وقد صرَّح بأنه عَالِمٌ أن لو كان كيفَ يكونُ حيثُ قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: آية ٢٨] والآياتُ بمثلِ هذا كثيرةٌ في كتابِ اللَّهِ كقولِه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ [المؤمنون: آية ٧٥] وقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا
أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [النساء: آية ٦٦].
فهذه الآياتُ من كتابِ اللَّهِ دَلَّتْ على إحاطةِ عِلْمِ اللَّهِ (جلَّ وعلا) بِكُلِّ شيءٍ، حتى بالمعدوماتِ التي سَبَقَ في علمِه أنها لا توجدُ، فهو عَالِمٌ أن لو وُجِدَتْ كيف يكونُ، فهو عَالِمٌ بأن أبا لهب لن يُؤْمِنَ، وهو يعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو نَاقِصًا، وهكذا. وهذا يدلُّ على أن المحيطَ بالعلمِ هو اللَّهُ (جلَّ وعلا) وحدَه، وَخَلْقُ اللَّهِ لا يعلمونَ من العلمِ إلا ما علَّمهم العليمُ الخبيرُ الأعظمُ كما دَلَّ عليه هذا القرآنُ في آياتٍ كثيرةٍ، وإيضاحُ ذلك أن أَعْلَمَ المخلوقينَ الملائكةُ والرسلُ - على جميعِهم صلواتُ اللَّهِ وسلامُه - فالملائكةُ لَمَّا قال لهم اللَّهُ: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: الآيتان ٣١، ٣٢] قولُهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (لا) فيه، هي (لا) التي لنفيِ
стр. 2947
الجنسِ، فَنَفَوْا جنسَ العلمِ من أصلِه عن أنفسِهم إلا شيئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
وكذلك الرسلُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) مع علمِهم وفضلِهمٍ وجلالتِهم لَا يعلمونَ من أمرِ اللَّهِ إلا شيئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: آية ٨٥].
هذا سيدُ الرسلِ وأكملُ الخلقِ نَبِيُّنَا محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) - وهو هو - رُمِيَتْ أحبُّ أزواجِه إليه بفريةٍ وإفكٍ، حيث رُمِيَتْ بصفوانَ بنِ المعطلِ السلميِّ في غزوةِ المريسيعِ، وهو لا يدرِي ما قيل عنها أَحَقٌّ أو كَذِبٌ، وكان يقولُ لها: «يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَتُوبِي، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْكِ» (١). ولم يَدْرِ هل ما قيل عنها حَقٌّ أو كَذِبٌ حتى أخبرَه العليمُ الخبيرُ (جلَّ وعلا) قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: آية ٢٦].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ إمامُ الأنبياءِ (صلواتُ اللَّهِ عليهم جميعًا) ذَبَحَ عِجْلَهُ وتعب هو وامرأتُه في إنضاجِ العجلِ يَظُنُّ أن الملائكةَ يأكلون، لا يدرِي مَنْ هُمْ، حتى إنه لَمَّا رآهم لم يأكلوا خَافَ منهم كما في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: آية ٧٠] وَصَرَّحَ لهم بأنه خائفٌ منهم حيث قال: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: آية ٥٢] حتى ضَحِكَتِ امرأتُه، وَلَمَّا ارتحلوا عنه ونزلوا بنبيِّ اللَّهِ لوطٍ - وهو هو - ضَاقَ بهم ذَرْعًا وقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: آية ٧٧] وَلَمْ يَدْرِ أنهم ملائكةٌ حتى قال كلامَه المحزنَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: آية ٨٠]
стр. 2948
وما عَلِمَ أنهم ملائكةٌ حتى قالوا له: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ الآيات [هود: آية ٨١].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ - وهو هو - يقولُ لربِّه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: آية ٤٥] ولا يدرِي أن ذلك الولدَ الذي يطلبُ رَبَّهُ أن ينجيَه أنه كافرٌ ليس من أهلِه الموعودِ بنجاتِهم حتى قال له العليمُ الخبيرُ: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: آية ٤٦] فما قال نوحٌ إلا أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: آية ٤٧].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ - وهو هو - قال الله فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: آية ٦٨] ابْيَضَّتْ عيناه من الحزنِ فهو كَظِيمٌ، وولدُه في مصرَ بينَه وبينَه مراحلُ لَا يدرِي ما شَأْنُهُ ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ الآيةَ [يوسف: آية ٨٧].
وهذا نَبِيُّ اللَّهِ سليمانُ - وهو هو - أعطاه اللَّهُ الرياحَ غُدُوُّهَا شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وَسَخَّرَ له مردةَ الشياطينِ والجنِّ، ما كان يدرِي عن مأرب وجماعةِ بلقيسَ حتى ذَهَبَ إليهم الضعيفُ المسكينُ الهدهدُ، وَلَمَّا تَوَعَّدَ الهدهدَ، وكان الهدهدُ حَصَّل منهم بعضَ عِلْمِ الجغرافيا والتاريخِ، وهذا العلمُ لم يكن عِنْدَ سليمانَ في ذلك الوقتِ، وكان سليمانُ يُهَدِّدُ الهدهدَ ويقولُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٢١)﴾ [النمل: آية ٢١] فجاء الهدهدُ لَمَّا عرف بعضَ عِلْمِ جغرافيةِ اليمنِ وتاريخِها، وسليمانُ لا يدرِي عنه، أفادَه هذا العلمُ قوةً وَوَقَفَ أمامَ سليمانَ وقفَة الرجلِ الصامدِ،
стр. 2949
وَنَسَبَ الإحاطةَ لنفسِه ونفاها عن سليمانَ وقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا﴾ الآياتِ [النمل: الآيات ٢٢ - ٢٤]. فسليمانُ ما كان يدرِي عن هذا، ولم يَقُلْ له إلا أن قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ وأمثالُ هذا كثيرٌ.
فَاللَّهُ (جلَّ وعلا) هو العليمُ الأعظمُ، والملائكةُ والرسلُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) يعلمونَ من عِلْمِ اللَّهِ ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ من غيبِه وما لم يعلمهم لم يعلموه، وهو (جلَّ وعلا) وحدَه هو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، العالِم بما كان وما يكون، وبالمعدومِ والموجودِ، والمعدومِ الذي لا يوجدُ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ ﴿قُل لَاّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: آية ٦٥] وهذا معنَى قولِه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٤٧].
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ كقولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٤] فقال في الأُولَى: إن تقوَى المتقينَ لَا تَخْفَى عليه، وأن ظلمَ الظالمينَ لَا يَخْفَى عليه.
وقد قدَّمنا في هذه الدروسِ مرارًا (١) أن أصلَ معنَى الظلمِ في لغةِ العربِ هو: وَضْعُ الشيءِ في غيرِ محلِّه، مادةُ الظاءِ واللامِ والميمِ (ظَلَمَ) معناها: وضعُ الشيءِ في غيرِ محلِّه. هذا هو أصلُ معنَى هذه المادةِ، وأعظمُ أنواعِها هو الشركُ بِاللَّهِ؛ لأَنَّ الشركَ بالله وضعٌ للعبادةِ
стр. 2950
في غيرِ موضعِها؛ لأَنَّ مَنْ يأكلُ نِعَمَ اللَّهِ ويتقلبُ في رِزْقِهِ وعافيتِه إذا كان يعبدُ غيرَه فقد ظَلَمَ، أي: وَضَعَ العبادةَ في غيرِ موضعِها، كما قال تعالَى عن لقمانَ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: آية ١٣] وقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: آية ٢٥٤] ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: آية ١٠٦] ولأَجْلِ هذا كان الظلمُ في القرآنِ يُطْلَقُ على الشركِ وعلى غيرِه من المعاصِي والمخالفاتِ، وَثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ عن النبيِّ ﷺ أن قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: آية ٨٢] قال: ولم يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ (١). هذا أصلُ الظلم في لغةِ العربِ.
وهو في الشرعِ على نَوْعَيْنِ: ظلمٌ أكبرُ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ، فالظلمُ الأكبرُ هو وضعُ العبادةِ في غيرِ موضعِها، وهو الشركُ بالله. وظلمٌ دونَ ظلمٍ وهو أن يُطِيعَ عدوَّه إبليسَ ويعصيَ رَبَّهُ، فالذي أَطَاعَ الشيطانَ وعصى اللَّهَ قد ظَلَمَ نفسَه؛ لأنه عَرَّضَهَا لسخطِ اللَّهِ وَوَضَعَ الطاعةَ في غيرِ موضعِها، والمعصيةَ في غيرِ موضعِها. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٧] وهذا المعنَى مشهورٌ في كلامِ العربِ، أن الظلمَ هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومنه قد تقولُ العربُ للذي يضربُ لَبَنَهُ قبلَ أن يَرُوبَ: هو ظَالِمٌ؛ لأنه وَضَعَ الضربَ في غيرِ موضعِه؛ لأن ضربَه قبل أن يروبَ يُضَيِّعُ زبدَه، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢):
وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي ... وَهَلْ يَخْفَى عَلَى الْعَكَدِ الظَّلِيمُ
стр. 2951
«ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي» تعنِي: ضربتُه لكم قبل أن يروبَ. والعَكَد: عصبُ اللسانِ. يعنِي: أن اللسانَ لَا يَخْفَى عليه الظليمُ وغيرُ الظليمِ، أي الذي ضُرِبَ قبل أن يروبَ وغيرُه، ومن هذا المعنَى قولُ الآخَرِ (١):
وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرِدْنِي شَكَاتُهُ ... ظَلَمْتُ وَفِي ظُلْمِي لَهُ عَامِدًا أَجْرُ
ومن هنا قالت العربُ للأرضِ الذي حُفِرَ فيها وليست محلاًّ للحفرِ: «مظلومةٌ» ومنه قولُ نابغةِ ذبيانَ (٢):
إِلَاّ الأَوَارِيَّ لأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيَ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ
وقالوا للترابِ المنزوعِ من القبرِ «ظليمٌ» لأن أصلَ القبرِ يُحْفَرُ في محلٍّ لم يُحْفَرْ قبلَ ذلك عادةً، فهو حَفْرٌ في محلٍّ ليس موضعًا للحفرِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣):
فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْهَا ظَلِيمُهَا
وجاء الظلمُ في القرآنِ الكريمِ بمعنَى النقصِ في آيةٍ واحدةٍ في سورةِ الكهفِ، وهي قولُه: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: آية ٣٣] أي: لم تَنْقُصْ منه شيئًا. هذه وحدَها في القرآنِ جاء فيها الظلمُ بمعنَى النقصِ. والعلماءُ يقولونَ: إن أصلَها من المادةِ التي ذَكَرْنَا؛ لأن صاحبَ البستانِ ينفقُ ويصرفُ عليه المالَ، فإذا جاء بِغَلَّةٍ وثمرةٍ طيبةٍ فكأنه جاء بشيءٍ في موضعِه حيث رَدَّ لصاحبِه المالَ ووجدَ منه رِبْحًا، أما إذا صَرَفَ فيه المالَ ولم يَأْتِ بشيءٍ فقد ضَاعَ
стр. 2952
المالُ المصروفُ فيه، ولم يأتِ شيءٌ بخلفٍ منه، فكأن هذا وَضْعٌ للشيءِ في غيرِ موضعِه للضياعِ والرزيةِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٧].
قال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ [التوبة: الآيات ٤٨ - ٥٢].
يقول اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ [التوبة: آية ٤٨].
لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) للنبيِّ والمسلمينَ أنه ثَبَّطَ عنهم عظماءَ المنافقينَ للمصلحةِ، وأنهم لو خَرَجُوا فيهم ما زادوهم إلا خبالاً، أي: فسادًا ومشيًا بالنميمةِ وتثبيطًا وإلقاءً للأراجيفِ، بَيَّنَ أن هذا الذي ينطوي عليه المنافقونَ من الشرِّ كان موجودًا فيهم قبلَ ذلك، قبل أن يُنْزِلَ القرآنَ في شأنِهم وأن تَطَّلِعُوا عليهم؛ لأن عظماءَ المنافقينَ بالمدينةِ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سلولَ، والجدِّ بنِ قيسٍ أخي بني سلمةَ، عندما جاء رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ وَآمَنَ الأنصارُ شَقَّ ذلك عليهم وَعَظُمَ، وَأَبَوْا أن يؤمنوا، وصاروا يفكرونَ في الحالةِ التي
стр. 2953
يبطلونَ بها دعوةَ دينِ الإسلامِ ويخرجوا النبيَّ ﷺ ويمنعونَ الناسَ من الإيمانِ، فلما جاءت غزوةُ بدرٍ عرفوا قوةَ المسلمينَ. قال لهم ابنُ أُبَيٍّ: هذا أَمْرٌ مُستَقبِلٌ فَآمِنُوا ظاهرًا (١). وَهُمْ في الباطنِ يتربصونَ بهم الدوائرَ، يُجِيلُونَ أفكارَهم في الحالةِ التي يَضُرُّونَهُمْ بها.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ أي: طَلَبُوا الفتنةَ، طلبوا لكم الفتنةَ قبلَ هذا من رَدِّ الناسِ عن الدينِ، وإبطالِ الدينِ، وعدمِ اتباعِ النبيِّ ﷺ ، والإفسادِ بينَ المسلمينَ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ العربُ تقولُ: قَلَّبَ الأمورَ، وَقَلَّبَ الأمرَ. معناه: أن يتفكرَ بدقةٍ ويدبِّر في الأمور ويقلبَها وَجْهًا إلى ظَهْرٍ، وظهرًا إلى وجهٍ ليتأملَ في الحالةِ التي يحصِّل بها مقصودَه. فمعنَى قَلَّبُوا الأمورَ: أَجَالُوا الأفكارَ ونظروا في الدهرِ جنبًا إلى جنبٍ من هذا الأمر إلى هذا، واحتمال هذا وهذا لِيَصِلُوا بذلك إلى رَدِّ الناس عن النبيِّ ﷺ ، والقعودِ في وجهِ الدعوةِ إلى اللَّه (جلَّ وعلا)، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ العربُ: قَلَّبْتُ أمري، وَقَلَّبْتُ أموري، إذا أجلتُ فِكْرِي في المسائلِ ونظرتُ فيها وفي احتمالاتِها لنعلمَ أَيَّ الأمورِ هو الذي يُعِينِنُي على قصدِي. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ نَزَلَ به القرآنُ العظيمُ، منه قولُ هبيرةَ بنِ أبِي وهبٍ المخزوميِّ زوجِ أُمِّ هانئٍ بنتِ أبِي طالبٍ ﵂، فإن زوجَها هبيرةَ لَمَّا فَتَحَ النبيُّ ﷺ مكةَ فَرَّ كافرًا إلى نجرانَ، ولم يَزَلْ بها حتى مَاتَ - والعياذُ بالله - وقد أَرْسَلَ إلى
стр. 2954
أُمِّ هانئٍ مِنْ هناك من نجرانَ هذه الأبياتِ - وفيها محلُّ الشاهدِ - وهو قولُه لها (١):
لعَمْرُكِ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا ... وَأَصْحَابَهُ جَفْلاً وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ ...
وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ ... لِسَيْفِي غَنَاءٌ إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي ...
وَقَفْتُ فَلَمَّا خِفْتُ ضَيْعَةَ مَوْقِفِي ... رَجَعْتُ لِعُودٍ كَالْهِزَبْرِ أَبَيِّ الشِّبْلِ
ومحلُّ الشاهدِ منه قولُه «قلَّبتُ أمري» أي: أَجَلْتُ فكري ونظرتُ وتأملتُ في الأمورِ فوجدتُ ثباتِي وعدمَ فرارِي يؤدِي إلى قتلي ولا نتيجةَ بعدَه. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أي: أَجَالُوا أفكارَهم وَقَلَّبُوا الأمورَ ونظروا في احتمالاتِها لينالوا كيدًا يكيدونَك به من تثبيطٍ عن الدينِ، أو إلقاءِ شَرٍّ بينَ المسلمينَ، أو إعانة عدوٍّ عليكَ حتى يظفرَ بكَ، قبَّحهم اللَّهُ.
﴿حَتَّى جَاء الْحَقُّ﴾ جاء الحقُّ وهو نصرُ اللَّهِ لنبيِّه بدينِ الإسلامِ، وقتلِ صناديدِ قريشٍ يومَ بَدْرٍ.
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ معناها: غَلَبَ دينُ اللَّهِ وظهرَ انتصارُه واستقبالُه، فعند ذلك أَسْلَمُوا إسلامًا غيرَ حقيقيٍّ، وهم يتربصونَ الدوائرَ بالمؤمنينَ في باطنِهم.
وقولُه: ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ والحالُ هم كارهونَ - قبحهم اللَّهُ - لأن كُلَّ ما ينالُه المسلمونَ من نصرٍ وفتحٍ وخيرٍ يكرهونَه ويسوؤهم، وكلّ ما جاءهم من شَرٍّ يفرحونَ به، وهذه عادةُ الكفارِ، لَا يزالونَ يحاولونَ رَدَّ المؤمنينَ عن الدينِ حتى يُقَنِّّطَهُمُ اللَّهُ من ذلك، كما قال اللَّهُ في الكفارِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ
стр. 2955
اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: آية ٢١٧] وَبَيَّنَ أنهم لم يستطيعوا في قولِه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: آية ٣] كذلك المنافقونَ كانوا يطمعونَ في ضياعِ الدعوةِ، وأن النبيَّ ﷺ يضمحلُ أمرُه حتى جاء الحقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارهونَ ذلك - قبحهم الله - وهذه من خسائسِ المنافقينَ يُظْهِرُهَا اللَّهُ لنبيه ﷺ ، وَمِنْ أسماءِ هذه السورةِ العظيمةِ: (الفاضحةُ) لأنها فَضَحَتْ أسرارَ المنافقينَ كما تَقَدَّمَ، وسيأتِي فيها كثيرًا. وهذا معنَى قولِه: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
[٨/ب] / وقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾ [التوبة: آية ٤٩] قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ السبعةِ غيرَ ورشٍ عن نافعٍ والسوسيِّ عن أَبِي عمرٍو: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾ بهمزةٍ مُحَقَّقَةٍ، وقرأه ورشٌ والسوسيُّ بإبدالِ الهمزةِ واوًا مادةً للَاّمِ ﴿ومنهم من يقول وذن لي﴾ أما عندَ الوقفِ فقد أَجْمَعَ جميعُ القراءِ على أنك إن وقفتَ على ﴿يَقُولُ﴾ ابتدأتَ فقلتَ: (ايذن لي﴾ (١) وهو الأمرُ مِنْ أَذِنَ له يأذنُ له. تقولُ العربُ: أذِن له يأذنُ له. وإذا جاء منها أَمْرٌ تقول: ائْذَنْ لِي. أصلُه: إئذن لي. ولكن القاعدةَ المقررةَ في العربيةِ: أن كُلَّ همزتين اجْتَمَعَتَا في كلمةٍ أُخْرَاهُمَا ساكنةٌ وَجَبَ إبدالُها حرفَ مَدٍّ مُجَانِسًا للشكلةِ التي قبلَها سواءً أكانت التي قبلَها همزةَ وصلٍ أو همزةَ قَطْعٍ، وهذا حكمٌ لا خِلَافَ فيه بَيْنَ القراءِ ولَا بَيْنَ علماءِ العربيةِ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾ أي: ائْذَنْ لي في القعودِ ولا تُكَلِّفْنِي بالشخوصِ إلى غزوةِ تبوكَ. وهذه الآيةُ نَزَلَتْ في الجدِّ بنِ قيسٍ الخبيثِ المنافقِ أخِي بَنِي
стр. 2956
سلمةَ، كان رجلاً سَيِّدًا فيهم، وَلَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ قال لِبَنِي سلمةَ: مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سلمةَ؟ قالوا: الجدُّ بنُ قَيْسٍ على أَنَّا نُبَخِّلُهُ؛ لأنه بخيلٌ لا يجودُ بالمالِ. فقال: وَأَيُّ داءٍ أدوأُ من البخلِ؟ إنما سيدُكم هذا الشابُّ الأبيضُ الجعدُ (١).
يعني بشرَ بنَ البراءِ بنِ معرورٍ. وكان حسانُ ﵁ يمدحُ بشرَ بنَ البراءِ بتسويدِ النبيِّ ﷺ إياه ويقولُ (٢):
وَسُوِّدَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بِجُودِهِ ... وَحُقَّ لِبِشْرِ بْنِ الْبَرَا أَنْ يُسَوَّدَا
فَتًى إِنْ أَتَاهُ الْوَفْدُ أَتْلَفَ مَالَهُ ... وَقَالَ خُذُوهُ إِنَّنِي عَائِدٌ غَدَا
стр. 2957
فنزلت هذه الآيةُ في الجدِّ بنِ قيسٍ على ما عليه جماعةُ المفسرينَ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾ هو الجدُّ بنُ قيسٍ أخو بني سلمة. ذكر ابن إسحاق وغيره (١) أن النبيَّ ﷺ في وقتِ تجهيزِه لغزوةِ تبوكَ قال له: «يَا جَدُّ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الأَصْفَرِ؟» يعنِي الرومَ. فقال له الجَدُّ: يَا رسولَ اللَّهِ ﷺ ائْذَنْ لِي في الجلوسِ فإنِّي رجلٌ قد عَلِمَ قومي أنني لا صبرَ لي عن النساءِ، وإن نساءَ بَنِي الأصفرِ فيهن جمالُ ووضاءةُ وجوهٍ أخافُ إن رأيتهن أن لا أصبرَ عنهن، فَائْذَنْ لِي ولا تفتنِّي بصباحةِ وجوهِهن إذا خَرَجْتُ إليهن. وهذا عذرٌ باردٌ وليس قصدُه إلا النفاقَ، فأنزل اللَّهُ فيه: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ أي: بصباحةِ وجوهِ نسائِهم على ما قاله غيرُ واحدٍ.
وقال بعضُ العلماءِ وأسندَه ابنُ جريرٍ (٢) إن النبي ﷺ قال له: «يَا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الأَصْفَرِ لِتَغْنَمَ مِنْهُمْ سَرَارِيَ وَوُصَفَاءَ؟» فقال: ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي بالنساءِ. هذا منزعٌ آخَرُ ووجهٌ في الآيةِ.
وجمهورُ العلماءِ يقولون: هي في الجَدُّ بنُ قيسٍ، وهو عذرُ نفاقٍ لا شَكَّ فيه، وهو لَا عذرَ له، وإنما يتلمسُ الأعذارَ الكاذبةَ ليجلسَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
стр. 2958
ثم إن اللَّهَ قال: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ الفتنةُ التي يزعمُ أنه يَتَوَقَّاهَا وهي خوفُه أن يُفْتَتَنَ بجمالِ نساءِ بَنِي الأصفرِ هذه ليست هي الفتنة، ولكنَّ الفتنةَ العظيمةَ هذه التي سَقَطَ فيها ووقع فيها وهي تَخَلُّفُهُ عن الجهادِ واعتذارُه الكاذبُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ونفاقُه، هذه هي الفتنةُ والضلالُ. فالمعنَى: هذا الذي سقط فيه باعتذارِه هو عينُ الفتنةِ العظيمةِ لَا فتنةَ جمالٍ نسائِهم الذي يزعم أنه هو الذي يخافُ فتنتَه. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾.
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٩] في هذه الآيةِ الكريمةِ وعيدٌ شديدٌ للمنافقين، وجهنمُ طبقةٌ من طبقاتِ النارِ، وَتُطْلَقُ على النارِ.
وقولُه: ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ لأنها تُهْلِكُهُمْ وتغشاهم فتحتوي عليهم من جميعِ الجهاتِ، وتُغَلَّقُ أبوابُها عليهم، وُيضَيَّق عليهم فيها كما بَيَّنَ تعالى ذلك في آياتٍ كثيرةٍ، فَبَيَّنَ إحاطةَ النارِ بهم في قولِه في العنكبوتِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ [العنكبوت: الآيتانِ ٥٤، ٥٥] وقولُه تعالى في الكهفِ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ... ﴾ الآيةَ [الكهف: آية ٢٩]. وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: آية ٣٩] ﴿لَهُم مِّنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: آية ٤١] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الدالةِ على إحاطتِها بِهِمْ. وَبَيَّنَ (جلَّ وعلا) أنها تُطَبَّقُ عليهم وتغلَّق أبوابُها، وهو قولُه: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (٩)﴾ [الهمزة: الآيتانِ ٨، ٩] وأنها تُضَيَّقُ عليهم ضيقًا شديدًا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا
стр. 2959
مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ [الفرقان: آية ١٣] أَعَاذَنَا اللَّهُ وإخوانَنا المؤمنينَ منها. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٩].
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ [التوبة: آية ٥٠].
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ هذا مِمَّا أبداه اللَّهُ لِنَبِيِّهِ من أسرارِ المنافقينَ القبيحةِ ﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ يا نَبِيَّ اللَّهِ ﴿حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ المرادُ بالحسنةِ هنا: غلبةُ الأعداءِ والظفرُ والنصرُ. يعني: إن ظَفِرْتُمْ بأعدائِكم وغلبتموهم وَنَصَرَكُمُ اللَّهُ عليهم تسؤهم تلك الحسنةُ، ساءهم ذلك لأن العدوَّ الشديدَ العداوةِ يسوؤه ما ينال عدوَّه من الخيرِ، معناه: إن غَزَوْتُمْ وَنَصَرَكُمُ اللَّهُ وغلبتُم وظفرتُم ساءهم ذلك وحزنوا من أجلِه ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ كأن يُقْتَلَ قومُك، أو لا يُنْصَرُوا، أو يأتيَك شيءٌ يؤذيك ويؤذي قومَك ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ إذا سَمِعُوا أن سريةً من السرايا أو جيشًا من الجيوشِ وَقَعَ فيهم قتلٌ أو جِرَاحٌ قالوا: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ نحن خِفْنَا من هذا وَأَخَذْنَا لأنفسِنا بالاحتياطِ فَاسْتَأْذَنَّا حتى جَلَسْنَا وَسَلِمْنَا من تلك البلايا التي نالتهم من القتلِ والجراحِ ﴿وَتَوَلَّوا﴾ عن دينِ اللَّهِ ﴿وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ مسرورونَ من جهتينِ: أنكم أصابكم ذلك السوءُ، وأنهم هم ما كانوا معكم - سَلِمُوا منه - كما تقدَّم إيضاحُ هذا المعنَى في سورةِ النساءِ؛ لأن اللَّهَ أَوْضَحَهُ فيها بقولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾ [النساء: آية ٧٢] معنى قولِه: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا معهم فيصيبَني
стр. 2960
ما أصابَهم من القتلِ والجراحِ، وهو السببُ الذي تَوَلَّوْا به وَهُمْ فَرِحُونَ الآنَ.
فالآيةُ معناها: ﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ يا نَبِيَّ اللَّهِ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: يُعْطِكَ اللَّهُ ظفرًا ونصرًا ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تلك الحسنةُ ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ سيئةٌ كقتلِ قومِك وجراحِهم وإدالةِ الكفارِ منهم ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أَخَذْنَا لأنفسِنا بالاحتياطِ وتخلفَنا عن هذا الذي وَقَعُوا فيه حذرًا مِنَّا واحتياطًا أن يصيبَنا مثلُ ما أصابَهم ﴿وَيَتَوَلَّوا﴾ عن دينِ الإسلامِ، ونصرةِ رسولِ اللَّهِ، أو يتولَى بعضُهم راجعًا إلى بعضٍ، والحالُ ﴿وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ مسرورونَ بالسوءِ الذي أصابَكم وسلامتِهم منه، وأنهم لم يَحْضُرُوهُ معكم. هذا معنَى قولِه: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾.
ثم إن اللَّهَ (جلَّ وعلا) أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أن يقولَ لهم: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: آية ٥١] لن يصيبَنا أَذًى من الأَذَى لا قتل ولا جراح ولا مصيبة كائنة ما كانت إلا ما كَتَبَهُ لنا ربُّنا في أَزَلِهِ. وقولُه: ﴿مَوْلانَا﴾ أي سَيِّدُنَا وناصرُنا. والمولَى: أصلُه (مَفْعَل) من الولايةِ. والمولَى في لغةِ العربِ يُطْلَقُ على كُلِّ مَنْ يَنْعَقِدُ بَيْنَكَ وبينَه معنًى تكونُ تواليه ويواليكَ به (١)؛ ولذا كَثُرَ إطلاقُ المولَى على ابنِ العمِّ؛ لأن بَنِي العمِّ يُوَالُونَكَ بعصبيةِ القرابةِ وَتُوَالِيهِمْ، ويُطلق على المعتِق؛ لأن العتقَ ولايةٌ حصلت بينَه وبينَ المعتَق، فهو يُطلق على المعتِق وعلى المعتَق. ويُطلق المولَى على الصديقِ، وعلى كُلِّ مَنْ بينَك وبينَه ولايةٌ كائنةٌ ما كانت (٢).
стр. 2961
وقولُه تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: آية ٣٣] أي: عصبةً يرثونَ المالَ، كَبَنِي العمِّ ونحوِهم من العصباتِ، ومن هذا المعنَى قولُ الفضلِ بنِ العباسِ من أولادِ أبِي لَهَبٍ (١):
مَهْلاً بَنِي عَمِّنَا مَهْلاً مَوَالِينَا ... لَا تُظْهِرُوا لَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا
وإطلاقُ المولَى على ابنِ العمِّ مشهورٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ (٢):
وأَعْلَمُ عِلْمًا لَيْسَ بِالظَّنِ أَنَّهُ ... إِذَا ذَلَّ مَوْلَى الْمَرْءِ فَهْوَ ذَلِيلُ
واللَّهُ (جلَّ وعلا) مولَى المؤمنينَ؛ لأنه يُوَالِيهِمْ بالنصرِ والثوابِ والرحمةِ وهم مَوَالِيهِ؛ لأنهم يُوَالُونَهُ بالطاعةِ، حتى إن كُلَّ شيءٍ يوالِي شيئًا يقال له: (مولًى) ولذا جَعَلَ اللَّهُ النارَ مولَاهم كما قال: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: آية ١٥] لأنها تُوَالِيهِمْ لِمَا عَمِلُوا من الأعمالِ السيئةِ المؤديةِ لها. وهذا معنَى قولِه: ﴿لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: آية ٥١] في أَزَلِهِ ﴿هُوَ مَوْلانَا﴾ سَيِّدُنَا ومدبرُ شؤونِنا ونحنُ متوكلونَ عليه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تقديمُ المعمولِ هنا في قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ يدلُّ على الحصرِ، أي: لَا يُتوكَّلُ إلا على اللَّهِ وحدَه. والتوكلُ معناه: تفويضُ الأمورِ، وَكَّلْتُ الأمرَ إليه: فَوَّضْتُهَا إليه.
وعلى العبدِ أن يفوضَ أمورَه إلى ربه (جلَّ وعلا) ويعلم أن ما أصابَه لم يكن لِيُخْطِئَهُ، وما أخطأه لم يكن لِيُصِيبَهُ. والتوكلُ على اللَّهِ والتفويضُ عليه لا ينافِي الأسبابَ، فيجبُ على المسلمِ أن يأخذَ
стр. 2962
بالأسبابِ كما جاء به الشرعُ الكريمُ، ويكون في قرارةِ نفسِه متوكلاً على اللَّهِ، وهذا سيدُ المتوكلينَ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) مَرَّ عليكم أنه مع شدةِ توكلِه على الله وثقتِه بالله يتسببُ بالمحافظةِ من أعدائِه بأن يَدْخُلَ في غارٍ مظلمٍ في جبلِ ثورٍ لِيَسُنَّ لأُمَّتِهِ التوكلَ على اللَّهِ والأخذَ بالأسبابِ مع التوكلِ على ضوءِ الشرعِ الكريمِ، وهذا هو الحقُّ الذي لا شَكَّ فيه، فَتَرْكُ الأسبابِ من الضلالِ، والاعتمادُ بالكليةِ عليها من الضلالِ، والحقُّ هو أن يأخذَ الإنسانُ بالأسبابِ حسبَ ما جاء به الشرعُ الكريمُ متوكلاً قلبُه على اللَّهِ، مُفَوِّضًا أمرَه إليه، عَالِمًا بأن ما أَخْطَأَهُ لم يكن لِيُصِيبَهُ، وما أَصَابَهُ لم يكن لِيُخْطِئَهُ كما قال هنا: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: آية ٥١] وقد أَوْضَحَ اللَّهُ لنا في سورةِ الحديدِ أن جميعَ المصائبِ وجميعَ الأمورِ لَا يصيبُ الإنسانَ منها إلا شيءٌ كان مُقَدَّرًا قبل أن يَخْلُقَ الخلقَ، وقبلَ أن توجدَ المصيبةُ، وربُّنا يقولُ لنا في آيةِ الحديدِ الآتيةِ ما معناه: بَيَّنْتُ لكم أن جميعَ الأمورِ كتبتُها وحسمتُها عندي لِتَتَحَصَّلُوا على أَمْرَيْنِ:
أحدُهما: أن لا تَفْرَحُوا بشيءٍ أَتَاكُمْ فإنه آتِيكُمْ لَا محالةَ، ولا تَحْزَنُوا على شيءٍ فَاتَكُمْ لأنه فائتٌ لا محالةَ، وهذا نَصَّ عليه تعالى بقولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مِّنْ قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ أي: أن نَخْلُقَهَا ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: آية ٢٢] إنما بَيَّنَّا لكم هذا القَدَرَ السابقَ الأَزَلِيَّ ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: آية ٢٣] لَا تَحْزَنُوا على شيءٍ فاتكم فهو فائتٌ لا محالةَ؛ لأن اللَّهَ كَتَبَ ذلك وَقَدَّرَهُ ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ فهو آتٍ لَا محالةَ. هذه الآياتُ القرآنيةُ إذا تَأَمَّلَهَا
стр. 2963
المسلمُ وَتَدَبَّرَ معانيَها فَهِمَ عن اللَّهِ، وَهَانَتْ عليه أمورُ الدنيا فلم تَعْظُمْ في قلبِه، وهذا معنَى قولِه: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: آية ٥١].
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ [التوبة: آية ٥٢].
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ كان المنافقونَ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - في المدينةِ يَدًا مع الكفارِ واليهودِ على النَّبِيِّ ﷺ وأصحابِه يُفْشُونَ إليهم أسرارَه، وَيُلْقُونَ الأراجيفَ في قلوبِ المؤمنينَ، فهم يدٌ مع الكفارِ والمنافقينَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ وَلِذَا كان المنافقونَ والكفارُ واليهودُ كأنهم طائفةٌ واحدةٌ ضِدَّ الإسلامِ والمسلمينَ؛ ولذا قال هنا: أنتم أيها المنافقونَ المتعاونونَ مع إخوانِكم من الكفارِ واليهودِ الذين تتربصونَ الدوائرَ بنا.
التربصُ في لغةِ العربِ: الانتظارُ، العربُ تقولُ: «تَرَبَّصَ»: إذا انْتَظَرَ، وَتَرَبَّصَ بالسلعةِ إلى وقتِ الغلاءِ: انْتَظَرَ بها. وهذا معروفٌ، وهو مشهورٌ جِدًّا في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا ... تُطَلَّقُ يَوْمًا أَوْ يَمُوتَ حَلِيلُهَا
فالتربصُ الانتظارُ. ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: أنتم أيها المتربصونَ بنا عواقبَ الدهرِ ونوائبَه رَاجِينَ أن تدورَ علينا الدوائرُ فَتُهْلِكَنَا لَا تتربصونَ بنا إلا واحدةً من اثنتين كلتاهما أحسنُ من الأُخْرَى.
﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أصلُه: (هل تَتَرَبَّصُونَ) حُذِفَتْ فيه إحدى التاءينِ.
стр. 2964
(هل) استفهامٌ بمعنَى النفيِ، ما تنتظرونَ بنا عاقبةً إلا عاقبةً هي إحدى الْحُسْنَيَيْنِ. الْحُسْنَى: تأنيثُ الأحسنِ، وَتُجْمَعُ على الحُسَنِ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، تقول: هذه الأُنْثَى هي الْحُسْنَى، أي: الأحسنُ من غيرِها. وَتَجْمَعُهَا على الحُسَنِ بضمٍّ فَفَتْحٍ كما هو معروفٌ في محلِّه. فَالْحُسْنَى صيغةُ تفضيلٍ، وَالْحُسْنَيَيْنِ تأنيثُ الْحُسْنَى، وهي صيغةُ تفضيلٍ. والمعنَى لَا تنتظرونَ بنا إلا إحدى خصلتينِ كلتاهما أحسنُ من غيرها:
إحداهما: أن نغلبَ أعداءَنا وينصرَنا اللَّهُ عليهم فَنَظْفَرَ بالنصرِ والغنيمةِ وَرِضَى اللَّهِ (جلَّ وعلا)، وهذه الخلةُ لا يوجدُ أحسنُ منها، فَعَاقِبَتُنَا إن صارت إليها عاقبةٌ كريمةٌ محمودةٌ.
والثانيةُ: أن يَقْتُلَنَا أعداؤُنا فنموتَ فننالَ الشهادةَ، والشهادةُ هي أعظمُ فوزٍ ينالُه المسلمُ في دارِ الدنيا، فهي أيضا حُسْنَى؛ لأنها أحسنُ مِنْ كُلِّ شيءٍ.
وهذه الآيةُ الكريمةُ من أعظمِ الآياتِ التي تجعلُ المسلمَ يشتاقُ إلى الجهادِ غايةَ الاشتياقِ؛ لأنك لا تجدُ في الدنيا رَجُلاً مآلُه إلى خيرٍ عظيمٍ على كُلِّ التقديراتِ إلا المجاهدَ في سبيلِ اللَّهِ؛ لأنه إن مَاتَ نَالَ أمنيةَ الدنيا والآخرةِ، وَنَالَ الفوزَ والحياةَ الأبديةَ، والكرامةُ التي لَا نظيرَ لها، وَإِنْ نَصَرَهُ اللَّهُ على عَدُوِّهِ فرجعَ ظَافِرًا غَانِمًا فائزًا فهذا أيضًا حَسَنٌ، وهذا لَا يكونُ لأحدٍ إلا للمجاهدِ في سبيلِ اللَّهِ، فَمَنْ تَأَمَّلَ معنَى هذه الآيةِ الكريمةِ اشتاقَ لَا محالةَ إلى الجهادِ في سبيلِ اللَّهِ. وقد ذَكَرَ أصحابُ المغازِي أن النبيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الخروجَ إلى المشركينَ في غزوةِ أُحُدٍ كان جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أَبُوهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ حرامٍ له بناتٌ سبعٌ، فجابرٌ أخواتُه سبعٌ، ذَكَرُوا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم
стр. 2965
أَشَارَ عليهم أن يَبْقَى مع البناتِ واحدٌ، الابنُ أو الأبُ لئلَاّ يموتَا فتبقَى الإناثُ لا قَيِّمَ عليهن، فقال الوالدُ وهو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ حرامٍ ﵁ وَأَرْضَاهُ): يا بُنَيَّ كُلُّ شيءٍ أُوثِرُكَ فيه على نفسِي إلا الشهادةَ في سبيلِ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ لَا أُوثِرُ على نفسِي بها أَحَدًا، وَاسْتُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ ﵁. ولا خلافَ بَيْنَ العلماءِ بأنه من الذين أنزلَ اللَّهُ فيهم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [آل عمران: آية ١٦٩] وهذا معنَى قولِه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ [التوبة: آية ٥٢] أي: ما تَتَرَبَّصُونَ وتنتظرونَ بنا إلا واحدةً من إحدى مَسْأَلَتَيْنِ كلتاهما أحسنُ من كُلِّ شيءٍ ﴿إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ظَفْرٌ ونصرٌ وفوزٌ بالظفرِ والنصرِ، أو شهادةٌ في سبيلِ اللَّهِ. وهذا كُلُّهُ خيرٌ، فَكُلُّ احتمالٍ صِرْنَا إليه هو احتمالٌ كريمٌ، وهو أحسنُ من غيرِه. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ ننتظرُ بكم خلافَ ذلك: إحدى السَّوْأَيَيْنِ، نحن ننتظرُ بكم إحدى السوأيين، كلتاهما أسوأُ من الأُخْرَى: أحدُهما: أن يصيبَكم اللَّهُ بعذابٍ من عنده، كأن يُنْزِلَ عليكم عقوبةً فيهلككم لكفركم وتمردِكم وتصيرونَ إلى النارِ، أو يسلطنا عليكم ويأمرنا بقتلِكم فنقتلكم كما قال في إخوانِهم الكفارِ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة: آية ١٤] وهذا معنَى قولِه: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ إذا عرفتُم أنكم لا تتربصونَ بنا إلا الخيرَ ونحنُ لا نتربصُ بكم إلا الشرَّ إِذَنْ فتربصوا ونحنُ متربصونَ أيضًا، فَكُلُّنَا يصيرُ إلى ما يتربصُ به الآخَرُ إليه.
стр. 2966
وهذا معنَى قولِه: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: آية ٥٢].
يقول اللَّهُ (جل وعلا): ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَاّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: آية ٥٣ - ٥٧].
قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ السبعةِ غيرَ حمزةَ والكسائيِّ: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ بفتحِ الكافِ، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿أَوْ كُرْهًا﴾ بِضَمِّ الكافِ (١).
وَقَرَأَ عامةُ السبعةِ أيضًا غيرَ حمزةَ والكسائيِّ: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ بالتاءِ. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿وما منعهم أن يُقْبَل منهم نفقاتهم﴾ بالياء (٢).
وهذه الآيةُ الكريمةُ من الآياتِ النازلةِ في الجَدِّ بنِ قيسٍ أَخِي بَنِي سلمةَ؛ لأَنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا دَعَاهُ إلى الخروجِ في غزوةِ تبوكَ واعتذرَ له أعذارَ المنافقينَ المتقدمةَ قال له: ائْذَنْ لِي في القعودِ، وهذا مَالِي أُعِينُكَ به، خُذْ مَالِي نفقةً مِنِّي في سبيلِ اللَّهِ وَاتْرُكْنِي أنا أَتَخَلَّفْ (٣). فأنزلَ اللَّهُ في إنفاقِه الذي عَرَضَ على النبيِّ ﷺ : ﴿قُلْ﴾
стр. 2967
يا نَبِيَّ الله لهؤلاءِ المنافقينَ ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: في كونِكم طائعينَ أو كارهينَ لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ منكم نفقةً؛ لأنه يعلمُ أنكم كفارٌ في الباطنِ، وصيغةُ الأمرِ في قولِه: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ تقررَ في الأصولِ (١) أن مِنَ الصيغِ التي تَرِدُ لها (افعل) قَصْدَ التسويةِ بينَ الأَمْرَيْنِ، فَمِنْ أساليبِ اللغةِ أن تأتيَ بصيغةِ (افعل) تقصدُ بذلك أن تسويَ بين الأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بعدَ ذلك، ونظيرُه في القرآنِ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: آية ١٦] يعني: صبرُكم وعدمُه سواء لا ينفعُكم ذلك.
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٨٠] يعني: استغفارُك وعدمُه سواءٌ، لَا ينفعُ استغفارُك ولَا عدمُه، كذلك قولُه هنا: أَنْفِقُوا طَائِعِينَ أو مُكْرَهِينَ لَا ينفعُكم ذلك الإنفاقُ؛ لأن اللَّهَ لَا يقبلُ أعمالَ الكفرةِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: آية ٥٣] طوعًا أو كرهًا: مصدرانِ مُنَكَّرَانِ في موضعِ الحالِ. أي: في حالِ كونِكم طائعينَ أو مكرهينَ. وإتيانُ التسويةِ بين الأمرينِ بصيغةِ (افعل) معروفٌ في كلامِ العربِ، ذَكَرْنَا له أمثلةً في القرآنِ العظيمِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ كُثَيِّرِ عزةَ (٢):
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلَا مَقْليَّةً إِنْ تَقَلَّتِ
يعني: إن أَسَأْتِ أو أَحْسَنْتِ إلينا فَكُلُّ ذلك سواءٌ لَا يُغَيِّرُ وُدَّنَا القديمَ بالنسبةِ إليكِ.
وقولُه: ﴿لَّنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ لن يقبلَ اللَّهُ نفقتَكم. قال بعضُ
стр. 2968
العلماءِ: لم يَقْبَلْهَا رسولُ اللَّهِ فَرَدَّهَا عليهم. وقال بعضُهم: لا يَقْبَلُهَا اللَّهُ، أي: لا يُؤْتِيهِمْ عليها أَجْرًا؛ لأنها لَا يُرَادُ بها وَجْهُ اللَّهِ.
ثم قال: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أي: خارجينَ عن طاعةِ اللَّهِ. والفسقُ في لغةِ العربِ (١) معناه الخروجُ. وفي اصطلاحِ الشرعِ (٢): الفسقُ: الخروجُ عن طاعةِ اللَّهِ. تارةً يَعْظُمُ ذلك الخروجُ فيكونُ كفرًا، وتارةً يكونُ خروجًا دونَ خروجٍ، وَفِسْقًا دونَ فِسْقٍ، فيكونُ بارتكابِ كبيرةٍ؛ ولأَجْلِ هذا كانَ الفسقُ يُطْلَقُ في القرآنِ على الكفرِ كقولِه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: آية ٢٠] وتارةً يُطْلَقُ على ارتكابِ المحرمِ الكبيرِ كقولِه: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] وقولِه فِي القاذفينَ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: آية ٤].
وهذه الآيةُ معلومٌ تعلقُ المعتزلةِ بها في أن السيئاتِ تُبْطِلُ الحسناتِ، قالوا: لأن اللَّهَ صَرَّحَ بأن فسقَهم أَبْطَلَ نفقتَهم. وَمِنْ هنا زَعَمُوا أن كبائرَ الذنوبِ تُبْطِلُ الأعمالَ. وهذا مذهبٌ باطلٌ لا شَكَّ في بُطْلَانِهِ، وهذه الآيةُ التي تَعَلَّقُوا بها بَيَّنَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) بُطْلَانَ حجتِهم منها في قولِه بعدَه - يليه -: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ فَصَرَّحَ بأن المبطلَ للأعمالِ هو صريحُ الكفرِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾.
стр. 2969
والضميرُ في قولِه: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ منصوبٌ في مَحَلِّ المفعولِ. أعنِي بقولِي: (الضمير) المصدرَ المنسبكَ من (أَنْ) وصلتِها في قولِه: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ المصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها في قولِه: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ مفعولٌ به لـ (منع) - أي ما مَنَعَهُمْ قبولَ نفقاتِهم - بناء على أن (مَنَعَ) تَتَعَدَّى للمفعولِ الثانِي بنفسِها، كَمَنَعْتُ زيدًا كذا وكذا. وهو الصحيحُ (١).
وأما المصدرُ المنسبكُ من (أن) وصلتِها في قولِه: ﴿إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ فالتحقيقُ فيه أنه في محلِّ رفعٍ، وهو فاعلُ (مَنَعَ) وتقريرُ المعنَى: ما منعَ قبولَ نفقاتِهم إلا أنهم كفروا، أي: إلا كفرُهم بالله. فإيضاحُ المعنَى: ما مَنَعَ قبولَ النفقاتِ منهم إلا كفرُهم بِاللَّهِ.
وقال بعضُ العلماءِ: إن فاعلَ (مَنَعَ) ليس المصدرَ المنسبكَ من (أن) وصلتِها، وأنه ضميرٌ يعودُ إلى اللَّهِ. أي: وما مَنَعَ اللَّهُ قبولَ نفقاتِهم إلا أنهم كَفَرُوا، إلا لأَجْلِ أنهم كَفَرُوا. والأولُ هو الأظهرُ (٢).
وقولُه: ﴿إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ لأن المنافقينَ وإن كانوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ظاهرًا فَهُمْ في باطنِ الأمرِ كفَرَةٌ فجَرَةٌ، فهم كافرونَ في باطنِ الأمرِ، والكافرُ لا يُقْبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، ولا خلافَ بين العلماءِ أن الكفرَ سيئةٌ لا تنفعُ معها حسنةٌ، فلا ينتفعُ الإنسانُ بعملٍ إلا إذا كان مَبْنِيًّا على أساسِ العقيدةِ الصحيحةِ.
стр. 2970
وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (١) أن العملَ الصالحَ الذي يُثَابُ به صاحبُه يومَ القيامةِ هو ما اسْتَكْمَلَ ثلاثةَ أمورٍ:
الأول: منهما أن يكونَ مُطَابِقًا لِمَا جاء به النَّبِيُّ ﷺ ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَا يقبلُ أن يُتَقَرَّبَ إليه إلا بما شَرَعَ على لسانِ رسولِه ﷺ ، فَمَنْ تَقَرَّبَ إليه بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ لم يَقْبَلْهُ منه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: آية ٢١].
الثانِي: أن يكونَ العبدُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ في نيتِه التي لا يعلمُها إلا اللَّهُ مُخْلِصًا في عملِه لله؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: آية ١١].
الثالثُ: هو هذا الذي نحنُ بصددِه: أن يكونَ العملُ مَبْنِيًّا على أساسِ الإيمانِ بِاللَّهِ والعقيدةِ الصحيحةِ؛ لأَنَّ العملَ كالسقفِ، والعقيدةُ الصحيحةُ والإيمانُ بِاللَّهِ كالأساسِ، والسقفُ لا يستقيمُ إلا على أساسٍ؛ وَلِذَا مَنْ عَمِلَ أعمالاً صالحةً ليست مَبْنِيَّةً على أساسِ الإيمانِ فَهِيَ باطلةٌ منهارةٌ لَا ينتفعُ بها، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) يقولُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: آية ١٢٤] فَقُيِّدَ بقولِه: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وهذا لا نزاعَ فيه؛ لأَنَّ كُلَّ عملٍ يعملُه الكافرُ ولو كان مُطَابِقًا للشرعِ، والكافرُ مخلصٌ فيه لِلَّهِ، فإن بعضَ الكفارِ يَبَرُّ وَالِدَيْهِ، ويصلُ رَحِمَهُ، وَيُقْرِي الضيفَ، ويعينُ المظلومَ، وينفسُ عن المكروبِ، كُلُّ ذلك يقصدُ به وجهَ اللَّهِ، فهذه قُرَبٌ صحيحةٌ موافقةٌ للشرعِ هو مخلصٌ فيها لله، لا ينفعُه اللَّهُ بها يومَ
стр. 2971
القيامةِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: آية ٢٣] وقال (جلَّ وعلا): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: آية ١٦] ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ ... ﴾
[النور: آية ٣٩] ﴿كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم: الآية ١٨] ونحو ذلك من الآياتِ، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أَنَّ عَمَلَ الكافرِ الصالحِ - كأن يَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وينفِّس عن المكروبِ، وَيُقْرِيَ الضيفَ، ويعينَ المظلومَ، ويصلَ الرحمَ - يَقْصِدُ بذلك وجهَ اللَّهِ، فمثلُ هذا من الأعمالِ الصالحةِ إذا فَعَلَهُ الكفارُ أَثَابَهُمُ اللَّهُ به في دارِ الدنيا فَأَعْطَاهُمْ عرضَ الدنيا من المالِ وَأَطْعَمَهُمْ وسقاهم ورزقَهم العافيةَ، ولا يكونُ لهم عِنْدَ اللَّهِ جزاءٌ، وقد ثَبَتَ هذا المعنَى من حديثِ النبيِّ ﷺ الذي رَوَاهُ عنه أنسٌ، ورواه مسلمٌ في صحيحِه من حديثِ أنسٍ عن النبيِّ ﷺ : أن اللَّهَ يُطْعِمُ الكافرَ بعملِه الصالحِ في الدنيا، وَيُثِيبُهُ في الدنيا، فإذا جاء الآخرةَ لم يكن له عملٌ يُجَازَى عليه، أما المسلمُ فَاللَّهُ يُثِيبُهُ بعملِه في الدنيا وَيَدَّخِرُ له في الآخرةِ (١).
والآياتُ الدالةُ على أن الكفارَ ينتفعونَ بأعمالِهم في الدنيا جاءت في القرآنِ، كقولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى آية: ٢٠] وما دَلَّ عليه هذا الحديثُ الصحيحُ من أن الكافرَ يُجَازَى بِعَمَلِهِ في الدنيا ولا يُجَازَى به في الآخرةِ، وما دَلَّ عليه بعضُ
стр. 2972
الآياتِ. وقال بعضُهم: إن منه قولَه تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: آية ٣٩] قال بعضُ العلماءِ: وَفَّاهُ حسابَه فِي دارِ الدنيا بما رَزَقَهُ على عملِه الصالحِ من العافيةِ. وإن كان الوجهُ الآخَرُ أصحَّ في الآيةِ، كُلُّ هذا الذي هو إثابةُ الكافرِ من عَمَلِهِ فِي الدنيا لا شَكَّ مُقَيَّدٌ بمشيئةِ اللَّهِ؛ لأن ذلك دَلَّتْ عليه آيةُ سورةِ بَنِي إسرائيلَ، وهي قاضيةٌ على كُلِّ شيءٍ في هذا البابِ. أعنِي قولَه تعالى: ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: آية ١٨] فقولُه: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ قَيَّدَ بالمشيئةِ للجزاءِ الثابتِ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: آية ٥٤].
قَدْ قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا (١) أن أصلَ مادةِ الكافِ والفاءِ والراءِ معناها التغطيةُ وَالسَّتْرُ، فَكُلُّ شيءٍ غَطَّيْتَهُ وَسَتَرْتَهُ فقد كَفَرْتَهُ، ومنه قيل لِلزُّرَّاعِ: (كُفَّارٌ)؛ لأنهم يكفرون البذرَ في بطنِ الأرضِ، وقيل لليلِ: (كَافِرٌ) والعربُ تُسَمِّي الليلَ كَافِرًا؛ لأنه يكفر الأجرامَ ويغطيها بظلامِه. وَكَفَرَ الشيءَ إذا غَطَّاهُ وَسَتَرَهُ، ومن هذا المعنَى قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ فِي معلقتِه (٢):
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ ... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
أَيْ: سَتَرَ النجومَ وَغَطَّاهَا غمامُ تلك الليلةِ. وقولُه أيضًا في معلقتِه هذه في تسميةِ الليلِ كافرًا (٣):
стр. 2973
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ ... وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا
هذا أصلُ معنَى المادةِ في لغةِ العربِ، ومنه قِيلَ لتكفيرِ الذنوبِ تكفيرُ الذنوبِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يسترُها وَيُغَطِّيهَا بِحِلْمِهِ حتى لا يظهرَ لها أَثَرٌ، مِنْ (كَفَرْتُهُ) إذا سَتَرْتَهُ.
والكافرُ يُغَطِّي أدلةَ التوحيدِ ويحاولُ جحدَها وتغطيتَها وهي كالشمسِ في رابعةِ النهارِ، أو يحاولُ تغطيةَ نِعَمِ اللَّهِ عليه بِأَكْلِهِ رزقَه وعبادتِه غيرَه.
قولُه: ﴿إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: آية ٥٤] هو محمدٌ ﷺ ، والرسولُ بِمَعْنَى مُرْسَلٍ، أي: بالإنسانِ الذي أَرْسَلَهُ اللَّهُ ﵎، وهو نَبِيُّنَا. والرسولُ (فعول) بمعنَى (مُفْعَلٍ) وأصلُه مصدرٌ، وإتيانُ المصادرِ على وزنِ (فَعُول) بفتحِ الفاءِ نادرٌ موجودٌ في كلماتٍ معدودةٍ (١) كالقبولِ، والولوعِ، والرسولُ بمعنَى الإرسالِ والرسالةِ. والتحقيقُ أن أصلَ الرسولِ مصدرٌ، والعربُ تُطْلِقُ الرسولَ وتريدُ المصدرَ الذي هو الرسالةُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢):
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمُ ... بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي: وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرِسَالَةٍ، وقول الآخر (٣).
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولاً ... بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
أَبْلِغْ بَنِي عمرٍو رسالةً. وإنما قُلْنَا: إن الرسولَ أصلُه مصدرٌ لِنُبَيِّنَ بذلك أن في ذلك حَلاًّ لبعضِ الإشكالاتِ في القرآنِ العظيمِ؛
стр. 2974
لأن الأشياءَ التي أصلُها مصادر إذا تُنُوسِيَتْ فيها المصدريةُ واستعملت استعمالَ الأوصافِ جَازَ أن يُرَاعَى فيها أصلُها وهو المصدرُ، والعربُ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ الْتَزَمَتِ الإفرادَ والتذكيرَ، ومن هنا كان الرسولُ يجوزُ إفرادُه مُرَادًا به الجمعُ أو التثنيةُ؛ لأَنَّ أصلَه مصدر؛ ولذلك جاء مُفْرَدًا في سورةِ الشعراءِ في قولِه: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آية ١٦] نظرًا إلى أصلِ مصدريتِه. وجاء مُثَنًّى في سورةِ طه: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: آية ٤٧] اعتدادًا بالوصفيةِ العارضةِ وإلغاءً للمصدريةِ الأصليةِ؛ ولذلك كانت العربُ تُطْلِقُ الرسولَ وتريدُ به الجمعَ على عادتِها إذا نَعَتَتْ بالمصادرِ، ومنه قولُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ (١):
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ
يعنِي: وخيرُ الرسلِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ .
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلاةَ﴾ هي هذه الصلاةُ المكتوبةُ، أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا ﴿إِلَاّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ إلا والحالُ هم كُسَالَى، وَالْكُسَالَى جمعُ الكسلانِ: المتكاسلُ عنها الذي هي ثقيلةٌ عليه؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: آية ٤٥] لأَنَّ الصلاةَ لَا تَخِفُّ إلا على مَنْ يريدُ جزاءَ اللَّهِ وثوابَه، أما المنافقونَ والذين لا إيمانَ لهم، فَهِيَ أثقلُ شيءٍ عليهم؛ وَلِذَا لا يأتونَها إلا متكاسلينَ في غايةِ الكسلِ يُرَاؤُونَ الناسَ ولو كانوا بانفرادِهم لَا يَطَّلِعُ عليهم الناسُ لَمَّا صَلَّوْهَا كما تَقَدَّمَ في قولِه تعالى في سورةِ النساءِ:
стр. 2975
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: آية ١٤٢] هذه حالةُ المنافقينَ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: آية ٥٤] فقولُه: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ معناه: أن المنافقينَ لا يُخْرِجُونَ نفقةً طيبةً بها أنفسُهم، ولا يخرجونَها إلا كُرْهًا لئلا يطلعَ المسلمونَ على نِفَاقِهِمْ فَيُجْرُوا عليهم أحكامَ الكفرةِ - وبهذا تَعْلَمُ أن قولَه: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: آية ٥٣] أنهم كارهونَ على كُلِّ حالٍ، وأن المرادَ بالآيةِ تسويةُ جميعِ الحالاتِ، الحالةُ الواقعةُ وغيرُها أنهم لا فائدةَ لهم في ذلك. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَاّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ أَيْ: كَارِهُونَ ذلك الإنفاقَ؛ لأنهم لا يطلبونَ ما عِنْدَ اللَّهِ ولَا يَرْجُونَ عاقبةً ولا جزاءً مِنَ اللَّهِ، فالإنفاقُ في سبيلِ اللَّهِ يَعُدُّونَهُ مَغْرَمًا ويكرهونَه غايةَ الْكُرْهِ كما سيأتِي في قولِه: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: آية ٩٨].
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾ [التوبة: الآيتان ٥٥، ٥٦].
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: آية ٥٥].
نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عن أن يستحسنَ ما أَعْطَى للمنافقينَ من متاعِ الدنيا من الأموالِ والأولادِ، لا يُعْجِبْكَ ما أَعْطَيْنَاهُمْ من الأموالِ والأولادِ فإنا أَعْطَيْنَاهُمْ إياه استدراجًا منا وعاقبتُه سيئةٌ ووخيمةٌ عليهم
стр. 2976
في الدنيا والآخرةِ، لا تَسْتَحْسِنْ ذلك ولا تُعْجَبْ به؛ ولا تَمُدَّنْ إليه عَيْنَيْكَ كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: آية ١٣١] وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَاّ يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: الآيتان ٥٥، ٥٦] ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: آية ٣٧] ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: آية ٢] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ في هذه الآياتِ من سورةِ براءةٍ أن المنافقينَ لَا حَظَّ لهم من اللَّهِ في الآخرةِ بَيَّنَ أن ما أعطاهم من زينةِ الحياةِ الدنيا من متاعِها من الأموالِ والأولادِ أيضًا لا يَنْبَغِي أن يستحسنَ، ولا أن يعجبَ به؛ لأنه تَافِهٌ أُعْطُوهُ استدراجًا وعاقبتُه سيئةٌ عليهم ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: آية ١٧٨] هذا معنَى قولِه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ العربُ تقولُ: أَعْجَبَهُ الشيءُ يُعْجِبُهُ إذا اسْتَحْسَنَهُ استحسانًا يَسُرُّهُ، فكلُّ مَنِ اسْتَحْسَنَ الشيءَ استحسانًا يُسرُّ به تقولُ العربُ: أَعْجَبَهُ، أي: لا تَسْتَحْسِنْ ما أعطيناهم من متاعِ الدنيا استحسانَ سرورٍ ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بإعطائِه إياهم ليعذبَهم، هذه اللامُ التي تأتِي في القرآنِ بكثرةٍ وفي كلامِ العربِ بعدَ فِعْلِ الإرادةِ فيها خلافٌ للعلماءِ؛ لأنه يكثرُ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ إتيانُ هذه اللامِ بَعْدَ فِعْلِ الإرادةِ
كقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: آية ٢٦] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: آية ٨] ونحو ذلك من الآياتِ، وقولُه هنا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: آية ٥٥] تَكْثُرُ هذه اللامُ بعدَ فعلِ الإرادةِ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: آية ٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء:
стр. 2977
آية ٢٦] وهي موجودةٌ في كلامِ العربِ نحو هذا، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ
هذه اللامُ التي تأتِي في القرآنِ وفي كلامِ العربِ بعدَ فعلِ الإرادةِ اختلفَ العلماءُ في معناها، وأظهرُ أقوالِهم فيها قولانِ:
أحدُهما: أنها لامٌ نادرةُ المعنَى تأتِي بمعنَى (أن)، وأنها لامُ مصدريةٍ، وإن لم يكن علماءُ العربيةِ عَدُّوا حرفَ اللامِ من الموصولاتِ الحرفيةِ المصدريةِ، قالوا: فهذه اللامُ بمعنَى (أن) والدليلُ على هذا القولِ تعاقبُ هذه اللامِ و (أن) في قولِه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣٢] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: آية ٨] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٥٥] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ في الآيةِ الآتيةِ. وعلى هذا القولِ فاللامُ المصدريةُ بمعنَى (أن)، وهو قولٌ يَقِلُّ مَنْ يقولُه من علماءِ العربيةِ.
القولُ الثانِي: أن المفعولَ محذوفٌ، واللامُ لامُ تعليلٍ لمحذوفٍ، والمعنَى على هذا القولِ: إنما يريدُ اللَّهُ إعطاءَهم ومتاعَهم بها لأَجْلِ أن يعذبَهم بها في الحياةِ الدنيا. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾ قال بعضُ العلماءِ: الضميرُ عائدٌ إلى الأموالِ.
وفي هذه الآيةِ وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ عند العلماءِ (٢): قالت جماعةٌ من العلماءِ: فِي الآيةِ الكريمةِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنَى: فلَا تُعْجِبْكَ أموالُهم ولا أولادُهم في الحياةِ الدنيا إنما يريدُ اللَّهُ
стр. 2978
ليعذبَهم بها - أي في الآخرةِ - وعلى أن في الآيةِ تقديمًا وتأخيرًا فَلَا إشكالَ في المعنَى. وهذا القولُ مَرْوِيٌّ عن ابنِ عباسٍ (١) وجماعةٍ مِنَ السلفِ.
وقال جماعةٌ من العلماءِ منهم الحسنُ البصريُّ وغيرُه (٢): إن الآيةَ لَا تقديمَ فيها ولَا تأخيرَ، وأن اللَّهَ يعذبُ المنافقينَ بالأموالِ في الحياةِ الدنيا. وعلى قولِهم فالضميرُ راجعٌ إلى الأموالِ فقط دونَ الأولادِ، ومعنَى كونِ اللَّهِ يعذبُهم بأموالِهم في الحياةِ الدنيا أن اللَّهَ يفرضُ عليهم فيها الزكاةَ ويفرضُ عليهم فيها الحقوقَ الواجبةَ فَتُؤْخَذُ قَهْرًا منهم رغم أنوفِهم، وأعظمُ ما يعظم على الإنسان إذا كان يُؤْخَذُ الشيءُ من تحتِ يدِه وهو مُحِبٌّ له كُرْهًا رغم أنفِه لا يريدُ به وجهَ اللَّهِ، وأن اللَّهَ أيضًا يسلطُ عليها المصائبَ والبلايا فتحزنُ قلوبُهم وتتعذبُ، ولأنه يُتْعِبُهُمْ في جَمْعِهَا أَوَّلاً فتأتيهم بمتاعبَ من جهاتٍ متعددةٍ، منها: تَعَبُهُمْ ونصبُهم في جَمْعِهَا أولاً وما ينزلُ بها مِنَ المصائبِ، وتكليفُهم دفعَ الزكاةِ فيها، وإنفاقُها في سبيلِ اللَّهِ للجهادِ ونحو ذلك، فهذا تعذيبٌ لهم؛ لأن أَشَدَّ ما يُؤْلِمُ المنافقَ أخذُ مالِه من تحتِ يدِه قَهْرًا لِعِزَّةِ المسلمينَ ونصرِ دينِ الإسلامِ، هذا أمرٌ يُؤْلِمُ قلوبَهم جِدًّا، وَكُلُّ ما يُؤْلِمُ الإنسانَ يُسَمَّى تعذيبًا له. وعلى هذا القولِ فلَا تقديمَ ولا تأخيرَ في الآيةِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ويجمعَ لهم مع ذلك عذابَ الآخرةِ ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ أي: يموتوا ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فيتصلُ لَهُمْ عذابُ الآخرةِ الذي لَا ينقطعُ بعذابِ الدنيا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
стр. 2979
وقولُه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: آية ٥٦] هذه عادةُ المنافقينَ يتقونَ بِالأَيْمَانِ الكاذبةِ ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ للنبيِّ والمسلمينَ ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ في الباطنِ والظاهرِ، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ بل هم أعداؤُكم ولا عَاشَرُوكُمْ إلا مُرْغَمِينَ على ذلك لَا يجدونَ عنه مَفَرًّا، كما يأتِي في الآيةِ الآتيةِ بعدَ هذا ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ للنبيِّ وأصحابِه قائلينَ ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ هم كفرةٌ أعداءُ ليسوا منكم ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يَفْرَقُونَ معناه: يَخَافُونَ. العربُ تقولُ: فَرِقَ الرجلُ بكسرِ الراءِ يَفْرَقُ بفتحِها على القياسِ فَرَقًا بفتحتينِ فهو فَرِقَ إذا كان خَائِفًا شديدَ الخوفِ (١). وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أبِي مِحْجَنٍ الهذليِّ في أبياتِه المشهورةِ (٢):
الْقَوْمُ أَعْلَمُ أَنِّي من سَرَاتِهِمُ ... إِذَا تَطِيشُ يَدُ الرِّعْدِيدَةِ الْفَرِقِ
الذي يرتعدُ إذا أرادَ أن يرميَ فترتعدُ يدُه من الفرقِ وهو الخوفُ. أي: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: يخافونَ منكم فَيَتَوَدَّدُونَ ويحلفونَ لكم الأيمانَ الكاذبةَ أنهم منكم في الباطنِ وليسوا منكم في الباطنِ، بل هم أعداءُ كفَرَةٌ فَجَرَةٌ، هم أَعْدَى الناسِ لكم كما سيأتِي قريبًا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ثم بَيَّنَ شدةَ عداوتِهم لهم فقال: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ [التوبة: آية ٥٧] لو كانوا يَجِدُونَ مَلْجَأً يلجؤون إليه ويعتصمونَ به دونَكم للجؤوا إليه.
стр. 2980
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ المغاراتُ جمع مغارةٍ، والمغارةُ: هي الغيرانُ في الجبالِ. المغارةُ: الغارُ في الجبلِ، وهو بفتحِ الميمِ. والتحقيقُ أن أصلَ أَلِفِهِ منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأن المغارةَ من غَارَ يَغُورُ إذا انْحَدَرَ في أسفلَ، ومنه ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: آية ٣٠] أي: غَائِرًا. وَكُلُّ غائرٍ مُنْسَفِلٍ فهو غَوْرٌ. ومعنى مغارةٍ: أي: غارًا منسفلاً ينحدرونَ في أسفلِه ويختفونَ فيه عنكم.
﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ قراءةُ السبعةِ وجمهورِ القراءِ غيرِهم: ﴿مُدَّخَلاً﴾ والمُدَّخَلُ أصلُ وزنِه [مفتعلاً] من دَخَلَ، أصلُه ﴿مُدْتَخَل﴾ بِالتَّاءِ، أُبْدِلَتِ التاءُ دَالاً وَأُدْغِمَتِ الدالُ في الدالِ (١). والمُدَّخَلُ هو المكانُ الذي يُدْخَلُ فيه كالسَّرَبِ والنفقِ في باطنِ الأرضِ. أي: لو يَجِدُونَ غيرانًا في الجبالِ أو أَنْفَاقًا وسروبًا في داخلِ الأرضِ يدخلونَ فيها، أو مَلْجَأً يعتصمونَ به لَوَلَّوْا [٩/أ] رَاجِعِينَ إليه عنكم / ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يجمحونَ مضارعُ جَمَحَ يجمحُ إذا أَسْرَعَ في سيرِه إِسْرَاعًا لَا يَرُدُّ وجهَه شيءٌ، ومنه: فَرَسٌ جموحٌ إذا كان اللجامُ لا يمسكُه ولا يردُّه عن وجهتِه شيءٌ، فَكُلُّ مسرعٍ في جَرْيِهِ لَا يَرُدُّهُ عن وجهه شيءٌ تُسَمِّيهِ العربُ جموحًا وجامحًا. أي: لو وَجَدُوا أَيَّ موضعٍ يذهبونَ فيه إليكم ولا يَصْحَبُونَكُمْ لَوَلَّوْا إليه في غايةِ الإسراعِ لا يردُّهم عنه شيءٌ، ولكنهم لا يجدونَ طريقًا أبدًا غيرَ معاشرتِكم فَهُمْ مُلْجَؤُونَ إليها يعاشرونَكم مُكْرَهِينَ لا مَفَرَّ ولَا ملجأَ لهم، ولو وَجَدُوا أي مَفَرٍّ للجؤوا إليه، وهذا غايةُ العداوةِ، بَيَّنَ اللَّهُ أسرارَهم وشدةَ عداوتِهم لِنَبِيِّهِ ليتحرزَ منهم؛ لأَنَّ العدوَّ إذا كان في ثيابِ صديقٍ هو أَشَدُّ الأعداءِ: