← Тафсир

Тафсир · id 96296

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (3 090 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

في الدنيا والآخرةِ، لا تَسْتَحْسِنْ ذلك ولا تُعْجَبْ به؛ ولا تَمُدَّنْ إليه عَيْنَيْكَ كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: آية ١٣١] وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَاّ يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: الآيتان ٥٥، ٥٦] ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: آية ٣٧] ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: آية ٢] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ في هذه الآياتِ من سورةِ براءةٍ أن المنافقينَ لَا حَظَّ لهم من اللَّهِ في الآخرةِ بَيَّنَ أن ما أعطاهم من زينةِ الحياةِ الدنيا من متاعِها من الأموالِ والأولادِ أيضًا لا يَنْبَغِي أن يستحسنَ، ولا أن يعجبَ به؛ لأنه تَافِهٌ أُعْطُوهُ استدراجًا وعاقبتُه سيئةٌ عليهم ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: آية ١٧٨] هذا معنَى قولِه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ العربُ تقولُ: أَعْجَبَهُ الشيءُ يُعْجِبُهُ إذا اسْتَحْسَنَهُ استحسانًا يَسُرُّهُ، فكلُّ مَنِ اسْتَحْسَنَ الشيءَ استحسانًا يُسرُّ به تقولُ العربُ: أَعْجَبَهُ، أي: لا تَسْتَحْسِنْ ما أعطيناهم من متاعِ الدنيا استحسانَ سرورٍ ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بإعطائِه إياهم ليعذبَهم، هذه اللامُ التي تأتِي في القرآنِ بكثرةٍ وفي كلامِ العربِ بعدَ فِعْلِ الإرادةِ فيها خلافٌ للعلماءِ؛ لأنه يكثرُ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ إتيانُ هذه اللامِ بَعْدَ فِعْلِ الإرادةِ كقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: آية ٢٦] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: آية ٨] ونحو ذلك من الآياتِ، وقولُه هنا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: آية ٥٥] تَكْثُرُ هذه اللامُ بعدَ فعلِ الإرادةِ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: آية ٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء:

стр. 2977

آية ٢٦] وهي موجودةٌ في كلامِ العربِ نحو هذا، ومنه قولُ الشاعرِ (١): أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ هذه اللامُ التي تأتِي في القرآنِ وفي كلامِ العربِ بعدَ فعلِ الإرادةِ اختلفَ العلماءُ في معناها، وأظهرُ أقوالِهم فيها قولانِ: أحدُهما: أنها لامٌ نادرةُ المعنَى تأتِي بمعنَى (أن)، وأنها لامُ مصدريةٍ، وإن لم يكن علماءُ العربيةِ عَدُّوا حرفَ اللامِ من الموصولاتِ الحرفيةِ المصدريةِ، قالوا: فهذه اللامُ بمعنَى (أن) والدليلُ على هذا القولِ تعاقبُ هذه اللامِ و (أن) في قولِه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٣٢] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: آية ٨] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [التوبة: آية ٥٥] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ في الآيةِ الآتيةِ. وعلى هذا القولِ فاللامُ المصدريةُ بمعنَى (أن)، وهو قولٌ يَقِلُّ مَنْ يقولُه من علماءِ العربيةِ. القولُ الثانِي: أن المفعولَ محذوفٌ، واللامُ لامُ تعليلٍ لمحذوفٍ، والمعنَى على هذا القولِ: إنما يريدُ اللَّهُ إعطاءَهم ومتاعَهم بها لأَجْلِ أن يعذبَهم بها في الحياةِ الدنيا. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾ قال بعضُ العلماءِ: الضميرُ عائدٌ إلى الأموالِ. وفي هذه الآيةِ وجهانِ معروفانِ من التفسيرِ عند العلماءِ (٢): قالت جماعةٌ من العلماءِ: فِي الآيةِ الكريمةِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنَى: فلَا تُعْجِبْكَ أموالُهم ولا أولادُهم في الحياةِ الدنيا إنما يريدُ اللَّهُ

стр. 2978

ليعذبَهم بها - أي في الآخرةِ - وعلى أن في الآيةِ تقديمًا وتأخيرًا فَلَا إشكالَ في المعنَى. وهذا القولُ مَرْوِيٌّ عن ابنِ عباسٍ (١) وجماعةٍ مِنَ السلفِ. وقال جماعةٌ من العلماءِ منهم الحسنُ البصريُّ وغيرُه (٢): إن الآيةَ لَا تقديمَ فيها ولَا تأخيرَ، وأن اللَّهَ يعذبُ المنافقينَ بالأموالِ في الحياةِ الدنيا. وعلى قولِهم فالضميرُ راجعٌ إلى الأموالِ فقط دونَ الأولادِ، ومعنَى كونِ اللَّهِ يعذبُهم بأموالِهم في الحياةِ الدنيا أن اللَّهَ يفرضُ عليهم فيها الزكاةَ ويفرضُ عليهم فيها الحقوقَ الواجبةَ فَتُؤْخَذُ قَهْرًا منهم رغم أنوفِهم، وأعظمُ ما يعظم على الإنسان إذا كان يُؤْخَذُ الشيءُ من تحتِ يدِه وهو مُحِبٌّ له كُرْهًا رغم أنفِه لا يريدُ به وجهَ اللَّهِ، وأن اللَّهَ أيضًا يسلطُ عليها المصائبَ والبلايا فتحزنُ قلوبُهم وتتعذبُ، ولأنه يُتْعِبُهُمْ في جَمْعِهَا أَوَّلاً فتأتيهم بمتاعبَ من جهاتٍ متعددةٍ، منها: تَعَبُهُمْ ونصبُهم في جَمْعِهَا أولاً وما ينزلُ بها مِنَ المصائبِ، وتكليفُهم دفعَ الزكاةِ فيها، وإنفاقُها في سبيلِ اللَّهِ للجهادِ ونحو ذلك، فهذا تعذيبٌ لهم؛ لأن أَشَدَّ ما يُؤْلِمُ المنافقَ أخذُ مالِه من تحتِ يدِه قَهْرًا لِعِزَّةِ المسلمينَ ونصرِ دينِ الإسلامِ، هذا أمرٌ يُؤْلِمُ قلوبَهم جِدًّا، وَكُلُّ ما يُؤْلِمُ الإنسانَ يُسَمَّى تعذيبًا له. وعلى هذا القولِ فلَا تقديمَ ولا تأخيرَ في الآيةِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ويجمعَ لهم مع ذلك عذابَ الآخرةِ ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ أي: يموتوا ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فيتصلُ لَهُمْ عذابُ الآخرةِ الذي لَا ينقطعُ بعذابِ الدنيا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.

стр. 2979

وقولُه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: آية ٥٦] هذه عادةُ المنافقينَ يتقونَ بِالأَيْمَانِ الكاذبةِ ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ للنبيِّ والمسلمينَ ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ في الباطنِ والظاهرِ، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ بل هم أعداؤُكم ولا عَاشَرُوكُمْ إلا مُرْغَمِينَ على ذلك لَا يجدونَ عنه مَفَرًّا، كما يأتِي في الآيةِ الآتيةِ بعدَ هذا ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ للنبيِّ وأصحابِه قائلينَ ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ هم كفرةٌ أعداءُ ليسوا منكم ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يَفْرَقُونَ معناه: يَخَافُونَ. العربُ تقولُ: فَرِقَ الرجلُ بكسرِ الراءِ يَفْرَقُ بفتحِها على القياسِ فَرَقًا بفتحتينِ فهو فَرِقَ إذا كان خَائِفًا شديدَ الخوفِ (١). وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أبِي مِحْجَنٍ الهذليِّ في أبياتِه المشهورةِ (٢): الْقَوْمُ أَعْلَمُ أَنِّي من سَرَاتِهِمُ ... إِذَا تَطِيشُ يَدُ الرِّعْدِيدَةِ الْفَرِقِ الذي يرتعدُ إذا أرادَ أن يرميَ فترتعدُ يدُه من الفرقِ وهو الخوفُ. أي: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: يخافونَ منكم فَيَتَوَدَّدُونَ ويحلفونَ لكم الأيمانَ الكاذبةَ أنهم منكم في الباطنِ وليسوا منكم في الباطنِ، بل هم أعداءُ كفَرَةٌ فَجَرَةٌ، هم أَعْدَى الناسِ لكم كما سيأتِي قريبًا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ثم بَيَّنَ شدةَ عداوتِهم لهم فقال: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ [التوبة: آية ٥٧] لو كانوا يَجِدُونَ مَلْجَأً يلجؤون إليه ويعتصمونَ به دونَكم للجؤوا إليه.

стр. 2980

﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ المغاراتُ جمع مغارةٍ، والمغارةُ: هي الغيرانُ في الجبالِ. المغارةُ: الغارُ في الجبلِ، وهو بفتحِ الميمِ. والتحقيقُ أن أصلَ أَلِفِهِ منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأن المغارةَ من غَارَ يَغُورُ إذا انْحَدَرَ في أسفلَ، ومنه ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: آية ٣٠] أي: غَائِرًا. وَكُلُّ غائرٍ مُنْسَفِلٍ فهو غَوْرٌ. ومعنى مغارةٍ: أي: غارًا منسفلاً ينحدرونَ في أسفلِه ويختفونَ فيه عنكم. ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ قراءةُ السبعةِ وجمهورِ القراءِ غيرِهم: ﴿مُدَّخَلاً﴾ والمُدَّخَلُ أصلُ وزنِه [مفتعلاً] من دَخَلَ، أصلُه ﴿مُدْتَخَل﴾ بِالتَّاءِ، أُبْدِلَتِ التاءُ دَالاً وَأُدْغِمَتِ الدالُ في الدالِ (١). والمُدَّخَلُ هو المكانُ الذي يُدْخَلُ فيه كالسَّرَبِ والنفقِ في باطنِ الأرضِ. أي: لو يَجِدُونَ غيرانًا في الجبالِ أو أَنْفَاقًا وسروبًا في داخلِ الأرضِ يدخلونَ فيها، أو مَلْجَأً يعتصمونَ به لَوَلَّوْا [٩/أ] رَاجِعِينَ إليه عنكم / ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يجمحونَ مضارعُ جَمَحَ يجمحُ إذا أَسْرَعَ في سيرِه إِسْرَاعًا لَا يَرُدُّ وجهَه شيءٌ، ومنه: فَرَسٌ جموحٌ إذا كان اللجامُ لا يمسكُه ولا يردُّه عن وجهتِه شيءٌ، فَكُلُّ مسرعٍ في جَرْيِهِ لَا يَرُدُّهُ عن وجهه شيءٌ تُسَمِّيهِ العربُ جموحًا وجامحًا. أي: لو وَجَدُوا أَيَّ موضعٍ يذهبونَ فيه إليكم ولا يَصْحَبُونَكُمْ لَوَلَّوْا إليه في غايةِ الإسراعِ لا يردُّهم عنه شيءٌ، ولكنهم لا يجدونَ طريقًا أبدًا غيرَ معاشرتِكم فَهُمْ مُلْجَؤُونَ إليها يعاشرونَكم مُكْرَهِينَ لا مَفَرَّ ولَا ملجأَ لهم، ولو وَجَدُوا أي مَفَرٍّ للجؤوا إليه، وهذا غايةُ العداوةِ، بَيَّنَ اللَّهُ أسرارَهم وشدةَ عداوتِهم لِنَبِيِّهِ ليتحرزَ منهم؛ لأَنَّ العدوَّ إذا كان في ثيابِ صديقٍ هو أَشَدُّ الأعداءِ:

стр. 2981

احْذَرْ عَدُوَّكَ مَرَّةً ... وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ أَلْفَ مَرَّةْ (١) وهذا معنَى قولِه: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: آية ٥٧]. يقولُ اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: الآيات ٥٨ - ٦٠]، ذَكَرَ كثيرٌ من أهلِ العلمِ أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في حرقوصَ بنِ زهيرٍ ذِي الخويصرةِ التميميِّ رأسِ المنافقينَ. قالوا: وَجَدَ النبيَّ ﷺ يُقَسِّمُ مالاً فقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ اعْدِلْ؛ فإنك لَمْ تَعْدِلْ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَقِصَّةُ ذِي الخويصرةِ معروفةٌ ثابتةٌ في الصحيحِ (٢)، ولكن الذي يظهرُ أن هذه الآيةَ ليست نازلةً فيه، وإن زَعَمَ كثيرٌ من كبراءِ المفسرينَ أنها نازلةٌ في ذِي الخويصرةِ، وإنما قُلْنَا إن الأظهرَ أنها نازلةٌ في غيرِه أن المعروفَ أن القسمةَ التي قال فيها حرقوصُ بنُ زهيرٍ التميميُّ المعروفُ بذي الخويصرةِ أصلُ الخوارجِ - قَبَّحَهُ وَقَبَّحَهُمُ اللَّهُ - أن ذلك في قَسْمِ

стр. 2982

النبيِّ لغنائمِ حنينٍ، قال ذلك فيه، وهذه الآيةُ يُصَرِّحُ اللَّهُ فيها بأنهم لَمَزُوهُ في قسمِ الصدقاتِ وهي الزكواتُ والصدقاتُ غير الغنائم (١)، فالأظهرُ أن الأصوبَ فيها هو ما قاله ابنُ جريجٍ ﵀ وغيرُه أنها نَزَلَتْ في رجلٍ من الأنصارِ من المنافقينَ حَضَرَ النبيَّ ﷺ يُقَسِّمُ مالاً من الصدقاتِ فقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اعْدِلْ فإنك لم تَعْدِلْ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ فيه (٢). وهذه الآياتُ من سورةِ براءة يُبَيِّنُ اللَّهُ فيها أصنافًا مِنَ المنافقينَ يقولُ: ومنهم مَنْ هو كذا، ومنهم مَنْ هو كذا، كما تَقَدَّمَ في قولِه: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: آية ٤٩] وقال هنا: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ وسيأتِي قولُه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ

стр. 2983

النَّبِيَّ﴾ [التوبة: آية ٦١] هذه طوائفُ من المنافقينَ تعملُ قبائحَ مختلفةَ الأصنافِ بَيَّنَهَا اللَّهُ في هذه السورةِ ﴿وَمِنْهُم﴾ أي: مِنَ المنافقينَ ﴿مَّنْ يَلْمِزُكَ﴾ يا نَبِيَّ اللَّهِ، واللمزُ معناه: العيبُ والطعنُ. تقولُ العربُ: لَمَزَهُ. إذا عَابَهُ وَطَعَنَ فيه، ومنه قولُه: ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ٧٩] ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: آية ١١] أي: لا يَعِبْ أحدُكم أخاه ويطعنُ فيه، ومنه: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ لأَنَّ اللُّمزةَ فُعَلة تدلُّ على المبالغةِ، أي: كثيرُ لَمْزِ الناسِ، أي: عيبهم والطعنِ فيهم. ومن هؤلاء المنافقينَ صنفٌ آخَرُ يلمزكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ، يطعنُ عليكَ ويعيبكَ في قسمِ الصدقاتِ ويقولونَ: هذه قسمةٌ ما أُرِيدَ بها وجهُ اللَّهِ، ولم يُرَاعَ فيها العدلُ كما ينبغي. ثم إن اللَّهَ بَيَّنَ قبائحَهم وَفَضَحَهُمْ بأن هذا القولَ الذي تَجَرَّؤُوا عليه ما حَمَلَهُمْ عليه إلا الطمعُ والشرهُ ومحبةُ شيءٍ يُعْطَوْنَهُ في خصوصِ أنفسِهم؛ وَلِذَا قال: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ فإن أُعْطُوا من الصدقاتِ رَضُوا ذلك العطاءَ وَسَكَتُوا وَفَرِحُوا ﴿وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا﴾ (إذا) حرفُ مفاجأةٍ، وقد قَدَّمْنَا فِي هذه الدروسِ أن (إذا) الفجائيةَ فيها لعلماءِ العربيةِ ثلاثةَ أقوالٍ: قيل: هي حرفٌ، وقيل: ظرفُ مكانٍ، وقيل: ظرفُ زمانٍ، كما هو مُقَرَّرٌ في مَحَلِّهِ (١). والمعنَى: إذا لم يُعْطَوْا من الصدقاتِ شيئًا فَاجَأَ ذلك سخطهم، أي: غضبهم وعدم رضاهم. فَبَيَّنَ اللَّهُ أن سخطهم ورضاهم منوطانِ بمصلحتِهم الخاصةِ إذا أُعْطُوا شيئًا رَضُوا وَفَرِحُوا، وإذا لم يُعْطَوْا شيئًا غَضِبُوا وَسَخِطُوا. وهذه ليست حالةَ مَنْ يريدُ وجهَ اللَّهِ ولَا المصلحةَ العامةَ؛ وَلِذَا قال:

стр. 2984

﴿فإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ يسخطونَ مضارعُ (سَخِطَ الأمرَ) بكسرِ الخاءِ (يسخَطه) بفتحِها (سَخَطًا) على القياسِ، وسُخْطًا إذا كَرِهَهُ، وسَخِطَ الرجلُ بمعنَى غَضِبَ، ومنه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: آية ٨٠] أي: غَضِبَ عليهم، والعياذُ بالله-. ثم إِنَّ اللَّهَ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: آية ٥٩] معروفٌ في عِلْمِ العربيةِ أن (لو) حرفُ شرطٍ في الْمَاضِي، وأن حروفَ الشرطِ إنما تَتَوَلَّى الجملَ الفعليةَ، ومعلومٌ أن (أن) في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ في مَحَلِّ مصدرٍ، والمصدرُ الذي هي في محلِّه اسمٌ. والعلماءُ يُجِيبُونَ عن هذا بأن متعلقَ (لو) محذوفٌ (١) عاملٌ في قولِه: ﴿أَنَّهُم﴾ والمعنَى: ولو ثَبَتَ، أو لو وَقَعَ أنهم فَعَلُوا كذا لكان خيرًا لهم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ رَضُوا أصلُه: (رَضِيُوا) أصلُه (فِعْل) وأصلُ لامِه واوٌ؛ لأن أصلَ رضي (رَضِوَ) بالواوِ؛ لأنك تقولُ منها: الرضوانُ بالواوِ، ولا تقولُ: الرضيانُ بالياءِ. أصلُها (رَضِوَ)، بالواوِ فتطرفتِ الواوُ بعدَ كسرةٍ فوجبَ إبدالُها ياءً، فقيل فيها (رضي) بالياءِ مبدلةً من الواو (٢) ومن المعروفِ في علمِ التصريفِ أن كُلَّ فعلٍ ناقصٍ - أَعْنِي معتلَّ الآخِرِ - إذا أُسْنِدَ إلى واوِ الجمعِ حُذِفَتْ لَامُهُ، أصلُه (رضيو) والياءُ مبدلةٌ من واوٍ، فَحُذِفَتِ اللامُ التي هي ياءٌ أصلُها واوٌ وجُعلت كسرتُها ضمةً لمجانسةِ الواوِ، فَلِذَا قيل فيه: (رضوا) وأصلُ وزنِ الكلمةِ بالميزانِ الصرفيِّ (فَعِلُوا) ووزنُها الحاضرُ الآنَ (فَعُوا) لأنها محذوفةُ اللامِ. وهذا معنَى

стр. 2985

قولِه: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا﴾ شيئًا ﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (إذا) الفجائيةُ تأتِي جوابًا للشرطِ كما هو معروفٌ في محلِّه. ثم إن اللَّهَ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ لو رَضُوا بنصيبِ اللَّهِ الذي قَسَمَ لهم كما يُعْطَى لسائرِ المسلمينَ من الصدقاتِ وغيرِها ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ حَسْبُنَا معناه: يَكْفِينَا اللَّهُ (جلَّ وعلا)؛ لأَنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ شيءٍ، وكفايةٌ مِنْ كُلِّ شيءٍ، فمعنَى ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ يَكْفِينَا اللَّهُ ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾ سَيُعْطِينَا اللَّهُ من فَضْلِهِ، أي: مِنْ فضلِ اللَّهِ على يدِ رسولِه ﷺ ، وَسَيُؤْتِينَا رسولُه ما أَمَرَهُ اللَّهُ به أن يُؤْتِينَا، لو حَسَّنُوا الظنَّ بِاللَّهِ، وتوكلوا على الله، ورغبوا فيما عند الله، وقالوا: إنا إلى ربنا راغبون. أي: رَغْبَتُنَا إليه، ورهبتُنا إليه؛ لأن طَمَعَنَا وَأَمَلَنَا كُلَّهُ فيه؛ لأن المؤمنَ بمعناه الصحيحِ رغبتُه إلى اللَّهِ؛ لأنه يطيعُ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ وَيَرْغَبُ فيما عند الله (جلَّ وعلا) من الخيرِ، كما قال تعالى مَادِحًا للأنبياءِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: آية ٩٠] وقال لنبينا ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: الآيتان ٧، ٨] لأن الرغباتِ كُلَّهَا إلى اللَّهِ (جلَّ وعلا)؛ لأنه هو الذي بيدِه الخيرُ، وَكُلُّ شيءٍ بيدِه، فرغبةُ المؤمنِ إليه (جلَّ وعلا) يستنزلُ رحماتِ اللَّهِ وَمَا يرجو من اللَّهِ بطاعةِ اللَّهِ (جلَّ وعلا) وَتَقْوَاهُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: آية ٥٩] جوابُ (لو) محذوفٌ دَلَّ المقامُ عليه، والتقديرُ: لو أنهم فَعَلُوا ذلك لكانَ خَيْرًا لهم. وقد جاء في القرآنِ وَفِي كلامِ العربِ حذفُ جوابِ (لو) إذا دَلَّ المقامُ عليه، فهو كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ فَمِنْ أمثلةِ حذفِ جوابِ (لو) في

стр. 2986

القرآنِ مع دلالةِ المقامِ عليه قولُه تعالى: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: آية ٥] أي: لو تعلمونَ علمَ اليقينِ لَمَا أَلْهَاكُمُ التكاثرُ حتى زُرْتُمُ المقابرَ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: آية ٣١] فجوابُ (لو) محذوفٌ، واختلف العلماءُ في تقديرِه على قَوْلَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ (١): قال بعضُهم: تقديرُ جوابِ (لو) في آيةِ الرعدِ هذه ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لكان هذا القرآنُ على حَدِّ قولِه (٢): وَلَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا ... لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ وقال بعضُ العلماءِ: تقديرُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ﴾ لَكَفَرُوا بالرحمنِ. ويدلُّ لهذا قولُه بعدَه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ [الرعد: آية ٣٠] وَمِنْ حَذْفِ جوابِ (لو) في كلامِ العربِ قولُ الشاعرِ (٣): فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا يعني: لو شيءٌ أتانا رسولُه سواك لَدَفَعْنَاهُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: آية ٥٩]. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: آية ٦٠].

стр. 2987

لَمَّا كان من المنافقينَ طائفةٌ يلمزونَ رسولَ اللَّهِ ﷺ في قَسْمِ الصدقاتِ ويفترونَ عليه أنه لم يَعْدِلْ في قَسْمِهَا بَيَّنَ اللَّهُ لهم أن اللَّهَ تَوَلَّى قسمتَها وَبَيَّنَهَا وهو ﷺ مُنَفِّذٌ لِمَا أَوْضَحَهُ اللَّهُ (جلَّ وعلا) فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ المرادُ بالصدقاتِ هنا: زكواتُ المالِ الواجبةُ، فَاللَّهُ (جل وعلا) بَيَّنَ في هذه الآيةِ من سورةِ براءة مصارفَ زكاةِ المالِ التي هي إحدى دعائمِ الإسلامِ الخمسِ، جَعَلَهَا ثمانيةً، وهي: الفقراءُ، والمساكينُ، والعاملونَ عليها، والمؤلفةُ قلوبُهم، وفي الرقابِ، والغارمونَ، وفي سبيلِ اللَّهِ، وابنُ السبيلِ، هي ثمانيةٌ، و (إنما): أداةُ حصرٍ وإثباتٍ، يعنِي: لَا يَثْبُتُ استحقاقُ الزكاةِ لشيءٍ غيرِ واحدٍ من هذه المصارفِ الثمانيةِ بإجماعِ العلماءِ. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الفقراءُ: جَمْعُ فقيرٍ، والفعيلُ إذا كان وَصْفًا ينقاسُ جمعُه جمعَ كثرةٍ على (فُعَلَاءَ) على العادةِ ما لم يكن معتلَّ اللامِ أو مُضَعَّفًا. وهذا معروفٌ (١)، كُلُّ (فعيلٍ) في القرآنِ وفي كلامِ العربِ بمعنَى (فاعلٍ) لم يكن معتلَّ اللامِ ولا مُضَعَّفًا ينقاسُ تكسيرُه جمعُ كثرةٍ على (فُعَلَاءَ) ككريمٍ وكرماءَ، وأديبٍ وأدباءَ، وشريفٍ وشرفاءَ، وعليمٍ وعلماءَ، وفقيرٍ وفقراءَ. أما إذا كان معتلَّ اللامِ أو مُضَعَّفًا فالقياسُ أن يُكَسَّرَ على (أَفْعِلَاءَ) فمثالُ معتلِّ اللامِ: كَتَقِيٍّ وأتقياءَ، وَسَخِيٍّ وأسخياءَ، وَنَبِيٍّ وأنبياءَ. وكذلك الْمُضَعَّفُ: كحبيبٍ وأحباءَ، وشديدٍ وأشداءَ. كما هو معلومٌ في محلِّه. فالفقراءُ جمعُ فقيرٍ، وهو جَمْعٌ على القياسِ. والمساكينُ: جَمْعُ مسكينٍ كذلك.

стр. 2988

واختلفَ العلماءُ في الفقيرِ والمسكينِ أيهما أحوجُ وأسوأُ حالاً (١)؟! والقاعدةُ المقررةُ عند علماءِ التفسيرِ كما قَالَهَا غيرُ واحدٍ من المتأخرينَ ويكادونَ يُطْبِقُونَ عليها: أن الفقيرَ والمسكينَ إذا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، وإذا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا. ومعنَى هذا الكلامِ: أنهما إذا افْتَرَقَا بأن جاءَ في آيةٍ من كتابِ اللَّهِ أو حديثٍ من سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ اسمُ الفقيرِ وحدَه، أو المسكينِ وحدَه، شَمِلَهُمَا معًا، دخلَ الفقيرُ في المسكينِ، والمسكينُ في الفقيرِ؛ لأَنَّ كونَهما مُحْتَاجَيْنِ يشمل كُلاًّ منهما وإن كان أحدُهما أَشَدَّ فقرًا من الآخَرِ، وإن اجْتَمَعَا كما نُصَّ عليهما موجودينِ كقولِه هنا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فقد اجْتَمَعَا، فيلزمُ إذا اجتمعا أن يفترقَا، فيكونُ للفقيرِ معنًى خاصٌّ به، وللمسكينِ معنًى خاصٌّ به. والحاصلُ أنه إذا ذُكِرَ الفقيرُ وحدَه أو المسكينُ وحدَه دَخَلَ الفقيرُ في المسكينِ والمسكينُ في الفقيرِ، وإذا ذُكِرَا معًا في مَحَلٍّ واحدٍ كهذِه الآيةِ وَكَمَنْ أَوْصَى للفقراءِ والمساكينِ كان لكلٍّ منهما مَعْنًى يَخُصُّهُ. والعلماءُ مختلفونَ في الفقيرِ والمسكينِ أيهما أسوأُ حالاً؟ فَذَهَبَ جماعةٌ من فقهاءِ الأمصارِ وأهلِ اللغةِ إلى أن الفقيرَ أسوأُ حالاً من المسكينِ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ ﵀، وروايةٌ قويةٌ عن أحمدَ ﵀، وبه قال جماعةٌ من السلفِ، أن الفقيرَ أحوجُ من المسكينِ. وقالت طائفةٌ: إن المسكينَ أحوجُ من الفقيرِ، وهو مذهبُ مالكٍ وأصحابِه، ومذهبُ أبِي حنيفةَ ﵀. وَكُلٌّ منهما يُوَجِّهُ قولَه، أما مالكٌ فقال: إن المسكينَ أحوجُ من الفقيرِ لأَنَّ اللَّهَ قال: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: آية ١٦] فَوَصَفَ المسكينَ بأنه لاصقٌ

стр. 2989

بالترابِ لَا شيءَ عندَه، والعربُ تُطْلِقُ الفقيرَ على مَنْ عندَه شيءٌ لَا يُغْنِيهِ، فعنده بُلْغَةٌ ولكنها لا تغنيه، قال: ويدلُّ لذلك قولُ راعِي نمير وهو عربيٌّ قُحٌّ (١): أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... رَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ فَسَمَّاهُ فقيرًا وعندَه حلوبةٌ قدرَ عيالِه. وأما الذين قالوا: الفقيرُ أحوجُ فإنهم قالوا: إن الفقيرَ مُشْتَقٌّ من فقراتِ الظهرِ؛ لأَنَّ الفاقةَ كأنها فَقَرَتْ ظَهْرَهُ، أي: قَصَمَتْهُ. وقالوا: المسكينُ: اللَّهُ قال في سفينةِ الخضرِ وموسى: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: آية ٧٩] فَسَمَّى أهلَها مساكينَ مع أن عندَهم سفينةً عاملةً في البحرِ بالإيجارِ، فَدَلَّ على أن الفقيرَ أسوأُ حالاً. وهذا خلافٌ بَيْنَ أهلِ اللغةِ والعلماءِ معروفٌ، جماعةٌ يقولونَ: الفقيرُ أسوأُ حالاً، وجماعةٌ يعكسونَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: آية ٦٠] معناه: أن السهمَ [الثالث] (٢) يُعْطَى للعاملينَ عليها، وهم الذين يَتْعَبُونَ في تحصيلِ الزكاةِ، كَالْجُبَاةِ الذين يُرْسِلُهُمُ الإمامُ ليجمعوا الزكاةَ من أقطارِ الناسِ وَيَأْتُوا بها ويذهبوا بها لِيُفَرِّقُوهَا. فالعاملونَ عليها كالجباةِ للزكاةِ من خارج، والمفرقينَ لها على الناس، فهؤلاء لهم سَهْمٌ في الزكواتِ وهو قَدْرُ أُجْرَتِهِمْ. وأظهرُ الأقوالِ أنه لا يتقدرُ فيه شيءٌ مُعَيَّنٌ إلا بقدرِ أجرتِهم، وكلُّ مَا يُعْطَى أحدٌ من هؤلاء فيه خلافٌ كثيرٌ (٣)، وأظهرُها أنه كله يُوكَلُ إلى اجتهادِ الإمامِ، ونصيبُ العاملين عليها يكونُ بقدرِ أجرةِ مثلِهم بحسبِ ما عَانَوْهُ من التعبِ، يُعْطَوْنَ على قدرِ

стр. 2990

ذلك، سواء كانوا فقراءَ أو أغنياءَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. والسهمُ [الرابع] (١) للمؤلفةِ قلوبُهم، والمؤلفةُ قلوبُهم المرادُ بهم قومٌ كانوا في زَمَنِ النبيِّ ﷺ عندَهم إيمانٌ إلا أن إيمانَهم ليس بقويٍّ ولهم مكانةٌ وشوكةٌ إذا حَسُنَ إسلامُهم اعْتَزَّ بهم الإسلامُ والمسلمونَ وَقَوِيَتْ شوكةُ المسلمينَ، أو ناسٌ لهم شَرَفٌ إذا كانوا في الإسلامِ تَابَعَهُمْ غيرُهم، فالمرادُ أنه يكونُ رجالٌ دخلوا في الإسلامِ لهم مكانةٌ وقوةٌ وفائدةٌ للإسلامِ فيهم، وإيمانُهم ليس بقويٍّ، فَتُجْبَرُ خواطرُهم وَتُؤَلَّفُ قلوبُهم بالمالِ ليستحسنوا الإيمانَ ويتمكنَ الإسلامُ من قلوبِهم فتكون في ذلك المصلحةُ العامةُ للإسلامِ والمسلمينَ، ومعلومٌ أن المؤلفةَ قلوبُهم يُقَسِّمُهُمْ كتبُ الفروعِ إلى أقسامٍ متعددةٍ (٢) وقصدنا هناك أن نذكرَ ما يكونُ مُصَرَّفًا للزكاةِ، وهو الإنسانُ الذي يكونُ في إسلامِه خيرٌ للمؤمنينَ، والظاهرُ أنه لا بد أن يكونَ مُسْلِمًا؛ لأَنَّ الزكاةَ لَا تُدْفَعُ للكافرِ وهي قربةٌ لَا يستحقُّها إلا المسلمونَ، فَمَنْ قال: إنها تُدْفَعُ للكافرِ لِيُسْلِمَ فالظاهرُ أنه خلافُ الظاهرِ. وَاعْلَمْ أن النبيَّ ﷺ كان في زمنِه نصيبُ المؤلفةِ قلوبُهم، وَأَلْغَى عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ نصيبَ المؤلفةِ قلوبُهم، وَلَمْ يكن بعدَ ذلك مَعْرُوفًا فِي صدقاتِ المسلمينَ وزكواتِهم (٣). وهذه الفقرةُ دَخَلَ منها كثيرٌ من الذينَ ينتصرونَ للقوانينِ بِشَيْطَنَةٍ وخفيةٍ وراءَ الستارِ، ويزعمونَ أن الشرعَ يتغيرُ بتغيرِ الأوضاعِ، قالوا: لأَنَّ النبيَّ دَفَعَ نصيبَ المؤلفةِ قلوبُهم وعمرُ لَمَّا رَأَى المصلحةَ لَا تحتاجُ إلى

стр. 2991

ذلك لم يَدْفَعْهُ لهم؛ ليتصلوا بذلك إلى أن الشرعَ تابعٌ للمصالحِ، وأنه قَابِلٌ للتغييرِ في كُلِّ وقتٍ وزمانٍ تَبَعَ المصالحِ والتطوراتِ الراهنةِ، وهذا باطلٌ؛ لأن الشرعَ أَنْزَلَهُ الحكيمُ الخبيرُ العظيمُ الجليلُ الْعَالِمُ بِكُلِّ ما كان وما يكونُ، فَجَعَلَهُ شرعًا خالدًا إلى يومِ القيامةِ، مُسَايِرًا لجميعِ التطوراتِ، تَمْكُنُ مجابهتُه لكلِّ الأحداثِ مهما كانت، ولا إشكالَ في إلغاءِ عمرَ لنصيبِ المؤلفةِ قلوبُهم؛ لأن هذه الأصنافَ الثمانيةَ لَا يُعْطَى منها إلا شيءٌ موجودٌ فإذا عُدِمَ الشيءُ فإنما لم يُجْعَلْ له سهمٌ لعدمِه، فالإنسانُ إذا قُطِعَتْ يدُه مثلاً والله يقولُ في الوضوءِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: آية ٦] لا نقولُ: هذا لم يَغْسِلْ يدَه لأن يدَه سَقَطَتْ!! فالإسلامُ لَمَّا عَزَّ وتمكنَ من قلوبِ المسلمينَ وقويت شوكةُ الإسلامِ لم يَبْقَ هنالك مؤلفٌ، فلما ذَهَبَ هذا الصنفُ ذهبَ نصيبُه بذهابِه، وقد أجمعَ العلماءُ أن كُلَّ ما ذَهَبَ من هذه الأصنافِ الثمانيةِ يذهبُ نصيبُه معه، إذا لم يوجد ابنُ السبيلِ فلا نصيبَ لابنِ السبيلِ، فكلُّ ما ذهب منها ذَهَبَ نصيبُه معه، فعدمُ إعطاءِ عمرَ نصيبَ المؤلفةِ نظرًا لعدمِ وجودِ المؤلفةِ بالكليةِ؛ لأن الإسلامَ قَوِيٌّ وَتَمَكَّنَتْ شوكتُه وصارَ لَا تأليفَ لأَحَدٍ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. وعلى كُلِّ حالٍ فالتحقيقُ في هذه المسألةِ أن حكمَ المؤلفةِ قلوبُهم بَاقٍ إذا وُجِدُوا وكان رجالٌ لهم مكانتُهم وقوتُهم في دينِ الإسلامِ، والإسلامُ محتاجٌ إليهم، والمسلمونَ محتاجونَ إليهم، فإنه يرجعُ نصيبُهم لِتَأَلُّفِهِمْ للمصلحةِ العامةِ كما فَعَلَ النبيُّ ﷺ وجاء به القرآنُ العظيمُ، وإن كان لا تأليفَ هنالك، ولا حاجةَ ولا ضعفَ في الإسلامِ ولَا ضعفَ في الإيمانِ، بل المسلمونَ في قوةٍ

стр. 2992

ونشاطٍ وفي عزةٍ وقوةٍ ومنعةٍ فالمؤلفةُ غيرُ موجودينَ فيسقطُ نصيبُهم لعدمِهم، وكذلك هذه الأصنافُ الثمانيةُ كُلُّ ما عُدِمَ منها سَقَطَ نصيبُه معه. وَاعْلَمْ أن العلماءَ مختلفون في هذه الأصنافِ الثمانيةِ هل يجبُ أن تكون الزكاةُ موزعةً بينَها ثمانيةَ أجزاءٍ ولا يجوزُ أن يُحْرَمَ واحدٌ منها، أو يجوزُ أن تعطَى الزكاةُ لواحدٍ منها، أو لاثْنَيْنِ، أو ثلاثةٍ دونَ تعميمِ الآخَرِينَ (١)؟ هذا خلافٌ معروفٌ بينَ العلماءِ، فذهبت جماعةٌ من العلماءِ منهم مالكٌ وأبو حنيفةَ ﵀ وجماعةٌ كثيرةٌ من فقهاءِ الأمصارِ إلى أنه لا يلزمُ تعميمُ هذه الأصنافِ، بل يجوزُ أن تُعْطَى الزكاةُ لصنفٍ واحدٍ منها، وأن كُلَّ ذلك موكولٌ إلى نظرِ الإمامِ يرى الأصلحَ فالأصلحَ فَيُؤْثِرُ أفقرَها وأحوجَها وأشدَّها مصلحةً للعامةِ. هذا قولُ مالكٍ وأبِي حنيفةَ وجماعةٍ كثيرةٍ من العلماءِ، قالوا: والآيةُ إنما بَيَّنَتِ المصارفَ الذي لا يجوزُ أن تُتَعَدَّى بها الزكاةُ إلى غيرِها، وصنفٌ واحدٌ منها يكفي. وكان بعضُ علماءِ المالكيةِ يقول: أكبرُ دليلٍ على عدمِ وجوبِ تعميمِ الأصنافِ أنا لو أَعْطَيْنَا الفقراءَ جزءًا فإنا لا يقولُ أحدٌ إننا نُعَمِّمُ جميعَ الفقراءِ، وإذا أَعْطَيْنَا المساكينَ جزءًا فلا يمكنُنا أن نعممَ جميعَ المساكينِ، فإذا كان الصنفُ الواحدُ لا يمكنُ تعميمُه فلا يلزمُ تعميمُ الأصنافِ جميعِها؛ لأنا لو مَشَيْنَا مع التعميمِ لَزِمَنَا أن نُعَمِّمَ نصيبَ الفقراءِ على جميعِ الفقراءِ ولا نتركَ فقيرًا واحدًا، ونصيبُ المساكينِ على جميعِ المساكينِ ولا نتركُ مسكينًا واحدًا. والحاصلُ أن هذا خلافٌ قديمٌ اخْتَلَفَتْ فيه أنظارُ العلماءِ، فمنهم مَنْ يقولُ: إن المرادَ بـ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾

стр. 2993

أنها لامُ التمليكِ، واستدلوا بحديثٍ جاء عن النبيِّ ﷺ أن الله لم يَكِلْ قسمَها إلى نَبِيٍّ وإنما جَزَّأَهَا ثمانيةَ أجزاءٍ، قالوا: واللامُ للتمليكِ، فَهِيَ شركةٌ بَيْنَ هؤلاء الثمانيةِ، ومن حَرَمَ واحدًا من هؤلاء الثمانيةِ فقد ضَمِنَ له نصيبَه؛ لأنه حَرَمَهُ ما أعطاه اللَّهُ إياه. وقالت جماعةٌ من العلماءِ: المرادُ بالآيةِ: أن هذه هي المصارفُ الذي لا يجوزُ تَعَدِّيهَا إلى غيرِها، ولم يلزم تعميمُها، بل يُوكَلُ إلى نظرِ الإمامِ، فما رآه الإمامُ أحسنَ للمصلحةِ العامةِ فَعَلَهُ للمسلمينَ، فلو اقتضى نظرُه أن يصرفَها لواحدٍ من هذه الثمانيةِ دونَ غيرِها لِيَفْعَلْ. هذا ملخصُ كلامِ العلماءِ في هذا الموضوعِ. وقولُه: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الغارمونَ معناه: أصحابُ الديونِ الذين يُطْلَبُونَ بالدَّيْنِ، والغارمونَ عندَ العلماءِ فيهم تفصيلٌ (١): منهم مَنْ يكونُ غارمًا لمصلحةٍ عامةٍ للمسلمينَ، كالذي يجدُ بعضَ القبائلِ بينها شحناءُ وفتنٌ وستقعُ بينها قتلى وبلايا ثم يتحملُ الدياتِ ويكون غارمًا لتلك الدياتِ للمصلحةِ العامةِ، فمثلُ هذا النوعِ لم يختلف العلماءُ في أنه يُعْطَى من زكاةِ المسلمينَ ويغرمُ عنه ما تَحَمَّلَ للمصلحةِ العامةِ للمسلمينَ من زكواتِ المسلمينَ ولو كان غَنِيًّا. وبعضُهم يقولُ: لَا يُعْطَى عنه إلا إذا كان فقيرًا. وأما إذا كان الإنسانُ تَحَمَّلَ الديونَ في خاصةِ نفسِه، كالذي يتحملُ لينفقَ [على] (٢) أهلِه وأولادِه، وينفقَ في تجارتِه ثم يخسر، ونحو ذلك من الأمور فأكثرُ العلماءِ على أن هذا إذا كان لَمْ يَسْتَدِنْ في سَرَفٍ، ولم يَسْتَدِنْ في معصيةٍ، ولم يَبْدُرِ المالَ في المعاصِي أنه يدخلُ في الغارمينَ، وأنه يُقْضَى عنه قدرَ دَيْنِهِ من

стр. 2994

الزكاةِ، وبعضُ العلماءِ يقولُ: ولو عندَه مالٌ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: لَا يُعْطَى هذا الغارمُ من الزكاةِ إلا إذا كان لا شيءَ عندَه، أو عندَه شيءٌ إذا أعطاه للغرماءِ بَقِيَ فقيرًا لا شيءَ عندَه. وأظهرُ القولينِ في هذا: أنه يُقْضَى عنه الدَّيْنُ إلا إذا كان مَلِيًّا يقدرُ على قضاءِ الدَّيْنِ ويبقى عندَه ما يكفيه. وبعضُ العلماءِ يقولُ: هو غارمٌ على كُلِّ حالٍ، يُقْضَى عنه سواء كان غَنِيًّا أو فقيرًا. والأولُ أظهرُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾. قولُه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ اختلفَ العلماءُ في المرادِ به (١)، فَذَهَبَتْ جماعةٌ من العلماءِ إلى أن المرادَ بالرقابِ: إعانةُ الْمُكَاتَبِينَ خاصةً. وذهب إلى هذا الشافعيُّ في طائفةٍ من العلماءِ، واستدلُّوا لهذا بقولِه تعالى في سورةِ النورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: آية ٣٣] قالوا: ﴿مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو المذكورُ في قولِه هنا: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وعلى هذا القولِ الذي قاله الشافعيُّ وجماعةٌ من فقهاءِ الأمصارِ إذا كان المكاتبُ عليه نجومٌ من كتابتِه فإنه يُعَانُ بما عَسُرَ عليه من نجومِ كتابتِه من زكاةِ المسلمينَ ليتخلصَ حُرًّا. وذهبت جماعةٌ من العلماءِ منهم مالكُ بنُ أنسٍ وأصحابُه في طائفةٍ من فقهاءِ الأمصارِ إلى أن معنَى قولِه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أنه ليس معناه الْمُكَاتَبِينَ، قالوا: المكاتبونَ داخلونَ في قولِه: ﴿وَالغَارِمِينَ﴾ لأن المكاتبَ غارمٌ لسيدِه نجومَ كتابتِه. قالوا: أما معنَى قولِه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فهو أنه يُشْتَرَى من زكاةِ المسلمينَ عبيدٌ ويكونونَ

стр. 2995

أحرارًا ولاؤهم للمسلمينَ. قالوا: وهذا هو معنَى قولِه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. و ﴿وَالغَارِمِينَ﴾ تَكَلَّمْنَا الآنَ عليه. وقولُه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَا خلافَ بَيْنَ العلماءِ أن الغزاةَ الذين ليسوا في الديوانِ داخلينَ في سبيلِ اللَّهِ، وإيضاحُ هذا أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ لَمَّا جَعَلَ مسألةَ الديوانِ كَتَبَ أسماءَ الجندِ في ديوانٍ قَيَّدَ أسماءَهم فيه، وَكُلُّ قُطْرٍ من الأقطارِ عَدَّدَ ما فيه من المُقَاتِلَةِ وَكَتَبَهُمْ في ديوانٍ ليحفظوا الثغورَ وَيُعِينُوا على الجهادِ، وكانت لهم أرزاقٌ معروفةٌ في بيتِ مالِ المسلمينَ، وهؤلاء إذا قُتِلَ واحدٌ منهم عَقَلَ عنه الآخَرُونَ قبلَ عصبتِه، فهؤلاء قال العلماءُ: ليسوا هم المرادَ هنا؛ لأن لهم أرزاقًا من بيتِ مالِ المسلمينَ وهم مُدَوَّنُونَ مَعْرُوفُونَ، وأن المرادَ بهؤلاءِ الغزاةِ: هم الذين يتطوعونَ لِيُقَاتِلُوا وَيُسَدِّوا الثغورَ مع المسلمينَ، مع أنهم لم تكن لهم أرزاقٌ مكتوبةٌ، ولم يكونوا مكتوبينَ في الديوانِ، فهؤلاءِ يُعْطَوْنَ من زكاةِ المسلمينَ وإن كانوا أغنياءَ، وَيُعْطَوْنَ ما يشترون به السلاحَ والمراكبَ ليسدوا ثغورَ المسلمينَ فيجاهدوا في سبيلِ اللَّهِ، وكونُ المرادِ في سبيلِ اللَّهِ الغزاة هو قولُ الشافعيِّ ﵀ في طائفةٍ من العلماءِ. وقال الإمامُ مالكٌ وأصحابُه: إن المرادَ بسبيلِ اللَّهِ كُلُّ ما يتعلقُ بالغزوِ والرباطِ فيدخلُ فيه جميعُ ما يتعلقُ بالغزوِ كشراءِ السلاحِ والكراعِ، والرباطِ في سَدِّ الثغورِ المخوفةِ التي يُخْشَى أن تدخلَ منها الكفارُ للمسلمينَ، أن هذا كُلَّهُ يدخلُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وذهبت جماعةٌ من العلماءِ وهو مَرْوِيٌّ عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ أن (في سَبِيلِ اللَّهِ) الحُجاج والعُمَّار، أنه يُعْطَى من بيتِ مالِ المسلمينَ للعاجزِ عن الحجِّ والعمرةِ ما يحجُّ به ويعتمرُ. قالوا:

стр. 2996

والحجُّ والعمرةُ في سبيلِ اللَّهِ. هذا ملخصُ عيونِ كلامِ العلماءِ في هذه المصارفِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ السبيلُ في لغةِ العربِ (١): الطريقُ. ومعنَى (ابنِ السبيلِ) ولدُ الطريقِ، وإنما قيل للمسافرِ الغريبِ: (ابنُ السبيلِ) لأحدِ أَمْرَيْنِ: قال بعضُ العلماءِ: لأنه مُلَازِمٌ للطريقِ لذهابِه معها، وَكُلُّ ملازمٍ لشيءٍ تقولُ له العربُ ابنُه، ومنه سَمَّتِ الطيرَ الملازمَ للماءِ (ابنَ الماءِ) كما هو معروفٌ، ومنه قولُ غيلانَ ذي الرمةِ (٢): وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ فسماه ابنَ الماءِ لملازمتِه للماءِ. وقالت طائفةٌ من علماءِ العربيةِ: إنه إنما قيل له (ابنُ السبيلِ) لأن السبيلَ وهي الطريقُ كأنها تَمَخَّضَتْ لنا عنه وَرَمَتْنَا به كما ترمي النفساءُ الناسَ بولدِها، كان غَائِبًا في بطنِ الطريقِ فَرَمَتْنَا به، كما تكونُ النفساءُ ولدُها غائبٌ في بطنِها فترمينا به. وهذا المعنَى يوجدُ في كلامِهم، وقد أَوْضَحَهُ مسلمُ بنُ الوليدِ الأنصاريُّ - وإن كان كلامُه إنما يُذْكَرُ مثالاً لا استدلالاً، لأنه في زمنِ الدولةِ العباسيةِ، ولكنه أَوْضَحَ هذا المعنَى - بقولِه حيث يقولُ يذكرُ رجلاً سَافَرَ في فلاةٍ من الأرضِ شَهْرَيْنِ إلى أميرٍ ليمدحَه قال له (٣): تَمَخَّضَتْ عَنْهُ تِمًّا بَعْدَ مَحْمَلِهِ ... شَهْرَيْنِ بَيْدَاءُ لَمْ تُضْرَبْ وَلَمْ تَلِدِ أَلْقَتْهُ كَالنَّصْلِ مَعْطُوفًا عَلَى هِمَمٍ ... يَعْمِدْنَ مُنْتَجِعَاتٍ خَيْرَ مُعْتَمَدِ

стр. 2997

فَصَرَّحَ بأن هذه الفلاةَ تَخَمَّضَتْ عن هذا وولدته وأنتجته، فكذلك الطريقُ كأنها تتمخضُ عنه وترميهم به. وأكثرُ العلماءِ يقولونَ: سُمِّيَ (ابنَ السبيلِ) لملازمتِه للطريقِ، وابنُ السبيلِ هو الإنسانُ الذي فَنِيَتْ نفقتُه وانقطعَ زادُه وهو متغربٌ عن أوطانِه يُعْطَى من زكاةِ المسلمينَ زَادًا وما يُبَلِّغُهُ إلى وطنِه ولو كان غَنِيًّا في محلِّه، ولا تتبع ذمتَه ولو كان غَنِيًّا في محلِّه؛ لأنه مصرفٌ للزكاةِ في ذلك الوقتِ وإن كان غَنِيًّا في بلدِه، وهذا من محاسنِ دينِ الإسلامِ وما فيه من مكارمِ الأخلاقِ. قال بعضُ العلماءِ: ويدخلُ في ابنِ السبيلِ ما لو كان له سَفَرٍ يُضْطَرُّ إليه، كما لو كانت له أولادٌ في دارِ حربٍ أو في ضيعةٍ وهو مُضْطَرٌّ إلى الإتيانِ بهم ولا مالَ عنده فإنه يُعْطَى ليذهبَ ويجيءَ ويكونَ داخلاً في ابنِ السبيلِ. وقد أجمعَ العلماءُ على أن ابنَ السبيلِ إذا كان مُسَافِرًا في معصيةٍ لَا يجوزُ أن يُعْطَى من الزكاةِ شيئًا لأنه إعانةٌ له على معصيتِه، وَاللَّهُ يقولُ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: آية ٢] وإن كان سفرُه في قُرْبَةٍ فلا خلافَ في أنه يُعْطَى. وإن كان في مباحٍ فقد اختلفَ العلماءُ في ذلك، فقالوا: لا يُعْطَى؛ لأن المباحَ لا يلزمُ. وقال بعضُ العلماءِ: يُعْطَى؛ لأن السفرَ المباحَ فيه جميعُ التسهيلاتِ التي في السفرِ الواجبِ، فالسفرُ المباحُ تُقْصَرُ فيه الصلاةُ، وَيُفْطِرُ فيه المسافرُ، ويفعل فيه كلُّ الترخصاتِ، فكذلك يُعَانُ صاحبُه عليه. هكذا قال بعضُهم واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. وقولُه تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ، أي: فَرَضَ اللَّهُ هذا فريضةً عليكم ﴿وَاللَّهُ﴾ جلَّ وعلا ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفَى عليه شيءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ يضعُ الأمورَ في مواضعِها ويوقعُها في مواقعِها.

стр. 2998

[٩/ب] / يقولُ اللَّهُ (جلَّ وعلا): ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [التوبة: آية ٦١]. قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ غيرَ نافعٍ: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ بياءٍ مشددةٍ، وقرأه نافعٌ وحدَه: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِئ﴾ بهمزةٍ (١). وأبدل ورشٌ وَمَنْ وَافَقَهُ همزةً ﴿يُؤْذُونَ﴾ فقرأَ: ﴿يوذون﴾ وقرأ عامةُ السبعةِ غيرَ نافعٍ وحدَه: ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ بِضَمِّ الذالِ في الحرفينِ، وقرأه نافعٌ وحدَه: ﴿أُذْن﴾ بسكونِ الذالِ (٢). وقرأ عامةُ السبعةِ غيرَ الكسائيِّ: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالرفعِ، وقرأ الكسائيُّ وحدَه ﴿ورحمةٍ﴾ بالخفضِ (٣). فعلى قراءةِ الجمهورِ فهو عطفٌ على المضافِ في قولِه: (أذُنُ خيرٍ لكم ورحمةٌ) وعلى قراءة الكسائي (٤) فهو عطف على المضاف إليه. أي: (أُذُنُ خيرٍ ورحمةٍ لكم) (٥).

стр. 2999

وقولُه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ هذا صِنْفٌ آخَرُ من أصنافِ المنافقينَ؟ لأَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ في هذه الآيةِ أصنافَ المنافقينَ، قال: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: آية ٤٩] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: آية ٥٨] ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: آية ٦١] كان في المنافقينَ طائفةٌ يبسطون ألسنتَهم إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بالكلامِ السيئِ فيعيبونَه ويقولونَ فيه ما لا ينبغِي، وهذا هو قولُه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: آية ٦١] أي: ومن المنافقينَ الطائفةُ الذين يُؤْذُونَ النبيَّ محمدًا ﷺ بالاستطالةِ في عَرْضِهِ. ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ معنَى هذا أنه إذا قيل لهم: كيف تقدحونَ في نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وتعيبونَه وهو إن علم بذلك فَعَلَ بكم وَفَعَلَ بكم؟ فيقولونَ: لَا يَهُمُّنَا ذلك، لأنه أُذُنٌ!! العربُ تقولُ: فلان أُذُنٌ. وَأُذْنٌ بالسكونِ لغةٌ فيه، إذا كان يسمعُ مِنْ كُلِّ مَنْ جاءه، فإذا كان الرجلُ كلما جاءَه أحدٌ وأخبرَه سَمِعَ منه وَصَدَّقَهُ قالت العربُ: هذا الرجلُ أُذُنٌ. يعنونَ: هو كلما جاءه أحدٌ بِخَبَرٍ صَدَّقَهُ، ونحنُ إن قيل عنا إننا آذَيْنَاهُ جئناه وكذبنا له وحلفنا له فيصدقنا، فنحن نُؤْذِيهِ ولا تَضُرُّنَا عاقبةُ ذلك؛ لأن مَآلَنَا أن نكذبَ الحديثَ ونحلفَ له عليه، وهو أُذُنٌ يُصَدِّقُ كُلَّ مَنْ جاءه بخبرٍ، فيصدقُنا ولا ينشأُ لنا من ذلك سوءٌ. وهذا معنَى قولِه: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ لَمَّا عابوا النبيَّ ﷺ آذَوْهُ وعابوه بأنه أُذُنٌ فِي زعمهم الباطلِ - قبَّحهم اللَّهُ - يعنونَ: يسمعُ مِنْ كُلِّ مَنْ حَدَّثَهُ، بَيَّنَ اللَّهُ أنه أُذُنٌ ولكنه أُذُنُ خيرٍ خاصةً، لا أذن شَرٍّ، فإذا جاءه الناسُ بالخيرِ وبالحقِّ صَدَّقَهُمْ في الخيرِ والشرِّ، أما الباطلُ فليس بأذنٍ فيه ولا بمصدقٍ أحدًا فيه، ولا ينفعُكم اعتذارُكم الباطلُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ هو أُذُنُ خيرٍ لكم، أي: يسمعُ - هو سامعٌ - ولكنه سامعُ خيرٍ، سامعٌ مِنْ كُلِّ مَنْ جاءه بخيرٍ وبحقٍّ لَا من كُلِّ مَنْ جَاءَهُ بِشَرٍّ وبباطلٍ مثلكم فليس بِأُذُنٍ له. وهذا

стр. 3000

معنَى قولِه: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يُصَدِّقُ بِاللَّهِ (جلَّ وعلا) التصديقَ الكاملَ من الجهاتِ الثلاثِ، يؤمنُ بالله تصديقًا صحيحًا من قلبِه ولسانِه وجوارحِه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يصدقُ المؤمنينَ العدولَ الأتقياءَ إذا جاؤوه بمقالةٍ، أما الكفَرَةُ الْكَذَبَةُ أمثالُكم فلا يُصَدِّقُهُمْ. وجرت العادةُ باستقراءِ القرآنِ أن اللَّهَ ﵎ إذا كان الإيمانُ بِاللَّهِ عَدَّاهُ بالباءِ، كَأَنْ يقولَ: ﴿ءَامَنُوا بِاللَّهِ﴾ [الحجرات: آية ١٥، النساء: آية ١٣٦] ﴿يُؤمِنُونَ باللَّهِ﴾ [آل عمران: آية ١١٤] وإذا كان الإيمانُ معناه تصديقَ مخلوقٍ فإنه يُعَدِّيهِ باللامِ دائمًا؛ وَلِذَا قال هنا: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه: ويصدقُ المؤمنينَ. ولا يكادُ هذا التصديقُ المتعلقُ بالآدميينَ يوجدُ في القرآنِ إلا مجرورًا باللامِ، كقولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: آية ٢٦] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: آية ١٧] وقولِه هنا: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويصدقُ المؤمنينَ الأتقياءَ في الخيرِ الذي جاءه به، ولكن ليس بأُذُنٍ للكفرةِ الفجرةِ أمثالِكم. فقولُه: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ على قراءةِ الجمهورِ هو أُذُُنُ خيرٍ، وهو أيضًا رحمةٌ للمؤمنينَ، وقد أَرْسَلَهُ اللَّهُ رحمةً للعالمينَ. وفي هذه الآيةِ سؤالٌ معروفٌ؛ لأن طالبَ العلمِ يقولُ: اللَّهُ قال في آيةِ براءة هذه: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَقَيَّدَ كونَه رحمةً للذين آمنوا، وفي سورةِ الأنبياءِ قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: آية ١٠٧] فلم يُقَيِّدْ كونَه رحمةً بالإيمانِ، بل قال لجميعِ العالمينَ، وهذا وجهُ السؤالِ. والجوابُ عنه: أن الله (جلَّ وعلا) أَرْسَلَهُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)

стр. 3001

رحمةً لجميعِ الخلائقِ، إلا أن بعضَهم قَبِلَ من اللَّهِ التفضلَ بتلك الرحمةِ فَحَازَهَا، فَخَصَّ في قولِه: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وبعضُهم لم يَقْبَلْهَا ولم يَحُزْهَا، ولا يُنَافِي ذلك أن اللَّهَ أعطاه تلك الرحمةَ إلا أنه لم يَقْبَلْهَا ولم يَحُزْهَا. وَضَرَبَ العلماءُ لهذا مثلاً قالوا: لو أن سلطانَ البلدِ مثلاً - وَلِلَّهِ المثلُ الأَعْلَى - أَرْسَلَ لجميعِ سكانِ البلدِ إنعامًا كثيرًا كأن أَجْرَى لهم المياهَ تأتيهم، وأجرى عليهم الأرزاقَ وَالنِّعَمَ، وبعضُهم امتنعَ أن يأخذَ، وبعضُهم أَخَذَ فلا ينافِي أنه أَنْعَمَ على الجميعِ. فَاللَّهُ أَرْسَلَهُ رحمةً للعالمينَ، بعضُ الناسِ قَبِلَ من اللَّهِ فضلَه وبعضُهم لم يَقْبَلْ فضلَه، ولَا ينافِي ذلك أنه تفضلَ عليه ببعثِه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه). وأما على قراءةِ حمزةَ الذي قَرَأَ: ﴿ورحمةٍ﴾ بالخفضِ - هو حمزةُ لا الكسائي (١) - أما على قراءةِ حمزةَ ﴿ورحمةٍ للذين آمنوا﴾ هو أُذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. معطوفٌ على الخيرِ؛ لأَنَّ اللَّهَ (جل وعلا) جَعَلَ فيه الخيرَ والرحمةَ فإذا كان سَامِعًا من أحدٍ فهو سماعٌ لا يقودُ إلا إلى خيرٍ من خيرٍ ورحمةٍ لا سماع شَرٍّ. ولا يَخْفَى ما في قراءةِ حمزةَ من عدمِ ظهورِ المعنَى، وظهورُ المعنَى على قراءةِ الجمهورِ. وهذا معنَى قولِه: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ بالاستطالةِ في عرضِه بكلامِ السوءِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من الله (جلَّ وعلا)، وقد بَيَّنَ في الأحزابِ أن ذلك العذابَ مصحوبٌ باللعنةِ أيضًا في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 3002

لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [الأحزاب: آية ٥٧]. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: آية ٦٢] قال بعضُ العلماءِ: كانت جماعةٌ من المنافقينَ ومعهم غلامٌ حَدَثٌ من الأنصارِ يُسَمَّى عامرَ بنَ قيسٍ، فقال بعضُ المنافقينَ لبعضٍ: وَاللَّهِ إِنْ كان ما يقولُه محمدٌ ﷺ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ من الحميرِ، فغضبَ ذلك الغلامُ وقال: أَتَشُكُّونَ في حَقِّ ما يقوله، وَاللَّهِ إِنَّ ما يقولُه لَحَقٌّ، وإنكم لشرٌّ من الحميرِ، ثم نَمَا الحديثُ إلى النبيِّ ﷺ ، فَلَمَّا سَأَلَهُمْ: ما حَمَلَكُمْ على أن تقولوا ما قلتُم، حلفوا بالله ما قُلْنَاهُ، قال مَنْ رَوَى هذه القصةَ في سببِ هذا النزولِ: وكان ذلك الغلامُ الأنصاريُّ يدعو اللَّهَ ويقولُ: اللهم بَيِّنِ الْمُحِقَّ منا مِنَ الكاذبِ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ من سورةِ براءةٍ تصديقًا لذلك الرجلِ وتكذيبًا لأولئك المنافقين (١) ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ أنما قيل عنَّا لَكَذِبٌ، ولا نقول إلا خيرًا، ولا نظهر إلا الخيرَ ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ بذلك ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ في باطنِ الأمرِ، ولم يكونوا منافقينَ، ولم يقعوا في نبيِه ﷺ بما لا يَنْبَغِي.

стр. 3003

وقد رَدَّ الضميرَ هنا على الرسولِ وحدَه قال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ مِنْ أن يُعِيبُوهُ. قال بعضُ العلماءِ (١): إنما اكْتَفَى بالضميرِ الواحدِ لأَنَّ إرضاءَ اللَّهِ إرضاءٌ لرسولِه، وإرضاءُ الرسولِ إرضاءُ اللَّهِ ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: آية ٨٠] فلما تَلَازَمَا صارا كأنهما شيءٌ واحدٌ. وَذَهَبَ غيرُ واحدٍ من علماءِ العربيةِ وعلماءِ التفسيرِ (٢) إلى أن رجوعَ الضميرِ على أحدِ المتعاطفينِ اكتفاءً به لأَنَّ الآخَرَ مفهومٌ منه أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ كثيرٌ في القرآنِ العظيمِ وفي كلامِ العربِ وهو كثيرٌ، أن العربَ ربما حَذَفَتْ بعضَ الأمرينِ وَاسْتَغْنَتْ عنه بالآخَرِ، سواء كان في ضميرٍ أو غيرِ ضميرٍ، فَمِنْ أمثلتِه في غيرِ الضميرِ قولُ قيسِ بنِ الخطيمِ (٣): نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ ... رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ فحذفَ «راضون» لدلالةِ «راضٍ» عليها، وقد أَنْشَدَ هذا لهذا المعنَى سيبويه في كتابِه، وأنشدَ سيبويه لهذا المعنَى أيضًا قولَ عمرِو بنِ أحمرَ الباهليِّ (٤): رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي أَيْ: كنتُ بريئًا وكان والدِي بريئًا، فَحَذَفَ أحدَهما لدلالةِ الآخَرِ عليه، وأنشدَ له سيبويه في كتابِه أيضًا: قولَ ضابئِ بنِ

стр. 3004

الحارثِ البرجميِّ (١): فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارًا بِهَا لَغَرِيبُ فإني لغريبٌ وقيارٌ لغريبٌ. هذا من أمثلتِه في غيرِ الضميرِ، وأمثلةُ حذفِ أحدِ الضميرينِ اكتفاءً عنه بالآخَرِ كثيرةٌ في كلامِ العربِ وفي القرآنِ العظيمِ، فَمِنْ أمثلتِها في القرآنِ في المتعاطفاتِ بالواوِ كما هنا: قولُه: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: آية ٣٤] ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإنَّهَا﴾ [البقرة: آية ٤٥] ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: آية ٢٠] وأمثالُ ذلك كثيرةٌ في القرآنِ. ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ نابغة ذبيانَ وهو شاهدُه المشهورُ (٢): وَقَدْ أَرَانِي وَنُعْمًا لَاهِيَيْنِ بِهَا ... وَالدَّهْرُ وَالْعَيْشُ لَمْ يَهْمِمْ بِإِمْرَارِ يعنِي: لم يَهْمِمَا. فَرَدَّ الضميرَ على واحدٍ من العيشِ أو الدهرِ؛ لأَنَّ الآخَرَ مفهومٌ منه، ومنه قولُ حسانَ ﵁ (٣): إِنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ وَالشَّعَرَ الأَ ... سْوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا فلم يَقُلْ: ما لم يُعَاصَيَا. وهو كثيرٌ. وأما في المعطوفِ بـ (أو) فالقياسُ أن يرجعَ الضميرُ بالإفرادِ؛ لأن الضميرَ في المتعاطفاتِ بـ (أو) يرجع إلى الأحدِ الدائرِ بينها، وهو القياسُ كقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ [النساء: آية ١١٢] وقد رَدَّهُ إلى أحدِهما بعينِه تعالى في قولِه:

стр. 3005

﴿وَإِذَا (١) [رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: آية ١١]. وقد يرجع إلى أحدهما في المتعاطفاتِ بالفاءِ، ومن أمثلةِ رجوعِه إلى أحدِهما في المتعاطفينِ بالفاءِ قولُ امرئِ القيسِ في معلقتِه (٢): فَتُوضَحَ فَالْمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ فَرَدَّهُ لإحداهما. وعلى كُلِّ حالٍ فالمعنَى: يحلفونَ بِاللَّهِ لكم ليرضوكم وَاللَّهُ أحقُّ أن يرضوه ورسولُه أحقُّ أن يرضوه إن كانوا مؤمنينَ، ولكنهم لم يكونوا مؤمنينَ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: آية ٦٢]. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: آية ٦٣]. قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مرارًا (٣) أن كُلَّ فعلٍ مضارعٍ مجزومٍ بـ (لم) إذا تَقَدَّمَتْهُ همزةُ استفهامٍ بأن قيل فيه (أَلَمْ) كل فعل مضارع مسبوق بـ (ألم) فيه لعلماءِ التفسيرِ وجهانِ في جميعِ القرآنِ: أحدُهما: أن تصيرَ مُضَارَعَتُهُ ماضويةً، ويصيرَ نفيُه إثباتًا، فأصلُه مضارعٌ منفيٌّ بـ (لم) فتصيرُ حقيقةُ معناه أنه مَاضٍ مُثْبَتٌ فتنقلب المضارعةُ ماضويةً، وينقلبُ النفيُ إثباتًا، وهذا مطردٌ كقولِه:

стр. 3006

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ معناه: عَلِمُوا أن مَنْ حَادَّ اللَّهَ ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ [البلد: آية ٨] جَعَلْنَا له عَيْنَيْنِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: آية ١] شَرَحْنَا لكَ صدركَ. فإن قِيلَ: بأيِّ وجهٍ انقلبت المضارعةُ ماضويةً، وانقلب النفيُ إثباتًا، مع أن النفيَ والإثباتَ، نقيضانِ؟ فالجوابُ: أن انقلابَ المضارعةِ ماضويةً أَمْرٌ واضحٌ لَا إشكالَ فيه؛ لأن (لم) حرفُ قَلْبٍ، تقلبُ المضارعَ من معنَى الاستقبالِ إلى معنَى الماضِي، وهذا أمرٌ معروفٌ لا نزاعَ فيه ولَا إشكالَ، أما انقلابُ النفيِ إثباتًا فوجهُه أن همزةَ الاستفهامِ التي قبلَ حرفِ (لم) هي استفهامُ إنكارٍ، والإنكارُ مُضَمَّنُ معنَى النفيِ، فيتسلط النفيُ الكامنُ في الهمزةِ على النفيِ الصريحِ في (لم) فَيَنْفِيهِ، ونفيُ النفيِ إثباتٌ. هذا وجهُ مَنْ قال هذا القولَ. القولُ الثانِي: أن كُلَّ فعلٍ مضارعٍ مسبوقٍ بـ (ألم) في جميعِ القرآنِ هو استفهامُ تقريرٍ، والمرادُ باستفهامِ التقريرِ هو حَمْلُ المخاطَب على أن يُقِرَّ فيقول: بَلَى، وليس المرادُ منه طلبَ فَهْمٍ ألبتةَ. فالمرادُ بهذا على هذا القولِ أن يقولوا: بَلَى نعلمُ أنه من يُحَادِدِ اللَّهَ ورسولَه فأن له نارَ جهنمَ ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ إنما فُكَّ الإدغامُ هاهنا لأن الفعلَ مجزومٌ، ومعلومٌ أن المضعَّفَ إذا جُزِمَ أو صار أمرًا جَازَ فيه الإدغامُ وفَكُّ الإدغامِ كما هو معروفٌ في محلِّه. ومعنَى قولِه: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ أي: يُشَاقِّ اللَّهَ ويخالفه ويعاصيه. وأصلُ المحادَّةِ: من الحدِّ؛ لأن المحادَّ يكونُ في الحدِّ الذي ليس فيه من حاده، تقول: زيد مُحَادٌّ لعمرو. أي: مشاقٌّ له ومعادٍ له ومعاندٌ؛ لأنه في الحدِّ الذي ليس فيه، فهذا في الحدِّ الذي ليس فيه هذا وذلك بعكس ذلك أيضًا. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، وأعظمُ

стр. 3007

محادةٍ لله هي إيذاءُ نَبِيِّهِ ﷺ والتجرؤُ على ذلك بالأيمانِ الباطلةِ الكاذبةِ. ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ إذا كانت (أَنَّ) مثلاً في جزاءِ الشرطِ بعد فاءٍ جَازَ فيها الفتحُ كما هنا وجاز فيها الخفضُ أيضًا، وهما لغتانِ عربيتانِ. وقراءةُ الجمهورِ منهم السبعةُ هنا: ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ بفتحِ الهمزةِ، ولو كُسِرَتْ لَجَازَ لغةً لا قراءةً؛ لأن القراءةَ الصحيحةَ بعكسِه ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أضافَ النارَ إلى جهنمَ لأن جهنمَ طبقةٌ من طبقاتِها. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في حالِ كونه خالدًا فيها، وهي حال مقدرة كما هو معلومٌ. ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أي: الخلودُ في النار- عياذا بالله - بسببِ مُحَادَّةِ اللَّهِ ومشاقتِه، والخزيُ العظيمُ أي: الذلُّ الأكبرُ والهوانُ الأعظمُ. فالخزيُ في لغةِ العربِ: غايةُ الذلِّ والهوانِ والانسفالِ. وقد صَرَّحَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) بأن مَنْ حَادَّ اللَّهَ في غايةِ الذلِّ والمهانةِ والسفالةِ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة: آية ٢٠] فقولُه: ﴿أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ يُبَيِّنُ أن الخزيَ هنا - عياذًا بالله - يتضمنُ أعلى الذلِّ والحقارِ والصغارِ، وقال تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: آية ٥] وذلك الكبتُ ملتزمٌ لأصنافِ الذلِّ والمهانةِ، وَاللَّهُ (جل وعلا) يقولُ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: آية ١٩٢] أي: أَذْلَلْتَهُ وأهنتَه - والعياذُ بالله أَجَارَنَا اللَّهُ منها وإخوانَنا المسلمينَ - وهذا معنى قولِه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الضميرُ ضميرُ الشأنِ، والجملةُ هي اسم (أن)، و (أن) الثانيةُ فيها

стр. 3008

للعلماءِ أَوْجُهٌ (١) متعددةٌ أصحُّها وأقربُها للصوابِ أنها هي (أن) الأُولَى كُرِّرَتْ لَمَّا طال الفصلُ بينَهما، وتكريرُ (أن) إذا طالَ الفصلُ أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه هذه الآيةُ على الصحيحِ: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ الخلودُ معناه: المكثُ الطويلُ، والمرادُ بخلودِ أهلِ النارِ خلودٌ لَا انقطاعَ فيه البتةَ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٩٧] فليس للنارِ خبوةٌ نهائيةٌ ليس بعدَها زيادةُ سعيرٍ، وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ (٢) أن جماعةً من العلماءِ زعموا أن النارَ تَفْنَى، وأنهم يخرجونَ منها، واستدلُّوا بقولِه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: آية ٢٣] وبقولِه: ﴿إِلَاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في سورة هود [هود: آية ١٠٧] وبقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاء اللَّهُ﴾ [الأنعام: آية ١٢٨] وَبَيَّنَّا مرارًا أن التحقيقَ في خلودُ أهل الجنةِ وخلودُ أهلِ النارِ أنه خلودٌ أبديٌّ لَا انقطاعَ له أبدًا لا يزولُ ولا يحولُ فهو باقٍ بقاءً سرمديًّا لا انقطاعَ له، أما خلودُ أهلِ الجنةِ فقد صَرَّحَ الله به في آياتٍ من كتابِه كقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: آية ١٠٨] ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: آية ٥٤] وقولُه (جلَّ وعلا): ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: آية ٩٦] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، وأما خلودُ أهلِ النارِ فجاءت فيه آياتٌ كثيرةٌ كقولِه: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: آية ٣٦] ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ

стр. 3009

فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: آية ٧٤] ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: آية ٣٦] ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: آية ٩٧] والحاصلُ أن مَنْ قال من السلفِ: «إن النار تَفْنَى ويبقى محلُّها لا أحدَ فيه» يجبُ حملُها كما صَرَّحَ به البغويُّ في تفسيرِه (١) على الطبقةِ التي كان فيها عصاةُ المسلمينَ؛ لأن اللَّهَ يخرجُهم بعد أن تطهرهم النارُ فيؤولون إلى الجنةِ فتبقى طبقتُهم التي كانوا فيها خاويةً، أما الكفارُ فهم باقونَ معذبونَ لا يموتونَ ولا يخففُ عنهم العذابُ ولا تفنى النارُ عنهم، وقد نفى اللَّهُ فناءَها بقولِه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ فَمَنْ يَدَّعِي أن لها خبوةً نهائيةً ليس بعدَها زيادةُ سعيرٍ رُدَّ عليه بهذه الآيةِ الكريمةِ، وكذلك لا يخرجون منها؛ لأن اللَّهَ يقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: آية ٢٠] ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: آية ٢٢] ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: آية ١٦٧] ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: الآية ٣٧] وكذلك لا يموتونَ فيها كما قال: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: آية ١٧] ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: آية ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات كما أوضحناه في هذه الدروس. [١٠/ب] / (٢) [أما آيةُ النبأِ، وهي قولُه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: آية ٢٣] فقد بَيَّنَتْهَا غايةَ البيانِ آيةُ سورةِ (ص)، وإيضاح ذلك أن

стр. 3010

المعنَى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿أَحْقَابًا﴾ في حالِ كونِهم في تلك الأحقابِ ﴿لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ [النبأ: الآيتانِ: ٢٤، ٢٥] فإذا انقضت أحقابُ] الحميمِ والغسَّاق، عُذِّبُوا بأنواعٍ أُخَرَ من أنواعِ العذابِ لا نهايةَ لها ولا يعلمُها إلا اللَّهُ. وإنما قُلْنَا: إن هذه الأحقابَ، مختصةٌ بأحقابِ الحميمِ والغساقِ لأن اللَّهَ بَيَّنَ ذلك وَصَرَّحَ به في سورةِ (ص) وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ؛ لأن الله يقول في (ص): ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: الآيات ٥٥ - ٥٨] فَبَيَّنَ أن هنالك أصنافًا أُخَرَ وأشكالاً من أنواعِ العذابِ غير الحميمِ والغسَّاقِ. فَبَيَّنَتْ آيةُ (ص) هذه آيةَ النبأ، بيانًا واضحًا، وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ. وذكرنا (١) أن بعضَ الملحدين يقولُ: أين الإنصافُ والحكمةُ في أن تكونَ أيامُ المعصيةِ في دارِ الدنيا وأيامُ الكفرِ مدةً محدودةً والجزاءُ في مدةٍ لَا تنقضي، فأين العدلُ والميزانُ، في عملٍ في مدةٍ معينةٍ مع جزاءٍ في مُدَدٍ لَا تنقضي ولا تنتهي؟! والجوابُ عن هذا: أن خبثَ الكافرِ الذي عُذِّبَ بسببِه هو باقٍ دائمٌ لا يزولُ في جميعِ الْمُدَدِ، فكان العذابُ دائمًا لا يزولُ؛ لأن سببَه باقٍ لا يزولُ، والدليلُ على أن خبثَ الكفارِ باقٍ لا يزولُ أبدًا فكان جزاؤه دائمًا لا يزول أبدًا لأنهم لَمَّا رأوا النارَ وعاينوا الحقائقَ يومَ القيامةِ وَنَدِمُوا على تكذيبِ الرسلِ فتمنوا الردَّ إلى الدنيا ليتوبوا ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: آية ٢٧] قال اللَّهُ فيهم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: آية ٢٨]

стр. 3011

فصرَّح (جلَّ وعلا) بأنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا بعد معاينةِ النارِ والعذابِ وبلايا القيامةِ لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عنه. وهو تصريحٌ بأن خبثَهم الطبيعيَّ منطبعٌ فيهم دائمٌ لا يزولُ، فلذلك كان جزاؤه دائمًا لا يزولُ. والجزاءُ بحسبِ العملِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: آية ٢٦] موافقًا لأعمالِهم فخبثُهم لا يزولُ وجزاؤهم لَا يزولُ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: آية ٢٣] فـ (خيرًا) نكرةٌ في (١) سياقِ الشرطِ وهي تعمُّ، فعرفنا أن اللَّهَ لم يعلم فيهم خيرًا ما في وقتٍ ما كائنًا ما كان، وَلَمَّا كان الخيرُ منتفٍ عنهم أبدًا والشرُّ ملازمٌ لهم أبدًا، كان جزاؤهم لازمًا أبدًا. وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ﴾ [التوبة: آية ٦٣]- والعياذُ بالله - ﴿الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ الهوانُ والخزيُ الكبيرُ. والعظيمُ صفةٌ مشبهةٌ مِنْ عَظُمَ الشيءُ يعظمُ فهو عظيمٌ، وهو معنًى معروفٌ لا خفاءَ به. قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: الآيات ٦٤ - ٦٨].

стр. 3012

يقول الله (جلَّ وعلا): ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾ [التوبة: آية ٦٤]. قرأ هذا الحرفَ عامةُ القرَّاءِ، غير ابن كثير وأبي عمرو: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ بفتحِ النونِ وتشديدِ الزايِ، وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرٍو: ﴿أنْ تُنْزل عليهم سورة﴾ ومعنَى القراءتين واحدٌ، فالله (جل وعلا) في هذه السورةِ الكريمةِ يفضحُ ما تنطوي عليه ضمائرُ المنافقينَ، فَبَيَّنَ لنبيِّه ﷺ في هذه الآيةِ الكريمةِ أن المنافقينَ في غايةِ الخوفِ والقلقِ والحذرِ من أن ينزلَ اللَّهُ على نَبِيِّهِ قرآنًا يكشفُ به أسرارَهم، ويوضحُ ما تنطوي عليه ضمائرُهم من الكفرِ والسوءِ فقال: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ مضارعُ حَذِرَ الأمرَ يَحْذَرُهُ إذا كان يخافُ وقوعَه خوفًا شديدًا. قولُه: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ التحقيقُ أن المصدرَ المنسبكَ من (أنْ) وصلتِها في محلِّ نصبٍ مفعولٌ به ليحذر (١)؛ لأنه (يحذر) تتعدى بنفسها دونَ حرفٍ، وأنشد سيبويه لتعدي (حذر) بنفسها قولَ الشاعر (٢): حَذِرٌ أُمُورًا لَا تُضِيرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ يُنْجِيهِ مِنَ الأَقْدَارِ فقولُه: «أمورًا» مفعولٌ به لـ (حَذِر) وهو الوصفُ من حَذِرَ يحذرُ فهو حَذِرٌ ﴿أَنْ تُنَزَّلَ﴾ يعني: يحذرُ المنافقونَ تنزيلَ سورةٍ من الله عليهم. أي: على النبيِّ وأصحابِه تفضحُ المنافقينَ، وقال بعضُ

стр. 3013

العلماءِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المنافقينَ؛ لأنها إذا نزلت في شأنهم مُبَيِّنَةً فضائحَهم وما تنطوي عليه أسرارُهم فكأنها نُزلت عليهم ﴿قُلِ﴾ لهم يا نَبِيَّ الله ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ صيغةُ الأمرِ هنا للتهديدِ، يعني: دُومُوا على ما أنتم عليه من الاستهزاءِ بآياتِ اللَّهِ وبالله وبرسولِه فَسَتَلْقَوْنَ جزاءَ ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ أي: مظهرٌ لنبيه بما يُوحي إليه ما أنتم تُسِرُّونَهُ وَتُبْطِنُونَهُ، ذلك الذي تحذرون أن يفضحَكم الله فيه، إن الله مخرجُه ومظهرُه، وقد أَطْلَعَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ على حقائقِهم بعدَ أن لم يكن يعلمُها؛ لأن قولَه هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ يدلُّ على أن النبيَّ في هذا الوقتِ لم يكن يعلمُه كما يأتِي في قولِه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: آية ١٠١] وقد بَيَّنَ اللَّهُ لنبيِّه المنافقينَ، أشار له إلى معرفتَهم بقولِه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: الآيتان ٢٩، ٣٠] وقد أَطْلَعَ اللَّهُ نبيَّه عليهم في غزوةِ تبوكَ، وأطلع النبيُّ حذيفةَ بنَ اليمانِ على جماعةٍ منهم بأسمائِها. وهذا معنَى قولِه: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: آية ٦٤]. قولُه: ﴿مَّا﴾ في محلِّ المفعولِ به لاسمِ الفاعلِ الذي هو (مخرج) والسؤالُ الذي يتبادرُ في هذا جوابُه ظاهرٌ، لأن (مخرج) هنا قد وقع وتعلق بالماضِي، والمقررُ في علمِ العربيةِ أن اسمَ الفاعلِ إذا كان نكرةً لا يعملُ إلا بمسوِّغ، ولا يعملُ في الماضِي، وهنا كأنه عمل في الماضي. والجوابُ واضحٌ؛ لأن هذه الآيةَ تَحْكِي ما كان في ذلك الوقتِ مستقبلاً؛ لأن وقتَ نزولِ هذه الآيةِ يحكي اللَّهُ (جلَّ وعلا)

стр. 3014

فيها أنه سيفعلُ ذلك في المستقبلِ، فإذًا لم يتعلق اسمُ الفاعلِ بأمرٍ ماضٍ كما لا يَخْفَى. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: آية ٦٥] نزلت هذه الآيةُ في غزوةِ تبوكَ بإطباقِ المفسرينَ في قومٍ استهزؤوا بالله وآياتِه ورسولِه. قال بعضُ العلماءِ: كان النبيُّ ﷺ يسيرُ في غزوةِ تبوكَ وأمامُه ركبٌ من المنافقينَ، فكان بعضُهم يقولُ لبعضٍ: «يَظُنُّ هذا أنه يفتحُ قصورَ الشامِ ويقدرُ على بلادِ بنِي الأصفرِ، هيهاتَ هيهاتَ" فَأَطْلَعَ اللَّهُ نبيَّه على ذلك فاستوقفهم فسألَهم: «لِمَ قُلْتُمْ هَذَا؟» قالوا: كنا نخوضُ ونلعبُ، لم نقل هذا عن طريقِ الجدِّ، وإنما قلناه عن طريقِ الهزلِ واللعبِ. فأجابهم اللَّهُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم﴾ (١) [التوبة: آية ٦٥]. وذكر بعضُ العلماءِ أن النبيَّ ﷺ ضَلَّتْ راحلتُه في غزوةِ تبوكَ فقال جماعةٌ من المنافقينَ: انْظُرُوا إلى هذا الرجلِ يَدَّعِي أنه يعلمُ علمَ الغيبِ، وأنه ينزلُ عليه الوحيُ وهو لا يدرِي أينَ ذَهَبَتْ ناقتُه!! وأن جبريلَ أتاه فأخبرَه بموضعِها، أَمْسَكَتْهَا شجرةُ كذا بِزِمَامِهَا، فناداهم وقال: «لِمَ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ؟» قالوا: كنا نخوضُ ونلعبُ (٢). وعلى كُلِّ حالٍ فلا خلافَ بين العلماءِ أن هذه الآيةَ من سورةِ براءة نَزَلَتْ في غزوةِ تبوكَ في قومٍ استهزؤوا بالنبيِّ ﷺ واستَخَفُّوا به، فسألهم رسولُ اللَّهِ ﷺ فأجابوا معتذرينَ اعتذارًا كاذبًا قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ﴾ في الحديثِ ﴿وَنَلْعَبُ﴾ نهزأُ ونضحكُ فيما بينَنا لا نقولُ ذلك عن جِدٍّ وَقَصْدٍ. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.

стр. 3015

﴿قُلْ﴾ لهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ يعني تستهزئونَ بالله وبرسوله وبآياته؟! فالاستهزاءُ بالله وبآياتِه وبرسولِه كفرٌ بواحٌ لَا عذرَ لصاحبِه البتَّة. قال بعضُ العلماء (١): يؤخذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ أن مَنِ استهزأَ بِاللَّهِ وبرسولِه وبآياتِه ولو كان هازلاً مازحًا أنه يكون كافرًا؛ لأنه لا هَزْلَ في الكفرِ، وقد جاء في الحديثِ أن بعضَ المسائلِ هَزْلُهَا كجدِّها، كالطلاقِ، والعتاقِ، وهي ثلاثُ مسائلَ معدودةٌ في الحديثِ:» ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ [جِدٌّ] (٢): الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ ... » ونسيت الثالثة (٣) مع أنها مختلفٌ فيها:
следующие страницы →