← Общие книги

Общие книги · id 96299

خواطر حول الوهابية

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (113 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والرسول ﷺ قد أخبرنا بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بالقذةِ، حَتى لَوْ دَخَلُوا جُحرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوه" قَالوا: يَا رَسُولَ الله: الْيَهُود وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ". وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". إذا عُرِف هذا، فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الشرك بالله والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات. وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله، وصرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها، لأنه أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. فأخبر أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه. وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين، ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار.

стр. 72

وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسايط يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم وأشرك به، وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]. فإذا كان الرسول ﷺ ، وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه، لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداءً بل يأتي فيخر لله ساجدًا، فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: "ارفع رأسك وسل تعط واشفع تُشَفَّعْ"، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع

стр. 73

عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم، ودرج على منهاجهم، وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها، واتخاذها أعيادًا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي ﷺ أمته، وحذَّر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"، وهو ﷺ حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى أن يُجصَّصَ القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت عنه أيضًا أنه بعث علي ابن أبي طالب ﵁ وأمره ألا يدع قبرًا مُشْرِفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه، ولهذا قال غير واحد من العلماء: "يجب هدم القباب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ". فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبن الناس، حتى آل الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم. وهو الذي ندعو الناس إليه، ونقاتلهم عليه بعد أن نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف الصالح ممتثلين لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 74

وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين للسنة لا يجتمعون على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". يقول الأستاذ أحمد رائف: أثبت الجبرتي منشور الأعداء ليس في أوراقه الخاصة، أو يومياته فحسب، بل وفي تاريخه الذي وضعه بعد ما هُزِم الوهابيون، فهو أثبته إذن عن اقتناع وإيمان. وكيف لا يتأثر الجبرتي بهذه المفاهيم التي يعرف صحتها وصدق استلهامها من روح الإسلام وأحكامه؟ وكيف لا يُعْجَبُ بدعاتها، وهو يعيش في عالم مخيف تتحكم فيه عناصر بلا عقيدة، وتستمتع بإهدار العرف والشريعة؟ ولو اكتفى الجبرتي بإثبات نص النشور في كتابه المعد للتداول في دولة الباشا المحارب للوهابين، لكفاه فخرًا، وشهادة له بالأمانة التاريخية، والشجاعة الأدبية التي نفتقر إليها اليوم، ولكن نرى الجبرتي، وقد تكونت لديه صورة واضحة للموقف يسجل لأول مرة رأيه بصراحة معلقًا على المنشور بقوله: "أقول: إن كان الحال كذلك، فهذا ما ندين الله به نحن أيضاً، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين، وقد بسط الكلامَ في ذلك ابنُ القيم في كتابه "إغاثة اللهفان"، والحافظ المقريزي في "تجريد التوحيد"، والإمام

стр. 75

اليوس في (شرح الكبرى)، و (شرح الحِكَم) لابن عباد، وكتاب (جمع الفضائل وقمع الرذائل)، وكتاب (مصايد الشيطان)، وغير ذلك". وأعلن مروق السلطان العثماني وواليه، أي باشا مصر وحاكمها. الجبرتي داعية محمد بن عبد الوهاب في مصر إلا أن الأخبار ستتابع بعد ذلك، وتزداد قناعته، ويتأكد إنحيازه باتضاح سلامة موقفهم المديني، وانطباق سلوكهم على قولهم، ثم بقتالهم ضد عسكر السلطنة الذين يبغضهم الجبرتي أشد البغض، ثم بدخول محمد علي المعركة ضدهم، وهو الذي ناصبه الجبرتي العداء، لما رآه ولمسه من خداعه ومكره وإفقاره الشعب، وعزل قياداته من طبقة الجبرتي، وسيتحول الجبرتي إلى أقوى داعية للسعوديين في القاهرة، وإن كانت المصادر غير متاحة -كما قلنا- لمعرفة مدى انتشار فكرة الوهابية بين المصريين المثقفين، إلا أن موقف الشعب المصري واحتفاءه بالأسرى الوهابيين، بل وكون مصر البلد الإسلامي الذي يضم أكبر عدد من الناس يحملون اسم "عبد الوهاب" بل "محمد عبد الوهاب" كل هذا يدل على أنه إذا لم يكن للوهابيين دعاية نشطة في مصر، أو أن الظروف لم تسمح لهذه الدعاية بالانتشار والتجذر، فعلى الأقل كانت دعاية خصومهم عاجزة كل العجز عن الوصول إلى عقلية الجماهير خلال حرب دامية دامت ٨ سنوات، ثم متقطعة لربع قرن، فما زادت المصرين إلا حبًّا في الوهابية والسعوديين (١).

стр. 76

وقد كان لهذه الدعوة الجديدة كل المزايا التي تؤهلها للسيادة والانتشار، وتجعل كل من يسمع بها مؤهلًا لاعتناقها لاقترابها من فطرته واتفاقها مع صحيح الدين الذي لا يناقض الفكر والعقل، ولكن كانت هناك دعاية ضخمة مغرضة تختلق القصص عن هؤلاء الدعاة الجدد، وتنشر أفكارًا لمعاداتهم في بلاد لا توجد فيها طريقة مثلى لنقل الأخبار إلا عن طريق المسافرين والقوافل، حيث تتضخم القصص عند تكرارها وإعادتها مع التعديل فيها مرة بعد مرة. ولعل الوثيقة التي قرأناها آنفًا والتي سلموها للحجاج المغاربة يبينون فيها وجهة نظرهم، هي الإِعلام الوحيد الذي استطاعوا تقديمه للعالم آنذاك. ناهيك عن أعدائهم وما يملكون من أدوات للحرب الإعلامية تتمثل في الصحف التي تطبع في مصر والشام والعراق وأحيانًا في الحجاز وفي الآستانة وأيضًا باللغات الأوروبية المختلفة في العواصم المختلفة، وكلها موجهة ضد السعوديين وضد أفكارهم الجديدة التي يستهدفون منها نهضة العالم الإسلامي من جديد. لم يكن لدى السعودين إعلام مكافئ: كان من عوامل ضعفهم، أنهم لا يملكون ناصية الكلام يتحدثون به إلى العالم ليشرحوا وجهة نظرهم وما يريدون، في وقت كان أعداؤهم فيه يملكون كل وسائل الكلام آنذاك، فليست لديهم الأداة لنقل أفكارهم إلى العالم الذي يتربص بهم، ويستعدى عليهم جماهير المسلمين في كل بقاع الأرض آنذاك. وقد أحدث هذا سحبًا سوداء كثيفة من الدعاية المغرضة ضدهم، أساسها أحاديث مختلقة وقصص لا أصل لها وقسوة خيالية في التعامل مع أعدائهم، وأنهم

стр. 77

ضد الإسلام والمسلمين، ويريدون هدم المسجد النبوي، ويسبون النبي والعياذ بالله. وكان الأثر الإيجابي لهذه الدعاية السوداء التي انتشرف عبر العالم، أنه إذا قُدِّر لواحد أو أكثر أن يلتقي بهؤلاء الدعاة الجدد ويستمع إليهم، ويرصد سلوكهم، فهؤلاء يكونون خير من يتكلم عنهم، وينشر فضائلهم، ويجذب إليهم عددًا أكبر من الأصدقاء والمؤازرين. فالكلام الأجوف يتبدد مع الزمن برغم ضرره البالغ في وقته، وتظل الحقائق هي الأساس الجيد للبنيان. وقد رأينا هذا في حالة الجبرتي شيخ المؤرخين المصريين في ذلك العصر، كيف كان يستمع إلى البيانات الرسمية، ويدونها في يومياته أو تاريخه كما يسمعها ولكن على حذر، ثم يتحول بعد ذلك، عندما تكشفت له الحقائق، وظهرت له الأمور في وضوح، إلى أن يكون من الذين يدافعون عنهم ويقفون في صفهم، ويتحدى في مؤازرته لهم الملوك الجبابرة، ثم يبقى رأيه فيهم تاريخًا يُقرأ على مَرِّ الأيام والقرون. والذي يبدو أن كتابات الجبرتي تركت في نفوس الناس أثرًا طيبًا عن السعوديين ودعوتهم، وجعلت بعض علماء الأزهر على رأيهم، وصارت لهم في مصر مجموعات على فكرهم وتؤازرهم وتدافع عنهم وتبلغ أخبار أعدائهم إليهم فيأخذون حذرهم قدر استطاعتهم. ***

стр. 78

الجبرتي يدفع ثمن صدعه بالحق يقول الأستاذ محمد جلال كشك: "أستطيع أن أجزم بأن كتابات الجبرتي عن القضية الوهابية هي السبب الأساسي لما نزل به من تنكيل الباشا، إلى حد اغتيال ابنه، وتوقفه عن الكتابة، ثم نهايته الغامضة الظروف" (١). وقال الزركلي في ترجمة الجبرتي: "وقُتل له ولد، فبكاه كثيرًا حتى ذهب بصره، ولم يَطُل عماه، فقد عاجلته وفاته مخنوقًا" (٢). وقال الشيخ أحمد بن عبد العزيز الحصين: "وبلغ حقدهم الدفين على هذه الدعوة المباركة حتى وصل الأمر إلى قتل ابن المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي -وهو ممن يتحمسون لهذه الدعوة- بإيعاز من محمد علي -حاكم مصر- الذي حارب هو وأبناؤه الدعوة -انتقامًا من أبيه لتعاطفه مع الوهابيين" (٣).

стр. 79

تبرئة المصريين من دماء الوهابيين تروج المدارس الاستعمارية لفِرية أن المصريين حاربو االوهابيين، وبدل أن يقول تلامذتها: "جيش محمد علي" يستسهلون وصفه بالجيش "المصري"، مع أن الجريمة يتحملها محمد علي وولداه أما الجيش المصري فلم يكن قد وُلد أصلًا (١). لقد وصف ابن بشر الجيش الذي حارب الوهابيين بأنه (جيش الروم)، وقال الريحاني: "جاء بجيش لا يتجاوز الأربعة آلاف، وفيهم الألباني والمغربي والسوداني، وقد أضاف إليهم في (مروره) بالصعيد ألفين من الفلاحين (للأشغال والخدمة) ". وقال خير الدين الزركلي: وكان اشتعال جذوة الحرب علي يد واليها -أي الدولة العثمانية- بمصر، محمد علي باشا، فوجه جيشًا قوامه الأرناؤوط والانكشارية ممن تمرد على محمد علي، وأراد التخلص منهم، وأعقبه بجيش آخر أرغم فيه بعض المصريين على الانخراط فيه وسماهم "متطوعين" (٢). وهاك نص ابن بشر -يصف تركيبة الجيش بما لا يدع مجالًا للشك في أنها لم تكن حملة (مصرية) يقول ﵀: "وفي هذه السنة أجمع أمراء الروم على المسير إلى الحجاز" .. والرئيس المقدم بهذا الأمر من جهة الروم صاحب مصر محمد علي، فكانت العساكر التي استقلت من مصر من الترك وأهل المغرب وغيرهم نحو أربعة عشر ألف مقاتل أو يزيدون" (٣) اهـ.

стр. 80

وقد سجل ابن بشر معركة الدرعية في (١٥) صفحة، لم يذكر فيها المصريين مرة واحدة، وإنما تحدت عن الحرب مع (الروم) (٤٢) مرة. وهذه رواية شاهد عيان، كابتن بريطاني زار الدرعية عام ١٨١٩ م، ورافق الحملة "المصرية" من الدرعية حتى جُدة .. وكتب المعلومات التالية عن تكوين الجيش "المصري" إلى حكومته في تقرير سري، و"الرائد" الانجليزي لا يكذب أهله! قال الكابتن "سادليير": في حصار إبراهيم باشا للدرعية كانت قواته كالآتي: الفرسان ٨٥٠ ترك وأرناؤوط مع الباشا. ٤٠٠ ترك وأرناؤوط مع آزون علي (هؤلاء قال الجبرتي إنهم الدلاة من الشام ونواحي جبل الدروز). ٣٠٠ ترك وأرناؤوط مع رشو ان أغا. ٤٠٠ بربر (مغاربة). ١٩٥٠ المجموع المشاة: ١٧٢٥ أرناؤوط ٢٥٧٥ ترك ١٣٠٠ بربر (يقصد مغاربة) ٥٦٠٠ المجموع

стр. 81

وقد شهد "فيلبي" أن حملة طوسون كانت تتكون من أربعة عشر ألفًا من الأتراك والمغاربة، فاندحر "الأتراك والمراكشيون"، مع أنه لو وجد أي أثر لمصري واحد لحرص على إبرازه (١). ومن دقة الجبرتي ووعيه لأمانة الكلمة كتب: (في ٢٤ رمضان ١٢٢٧ - أول أكتوبر ١٨١٢، وردت هجانة مبشرون باستيلاء "الأتراك" على عقبة الصفراء الجديدة من غير حرب بل بالمخادعة والمصالحة مع العرب، وتدبر شريف مكة) (٢). والعجيب أن المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي (٣) علَّق على كلمة "الأتراك" قائلًا في نبذة الاعتذار أو العتاب للجبرتي: "كذا يسمى الجيش المصري، وكان الجبرتي يعطف كثيرًا على الوهابين، ويدافع عنهم، وينتقد الحملة عليهم" (٤) اهـ.

стр. 82

تعقيب: - إن تفسير الرافعي لقول الجبرتي (الأتراك) وشرحه بأن المقصود بهم (المصريون) غير مقبول، لمخالفته الحقائق المثبتة تاريخيًّا، كما أنه لم يقل أحد من أهل اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا: إن الأتراك تعني المصريين! - إن ما فعله الرافعي يتناقض مع تصريحه بأنه حتى نهاية الجولة الأولى في تاريخ الدولة السعودية، وهي التي تؤرخ بسقوط الدرعية، لم يذهب مصري واحد للحرب في الأراضي الحجازية، لأن تجنيد المصرين في الجيش لم يبدأ كما تقرر جميع المصادر إلا بعد عام (١٨٢٠م)، وكانت الحرب الوهابية قد انتهت مرحليًّا سنة (١٨١٨ م- ١٢٣٤ هـ). وأول فرقة مصرية أرسلت للحجاز هي التي ذهبت في النصف الثاني من عام (١٨٢٤ م-١٢٤٠ هـ) .. وذلك بعد سقوط الدرعية بخمس سنوات. - إن الرافعي لم يكن هنا موضوعيًّا، بل كان خاضعًا لمؤثرات عاطفية وطنية، فإنه ينتمي إلى مدرسة ظهرت في صفوف الحزب الوطني المصري في نهاية القرن التاسع عشر، وكان من أهم أركانها "محمد فريد" و"عبد الرحمن الرافعي"، وهي مدرسة حسنة النية، لكنها شوهت طبيعة المواجهة بين "محمد علي"، والدولة السعودية، قال الأستاذ محمد جلال كشك ﵀: (فالجيل الذي ينتمي إليه "عبد الرحمن الرافعي"، ومن قبله "محمد فريد"، وبالذات جماعة الحزب الوطني، كان يخوض حربًا قانونية ضد الاحتلال البريطاني، والحجة الأولى التي تسلح بها في دعواه "القانونية"، هي "الطعن" بعدم

стр. 83

"شرعية" الاحتلال! لأن مصر رسميًا جزء من الدولة العثمانية، أو الدولة العلية، ولا يحق لبريطانيا الاعتداء على السيادة العثمانية! وكان هذا التيار يتحرك داخل إطارين، الأول: هو النظر للدولة العثمانية كآخر حاجز في وجه الاستعمار الغربي، حيث تختلط في مفهومهم الخلافة .. بالمسألة الشرقية .. بالعالم الثالث .. الممدد كالفريسة العاجزة، أمام سكاكين الدول الأوروبية، تقطع منه ما شاءت، وليس له من أمل في الدفاع إلا التمسك "بالعروة الوثقى"، أو المناداة بوَحدة شعوبه المتمثلة في أكبر تجمع حضاري، يضمه إطار رسمي، وهو الدولة العلية (العثمانية). والإطار الثاني: هو حب مصر، والتغني بأمجادها بصوت عال، لطرد أشباح الواقع المذل، وبعث الحماسة في شعبها، من خلال الحديث عن انتصارات الماضي، والتأكيد للانجليز أن مصر قادرة على الدفاع عن نفسها، إذا ما سُمِح لها بتكوين جيش، والدليل هو انتصارات الجيش "المصري" من أيام "أحمس" إلى "محمد علي". وفي تاريخ الدولة العلية تأليف "محمد بك فريد" زعيم الحزب الوطني نجد نفس موقف الرافعي تقريبًا) اهـ (١). ...

стр. 84

هل احتفل المصريون بانتصارات "محمد علي "؟ (١) [يدعي الرافعي، أن المصريين كانوا يبتهجون بانتصارات جيش محمد علي في الحجاز: "ولما وصلت إلى مصر أنباء هذا الفتح قوبلت بابتهاج عظيم" (يقصد فتح الشقراء١٣/ ١/ ١٨١٨)، ويستشهد بالجبرتي! مع أن كل ما ورد في الجبرتي هو قوله: "حضر مبشر من ناحية الديار الحجازية يخبر بنصرة حصلت لإبراهيم باشا، وأنه استولى على بلدة تسمى الشقراء". لاحِظ "تسمى" للتقليل من شأنها، وكيف يبتهج الناس بفتح بلدة لا يعرفونها، إلا أن الجبرتي يكمل: "وأن بين عسكر الأتراك والدرعية مسافة يومين" ما دَخْلُنا نحن بعسكر الأتراك؟! ثم يضيف: "فلما وصل هذا المبشر ضربوا بقدومه مدافع من أبراج القلعة"! هذه هي رواية الجبرتي، مبشر جاء بنصر للأتراك، ومدافع من القلعة أطلقت! فأين المصريون من هذا كله؟! ولكن الرافعي مُصر على توريط الجبرتي، فينسب إليه ما لم يقل، بل عكس ما قاله، فينقل وصف الجبرتي لاحتفالات الباشا بانتصاراته، وتجمع المصريين، وهذا التجمع سواء طوعًا أو كرهًا، ظاهرة اجتماعية مصرية، فهم لا يتركون جنازة ولا

стр. 85

محملًا ولا جمعية تعاونية إلا وتجمعوا حولها .. أو "توت حاوي كمان لمه" (١)! "خاصة إذا كان المنادي ينادي، والعسكر يخرجون الناس، والباشا يجري مناورات حربية- بَحَرية، تقوم فيها السفن والمراكب بتمثيل المعارك البحرية، والطبول تدق، والمزامير والنقرازانات في السفن، وطبلخانة (موسيقى) الباشا تضرب في كل وقت، والمدافع الكثيرة تضرب في ضحوة كل يوم وعصره وبعد العشاء، وتوقد المشاعل، وتعمل أصناف كل الحراقات والسواريخ والنفوط، وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء، ويرمون منها المدافع على هيئة المتحاربين". فالباشا فاتح سيرك، أو عامل أراجوز .. والشعب يتفرج، وله فيها مآرب أخرى، ذكرها الجبرتي في أكثر من موضع عند حديثه عن تجمعات المصريين العابثة .. فهل هذا يبيح لمؤرخ أن يستنتج: "وهذا يدلك على عظم تقدير الشعب للانتصارات الحربية، وما تستثيره في النفوس من روح الفخر والعزة، ولا جرم أن الحفلات الحربية هي مظهر من مظاهر تقدم الشعوب، وتقديرها لمفاخرها القومية، وتكريم الفضائل والأخلاق الحربية، فالحفلات التي وصفها الجبرتي تنطوي على هذه المعاني السامية، وليس عجيبًا أن تحتفل مصر بفتح الدرعية، فإن فتحها هو أعظم انتصار نالته في أول حرب خارجية خاضت غمارها في تاريخها الحديث "؟!!

стр. 86

نحن لا حاربنا، ولا انتصرنا، ولا ابتهجنا وها هو شاهد العصر، الشيخ الجبرتي يشهد أن معظم الزينة، كانت من صنع الإفرنج، الذين ابتهجوا لقهر الوهابية، سواء عن وعي بخطورة البعث الذي كانت تمثله، وللرفض الغريزي لكل حركة تنادي ببعث الإسلام، أو لأن جيوش الباشا كانت تفتح الجزيرة لتجارتهم، أو حتى لمجرد منافقة الباشا الذي نالوا في عهده الامتيازات، ما لم يسبق له مثيل. فلنسمع ما قاله الجبرتي في وصف هذه الاحتفالات بعد ورود نبأ استيلاء إبراهيم باشا على الدرعية: "فأكثروا من ضرب المدافع من كل جهة، واستمر الضرب من العصر إلى المغرب، بحيث ضرب بالقلعة خاصة ألف مدفع، وصادف ذلك شنك أيام العيد، وعند ذلك أمر بعمل مهرجان وزينة، داخل المدينة، وخارجها، وتقيد لذلك أمين أفندي المعمار، وشرعوا في العمل وحضر كشاف النواحي والأقاليم بعساكرهم، ونودي با لزينة، وأولها الأربعاء، فشرع الناس في زينة الحوانيت، والخانات، وأبواب الدور ووقود القناديل والسهر وأظهروا الفرح والملاعيب، كل ذلك مع ما الناس فيه من ضيق الحال والكد في تحصيل أسباب المعايش، وعدم ما يسرجون به من الزيت والسيرج، والزيت الحار، وكذا السمن، فإنه شح وجوده، ولا يوجد منه إلا القليل عند بعض الزياتين، ولا يبيع الزيات زيادة عن الأوقية وكذلك اللحم لا يوجد منه إلا ما كان في غاية الرداءة من لحم النعاج الهزيل، وامتنع أيضاً وجود القمح بالساحل وعرصات الغلة، حتى الخبز امتنع وجوده بالأسواق، ولما أُنهي الأمر إلى مَن لهم ولاية الأمر، فأخرجوا من شون الباشا مقدارًا يُباع في الرقع، وقد أكلها السوس، ولا يباع منها أزيد من الكيلة أكثرها مسوس، وكذلك لما شكا الناس من عدم ما

стр. 87

يسرج به في القناديل، أطلقوا للزياتين مقدارًا من السيرج في كل يوم يباع في الناس لوقود الزينة، وفي كل يوم يطوف المنادي، ويكرر المناداة بالشوارع على الناس بالسهر والقود والزينة، وعدم غلق الحوانيت ليلًا نهارًا". فليجتر الرافعي مجد الفخار والعزة، أما شعب مصر، فكان في شغل عن الاحتفال بفتح الدرعية، بأكل القمح السوس، واستجداء زيت الباشا لتشعل به القناديل، تلبية لتعليمات المنادي، وإذا كان الرافعي يده في ماء الأمجاد التاريخية، فإن الجبرتي ومعاصريه كانوا في نار الواقع، لذلك يقول الجبرتي: "وقد ذهب في هاتين الملعبتين (احتفالات الفخر والعزة .. إلخ يسميها الجبرتي "ملاعب") من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر، وأهل الاستحقاق يتظلمون من القشل والتفليس، مع ما هم فيه من غلاء الأسعار في كل شيء وانعدام الأدهان وخصوصًا السمن والسيرج والشحم، فلا يوجد من ذلك الشيء اليسير إلا بغاية المشقة، ويكون على حانوت بعض السمن شدة الزحام والصياح". فلا جرم أن تكون هذه الحفلات الحربية سببًا في زيادة شقاء وتعاسة وضيق المصريين، ويضيف الجبرتي عن هذه الملاعيب: "غالب هذه الأعمال من صناعة الإفرنج والنصارى الأرمن بمصر القديمة وبولاق والإفرنج". ثم يعود فيؤكد ذلك وكأنه يرد على شبهات الرافعي بعد مائة عام: "والذي تولى الاعتناء بذلك طائفة الإفرنج". "وكانت معظمها حيث مساكن الإفرنج والأرمن فإنهم تفننوا في عمل التصاوير والتماثيل وأشكال السيرج". احتفل الأرمن والإفرنج، وابتهج الباشا، وثارت في نفس الرافعي، روح العزة والفخار، أما المصريون: فلا حاربوا ولا ابتهجوا .. بل حارب إبراهيم باشا

стр. 88

الذي لم يكن قد أتقن الحديث بالعربية بعد، وبجنود الأرناؤوط والدلاة، ومرتزقة من شتى الأجناس إلا أبناء مصر، وبخبراء من الإفرنج، فالذي وضع خطط حصار الدرعية، وأشرف على تنفيذها، هو المسيو فيسيير، الضابط الفرنسي الذي سافر مع إبراهيم مع طاقم من الخبراء الأجانب، أو كما يقول الرافعي فرِحًا شاكرًا: إن إبراهيم كان يتميز بصدق نظره، لأنه كان "أول من استعان بخبرة الأوروبيين في الحروب، فاصطحب معه في الحرب الوهابية طائفة من الإفرنج منهم الضابط الفرنسي فيسيير أحد ضباط أركان الحرب، وهذا أمر لم يكن مألوفًا، ولا سائغًا، بين قواد الشرق في ذلك العهد، ولكن إبراهيم باشا بذكائه وحصافته، عرف أن الأمم الشرقية لا تنهض إلا إذا اقتبست خبرة علماء أوروبا وقوادها" .. أي نهضة؟! وأنت تقول إن الوهابية كانت تهدد الدولة العثمانية إذ تنازعها السلطة والسيادة، "وتتهددها بإنشاء دولة عربية قد تنتزع منها الخلافة". هل تحطيم هذه المحاولة، وإزالة هذا "التهديد" (إنشاء دولة عربية تنتزع الخلافة) بمعونة الفرنجة تعتبره نهوضًا للأمم الشرقية؟! على آية حال، إن الرافعي لم يكن سيء النية، ولكنه فاسد التفكير، وأمانته قد فرضت عليه الشهادة للوهابيين بأنهم: "دافعوا دفاع الأبطال عن الرس، بالرغم من قتالهم جيشًا مسلحًا بالبنادق الحديثة، ولم يكن عندهم إلا البنادق من الطراز العتيق الذي يطلق بالفتيلة، ومع ذلك صدوا هجمات الجيش "المصري" (تعبنا من تفنيد ذلك الزعم) ثلاث مرات، وكبدوه خسائر جسيمة، وبلغ عدد قتلاه مدة الحصار ٢٤٠٠ جندي. على حين لم يقتل من الوهابين سوى ١٦٠ مقاتلًا".

стр. 89

وفي الدرعية ورغم خطط الضابط الفرنسي، يشهد الرافعي، أن الوهابيين: "دافعوا عنها دفاع الأبطال، واشترك نساؤهم في القتال، فكان دفاعهم مجيدًا". وهو (الرافعي) يشهد أن أموال "محمد علي" لعبت الدور الأساسي في النصر، إذ اشترت البدو: "ومن الأسباب التي أدت إلى اضمحلال قوة الوهابية، ضعف عبد الله بن سعود، والأموال التي بذلها طوسون، وإبراهيم ومحمد علي واشتروا بها ذمم البدو". فلنترك الرافعي غارقَّاً في البحث عن قشة مجد كاذب لجيش وهمي، لم يولد بعد، وهو لا يحتاج لتلفيق أمجاد، فحروبه في المورة والشام تكفيه فخرًا. ولنعد للشعب المصري الذي عاش حروب محمد علي في الجزيرة العربية، ودفع ثمنها غاليًا من ماله وحرياته ورزقه .. هل كان متعاطفًا مع هذه الحرب، معاديًا لخصوم الباشا؟! كل الوقائع التي أثبتها المؤرخون المعاصرون، تؤكد العكس) اهـ. ***

стр. 90

تعاطف المصرين مع الوهابيين (١) (لقد خرجت مصر كلها، لرؤية الأبطال الوهابيين، والأمراء السعوديين الأسرى، وتحول بيتهم في السيدة عائشة قرب القلعة، إلى مزار، يتدفق عليه المصريون يطلبون بركتهم للشفاء من الأمراض! فقد روى ابن بشر: أنه بعد استسلام فيصل بن تركي، رحلوه إلى القاهرة "فوصلوا إلى المدينة ومنها إلى مصر، وأنزلوه في بيت، وجعلوا عنده حرسًا يحفظونه، وصار في مكانه ذلك يحيي أغلب الليل بالتهجد والصلاة وفي نهاره بين صلاة وتلاوة القرآن. وكان يتردد إليه كثير من أهل مصر إذا كان في أحد منهم ألم أو حمى أو غير ذلك، يأتونه يقرأ عليهم، وكانوا يرون أثر الشفاء من قراءته ودعائمه، ومن أجل ذلك ازداد عندهم تكريمًا وتعظيمًا. ذكر لي أنه لما خرج من ممر في هذه المرة، أنهم يترددون إلى مكانه (حيث كان يعيش) ويزورونه، ويستشفون به". صحيح أن التبرك بالجدران التي كان يسكنها يتعارض مع الإسلام، ولكن ما يعنينا هنا، هو مغزى هذا السلوك، فعامة البلد يؤمنون ببركة .. وصحة دين، بل وقدسية أو وَلاية خصوم واليهم، الذي يدعي محاربتهم لأنهم خوارج، هذا الاعتقاد العلني بصلاحهم وتقواهم، وقربهم إلى الله تعالى؛ هو صرخة رفض يطلقها الشعب المصري -على طريقته- في وجه حاكم مصر، وضد كل دعاياته،

стр. 91

وتخيل الإنكليز يتبركون "بجان دارك" الأسيرة، أو الألمان يطلبون بركة "ديجول" لأولادهم!). وفي موقف آخر يقول الجبرتي ﵀: قاتل الشريف غالب على رأس عساكر الأتراك والعربان، واستطاع أن يهزم صهره المضايفي الذي كان قد انضم للوهابيين، فلما أسره الشريف: "وضع في رقبته الجنزير". "ليأخذ بذلك وجاهة عند الأتراك الذي هو على ملتهم، ويتحقق لديهم نصحه، ومسالمته إياهم. وسيلقى منهم جزاء فعله ووبال أمره كما سيتلى عليك بعضه بعد قليل". الجبرتي ليس على "ملة" الأتراك، وهو يتربص الدوائر بالشريف غالب الموالي للأتراك، ويتشفى فيه لما أصابه على يد الباشا محمد علي، ممثل السلطة التركية .. ولكن الصورة لا تكتمل إلا إذا عرفنا رأي الجبرتي في "المضايفي" الوهابي الأسير .. فلعل تعليقه هو من باب كراهيته الباشا والشريف .. جاء "المضايفي" أسيرًا في ١٥ ذي القعدة ١٢٢٨: "وصل عثمان المضايفي صحبة المتسفرين معه إلى الريدانية آخر الليل، وأشيع ذلك، فلما طلعت المشمس ضربوا مدافع من القلعة إعلامًا وسرورًا بوصوله أسيرًا، وركب صالح بيك السلحدار في عدة كبيرة، وخرجوا لملاقاته وإحضاره، فلما واجهه صالح بيك نزع من عنقه الحديد، وأركبه هجينًا، ودخل به المدينة ... فلما دخل عليهم أجلسوه معهم، فحدثوه ساعة، وهو يجيبهم من جنس كلامهم بأحسن خطاب، وأفصح جواب، وفيه سكون وتؤدة في الخطاب، وظاهرٌ عليه آثار الإمارة والحشمة والنجابة، ومعرفة مواقع الكلام، حتى قال الجماعة

стр. 92

لبعضهم البعض: يا أسفا على مثل هذا إذا ذهب إلى إسطمبول يقتلونه .. ثم توجهوا به إلى بولاق، وأنزلوه في السفينة مع نجيب (مبعوث السلطان)، ووضعوا في عنقه الجنزير، وانحدروا طالبين الديار الرومية"! مع من يجب أن نكون ؟ مع أبطال الجزيرة العربية .. الذين يقاتلون عن "دينهم ووطنهم" .. أم قتلة وجلادي الديار الرومية؟ إلا أنه مما يثير الانتباه، ليس فقط "الجبرتي" المنحاز بوضوح للوهابين، وإنما المثير هو موقف جهاز محمد علي، المتأسِّف على قتل الأتراك في إسطمبول لهذا العربي الذكي، وقد يكون ذلك شعور الجهاز العامل في القاهرة، تحت تأثير ضميرهم الإسلامي، إلا أننا نلاحظ أيضًا أن محمد على وجهازه وأولاده كانوا يسلكون في معاملتهم للعناصر الوهابية، خارج ميدان القتال سلوكًا مختلفًا إلى حد كبير عن السلوك المعتاد من السلطات العثمانية في معاملة الأسرى، وبالذات الذين تعتبرهم متمردين .. وتفسير هذا الموقف، يحتاج لدراسة شديدة التعقيد، ولكننا سنجد عليه أكثر من شاهد ودليل، سواء في الجبرتي أو ابن بشر .. وأن كانت هناك بالطبع فظائع في القتال، وفي تحطيم المقاومة، في حدود الأساليب المتعارف عليها وقتها، وإنما الفارق هو في المشروعية، فالوهابيون كانوا يقاتلون في سبيل وطنهم ولصالح المستقبل العربي والإسلامي، بينما محمد علي وأولاده كانوا مجرد أداة لضرب ذلك كله .. ومن ثَمَّ لا تجوز مقارنة كربلاء بالدرعية ..

стр. 93

كان من المستحيل أن يسكت الباشا على صوت الجبرتي المعادي، خاصة بعد ما فرغ من الجزء الرابع، وتناولته الأيدي بالنسخ، وفيه ما فيه من سب لعسكر الباشا، ومدح لجميع الأسرى الذين وصلو اللقاهرة، وقد رأينا مدحه "للمضايفي" ثم مدح "طامي" الذي قاتل وانتصر في بلدة قنفذة، ثم احتال عليه عميل للباشا حتى اعتقله وباعه له، فدخلوا به القاهرة: "وهو راكب على هجين، وفي رقبته الحديد والجنزير مربوط في عنق الهجن، وصورته رجل شهم، عظيم اللحية، وهو لابس عباءة عبداني، ويقرأ وهو راكب". فوفقًا لتاريخ الجبرتي، نجد أن كل خصوم الدولة، أبطال تلوح عليهم الشهامة والنجابة، أتقياء لا تفتر ألسنتهم عن ذكر الله .. أما عسكر الباشا فهم كما رأينا من وصفه القاسي .. بل إن تشهير الجبرتي، يمتد ليشمل أولاد الباشا نفسه، فهو يسخر منهم، ومن كبار المسؤولين، لما خلعوه على أنفسهم من ألقاب فهو لا يعجبه قولهم عن أنفسهم: "مجاهدون وعائدون من غزو الكفار، وأنهم افتتحوا بلاد الحرمين، وطردوا المخالفين لديانتهم، حتى أن طوسون باشا، وحسن باشا، كتبا في إمضائهما على المراسلات بعد اسميهما لفظة (المغازي) والله أعلم بخلقه". صحيح ... ولكنك (١) أيضًا، بفضل الله، علمتَ، وما كتمتَ علمك، ومنك علمنا أنك رفضت دعواهم، وأنك أفضل من كتب عن الوهابين.

стр. 94

وأخيرًا فإن هذا الجزء الذي طرحه الجبرتي للتداول يتضمن مقابلة الجبرتي للأمراء السعوديين عندما جاءوا إلى مصر. وقد أقر الجبرتي على نفسه بأنه اجتمع بهم مرتين، اجتمع بزعيميهما عبد العزيز وعبد الله .. وربما رافقهما في زيارتها للأزهر، وإن لم يذكر ذلك صراحة، كما فعل بالنسبة للاجتماعين، وإن كان قد وصف زيارتهما للجامع الأزهر كمن رأى .. فقال: "لما دخلوا الجامع سألوا عن أهل مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه، فقيل انقرضوا من أرض مصر بالكلية، واشتريا نسخًا من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الستة المجمع على صحتها وغير ذلك". ويقول الجبرتي إنه اجتمع بهما مرتين: "فوجدت منهما أنسًا وطلاقة لسان وتضلعًا ومعرفة بالأخبار والنوادر، ولهما من التواضع وتهذيب الأخلاق وحسن الأدب في الخطاب والتفقه في الدين، واستحضار الفروع الفقهية، واختلاف المذاهب فيها، ما يفوق الوصف، واسم أحدهما عبد الله، والآخر عبد العزيز، وهو الأكبر حِسًّا ومعنى". صدقت وبررت يا شيخنا: صدقتَ، وأنف الباشا وقادته من الترك والألبان في الرَّغام .. صدقت، وإن كلفتك هذه الاجتماعات، التي رصدها جواسيس الباشا الذي كان يملك بلا شك، أدق جهاز مخابرات في الشرق، وكذلك ما كتبته، ولابد أنه ترجم للغة الباشا في أحد التقارير .. كلفتك حياتك إلا أنهما صانت شرف الكلمة، شرف علم التاريخ، وشرف المثقف المصري.

стр. 95

وصل عبد الله بن سعود أسيرًا، وسلم ما كان بحوزة أبيه من مجوهرات الحجرة النبوية، ورحَّلوا عبد الله إلى الآستانة حيث أعدمه الأتراك رغم شفاعة محمد علي، ويتحدى الجبرتي السلطان، فيسجل أن ضحاياه من السعوديين "ذهبوا مع الشهداء" (١). صدقتَ .... وهل من شهادةٍ أكرم من شهادة من مات عن دينه وقومه ووطنه وأهله في الحاضر والمستقبل؟! "وجاء بواقي الوهابية بحريمهم وأولادهم وهم نحو الأربعمائة نسمة وأسكنوا بالقشلة التي بالأزبكية، وابن عبد الله بن سعود بدار عند جامع مسكة هو وخواصه من غير حرج عليهم، وطفقوا يذهبون ويجيئون ويترددون على المشايخ وغيرهم، ويمشون في الأسواق، ويشترون البضائع والاحتياجات". كانت الحركة الوهابية معارضة لتيار التاريخ، أي لاتجاه الأحداث نحو سقوط العالم الإسلامي في قبضة الغرب، ومن ثم كانت هزيمتها نتيجة منطقية، وانتصارها هو الأعجوبة. كذلك كان صوت الجبرتي، نشازًا في اللحن الجنائزي للحريات الذي كانت تكتب نوتته في القلعة على يد طبلخانة الباشا وجلاوزته .. وكان لا بد أن يخنق الصوت: "قتلوا ابنه ثم مات هو".

стр. 96

لا أحد يدري أمات حزنًا على ابنه، وانهيار الحُلْم الوهابي؟! أم - كما هو شائع بجرعة من السموم التي كان أطباء الباشا من الفرنجة يعدونها لترسانته؟! (١). وبقيت الصفحة المشرفة .. صفحة حركة عربية - إسلامية مجاهدة لتحرير الوطن العربي وتوحيده تحت راية الإسلام. وصفحة مؤرخ أنصف هذه الحركة وبرأ ساحة المصريين من دمها الطاهر الذي سفحه باشا تركي بجند الدولة العثمانية] اهـ ...

стр. 97

نبأ سقط من ذاكرة التاريخ: الوهابيون يعبرون البحر الأحمر لنصرة المصريين ضد حَمْلَتَيْ نابليون وفريزر يقول الأستاذ محمد جلال كشك: (هناك نقطة نريد أن نتوقف عندها قليلًا، وإن كان جميع المؤرخين قد تفادوها "بحسن نية" وبراعة يحسدون عليهما .. ! ألا وهي موقف "السعوديين" من الغزو الفرنسي لمصر .. لماذا لم يساعدوا الدولة العثمانية، أو الشعب المصري في مقاومته للاحتلال الفرنسي؟ وهذه هي أول حملة صليبية في العصر الحديث، وأول احتلال سافر من الاستعمار الأوروبي، ومقاومة باسلة من بلد عربي .. هي مصر "عُشُّ العلماء" كما كان يسميها الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" ... لنبدأ بالحملة الفرنسية على مصر .. التي دامت من عام ١٧٩٨ إلى ١٨٠١، وفي تلك الفترة كان الأشراف يشكلون حاجزًا بين الدولة السعودية والمقاومة في مصر، وذلك بسيطرتهم على الحجاز. ولكن جماهير المسلمين في الجزيرة اشتركت على نحو بارز في دعم المقاومة المصرية للاحتلال الفرنسي رغم إرادة الأشراف، ورغم علاقتهم الطيبة مع الفرنسيين" .. قال هيرولد: "كان أرهب إمداد وصل للمماليك، هم المقاتلون القادمون من الحجاز، الذين عبروا البحر الأحمر بالألوف، وقد تبين أن كثيرًا منهم

стр. 98

من الحجاج المغاربة، ولكن أكثرهم -وأشدهم تعصبًا بالطبع- عرب خُلَّص من شبه الجزيرة") (١). يقول الأستاذ أحمد رائف في "الدولة السعودية": "وقد رأيناهم -أي السعوديين- يدافعون مع المصرين ضد الفرنسين إبان الحملة الفرنسية في سبيل الإسلام، ورأيناهم مرة أخرى على أسوار رشيد يدافعون ضد حملة فريزر الإنجليزية عام ١٨٠٧ م، حتى منعهم ومنع غيرَهم باشا مصر، وأفهمهم أن حق الحرب والقتال والدفاع ليس مباحًا لأي أحد، بل هو خالص للأتراك والأرناؤوط (٢). وهذا الاختلاط العملي نقل الكثير من سلوكهم وأفكارهم إلى الناس، فتأثروا بهم، واعتنقوا مبادئهم، وقد رأينا في الحملات التي ذهبت إلى جزيرة العرب بغرض القضاء على دولة السعوديين، كيف تخلف الكثير

стр. 99

من المصريين، وانضموا إلى من جاءوا يحاربونهم (١)، وكذلك فعل عدد من الأتراك والأرناؤوط، ولم يفعل هذا هؤلاء الناس طمعًا في مال السعوديين، فلم يكن للسعوديين مال في ذلك الوقت، ولم يكن هناك نفي أو دولار أو ريال، فقد فعلوا هذا بالتأكيد حرصًا على الوقوف في معسكر التوحيد، تاركين بلادهم المتحضرة ومدنهم العامرة إلى هذه الصحراء القاحلة، ثم ذابوا في صفوفهم، ولم يعد لهم أثر على مر السنن" (٢). ...

стр. 100

قمة التعاطف المصري الوهابي ويتمثل هذا التعاطف هذه المرة في موقف حفيد "محمد علي" وهو "عباس باشا ابن طوسون بن محمد علي" ثالث الولاة من أسرة محمد علي بمصر، ولد بجُدة، ونشأ بمصر، وتولى الحكم بعد وفاة عمه إبراهيم باشا في أواخر سنة ١٢٦٤هـ، وكان شديد البغض للأوربيين حذرًا من دسائسهم، أنجد الترك العثمانيين بخمسة عشر ألف مقاتل في حربهم مع الروس، المعروفة، بحرب القرم .. وفي أيامه نُفي السحرة والدجالون والمشعوذون إلى السودان، وقد قُتِل بقصره في بنها سنة (١٢٧٠هـ،١٨٥٤ م) -رحمه الله تعالى- (١). (وكان "محمد علي" قد أرسل أول بعثة مصرية إلى فرنسا، وكانت تتكون من أربعين شابًّا من الأتراك والمصريين، زاد عددهم فيما بعد، ولما عاد أعضاء البعثة اعتمد عليهم "محمد علي"، وأحلهم محل الأجانب، ومضى أبناؤه من بعد على ذلك في الاهتمام بأمر مصر التي أصبحت ملكًا لهم، حتى وصل الأمر إلى حفيده "إسماعيل بن إبراهيم" الذي كان يقول: "إن بلادي ليست من أفريقيا، بل هي جزء من أوروبا". ولم يشذ عن هذا الخط من أبناء "محمد علي" إلا خليفتهُ وابنُ ابنه الأكبر "طوسون" الذي ولي بعد وفاة "إبراهيم باشا": وهو "عباس باشا الأول" ﵀.

стр. 101

ولقد كان هذا الرجل قد تربى تربية دينية شرقية، وعُرف عنه بغضه للفرنساويين، وبلغ به الأمر إلى أن عمل على إيقاف إيفاد البعثات إلى فرنسا، واتخذه الأوربيون عمومًا -ولا سيما في فرنسا- التي كانت تعرف بغضه لها- هدفًا لسهامهم. لذلك يقول عنه بروكلمان: " إنه كان مسلمًا متعصبًا يزدري التربية الأوربية ازدراءً بعيدًا"، ويتهمه بأنه كان طاغية، والحق أنه كان متدينًا تقيًا. ويدل على ذلك أمران: أحدهما: قبل ولايته؛ فقد استطاع "عباس الأول" محافظ مصر آنذاك لجده "محمد علي" أن يخرج الوهابيين من أبناء ابن سعود (١) والذين سجنهم "محمد علي" في القلعة بحيلة دبرها، ولم يستطع الجنود أن يخبروا "محمد علي" إلا بعد ثلاثة

стр. 102

أيام خوفًا منه، ولكنه على كل حال لم يفعل شيئًا لأنه كان يثق بعباس، ومنذ ذلك الحين صار عباس صديقًا حميمًا لفيصل بن سعود إلى نهاية حياتههما. ولا ريب أن انتشار أئمة الدعوة في مصر كان له الفضل الأكبر في سريان حقائق الدعوة هناك، ولا سيما أن هؤلاء "الوهابيين" كانوا طلبة علم، فالتحقوا بالأزهر، ودرسوا فيه، ودرَّسوا ... والأمر الآخر: أن "عباسًا الأول" كان الوحيد من أولاد "محمد علي" الذي كان يتردد إلى المساجد في شهر رمضان لاستماع الدروس والمواعظ الدينية، وفي أيام "عباس باشا" لم يكن أحد يستطيع أن يسير في الشوارع وقت الصلاة وإلا تعرض لسياط "الشاويشية" الأتراك، جنود عباس، وفيما عدا عباسًا كان أبناء "محمد علي" جميعًا يميلون إلى أبيهم "محمد علي الكبير" ويتبعون سياسته في الحكم مائلين إلى الغرب) (١) اهـ ...

стр. 103

موقف الشيخ محمد رشيد رضا من الوهابية (١) لم يعرف الشيخ "رشيد" عن دعوة "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" في الشام إلا ما يعرفه عامة الناس آنذاك، وما تتناقله الألسن من الكذب والافتراء على دعوة "الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، ولم يعرف الشيخ "رشيد" حقيقة هذه الدعوة إلا بعد قدومه مصر، واطلاعِه على تاريخ الجبرتي، ولقد وصلت دعوة الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" إلى مصر عن طريق أولاده وأحفاده الذين أتى بهم واليها "محمد علي" ومعهم علمُهم وكتبهم، لقد قدم إلى مصر عدد كبير من أسرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ودرس بعضهم في الأزهر، وكانوا طلقاء يمشون بين الناس، ولهذا السبب، ولأنهم دَرَسوا في الأزهر، ودرَّسوا، وصنفوا، انتشرف هذه الدعوة بمصر، وعُرفت. لقد بقى "عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب" (٢) تلميذ الجبرتي مدة ثمان سنوات في مصر قبل عودته إلى وطنه في سنة (١٢٤١ هـ)، وبقي ابنه "عبد اللطيف" ثلاثين عامًا في الأزهر.

стр. 104

ومن هذا يتضح أن دعوة الشيخ محمد وصلت مصرَ مبكرًا، وهناك عرفها الشيخ رشيد على حقيقتها، فماذا عرف عنها؟ قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: "كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة (دحلان) هذا وأمثاله، فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين، ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم، وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر، والاطلاع على تاريخ الجبرتي، وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها، ولاسيما تواريخ الإفرنج، الذين بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها، وصرَّحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذًا تجدد مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفًا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى" (١). وقال ﵀ أيضًا- في حق الوهابية: (ونحن كنا نصدق هذه الإشاعات التي أشاعتها السياسة التركية عنهم .. وقد طبعت كتبهم وكتب أنصارهم في عصرنا، فلا عذر لأحد في تصديق الحشوية

стр. 105

والمبتدعة وأهل الأهواء منهم، وقد ذكرت هذه الإشاعات مرة بمجلس الأستاذ الأكبر الشيخ أبي الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في إدارة المعاهد الدينية، فاستحضرت لهم نسخًا من كتاب "الهدية السنية"، فراجعها الشيخ الأكبر، وعنده طائفة من أشهر علماء الأزهر، فاعترفوا بأن ما فيها هو عين مذهب أهل السنة والجماعة) اهـ (١). يقول الشيخ رشيد: "لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها، بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ... ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ ، وترك البدع والمعاصي، وإقامة شرائع الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة ... " (٢). وقال الأمير شكيب أرسلان (٣):

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 107

تصدى رشيد رضا للدعاية المناوئة لعلماء نجد، وعندما انتشرت الأراجيف ضدهم بعد افتتاح الطائف وزع ألوفًا من رسالة "الهدية السنية والتحفة النجدية"، -وهي تضم خمس رسائل-. ونشر مقالات في الدفاع عنهم، والرد على خصومهم، وقد قال له شيخ الأزهر أمام ملأ من العلماء: "جزاك الله خيرًا بما أزلت عن الناس من الغمة في أمر الوهابية" (١). إنه لا يسع منصفًا -مهما اختلف مع الشيخ رشيد رضا (٢) - إلا أن يقر بأنه "أبو السلفية" في مصر، وأن له في عنق السلفيين -شاءوا أم أبوا، شكروا له أو

стр. 108

جحدوا- مِنّةً وفضلًا، وآية ذلك دوره الرائد في نشر التراث السلفي، ومنافحته عن عقيدة السلف، ورموزها ممثلة في شيخي الإسلام ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وذلك من خلال مجلته "المنار" (١). لقد بدأ رشيد رضا الدفاع عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١٣٢٠ هـ (١٩٠٣ م)، ففي تلك السنة أقيمت بمصر احتفالات بمناسبة مرور مائة عام على مُلك أسرة "محمد علي" على مصر، وزُيِّنَتَ المساجد والجوامع بالأنوار، فهاجم رشيد ذلك العمل، وقال: "إن المساجد بيوت الله، ولا يصح أن تُزَين للاحتفال بذكرى الملوك والأمراء المستبدين"، ثم تطرق إلى مساوئ سياسة "محمد علي"، ومنها قتاله للوهابيين وقضاؤه عليهم، وهم الذين نهضوا بالإصلاح الديني في جزيرة العرب مهدِ الإسلام ومعقله" (٢) اهـ وقال أيضًا ﵀: "هذه نُبذة صحيحة من تاريخ مجدد الإسلام في القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب، وقد اتفق الواقفون على تأثير ذلك الإصلاح من مؤرخي الشرق والغرب على أنه يشبه نشأة الإسلام الأولى، وأنه لولا الموانع التي اعترضته لجدد للإسلام مجده الديني والدنيوي معًا، وأعظم تلك الموانع: مقاومة الدولة العثمانية

стр. 109

له، ومساعدة محمد علي باشا لها على قتال الوهابيين، وتدمير قوتهم، وكان المحرك الخفي لهذه المقاومة دولة الدسائس الشيطانية -يقصد بها بريطانيا- وعدوة الشرق ولاسيما الأمة الإسلامية" (١) اهـ. " الألباني" حسنة من حسنات "رشيد رضا " طالما لهج العلامة السلفي مجدد شباب السنة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- بالاعتراف بفضل الشيخ السيد محمد رشيد رضا عليه، وكيف كانت "مجلة المنار" الباب الذي ولج منه إلى علم الحديث. يقول الشيخ محمد المجذوب في كتابه القيم "علماء ومفكرون عرفتهم" من حديث دار بينه وبين الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: " ... وركز الشيخ من بين المُوَجِّهين له على السيد رشيد رضا ﵀، الذي يعتبره من أكبر الرجال أثرًا في دفعه إلى دراسة الحديث الشريف". يقول الشيخ ملخصًا صلته العلمية بالسيد رشيد رضا على نحو ما يحدثنا الأستاذ المجذوب: "أول ما ولعت بمطالعته من الكتب القصص العربية كالظاهر وعنترة والملك سيف وما إليها، ثم القصص البوليسية المترجمة كأرسين لوبين وغيرها، ثم وجدت نزوعًا إلى القراءات التاريخية.

стр. 110

وذات يوم لاحظت بين الكتب المعروضة لدى أحد الباعة جزءًا من مجلة المنار فاطلعت عليه ووقعت فيه على بحث بقلم السيد رشيد رضا يصف فيه كتاب الإحياء للغزالي، ويشير إلى محاسنه ومآخذه. ولأول مرة أواجه مثل هذا النقد العلمي فاجتذبني ذلك إلى مطالعة الجزء كله، ثم أمضي لأتابع موضوع تخريج الحافظ العراقي على الإحياء ورأيتني أسعى لاستئجاره لأني لا أملك ثمنه. من ثم أقبلت على قراءة الكتاب، فاستهواني ذلك التخريج الدقيق حتى صممت على نسخه، وهكذا جهدت حتى استقامت لي طريقة صالحة تساعد على تثبيت تلك المعلومات، وأحسب أن هذا المجهود الذي بذلته في دراستي تلك هو الذي شجعني وحبب إليَّ المضي في ذلك إذ وجدتني أستعين بشتى المؤلفات اللغوية والبلاغة وغريب الحديث لتفهم النص إلى جانب تخريجه". ويتابع الأستاذ المجذوب. "وقد أطلعني الشيخ على عمله في ذلك النسخ، فإذا أنا تلقاء أربعة أجزاء في ثلاثة مجلدات، تبلغ صفحاتها ألفين واثنتي عشرة في نوعين مختلفين من الخط: أحدهما عادي والثاني دقيق علق به في الهوامش تفسيرًا أو استدراكًا. ولعمر الحق إنه لمجهود يعجز عنه أولو العزم من أهل العلم في هذه الأيام، ناهيك بطلبة الجامعات ممن لا يملكون أي عزيمة تسعفهم بالصبر على التحقيق والمتابعة.
следующие страницы →