← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بنظم الحروف وبكتبها، ويبقى عند المكتوب والحفظ ويقوم باللوح المحفوظ وبكل مصحف وكل لسان. ومع هذا فهو واحد لا يزداد بازدياد المصاحف ولا ينتقص بنقصانها ولا يبطل ببطلانها. والحاصل أنه انتظم من هذه المقدمات قياسان: ينتج أحدهما قدم كلام الله تعالى، وهو أنه من صفات الله وهى قديمة، والآخر حدوثه، وهو أنه من جنس الأصوات وهى حادثة. فاضطر القوم إلى القدح فى أحد القياسين. ومنع بعض المقدمات ضرورة امتناع حقية النقيضين فمنعت المعتزلة كونه من صفات الله، والكرامية كون كل صفة قديمة، والأشاعرة كونه من جنس الأصوات والحروف، والحشوية كون المنتظم من الحروف حادثا. ولا عبرة بكلام الكرامية والحشوية، فبقى النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو فى التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأن القرآن هو هذا المؤلف من الحروف الذى هو كلام حى، وإلا فلا نزاع لنا فى حدوث الكلام الحسى، ولا لهم فى قدم النفسى لو ثبت، وعلى البحث والمناظرة فى ثبوت الكلام النفسى، وكونه هو القرآن ينبغى أن يحمل ما نقل من مناظرة أبى حنيفة وأبى يوسف ستة أشهر، ثم استقرار رأيهما على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. (٢٩) أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 107

مصادر إضافية لمزيد من البحث والاطلاع (١) الإتقان فى علوم القرآن، للحافظ جلال الدين السيوطى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة عيسى الحلبى، الطبعة الأولى. (٢) البرهان فى علوم القرآن، لبدر الدين الزركشى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط عيسى الحلبى، الطبعة الأولى. (٣) البيان فى مباحث من علوم القرآن، للأستاذ الدكتور عبد الوهاب غزلان، ط دار التأليف، الطبعة الأولى. (٤) التلويح، لسعد الدين التفتازانى، على التوضيح لصدر الشريعة وحواشيه للفنرى وملا خسرو وغيرهما. (٥) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبى ط دار الكتاب، الطبعة الثانية. (٦) حاشية البنانى على شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع، لتاج الدين السبكى، ط مصطفى الحلبى، الطبعة الأولى. (٧) حاشية سعد الدين التفتازانى على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب، نشر مكتبة الكليات الأزهرية. (٨) حاشية الخضرى على ابن عقيل، ط الحلبى، الطبعة الأولى. (٩) حاشية الشيخ محمد عبده على شرح الجلال الدوانى للعقائد العضدية، ط الخيرية. (١٠) روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، لمحمود بن عمر الآلوسي، ط المنيرية. (١١) شرح المقاصد للتفتازانى. (١٢) شرح المواقف وحواشيه، ط اسطنبول، الطبعة الأولى. (١٣) مباحث فى علوم القرآن، للدكتور صبحى الصالح، ط دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى. (١٤) مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للإمام الرازى، ط المنيرية. (١٥) مفردات القرآن، للراغب الأصفهانى، ط مصطفى الحلبى، الطبعة الأولى. (١٦) مناهل العرفان فى علوم القرآن، للدكتور محمد عبد العظيم الزرقانى، ط عيسى الحلبى، الطبعة الثانية. (١٧) النبأ العظيم، للدكتور محمد عبد الله دراز، نشر مكتبة عمار. وغير ذلك.

стр. 108

مسألة: «نزول القرآن على سبعة أحرف» هذا الموضوع من أصعب الموضوعات وأشدها على المحدثين وعلماء القرآن، فإنه على الرغم من رواية الجمّ الغفير من الصحابة لهذه القضية عن النبى ﷺ حتى عدّ من روايتها السيوطى فى كتابه «الإتقان» واحدا وعشرين صحابيا (١)، بل حتى أورد السيوطى فى «إتقانه» رواية أبى يعلى فى «مسنده» الكبير أن عثمان قال على المنبر: أذكّر الله رجلا سمع النبى ﷺ قال: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف». لما قام فقاموا، حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معهم (٢). نقول: على الرغم من هذا، فإن أحدا من أولئك الصحابة لم يسأل النبى ﷺ عن التحديد الضابط لهذه الأحرف السبعة، والمعين لها واحدا بعد واحد حتى تبلغ سبعة لا تزيد ولا تنقص، بل اكتفوا بتصويبه ﷺ لكل من المختلفين فى القراءة بقوله: «هكذا أنزلت». ونحوه، ودفعه لكل نزغة من شك يمكن أن يوسوس بها الشيطان فى الصدور تجاه هذا التصويب، بإخباره إياهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كما هى عادتهم- رضوان الله عليهم- فى عدم إلحاح المسألة عليه ﷺ ، ولا سيما فيما لا تدعو إليه الضرورة. فمن ثم اختلف الناس فى شأن هذه السبعة الأحرف اختلافا عظيما، بلغ به ابن حبان خمسة وثلاثين قولا، عدّ منها القرطبى خمسة فى مقدمة «تفسيره» (٣)، ثم زاد السيوطى على هذا كله فبلغ فى «إتقانه» بهذا الاختلاف أربعين قولا ذكرها جميعا. والناظر إلى هذه الأقوال- المتشعبة الخلاف فيما بينها تشعبا شديدا- نظرة إجمالية، يجدها بين قائل بعدم انحصار عدد هذه الأحرف فى سبعة، وإنما الأمر فى هذا هو على التسهيل والتيسير، ولفظ (السبعة) يطلق على إرادة الكثرة فى الآحاد، كما يطلق السبعون فى العشرات، والسبعمائة فى المئين ولا يراد العدد المعين. قال الحافظ فى «الفتح»: (وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه) (٤). وبين قائل بانحصار العدد فى سبعة بالفعل، ثم لا يحاول أن يخطو خطوة وراء هذا فى تفسير هذه الأحرف، بل يقول: هذا

стр. 109

الحديث هو من المشكل الذى لا يدرى معناه، من قبيل أن الحرف من المشترك اللفظى، فإن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا، وتسمى القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف أيضا: المعنى والجهة. قاله أبو جعفر محمد ابن سعدان النحوى (٥). وهو أيضا مختار السيوطى حسبما يفصح عنه قوله فى «شرح سنن النسائى»: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، والمراد به أكثر من ثلاثين قولا حكيتها فى «الإتقان»، والمختار عندى: أنه من المتشابه الذى لا يدرى تأويله (٦). وكذلك الشيخ ولى الله الدهلوى حيث قال في «شرحه على الموطأ» ما حاصله: «إن ما تقرر عندى وترجح فى هذا الاختلاف أن ذكر السبع فى الحديث لبيان الكثرة لا للتحديد» (٧). وبين قائل: هى سبعة مفسرة، ثم يتعدد القول فى تفسيرها حتى تبلغ الأقوال بعد القولين الآنفين ثمانية وثلاثين عددا فيتممها أربعين على ما عددها السيوطى. ونحن بطبيعة الحال ليس من مقصودنا فى هذه الصفحات أن نستقصى جميع الأقوال مع ضعف أكثرها، بل مقصودنا تجلية المعنى المقصود بالأحرف السبعة، وتحقيق القول فيها، وسبيلنا إلى تحقيق هذه الغاية أن نسوق بعض الروايات الفصل عن النبى ﷺ فى قضيتنا هذه، لنستخلص منها ما يهدينا- إن شاء الله- إلى الصواب، على نحو ما صنع شيخ أشياخنا الزرقانى فى «مناهله»، وقد استوعب الروايات فى هذه المسألة- أو كاد- الحافظ ابن كثير فى كتابه «فضائل القرآن» من ص ١٦ حتى ص ٢١. وسنقتصر من ذلك على أيسر ما يتم به مقصودنا: روى الشيخان- واللفظ للبخارى- عن ابن عباس- رضى الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأنى جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف». زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغنى أن تلك السبعة الأحرف إنما هى فى الأمر الذى يكون واحدا لا يختلف فى حلال ولا حرام (٨). حديث آخر: روى الشيخان- واللفظ للبخارى- من فضائل القرآن عن عمر بن الخطاب يقول: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره فى الصلاة، فتصبرت حتى سلّم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة

стр. 110

التى سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إنى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ يا هشام». فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التى أقرأنى فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت». إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». (٩) وكذا وقع لأبيّ مع آخرين، يقرأ كل منهما بغير قراءة صاحبه فى سورة النحل- كما عند الطبرى- واحتكامهم إلى رسول الله ﷺ ، وتصويبه ﷺ لقراءتهم جميعا، وضربه ﷺ فى صدر أبىّ دفعا لما اعتراه من الشك، وقول النبى ﷺ فى آخر الحديث فقال لى: «يا أبىّ، أرسل إلىّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هوّن على أمتى، فردّ إلىّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هوّن على أمتى، فردّ إلىّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها». الحديث أخرجه مسلم. ونحوا من هذا الاختلاف فى القراءة وتصويب النبى ﷺ لكلّ، وقع لعبد الله بن مسعود وعمرو بن العاص إلى غير ذلك من وقائع الاختلاف والتصويب التى صحت فى هذه القضية. حديث آخر: روى مسلم بسنده عن أبىّ بن كعب أن النبى ﷺ كان عند أضاة بنى غفار. قال: «فأتاه جبريل- ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف. فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» (١٠). وقد بين النبى ﷺ السبب الذى من أجله لا تطيق أمته نزول القرآن على ما دون سبعة أحرف فى حديث الترمذى عن أبىّ قال: «لقى رسول الله ﷺ جبرائيل، فقال: يا جبرائيل إنى بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف». قال الترمذى: وفى الباب عن

стр. 111

عمر وحذيفة بن اليمان وأبى هريرة وأم أيوب- وهى امرأة أبى أيوب الأنصارى- وسمرة وابن عباس وأبى جهم بن الحارث بن الصمة. هذا حديث حسن صحيح قد روى عن أبيّ بن كعب من غير وجه (١١). أ. هـ. ما نستخلصه من هذه الأحاديث: ١ - أن حقيقة العدد سبعة مرادة قطعا، ومن زعم عدم الانحصار فيه فقد خالف صريح المنطوق. ٢ - أن السبعة أحرف كلها منزلة، متساوية فى كل الأحكام الخاصة بالتلاوة والإعجاز. ٣ - أن نزول القرآن على سبعة أحرف سببه التيسير على الأمة والتخفيف عليها وإجابة لقصد نبيها حيث أتاه جبريل فأمره أن تقرأ أمته القرآن على حرف، فطلب منه رسول الله ﷺ أن يسأل الله- المعافاة لأمته لأنها لا تطيق ذلك، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف. ولأن النبى ﷺ أرسل للناس كافة فسيعسر على الناس الانتقال من لغتهم إلى لغة أخرى؛ ولذلك خفّف عن هذه الأمة بالأحرف السبعة؛ ولذا اختلف العلماء فى جواز القراءة بلغة غير العربية على أقوال: ثالثها الجواز عند العجز عن العربية. نصّ على ذلك ابن الجزرى فى «نشره» (١٢). وذكر أمثلة لذلك بقراءة الهذلى لقوله تعالى: حَتَّى حِينٍ (عتى حين)، وقراءة الأسدي- (تعلمون) و (تعلم) (وتسود) بكسر تاء المضارعة، إلى غير ذلك من الأمثلة التى ذكرها. كما أن هناك فوائد أخرى لنزول القرآن على سبعة أحرف: أن من تمام التيسير على الأمة جمع الأحرف السبعة لوجهات النظر المختلفة فى التأمل البلاغى فى النص القرآنى، مما يبقى للقرآن مكانته السامية فى الإعجاز؛ إذ كل قراءة بمنزلة آية، فيكون هذا التنوع بمثابة الجمع لمناحى الإعجاز اللغوى والبلاغى. ومن فوائد نزول القرآن على أحرف سبعة تعظيم ثواب هذه الأمة حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم فى تتبع معانى ذلك التنوع والتعدد، فالأجر على قدر المشقة. ومن فوائده أيضا: بيان قدر هذه الأمة وشرفها، من حيث تلقيهم لكتاب ربهم بهذا التلقى، وحفظه لفظة لفظة، بصيغه وسكناته وحركاته وتفخيم حروفه وترقيقها، فحفظوه من التحريف والتصحيف بما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، مما يؤكد اتصال سند هذه الأمة بكتاب ربها، مما يدفع ارتياب الملحدين فى وصله. وهذا ما ذكره ابن

стр. 112

الجزرى (١٣) من فوائد لنزول القرآن على سبعة أحرف. ٤ - أن التيسير بتعدد الأحرف تأخر إلى العهد المدنى، هذا ما يفهم من حديث أبىّ عند مسلم وفيه: (أن النبى ﷺ كان عند أضاة بنى غفار قال: فأتاه جبريل- ﵇ الحديث). حيث كانت هذه الأضاة بالمدينة كما قال الحافظ ﵀ فى (الفتح): وأضاة بنى غفار هى بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخرة تاء تأنيث: مستنقع الماء كالغدير وجمعه أضا كعصا، وقيل بالمد (١٤) والهمز كإناء، وهو موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بنى غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء- لأنهم نزلوا عنده» (١٥). والظاهر أن هذا التأخر إنما كان لعدم الحاجة- فى العهد المكى- إلى تعدد الأحرف لعدم انتشار الإسلام والقرآن آنئذ بين أحياء العرب، وقصوره على القلة المؤمنة به، وأغلبهم من قريش الذين أرسل النبى ﷺ بين ظهرانيهم، وأن القرآن المكى كان على أفصح لهجة مشهورة ومستفيضة فى جميع بطون قريش، وأن هذه اللهجة كانت بالتالى مفهومة وميسرة لأولئك القلة المؤمنين به، فلم تمس حاجتهم وقتئذ إلى المزيد من التيسير، فلما كانت الهجرة إلى المدينة وبدء انتشار الإسلام بين العرب وفيهم من يمكن ألا يتقن تلك اللهجة، مست الحاجة إلى التيسير بتعدد الأحرف، وشمل هذا التعدد عندئذ بطبيعة الحال جميع القرآن مكيه ومدنيه من قبل أن التكليف هو بكل القرآن لا ببعضه دون بعض، كما شمل تشريع هذا التعدد جميع الناس منذئذ لا فرق فى ذلك بين قرشى وغير قرشى من قبل أن الكل فى التشريع سواء. ومن هنا اختلفت الأحرف المقروء بها سورة الفرقان المكية مثلا بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام وهما قرشيان، كما اختلفت بين أبىّ الأنصارى وغيره فى سورة النحل المكية أيضا، وقراءة عبد الله بن مسعود وآخر فى سورة من حم المكيات كذلك، إلى آخر تلك الوقائع. وهكذا وجدنا القراءات العشر المتواترة المنسوبة إلى القراء العشرة لا تفرق فى تعددها واختلافها بين مكى ومدنى من الذكر الحكيم، بل تعمها جميعا وعلى حد سواء، كما لا تفرق فى تلقيها وأدائها بين أحد من الناس، بل ورث القراءة بها فى الكل والإقراء بها للكل كابرا عن كابر، ثم لم يزل الأمر على هذا الشمول للمقروء وقرائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله تعالى. ولعل ما قلناه من نزول القسم المكى من القرآن أول ما نزل بتلك اللهجة المستفيضة

стр. 113

فى بطون قريش والمفهومة لها جميعا هو ما عناه عثمان ﵁ من قوله للرهط القرشيين عند جمع القرآن: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم) (١٦). قال القاضى أبو بكر بن الباقلانى: (معنى قول عثمان: «نزل القرآن بلسان قريش. أى: معظمه، وأنه لم تقم دلالة قاطعة على أن جميعه بلسان قريش، فإن ظاهر قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا أنه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر دون ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشا دون غيرهم، فعليه البيان، لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحدا، ولو ساغت هذه الدعوى لساغ للآخر أن يقول بلسان بنى هاشم مثلا؛ لأنهم أقرب نسبا إلى النبى ﷺ من سائر قريش (١٧). وبالجملة، فليس للتيسير بالأحرف السبعة ونزولها بالمدينة وقت معلوم على التحديد، لكن الذى يظهر ويتفق مع طبيعة الأمور أن يكون ذلك قد تم بعد قدومه ﷺ المدينة واستقرار مقامه فيها بزمن يسير، حيث بادرت أحياء من العرب بالقدوم إلى المدينة والدخول فى الإسلام كأسلم وغفار (١٨). فكان من المتجه إذن لهؤلاء وأمثالهم أن يكون لهم تيسير القرآن بنزوله على سبعة أحرف منذ هذا الوقت المبكر. والله أعلم بحقيقة الحال. وقد حاول عدد من العلماء بيان كيف كان التعدد، فذهب بعضهم إلى أن جبريل كان يقرأ النبى ﷺ فى كل عرضة بوجه أو حرف. وهذا ما اختاره أبو عمرو الدانى (١٩). ولكننا نرى أن ذلك من الغيب المستور ونكل علمه إلى الله. ٥ - أن الصحابة لا محالة فهموا مراد رسول الله ﷺ من هذه الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن، بل لقد أقرأهم رسول الله ﷺ بها، ونقلوها بالتواتر كما هو الحال فى كل القرآن؛ لأن هذه الأحرف كجزء القرآن فما وجب فى الكل وجب فى الأجزاء. وليست الأحرف السبعة من قبيل المشكل أو المتشابه الذى لا يمكن تأويله كما ذهب إليه محمد بن سعدان النحوى والسيوطى فى «المجتبى» وولى الدهلوى والآلوسي (٢٠). والسؤال: ما المعنى الذى فهمه الصحابة رضى الله عنهم للأحرف السبعة؟ هل هى أصناف مختلفة من الكلام كالزاجر والآمر، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال؟ ولقد جاء خبر عن ابن مسعود ورفعه للنبىّ ﷺ فى نفس المعنى السابق. ولكن إرادة هذه

стр. 114

الأصناف بالأحرف السبعة من الإحالة ووضوح البطلان بحيث لا يتسع لها عقل عاقل؛ لأنه لا يصحّ أن يقرأ القرآن كله بصنف واحد من هذه الأصناف المذكورة. وقد ردّ الحافظ هذا الخبر الوارد عن ابن مسعود بما ذكره عن ابن عبد البر من عدم ثبوته؛ لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يلق ابن مسعود وهو الراوى عنه. وقال: وقد أطنب ابن جرير الطبرى فى الرد على هذا الرأى بما حاصله أنه يستحيل أن يجتمع فى الحرف الواحد هذه الأوجه السبعة. ثم ذكر أن تصحيح ابن حبان والحاكم لخبر ابن مسعود فيه نظر، وذكر أنه رواه البيهقى مرسلا. وحكم عليه بالجودة. ثم ذكر أن المراد بالأحرف السبعة: أن الكلمة الواحدة تقرأ على وجهين وثلاثة وأربعة إلى سبعة تيسيرا. ونقل عن الأهوازى والهمدانى ردهما لتأويل السبعة أحرف بالأصناف السبعة (٢١). واقتصر ابن الجزرى من أمر هذا الحديث على تأويله فقال: (فإن قيل): فما تقول فى الحديث ... وذكره من رواية الطبرانى بلفظ مقارب فيه تقديم وتأخير ثم قال فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن هذه السبعة غير السبعة الأحرف التى ذكرها النبى ﷺ فى تلك الأحاديث، وذلك من حيث فسرها فى هذا الحديث فقال: حلال وحرام إلى آخره. ثم أكد ذلك بالأمر بقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. فدل على أن هذه غير تلك القراءات. الثانى: أن الأحرف السبعة فى هذا الحديث هى هذه المذكورة فى الأحاديث الأخرى التى هى الأوجه والقراءات، ويكون قوله: حلال وحرام إلى آخره تفسيرا للسبعة الأبواب. والله أعلم. الثالث: أن يكون قوله: حلال وحرام إلى آخره لا تعلق له بالسبعة الأحرف ولا بالسبعة الأبواب، بل إخبار عن القرآن أى هو كذا وكذا واتفق كونه بصفات سبع كذلك (٢٢)). أ. هـ. وكذلك صنع السيوطى من بعده وعبارته فى هذا المقام بعد ذكر الحديث وفيها المزيد من مقولات العلماء وموقفهم منه: (وقد أجاب عنه قوم، بأنه ليس المراد بالأحرف السبعة التى تقدم ذكرها فى الأحاديث الأخرى؛ لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا، بل هى: ظاهرة فى أن المراد أن الكلمة تقرأ على وجهين وثلاثة إلى سبعة، تيسيرا وتهوينا، والشيء الواحد لا يكون حلالا وحراما فى آية واحدة، وقال البيهقى ... وذكر تأويله السابق فى نقل «الفتح» ثم قال: وقال غيره: من أوّل الأحرف السبعة بهذا، فهو فاسد؛ لأنه محال أن يكون الحرف فيها حراما لا ما سواه، أو

стр. 115

حلالا لا ما سواه، ولأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله أو حرام كله، وأمثال كله. وقال ابن عطية: هذا القول ضعيف؛ لأن الإجماع على أن التوسعة لم تقع فى تحريم حلال ولا تحليل حرام، ولا فى تغيير شىء من المعانى المذكورة. وقال الماوردى: هذا القول خطأ: لأنه ﷺ أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف، وإبدال حرف بحرف، وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام. وذكر قول أبى على الأهوازى وأبى العلاء الهمدانى السابق فى نقل «الفتح» (٢٣). وتلك الأصناف السبعة ليس لها سند بالمرة، ولقد وصل أصحاب هذا الرأى إلى أن جعلوا هذه الأصناف أربعين قولا، ولقد أوجز الرد عليهم شيخ أشياخنا الزرقانى بعد ذكر هذه الأقوال الأربعين والتى جعلوا منها الناسخ والمنسوخ والخاص والعام والمحكم والمتشابه- فردّه عليهم بردود خلاصتها: ١ - أن سياق الأحاديث لا يساعد على حمل الأحرف السبعة على الأصناف السبعة؛ لأنها كلها تصرح بأن الأحرف إنما هى فى القراءة والتلفظ. ٢ - عدم وجود سند صحيح لهذا القول. ٣ - التيسير المقصود من نزول القرآن على سبعة أحرف لا يتحقق مع هذه الأصناف والأنواع. ٤ - زيادة بعض تلك الآراء عن السبعة مما يعنى الخطأ فى العدّ أو أنهم يعتقدون أن السبعة غير مقصودة وهذا باطل. ٥ - أن أكثر ما ذكروه فى تلك الآراء يدخل بعضه فى بعض، فمن المتعسر اعتبارها أقوالا مستقلة. ثم نقل ما نقله السيوطى عن الشرف المرسى من ردّ فى معنى الكلام السابق (٢٤). ويورد أبو عمرو الدانى فى مقدمة «جامع البيان» فى القراءات السبع تحت عنوان (معنى الأحرف السبعة) وجهين للمراد من الأحرف السبعة: أولهما: أن الأحرف السبعة سبعة أوجه فى اللغات، ومثّل لها ب (أفلس، وفلس)، والحرف يراد منه الوجه ومنه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أى على وجه. وثانيهما: أن الأحرف السبعة هى القراءات السبعة، جريا على عادة العرب فى تسمية الشيء باسم ما له علاقة به من مقارنة أو مقاربة أو مجاورة؛ ولذلك سمّى النبىّ ﷺ القراءة حرفا وإن كان كلاما كثيرا. فقد سمّى العرب القصيدة والخطبة والرسالة

стр. 116

كلمة، ومن هذا الاستعمال قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا فقال: إنما يعنى بالكلمة هاهنا قوله فى سورة القصص: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ فأطلق الكلمة على كل هذا الكلام؛ ومن ثمّ خاطب النبىّ ﷺ من بالحضرة وسائر العرب فى هذا الخبر من تسمية القراءة حرفا لما يستعملون فى لغتهم وما جرت عليه عادة منطقهم (٢٥). وعقّب ابن الجزرى فى «النشر» على كلام أبى عمرو فذكر أن كلا الوجهين محتمل، وفرّق بينهما، وذكر أن حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» يحتمله الوجه الأول، وحديث عمر مع هشام رضى الله عنهما يحتمله الوجه الثانى (٢٦). والصواب: أن المعنيين لا فرق بينهما؛ لأن عمر ﵁ قال: سمعته يقرأ فيها أحرفا لم يكن النبىّ ﷺ أقرأنيها، فلو كان معنى الحرف يخالف معنى القراءة تعلم رسول الله ﷺ عمر ذلك ولنبهه لحاجته إلى معرفة ذلك. وإذا عدنا إلى كلام أبى عمرو الدانى فنجد أن الوجه الأول اختاره جماعة من العلماء ذكرهم الزركشى فى «البرهان» منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن يحيى ثعلب، ونقله حكاية ابن دريد (٢٧) عن أبى حاتم السجستانى (٢٨)، وبعضهم عن القاضى أبى بكر الباقلانى. وذكر أن بعض القرآن نزل بلغة قريش وبعضه نزل بلغة هذيل، وبعضه بلغة تميم، وأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بكر، ومعانيها كلها واحدة. واحتج الأزهرى (٢٩) لهذا القول بقول عثمان فى جمع القرآن: «وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإنه أكثر ما نزل بلسانه». وفى رواية: «إنما نزل بلسانهم». فعلى فرض أن هذه الرواية الأخيرة هى المحفوظة، فإن الحصر ب (إنما) ليس حصرا حقيقيا بل إضافيا؛ لكثرة ما نزل بلغة قريش. ونقل الزركشى عن ابن قتيبة وغيره إنكارهم أن يكون فى القرآن حرف من غير لغة قريش لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ونقل عن ابن قتيبة قوله: ولا نعرف فى القرآن حرفا واحدا يقرأ على سبعة أوجه. ثم نقل تغليط ابن الأنبارى لابن قتيبة بحروف منها قوله تعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ وقوله تعالى: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وقوله باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا.

стр. 117

ونقل عن ابن عبد البر أنه نقل عن بعض أهل العلم إنكارهم لأن تكون السبعة أحرف سبع لغات؛ لأن عمرو هشام بن حكيم أهل لغة واحدة ومع ذلك وقع بينهم الاختلاف (٣٠). ونرى أن ما احتج به ابن قتيبة لا ينهض حجة؛ لأن قوم النبى ﷺ العرب والناس كافة وليسوا قريشا فقط؛ لأنه أرسل للناس كافة. وأما ما احتج به ابن عبد البر فيدفعه أن شأن القراءة هو التلقى عن النبى ﷺ لا فرق بين أن يكون المتلقون من لغة واحدة أو من عدة لغات. وقد أجاد الآلوسي فى نقله لرد السيوطى على هذه الشبهة بأنه: هل من أحد يدعى أن الإنزال كان كما كان ثم أهل اللغات هذبوه ورشحوه بكلماتهم بعد الإذن لهم بذلك؟؛ ولذا لا يتصور اختلاف أهل اللغة الواحدة، والقبيلة الواحدة. ونقل عن الإمام السيوطى أن مرجع السبع الرواية لا الدراية بأن الصحابى قد يعى ما فى القراءة أو الرواية من لغات غير لغته وقد لا يدرى، ومن ثمّ قد ينكر أحد الراويين رواية وقراءة الآخر (٣١). نعم، إن القول بأن السبعة أحرف سبع لغات قد يتحقق معه التيسير المراد من إنزال القرآن على سبعة أحرف، ولكن الحديث عن السبعة أحرف ليس قاصرا على الكلام عن التيسير فحسب، بل هناك مقامات بلاغية تختلف فيها أنظار العرب، وكذلك مقام الإيجاز مع التفسير لتحقيق حجة الإعجاز لفهم الخصم، ولو كان تعدد القراءات بمثابة تعدد الآيات لذهب مقصد الإيجاز وتضخم القرآن وعاد النقض على المقصود من التيسير؛ ولذا فهذا الوجه ليس عندى بمرتضى. ويشتد القصور والسقوط عن درجة القبول فى القول القائل بالاقتصار على ضرب مخصوص من اللغات، وهو الألفاظ المترادفة وما يقاربها، وقد سبق أن نسبه القرطبى لأكثر أهل العلم. ولقد كان لأصحاب هذا القول حجج كثيرة أوضح من صرح بها وأطال فى سردها أبو جعفر الطبرى. ولذا سنجمل ما جاء فى تفسيره من أدلة على هذا القول: فقد بدأ بإنكار وجود حرف فى كتاب الله قد قرئ بسبع لغات، وألزم الخصم بأنه لو قال بأن الأحرف السبعة سبع لغات مثبتة فى القرآن لما صحّ أن يقع الخلاف الوارد بين الصحابة فى القراءة، وإقرار النبى ﷺ لهم على هذا الخلاف. وذكر أن مجرد الجمع بين هذا القول وحججه مفسد له؛ لأن أصحاب هذا القول يحتجون بما روى عن الصحابة والتابعين أنه قال: هو بمنزلة قولك: (تعال) و (هلّم) و (أقبل)، أو هو بمثابة قراءة ابن مسعود (إلا زقية) وهى فى

стр. 118

قراءتنا (إلا صيحة)، فهذه الحجج مبطلة لمقالتهم؛ لأن ذلك لا يعنى اللغات السبع فى حرف واحد أو كلمة واحدة، بل يعنى اختلاف الألفاظ مع اتفاق المعانى. ثم طالب أصحاب هذا القول بحرف واحد من الكتاب مقروء بسبع لغات. ثم انتقل للجواب عن السؤال: أين الأحرف السبعة الآن التى أمر رسول الله ﷺ بالقراءة بها. هل نسخت ورفعت؟ فأجاب بأنها لم تنسخ ولم تضيعها الأمة؛ لأن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت فى قراءته وحفظه بأى الأحرف السبعة شاءت، كالحال فى الحنث فى اليمين تأتى بأى الخصال الثلاث شئت، فتكون بذلك مصيبا مكفّرا، وقد رأت الأمة لعلة من العلل، الثبات على حرف واحد دون سائر الحروف الستة الباقية. ثم ذكر أحاديث جمع القرآن، ثم ذكر أن هذه الأخبار التى يضيق عنها كتابه تكشف عن أن عثمان ﵁ رأفة وشفقة بالأمة جمع الناس على حرف واحد لمنع الفتنة التى بدأت تظهر فى عصره من إنكار بعض الناس لبعض الحروف فى القرآن، فأطاعته الأمة فى ذلك ووافقت عليه. حتى آل الأمر الآن إلى أنه لا قراءة إلا بالحرف الواحد الذى اختاره إمام المسلمين وأمير المؤمنين للأمة ووافقت عليه الأمة فى عصره وأقرته. ثم أجاب عن سؤال ملخصه كيف جاز للأمة ترك القراءة ببعض أحرف القرآن؟ فأجاب بأن القراءة بالأحرف السبعة كانت رخصة يباح استخدامها وليس فرضا؛ لأنه لو كان فرضا لوجب العلم بالأحرف السبعة على من تقوم الحجة بنقلهم، ولما لم يفعلوا ذلك علم عدم فرضيته. أما جعل اختلاف القراءة فى ضبط الكلمات مفسرا لقوله ﷺ : «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف». فيراه الطبرى غير صحيح؛ لأنهم اتفقوا على أن الخلاف فى مثل هذه التوجيهات والضبط لا يوجب تكفير الممارى فيه كما هو الحال فى الممارى فى الأحرف السبعة. ثم أجاب عن تساؤل عن علمه بالأحرف السبعة التى نزل بها القرآن وألسنتها؟ فأجاب بأن الأحرف الستة الأخرى لا حاجة لنا بمعرفتها؛ لأننا إن عرفناها اليوم ما قرأنا بها للأسباب السابقة، وقيل: إن خمسة منها لعجز هوازن واثنين لقريش وخزاعة. وذكر روايات فى ذلك عن ابن عباس وذكر أنها لا يصح الاحتجاج بها (٣٢). وهذا مجمل ما أتى به الطبرى من استدلال على رأيه. وما قاله الطبرى واستدلّ به ليس مأخوذا عليه كله، بل منه ما نوافقه عليه وأخّرنا ذكره

стр. 119

لحين كلام الطبرى لموافقته ما نعتقده وخاصة فى ردّه على القائلين بأن الأحرف السبعة كانت سبع لغات. ولكن لنا رد آخر على القائلين بهذا الرأى وهو: هل كان للعرب لغات متنافرة لا يفهم بعضهم بعضا حتى يحتاجوا إلى أن ينزل القرآن على سبع لغات فى الكلمة الواحدة؟، فلو كان الأمر كذلك، كيف كانوا يحفظون قصائد شعراء القبائل، وإن لم يكن الشاعر من نفس قبيلة الحفاظ؟ وكيف كان الشاعر يجوب القبائل يعرض شعره بغير ترجمان، فالنابغة تارة عند الغساسنة فى الشام، وأخرى عند المناذرة فى العراق، وشعره يفهمه أهل القريتين، والمعلقات السبع على أستار الكعبة يفهمها القاصى والدانى، وأسواق العرب الجامعة يتعامل فيها الناس، ويتساجل فيها الشعراء، وهم من قبائل شتى. والنبىّ ﷺ يقابل الوفود ويعرض عليهم الإسلام فيفهمون كلامه. وأيضا الترادف، وإن كان القائلون به هم الأكثرون ولكنهم لم يذكروا من ثمراته أن العرب كانوا مضطرين إليه لفهم بعضهم بعضا؛ ولذا فهذا الرأى رأى ساقط عند الطبرى وعندنا. وفيما نرى أن الطبرى يقرر بكل وضوح وصراحة وصرامة أن اختلاف اللهجات واللغات والقراءات فى النطق لا علاقة لها بحديث تعدد الأحرف السبعة، وهذا هو مذهب الطبرى الذى صرّح به، فلا داعى للتفرقة بين اللازم البين وغيره؛ لأنه هو مذهب الرجل. والذى يدفعنا للرد على كلام الطبرى، أن مؤدى مذهبه هذا ضياع ستة أحرف من القرآن وأن القرآن فى العصر المكى كان قاصرا على قريش، وأنّ من سواهم ممن عرض عليهم الإسلام معذورون غير مقصرين فى الجحود والكفر بمعجزته وشريعته لعدم فهمهم. وكل هذا مناف لما كان عليه العرب وواقعهم. والظاهر من كلام الطبرى أنه يرى أن حكمة التيسير تقتضى أن تشمل الأحرف السبعة القرآن كله أو أكثره، وعليه يلزمه ما قدمناه، ولو عكس دعواه فجعل اختلاف اللهجات سبيلا إلى اختلاف النطق، فبهذا لا تكون هناك صلة بين دعواه وحديث الأحرف السبعة، بل بهذا يعود الاختلاف إلى حرف واحد ويلزمه ما لزمه من قبل. وما استدل به من آثار لم يصحّ منها أثر واحد، على ما سبق أن وضحنا، ولم يجد فيها مثالا واحدا يؤيد دعواه حتى اخترع

стр. 120

مثال (هلمّ، وأقبل، وتعال، وإلىّ، وقصدى، ونحوى، وقربى)، وحتى هذا المثال لا يصحّ إلّا إذا أثبت أن هذه الألفاظ بألسنة مختلفة لا بلسان واحد. أما استدلاله بأن اختلاف الناس فى القراءة هو الذى دفع عثمان ﵁ أن يجمع المصحف على حرف واحد لدرء الخلاف، وتشبيهه لما فعله عثمان بأنه مثل اختيار خصلة من خصال الكفارة، فلا نوافقه عليه؛ لأن السبب المعقول أن الصحابة لمّا تفرقوا فى الأمصار وأقرءوا الناس بقراءاتهم التى سمعوها من النبى ﷺ حفظ منهم أهل الأمصار المختلفة قراءتهم، فلما اجتمع أهل الأمصار المختلفة فى غزاة سمع بعضهم قراءة بعض، فدفع الجهل والعصبية بعضهم إلى أن يقول: قراءتى خير من قراءتك. فرأى عثمان أن يجمع الناس على مصحف واحد بعد أن قال له حذيفة ﵁: أدرك أمتك قبل أن تختلف اختلاف اليهود والنصارى. فهل كان حذيفة يقصد أن يدرك عثمان الأمة من البلاء الذى ينزل عليهم بسبب الأحرف السبعة! بل الصواب أن عثمان ﵁ جمعهم على مصحف واحد يجمع كل ما هو قرآن، وينفى عنه كل ما ليس بقرآن، فجمع المصحف على سبعة أحرف. وأمّا تشبيهه للأحرف بخصال الكفارة فهو لا يستقيم؛ لأن خصال الكفارة كلها مخلوقة من أفعال العباد، أما الأحرف السبعة فهى منزلة من عند الله- فهى من القرآن المعجز؛ ولذا لم يرتض أهل التحقيق من المتكلمين والفقهاء والقراء ما ذهب إليه الطبرى وشيعته، ونقل ابن الجزرى أن جماعات الفقهاء والمتكلمين والقراء على أن المصاحف العثمانية جمعت الأحرف السبعة. ونقل البدر العينى عن أبى الحسن الأشعرى الإجماع على عدم جواز تضييق ما وسعه الله على عبده من إنزاله القرآن على أحرف، ولا حرج أن يقرأ بأى حرف شاء مما نزل به القرآن. وقرر أبو شامة ذلك فى «المرشد الوجيز» فى غير ذات موضع: فمرة ينقل عن أبى بكر ابن الطيب أن مصحف عثمان جمع ما أقرأ به النبىّ ﷺ الناس، ووصل إلينا متواترا، أما الآحاد فلم يدونه كقراءة ابن مسعود فى: فَإِنْ فاؤُ زاد فى قراءته (فيهن). وفى موضع آخر يقرر أنه- عثمان- ما كان هو ولا أحد من أئمة المسلمين يستجيز المنع من القراءة بحرف ثبت أن الله- تعالى- أنزله. وموضع ثالث ينفى ما يتوهم من أن المصاحف العثمانية جمعت حرفا واحدا، بل جمعت الأحرف السبعة حتى يقرر أن عثمان ﵁ عرف حاجة الناس للأحرف السبعة فأثبتها فى مصاحفه.

стр. 121

أما اختياره لحرف زيد فلأنه اجتمع عليه المهاجرون والأنصار فكان مشهورا مستفيضا وأشار إلى أنه سمّى بحرف زيد؛ لأنه هو الذى رسمه فى المصاحف وتولى إقراءه دون غيره. ونقل الأبىّ فى شرح مسلم عن القاضى عياض مثل ما نقلنا عن أبى شامة فى اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة، ثم نقل الأبىّ عن ابن عرفة المالكى أن الأحرف باقية ومحفوظة مع مرور المئين من السنين. الوجه الرضى فى الأحرف وكيف اكتملت به العدة سبعة: الوجه الرضى عندى: أن المقصود بالحرف الوجه من وجوه القراءات، وهو الرأى الثانى الذى ذكره أبو عمرو الدانى. وقد أخفق بعض العلماء فى عدّ هذه الوجوه السبعة كأبى عمرو الدانى. ونجح بعضهم كابن الجزرى فقال: «وذلك أنى تتبعت القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة من الاختلاف لا يخرج عنها وذلك: إما فى الحركات بلا تغير فى الصورة والمعنى نحو (البخل) (٣٣) بأربعة (وبحسب) بوجهين (٣٤) أو بتغير فى المعنى فقط نحو فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ، (٣٥) وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ (٣٦) وأمه. وإما فى الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو: (تبلو وتتلوا). (٣٧) ونُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ و (ننحيك ببدنك)، (٣٨) أو عكس ذلك نحو (بصطة وبسطة)، و (الصراط والسراط)، أو بتغيرهما نحو: (أشد منكم ومنهم)، (٣٩) و (يأتل ويتأل)، (٤٠) فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، و (فامضوا (٤١) إلى ذكر الله)، وإما فى التقديم والتأخير نحو: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (٤٢) (وجاءت سكرة الحق بالموت) (٤٣) أو فى الزيادة والنقصان نحو: (وأوصى ووصى، والذكر والأنثى). (٤٤) فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها. وأما نحو اختلاف الإظهار، والإدغام، والروم، والإشمام، والتفخيم، والترقيق، والمد، والقصر، والإمالة، والفتح، والتخفيف، والتسهيل، والإبدال، والنقل، مما يعبر عنه بالأصول، فهذا ليس من الاختلاف الذى يتنوع فيه اللفظ والمعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوعة فى أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا، ولئن فرض فيكون من الأول. ثم رأيت الإمام الكبير أبا الفضل الرازى حاول ما ذكرته فقال: إن الكلام لا يخرج اختلافه عن سبعة أوجه: الأول: اختلاف الأسماء من الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والمبالغة وغيرها.

стр. 122

الثانى: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه من نحو الماضى والمضارع والأمر والإسناد إلى المذكر والمؤنث والمتكلم والمخاطب والفاعل والمفعول به. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: الزيادة والنقص. الخامس: التقديم والتأخير. السادس: القلب والإبدال فى كلمة بأخرى وفى حرف جر بآخر. السابع: اختلاف اللغات من فتح وإمالة وترقيق وتفخيم وتحقيق وتسهيل وإدغام وإظهار ونحو ذلك. ثم وقفت على كلام ابن قتيبة- وقد حاول ما حاولنا بنحو آخر- فقال: وقد تدبرت وجوه الاختلاف فى القراءات فوجدتها سبعة: الأول: فى الإعراب بما لا يزيل صورتها فى الخط ولا يغير معناها نحو: (هن أطهر لكم- وأطهر) (٤٥). (وهل يجازى إلا الكفور- ونجازى (٤٦) إلا الكفور)، و (البخل والبخل)، (وميسرة وميسرة). (٤٧) والثانى: الاختلاف فى إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها نحو: (ربّنا باعد، وربّنا باعد، (٤٨) وإذ تلقونه، وإذ تلقونه، (٤٩) وبعد أمّة، وبعد أمه). الثالث: الاختلاف فى حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يزيل صورتها نحو: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها وننشرها) (٥٠)، (وإذ فزع عن قلوبهم، وفزّع). (٥١) الرابع: أن يكون الاختلاف فى الكلمة يغير صورتها ومعناها نحو: (طلع منضود) فى موضع وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فى آخر. الخامس: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتاب ولا يغير معناها نحو: (إلا زقية واحد- وصيحة (٥٢) واحدة، وكالعهن المنقوش- وكالصوف). (٥٣) السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو: (وجاءت سكرة الحق بالموت- سكرة الموت بالحق-). السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان نحو (وما عملت أيديهم- وعملته-) (٥٤)، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٥٥) (وهذا أخى له تسع وتسعون نعجة أنثى). (٥٦) ثم قال ابن قتيبة: وكل هذه الحروف كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على رسول الله ﷺ . قلت: وهو حسن كما قلنا وهناك أمثلة أخرى لاختلاف القراءات أكثر وضوحا مثل: (بضنين) بالضاد (وبظنين) بالظاء (٥٧) (وأشد

стр. 123

منكم، وأشد منهم) على أنه قد فاته كما فات غيره أكثر أصول القراءات. كالإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإمالة، والتفخيم، وبين بين، والمد، والقصر، وبعض أحكام الهمز، كذلك الروم، والإشمام، على اختلاف أنواعه، وكل ذلك من اختلاف القراءات، وتغاير الألفاظ مما اختلف فيه أئمة القراء، وقد كانوا يترافعون بدون ذلك إلى النبى ﷺ ويرد بعضهم على بعض، كما سيأتى تحقيقه وبيانه فى باب الهمز والنقل والإمالة، ولكن يمكن أن يكون هذا من القسم الأول فيشمل الأوجه السبعة على ما قررناه (٥٨) أهـ. وما نقله ابن الجزرى- ﵀ عن ابن قتيبة هو بعينه ما حكاه القاضى الباقلانى عن بعض أهل العلم، لكن مع نوع تغير فى العبارات وتصرف فى زيادة بعض الأمثلة، وليس قولا مستقلا فى المسألة كما توهم شيخ أشياخنا الزرقانى، ولينظر قارئنا الكريم بشيء من الإمعان إلى هذا النص من تفسير القرطبى قال- ﵀: (القول الرابع: ما حكاه صاحب «الدلائل» عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضى ابن الطيب قال: تدبرت وجوه الاختلاف فى القراءة فوجدتها سبعا: منها: ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته مثل: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ وأطهر، وَيَضِيقُ صَدْرِي ويضيق. ومنها: ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب، مثل: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وباعد. ومنها: ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: نُنْشِزُها وننشرها. ومنها: ما تتغير صورته ويبقى معناه: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وكالصوف المنفوش. ومنها: ما تتغير صورته ومعناه؛ مثل: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وطلع منضود. ومنها: بالتقديم والتأخير كقوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، وجاءت سكرة الحق بالموت. ومنها: بالزيادة والنقصان، مثل قوله: «تسع وتسعون نعجة أنثى»، وقوله: «وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين»، وقوله: «فإن الله من بعد إكراههم لهن غفور رحيم» (٥٩) أه. فهذا حصر ثلاثة من أكابر العلماء للأحرف السبعة أو الوجوه السبعة بين القراءات، وإن كان بينهم ثمة خلاف فقد رأى العلماء الخضرى والدمياطى وبخيت المطيعى أن الخلاف بينهم لفظى؛ لأن غاية الاختلاف بينهم اختلاف التعبير عن بعض الوجوه، وزيادة أبى الفضل الرازى اختلاف اللهجات،

стр. 124

وهذه الزيادة يمكن ردها إلى الوجوه الأخرى فلا يبقى خلاف حقيقى؛ فابن الجزرى، وإن لم يذكر اختلاف اللهجات ضمن الوجوه، ولكنه أنكر على ابن قتيبة عدم ذكره. أما انحصار أمر التيسير فى النطق فليس بشرط، كما سبق أن وضحنا، حتى لا ينحصر التيسير فى الوجه السابع فقط، وهو اختلاف اللهجات. وهناك شبهة أوردها الحافظ وهى: أن القرآن نزل وأكثر العرب أميون وكانوا لا يعرفون الحروف إلّا بمخارجها. وإن كانت هذه الشبهة قد تنال فى الظاهر مما ذهب إليه ابن قتيبة، فقد ردّ الحافظ بأن ذلك لا يلزم؛ لأن هذا قد يكون وقع اتفاقا، وإنما اطلع عليه ابن قتيبة بالاستقراء. وقد زاد الشيخ الزرقانى هذا وضوحا حيث بيّن أن هذه الوجوه توصل إليها بالاستقراء، وكان يكفى المسلمين، وإن كانوا أميين فى هذا الوقت، أن يعرفوا أن وجوه الاختلاف سبعة، وإن لم يضعوا لهذه الوجوه عناوين؛ لأنهم يعرفون هذه الوجوه تطبيقا فى كل مفردات القرآن، ومثل ذلك عدم معرفتهم بالعناوين الخاصة بالإعراب والبناء، ولكنهم يعرفون النطق الصحيح الفصيح. وبذلك اتضح أن كون العرب أميين لا يعرفون العناوين التى ذكرت فى الوجوه السبعة هذا لا يعنى عدم وجودها؛ لأن هذه العناوين أسماء لمسميات وجدت كوجوه اختلاف بين القراءات، فهى وصف للواقع، وليست إنشاء له. بقاء الأحرف السبعة فى المصحف على هذا الوجه: بحثنا فى هذه المسألة لا يشمل الكلام على قرآنية الأحرف السبعة النازلة، ولا أوجه الخلاف بين القراءات كما صنع الأئمة الثلاثة: ابن قتيبة وأبو الفضل الرازى وابن الجزرى، لما كان فى كلامهم من كفاية الكلام على ما ذهب إليه الشيخان الجليلان محمد بخيت المطيعى والزرقانى من أن بعض الأحرف السبعة متواترة، وبعضها الآخر غير متواتر ومخالف للمصحف العثمانى فى الرسم فلم تكتب. حتى ادعى الشيخان نسخ ما لم يتواتر منها. والصحيح أن إثبات أصل القرآنية يحتاج لدليل التواتر، فنحتاج إلى ثبوت التواتر أولا فيما ادعيا فيه النسخ، وهذا هو المتسق لكلام الأصوليين وغيرهم ولمنطق العقل السليم. ونحن لا نوافق أيضا على ما ذهب إليه الشيخ المطيعى من لفظية الخلاف بين القائلين ببقاء الأحرف السبعة فى المصحف وبين القائلين ببقاء حرف واحد فقط كما قال الطبرى وغيره. وحاولنا لتفهم

стр. 125

كلام الشيخ أن نغض الطرف عن الخلاف بين القولين فى أن أحدهما يعقبه الكفر والآخر لا، وأن أصحاب القول الثانى يقولون: إنما أثبت من القراءات المشهورة ما وافق الرسم العثمانى فقطو كذلك غض النظر عن تفرقة الطبرى الغريبة بين جحد الحرف وجحد القراءة، إذا غضضنا الطرف عن هذا كله، سيبقى الخلاف عندنا حقيقيا، لما قلناه من عدم صحة دعوى النسخ لشىء من الأحرف السبعة النازلة. وكان سبيلنا لإثبات وجود الأحرف السبعة إيجاد مثال واحد فى القرآن، وقد كان تعليقنا على ما ذكرناه من نصوص الأئمة الثلاثة: ابن قتيبة والرازى وابن الجزرى ما فيه كفاية فى هذا الباب. ونلاحظ فى المثل المذكور فى هذه النصوص وحواشىّ عليها أن مثل الزيادة والنقص لا تكون من مصحف واحد. فلا تجتمع الزيادة والنقص فى مصحف واحد، ونلاحظ أيضا قلة أمثلة الإبدال فى تغير الحرف والصورة معا سواء تغير المعنى أم لا. ليست قراءات الأئمة السبعة تمام الأحرف السبعة: سبق لنا عرض نصّ الأبىّ فى شرح مسلم الذى نقل عن ابن عرفة المالكى أنه يرى أن الأحرف السبعة هى القراءات السبع، وأن قراءة يعقوب داخلة فيها، ولكن الإمام ابن الجزرى فى النشر ردّ هذا القول ونسبه للعوام، واحتج على من قال بأن الأحرف السبعة وجدت قبل وجود القراء السبعة، وقبل جمعها على يد ابن مجاهد فى القرن الرابع. وذكر فى موضع آخر أن مسألة بقاء الأحرف السبعة مفرعة على مسألة هل يجوز للأمة ترك شىء من الأحرف المتواترة؟ فمن منع أوجب أن تكون الأمة تقرأ بالأحرف السبعة إلى اليوم، وإلّا اجتمعت الأمة المعصومة على ضلالة. ولكنه ذكر أن القراءات السبعة أو العشرة المشهورة بالنسبة لما كان يقرأ به الصحابة والتابعون نزر من بحر. ونحن نوافق ابن الجزرى فيما قاله من إنكار أن تكون القراءات سبعة؛ لأن التواتر للقراءات لم ينحصر فى السبعة المشهورة وهى قراءات نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى، بل تعدى إلى قراءات الأئمة الثلاثة المتممة للعشرة وهم: أبو جعفر ويعقوب وخلف أحد راويى حمزة، فقد ذكر الجلال المحلى أن الأخير كانت اختياراته من أوجه فى السبعة، ولكنه صار وجها مستقلا به؛ ولذا صارت قراءة مستقلة. ولكننا لا نوافق الإمام ابن الجزرى فيما ذكره من أن القراءات السبع بالنسبة للقراءات التى كان يقرأ بها الصحابة والتابعون نزر من

стр. 126

بحر، والذى حمله على ذلك هو انخداعه بقول سابقيه من أمثال: أبى عباس المهدوى، وأبى محمد مكى، وأبى شامة، وابن تيمية، فى عدم اشتراط التواتر فى ضوابط القراءة المقبولة حتى نظم ابن الجزرى هذا الرأى فى «طيبة النشر» فقال: وكل ما وافق وجه نحوى ... وكان للرسم احتمالا يحوى وصحّ إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه فى السبعة بل لقد أنكر ابن الجزرى على جماهير القراء والفقهاء والمحدثين اشتراطهم التواتر فى القراءة. ونحن نسأل ابن الجزرى: أين ذهبت القراءات التى هى سوى العشرة المشهورة والتى كان يقرأ بها السلف، مع الأخذ فى الاعتبار أنه لا تصح دعوى النسخ إلّا بإثبات أصل القرآنية بالتواتر، وإذا كان السلف يقرءون بها، فهى لم تنسخ لانقطاع الوحى، بل إن هذا القول يكذبه القرآن نفسه بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. والخلاصة: أن القراءات السبع هى بعض أحرف القرآن السبعة لا كلها، وأن القراءات العشر المشهورة بين أيدى الناس اليوم هى جميع الأحرف السبعة التى أنزل الله عليها القرآن. وإن شئت قلت: الأحرف السبعة هى القراءات العشر بلا أدنى فرق بين العبارتين. والله أعلم. أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة مراجع للبحث والاستزادة: (١) اتحاف فضلاء البشر فى القراءات الأربع عشر، للشيخ أحمد الدمياطى الشهير بالبناء، طبع ونشر عبد الحميد أحمد حنفى. (٢) الإتقان فى علوم القرآن، للسيوطى. (٣) إكمال إكمال المعلم شرح مسلم، لأبى عبد الله الأبىّ، مكتبة طبرية، الرياض. (٤) بذل المجهود فى حل أبى داود، للشيخ خليل أحمد السهارنفورى، ط دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. (٥) البرهان فى علوم القرآن، لبدر الدين الزركشى. (٦) جامع الترمذى. (٧) جامع البيان عن تأويل آى القرآن، للطبرى. (٨) جامع البيان فى القراءات السبع، لأبى عمر الدانى، قطعة من مقدمة حققها دكتور عبد المهيمن طحان ووضعها تحت عنوان «الأحرف السبعة للقرآن» دار المنارة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة. (٩) الجامع الصحيح، للبخارى. (١٠) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبى. (١١) روح المعانى، للآلوسى. (١٢) زهر الربى شرح المجتبى، للسيوطى، ط المكتب العلمى، بيروت، لبنان. (١٣) سنن أبى داود. (١٤) شرح النووى لصحيح مسلم، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، نشر مكتبة الغزالى، دمشق. (١٥) صحيح مسلم.

стр. 127

(١٦) عمدة القارى شرح صحيح البخارى، لبدر الدين العينى، ط دار إحياء التراث العربى، بيروت، لبنان. (١٧) عون المعبود شرح سنن أبى داود، لأبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى، ط دار الحديث، القاهرة. (١٨) فتح البارى بشرح صحيح البخارى، للحافظ ابن حجر العسقلانى. (١٩) فضائل القرآن، للحافظ ابن كثير، ط عيسى البابى الحلبى. (٢٠) الكلمات الحسان فى الحروف السبعة وجمع القرآن، للشيخ محمد بخيت المطيعى. (٢١) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ الهيثمى، ط دار الكتاب العربى، بيروت، لبنان. (٢٢) المحتسب فى تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لأبى الفتح عثمان بن جنى، تحقيق على النجدى ناصف والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبى، نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. (٢٣) المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبى شامة، د. طيار آلتى قولاج، دار وقف الديانة التركى للطباعة والنشر،- أنقرة. (٢٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط الحلبى. (٢٥) مناهل العرفان فى علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى. (٢٦) النشر فى القراءات العشر، لابن الجزرى، نشر عباس أحمد الباز، المروة، مكة المكرمة، ط دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

стр. 128

عروبة لغة القرآن، وهل يقدح فيها المعرب ؟ ترجم البخارى فى «جامعه الصحيح» بابا بعنوان (نزل القرآن بلسان قريش والعرب) وذكر فيه قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا، وقوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ثم ذكر طرفا من حديث أنس ﵁ فى جمع القرآن، وفيه قول عثمان: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم). وما ذكره الإمام البخارى يكشف عن أنه يرى أن قريشا لم يقتصر القرآن على لسانها، وإن كانت هى أسعد حظا به من غيرها؛ ولذا قدم لسان قريش ثم سائر العرب. ولا يعنى هذا عندى ما ذهب إليه الطبرى من تناكر ألسنة العرب وعدم ائتلافها بما يسبب اختلافا فى جواهر ألفاظها، وإنما أفهم منه اختلاف اللهجات فى النطق بالألفاظ؛ ولذا لم أره حسنا ما صنعه بعض الأئمة من عقد أنواع مخصوصة فى كتبهم لما ورد فى القرآن بغير لغة الحجاز، منهم الزركشى والسيوطى، فعدوا سبعا وثلاثين لغة. وما أحسب إلّا الاتفاق فى جواهر الألفاظ هو الذى سوغ جمع هذه الألسنة فى لسان واحد فى قوله تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، وقوله فى سورة الشعراء: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ولو كانت مختلفة الجواهر لجمعها كما فى قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ. ولكنّ هذا لا يعنى استيعاب القرآن لكل لهجات العرب، بل اصطفى منها ما لا تنفر الآذان منه، فقد نقل الزركشى عن قاسم بن ثابت (١) فى كتابه «الدلائل» أن من الأحرف ما لقريش ولكنانة ولأسد وهذيل وتميم وضبة وألفافها وقيس. ونقل قولا آخر: أن مضر تستوعب اللغات التى نزل بها القرآن؛ لأن قبائل مضر تستوعب سبع لغات وتزيد. ونقل الزركشى عن ابن عبد البر: أن قوما أنكروا كون كل لغات مضر فى القرآن؛ لأنها تشتمل على شواذ لا يقرأ بها. كشكشة قيس وهى قلب الكاف شينا، وعنعنة تميم وهى قلب الهمزة عينا، وكذلك

стр. 129

إبدالهم السين تاء. وما نقل عن عثمان أن القرآن نزل بلسان مضر. معارض بحديث أنس أنه نزل بلغة قريش. (٢) وقد ذكر أبو نصر الفارابى فى كتابه (الألفاظ والحروف) أن أحسن لسان لسان قريش وأجوده وأسهله، وعنها أخذ اللسان العربى من قيس وتميم وأسد، فهؤلاء هم أكثر من أخذ عنهم، وتركت قبائل لمجاورتها الأعاجم وغير العرب، ولم يؤخذ عن حضرى ولا أحد من سكان البرارى. (٣) والمقصود من هذا البحث: أن القرآن الكريم جاء بأصفى ألفاظ اللغة العربية وأعذبها وأفصحها، مما لا يمكن أن يخدش عربية لغة القرآن، بحيث لا تجد لفظا واحدا فيه إلّا وله أصالة فى العربية، أمّا ما يدعيه البعض من وجود ألفاظ أعجمية فى القرآن، فليس فى القرآن لفظ أعجمى لا يعرفه العربى أو لم يستعمله، وكيف يصحّ خلاف ذلك والقرآن يكذبه عند ما يبين أنه نزل بلسان عربى، وهذا يقتضى أن اسم الشيء ووصفه المخلوع على اسمه معا يجب أن يحمل على جميعه كما هو متبادر، وعليه يكون جميع القرآن عربيا، وقد قال- فى ردّه على من زعم أن النبىّ يعلمه بشر فقال: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (٤) وقال : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ (٥). فالكلمة إذا كانت عربية ولكنها حوشية مجهولة لم تكن توصف بالفصاحة، فكيف بالكلام الأعجمى مجهول اللفظ والمعنى، ولو كان فى القرآن أعجمى لبادر العرب بإنكاره على القرآن. فمن ينفى وجود الأعجمى فى القرآن إنما يقصد الذى لا تعرفه العرب ولا تستعمله، ومن قال بوجوده فهو يقصد الذى عرفه العرب واستعملوه حتى لان وانقاد للسانهم، وهكذا يكون الخلاف بين الفريقين لفظيا؛ لأنه توارد على محلين لا محل واحد. وعلى هذا التحرير يحمل ما نقله الزركشى عن جمهور العلماء، من عدم وجود غير العربى فى القرآن، ومنهم: أبو عبيدة والطبرى والقاضى أبو بكر بن الطيب فى «التقريب» وابن فارس اللغوى والشافعى فى «الرسالة»، ونقل عن الشافعى ردّه على القائلين بوقوع الأعجمى فى القرآن. (٦) وحكى عن ابن فارس عن أبى عبيدة أنه أنكر قول القائلين بوقوع غير العربى فى القرآن؛ لأنه لو كان واقعا لتوهم متوهم أن العرب عجزت عن الإتيان بمثله؛ لأنه يشتمل على غير لغاتهم؛ ولذا أبطل القراءة بالفارسية فى الصلاة لعدم

стр. 130

إعجاز الترجمة، ورأى أن من جوز القراءة بالفارسية فليجوزها بكتب التفسير. ثم نقل عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما القول بوقوع غير العربى فيه. (٧) أما السيوطى فقد ذكر أنه أفرد هذه المسألة بالتصنيف فى كتاب «المهذب فيما وقع فى القرآن من المعرب» ملخصه: أن العلماء اختلفوا فى وقوع المعرب فى القرآن، فالأكثرون منهم: الشافعى، والطبرى، وأبو عبيدة، والقاضى أبو بكر، وابن فارس، على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ. وشدد الشافعى النكير ثم ذكر قول أبى عبيدة السابق ذكره، وذكر أن ابن جرير نقل عن ابن عباس وغيره تفسير بعض ألفاظ القرآن بأنها حبشية أو فارسية أو نبطية، من باب توارد اللغات، فقد تكلم العرب والفرس والحبش بلفظ واحد، ونقل قولا آخر أن ذلك جاء لنزول القرآن بلغة العرب العاربة، الذين كانت لهم مخالطة بألسنة غيرهم فى الأسفار، ونقل ثالثا يقول: إن هذه الألفاظ عربية صرفة، ولغة العرب متسعة فقد تخفى على الأكابر. ونقل ذلك عن أبى المعالى عزيزى بن عبد الملك، ونقل قولا رابعا بوقوعه فيه، وأجابوا عن قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا أنها كلمات يسيرة لا تخرجه عن كونه عربيا، وعن قوله تعالى: ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أن المعنى أكلام أعجمى ومخاطب عربى، واستدلوا أيضا باتفاق النحاة على منع صرف (إبراهيم) للعلمية والعجمة. وردّ هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل الخلاف، ولكنهم وجّهوه بأن تجويزه فى الأعلام يجوزه فى الأجناس. ونقل السيوطى أن أقوى دليل لهم- وهو اختياره- ما رواه الطبرى عن أبى ميسرة التابعى قال: فى القرآن من كل لسان. بسند صحيح. وروى مثله عن سعيد بن جبير ووهب ابن منبه، وعليه يكون فى القرآن إشارة إلى أنواع اللغات والألسنة ليتم إحاطته بكل شىء. ثم ذكر عن ابن النقيب قوله فى أن القرآن جمع كل اللغات. ثم استدل السيوطى بأن الرسول ﷺ مرسل للعالمين، فلا بد أن يجمع القرآن كل اللغات. ونقل عن الخويّيّ (٨) أنه ذكر فائدة أخرى لوقوع المعرب فى القرآن، وهو: أن المعرب الواقع فى القرآن لا يسع الفصيح إلّا استعماله، وضرب لذلك مثالا ب (إستبرق) بأن عظمة الوعد تكون بالوعد بالملبس الناعم، والحرير كلما كان أثقل كان أرفع، فوجب على الفصيح أن يذكر الحرير الأثخن

стр. 131

الأثقل، وهذا هو الإستبرق، ولو أراد أن يأتى بكلمة عربية واحدة فلن يستطيع؛ لأنها لن تكون فى نفس درجة الفصاحة، أو لا توجد؛ لأن العرب عرفوا الحرير عن العجم والديباج الثقيل لا وضع لهم فيه، فاكتفوا بتعريب (الإستبرق)، ولو لم يستعمل (الإستبرق) لتكلم بكلمتين، والكلمة الواحدة أوجز. ثم نقل عن أبى عبيد القاسم بن سلام حكايته القول بالوقوع عن الفقهاء، ثم نقل جمعه بين القولين بأن جعل هذه الكلمات أصولها أعجمية، وهذا به يصدق قول الفقهاء، ولكن العرب عرّبوها فصارت عربية. وإلى هذا الجمع ذهب الجواليقى وابن الجزرى وآخرون أه. (٩) قلت: ما ذكره السيوطى عن أبى عبيد عقّب عليه ابن فارس فأنكر على أبى عبيد أنه نسب القائلين بوقوع المعرب فى القرآن للجهل، ولكنه وافقه فى الجمع فقال: «فالقول إذن ما قاله أبو عبيد، وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره». (١٠) والكلام فى هذه المسألة مبسوط فى كتب فقه اللغة وأصول الفقه وفيه مصنفات مفردة كالجواليقى وما ذكره السيوطى فى كتابه. وقد جمعنا لك خلاصته. ثم السيوطى جمع كل ما قيل فيه معرب ورتبها على حروف المعجم، ونحن نكتفى بالمثال الذى أوردناه عن الخويّيّ فى (الإستبرق). أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 132

غريب القرآن عرّف السعد التفتازانى فى شرحه «لتلخيص المفتاح» الغرابة بأنها: «كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال» ثم قال: «لا يقال الغرابة كما يفهم من كتبهم: الكلمة، غير مشهورة الاستعمال، وهما فى مقابلة المعتادة، وهى بحسب قوم دون قوم. والوحشية، هى المشتملة على تركيب ينفر الطبع منه وهى فى مقابلة العذبة، فالغريب يجوز أن يكون عذبا، فلا يحسن تفسيره بالوحشية، بل الوحشية قيد زائد لفصاحة المفرد، وإن أريد بالوحشية غير ما ذكرنا، فلا نسلم أن الغرابة بذلك المعنى تخل بالفصاحة، لأنا نقول هذا أيضا اصطلاح مذكور فى كتبهم، حيث قالوا: الوحشى منسوب إلى الوحش الذى يسكن القفار استعيرت للألفاظ التى لم يؤنس استعمالها. والوحشى قسمان: غريب حسن، وغريب قبيح. فالغريب الحسن: هو الذى لا يعاب استعماله على العرب؛ لأنه لم يكن وحشيا عندهم، وذلك مثل: شرنبث واشمخر واقمطر. وهى فى النظم أحسن منها فى النثر، ومنه غريب القرآن والحديث. والغريب القبيح: يعاب استعماله مطلقا، ويسمى الوحشى الغليظ، وهو: أن يكون مع كونه غريب الاستعمال ثقيلا على السمع كريها على الذوق ويسمى المتوعر (١) أيضا» أه. وقال عبد الحكيم السيالكوتي- ﵀ تعقيبا على قول السعد: «فالغريب الحسن هو الذى لا يعاب استعماله على العرب. اعلم أن الألفاظ على ثلاثة أقسام: منها ما هى مستعملة مطلقا كالأرض والسماء، فلا يعاب استعماله على أحد، ومنها ما هى مستعملة فى العرب العرباء غير مستعملة فى غيرهم، فلا يعاب استعمالها عليهم ويعاب على غيرهم، ومنه غريب القرآن والحديث- ومنها ما هى غير مستعملة مطلقا، فيعاب استعمالها على الكل، فمنه ما هو كريه على الذوق والسمع كجحيش (٢)، ومنه ما هو غير مكروه كتكأكأتم وافرنقعوا» (٣)، وإليه أشار الشارح ﵀ بقوله- فيما سيأتى فى وجه النظر- من أن الجرشى (٤) إما من قبيل تكأكأتم أو جحيش، فعلم مما ذكرنا أن قوله: والوحشى قسمان ليس المقصود منه الحصر بل مجرد إطلاق الغريب على الوحشى.

стр. 133

ثم ذكر أن عدم الغرابة المعتبرة «هى عند العرب العاربة لا عند غيرهم، فلا تعتبر الغرابة عند غيرهم وجودا ولا عدما (٥)» إذن الغريب قسمان: (١) قبيح غير مأنوس الاستعمال لدى جمهور العرب العاربة، وهو عيب يخل بالفصاحة، ولذا لا يشتمل القرآن على شىء منه؛ لأنه إن وجد جرّ لنسبة الجهل أو العجز له عن ذلك علوا كبيرا، كما يقول السعد فى شرحه «لمختصر التلخيص» (٦) قلت: «أو السفه والعبث؛ لأنه- إن لم يعلم بعدم فصاحة الكلمة لزم نسبة الجهل إليه، وإن علم فلم يستطع وضع الفصيح لزم العجز، أو استطاع ولم يضع، لزم العبث بتعريض القرآن لما يسقط حجيته، ونبيه لما يذهب نبوته؛ ولذا لا شىء منه فى كلام الله- ولا كلام نبيه ﷺ .» (٢) حسن مأنوس لدى جمهور العرب الخلّص، وإن غمض على من سواهم بقدر ما يجهلون من مدلول اللغة، أما العرب لا يتصور فى حقهم الجهل بهذا القسم، وإلا صار كالأول وللزمت منه مفسدة فوق ما ذكرنا، وهى التناقض بأن نجعله عند العرب حسنا مأنوس الاستعمال، ونجعله كذلك عندهم قبيحا مهجور الاستعمال، وكذلك يستلزم اختلال القسمة؛ لأن المقسوم ليس أعم من أقسامه، بل القسم الواحد هو عين مقسومة وهو عين القسم الآخر فالغريب ليس أعم من القبيح بل هو عين القبيح، والقبيح هو عين الحسن فليس هناك قسمة. والذى دفعنا لهذا التفصيل هو غفلة بعض أصحاب الرواية عنه، وهم الذين يشترطون لصحة الحديث خلوه من الشذوذ والعلة، ومع ذلك ينقلون عن جماهير الصحابة أنهم كانوا- وهم العرب الخلص- يجهلون مدلول اللغة، وهذا يستلزم جميع المعانى السابق ذكرها، ودفعهم إلى ذلك حرفيتهم فى اتباع صحة السند ما رواه أبو عبيد القاسم وابن سعد عن أبى بكر الصديق وعمر- رضى الله عنهما- فى عدم معرفة (الأب) فى قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا، وإن كان ابن كثير أعلّ الأثر المروى عن أبى بكر بالانقطاع؛ لعدم إدراك إبراهيم التيمى- الراوى عن أبى بكر- أبا بكر الصديق، ولكنه لعله رفعه لدرجة الحسن بالأثرين الشاهدين له عن عمر ﵁، وتكلف ابن كثير فى تأويل الأثر بأن عمر ﵁ أراد استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتا فى الأرض معلوم لقوله تعالى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وكان يكفى الحافظ إعلال متن الأثر بما سبق أن ذكرنا من علة متمثلة فى المفاسد السابقة.

стр. 134

أسباب أخرى لغرابة هذا القسم الحسن لدى العرب الخلص: قدمنا بأن جهل العرب الخلص بمدلول القسم الحسن من الغريب غير مقصود؛ لذا فهناك أسباب أخرى غير الجهل منها: (أ) تعنت مشركى قريش وتجاهلهم فى فهم الواضحات تلبيسا على القرآن والنبى ﷺ كسؤالهم عن الرحمن فيما أورده القرآن فى قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٧). وقد بيّن أبو حيان فى «تفسيره» أنهم استفهموا عن (الرحمن) وهم عالمون به (٨). وذلك كما صنع فرعون حيث جحد الحقيقة عند ما سأل عن رب العالمين وهو يعلم حقيقة الأمر وحقيقة الإطلاق والاستعمال. وما استظهره أبو حيان هو عين ما استظهره الآلوسي وهو الحق الذى لا ريب فيه. فهم يعلمون من الاشتقاق أن هذا الاسم مشتق من صفة الرحمة للدلالة على المبالغة فيها. (ب) واستهداف المشركين إظهار القرآن فى مظهر السابق المتهافت والعابث اللاهى، ويظهر هذا بوضوح عند تشبيههم على شجرة الزقوم وهم يقولون: النار تأكل الشجر فكيف تنبت فيه شجرة. وقال آخر: ما الزقوم إلا التمر بالزبد وأنا أتزقمه فردّ عليه القرآن بقوله تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٩) وقد ذكر البغوىّ فى تفسير هذه الآيات أن ابن الزبعرى قال لصناديد قريش: إن محمدا يخوفنا بالزقوم؛ فجمعهم أبو جهل فى بيته وقال لجارية: زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمدا فقال تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (١٠). وغير ذلك من النماذج من هذا النمط الخبيث، من نحو سخريتهم من عدد التسعة عشر لخزنة النار، على ما جاء فى سورة المدثر، وحمل اليهود استقراض الله خلقه على حقيقته لا على مجازه أو الاستعارة التمثيلية حتى قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، واستشكال نصارى نجران من أخوّة

стр. 135

مريم لهارون، وهى أخت موسى- ﵉ فكان القرآن يرد بحسم على تشبيهاتهم وسفههم. وكذلك النبىّ ﷺ عند ما ردّ على نصارى نجران بأنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وصالحيهم (١١). (ج) الفهم الخاطئ عن حسن قصد لبعض نصوص التنزيل؛ بسبب النقص فى أدوات الاجتهاد الأخرى، مما يدفع للتسرع والعجل، وقد وقعت نماذج من ذلك من الصحابة رضى الله عنهم، وكأنه- سبحانه- أراد أن ينبه على وجود التزام أقصى غايات الاحتياط وبذل الجهد فى فهم الكتاب العزيز؛ لأن الصحابة الذين شهدوا منازل الوحى يقع منهم مثل هذا، فعلى الجميع أن يتحروا التقوى وبذل أقصى الجهد فى فهم الكتاب، وسنعرض نموذجين فقط من هذه النماذج وهما: (١) ما وقع فى فهم بعض الصحابة لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، فالمجاز المشهور الذى يكاد يلحق بالحقيقة، أن المقصود بالخيط الأبيض بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل، ثم نزل البيان المانع من حمل معنى الخيطين على الحقيقة، وهو قوله- تعالى-: مِنَ الْفَجْرِ ولكن بعض الصحابة حملوا المعنى على الحقيقة فجاء بخيطين: أبيض وأسود، وربطهما في قدميه، وظل يأكل حتى يتبين كل واحد من الآخر، حتى نزل البيان بقوله: مِنَ الْفَجْرِ هكذا فى رواية البخارى (١٢) التى نقلها الحافظ ابن كثير فى تفسيره، ثم ذكر روايات أخرى فقال: «وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام أخبرنا حصين عن الشعبى أخبرنى عدى بن حاتم قال لما نزلت هذا الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود، والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتى. قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لى الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذى صنعت فقال: إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل». أخرجاه فى الصحيحين (١٣) من غير وجه عن عدى. ويعنى قوله: «إن وسادك إذا لعريض أى: إن كان ليسع الخيطين الأسود والأبيض المراد بهذه الآية تحته، فيقتضى أن يكون بعرض المشرق والمغرب. وهكذا وقع فى رواية البخارى (١٤) مفسرا بهذا: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو

стр. 136

عوانة عن حصين عن الشعبى عن عدى قال: أخذ عدى عقالا أبيض وعقالا أسود حتى إذا كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتى ... قال: «إن وسادك إذا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك». وجاء فى بعض الألفاظ «إنك لعريض القفا». ففسره بعضهم بالبلادة. وهو ضعيف، بل إذا صح فإنه يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض. والله أعلم. ويفسره رواية البخارى (١٥) أيضا: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبى عن عدى بن حاتم قال: قلت يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال «إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين، ثم قال لا بل هو سواد الليل وبياض النهار». انتهى المقصود منه (١٦). (٢) النموذج الثانى: ما وقع من بعض الصحابة فى فهم قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (١٧) فقد فهمت عائشة- رضى الله عنها- أن المنة والنعمة من الله فى تخفيف الحساب، فوقع عندها تعارض بين معنى الآية وحديث رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب». فبين لها رسول الله ﷺ وجه الصواب. والقصة كما أخرجها البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود من حديث ابن أبى مليكة قال: إن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبى ﷺ قال: «من نوقش الحساب عذب». فقالت: أليس يقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً، فقال: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك». وفى رواية: «وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب». وفى أخرى قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس أحد يحاسب إلا هلك». قلت: يا رسول الله، جعلنى الله فداك، أليس الله تعالى يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال: «ذلك العرض تعرضون، ومن نوقش الحساب هلك» (١٨) إلى غير ذلك من نماذج هذا اللون الواقعة فى عهده ﷺ وهى أفراد قليلة على أية حال. (د) أن يقع عام يراد به الخصوص، أو يخصص بما يقع به البيان من كتاب أو سنة فلا يعلم المراد إلا بذلك البيان. (هـ) أن يقع مطلق فيقع تقييده من بيان القرآن أو السنة فيحتاجون لمعرفة البيان. (و) أن يقع مجمل يبينه الكتاب أو السنة كذلك فيتوقف فهم المراد على هذا البيان.

стр. 137

(ز) أن يأتى مبهم من مبهمات القرآن وقع بيانها فى الكتاب أو السنة، كتفسير لفظ: (خليفة) فى قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فجاء البيان فى القرآن بأنه (آدم) ﵇، وكذلك (العبد الصالح) فى آية الكهف: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً، فجاء البيان فى السنة فى حديث البخارى الطويل بأنه الخضر ﵇. (ح) تبادر أن للمنطوق مفهوما ثم يبين صاحب الشريعة أنه لا مفهوم له- كما فى حديث آية قصر الصلاة فى السفر: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فإن قيد إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لا مفهوم له، بيّن لهم ذلك المصطفى ﷺ حين قال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته» (١٩) وذلك جواب على استفسار بعض الصحابة الذين أشكل عليهم فهم الآية؛ لأن القيد هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب أسفارهم كانت مخوفة. وكذلك خرج القيد مخرج الغالب فى قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ. (ط) أن تراد الحقيقة الشرعية (عند القائلين بوقوعها) وهى دون الحقيقة اللغوية فيحتاجون للبيان من الشارع. فهذه تسعة أسباب لوقوع هذا القسم من الغريب للعرب الخلص من الصحابة، ثم امتنعت خطوات الحديث عن الغريب بعد عصر النبوة، وفى عصر الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم، وكلما طال الزمان على الناس، احتاجوا إلى البيان وإلى المزيد منه، ثم اتسعت الدولة الإسلامية وظهر المولدون وذهب العرب الخلص، فصار الاحتياج إلى ما كان ظاهرا بينا، حتى سرى إلى كثير من العامة وإلى بعض الخاصة، فصنفت كتب النحو والصرف والبلاغة والمعاجم وفقه اللغة، وأفردت المصنفات فى غريب القرآن، وبيان أن اللفظ لا تتوقف معرفته على معرفة حقيقته؛ لأن حمله على الحقيقة اللغوية قد يسبب مفاسد عظيمة فى فهم النص الشرعى، وأوضح من دلل على فائدة معرفة معانى مفردات غريب القرآن الراغب الأصفهانى فى مقدمة كتابه «المفردات»، فقد بيّن أن أول درجات الوصول لمعانى القرآن فهم مفرداته، بل هى أول درجات إتقان العلوم المختلفة؛ لأن ألفاظ القرآن هى لب كلام العرب، وذكر أنه فى كتابه سيبين الألفاظ القرآنية ويبين مناسبتها لسياقها والاشتقاقات وكذلك الألفاظ المستعارات منها (٢٠).

стр. 138

وقال السيوطى فى «الإتقان»: «أفرده (يعنى بيان الغريب) بالتصنيف خلائق لا يحصون منهم: أبو عبيدة، وأبو عمر الزاهد، وابن دريد، ومن أشهرها (كتاب العزيزى)؛ فقد أقام فى تأليفه خمس عشرة سنة، يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنبارى، ومن أحسنها (المفردات) للراغب، ولأبى حيان فى ذلك تأليف مختصر فى كراسين. قال ابن الصلاح: وحيث رأيت فى كتب التفسير: (قال أهل المعانى)، فالمراد به مصنفو الكتب فى معانى القرآن، كالزجاج، والفراء، والأخفش، وابن الأنبارى». انتهى. وينبغى الاعتناء به، فقد أخرج البيهقى من حديث أبى هريرة مرفوعا: «أعربوا القرآن، والتمسوا غرائبه»، وأخرج من حديث ابن عمر مرفوعا: «من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات». المراد بإعرابه معرفة معانى ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصطلح عليه عند النحاة، وهو ما يقابل اللحن؛ لأن القراءة مع فقده ليست قراءة، ولا ثواب فيها. وعلى الخائض فى ذلك التثبت، والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن (٢١) أه. وقد قام مجمع اللغة العربية بمصر بتصنيف مصنف نفيس فى هذا الباب باسم (معجم ألفاظ القرآن الكريم) استفاد واضعوه من جميع كتب التفسير. أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة

стр. 139

مصادر ومراجع للاستزادة والبحث فى: (١) الإتقان فى علوم القرآن، للسيوطى. (٢) البحر المحيط، لأبى حيان، ط ١ دار الفكر، بيروت. (٣) البرهان فى علوم القرآن، للزركشى. (٤) التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريق الإتقان، للشيخ ظاهر الجزائرى، تحقيق الأستاذ الدكتور عبد الفتاح أبو غدة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب. (٥) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير. (٦) جامع الترمذى. (٧) الجامع الصحيح للبخارى. (٨) حاشية السيالكوتي على المطول، ج ١، استنبول. (٩) الرسالة، للإمام الشافعى، تحقيق وشرح الأستاذ أحمد شاكر. (١٠) روح المعانى، للآلوسى. (١١) الصاحبى فى فقه اللغة، لابن فارس. (١٢) صحيح مسلم. (١٣) مختصر السعد التفتازانى ضمن شروح التلخيص ط/ عيسى الحلبى. (١٤) المطول فى شرح تلخيص المفتاح له، ج ١ بهمن بقم- نشر مكتبة آية الله العظمى المرعشى النجف بقم- إيران. (١٥) معالم التنزيل للبغوى بهامش تفسير الخازن المسمى لباب التأويل فى معانى التنزيل ج ١ مصطفى الحلبى. (١٦) المفردات فى غريب القرآن، للراغب الأصبهانى ط ١ مصطفى الحلبى.

стр. 140

منطوق القرآن ومفهومه المنطوق لغة: اسم مفعول من النطق، فهو كالملفوظ وزنا ومعنى، ففي «القاموس»: النطق: التكلم بصوت مرتفع وحروف تعرف بها المعانى. والمفهوم لغة: المعنى المستفاد من اللفظ المنطوق، فهو اسم مفعول من الفهم بمعنى العلم، فالمنطوق: اللفظ، والمفهوم: معناه. ولأهل أصول الفقه اصطلاحان مشهوران فيهما: أحدهما لابن الحاجب يخالف فيه الآمدى والجمهور، فيعرف المنطوق بأنه: دلالة اللفظ على معنى فى محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما للمذكور. ويعرف المفهوم بأنه: دلالته (أى اللفظ) على معنى لا محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور. فالمنطوق والمفهوم عنده قسمان للدلالة اللفظية. وثانيهما للآمدى والجمهور فيعرفون المنطوق بأنه: ما (أى معنى) دل عليه اللفظ فى محل النطق. والمفهوم بأنه: ما دل عليه اللفظ لا فى محل النطق. وبهذا هم يجعلونهما من أقسام المدلول لا للدلالة. والفرق بين الدلالة والمدلول: أن الدلالة كون اللفظ. بحيث يفهم منه المعنى، أما المدلول فهو نفس معنى اللفظ. ولا شك أن الجمهور لا يقصر المنطوق على الحكم بل يعديه ليشمل الذوات. وكذلك يشمل عندهم: (النص): وهو ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل. و (الظاهر): ما يحتمل وجهين وأريد الراجح منهما لتبادره للفهم بنفسه. و (المؤول): وهو ما احتمل وجهين وحمل على المرجوح منهما لدليل استوجب صرفه عن الراجح إليه. وبهذا يتضح أن المنطوق عندهم يكون حقيقة كما فى النص والظاهر يكون مجازا كما فى المؤول. ولقد حرر هذه المسألة تحريرا بديعا العلامة الشربينى فى تقريره على «حاشية البنانى على شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع» عند تعريف ابن السبكى للمنطوق بأنه ما دل عليه اللفظ فى محل النطق.

стр. 141

فقال: «اعلم أن ابن الحاجب جعل المنطوق والمفهوم أقساما للدلالة قال: المنطوق: دلالة اللفظ على معنى فى محل النطق، بأن يكون ذلك المعنى حكما للمذكور. والمفهوم: ودلالته على معنى لا فى محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور. ثم قسم المنطوق- وهو تلك الدلالة- إلى صريح، وغير صريح، فالصريح: دلالة اللفظ بالمطابقة أو التضمن. وغير الصريح دلالته على ما لم يوضع له بل يدل عليه بالالتزام وهو دلالة الاقتضاء والإيماء والإشارة. فدلالة فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ على تحريم التأفيف منطوق صريح، وعلى تحريم الضرب مفهوم ودلالة، «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى». على أن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يوما منطوقا غير صريح، وعلى هذا فالمنطوق خاص بالحكم دون الذوات. وقال الآمدى بعد ذكر الاقتضاء وغيره من هذه الأنواع التى جعلها ابن الحاجب أقساما لغير الصريح قبل ذكر المنطوق والمفهوم: أما المنطوق، فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ فى محل النطق وليس بصحيح، فإن الأحكام المضمرة فى دلالة الاقتضاء- كما ذكرناه- مفهومه من اللفظ فى محل النطق، ولا يقال لشىء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق: ما فهم من دلالة اللفظ نطقا فى محل النطق. انتهى. قال العلامة التفتازانى: «جعل المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة يحوج إلى تكلف عظيم فى تصحيح عبارات القوم، لكونها صريحة فى كونها من أقسام المدلول- كما فى كلام الآمدى- فالمصنف- ﵀ تابع القوم فى ذلك لعدم التكلف مع قصور عبارة ابن الحاجب عن تناول مدلول نحو: زيد، مما هو ذات لا حكم مع تصريح إمام الحرمين وغيره بأن النص والظاهر من أقسام المنطوق، ولا خفاء فى أن نحو: زيد والأسد، من جملة النص والظاهر (١)، إلا أنه أبدل ما فهم من اللفظ بما يدل عليه إشارة للرد على ابن الحاجب بأن المنطوق مدلول لا دلالة، وإشارة إلى اندفاع اعتراض الآمدى، فإن ما دل عليه اللفظ فى محل النطق معناه أن الدلالة على ذلك المدلول ثابتة فى اللفظ الذى هو محل النطق أى: المنطوق به، بمعنى أنها ناشئة من وضعه لا من خارج، بخلاف دلالة الاقتضاء والإشارة فإنها ليست ناشئة من وضع اللفظ بل من توقف صحة المنطوق على المقتضى (٢)، أو لزوم المعنى للمدلول (٣). وهذا المعنى لا يفيده قولهم: ما فهم من اللفظ فى محل النطق. فإن الفهم منه قد

стр. 142

يكون بواسطة اللزوم العقلى أو الشرعى، ثم إن هذا المنطوق بالمعنى الذى أراده المصنف لا يكون إلا صريحا، وأما المدلول اقتضاء أو إشارة فليس من المنطوق عند أحد، أما ابن الحاجب فإن المنطوق عنده: الدلالة لا المدلول. وأما المصنف والقوم فليس من المنطوق عندهم. لأن الدلالة عليه ليست فى محل النطق، وإنما هو عند المصنف من توابع المنطوق، فالمدلولات عنده ثلاثة: منطوق، وتوابعه، ومفهوم. وقد صرح بتثليث الأقسام الآمدى وبعض شروح المنهاج، فإن قلت: ما الفرق بين المفهوم وتوابع المنطوق؟ قلت: المفهوم يقصد التنبيه بالمنطوق عليه إما تنبيها بالأعلى على الأدنى وبالعكس، أو التنبيه بالشىء على ما يساويه، وكل ذلك للمناسبة بينهما، بخلاف توابع المنطوق كما يعرفه الذكى المحقق، ثم إن المصنف ترك من توابع المنطوق دلالة الإيماء، وسيأتى بيان وجهه إن شاء الله تعالى إلى المقصود منه» (٤). أه. ثم وفى هذا العلامة- ﵀ بما وعد به من حديث دلالة الإيماء فقال: «واعلم أن المصنف- ﵀ ترك دلالة الإيماء وهى: أن يقترن المنطوق بحكم أى وصف لو لم يكن ذلك الوصف لتعليل ذلك المنطوق لكان اقترانه به بعيدا؛ فيفهم منه التعليل ويدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى تنبيها وإيماء مثل اقتران الأمر بالإعتاق وبالوقاع الذى لو لم يكن هو علة لوجوب الإعتاق لكان بعيدا. لأن هذا إنما يفهم من سياق الكلام لا من اللفظ. وأيضا سيأتى مفصلا فى باب القياس (٥)». أه. ومن يطالع النص السابق وما قبله يظهر له أن المنطوق قد يكون فى المفردات كما فى النص والظاهر والمؤول أيضا، وكذلك يكون فى المركبات إذا كان المدلول حكما؛ لأن الحكم لا يتصور إلا فى المركبات. وهناك تقسيم آخر ذكر للمنطوق وهو: أن اللفظ إما أن يدل على تمام المعنى الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة مطابقة، وإما أن يدل على جزء معناه الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة تضمن، وإما يدل على لازم معناه الذى وضع له، وتسمى هذه الدلالة دلالة التزام. أما المفهوم- كما سبق- له اصطلاحان: فهو عند ابن الحاجب من قبيل الدلالة، وعند الجمهور من قبيل المدلول، ولكن هناك أمور مهمة ننبه عليها: أولا: المفهوم يطلق على الحكم تارة، وعلى محل الحكم أخرى، وعلى الحكم ومحله معا ثالثة، مثل (تحريم الضرب)، فالتحريم الحكم، والضرب محله، والمفهوم جمع بينهما

стр. 143

فصار (تحريم الضرب)، ولكن المنطوق يطلق على الحكم أو محله فقط. ثانيا: المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. فالأول: ما وافق حكمه حكم المنطوق، والثانى: ما خالف حكمه حكم المنطوق. والحكم فى الموافقة قد يكون أولى من حكم المنطوق وهذا يسمى فحوى الخطاب؛ لأنه كالريح تجده بمجرد سماع الخطاب، وقد يكون مساويا لحكم المنطوق ويسمى لحن الخطاب، فتحريم ضرب الوالدين أولى من تحريم التأفيف لما يشتمل عليه من شدة الإيذاء، وحرق مال اليتيم مساو لأكل ماله؛ لأنهما يتساويان فى إضاعة ماله وإتلافه. وهناك من قسم المفهوم إلى ثلاثة أقسام: الموافقة وقصرها على الأولى، والمساوى، والمخالفة. ولكننا نرد هذا التقسيم لأمرين: (أ) أنه سلب اسم الموافقة: عن المساوى، وهذا لا يصح؛ لأن المساوى موافق. (ب) أن من أخرج المساوى من الموافقة احتج كما يحتج بالموافقة فلا معنى لإخراجه- ومن ثم فمفهوم الموافقة يشتمل على الأولى والمساوى- وليس فى هذا المفهوم الأدون. والحكم الثابت بالمفهوم كالثابت بالمنطوق، فإذا كان حكم المنطوق قطعيا لاستناده لنظم اللغة فكذلك المفهوم، فالحكم الثابت بالمفهوم فوق الثابت بالقياس؛ لأن الثابت بالقياس يدرك بالرأى والاجتهاد، والمفهوم يدرك باللغة الموضوعة لإفادة المعنى. كذا فى «التوضيح والتلويح». ومن ذهب إلى أن دلالة المنطوق قد تكون قطعية ودلالة المفهوم ظنية إنما أخطئوا فى ضرب الأمثلة؛ لأنها أمثلة كلها لأحكام تدرك بالقياس. ثالثا: اتفق الكل على حجية مفهوم الموافقة، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك فى مواطن منها: طريق الدلالة هل القياس الجلى أم الدلالة اللفظية؟، وإذا كانت الدلالة اللفظية فهل بالمنطوق والمفهوم فى الحقيقة أم بالمفهوم؟ وفى «تحرير الجلال المحلى» لتلك المواطن ينقل عن الشافعى وإمام الحرمين والرازى. إن دلالة الموافقة قياسية سواء كان الأولى أو المساوى الجلى، وتكون العلة فى تحريم الضرب الإيذاء، وفى حرق مال اليتيم الإتلاف، وإن كان الشافعى وإمام الحرمين لم يجعلا المساوى من الموافقة، والرازى لم يصرح، ويرى الغزالى والآمدى أنها دلالة لفظية تفهم بالسياق والقرائن لا مجرد اللفظ، ففي تحريم الضرب فهم تعظيمها واحترامها فحرم الضرب والتأفيف، وكذلك حرق مال اليتيم فالمراد حفظه؛ ولذا منع الحرق والأكل، وعليه تكون دلالة مجازية

стр. 144

لإطلاق الأخص على الأعم، كإطلاق منع التأفيف على منع الإيذاء، وقيل: بل نقل اللفظ لهما عرفا فصار حرق مال اليتيم عرفا يطلق على إضاعته، وعلى القولين هما من المنطوق. وكثير من العلماء- منهم الحنفية- على أن الموافقة مفهوم لا منطوق ولا قياسي، ومنهم من تردد فيجعله تارة مفهوما وأخرى قياسيا كالبيضاوى، ورأى الصفى الهندى عدم التناقض فكلاهما مسكوت عنه. ورأى ابن السبكى أنهما مختلفان فالمفهوم مدلول اللفظ، والمقيس غير مدلول له. وبعد نقل تحرير الجلال المحلى أرى أن الصواب: أنها دلالة لفظية بطريق المفهوم؛ لأن من يقول: إنها دلالة قياسية يجعل هناك مفهوما أدون، وسبق ذكر منع ذلك، وكذلك لو كانت دلالة قياسية لمنعها من يمنع الاحتجاج بالقياس، ولكنهم احتجوا بها؛ ولأن من قال بأنها دلالة لفظية بطريق المنطوق فإن هذا يحوجه إلى ارتكاب المجاز أو النقل، والأصل عدمهما إلا بموجب ولا موجب لهما. رابعا: شرط مفهوم المخالفة: شرط العمل بمفهوم المخالفة أن يكون القيد فى اللفظ متعينا للاحتراز عما يناقضه، أى: جاء لإخراج ما عداه، ولا تكون فائدة غير هذا، فلو كانت له فائدة غيره قدمناها؛ لأن هذه الفائدة ستكون ظاهرة ومفهوم المخالفة خفية. فمن ذلك لو كان القيد لبيان الغالب كما فى قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فقوله تعالى: فِي حُجُورِكُمْ لا يعنى أن الربيبة التى ليست فى الحجر جائز نكاحها، الغالب أن الربيبة تكون فى الحجر. وكذلك قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فالبغاء حرام سواء مع الإكراه أو مع عدمه، وسواء مع إرادتهن أو مع عدمها، فإنما جاء قيد الإكراه ليصف الواقع الذى كانوا عليه فحسب، وهذا يعنى أن البغاء مع عدم الإكراه أيضا حرام؛ لأن القيد ليس للإخراج. وكذلك قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فقوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ليس معناه أن موالاة الكافرين مع المؤمنين جائزة، بل موالاة الكافرين على كل حال حرام. فكل هذه القيود قصد بها فوائد أخرى غير إخراج ما سوى المنطوق؛ ولذا فهى لا مفهوم لها أى: ليست لها مفهوم مخالفة، لفقد شرط الاحتجاج به وهو تعين القيد فى إخراج سوى المنطوق، ومن ثم فالاسم المجرد من القيد والمسمى (اللقب) لا مفهوم له؛ لأنه لا قيد له، وهذا هو الصحيح عند العلماء. خامسا: الصحيح أن طريق الدلالة فى

стр. 145

مفاهيم المخالفة هى اللغة، قال المحلى: (يقول كثير من أئمة اللغة بها منهم أبو عبيدة وعبيد تلميذه قالا فى حديث «الصحيحين» مثلا: «مطل الغنى ظلم» أنه يدل على أن مطل غير الغنى ليس بظلم، وهم إنما يقولون فى مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب) أهـ. وأنه لذلك حجة لدى الجمهور، وخالف فى ذلك الحنفية وهم محجوجون بما سبق من حتمية أن تكون للقيد فائدة. وبعد- فقبل أن ننفض أيدينا من هذا البحث، نرى أن نطلع القارئ الكريم على ما كتبه فيه أهل علوم القرآن، مجتزئين فى ذلك بقول السيوطى، ففيه- فوق التلخيص لمعظم ما سبق مما نقلناه من كلام أهل الأصول- فوائد أخرى تضاف إليه، قال ﵀: المنطوق: ما دل عليه اللفظ فى محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص، نحو: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (٦)، وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدا فى الكتاب والسنة. وقد بالغ إمام الحرمين (٧) وغيره فى الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل والاحتمال؛ وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ رد إلى اللغة، فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية؛ انتهى. أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، فالظاهر نحو: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ (٨)، فإن الباغى يطلق على الجاهل وعلى الظالم، وهو فيه أظهر وأغلب، ونحو: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (٩)، فإنه يقال للانقطاع: طهر، وللوضوء والغسل، وهو فى الثانى أظهر، فإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا، كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (١٠)؛ فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم، أو على الحفظ والرعاية، وكقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (١١) فإنه يستحيل حمله على الظاهر، لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق. وقد يكون مشتركا بين حقيقتين، أو حقيقة ومجاز، ويصلح حمله عليهما جميعا، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ فى معنييه أو لا. ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: مرة أريد هذا، ومرة أريد هذا. ومن أمثلته: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (١٢)؛ فإنه يحتمل: لا يضار الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور فى الكتابة والشهادة «ولا يضارّ» بالفتح، أى: لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما ما لا يلزمهما، وإجبارهما على الكتابة والشهادة.
следующие страницы →