فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ المجادلة/ ١ - ٤.
فقد أخرج ابن ماجة (٨١) عن عروة بن الزبير: قال: «قالت لى عائشة رضى الله تعالى عنها: تبارك الذى وسع سمعه كل شىء، إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علىّ بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله ﷺ وهى تقول: يا رسول الله أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبرت سنى، وانقطع ولدى ظاهر منى، اللهم إنى أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهذه الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ».
ومن أمثلة هذا القسم أيضا: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ ٨٥.
فقد أخرج البخارى (٨٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينا أنا مع النبى ﷺ فى حرث وهو متكئ على عسيب، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح: فقال:
ما رابكم إليه- وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى ﷺ فلم يردّ عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
فقد ورد فى سياق هذا الحديث، وحديث عائشة رضى الله تعالى عنها الذى قبله: ما يدل على نزول الآيات فى نفس الموقف أثناء حدوث أسباب النزول ودواعيها.
الثانى: ما صرح فيه بتراخى نزول الآيات عن حدوث سببها، بل وأكثر من ذلك حددت مدة هذا التراخى وذلك كما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ سورة النور/ ١١ - ٢٠.
فقد أخرج البخارى (٨٣) عن عائشة زوج النبى ﷺ ورضى الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه». والحديث طويل مفصل، ذكرت فيه أم المؤمنين رضى الله عنها قصة خروجها مع النبى ﷺ فى غزوة بنى المصطلق، وقصت ما
стр. 72
ذكره المنافقون فى شأنها، وما رموها به من حديث الإفك وإشاعة ذلك بين الناس، وأنها لما عرفت الأمر بعد فترة بكت بكاء شديدا، حتى ظن أبواها أن البكاء يفلق كبدها ... إلى أن قالت: «فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله ﷺ ، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى» وذكرت ما قاله رسول الله ﷺ وما أجابت به، حتى قالت:
«ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ فى النوم رؤيا يبرؤنى الله بها، قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه ... » إلى أن قالت: «وأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ العشر الآيات كلها».
فقول أم المؤمنين رضى الله عنها: (وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى) صريح فى تراخى نزول الآيات عن حدوث السبب، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «حكى السهيلى أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يوما، فألغى الكسر فى هذه الرواية.
وعن ابن حزم: أن المدة كانت خمسين يوما أو يزيد، ويجمع بأنها المدة التى كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن فى قصة الإفك، وأما التقييد بالشهر: فهو المدة التى أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر» (٨٤).
ولعل تأخر النزول فى هذه الحادثة- والله أعلم- كان نوعا من الابتلاء لمجتمع المؤمنين، ليمحّص إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق الذين فى قلوبهم مرض، وليتم إعداد المؤمنين لتلقى الدرس الذى نزلت به الآيات فى شأن الأعراض وحرمتها، والتشنيع على من ينتهك تلك الحرمة وبيان قبح فعله، وعظيم عقوبته، وذلك يتمثل فى قول الله تعالى ضمن الآيات النازلة: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
كما أن فيه تكريما لأم المؤمنين رضى الله عنها، بنزول براءتها فى القرآن الكريم، مع زيادة أجرها ومثوبتها لما عانته من الأذى فى هذه الفترة العصيبة.
أما نزول آيات الظهار فور وقوع الحدث:
فلعل من حكمته- والله تعالى أعلم- تلبية دواعى التشريع فى هذا الأمر الطارئ، الذى بدت فيه حاجة المرأة الماسة، وظروفها المتمثلة فى: كبر سنها، وضعف ذريتها، وقد تبدى ذلك كله فى مراجعتها لرسول الله ﷺ كما تذكر بعض الروايات، وكما جاء فى نص الآية الكريمة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما الآيات.
стр. 73
الثالث: ما لم يصرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب أو بتراخى هذا النزول، فهو يحتمل الأمرين معا.
ومثال ذلك: ما ورد فى شأن نزول قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً الفتح/ ٢٤.
فقد أخرج مسلم (٨٥) عن أنس بن مالك ﵁: «أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرّة النبى ﷺ ، فأخذهم سلما فاستحياهم، فأنزل الله :
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً».
فليس فى لفظ الحديث ما يدل على فورية النزول أو تراخيه، ولكنه على كل حال تم بعد وقوع السبب، هذا هو الشأن فيما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب: أن يتقدم السبب على ما ينزل فيه من الآيات.
ولكن الزركشى رحمه الله تعالى ذكر أنه:
قد يتقدم نزول الآيات على ما نزلت فى شأنه، وذكر أمثلة لذلك فقال: «واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم» وهذا كقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الأعلى/ ١٤.
فإنه يستدل بها على زكاة الفطر، روى البيهقى بسنده: أنها فى زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعا نحوه، وقال بعضهم: لا أدرى ما وجه هذا التأويل؟ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة.
(وأجاب البغوى فى تفسيره: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ سورة البلد/ ١، ٢. فالسورة مكية وظهر أثر الحل يوم فتح مكة حتى قال ﵇:
«أحلت لى ساعة من نهار» (٨٦).
وكذلك نزل بمكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ القمر/ ٤٥. قال عمر بن الخطاب: «كنت لا أدرى أى الجمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقول:
سيهزم الجمع ويولون الدبر» أ. هـ. كلام الزركشى رحمه الله تعالى (٨٧).
وما ساقه الزركشى هنا- فيما عدا الآية الأولى التى قالوا إنها فى شأن زكاة الفطر- يمكن حمله على أنه من باب الإخبار بالمغيبات التى وقعت كما أخبر القرآن عنها تماما، وذلك من أوجه إعجاز القرآن الكريم.
стр. 74
من نزل فيهم القرآن
المتتبع لأسباب النزول فى القرآن الكريم، يجد أنها تتنوع من جهة من نزلت فيهم آيات من القرآن، ويمكن تقسيم أسباب النزول بهذا الاعتبار إلى قسمين:
الأول: ما يتعلق بالمؤمنين.
الثانى: ما يتعلق بالكافرين: (من المشركين، والمنافقين، واليهود، والنصارى).
ولما كان المجال ليس مجال تفصيل لقصص النزول وأسبابه فى جميع من أنزل الله تعالى فيهم قرآنا، فإنا سوف نكتفى بذكر مثالين ممن ذكرنا تفصيلا، ثم نشير إجمالا إلى أكثر من أنزل الله فيهم قرآنا من هؤلاء، ذاكرين أسماءهم، وأرقام الآيات التى قال المفسرون إن الله تعالى أنزلها فيهم، وأسماء سورها، وفيما يلى بيان ذلك كله:
أولا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فيهم قرآنا من المؤمنين:
١ - أبو بكر الصديق: ﵁.
وهو عبد الله بن أبى قحافة، أول السابقين إلى الإسلام من الرجال، خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه فى الغار ورفيقه فى الهجرة (ت ١٣ هـ).
مما أنزل الله تعالى من القرآن فى شأن أبى بكر ﵁: قول الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
النور/ ٢٢.
أما قصة نزول هذه الآية: فإن المنافقين لما رموا الصديقة عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنها بما رموها به من حديث الإفك، كان ممن وقع من المسلمين فى هذا الأمر، وتكلم فيه: قريب لأبى بكر يسمى (مسطح بن أثاثة ابن عبّاد) وأمه بنت خالة أبى بكر الصديق (٨٨)، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره، فلما أنزل الله تعالى براءة عائشة، أخذ أبا بكر ﵁ من الألم النفسى والغضب البشرى ما حمله على أن يحلف على قطع النفقة عن مسطح.
فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٨٩) فى سياق حديث قصة الإفك، عن عائشة رضى الله تعالى عنها قولها: « ... فلما أنزل
стр. 75
الله فى براءتى، قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-:
والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذى قال لعائشة ما قال. فأنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر: بلى والله إنى أحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى النفقة التى كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا».
٢ - قيس بن صرمة الأنصارى: ﵁ أحد صحابة رسول الله ﷺ نزل فى شأنه قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ البقرة/ ١٨٧.
فقد أخرج الترمذى (٩٠) عن البراء ﵁، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى، وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق اطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه وجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبى ﷺ فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ففرحوا بها فرحا شديدا وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ».
ثانيا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فى شأنهم قرآنا من الكافرين:
(أ) المشركون:
١ - أبو جهل: أبو الحكم عمرو بن هشام.
كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وللمسلمين، واستمر على ذلك حتى قتل فى غزوة بدر الكبرى سنة ٢ هـ وقذف فى قليبها مع بقية القتلى من المشركين.
مما نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الأنفال/ ١٩.
стр. 76
فقد أخرج الحاكم (٩١) وصححه عن أبى صعير العذرى، قال: «كان المستفتح أبا جهل، فإنه قال حين التقى القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا نعرف فأحنه- أى أهلكه- الغداة. فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ إلى قوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ».
٢ - العاص بن وائل السهمى: من عتاة قريش ومن الذين آذوا المسلمين إيذاء شديدا.
مما نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ سورة يس/ ٧٧ - ٨٣.
فقد أخرج الحاكم (٩٢) وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: «جاء العاص ابن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل- أى متغير بالبلى- ففتّه، فقال: يا محمد، أيبعث الله هذا بعد ما أرمّ؟ قال: «نعم يبعث الله هذا، يميتك ثم يحييك، ثم يدخلك النار».
قال: فنزلت الآيات: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إلى آخر السورة».
(ب) المنافقون:
١ - عبد الله بن أبى بن سلول: رأس المنافقين فى المدينة.
مما نزل فى شأنه أكثر آيات- سورة المنافقون-
فقد أخرج البخارى (٩٣) عن زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنت مع عمى (٩٤) فسمعت عبد الله بن أبى بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال أيضا:
لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمى، فذكر عمى لرسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبى وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبنى، فأصابنى هم لم يصبنى مثله، فجلست فى بيتى فأنزل الله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ إلى قوله:
стр. 77
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا إلى قوله لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فأرسل إلىّ رسول الله ﷺ فقرأها علىّ، ثم قال: «إن الله قد صدّقك».
٢ - ما نزل من القرآن فى شأن المنافقين الذين كانوا يسخرون من صدقة الفقراء من المسلمين:
فقد أخرج البخارى (٩٥) رحمه الله تعالى عن أبى مسعود، قال: «لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنى عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ سورة التوبة/ ٧٩.
(ج) اليهود والنصارى:
١ - النبّاش بن قيس:
نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى:
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ الآية- المائدة/ ٦٤.
فقد ذكر الحافظ أبو بكر الهيثمى (٩٦) رحمه الله تعالى: ما رواه الطبرانى بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: «قال رجل من اليهود- يقال له: النبّاش ابن قيس-: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ».
٢ - ما نزل فى اليهود والنصارى: الذين قال كل منهما للآخر: إنه ليس على شىء.
فقد أخرج محمد بن جرير الطبرى رحمه الله تعالى (٩٧) عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: «لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع ابن حريملة: ما أنتم على شىء، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل: فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شىء وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة، فأنزل الله فى ذلك من قولهما: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ إلى قوله: فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ البقرة/ ١١٣».
وكما سبق التنبيه إليه: فإنه إذا كان المجال لم يتسع لذكر أسباب النزول فى كل من أنزل
стр. 78
الله تعالى فيهم قرآنا على وجه التفصيل، فإننا نشير فى إجمال بعد هذه الأمثلة- كما وعدنا- إلى العديد ممن نزل فيهم القرآن- حسب ما ذكره المفسرون فى تفاسيرهم، وأصحاب كتب أسباب النزول فى كتبهم- إضافة إلى من سبق ذكرهم فى ثنايا البحث فى جوانبه المتعددة.
فمن هؤلاء: ١ - قتادة بن النعمان: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١١٠ - ١١٢ من سورة النساء.
٢ - مرثد بن أبى مرثد: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٣ من سورة النور.
٣ - الأشعث بن قيس: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٧٧ من سورة آل عمران.
٤ - صهيب بن سنان الرومى: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٢٠٧ من سورة البقرة.
٥ - عثمان بن مظعون: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٨٧، ٨٨ من سورة المائدة.
٦ - عياش بن ربيعة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٥٣، ٥٤ من سورة الزمر.
٧ - عثمان بن طلحة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٥٨ من سورة النساء.
٨ - معقل بن يسار: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٢٣٢ من سورة البقرة.
٩ - جابر بن عبد الله: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٧٦ من سورة النساء.
١٠ - كعب بن مالك: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١١٨ من سورة التوبة.
١١ - النجاشى (ملك الحبشة): أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ٨٢ - ٨٤ من سورة المائدة.
١٢ - عبد الله بن سلام: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١٤٦ من سورة البقرة.
١٣ - عمار بن ياسر: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١٠٦ من سورة النحل.
١٤ - سعد بن أبى وقاص: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ١٤، ١٥ من سورة لقمان.
١٥ - ثابت بن قيس: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٢ من سورة الحجرات.
١٦ - عمر بن الخطاب: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ١٤، ١٥ من سورة الجاثية.
١٧ - على بن أبى طالب: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١٨ - ٢٠ من سورة السجدة.
стр. 79
١٨ - أبو لبابة بن عبد المنذر: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٢٧، ٢٨ من سورة الأنفال.
١٩ - حاطب بن أبى بلتعة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١ من سورة الممتحنة.
هؤلاء جميعا من المؤمنين من صحابة رسول الله ﷺ ورضى الله عنهم أجمعين، الذين أبلوا فى سبيل الله أحسن البلاء.
وهناك من الكفار من نزلت فيهم كذلك آيات من القرآن: تهديدا ووعيدا لهم، وتنديدا بأفعالهم.
من هؤلاء: ١ - الوليد بن المغيرة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١١ - ٢٦ من سورة المدثر.
٢ - أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب) وامرأته: أنزل الله تعالى فيه من القرآن سورة المسد.
٣ - كعب بن الأشرف: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٥١، ٥٢ من سورة النساء.
٤ - عقبة بن أبى معيط: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ٢٧ - ٢٩ من سورة الفرقان.
٥ - عامر بن الطفيل: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١٠ - ١٣ من سورة الرعد.
٦ - أمية بن خلف: أنزل الله تعالى فيه من القرآن: سورة الهمزة.
٧ - النضر بن الحارث: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ٣١ - ٣٣ من سورة الأنفال.
هذا وهناك كثير غير هؤلاء ذكر المفسرون: أنه قد أنزل الله تعالى فيهم آيات من القرآن، ولكن عند تأمل ما قالوه تبين أن أقوالهم مبنية على تكلف واضح، أو أن هناك احتمالا لنزول هذه الآيات فى من ذكروهم أو فى غيرهم، لذلك ضربنا عنها صفحا، ولم نذكر إلا من كانت سببية النزول فيه واضحة، لا تكلف فيها، ولا لبس فيها ولا احتمال.
وبالله التوفيق.
أ. د/ محمد السيد جبريل
стр. 80
مراجع للاستزادة:
(١) لباب النقول فى أسباب النزول: جلال الدين أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السيوطى، تحقيق: أ. د/ حمزة النشرتى وآخرين، دون طبعة أو تاريخ.
(٢) الدر المنثور فى التفسير بالمأثور: جلال الدين أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السيوطى، دار الفكر بيروت: ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.
(٣) زاد المسير فى علم التفسير: أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزى، المكتب الإسلامى، الطبعة الرابعة: ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧.
(٤) مباحث فى علوم القرآن: أ. د/ القصبى محمود زلط، دار القلم- الإمارات، الطبعة الثانية: ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.
(٥) رجال أنزل الله فيهم قرآنا: أ. د/ عبد الرحمن عميرة: دار اللواء- الطبعة الخامسة: ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.
وسلم قال: (إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل لأحد قبلى، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار .. ) الحديث.
стр. 81
المبادئ العامة والقيم فى القرآن الكريم
أنزل الله سبحانه القرآن كتاب هداية للعالمين، وهو يعد الكلمة الأخيرة للبشرية من الله، حيث ختم الله الرسالة بنبيه محمد وانقطع وحى السماء ووصفه بأنه: رسول الله وخاتم النبيين بسورة الأحزاب.
والقرآن يشتمل على ١١٤ سورة تبدأ بالفاتحة وتنتهى بسورة الناس أصغر سورة مكونة من ٣ آيات، وأكبرها من ٢٨٦ آية وهى سورة البقرة، ويشتمل على ٦٢٣٦ آية طبقا لرواية حفص عن عاصم، واشتملت آياته على مسائل العقيدة من توحيد ونبوات وأخبار اليوم الآخر يوم الحساب، وعلى مسائل التشريع، وعلى مسائل القيم والأخلاق التى تمثل عمود الدين وذروة سنامه، كما صيغت هذه المحاور الثلاثة فى صورة قصص الأنبياء وضرب الأمثال ووصف الإنسان والأكوان والأمر والنهى وغير ذلك.
إلا أن المتدبر فى القرآن يجد طائفة غير قليلة من الآيات القرآنية أو بعض الآية يمكن أن تعد مبدأ عاما يمثل مكونا أساسيا من عقلية المسلم، وهذه المبادئ العامة إذا جمعت فى نسق واحد ودرس ما بينها من علاقات بينية؛ لمثّل ذلك منهجا واضحا وأساسا متكاملا لتفكير المسلم سواء فى الجانب الفقهى والتشريع القانونى أو كان فى مجال الفكر والنظرة الكلية للإنسان والكون والحياة، أو كان فى مجال القيم والأخلاق على كافة المستويات، وتتبّع هذه المبادئ يساعد أيضا على بناء النموذج المعرفى الإسلامى بصورة لافتة للنظر.
أولا: المبادئ العامة فى القرآن الكريم
المبدأ العام:
كلمة مبدأ فى العربية مصدر ميمى، والمصدر الميمى يصلح للدلالة على الزمان أو المكان أو الحدث، وهذا يعنى أن كلمة (مبدأ) لغة تعنى زمان البدء أو مكانه أو نفس البدء، وكلمة (عام) تعنى الشمول لجزئيات تندرج تحتها، والمقصود بالمبدإ العام هنا: (حقيقة تهيئ الإنسان للتكليف) فالمبدأ يختلف عن مطلق الحقيقة التى كثيرا ما ينبه عنها القرآن
стр. 82
فى مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أو خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ.
أو: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحج: ٥.
أو غيرها من الحقائق الإيمانية أو الكونية حيث لا تشتمل على تكليف ولا تهيئ الإنسان لذلك التكليف مباشرة كما سنرى فى ضرب أمثلة المبادئ.
والمبدأ يختلف أيضا عن الحكم الشرعى الذى يشتمل مباشرة على التكليف مثل قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً الإسراء: ٧٨.
فأقم الصلاة تكليف، وجملة إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً حقيقة إيمانية.
والمبدأ يختلف أيضا عن القاعدة الفقهية أو الأصولية من حيث المنشأ، فالقاعدة الفقهية نشأت بعد تفريع الفروع فى الفقه الإسلامى وكأنها قد جردت فروعا كثيرة وأخذت المشترك بينها وصاغته فى صورة قاعدة مثل (لا ضرر ولا ضرار)، (الأمور بمقاصدها)، (الشك لا يرفع اليقين)، (العادة محكمة) ... إلى آخر ما اهتمت به كتب القواعد الفقهية والأشباه والنظائر.
وكذلك القواعد الأصولية التى نشأت من تتبع اللغة العربية أو المصادر الشرعية مثل (الاستثناء معيار العموم) أو (الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك) أو (النهى يقتضى الفساد) أو (المشترك لا يعم) ..
إلخ مما نراه يرد فى علم أصول الفقه.
خصائص المبدأ:
المبدأ يشتمل على حقيقة، وعلى تكليف مباشر، ولا معنى لوجوده من غير وجود الإنسان، فالإنسان هو موضوعه.
المبادئ القرآنية التى نوردها إنما هى على سبيل المثال تنبيها لهذا الجانب العظيم من القرآن الكريم، وهى تحتاج إلى تتبع واستقصاء مستقل، وبحث خاص يقوم بعد استقرائها بإيراد كلام أهل التفسير عنها، ثم يبين عناصر كل مبدأ وما يلزمه من مقدمات وما يترتب عليه من نتائج ثم يقوم ببيان العلاقة البينية بين كل هذه المبادئ لبناء النموذج المعرفى ثم بيان كيفية تشغيلها فى المجالات المختلفة: السياسة، والقانون، والاجتماع البشرى، والتربية، والفكر، والعبادة، والعقيدة، والدعوة ... الخ.
стр. 83
فمن تلك المبادئ:
١ - لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ البقرة ٢٥٦:
فهذه عبارة تبيّن حقيقة، لكنها حقيقة تهيئ الإنسان للتكليف، فتمنعه من فرض العقائد بالقوة، وترشد إلى الدعوة والحوار والتعددية الدينية، وأن الإسلام لا يريد منافقين يؤمنون بألسنتهم وتأبى قلوبهم الإيمان بل فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف: ٢٩ وادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل: ١٢٥ ولَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ الكافرون وإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ النساء ١٤٥ وهذا المبدأ يقرر حقيقة يترتب على تنفيذها عدة تكاليف وإجراءات وفى نفس الوقت يعد شعارا للإسلام وأساسا يمثل النموذج المعرفى الإسلامى الذى يعتبر معيارا لقبول ورفض الأفكار والآراء فى الإسلام.
٢ - كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ:
ورد فى قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا الإسراء: ٧٠.
والحمل فى البر والبحر، ورزق الله للناس من الطيبات حقائق مشاهدة، ولكن التكريم حقيقة تهيئ الإنسان لتكليف وتلزمه بإجراءات ومن هنا حق لها أن توصف بالمبدإ، ومن عناصر هذا المبدأ أن الله فضل بنى آدم على كثير ممن خلق، وأكد ذلك باستعمال المفعول المطلق الذى يعد استعماله هنا تأكيدا للتفضيل، وبيانا أنه تفضيل حقيقى لا يدخله المجاز، كما تقرر فى علوم العربية من أن استعمال المصدر كمفعول مطلق يدل على الحقيقة، وينبه لها، ويمنع دعوى المجاز.
تكريم بنى آدم يلزم منه أنه سيد فى هذا الكون، حتى وإن لم يكن سيدا له، فسيد الكون وخالقه هو الله، أما الإنسان فهو المخلوق المكلف الذى أسجد الله له الملائكة؛ تكريما له، وإعلانا لهذا التكريم بين الخلائق، وجعل الامتناع عن السجود إليه علامة بدء الشر وخراب الدنيا، وعدّها معصية إبليسية، طرد إبليس من أجلها، وجعله رجيما.
وتكريم بنى آدم يمكن أن يكون أساسا لاعتباره حامل الأمانة كما فى قوله تعالى:
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا الأحزاب: ٧٢. وهو أساس تكليفه بالعمارة هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
стр. 84
هود: ٦١ وأساس للخلافة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة: ٣٠ ويمكن اعتباره أساسا لحقوق الإنسان، التى هى جزء من حقوق الأكوان عند المسلمين، حيث يرون للجماد والنبات والحيوان حقوقا متسقة مع حقوق الإنسان فى منظومة كلية هى حقوق الأكوان.
٣ - أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ. الزمر: ٣:
وهو مبدأ قررته السنة فى الحديث الذى افتتح البخارى به صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ..
الحديث.
وهو الذى صاغه الفقهاء بعد تتبع الفروع الفقهية وتجريد المشترك بينها فى صورة قاعدة (الأمور بمقاصدها)، وهى قاعدة واسعة، مما يبين شدة اتصال الفقه الإسلامى
بمصادره، ونتبين من هذه القاعدة الفرق بين المبدأ والقاعدة، فالمبدأ منصوص عليه فى النص المقدس القرآن الكريم فهو أصل هذه القضية، أما القاعدة فهى من تتبع الفروع وتجريدها للبحث عن المشترك السارى فيها وهذا المبدأ يلزم منه تكاليف وإجراءات مبثوثة فى أكثر من سبعين بابا من أبواب الفقه الاسلامى.
٤ - الْقِصاصِ حَياةٌ. البقرة: ١٧٩:
فى قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ وهو مبدأ يبنى عليه الفقه الجنائى والضبط المجتمعى، وله تأثير فى علم النفس وعلم نفس التربية، وهو يمثل حقيقة واقعة فى الحياة وأنه يجب القضاء على الشر حيثما كان.
٥ - أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. النجم: ٣٨:
وهو مبدأ يتعلق بالعقيدة حيث لا يقر الإسلام الخطيئة الموروثة، ولا يقر مبدأ الجاهلية (الجار يؤخذ بجريرة الجار) ويؤكد المسئولية الشخصية فى كل المجالات فى القانون وفى الدين والعبادة، وعلى مستوى الأفراد والجماعات والدول، فهو مبدأ كبير جدا ومهم وله أثره فى كل المجالات.
٦ - وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. النجم: ٣٩:
مبدأ يمكن أن تقوم عليه قوانين العمل، وهو فى نفس الوقت شعار دينى واجتماعى وسياسى.
٧ - عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. المائدة: ٩٥:
وهو مبدأ يؤكد فورية القوانين، وأنها لا تكون بأثر رجعى، وأنه يجب البدء فى
стр. 85
تنفيذها فورا حتى مع عدم المؤاخذة على ما وقع فى الزمن الماضى.
٨ - ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ.
وهو مبدأ رفع الحرج ويؤكده وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. الحج: ٧٨.
ويرتبط مع مبادئ أخرى فى الأخذ بالعرف، والمشقة تجلب التيسير وذلك فى قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الأعراف: ١٩٩. وفى قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً الشّرح: ٦. وفى البحث عن المبادئ العامة ينبغى البحث عن العلاقات البينية بين تلك المبادئ، للوصول إلى منظومة يمكن أن تمثل أساس النموذج المعرفى الإسلامى الذى به التقويم.
والمبادئ العامة كثيرة (١) لا يمكن حصرها فى هذه المقدمة، وإنما أردنا أن ننبه إليها ومن أمثلتها أيضا:
٩ - وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ البقرة ١٩١.
١٠ - وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ البقرة ٢١٦.
١١ - الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ النساء ٣٤.
١٢ - مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ النساء ١٢٣.
١٣ - وَالصُّلْحُ خَيْرٌ النساء ١٢٨.
١٤ - لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها البقرة ٢٨٦.
١٥ - وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ النحل ١٢٦.
١٦ - إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا الإسراء ٣٤.
١٧ - وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى طه ٤٧.
١٨ - وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ الأعراف ١٥٧.
١٩ - وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ الأعراف ١٥٧.
ثانيا: القيم فى القرآن الكريم:
تسرى القيم فى كل آيات القرآن الكريم، بحيث يصدق قوله ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
والقرآن يشتمل على مجموعة كبيرة من القيم نخص بالذكر منها:
стр. 86
١ - القيم الفردية.
٢ - القيم الأسرية.
٣ - القيم الاجتماعية.
٤ - قيم الدولة.
أولا: القيم الفردية، منها:
١ - اجتناب سوء الظن:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ الحجرات: آية ١٢.
ولا يخفى ما يجره سوء الظن من وبال على الفرد.
٢ - إخلاص السرائر:
قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ البينة: آية ٥.
وقال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ الأنعام: ١٦٢.
ويظهر أثر إخلاص السريرة فى حياة الفرد ومدى ما يصلحه ذلك من سلوكه وأخلاقه.
٣ - الاستقامة:
قال تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ فصلت: ٦.
وقال : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا هود: ١١٢.
وهذه القيمة واضحة الأثر فى السلوك الجاد للفرد وتكوين الشخصية البعيدة عن الانحراف.
٤ - الاعتدال:
قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً الفرقان ٦٧.
وقال : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ الإسراء: ٢٩.
والاعتدال الفردى نابع من وسطية الأمة التى أشار الله إليها بقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً البقرة ١٤٣.
٥ - التنافس فى الخير:
قال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ آل عمران: ١٣٣.
стр. 87
وقال: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ المطففين: ٢٦.
ولا شك أن التنافس فى الخير باعث على تهذيب النفس وتقويمها لما يرى الفرد من مثل عليا يحاول مجاراتها والسير على حذوها.
٦ - الثبات والصبر:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الأنفال: ٤٥.
وقال تعالى: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ النحل: ١٢٧.
وفى صبر الفرد وثباته على مبادئه ما يقوى إرادته ويستلهم عزيمته.
٧ - الرقة والتواضع:
قال تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً الفرقان: ٦٣.
وقال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ آل عمران: ١٥٩.
ولا يخفى ما تؤدى إليه الغلظة والكبر من فساد النفس وتأبّيها على الإصلاح.
٨ - الصدق:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة: ١١٩ وقال تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ محمد: ٢١.
والمؤمن لا يكون كذابا أبدا؛ فالصدق أساس كل فضيلة.
٩ - طهارة النفس:
قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها الشمس ٩ - ١٠.
وقال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشعراء: ٨٨ - ٨٩.
ولا يستقيم سلوك الفرد إلا إذا نبع من قلب سليم طاهر.
١٠ - العمل الصالح:
قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فاطر: ١٠.
وقال: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) سورة العصر.
стр. 88
فالأعمال الصالحات مرقاة للعبد إلى رضوان الله وجنته.
١١ - العفّة والاحتشام وغض البصر:
قال تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ النور:
٣٠ - ٣١.
وقال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ النور: ٣٣.
وهى نعم الوقاية من وساوس الشيطان ومزالقه وكيده وشهواته.
١٢ - كظم الغيظ:
قال تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ آل عمران: ١٣٤.
وكظم الغيظ يؤدى إلى طهارة النفس وسلامة الصدر.
ثانيا: القيم الأسرية:
١ - الإصلاح:
قال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ النساء: ١٢٨.
وقال تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً النساء: ١٢٩.
٢ - بر الوالدين:
قال تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً الإسراء: ٢٣.
وقال : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً العنكبوت: ٨.
٣ - تربية الأولاد:
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الطور ٢١.
وقال تعالى: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ الفرقان: ٧٤.
٤ - الزوجية: سكن ومودة ورحمة:
قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً الروم: ٢١.
٥ - المساواة فى الحقوق والواجبات:
قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ البقرة: ٢٢٨.
القرآن وما يكتب فيه
أولا: القرآن: أسماؤه وإطلاقاتها لغة وشرعا
قال الجاحظ: «سمى الله كتابه اسما مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل. سمى جملته قرآنا، كما سموا ديوانا، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية (١).
وقد أفرد البعض أسماء القرآن بالتصنيف، فصنف فيها الحرالّيّ جزءا أنهى فيه أسامى القرآن إلى نيف وتسعين (٢) اسما.
وقال أبو المعالى عزيزى بن عبد الملك المعروف بشيذلة (٣) فى كتاب البرهان:
«واعلم أن الله سمى القرآن بخمسة وخمسين اسما» أهـ.
وإذا كانت كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبا كما يقولون، فإنه لا أشرف من القرآن ولا أجدر منه بالحظوة بكل شرف ورفعة، بيد أن أولئك الذين قد بلغوا بأسماء القرآن إلى هذا الكم الهائل نيّفا وتسعين أو خمسة وخمسين وما إلى ذلك قد أسرفوا، وما لزموا الجادة فى التفرقة بين ما حقه أن يعدّ اسما، وما هو من قبيل الأوصاف التى لا ينبغى نظمها فى سلك الأسماء، فلم يفرقوا بين القرآن الاسم، والحكيم الوصف.
وإنما الجدير أن يعدّ من أسماء القرآن حقا خمسة أسماء:
أولها: وأشهرها على الإطلاق: «القرآن» وفى بيان أصل هذا اللفظ ومأخذه نقول: لم يختلف أحد فى علمية- أى كونه علما- كلمة القرآن على هذا الكتاب الحكيم المجموع بين دفتى المصحف، وإنما الخلاف الواقع بين أهله فى هذه الكلمة فى ثلاثة أمور:
أحدها: هل نقل عن معنى كان قبل العلمية أو لا؟
ثانيها: هل هو مشتق أو مأخوذ من شىء أو لا؟
ثالثها: هل يهمز أو لا يهمز؟ وإن همز فهل همزته أصلية ونونه زائدة أو العكس.
وهاك تفصيل ذلك كله:
١ - قال قوم منهم اللحيانى (٤): «هو
стр. 95
مصدر لقرأت، كالرجحان والغفران، سمى به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر». أه (٥).
وهذه المقالة من أصحابها تتضمن أمرين:
أولهما: أن الكلمة التى جعلت علما لهذا الكتاب هى بعينها الكلمة التى جاءت فى اللغة مصدرا بمعنى القراءة، فتكون علميتها منقولة عن المعنى المصدرى، تسمية للمفعول بالمصدر، كاللفظ بمعنى الملفوظ، والمعنى المصدرى ظل مستعملا ولم يهجر مع استعمال الكلمة فى معنى المفعول أيضا.
وثانى الأمرين وهو يترتب على أولهما:
أن هذه الكلمة فى علميتها كما هى فى مصدريتها مهموزة همزتها أصلية ونونها زائدة على زنة فعلان، ومن حذف همزتها كقراءة ابن كثير ونطقها هكذا (قران) فهو من باب التخفيف بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها على وزن (فعان). وهذا القول بما يتضمنه من هذين الأمرين هو المختار الذى لا ينبغى التعويل إلا عليه (٦).
فمن ثم وفق الأستاذان الجليلان الزرقانى وغزلان كل التوفيق إذ اختاراه (٧).
وهذا الرأى هو ما عليه جمهور من كتب فى علم الأصول كالسعد التفتازانى والجلال المحلى.
٢ - وذهبت طائفة منهم الزجاج إلى أنه: وصف على وزن (فعلان) من القرء بمعنى الجمع.
وعلى ذلك يكون للفظة (القرآن) استعملان فى معنى المصدرية وتكون بمعنى القراءة الوصفية وتكون مشتقة من القرء بمعنى الجمع، والثانى هو العلم على خصوص الذكر الكريم.
وعليه أيضا تكون الهمزة أصلية فى الكلمة والنون زائدة، ومن حذف الهمزة تخفيفا نقل حركتها للساكن قبلها فصارت على وزن (فعان).
والذى أذهب إليه هو ضعف هذا الرأى وإن مال بعضهم إلى اختياره كالآلوسى، وقد ردّ هذا القول أيضا الشيخ غزلان بأن هذه الصيغة غير مألوفة فهى سماعية لا يخرج عليها إلى عند الضرورة، ولا ضرورة هنا (٨).
٣ - ونقل الزركشى عن بعض المتأخرين (٩) والسيوطى عن قطرب (١٠) أن:
مادة القرآن هى (قرأ) بمعنى أظهر وبيّن، وأنكر بعض المتأخرين أن تكون من القرء بمعنى الجمع لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، وهذا القول لم يبين أصحابه هل لفظة (القرآن) مصدر أم وصف على وزن فعلان، وإن كان المتعين من حكاية الزركشى
стр. 96
أنهم يجعلونها مصدرا من الإظهار وليس الجمع.
وعلى هذا القول تكون الهمزة من أصل الكلمة كسابقه، ولكن أصحاب هذا القول منعوا أن تكون لفظة (قرآنه) فى قوله تعالى:
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ من القرء بمعنى الجمع أو مصدرا بمعنى القراءة.
والصحيح أن العطف للفظة (قرآنه) على (جمعه) لا يلزم منه التكرار كما قالوا، بل (جمعه) يكون فى قلبه ﷺ ، و (قرآنه) يكون فى اللسان فيكون بمعنى القراءة، أو القرء بمعنى الجمع لحروفه بعضها البعض، وعليه يكون المعنى: أن يقرأ النبىّ ﷺ ما جمعه الله له فى صدره. وهذا المعنى هو الظاهر الراجح.
ولقد اتفقت الأقوال الثلاثة السابقة فى أمرين هما: علمية لفظة (القرآن) على الذكر الحكيم، وكون الهمزة من أصل كلمة (القرآن).
٤ - نقل الزركشى عن تاريخ الخطيب قول الشافعى: أنه قرأ القرآن على إسماعيل ابن قسطنطين ولم يكن يهمز (القرآن) وأنه كان يجعله اسما ليس مأخوذا من القراءة، ونقل عن الواحدي أيضا نسبة عدم الهمز لقراءة ابن كثير والشافعى وإن همز الأخير (قرأت)، فهى علم مشتق كما قاله جماعة من الأئمة (١١).
٥ - ونقل الزركشى أيضا عن البيهقى أنه: نقل عن جماعة أن (القرآن) مشتق من قرنت الشيء بالشىء إذا ضممته، لضمه السور والآيات بعضها لبعض. ونقل عنه نسبة هذا المعنى للأشعرى (١٢).
٦ - ونقل السيوطى عن القراء أنه:
مشتق من القرائن (١٣)، لأن الآيات يصدق بعضها بعضا.
والأقوال الثلاثة الأخيرة تتفق فى أمرين هما: أن لفظة (قران) لم تستعمل قبل التنزيل بل هى علم مرتجل وليس منقولا، وأنها غير مهموزة ونونها أصلية فهى على وزن (فعال)، ومن همز تكون على وزن (فعئال) بزيادة الهمزة. هذا كله فى لفظة (قرآن) فى غير آية القيامة.
ويختلف القول الثالث منها عن الآخرين فى جعله لفظة (قران) علما غير مشتق، وهما يجعلانه مشتقا.
وهذه الأقوال الثلاثة ضعيفة؛ لمخالفتها ما أطبق عليه القراء- ما عدا ابن كثير- من إثبات الهمزة، وادعاء زيادتها لأصحاب الأقوال الثلاثة بغير برهان؛ لأن الأصل عدم الزيادة، وهذا ما جعل الزجاج ينسب هذا
стр. 97
القول للسهو، وهو ما أشار إليه الفارسى فى الحلبيات. (١٤)
ومما يجب الالتفات إليه أن أصحاب الأقوال السابقة جميعها لا ينكرون مجىء لفظة (قرآن) مصدرا فى اللغة، ولكنهم عند ما يختلفون يتكلمون عن كلمة أخرى؛ لأنهم صرحوا بنسبة (القرآن) للاستعمال فى المصدرية، صرح بذلك الفراء والقرطبى، ويصعب أن يغيب مثل هذا الثابت فى اللغة عن أمثال الشافعى والفراء.
وأما ثانى أسمائه: فهو: «الفرقان» وقد سماه الله به فى قوله تعالى من سورة آل عمران: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ (١٥) وقوله جل قائلا: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١٦). وفى تفسير هذا الاسم يقول الزركشى فى البرهان: «وأما تسميته «فرقانا»؛ فلأنه فرق بين الحق والباطل، والمسلم والكافر، والمؤمن والمنافق، وبه سمى عمر بن الخطاب الفاروق». (١٧)
وذهب لمثل هذا المعنى الآلوسي وإن زاد أنه قد يكون سمّى بذلك لفصل بعضه عن بعضه الآخر، أو لكونه نزل مفصلا وليس دفعة واحدة كغيره من الكتب، وزاد أيضا أنه مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول. (١٨)
ومما سبق نقله تكون كلمة (الفرقان) تطلق ويراد منها الفاعل أى الفارق؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وتطلق ويراد منها المفعول أى المفروق بين سوره أو بين نجومه فى نزوله، أو المفروق فيه بين الحق والباطل.
وقد رد العلامة الآلوسي جميع أسماء القرآن وأوصافه لهذين الاسمين (القرآن والفرقان)؛ ولذا اقتصر عليهما. (١٩)
وأما ثالث هذه الأسماء الخمسة: فهو «الكتاب». قال الآلوسي ﵀ فى تفسيره من قوله تعالى سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (والكتاب كالكتب مصدر كتب ويطلق على المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس (١٩)، والكتب كما قال الراغب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة. وفى المتعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض. والأصل فى الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، ولذا يستعار كل واحد للآخر، ولذا سمّى (كتاب الله) وإن لم يكن كتابا، والكتاب هنا إما باق على المصدرية وسمى به المفعول للمبالغة أو هو بمعنى المفعول، وإطلاقه على المنظوم عبارة قبل أن تنتظم حروفه التى يتألف منها
стр. 98
فى الخط تسمية بما يؤول إليه مع المناسبة.
ويطلق الكتاب كالقرآن على المجموع المنزل على النبى المرسل ﷺ وعلى القدر الشائع بين الكل والجزء) (٢٠) أهـ.
وبعد هذا التحرير لأمر هذه الأسماء الثلاثة، لم يبق غير ردّ دعاوى بعض أتباع المستشرقين من أمثال بلاشير وكرنكو عند ما يذهبون إلى عدم أصالة هذه الألفاظ الثلاثة فى اللغة العربية، وأنها ترتد لأصل آرامى. (٢١)
وهذا باطل أيضا من جهة أخرى: أن استعمال العرب هذه الألفاظ قبل التنزيل كان كافيا لتعريبها.
وأما رابع هذه الأسماء فهو «التنزيل» قال فى تفسيره الزركشىّ ﵀: «وأما تسميته (تنزيلا)؛ فلأنه مصدر نزلته لأنه نزل من عند الله على لسان جبريل؛ لأن الله تعالى أسمع جبريل كلامه وفهمه إياه كما شاء من غير وصف ولا كيفية، فنزل به على نبيه، فأداه هو كما فهمه وعلمه» أهـ (٢٢).
وقد جاء ذكر هذا اللفظ- أعنى لفظ التنزيل- فى نحو قوله تعالى من سورة الشعراء: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقوله فى سورة الحاقة تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وأما خامس هذه الأسماء فهو: «الذكر» كما فى قوله تعالى فيما قال جوابا على المتهكمين على القرآن ونبيه ﷺ : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ الآية. وقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. (٢٣) وقوله علا وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ الآية.
وقوله سبحانه: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. وقوله جل من قائل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (٢٤). وقوله تعالى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ. (٢٥)
والذكر مصدر ذكر يذكر، فإطلاقه على التنزيل المجيد إما لكونه ذاكرا للناس ما يصلح أمر معاشهم ومعادهم مذكّرا بما فيه من البشارة والنذارة، فيكون من إطلاق المصدر على الفاعل، وإما لكونه مذكورا بفضله وشرفه، وبالقلب وعيا وإجلالا، وباللسان تلاوة وعلما، مذكورا فيه ما لا يستقيم أمر الخلق إلا به، فيكون من إطلاق المصدر على المفعول.
ويجوز أن يكون من الذكر بمعنى الشرف لكونه شريفا فى نفسه مشرفا لمن انتسب إليه وتخلق به. قال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ وقال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ
стр. 99
لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ. فيكون من الإطلاق الأول- أعنى إطلاق المصدر على الفاعل-.
وعبارة الزركشى ﵀ فى تفسير هذا الاسم: «وأما تسميته ذكرا» فلما فيه من المواعظ والتحذير وأخبار الأمم الماضية، وهو مصدر ذكرت ذكرا.
والذكر: الشرف. قال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أى: شرفكم أه. (٢٦)
وبعد فهذه هى الأسماء الخمسة لهذا الكتاب العظيم أغفل الطبرى ﵀ منها رابعها وهو التنزيل، بيد أن هذا الاسم قد صار من أشهر أسمائه فى عرف جميع المنتسبين إليه من العلماء فمن دونهم. قال الشيخ طاهر الجزائرى فى كتابه (التبيان):
«وقد كثر تداول العلماء لهذا الاسم: فتراهم يقولون: ورد فى التنزيل كذا، ولم يرد فى التنزيل كذا إلى غير ذلك، وهو يعنون بالتنزيل القرآن» أه. (٢٧) قال شيخنا
غزلان: «وهذه الأسماء الخمسة هى التى شاع على ألسنة العلماء استعمالها أسماء للنظم الكريم، وكلها أعلام بالغلبة، ولا ريب أن القرآن أشهرها وأكثرها جريانا على الألسنة» أه. (٢٨)
الحقيقة الشرعية لهذه الأسماء وإطلاقاتها (علم الشخص- اسم الجنس) (القرآن): تعددت إطلاقات القرآن بالمعنى الشرعى تبعا لتعدد اعتبارات ما يراد منه، فتارة يراد باعتباره لفظا منطوقا، وتارة باعتباره نقشا مرموقا فى المصحف، وثالثة باعتباره الكلام النفسى القائم بذاته الأقدس ﷻ .
وقد اتفق العلماء على صحة إطلاق (القرآن) على اللفظ المنطوق بالألسنة، وعلى النقش المرقوم فى المصحف، سواء كان هذا الإطلاق من خلال جعله علم شخص بأن يكون هذا الإطلاق على المجموع المؤلف من مائة وأربع عشرة سورة بحركاتها وسكناتها، أم كان من خلال اسم الجنس الذى يطلق فيه الاسم (القرآن) على كل القرآن أو بعضه؛ لأنهما يشتركان فى قدر مشترك ولكنهم يختلفون فى إطلاقه على الكلام النفسى القائم بذاته.
стр. 100
وبهذا التمهيد يصلح أن نفصل الكلام فى إطلاق القرآن باعتباراته الثلاثة، فنبدأ بموطن اتفاق العلماء، ثم نثنى بموطن الاختلاف.
الإطلاق الأول القرآن باعتباره ألفاظا منطوقة
أولا: القرآن بوصفه علم شخص على هذا الاعتبار:
إذا أردنا أن نعرف القرآن من حيث هو علم شخص فعلينا أن نعين مدلوله بإيراد أهم خصائصه التى اشتهر بها ولا سيما عند علماء أصول الفقه ومنها:
١ - الإنزال أو التنزيل على النبى ﷺ .
٢ - الإعجاز بسورة منه.
٣ - النقل بالتواتر.
٤ - الكتابة فى المصحف.
٥ - التعبد بالتلاوة.
وذكر بعض هذه الخصائص يكفى لتمييز مدلوله. ولنا أن نعرفه من خلال هذه الخصائص الخمسة بقولنا: القرآن هو «القول أو الكلام المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب فى المصحف، المتعبد بتلاوته من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس».
وخرج (بالقول أو الكلام) الألفاظ المهملة، وب (المنزل) ما لم ينزل من كلامه المذخور عند الذى لا ينفد كلامه، والأحاديث النبوية. أما خروج الأحاديث القدسية فيتوقف على القول فى: هل نزلت على نبينا محمد ﷺ بألفاظها أو لا؟ فبالأول: قال بعض المحققين مثل الأستاذ محمد عبد الله دراز فى «النبأ العظيم». وعليه نحتاج إلى قيد لإخراج هذه الأحاديث القدسية.
وبالثانى: قال الجمهور، وعليه لا حاجة لقيد جديد لإخراجها. فالحديث النبوى سواء كان النبىّ ﷺ فهمه من كلام الله وبتأمله حقائق الكون فهو كالتوقيفي، أم كان توقيفا بأن تلقى مضمونه من الوحى فهو من حيث مضمونه منسوب له ، ولكنه فى القسمين حرىّ بأن ينسب من حيث كونه كلاما لفظيا لقائله وهو النبىّ ﷺ . فخرج القسمان بالقيد الأول. وكذلك الحال فى الحديث القدسى؛ لأنه على القول الراجح منزل بمعناه فقط؛ لأنه لم يأخذ أحكام حرمة اللفظ كالقرآن من حرمة روايته بالمعنى، ومسّ المحدث لما حواه. والتحدى بالقرآن وعدمه بالحديث القدسى فارق آخر، وكذلك عدم التعبد بتلاوته كلاهما يثبت عدم نزوله بلفظه.
стр. 101
أما نسبة القول فى الحديث القدسى له فنسبة مألوفة معروفة فى العربية. وإنما لم نسمّ بعض الحديث النبوى بالقدسى لأننا لم نقطع بنزول معناه كما قطعنا فى الحديث القدسى؛ لورود النص بقوله ﷺ فى القدسى: «قال الله تعالى». هذا مع تلقينا لكل سننه ﷺ بالقبول بقسميها التوفيقى والتوقيفى لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر ٧).
وجعل التنزيل متعلّقا لقوله فى التعريف (على محمد ﷺ قيد ثان يخرج المنزل على غيره ﷺ من ملائكة ورسل وأنبياء آخرين كصحف إبراهيم، وتوراة موسى.
وقولنا فى هذا التعريف: (للإعجاز بسورة منه) المقصود به إظهار عجز المرسل إليهم وصدق النبى ﷺ ، وهذا الإعجاز يكون بأى سورة- ولو الكوثر أقصر سورة أو ما فى قدرها- وهذا المعنى يفيد أن الإعجاز لم يكن بالقرآن كله كما فى آية الإسراء، ولا بعشر سور كما فى آية هود، بل بسورة واحدة. وجاء بها نكرة فى سياق الشرط ليعممها كما فى آية البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ليدلّ إطلاقها على صدقها بأى سورة ولو أقصرها، ويفيد أيضا أن المراد بالقرآن المعرف هو المجموع الشخصى الذى لا يقال إلّا على كل القرآن دفعة واحدة، ويفيد أيضا منع توهم بعض الجاهلين أن الإعجاز لا يكون إلّا بما هو أكبر من سورة الكوثر مثلا.
وعليه فقولنا: (للإعجاز بسورة منه) قيد ثالث اكتفى به بعض المعرفين؛ للاحتراز عن الكلام غير المعجز المنزل من عنده ، وعن المنسوخ، وهذا صنيع ابن
الحاجب، ورأى ابن السبكى فى «جمع الجوامع» عدم الاكتفاء به، وجعله مخرجا للأحاديث القدسية.
وقولنا: (المنقول إلينا بالتواتر) قيد رابع يخرج المنقول أحاديا، كمنسوخ التلاوة إن نقل آحادا بسند صحيح أو حسن، ويخرج أيضا القراءات الشاذة.
وأرى أن قيد التواتر فى التعريف إنما هو لبيان الواقع لا للإخراج؛ لأن القراءات الشاذة ومنسوخ التلاوة خرجا بقيد الإعجاز السابق.
وكذلك قولنا: (المكتوب فى المصحف) فإنه لا يخرج شيئا. وإن كان بعض الأئمة كأبى حامد الغزالى فى «المستصفى» ألّف بين القيدين (التواتر والكتابة فى المصحف) واكتفى بهما عن غيرهما. وهو صنيع صدر الشريعة فى تنقيحه وتوضيحه. فعرف هؤلاء
стр. 102
(القرآن) بأنه هو: «ما نقل بين دفتى المصحف تواترا».
وقولنا: (المتعبد بتلاوته) أيضا لبيان الواقع لا للإخراج. ومن قال: إنه لإخراج القراءات الشاذة أو منسوخ التلاوة كالجلال المحلى، فقول غير صحيح، بل هذه العبارة لا تصلح قيدا ولا يحتاج إليها فى التعريف؛ لأنه من أحكام القرآن، ومن المقرر أن التعريفات تنزه عن ذكر الأحكام فيها، قال الأخضرى:
وعندهم من جملة المردود ... أن تدخل الأحكام فى الحدود
وذلك لأن اشتمال التعريف على الأحكام يوقع فى الدور؛ لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، وبهذا يكون تصور الشيء توقف على نفس تصوره. ولكن هذا لا يمكن لأن عددا من العلماء كالزرقانى والشيخ غزلان والجلال المحلى ذكروا (المتعبد بتلاوته) كقيد، ولكن العلامة الناصر استشكل هذا القيد، ومع ذلك فنحن نسلم للجلال والبنانى بأن الحكم المذكور فى التعريف إن ذكر للتمييز فحسب لا يضرّ.
وقولنا: (من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس) لبيان أنه علم شخص يطلق على القرآن كله. ويشبهه فى هذه الدلالة قول ابن السبكى فى آخر تعريفه: (المحتج بأبعاضه).
ثانيا: القرآن بوصفه اسم جنس باعتبار اللفظ المنطوق:
وفى هذا الحديث نتكلم عن (القرآن) بوصفه اسم جنس على هذا الاعتبار نفسه، فكيف نعرفه؟ وهل إطلاقه بوصفه اسم جنس حقيقة أو مجاز؟ وإن كان حقيقة فهل إطلاقه عليهما (علم الشخص واسم الجنس) من قبيل الاشتراك اللفظى أى بوضع واحد، أو من المشترك المعنوى أى بأوضاع مختلفة؟
ويمكن أن نقول: إن لفظ (القرآن) كبقية أسمائه من المشترك اللفظى بين تمام المجموع «علم الشخص» وبين القدر المشترك بين الكل والبعض «اسم الجنس»، والتعريف الذى يظهر أنه اختيار التفتازانى للقرآن بوصفه اسم جنس هو (الكلام المنقول فى المصحف تواترا) ولعل مما لا يخفى أن كون هذا تعريفا صحيحا للقرآن بهذا الوصف- أعنى وصف كونه اسم جنس- لا يتم إلا لو أريد من (أل) فى قوله: (الكلام). تعريف الجنس لا تعريف العهد، وهذا هو قصده قطعا، فأما حيث يراد منها تعريف العهد، فإن هذا التعريف إنما يكون القرآن بوصفه علم شخص.
ويحسن زيادة لفظ (مطلق) قبل هذا التعريف لنفى احتمال التردد بين الجنس والعهد فى (أل). وعند تجرد إطلاق لفظ
стр. 103
(القرآن) عن القرينة فيحمل على معنى تمام المجموع الذى هو علم الشخص، ويحمل أيضا عليه عند وجود القرينة المحتمة له كما فى قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. أما إذا وجدت القرينة الصارفة له عن هذا المعنى فيحمل على اسم الجنس كما فى قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ؛ لأنه من المعلوم أن الاستماع مطلوب لبعض القرآن كما هو مطلوب لمجموعه. ولقد كان للقرينة دورها فى حمل لفظ (القرآن) على أحد المعنيين؛ لأن شأن المشترك كذلك، لأنه من قبيل المجمل المحتاج للقرينة لتبينه.
ووقوع لفظ (القرآن) نكرة فى سياق النفى وشبهه كالشرط والاستفهام قرينة صارفة له عن المعنى الشخصى إلى الجنسى بسبب العموم الذى عرض له فى هذا السياق.
وكذلك فى سياق الإثبات لتبادر الإطلاق الصالح لأن يقال على كل فرد من أفراد جنسها على سبيل البدل كما فى قوله تعالى:
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ.
ولقد نبه العلامة الفنارى على التلويح أن إطلاق المعنى الجنسى (للقرآن) على أبعاضه حقيقة؛ وذلك لأن إطلاق العام وإرادة الخاص لا بخصوصه لا تخرجه عن حيز الحقيقة، إنما المخرج هو إرادة الخاص بخصوصه، وذلك لبقاء المعنى الكلى فى الإطلاق الأول، وهو الحقيقة فى اسم الجنس وعدم بقائه فى الثانى لإرادة الجزئى الذى ينافى معنى الكلى.
الإطلاق الثانى القرآن باعتباره نقشا مرقوما
النقوش الموجودة فى المصحف الدالة على ألفاظ القرآن لا على نفسها هى أحد الوجودات الأربعة وهى الوجود فى خطّ البنان، وهذه الألفاظ المنقوشة تعطى حكم نفس الألفاظ عرفا وشرعا.
ولعل من السهولة بمكان تعريف (القرآن) باعتباره نقشا مرقوما كعلم شخص أو اسم جنس، فالأول مثل قولنا: (ما بين دفتى المصحف من أول سورة الحمد إلى آخر سورة الناس). والثانى مثل قولنا: (مطلق ما فى المصحف ... ).
ولقد اتفقت الأمة على صحة إطلاق (القرآن) بالاعتبارين السابقين.
стр. 104
الفرق بين القرآن وبين كل من الحديثين القدسى والنبوى
وخلاصة الفرق بين (القرآن) باعتبار اللفظ المنطوق والنقش المرقوم وبين الحديثين النبوى والقدسى:
(أ) ألفاظ القرآن منزلة، والحديث النبوى غير منزلة، أما الحديث القدسى فالجمهور على أنها منزلة خلافا لبعض المحققين.
(ب) القرآن لا تجوز رواية شىء منه بالمعنى، والحديث النبوى تجوز باتفاق، وو الحديث القدسى تجوز على التحقيق.
(ج) القرآن منزّل للإعجاز منه بسورة، وكلا الحديثين ليس للإعجاز.
(د) القرآن منقول كله بالتواتر، وكلا الحديثين ينقل بالتواتر والآحاد، وأغلب نقلها بالآحاد.
(هـ) للقرآن أسماؤه الخمسة المخصوصة، وله اسم مخصوص لمجموعه المكتوب وهو (المصحف)، وكلا الحديثين ليس كذلك.
(و) القرآن متعبد بتلاوته، والحديث بقسميه ليس كذلك، بل أقل القليل منه المتعبد بتلاوة لفظه وهو الأذكار إجماعا.
(ز) القرآن مختلف فى قراءة الجنب والحائض له والنفساء: الجمهور يمنع، وفريق على جوازها، والحديث تجوز قراءة هؤلاء له باتفاق.
(ح) مسّ المصحف للمحدث حدثا أصغر:
الجمهور على منعه، وفريق على جوازه، واتفقوا على جواز مس كتب الحديث للمحدث حدثا أصغر.
الإطلاق الثالث القرآن باعتباره كلاما نفسيا قائما بذاته (إطلاقه عند المتكلمين)
لقد ثار الخلاف حول النظر للقرآن من هذا الاعتبار، وهو اعتبار الكلام النفسى القائم بذاته قديما قدم الذات الأقدس، وذلك فى محاولة جميع العلماء تحديد العلاقة بين القرآن بهذا الاعتبار (الكلام النفسى القائم بذاته)، وبين القرآن بالاعتبارين السابقين (اللفظ المنطوق والنقش المرقوم).
وقد كان للعلامة السعد التفتازانى فى شرح مقاصده نص طويل، يوضح هذا الخلاف الواقع فى هذه المسألة، يحسن ذكره بطوله، فقد قال: «وبالجملة لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب فى كون البارى تعالى متكلما، وإنما الخلاف فى معنى كلامه وفى قدمه
стр. 105
وحدوثه، فعند أهل الحق: كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف، بل صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، منافية للسكوت والآفة كما فى الخرس والطفولة، هو بها آمر، ناه، مخبر، وغير ذلك يدل عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة، فإذا عبر عنها بالعربية فقرآن وبالسريانية فإنجيل، وبالعبرانية فتوراة، فالاختلاف فى العبارات دون المسمى، كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة متعددة ولغات مختلفة.
وخالفنا فى ذلك جميع الفرق، وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعانى المقصودة، وأن الكلام النفسى غير معقول، ثم قالت الحنابلة والحشوية: إن تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتب بعضها على بعض ويكون الحرف الثانى من كل كلمة مسبوقا بالحرف المتقدم عليه، كانت ثابتة فى الأزل قائمة بذات البارى تعالى وتقدس، وأن المسموع من أصوات القراء والمرئى من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى القديم.
وكفى شاهدا على جهلهم ما نقل عن بعضهم: أن الجلدة والغلاف أزليان. وعن بعضهم: أن الجسم الذى كتب به الفرقان فانتظم حروفا ورقوما هو بعينه كلام الله تعالى، وقد صار قديما بعد ما كان حادثا.
ولما رأت الكرّاميّة أن بعض الشر أهون من بعض، وأن مخالفة الضرورة أشنع من مخالفة الدليل ذهبوا إلى أن المنتظم من الحروف المسموعة مع حدوثه قائم بذات الله تعالى، وأنه قول الله تعالى لا كلامه. وإنما كلامه قدرته على التكلم وهو قديم، وقوله حادث لا محدث. وفرقوا بينهما بأن: كل ما له ابتداء إن كان قائما بالذات فهو حادث بالقدرة غير محدث، وإن كان مباينا للذات فهو محدث بقوله: «كن» لا بالقدرة.
والمعتزلة لما قطعوا بأنه المنتظم من الحروف، وأنه حادث، والحادث لا يقوم بذات الله تعالى، ذهبوا إلى أن معنى كونه متكلما أنه خلق الكلام فى بعض الأجسام. واحترز بعضهم من إطلاق لفظ المخلوق عليه لما فيه من إيهام الخلق والافتراء، وجوزه الجمهور.
ثم المختار عندهم- وهو مذهب أبى هاشم ومن تبعه من المتأخرين- أنه من جنس الأصوات والحروف، ولا يحتمل البقاء حتى أن ما خلق مرقوما فى اللوح المحفوظ أو كتب فى المصحف لا يكون قرآنا، وإنما القرآن ما قرأه القارئ وخلقه البارى من الأصوات المتقطعة والحروف المنتظمة.
وذهب الجبائى إلى أنه من جنس غير الحروف، يسمع عند سماع الأصوات، ويوجد
стр. 106
بنظم الحروف وبكتبها، ويبقى عند المكتوب والحفظ ويقوم باللوح المحفوظ وبكل مصحف وكل لسان. ومع هذا فهو واحد لا يزداد بازدياد المصاحف ولا ينتقص بنقصانها ولا يبطل ببطلانها.
والحاصل أنه انتظم من هذه المقدمات قياسان: ينتج أحدهما قدم كلام الله تعالى، وهو أنه من صفات الله وهى قديمة، والآخر حدوثه، وهو أنه من جنس الأصوات وهى حادثة. فاضطر القوم إلى القدح فى أحد القياسين. ومنع بعض المقدمات ضرورة امتناع حقية النقيضين فمنعت المعتزلة كونه من صفات الله، والكرامية كون كل صفة قديمة، والأشاعرة كونه من جنس الأصوات والحروف، والحشوية كون المنتظم من الحروف حادثا.
ولا عبرة بكلام الكرامية والحشوية، فبقى النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو فى التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأن القرآن هو هذا المؤلف من الحروف الذى
هو كلام حى، وإلا فلا نزاع لنا فى حدوث الكلام الحسى، ولا لهم فى قدم النفسى لو ثبت، وعلى البحث والمناظرة فى ثبوت الكلام النفسى، وكونه هو القرآن ينبغى أن يحمل ما نقل من مناظرة أبى حنيفة وأبى يوسف ستة أشهر، ثم استقرار رأيهما على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. (٢٩)
أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفة
стр. 107
مصادر إضافية لمزيد من البحث والاطلاع
(١) الإتقان فى علوم القرآن، للحافظ جلال الدين السيوطى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة عيسى الحلبى، الطبعة الأولى.
(٢) البرهان فى علوم القرآن، لبدر الدين الزركشى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط عيسى الحلبى، الطبعة الأولى.
(٣) البيان فى مباحث من علوم القرآن، للأستاذ الدكتور عبد الوهاب غزلان، ط دار التأليف، الطبعة الأولى.
(٤) التلويح، لسعد الدين التفتازانى، على التوضيح لصدر الشريعة وحواشيه للفنرى وملا خسرو وغيرهما.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبى ط دار الكتاب، الطبعة الثانية.
(٦) حاشية البنانى على شرح الجلال المحلى لجمع الجوامع، لتاج الدين السبكى، ط مصطفى الحلبى، الطبعة الأولى.
(٧) حاشية سعد الدين التفتازانى على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب، نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
(٨) حاشية الخضرى على ابن عقيل، ط الحلبى، الطبعة الأولى.
(٩) حاشية الشيخ محمد عبده على شرح الجلال الدوانى للعقائد العضدية، ط الخيرية.
(١٠) روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، لمحمود بن عمر الآلوسي، ط المنيرية.
(١١) شرح المقاصد للتفتازانى.
(١٢) شرح المواقف وحواشيه، ط اسطنبول، الطبعة الأولى.
(١٣) مباحث فى علوم القرآن، للدكتور صبحى الصالح، ط دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى.
(١٤) مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للإمام الرازى، ط المنيرية.
(١٥) مفردات القرآن، للراغب الأصفهانى، ط مصطفى الحلبى، الطبعة الأولى.
(١٦) مناهل العرفان فى علوم القرآن، للدكتور محمد عبد العظيم الزرقانى، ط عيسى الحلبى، الطبعة الثانية.
(١٧) النبأ العظيم، للدكتور محمد عبد الله دراز، نشر مكتبة عمار.
وغير ذلك.
стр. 108
مسألة: «نزول القرآن على سبعة أحرف»
هذا الموضوع من أصعب الموضوعات وأشدها على المحدثين وعلماء القرآن، فإنه على الرغم من رواية الجمّ الغفير من الصحابة لهذه القضية عن النبى ﷺ حتى عدّ من روايتها السيوطى فى كتابه «الإتقان» واحدا وعشرين صحابيا (١)، بل حتى أورد السيوطى فى «إتقانه» رواية أبى يعلى فى «مسنده» الكبير أن عثمان قال على المنبر:
أذكّر الله رجلا سمع النبى ﷺ قال: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف». لما قام فقاموا، حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معهم (٢).
نقول: على الرغم من هذا، فإن أحدا من أولئك الصحابة لم يسأل النبى ﷺ عن التحديد الضابط لهذه الأحرف السبعة، والمعين لها واحدا بعد واحد حتى تبلغ سبعة لا تزيد ولا تنقص، بل اكتفوا بتصويبه ﷺ لكل من المختلفين فى القراءة بقوله: «هكذا أنزلت». ونحوه، ودفعه لكل نزغة من شك يمكن أن يوسوس بها الشيطان فى الصدور تجاه هذا التصويب، بإخباره إياهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كما هى عادتهم- رضوان الله عليهم- فى عدم إلحاح المسألة عليه ﷺ ، ولا سيما فيما لا تدعو إليه الضرورة.
فمن ثم اختلف الناس فى شأن هذه السبعة الأحرف اختلافا عظيما، بلغ به ابن حبان خمسة وثلاثين قولا، عدّ منها القرطبى خمسة فى مقدمة «تفسيره» (٣)، ثم زاد السيوطى على هذا كله فبلغ فى «إتقانه» بهذا الاختلاف أربعين قولا ذكرها جميعا.
والناظر إلى هذه الأقوال- المتشعبة الخلاف فيما بينها تشعبا شديدا- نظرة إجمالية، يجدها بين قائل بعدم انحصار عدد هذه الأحرف فى سبعة، وإنما الأمر فى هذا هو على التسهيل والتيسير، ولفظ (السبعة) يطلق على إرادة الكثرة فى الآحاد، كما يطلق السبعون فى العشرات، والسبعمائة فى المئين ولا يراد العدد المعين. قال الحافظ فى «الفتح»: (وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه) (٤).
وبين قائل بانحصار العدد فى سبعة بالفعل، ثم لا يحاول أن يخطو خطوة وراء هذا فى تفسير هذه الأحرف، بل يقول: هذا
стр. 109
الحديث هو من المشكل الذى لا يدرى معناه، من قبيل أن الحرف من المشترك اللفظى، فإن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا، وتسمى القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف أيضا: المعنى والجهة. قاله أبو جعفر محمد ابن سعدان النحوى (٥). وهو أيضا مختار السيوطى حسبما يفصح عنه قوله فى «شرح سنن النسائى»: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، والمراد به أكثر من ثلاثين قولا حكيتها فى «الإتقان»، والمختار عندى: أنه من المتشابه الذى لا يدرى
تأويله (٦).
وكذلك الشيخ ولى الله الدهلوى حيث قال في «شرحه على الموطأ» ما حاصله: «إن ما تقرر عندى وترجح فى هذا الاختلاف أن ذكر السبع فى الحديث لبيان الكثرة لا للتحديد» (٧).
وبين قائل: هى سبعة مفسرة، ثم يتعدد القول فى تفسيرها حتى تبلغ الأقوال بعد القولين الآنفين ثمانية وثلاثين عددا فيتممها أربعين على ما عددها السيوطى.
ونحن بطبيعة الحال ليس من مقصودنا فى هذه الصفحات أن نستقصى جميع الأقوال مع ضعف أكثرها، بل مقصودنا تجلية المعنى المقصود بالأحرف السبعة، وتحقيق القول فيها، وسبيلنا إلى تحقيق هذه الغاية أن نسوق بعض الروايات الفصل عن النبى ﷺ فى قضيتنا هذه، لنستخلص منها ما يهدينا- إن شاء الله- إلى الصواب، على نحو ما صنع شيخ أشياخنا الزرقانى فى «مناهله»، وقد استوعب الروايات فى هذه المسألة- أو كاد- الحافظ ابن كثير فى كتابه «فضائل القرآن» من ص ١٦ حتى ص ٢١. وسنقتصر من ذلك على أيسر ما يتم به مقصودنا:
روى الشيخان- واللفظ للبخارى- عن ابن عباس- رضى الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأنى جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف». زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغنى أن تلك السبعة الأحرف إنما هى فى الأمر الذى يكون واحدا لا يختلف فى حلال ولا حرام (٨).
حديث آخر: روى الشيخان- واللفظ للبخارى- من فضائل القرآن عن عمر بن الخطاب يقول: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره فى الصلاة، فتصبرت حتى سلّم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة
стр. 110
التى سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إنى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، اقرأ يا هشام». فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التى أقرأنى فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت».
إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». (٩)
وكذا وقع لأبيّ مع آخرين، يقرأ كل منهما بغير قراءة صاحبه فى سورة النحل- كما عند الطبرى- واحتكامهم إلى رسول الله ﷺ ، وتصويبه ﷺ لقراءتهم جميعا، وضربه ﷺ فى صدر أبىّ دفعا لما اعتراه من الشك، وقول النبى ﷺ فى آخر الحديث فقال لى: «يا أبىّ، أرسل إلىّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هوّن على أمتى، فردّ إلىّ الثانية:
اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هوّن على أمتى، فردّ إلىّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها».
الحديث أخرجه مسلم.
ونحوا من هذا الاختلاف فى القراءة وتصويب النبى ﷺ لكلّ، وقع لعبد الله بن مسعود وعمرو بن العاص إلى غير ذلك من وقائع الاختلاف والتصويب التى صحت فى هذه القضية.
حديث آخر: روى مسلم بسنده عن أبىّ بن كعب أن النبى ﷺ كان عند أضاة بنى غفار.
قال: «فأتاه جبريل- ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف. فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» (١٠).
وقد بين النبى ﷺ السبب الذى من أجله لا تطيق أمته نزول القرآن على ما دون سبعة أحرف فى حديث الترمذى عن أبىّ قال: «لقى رسول الله ﷺ جبرائيل، فقال: يا جبرائيل إنى بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف». قال الترمذى: وفى الباب عن