٤ - المدّ العارض للسكون:
هو أن يأتى بعد حرف المدّ أو اللين سكون عارض وقفا لا وصلا. أى: أن الحرف الذى بعد حرف المدّ أو اللين متحرك فى الأصل، ولكن السكون عرض له لأجل الوقف، لما تقرر فى القواعد من أنه لا يوقف على متحرك مثل: «الرحيم» «نستعين» «يوقنون» فى حالة الوقف. وسمى عارضا لعروض المدّ بعروض السكون، أى: أنه طارئ بسبب سكون الوقف، ولو تحرك الحرف الذى بعد حرف المدّ أو اللين بسبب وصل الكلمة بما بعدها لما وجد المدّ.
أحوال هذا المدّ: إما أن يكون مهموزا. وإما أن يكون غير مهموز. وكل من القسمين إما أن يكون مفتوح الآخر، أو مكسور الآخر، أو مضموم الآخر، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب اثنين فى ثلاثة. وإليك حكم كل قسم:
الأول: حكم المدّ العارض للسكون الذى ليس مهموزا:
ينقسم هذا المدّ إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم له حكم على النحو التالى:
(أ) المفتوح الآخر: فيه ثلاثة أوجه:
القصر، والتوسط، والمدّ، وذلك نحو «العالمين».
(ب) المكسور الآخر، نحو مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وفيه أربعة أوجه وهى:
١ - القصر بالسكون المحض.
٢ - التوسط بالسكون المحض.
٣ - المدّ بالسكون المحض.
٤ - الروم على القصر.
(ج) المضموم الآخر، نحو وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وفيه سبعة أوجه هى:
١ - القصر بالسكون المحض.
٢ - التوسط بالسكون المحض.
٣ - المدّ ست حركات بالسكون المحض.
٤ - الإشمام مع القصر.
٥ - الإشمام مع التوسط.
٦ - الإشمام مع المدّ ست حركات.
٧ - الروم مع القصر.
الثانى: حكم المدّ العارض للسكون المهموز: (أ) المفتوح الآخر نحو شاء، وجاء، وفيه المدّ أربع أو خمس أو ست حركات بالسكون المحض.
(ب) المكسور الآخر نحو «من السماء» وفيه خمسة أوجه هى:
١ - المدّ أربع حركات بالسكون المحض.
٢ - المدّ خمس حركات بالسكون المحض.
٣ - المدّ ست حركات بالسكون المحض.
٤ - الروم على المدّ أربع حركات.
٥ - الروم على المدّ خمس حركات.
стр. 387
(ج) المضموم الآخر نحو «يشاء»، «السفهاء» وفيه ثمانية أوجه هى:
١ - المدّ أربع حركات بالسكون المحض.
٢ - المدّ خمس حركات بالسكون المحض.
٣ - المدّ ست حركات بالسكون المحض.
٤ - الإشمام على المدّ أربع حركات.
٥ - الإشمام على المدّ خمس حركات.
٦ - الإشمام على المدّ ست حركات.
٧ - الروم على المدّ أربع حركات.
٨ - الروم على المدّ خمس حركات.
٥ - مدّ اللين:
سبق أن قلنا أن حرفى اللين هما الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلهما نحو «القول» «الصّيف» ولهذين الحرفين حالتان:
الأولى: أن يقع بعدهما همز متصل بهما فى كلمة واحدة نحو «شىء» و «سوء».
الثانية: ألا يقع بعدهما همز نحو «السّير»، «فلا خوف».
فأمّا اللذان بعدهما همز متصل بهما فى كلمة واحدة نحو «سوأة»، «كهيئة» فقد قرأ ورش من طريق الأزرق فيهما بوجهين هما:
التوسط والإشباع، ويستوى فى ذلك عنده الوصل والوقف. أما باقى القراء فليس لهم إلا القصر، وهذا فى حالة الوصل، أما فى حالة الوقف فيدخل فى حكم المدّ العارض للسكون، ويكون لهم فيه حينئذ القصر والتوسط والإشباع بالسكون المحض أو بالسكون مع الإشمام أو الروم حسب نوع العارض.
وأما اللذان ليس بعدهما همز، فللقراء فيهما تفصيل: حالة الوصل: حاصله أن نحو «لومة»، «وأحيينا» فيه القصر فى الحالين على نحو ما مر. وكذلك الحكم بعينه لجميع القراء- باستثناء ورش- فى حرفى اللين اللذين بعدهما الهمز المنفصل عنهما، أى: أن حرفى اللين فى آخر الكلمة الأولى والهمز فى أول الكلمة الثانية نحو «بنى آدم» «ولو أننا نزلنا».
وأما نحو: «لا خوف» و «فلا فوت» فقد أجمع القراء العشرة على القصر فى حالة الوصل. وأما فى حالة الوقف ففيه المدّ أربع حركات أو خمس حركات أو ست حركات، ويدخل حينئذ فى المدّ العارض للسكون.
٦ - المدّ اللازم:
هو أن يأتى بعد حرف المدّ سكون لازم وصلا ووقفا، نحو «آية»، «الآن»، «الم»، وسمى لازما للزوم سببه وهو السكون وصلا ووقفا. وهو ينقسم إلى أربعة أقسام:
стр. 388
الأول: المدّ اللازم الكلمى المثقل:
هو أن يأتى بعد حرف المدّ سكون أصلى لازم ثابت وصلا ووقفا فى كلمة تزيد على ثلاثة أحرف، مع الإدغام، أى: إدغام الحرف الساكن فيما بعده نحو «الحاقّة»، «دابّة» وسمى كلميا لاجتماع المدّ مع السكون فى كلمة، وسمى مثقلا من أجل الإدغام.
الثانى: المدّ اللازم الكلمى المخفف:
هو أن يأتى بعد حرف المدّ سكون أصلى ثابت وصلا ووقفا فى كلمة تزيد على ثلاثة أحرف من غير إدغام، وذلك فى كلمة فى موضعين بسورة «يونس» ﵇ وهى: آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ «آية ٥١»، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ آية ٩١ وسمى كلميا لاجتماع المدّ مع السكون فى كلمة، وسمى مخففا لعدم الإدغام.
الثالث: المدّ الحرفى المثقل:
هو أن يأتى بعد حرف المدّ سكون ثابت وصلا ووقفا فى حرف هجاؤه على ثلاثة أحرف وسطها حرف مدّ ولين أو حرف لين فقط مع الإدغام، أى: إدغام الساكن فيما بعده، وسمى حرفيا لاجتماع المدّ والسكون اللازم فى حرف، وسمى مثقلا لأجل الإدغام.
الرابع: المدّ اللازم الحرفى المخفف:
هو: أن يأتى بعد حرف المدّ سكون ثابت وصلا ووقفا فى حرف هجاؤه على ثلاثة أحرف وسطها حرف مدّ ولين، أو حرف لين فقط من غير إدغام. وعلة التسمية تفهم مما تقدم.
واللازم الحرفى بقسميه لا يكون إلا فى فواتح السور فى ثمانية أحرف منها مجموعة فى هذه العبارة «كم عسل نقص» وهى الكاف، والميم، والعين، والسين، واللام، والنون، والقاف، والصاد. وقد اجتمع المدّ اللازم الحرفى بنوعيه فى قوله: «الم» فلام مثقل وميم مخفف.
وإليك ما قاله الشيخ الجمزورى فى تحفة الأطفال:
أقسام لازم لديهم أربعة ... وتلك كلمى وحرفى معه
كلاهما مخفف مثقل ... فهذه أربعة تفصل
فإن بكلمة سكون اجتمع ... مع حروف مد فهو كلمى وقع
أو فى ثلاثى الحروف وجدا ... والمدّ وسطه فحرفى بدا
كلاهما مثقل إن أدغما ... مخفف كل إذا لم يدغما
واللازم الحرفى أول السور ... وجوده، فى ثمان انحصر
يجمعهما حروف كم عسل نقص
стр. 389
حكم المدّ اللازم:
لزوم مده بمقدار ثلاث ألفات، أى يلزم مدّه ست حركات بلا زيادة ولا نقص عند جمهور القراء. ومن نقص أو زاد فقد أساء وظلم. وهذا الحكم سواء كان فى حالة الوصل أو الوقف.
وهو إما أن يكون مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، فإن كان مرفوعا فله فى الوقف عليه ثلاثة أوجه: السكون والروم والإشمام نحو: «ولا جان»، وإن كان مجرورا ففيه وجهان: السكون المحض. والروم نحو: «غير مضار»، وإن كان منصوبا ففيه وجه واحد وهو السكون المحض نحو: «صوآف».
وقال الجمزورى:
ولازم إن السكون أصلا ... وصلا ووقفا بعد مدّ طولا
وقال ابن الجزرى:
فلازم إن جاء بعد حرف مدّ ... ساكن حالين وبالطول يمدّ
حكم الحروف الموجودة فى أوائل السور:
تنقسم الحروف الأربعة عشر الموجودة فى أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة والتى جمعها صاحب التحفة فى قوله: «صله سحيرا من قطعك» إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يمدّ مدّا لازما، وهى الحروف الثمانية والتى قلنا عنها إنها مجموعة فى قول صاحب التحفة: «كم عسل نقص» أو فى قول بعضهم: «سنقص علمك»، فهذه الحروف تمدّ مدّا لازما ست حركات ما عدا العين من فاتحة سورة «مريم» فى قوله: «كهيعص»، وفاتحة سورة «الشورى» فى قوله: «حم عسق» ففيها التوسط والطول، أى: المدّ ست حركات، وهو الأفضل.
قال صاحب التحفة:
واللازم الحرفى أول السور ... وجوده وفى ثمان انحصر
الثانى: ما يمدّ مدّا طبيعيا، أى يمدّ حركتين، وهو خمسة أحرف مجموعة فى عبارة «حىّ طهر» وهى الحاء، والياء، والطاء، والهاء، والراء.
الثالث: ما لا يمدّ أصلا، لا مدّا أصليا ولا فرعيا، وهو الألف، وذلك لأن كل حرف وضعه على ثلاثة أحرف وليس وسطه حرف مدّ ساكن لا يمدّ أصلا.
стр. 390
قال صاحب التحفة:
وما سوى الحرف الثلاثى لا ألف ... فمدّه مدا طبيعيا ألف
وذاك أيضا فى فواتح السور ... فى لفظ حى طهر قد انحصر.
قواعد لها علاقة بالمدّ:
أولا: إذا اجتمع مدّان لازمان، أو مدّان متصلان، أو مدّان منفصلان لا يجوز مدّ أحدهما دون الآخر بل تجب التسوية، لقول ابن الجزرى: واللفظ فى نظيره كمثله.
ثانيا: إذا كان الحرف الساكن فى كلمة وحرف المدّ فى كلمة أخرى حذف حرف المدّ فى الوصل نحو: «وقالوا اتخذ»، «والمقيمى الصلاة».
ثالثا: مراتب المدّ: أقوى المدود: اللازم، فالمتصل، فالعارض للسكون، فالمنفصل، فالبدل.
رابعا: إذا اجتمع سببان من أسباب المدّ قوى وضعيف ألغى الضعيف وعمل بالقوى نحو: «ولا آمين» ففيه بدل ولازم فيلغى البدل لأنه ضعيف ويعمل باللازم لأنه قوى (٥).
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
стр. 391
الوقف والابتداء
أهمية هذا الباب:
يعتبر الوقف والابتداء من أهم أبواب علم التجويد التى ينبغى للقارئ أن يهتم بها، ويجب عليه معرفتها، وهو علم جليل إذ بمعرفته نستطيع أن نقف على كيفية أداء القراءة.
ومما يدل على أهمية تعلم هذا العلم أن الإمام عليا ﵁ سئل عن قوله تعالى:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (سورة المزمل آية: ٤) فقال: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. وبما ورد عن ابن عمر أنه قال: «لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبى ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغى أن يوقف عنده منها» (١).
قال ابن الجزرى: ففي كلام على ﵁ دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفى كلام ابن عمر- رضى الله عنهما- برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة- رضى الله عنهم، وصح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف كأبى جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذى هو من أعيان التابعين وصاحبه الإمام نافع بن أبى نعيم، وأبى عمرو ابن العلاء، ويعقوب الحضرمى، وعاصم بن أبى النجود وغيرهم من الأئمة وكلامهم فى ذلك معروف (٢).
ومن أقوى الأدلة فى هذا الباب ظاهر الحديث الذى رواه أبو داود عن أم سلمة- رضى الله عنها- أن النبى ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثم يقف. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يقف. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ثم يقف (٣). وفى مسند الإمام أحمد، وسنن أبى داود، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم، عن أم سلمة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» وقال الدارقطنى: صحيح الإسناد (٤).
تعريف الوقف وأقسامه:
الوقف فى اللغة: الكف والحبس، يقال:
أوقفت الدابة أى حبستها.
стр. 392
وفى الاصطلاح: قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه القارئ عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها، ويأتى فى رءوس الآى، وأوساطها، ولا بدّ معه من التنفس، ولا يأتى فى وسط الكلمة، ولا فيما اتصل رسما.
أقسام الوقف:
للوقف أربعة أقسام تسمى الأقسام العامة وهى ما يأتى:
١ - الوقف الاضطرارى:
وهو ما يعرض للقارئ بسبب ضيق للنفس أو عجز أو نسيان، أو ما أشبه ذلك من الأعذار التى تعرض للقارئ أثناء قراءته فتضطره إلى الوقوف على ما لا يصلح الوقف عليه، وحينئذ يجب عليه أن يعود إلى الكلمة التى وقف عليها فيصلها بما بعدها إن صح الابتداء بها.
٢ - الوقف الاختبارى: بالباء الموحدة، وهو الذى يتعلق بالرسم لبيان المقطوع والموصول، والثابت والمحذوف ونحوه، ولا يوقف عليه إلا لحاجة كسؤال ممتحن أو تعليم قارئ كيف يقف إذا اضطر لذلك.
٣ - الوقف الانتظارى: وهو الوقف على الكلمة التى قرئت بأكثر من وجه لاستيعاب ما بها من أوجه، وهو خاص بتلقى القراءات، وذلك كالوقف على قوله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ من قوله تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (سورة الذاريات آية ٢١)، وذلك بين من يمدّ ويقصر، ومن يصل ميم الجمع من القراء- وحكمه: الجواز.
٤ - الوقف الاختيارى: بالياء المثناة من تحت، وهو الوقف باختيار القارئ وإرادته بدون سبب من الأسباب المتقدمة، وهذا القسم هو المعنىّ به هنا فى باب الوقف والابتداء وأقسامه أربعة هى:
الأول: الوقف التام: وهو الوقف على كلام تام فى ذاته غير متعلق بما بعده لفظا ولا معنى. ويوجد غالبا فى أواخر الآى، وأواخر القصص. كالوقف على «الرحيم» من قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (سورة الشعراء آية ٩) وما بعدها فى مواضعها الثمانية لانتهاء الكلام عندها عن قصة، والبدء فى قصة أخرى، وعند انقطاع الكلام على موضع معين للانتقال إلى غيره، كالوقف على تعلمون من قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (سورة البقرة آية ٢٣٢) لأنه نهاية الكلام على أحكام الطلاق، وما بعده كلام آخر فى أحكام أخرى.
وقد يكون الوقف التام قبل تمام الآية، كالوقف على قوله: «أذلة» من قوله تعالى
стр. 393
حكاية عن ملكة سبأ: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (سورة النمل آية ٣٤)، ثم يكون الابتداء بقوله تعالى: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ لأن هذا من كلام الله تعالى، وليس حكاية لكلام أحد.
وقد يكون الوقف التام بعد انقضاء الآية كالوقف على قوله تعالى: (وبالليل) من قوله:
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ (سورة الصافات آية: ١٣٧، ١٣٨) لأنه معطوف على ما قبله باعتبار المعنى، أى:
وإنكم لتمرون عليهم بالصبح وبالليل.
وحكم هذا الوقف: يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده.
الثانى: الوقف الكافى:
هو الوقف على ما تم فى نفسه وتعلق بما بعده من حيث المعنى لا من حيث اللفظ. ومن أمثلة هذا النوع: الوقف على قوله تعالى:
(لا يؤمنون) من قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة البقرة آية: ٦)، ثم يكون الابتداء بقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الخ.
حكم هذا الوقف: يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، وقد يتفاضل هذا النوع فى الكفاية، كالوقف على قوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فإنه كاف، والوقف على قوله:
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أكفى منه، والوقف على قوله: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أكفى منهما.
الثالث: الوقف الحسن:
هو الوقف على ما تم فى ذاته، ولكن تعلق بما بعده لفظا ومعنى، لكونه إما موصوفا وما بعده صفة له، أو مبدلا منه وما بعده بدلا، أو مستثنى منه وما بعده مستثنى ونحو ذلك. ومن أمثلة هذا النوع من الوقف: الوقف على لفظ الجلالة من قوله تعالى فى سورة الفاتحة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وإن كان كلاما أفهم معنى، لكنه تعلق بما بعده لفظا ومعنى، لأن ما بعد لفظ الجلالة متعلق به على أنه صفة له.
حكمه: يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده إن كان الوقف على رأس آية كالوقف على الْعالَمِينَ من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ بل هو سنة، فقد كان النبى ﷺ إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ثم يقف ثم يقول:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يقف. إلى آخر الحديث، وهو أصل فى هذا الباب.
стр. 394
الرابع: الوقف القبيح:
هو الوقف على ما لم يتم معناه، وتعلق بما بعده لفظا ومعنى كالوقف على المضاف دون المضاف إليه، أو على المبتدأ دون خبره، أو على الفعل دون فاعله.
ومن أمثلة هذا النوع من الوقف: الوقف على قوله: الْحَمْدُ من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أو على لفظ «بسم» من بِسْمِ اللَّهِ وهكذا كل ما لا يفهم منه معنى، لأنه لا يعلم إلى أى شىء أضيف. فالوقف عليه قبيح لا يجوز تعمده إلا لضرورة كانقطاع نفس أو عطاس أو نحو ذلك. فيوقف عليه للضرورة، ويسمى وقف ضرورة. ثم يرجع ويبتدئ بما قبله ويصل الكلمة بما بعدها، فإن وقف وابتدأ بما بعده اختيارا كان قبيحا. وأقبح القبح الوقف والابتداء الموهمان خلاف المعنى المراد، كالوقف على قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي، أو على إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي.
وأقبح من هذا وأشنع الوقف على المنفى الذى بعده الإيجاب وفى هذا الإيجاب وصف لله تعالى أو لرسله عليهم الصلاة والسلام، وذلك كالوقف على لا إِلهَ من قوله تعالى:
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (سورة محمد آية ١٩)، وكالوقف على لفظ أَرْسَلْناكَ من قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (سورة الأنبياء آية ١٠٧) فكل هذه الوقوف وما ماثلها يجب ألا يوقف على شىء منها لأنه يؤدى إلى نفي الألوهية، وإلى نفى رسالة الرسول ﷺ ، قال ابن الجزرى:
وبعد تجويدك للحروف ... لا بدّ من معرفة الوقوف
والابتداء وهى تقسم إذن ... ثلاثة تام وكاف وحسن
وهى لما تم فإن لم يوجد ... تعلق أو كان معنى فابتدى
فالتام فالكافى ولفظا فامنعن ... إلا رءوس الآى جوز فالحسن
وغير ما تم قبيح وله ... يوقف مضطرا ويبدأ قبله
تعريف الابتداء:
الابتداء فى عرف القراء هو: الشروع فى القراءة بعد قطع أو وقف، فإذا كان بعد القطع فيتقدمه الاستعاذة ثم البسملة إذا كان الابتداء من أوائل السور، وإذا كان من أثنائها فللقارئ التخيير فى الإتيان بالبسملة أو عدم الإتيان بها بعد الاستعاذة.
هذا: ويطلب من القارئ حال الابتداء
стр. 395
ما يطلب منه حال الوقف، فلا يكون الابتداء إلا بكلام مستقل موفّ بالمقصود غير مرتبط بما قبله فى المعنى لكونه مختارا فيه، بخلاف الوقف فقد يكون مضطرا إليه، وتدعوه الحاجة إلى أن يقف فى موضع لا يجوز الوقف عليه كما تقدم توضيحه. وعليه: فلا يجوز أن يبدئ بالفاعل دون فعله، ولا بالوصف دون موصوفه، ولا باسم الإشارة دون المشار إليه، ولا بالخبر دون المبتدأ، ولا بالحال دون صاحبها، ولا بالمعطوف عليه دون المعطوف، وهكذا إلى آخر المتعلقات.
وخلاصة القول أنه لا يبتدأ بالمعمول دون عامله، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الابتداء فى كل ما ذكرناه برءوس الآى، فإنه يجوز حينئذ لما تقدم.
وقد أحسن ابن الجزرى حيث ذكر في كتابه «النشر» قاعدة فيما يبتدأ به فقال- رحمه الله تعالى-: «كل ما أجازوا الوقف عليه أجازوا الابتداء بما بعده» (٥).
تعريف القطع:
القطع فى اللغة: بمعنى الإبانة والإزالة، تقول: قطعت الشجرة إذا أبنتها وأزلتها. وفى الاصطلاح: قطع القراءة رأسا، أى: الانتهاء منها، فالقارئ به- أى بالقطع- كالمعرض عن القراءة، والمنتقل منها إلى حالة أخرى غيرها، وينبغى بعد القطع إذا أراد العودة إلى القراءة الإتيان بالاستعاذة ثم البسملة إن كان العود من أول السورة، وإن كان من أثنائها فله التخيير بالبسملة بعد التعوذ أو عدم الإتيان بها.
ولا يكون القطع إلا على رءوس الآى، لأن رءوس الآى فى نفسها مقاطع. قال ابن الهذيل: «وكانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعو بعضها. لذلك ورد عنه أنه قال: إذا افتتح أحدكم آية يقرؤها فلا يقطعها حتى يتمها (٦).
تعريف السكت:
السكت فى اللغة: بمعنى المنع. وفى الاصطلاح: قطع الصوت زمنا دون زمن الوقف من غير تنفس بنية العودة إلى القراءة فى الحال، ويكون فى وسط الكلمة وفى آخرها وعند الوصل بين السورتين لمن له ذلك من القراء، وأكثره وقوعا على الساكن قبل الهمز سواء كان هذا الساكن صحيحا أو شبه صحيح أو حرف مدّ.
فالساكن الصحيح نحو قوله تعالى:
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (سورة البقرة آية: ٤) وهو المعروف بسكت «أل»، ونحو قوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (سورة فاطر آية
стр. 396
٢٣) وهو المعروف بسكت المفصول، ونحو القرآن فى قوله تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (أول سورة الرحمن) وهو المعروف بسكت الموصول.
والساكن شبه الصحيح ما كان فيه حرف لين فقط ويشمل المفصول نحو قوله: خَلَوْا إِلى، ويشمل كذلك الموصول قوله:
فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي (سورة المائدة أية ٣١).
والساكن حرف «مدّ» نحو قوله: قالُوا آمَنَّا وقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ وقوله:
لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وهو المعروف بسكت المدّ.
وقد سكت حفص عن عاصم، وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر، وإدريس عن خلف العاشر على الساكن قبل الهمز ما لم يكن حرف مدّ فى أحد الوجهين عنهم عن طريق طيبة النشر. وكذلك سكت حمزة على الساكن قبل الهمز عموما سواء كان الساكن صحيحا أو شبه صحيح أو حرف مدّ من طريق طيبة النشر، وهو المعروف: «بالسكت المطلق».
وقد ورد عن حفص عن عاصم من طريق الشاطبية أنه كان يسكت سكتة لطيفة من غير تنفس بقدر حركتين فى حالة الوصل فى أربعة مواضع فى القرآن بالاتفاق وهى كالآتى:
السكتة الأولى: على الألف المبدلة من التنوين فى لفظ عِوَجاً بأول سورة الكهف حالة الوصل، ثم يقول: قَيِّماً.
وهذا لا يمنع الوقف على عِوَجاً لأنه رأس آية. وإنما السكت حالة وصل عِوَجاً ب قَيِّماً.
السكتة الثانية: على الألف من لفظ مَرْقَدِنا بسورة ياسين، ثم يقول: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (آية ٥٢)، وهو تام كما ذكره الصفاقسى فى غيث النفع (٧) وعليه فلا سكت عندئذ، وعند عدم الوقف يجب السكت من طريق الشاطبية.
السكتة الثالثة: على النون من لفظ «من» فى قوله تعالى: وَقِيلَ مَنْ راقٍ (سورة القيامة آية: ٢٧)، ويلزم من السكت إظهار النون الساكنة عند الراء لأن السكت يمنع الإدغام.
السكتة الرابعة: على اللام من لفظ «بل» فى قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (سورة المطففين آية: ١٤)، ويلزم من هذا السكت أيضا إظهار اللام عند الراء لأن السكت يمنع الإدغام.
وسكت حفص فى هذه المواضع الأربعة من النوع الذى يأتى على آخر الكلمة. قال الإمام الشاطبى- رحمه الله تعالى:
стр. 397
وسكتة حفص دون قطع لطيفة ... على ألف التنوين فى عوجا بلا
وفى نون من راق ومرقدنا ولا ... م بل ران والباقون لا سكت موصلا (٨)
وهذا السكت- كما سبق أن قلنا- من طريق الشاطبية، أما من طريق طيبة النشر فإن لحفص فيها خمسة مذاهب وهى:
الأول: السكت على الجميع. الثانى: عدم السكت على الجميع. السكت على عوجا ومرقدنا وحدهما. الرابع: على «من راق» و «بل ران». دون غيرهما. الخامس: عدم السكت على
«مرقدنا» والسكت فى غيره.
وكذلك يسكت حفص فى وجه له بين السورتين من غير تنفس فى موضع واحد من القرآن، وهو بين آخر سورة الأنفال وأول سورة براءة ومحله على الميم من «عليم» ثم يقول: «براءة»، وعلى الهاء من لفظ «ماليه» فى قوله تعالى: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (سورة الحاقة آية ٢٨، ٢٩)، والوجهان صحيحان مقروء بهما والسكت هو المقدم فى الأداء (٩).
الجزرية: هى: مقدمة منظومة فى تجويد القرآن مكونة من مائة وتسعة أبيات من نظم شيخ الإسلام أبى الخير محمد بن محمد الدمشقى الشهير بابن الجزرى رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ولهذه المقدمة شروح عديدة من أشهرها: شرح متن الجزرية فى معرفة تجويد الآيات القرآنية لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى- رحمه الله تعالى.
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
стр. 398
الوقف على آخر الكلم
للوقف فى كلام العرب أوجه متعددة، والمستعمل عند أئمة القراءة تسعة أوجه وهى: السكون، والرّوم، والإشمام، والإبدال، والنقل، والإدغام، والجذف، والإثبات، والإلحاق.
الوقف بالسكون فأما السكون: فهو الأصل فى الوقف على الكلمة المحركة وصلا، لأن معنى الوقف:
الترك والقطع، ولأنه ضد الابتداء، فكما لا يبتدأ بساكن لا يوقف على متحرك، وهو اختيار كثير من القراء.
هذا: والوقف بالسكون المحض يكون فى كل من المرفوع والمجرور والمنصوب فى المعرب، وفى كل من المضموم والمكسور والمفتوح فى المبنى، ويستوى فى ذلك المخفف والمشدد، والمهموز المحقق والمنون إلا ما كان فى الاسم المنصوب نحو حُوباً كَبِيراً أو فى الاسم المقصور مطلقا نحو عمى، كما يستوى أيضا سكون ما قبل الحرف الأخير الموقوف عليه أو تحركه.
الوقف بالرّوم وأما الروم: فهو فى اللغة بمعنى الطلب، وفى الاصطلاح: هو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك التضعيف معظم صوتها.
وقال بعض العلماء: هو الإتيان ببعض الحركة. وقدر العلماء تضعيف الصوت بالحركة أو الإتيان ببعضها بالثلث، أى: أن المحذوف من الحركة أكثر من الثابت فى حالة الروم، ومن ثمّ ضعف صوتها لقصر زمنها فيسمعها القريب المصغى ولو كان أعمى دون البعيد. ولذلك لا يؤخذ الروم إلا بالمشافهة.
ويكون الوقف بالروم فى المرفوع والمجرور من المعرب وفى المضموم والمكسور من المبنى سواء أكان الحرف الموقوف عليه مخففا أم مشددا، مهموزا أم غير مهموز، منونا أم غير منون. ونعنى بالمنون- هنا- ألا يكون منصوبا نحو «سميعا»، وألا يكون فى الاسم المقصور نحو «هدى» فإن التنوين فى هذين يبدل ألفا فى الوقف، وسواء سكن ما قبل الحرف الموقوف عليه أم تحرك.
هذا: ولا يكون الوقف بالروم فى المنصوب
стр. 399
ولا المفتوح. وعلة ذلك: خفة الفتحة وخفاؤها، فإذا خرج بعضها حالة الروم خرج سائرها، وذلك لأنها لا تقبل التبعيض بخلاف الضمة والكسرة فإنهما تقبلانه لثقلهما. ولا بدّ من حذف التنوين من المنون حالة الوقف بالروم كما مر. وقد أشار إلى ما سبق الإمام ابن برى بقوله:
فالروم إضعافك صوت الحركة ... من غير أن يذهب رأسا صوتكه
يكون فى المرفوع والمجرور ... معا وفى المضموم والمكسور
ولا يرى فى النصب للقراء ... والفتح للخفة والخفاء (١)
الوقف بالإشمام وأما الإشمام فى عرف القراء: عبارة عن ضم الشفتين من غير صوت بعد النطق بالحرف الأخير ساكنا إشارة إلى الضم ولا بدّ من إبقاء فرجة «أى انفتاح» بين الشفتين لإخراج النفس، وضم الشفتين للإشمام يكون عقب سكون الحرف الأخير من غير تراخ، فإن وقع التراخى فهو إسكان محض لا إشمام معه. وهذا ما أشار إليه الإمام الشاطبى بقوله:
والإشمام إطباق الشفاه بعيد ما ... يسكّن لا صوت هناك فيصحلا (٢)
والإشمام يرى بالعين ولا يسمع بالأذن ولهذا لا يأخذه الأعمى عن القارئ، بل يأخذه عنه المبصر ليرى كيفيته.
هذا: والإشمام يكون فى المرفوع من المعرب وفى المضموم من المبنى دون غيرهما من الحركات لأنه المناسب لحركة الضمة لانضمام الشفتين عن النطق بها، ولا يجوز أن يكون الإشمام فى المجرور والمنصوب والمكسور والمفتوح لخروج الفتحة بانفتاح الفم والكسرة بانخفاضه، ولأن الإشمام فى المفتوح والمكسور يوهم حركة الضم فيهما فى الوصل بينما هما ليسا كذلك وهذا هو وجه المنع.
وقد أشار إلى صفة الإشمام وما يجرى فيه الإمام ابن برى بقوله:
وصفة الإشمام إطباق الشفاه ... بعد السكون والضرير لا يراه
من غير صوت عنده مسموع ... يكون فى المضموم والمرفوع (٣)
الوقف بالإبدال وأما الوقف بوجه الإبدال فيجرى فى شيئين اثنين:
الشيء الأول: ويشمل ثلاثة أنواع:
стр. 400
الأول: التنوين فى الاسم المنصوب سواء رسمت الألف فيه أم لم ترسم نحو «وكيلا» فى قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (سورة الأحزاب آية ٣، ٤٨) ونحو «دعاء ونداء» فى قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً (سورة البقرة آية ١٧١).
الثانى: التنوين فى الاسم المقصور مطلقا سواء أكان مرفوعا أم مجرورا أم منصوبا نحو «عمى ومصفى وغزى» فى قوله تعالى:
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى (سورة فصلت آية ٤٤) وقوله تعالى: وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى (سورة محمد آية ١٥) وقوله تعالى: أَوْ كانُوا غُزًّى (سورة آل عمران آية ١٥٦).
الثالث: لفظ «إذا» المنون نحو قوله تعالى:
فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. فكل هذه الأنواع وما شاكلها يبدل فيها التنوين ألفا فى الوقف، ومثلها فى ذلك إبدال نون التوكيد الخفيفة بعد الفتح ألفا لدى الوقف فى موضعين اثنين فى التنزيل بالإجماع وهما قوله تعالى: وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (سورة يوسف آية ٣٢)، وقوله تعالى:
لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (سورة العلق آية ١٥).
الشيء الثانى: تاء التأنيث المتصلة بالاسم المفرد كما فى قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (سورة النحل آية ١٢٥) فهذه التاء فى الأسماء الثلاثة تبدل هاء عند الوقف، فإن كانت منونة نحو قوله تعالى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ (سورة الشعراء آية ٢٢) حذف التنوين وأبدلت هاء أيضا عند الوقف.
النقل وأما النقل: فيكون فيما آخره همزة بعد ساكن، فإنه يوقف عليه عند حمزة بنقل حركتها إليه، فيحرك بها ثم تحذف هى سواء كان الساكن صحيحا نحو: «دفء»، فى قوله تعالى وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ (سورة النحل آية ٥) أم ياء أو واو أصليتين سواء كانتا مدّ نحو «المسيء»، «تبوء» فى قوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ (سورة غافر آية ٥٨) وقوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (سورة المائدة آية ٢٩) أو كانتا حرف لين نحو «سيئ»، «سوء» فى قوله تعالى:
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (سورة فاطر آية ٤٣) وقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (سورة الأنبياء آية ٧٤).
стр. 401
الإدغام وأما الإدغام فيكون فيما آخره همز بعد ياء أو واو زائدتين فإنه يوقف عليه عند حمزة أيضا بالإدغام بعد إبدال الهمز من جنس ما قبله نحو «برىء»، «قروء» فى قوله تعالى:
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (سورة الأنعام آية ٧٨)، وقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (آية ٢٣٨ من سورة البقرة).
الحذف وأما الحذف فيكون فى الياءات الزوائد عند من يثبتها وصلا ويحذفها وقفا، والياءات الزوائد هى التى لم ترسم.
الإثبات وأما الإثبات فيكون فى الياءات المحذوفات وصلا عند من يثبتها وقفا نحو «وال»، «واق»، «باق».
الإلحاق وأما الإلحاق فيكون فيما يلحق آخر الكلم من هاءات السكت عند من يلحقها فى «عم، فيم، بم، لم، مم»، والنون المشددة من جمع الإناث نحو «هن»، «ومثلهن»، والنون
المفتوحة نحو «العالمين، والذين»، والمشدد المبنى نحو «ألا تعلوا علىّ»، «خلقت بيدىّ» (٤).
علامات الوقف وضع العلماء فى المصاحف علامات لأنواع الوقف التى سبق الكلام عنها، وعلى كل من يقرأ فى المصحف الشريف ملاحظة هذه العلامات والعمل بمقتضاها، وهى فيما يلى:
١ - الوقف اللازم: وعلامته «م» ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ (سورة الأنعام آية ٣٦) فقد وضعت العلامة على قوله: «يسمعون» ومن هنا يلزم القارئ الوقف على «يسمعون» ثم ليبتدئ بعد ذلك بقوله:
«والموتى يبعثهم الله».
٢ - الوقف الممنوع: وعلامته «لا» ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ (سورة النحل آية ٣٢) فقد وضعت العلامة على قوله: «طيبين» ومن هنا يكون الوقف عليها ممنوعا، ويجب وصلها بما بعدها.
٣ - الوقف الجائز جوازا مستوى الطرفين: وعلامته «ج»، ومثال ذلك ما جاء
стр. 402
فى قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (سورة الكهف آية ١٣)، فقد وضعت العلامة على قوله: «بالحق»، ومن هنا يجوز الوقف عليه والابتداء بما بعده، ويجوز أيضا وصله بما بعده، فالوجهان جائزان جوازا مستوى الطرفين، ولا أفضلية لأحدهما على الآخر.
٤ - الوقف الجائز مع كون الوصل أولى:
وعلامته «صلى»، ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة الأنعام آية ١٧) فقد وضعت العلامة على قوله: «فهو»، ومن هنا فإن الوقف عليه والابتداء بما بعده جائز ولكن الوصل أولى وأحسن من الوقف.
٥ - الوقف الجائز مع كون الوقف أولى:
وعلامته «قلى»، ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً (سورة الكهف آية ٢٢)، فقد وضعت هذه العلامة على قوله «قليل»، ومن هنا فإن الوقف على قوله «قليل» والابتداء بما بعده جائز، وأيضا وصله بما بعده جائز، ولكن الوقف أولى.
٦ - الوقف على أحد الموضعين دون الآخر: وعلامته (؟؟؟) وتسمى هذه العلامة: علامة تعانق الوقف بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقف على الآخر. ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة آية ٢) فقد وضعت هذه العلامة على قوله: «فيه» فإذا وقف القارئ على قوله:
«لا ريب» لا يصح أن يقف على «فيه»، وكذلك أيضا إذا وقف على «فيه» لا يصح أن يقف على قوله: «لا ريب» (٥).
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
المصادر والمراجع:
стр. 403
النقل وغيره من سبل تخفيف الهمزة
اعلم أن الهمز لما كان أثقل الحروف نطقا وأبعدها مخرجا تنوع العرب فى تخفيفه بأنواع التخفيف- وكانت قريش وأهل الحجاز أكثرهم تخفيفا، ولذلك أكثر ما يرد تخفيفه من طرقهم كابن كثير من رواية ابن فليح، وكنافع من رواية ورش، وكأبى عمرو، فإن مادة قراءته عن أهل الحجاز- وأحكام الهمز كثيرة نقتصر فى الكلام على أمور أربعة هى:
١ - النقل: وهو نقل حركة الساكن إلى ما قبله، وذلك كما فى قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ بفتح الدال، وبه قرأ نافع من طريق ورش، وذلك حيث كان الحرف الساكن صحيح الآخر والهمز أولا- واستثنى أصحاب يعقوب عن ورش «كتابيه- إنى ظننت» فسكنوا الهاء وحققوا الهمز- وأما الباقون من القراء فحققوا الهمز وسكنوا فى جميع القرآن.
٢ - الإبدال: وهو أن تبدل الهمزة الساكنة حرف مدّ من جنس حركة ما قبلها فتبدل ألفا بعد الفتح نحو قوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ، وتبدل واوا بعد الضم نحو قوله:
يُؤْمِنُونَ، وتبدل ياء بعد الكسر نحو:
جِئْتَ وبه قرأ أبو عمرو، سواء كانت الهمزة فاء أم عينا أم لاما، إلا أن يكون سكونها جزما نحو: «ننسأها» ونحو: «أرجئه»، أو يكون ترك الهمز فيه أثقل، وهو فى قوله:
وَتُؤْوِي إِلَيْكَ (سورة الأحزاب آية ٥١) أو يوقع فى الالتباس، وهو فى قوله:
وَرِءْياً (سورة مريم آية ٧٤)، فإن تحركت فلا خلاف عنه فى التحقيق.
٣ - التسهيل: وهو التسهيل بين الهمزة وبين حركتها، وذلك عند اجتماع همزتين فى الكلمة. فإن اتفق الهمزتان فى الفتح سهّل الهمزة الثانية الحرميان وأبو عمرو وهشام، وأبدلها ورش ألفا، وابن كثير لا يدخل قبلها ألفا، وقالون وهشام وأبو عمرو يدخلونها، والباقون من السبعة يحققون.
وإن اختلفا بالفتح والكسر سهل الحرميان وأبو عمرو الثانية. وأدخل قالون وأبو عمرو قبلها ألفا، والباقون يحققون- وإن اختلفا بالفتح والضم وذلك فى قوله: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ وقوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ وقوله: أَأُلْقِيَ فقط فالقراء الثلاثة وهم
стр. 404
الحرميان وأبو عمرو يسهلون، وقالون يدخل ألفا، والباقون يحققون.
٤ - الإسقاط بلا نقل: وبه قرأ أبو عمرو إذا اتفقا فى الحركة وكانا فى كلمتين، فإن اتفقا كسرا نحو قوله: هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ جعل ورش وقنبل الهمزة الثانية كياء ساكنة، وقالون والبزى كياء مكسورة، وأسقطها أبو عمرو، والباقون يحققون. وإن اتفقا فتحا نحو: جاءَ أَجَلُهُمْ، حيث جعل ورش وقنبل الثانية كمدّة، وأسقط الحرميان وأبو جعفر الأولى، والباقون يحققون. وإن اتفقا ضما وهو: أَوْلِياءُ أُولئِكَ فقط، وقد أسقطها أبو عمرو، وجعلها قالون والبزى كواو مضمومة، والحرميان يجعلان الثانية كواو ساكنة، والباقون يحققون.
ثم اختلف فى الساقط هل هو الأولى أو الثانية؟ والأول عن أبى عمرو، والثانى عن الخليل من النحاة، وتظهر فائدة الخلاف فى المدّ، فإن كان الساقط الأولى فهو منفصل، وإن كان الثانية فهو المتصل (١).
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
المصادر والمراجع:
стр. 405
الإمالة والتقليل
الفتح والإمالة لغتان مشهورتان على ألسنة الفصحاء من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة أهل نجد من تميم وأسد وقيس- قال الدانى:
والأصل فيها حديث حذيفة مرفوعا: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم وأصوات أهل الفسق وأهل الكتابين» ثم قال:
لا شك أن الإمالة من الأحرف السبعة ومن لحون العرب وأصواتها.
والإمالة فى اللغة بمعنى التعويج. يقال:
أملت الرمح ونحوه إذا عوجته عن استقامته.
والإمالة من الأحكام ذوات الأضداد وضدها الفتح، والمراد به فتح القارئ فمه بالحرف لا فتح الألف إذ الألف لا تقبل الحركة.
والإمالة فى اصطلاح القراء: أن ينحو بالفتحة نحو الكسرة وبالألف نحو الياء كثيرا وهو المحض. ويقال له الاضجاع، والبطح، والكسر، وهو بين اللفظين، ويقال له أيضا التقليل، والتلطيف، وبين بين.
وتنقسم إلى قسمين: كبرى وصغرى:
فالكبرى: أن تقرب الفتحة من الكسرة والألف من الياء من غير قلب خالص ولا إشباع مبالغ فيه، وهذه هى الإمالة المحضة، وإذا أطلقت الإمالة انصرفت إليها أى: إلى المحضة، وكما تسمى بالمحضة تسمى أيضا بالاضجاع وبالبطح لأنك إذا قربت الفتحة من الكسرة والألف من الياء فكأنك بطحت الفتحة والألف أى: رميتهما وأضجعتهما إلى الكسرة.
والصغرى: هى ما بين الفتح والإمالة المحضة. ولهذا يقال لها: بين بين، وبين اللفظين: أى بين لفظ الفتح ولفظ الإمالة. ولما كان فى القسمين أى: الإمالة الكبرى والإمالة الصغرى، تغيير للألف بتعويجها عن استقامتها فى النطق وميلها عن مخرجها إلى نحو مخرج الياء ولفظها، سمى ذلك التغيير إمالة.
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
المصادر والمراجع:
(١) انظر: النجوم الطوالع شرح الدرر اللوامع فى أصل مقرأ الإمام نافع ص ١١٥ للشيخ/ سيدى إبراهيم أحمد المارغنى طبعة المطبعة التونسية بسوق البلاط بتونس سنة ١٣٥٤ هـ ١٩٣٥ م. وانظر: الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ١/ ١٢٠ - ١٢٣ طبعة الحلبى، وانظر: الوافى فى شرح الشاطبية فى القراءات السبع للشيخ عبد الفتاح القاضى ص ١٣٩ - ١٦٠ طبعة مكتبة السوادى للتوزيع الثالثة ١٤١١ هـ- ١٩٩٠ م.
стр. 406
المقطوع والموصول
المقطوع هو: كل كلمة مفصولة عن غيرها رسما نحو: «أن لن»، و «حيث ما». والموصول هو: كل كلمة متصلة بغيرها رسما مفصولة عنها لغة نحو «ويكأن» أو غير مفصولة نحو «إلياس».
أهمية هذا الموضوع: هو احترام واتباع الرسم العثمانى وعدم مخالفته.
فائدته: لا بدّ للقارئ من معرفته ليقف على المقطوع فى محل قطعه عند الضرورة أو عند اختباره، وعلى الموصول عند انقضائه.
وإليك بيان ما ورد فى هذا الموضوع تفصيلا:
أولا: «أن» و «لا» تقطع «أن» المفتوحة الهمزة الساكنة النون عن «لا» النافية فى عشرة مواضع وهى الآيات ١٠٥، ١٦٩ من سورة الأعراف، ١١٨ من سورة التوبة، ١٤، ٢٦ من سورة هود، ٢٦ من سورة الحج، ٦٠ من سورة القلم. ووقع الخلاف فى موضع واحد وهو بالآية ٨٧ من سورة الأنبياء، وما عدا ذلك فهو موصول نحو قوله: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (سورة النجم آية ٣٨) وقوله تعالى: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (سورة النمل آية ٣١).
تنبيه: «إن» مكسورة الهمزة ساكنة النون مع «لا» النافية موصولة اتفاقا نحو إِلَّا تَنْفِرُوا وإِلَّا تَنْصُرُوهُ.
ثانيا: «إن» و «ما» تقطع «إن» مكسورة الهمزة ساكنة النون عن «ما» فى موضع واحد فقط. وهو قوله تعالى: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ (سورة الرعد آية ٤٠)، وما عدا ذلك فموصول سواء أكانت الهمزة مكسورة نحو قوله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ (سورة يونس آية ٤٦)، وقوله:
وَإِمَّا تَخافَنَّ (سورة الأنفال آية ٥٨). فإن كانت «أن» مفتوحة الهمزة فهى موصولة كذلك نحو قوله تعالى: أَمَّا اشْتَمَلَتْ (سورة الأنعام آية ١٤٣).
ثالثا: «عن» و «ما» تقطع «عن» عن «ما» فى موضع واحد وهو قوله تعالى: عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ (سورة الأعراف آية ١٦٦)، وما عداه فموصول.
стр. 407
رابعا: «من» و «ما» تقطع «من» مكسورة الميم عن «ما» فى موضعين هما: قوله تعالى:
هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (سورة الروم آية ٢٨) وقوله تعالى: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (سورة النساء آية ٢٥)، وأما قوله:
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ (سورة المنافقون آية ١٠) ففيه خلاف. والعمل على القطع، وما عدا ذلك فموصول.
خامسا: «أم» و «من» تقطع «أم» مفتوحة الهمزة ساكنة الميم عن «من» مفتوحة الميم فى أربعة مواضع هى: قوله تعالى: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (سورة النساء آية ١٠٩) وقوله تعالى: أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (سورة الصافات آية ١١) وقوله تعالى: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ (سورة فصلت آية ٤٠) وما عدا ذلك فموصول نحو قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ (سورة النمل آية ٦٢).
سادسا: «أن» و «لم» تقطع «أن» مفتوحة الهمزة ساكنة النون مع «لم» فى موضعين هما: قوله تعالى: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ (سورة الأنعام آية ١٣١)، وقوله تعالى: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (سورة البلد آية ٧)، وما عدا ذلك النون فموصول. وأما «إن» مكسورة الهمزة ساكنة فموصولة ب «لم» فى موضع واحد وهو قوله تعالى: فإن لّم يستجيبوا لكم (سورة هود آية ١٤).
سابعا: «إنّ» و «ما» تقطع «إنّ» مكسورة الهمزة مشددة النون عن «ما» فى موضع واحد وهو قوله تعالى: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ (سورة الأنعام آية ١٣٤) وما عدا هذا الموضع فموصول كما فى قوله تعالى: إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ (سورة طه آية ٦٩).
ثامنا: «أنّ» و «ما» تقطع «أن» مفتوحة الهمزة مشددة النون عن «ما» فى موضعين فقط هما: قوله تعالى: وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ (سورة الحج آية ٦٢)، وقوله تعالى: وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ (سورة لقمان آية ٣٠) وما عدا ذلك فموصول، ووقع الخلاف فى موضع واحد بين القطع والوصل والعمل على الوصل، وهو قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ (سورة الأنفال آية ٤١).
تاسعا: «حيث» و «ما» تقطع «حيث» عن «ما» فى موضعين هما: قوله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (سورة البقرة آية ١٤٤، ١٥٠).
عاشرا: «كل» و «ما» تقطع «كل» عن «ما»
стр. 408
فى موضع واحد فقط وهو قوله تعالى:
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ (سورة إبراهيم آية ٣٤)، وما عدا هذا الموضع فموصول، وإن كان فى بعض المواضع قد وقع فيها خلاف ولكن العمل فيها على الوصل، كقوله
تعالى: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ (سورة الملك آية ٨).
حادى عشر: «بئس» و «ما» تقطع «بئس» عن «ما» فى جميع المواضع التى وقعت فيها فى القرآن الكريم ما عدا موضعين فبالوصل وهما قوله تعالى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (سورة البقرة آية ٩٠) وقوله تعالى:
بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي (سورة الأعراف آية ١٥٠)، وموضع وقع فيه الخلاف بين الوصل والقطع إلا أن العمل فيه على الوصل، وهو قوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ (سورة البقرة آية ٩٣).
ثانى عشر: «فى» و «ما» تقطع «فى» عن «ما» فى موضع واحد فقط وهو قوله تعالى:
أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (سورة الشعراء آية ١٤٦) ووقع الخلاف فى عشرة مواضع والعمل فيها على القطع وهى الآيات:
٢٤٠ من سورة البقرة، ٤٨ من سورة المائدة، ١٤٥، ١٦٥ من سورة الأنعام، ١٠٢ من سورة الأنبياء، ١٤ من سورة النور، ٢٨ من سورة الروم، ٣، ٤٦ من سورة الزمر، ٦١ من سورة الواقعة، وما عدا ذلك فموصول باتفاق كما فى قوله تعالى: فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ (سورة البقرة آية ٢٣٤).
ثالث عشر: «أين» و «ما» تقطع «أين» عن «ما» فى جميع المواضع التى وقعت فى القرآن الكريم كما فى قوله تعالى: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً (سورة البقرة آية ١٤٨) ما عدا موضعين فبالوصل هما قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (سورة البقرة آية ١١٥) وقوله تعالى: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ (سورة النحل آية ٧٦)، ووقع الخلاف فى ثلاثة مواضع والعمل فيها على القطع وهى الآية ٧٨ من سورة النساء، والآية ٩٢ من سورة الشعراء، والآية ٦١ من سورة الأحزاب.
رابع عشر: «كى» و «لا» تقطع «كى» عن «لا» فى جميع المواضع التى جاءت فى القرآن الكريم كما فى قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً (سورة الحشر آية ٧) ما عدا أربعة مواضع فجاءت بالوصل وهى الآية ١٥٣ من سورة آل عمران، والآية ٥ من سورة الحج، والآية ٥٠ من سورة الأحزاب، والآية ٢٣ من سورة الحديد.
خامس عشر: «عن» و «من» تقطع «عن»
стр. 409
عن «من» مفتوحة الميم فى موضعين فقط هما قوله تعالى: وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ (سورة النور آية ٤٣)، وقوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا (سورة النجم آية ٢٩).
سادس عشر: «يوم» و «هم» تقطع «يوم» عن «هم» فى موضعين فقط هما: قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ (سورة غافر آية ١٦)، وقوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (سورة الذاريات آية ١٣)، وما عدا ذلك الموضعين فموصول، كقوله تعالى:
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (سورة الذاريات آية ٦٠).
سابع عشر: تقطع لام الجر عن مجرورها فى أربعة مواضع هى الآية ٤٩ من سورة الكهف، والآية ٧ من سورة الفرقان، والآية ٧٨ من سورة النساء، والآية ٣٦ من سورة المعارج، وما عدا ذلك فموصول، نحو قوله تعالى:
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (سورة الليل آية ١٩).
ثامن عشر: «لات» و «حين» تقطع «لات» عن «حين» فى موضع واحد فى القرآن وهو قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (سورة ص آية ٣)، كما يضاف إلى المقطوع أيضا «إل» من قوله تعالى: سلام على إل ياسين (سورة الصافات آية ١٣٠) ويصح الوقوف على «إل» للتعليم أو الاضطرار، والأوجب فى جميع المواضع المقطوعة عند ما يقف عليها القارئ اضطراريا أو نحوه أن يعود ويصل الكلمة بما بعدها، ولا يجوز البدء بما بعدها.
وهذه خلاصة ما جاء فى القرآن الكريم من الكلمات التى رسمت فى المصاحف العثمانية مقطوعة ليقف القارئ عليها عند الضرورة وما عداها فموصول (١).
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
المصادر والمراجع:
стр. 410
همزتا الوصل والقطع
أولا: همزة الوصل:
لما كان من المقرر أنه لا يبدأ بساكن ولا يوقف على متحرك، فالحركة لا بدّ منها فى الابتداء، ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، ولا يتأتى ذلك إلا بهمزة الوصل عند النطق بالساكن.
تعريف همزة الوصل: هى الهمزة الزائدة فى أول الكلمة الثابتة فى الابتداء الساقطة فى الدرج- أى فى الوصل- وسميت بهمزة الوصل لأنها يتوصل بها إلى النطق بالساكن كما مر. وتكون فى الأسماء والأفعال والحروف، فإن كانت فى اسم فإما أن يكون معرفا بأل نحو الْحَمْدُ لِلَّهِ فتفتح الهمزة.
وإما منكرا، وذلك فى سبعة ألفاظ وقعت فى القرآن الكريم وهى: ابن، ابنت، امرئ، امرأت، اثنين، اثنتين، اسم.
وإذا وقعت همزة الوصل فى فعل فلا تكون إلا فى الماضى والأمر، فإذا وقعت همزة الوصل فى فعل الأمر فينظر إلى ثالثه، فإن كان مكسورا أو مفتوحا فيبدأ فيه بكسر الهمزة نحو «اذهب» و «اضرب» و «ارجع»، وإن كان ثالثه مضموما ضما لازما فيبدأ فيه بضم الهمزة نحو «اتل» و «انظر»، وأما إذا كان ثالثه مضموما ضما عارضا فيبدأ فيه بالكسر نظرا لأصله نحو: «امشوا، اقضوا» لأن أصله امشيوا واقضيوا.
وأما وجودها فى الماضى فلا يكون إلا فى الخماسى والسداسى وأمرهما ومصدرهما نحو: «انطلق، انطلق، انطلاق»، و «استخرج، استخرج، استخراج» وأمر الثلاثى، ويبدأ فى ذلك كله بكسر الهمزة.
ولا تكون همزة الوصل فى حرف إلا فى «ايم الله» للقسم على القول بحرفيتها، وفى «أل» للتعريف، وتكون مفتوحة وتحذف همزة الاستفهام نحو (استغفرت لهم) و (قل أتخذتم)، فإن وقعت بين همزة الاستفهام ولام التعريف فلا تحذف حتى لا يلتبس الاستفهام بالخبر، بل تبدل ألفا وتمد طويلا لالتقاء الساكنين، أو تسهل بين الهمزة والألف، والإبدال أقوى، وذلك فى ست كلمات فى القرآن باتفاق وهى: (ءآلذكرين) فى موضعى
стр. 411
(سورة الأنعام آية ١٤٣، ١٤٤، و (ءآلان) فى موضعى يونس آية ٥١، ٩١ (ءآلله أذن لكم) و (ء آلله خير) (آية ٥٩ من سورة النمل)، وكلمة عند أبى عمرو وأبى جعفر وهى: (السحر) فى (سورة يونس آية ٨١)، ويبدأ باللام أو بهمزة الوصل فى قوله تعالى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ «آية ١١ سورة الحجرات».
ثانيا: همزة القطع: هى التى تثبت فى حالتى الوصل والبدء، وسميت بذلك لثبوتها فى الوصل فينقطع بالتلفظ بها الحرف الذى قبلها عن الحرف الذى بعدها بخلاف همزة الوصل فإنها تثبت فى البدء وتسقط فى الدرج كما سبق، ومن ثم يتضح الفرق بين الهمزتين.
وتوجد همزة القطع فى ماضى ومصدر الثلاثى، وماضى وأمر ومصدر الرباعى. وتكون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة كما يلى:
أولا: همزة القطع المفتوحة توجد فى خمسة مواضع هى:
١ - الفعل الماضى الثلاثى المبنى للمعلوم نحو: «أذن»، «أمر».
٢ - الفعل الماضى الرباعى المبنى للمعلوم نحو: «ألهاكم».
٣ - الفعل المضارع نحو: «أعمل» و «أسمع».
٤ - فعل الأمر من الرباعى نحو: «أكرم» و «أصلح».
٥ - مصدر الفعل الماضى الثلاثى، وقد تكون همزة القطع فيه مفتوحة نحو: «أمر»، «أكلا». وقد تكون مكسورة الهمزة نحو «إذن»، «إفك».
ثانيا: همزة القطع المكسورة، وتوجد فى موضعين هما:
١ - مصدر الفعل الماضى الرباعى نحو:
«إطعام» و «إخراج».
٢ - مصدر الفعل الماضى الثلاثى فيما صح فيه الكسر نحو «إذن» و «إفك».
ثالثا: همزة القطع المضمومة، وتوجد فى أربعة مواضع هى:
١ - الفعل المضارع من الثلاثى المزيد نحو:
(أحيى وأميت).
٢ - الفعل المضارع من الثلاثى المضعف نحو «أبرئ».
٣ - الفعل الماضى الثلاثى المبنى للمجهول نحو «أمر» و «أذن».
стр. 412
٤ - الفعل الرباعى المبنى للمجهول نحو «أوتى» و «أخرج».
أما فى الحروف فهى فيها همزة قطع من غير شرط نحو «إنّ» و «كأنّ» المشددتين والمخففتين أيضا.
ثالثا: همزة الاستفهام: هى إحدى همزات القطع المفتوحة أبدأ وهى ثابتة فى الوصل والابتداء، ولها مع همزة الوصل حالتان عند اجتماعهما، الحالة الأولى: حذف همزة الوصل وبقاء همزة الاستفهام مفتوحة، وذلك إذا كانت همزة الوصل فى فعل وكانت مكسورة فى الابتداء لو تجردت عنها همزة الاستفهام وابتدئ بها. والوارد من ذلك فى القرآن الكريم سبعة مواضع منها خمسة متفق عليها بين القراء العشرة، والموضعان الآخران مختلف فيهما.
أما الخمسة المتفق عليها هى: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً (سورة البقرة آية ٨٠)، وقوله تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (سورة مريم آية ٧٨)، وقوله تعالى: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (سورة سبأ آية ٨)، وقوله تعالى:
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ (سورة المنافقون آية ٦).
وأما الموضعان المختلف فيهما فهما: قوله تعالى: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (سورة الصافات آية ١٥٣)، وقوله تعالى:
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا (سورة ص آية ٦٣).
فقد قرأ بعض القراء بوصل الهمزة فيهما على الإخبار، ويبتدئ بكسر الهمزة على القاعدة السابقة، وبعضهم بقطع الهمزة فيهما مفتوحة على الاستفهام.
ووجه حذف همزة الوصل فى هذه الأفعال أن الأصل فيها «أاتخذتم. أافترى.
أأ استكبرت. أاستغفرت. أأتخذناهم.
أاصطفى» بهمزتين. أولاهما: همزة الاستفهام ولا تكون إلا مفتوحة كما مرّ. وثانيهما: همزة الوصل وهى مكسورة لوجودها فى الماضى السداسى فى «استكبرت، واستغفرت»، وفى الماضى الخماسى فى الباقى. فحذفت همزة الوصل فى جميعها استغناء عنها بهمزة الاستفهام ولا يترتب على حذفها التباس الاستفهام بالخبر، لأن همزة الاستفهام إحدى همزات القطع المفتوحة أبدا، وهى ثابتة فى الوصل والابتداء- كما مر- بخلاف همزة
стр. 413
الوصل فإنها ثابتة فى الابتداء ساقطة فى الوصل.
وأما حالة بقاء همزة الاستفهام مفتوحة مع همزة الوصل فى كلمة واحدة، فالشرط أن تكون همزة الوصل مفتوحة فى البدء وواقعة فى اسم محلى بأل وحينئذ لا يجوز حذفها بالإجماع لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر فيتغير المعنى تبعا لذلك، والجائز فيها حينئذ وجهان:
الأول: إبدالها ألفا مع المدّ الطويل لملاقاتها بالساكن الأصلى.
الثانى: تسهيلها بين بين أى بين الهمزة والألف مع القصر والمراد به هنا عدم المدّ مطلقا. والوجهان صحيحان مقروء بهما لكل القراء، ووجه الإبدال هو المقدم فى الأداء، والوارد من ذلك فى القرآن ستة مواضع باتفاق القراء العشرة، وموضع مختلف فيه بينهم. وقد سبق بيان ذلك عند الكلام على همزة القطع فارجع إليه.
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
стр. 414
تلاوة القرآن الكريم
أولا: أدب التلاوة:
لما كان قارئ القرآن فى حضرة ربه مناجيا له كان لزاما عليه أن يتأدب بآداب خاصة تليق بحضرة ربه ومناجاته، وقد حدد العلماء الأجلاء هذه الآداب وبيّنوها وسوف ألخص تلك الآداب فيما يلى (١):
١ - أن يكون القارئ على طهارة حسّية- أى من الحدث الأكبر والأصغر-، وذلك لأن قراءة القرآن الكريم أفضل أنواع الذكر خاصة وأنها مناجاة بين العبد وربه، فيستلزم لذلك طهارة الظاهر والباطن.
٢ - وأن يقرأ فى الأماكن الطاهرة والنظيفة التى تليق بعظمة ومقام القرآن الكريم، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة فى المسجد لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة ومحصلا لفضيلة أخرى وهى الاعتكاف. وأن يكون أثناء القراءة مستقبلا للقبلة، لأن قراءة القرآن عبادة، واستقبال القبلة من أسباب القبول وأدعى له.
٣ - أن يستعمل السواك ويتخلل فيطيب فاهه ويطهره، لأنه الطريق الذى يخرج منه القرآن الكريم، ولقول الرسول ﷺ : «إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك» (٢)، وقال يزيد بن أبى مالك: «إن أفواهكم طرق من طرق القرآن فطهروها ونظفوها ما استطعتم».
٤ - أن يخلص فى قراءته ويريد بها وجه الله تعالى دون شىء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة أو مدح أو رئاسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه ونحو ذلك.
٥ - أن يستحضر فى ذهنه أنه يناجى ربه ويقرأ كتابه، فيتلوه على حالة من يرى الله تعالى فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.
٦ - أن يعظم القرآن ويوقره، فيتجنب الضحك، والحديث الأجنبى خلال القراءة إلا لحاجة، وألا يعبث باليد ونحوها، وألا ينظر إلى ما يلهى أو يبدد الذهن.
٧ - أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتدائه للقراءة، وهذا ما عليه جمهور العلماء قديما وحديثا. وقيل: بعدها. وأوجبها
стр. 415
قوم لظاهر الأمر فى الآية، وهى قوله تعالى:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (سورة النحل آية ٩٨)، وصيغتها المختارة عند عامة الفقهاء وجميع القراء:
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وكان بعض السلف يزيدون «السميع العليم»، ولا خلاف بين أهل الأداء فى الجهر بها عند افتتاح القراءة، والإخفاء أولى إذا كان يقرأ وحده خاليا عن الناس أو فى الصلاة، ويكفيه تعوذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أجنبى أو فصل طويل.
٨ - أن يحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير سورة «براءة»، لأن أكثر العلماء على أنها آية من أول كل سورة، فإذا أخل بها كان تاركا لبعض الختمة عند الأكثرين، أما فى الابتداء بما بعد أوائل السور ولو بكلمة فتجوز البسملة وعدمها لكل القراء تخييرا.
٩ - ويسن للقارئ أن يقرأ على تؤدة وبترتيل، لأن ذلك أدعى للتدبر وأقرب إلى التوقير والاحترام. ولقول الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (سورة المزمل آية ٤)، ولما رواه أبو داود وغيره عن أم سلمة- رضى الله تعالى عنها- «أنها نعتت قراءة النبى- ﷺ قراءة مفسّرة حرفا حرفا» (٣).
وفى صحيح البخارى عن أنس- رضى الله تعالى عنه- أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: «كانت مدّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد الله ويمدّ الرحمن ويمدّ الرحيم» (٤).
واتفق العلماء على كراهة الإفراط فى الإسراع بالقراءة، وقالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين فى قدر ذلك الزمان بلا ترتيل. وقالوا: واستحباب الترتيل للتدبر، لأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرا فى القلب، ولهذا يستحب للأعجمى الذى لا يفهم معناه (٥).
١٠ - تدبر ما يتلى: ينبغى على المؤمن أن يقرأ القرآن بالتدبر والفهم، وأن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به ويتفهمه لقول الله تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (سورة ص آية ٢٩) وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (سورة محمد ﷺ آية ٢٤).
والطريق إلى ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر فى معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهى، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل،
стр. 416
أو عذاب أشفق وتعوذ، أو تنزيه نزه وعظم، أو دعاء تضرع وطلب.
فقد روى الإمام مسلم بسنده عن حذيفة- رضى الله تعالى عنه- قال: «صليت مع النبى ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقرأها، ثم النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ» (٦).
ومما يعين على التدبر أيضا تكرير الآية وترديدها، فقد روى النسائى وغيره عن أبى ذرّ- رضى الله تعالى عنه- قال: قام النبى ﷺ بآية يرددها حتى أصبح. والآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ (٧).
وعن تميم الدارى- رضى الله تعالى عنه- أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (٨) (سورة الجاثية آى ٢١) وردد ابن مسعود- رضى الله تعالى عنه: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (سورة طه آية ١١٤) وردد سعيد بن جبير قوله تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (سورة البقرة آية ٢٨١) إلى غير ذلك من الأقوال فى هذا الصدد.
قال الإمام النووى: «والأحاديث فيه- أى فى التدبر والخشوع عند التلاوة- كثيرة، وأقاويل السلف فيه مشهورة. وقد بات جماعات من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها ويرددونها إلى الصباح. وقد صعق جماعات من السلف عند القراءة، ومات جماعات منهم حال القراءة (٩).
١١ - تحسين الصوت بالتلاوة: أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين- رضى الله تعالى عنهم- ومن بعدهم من علماء الأمصار وأئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بتلاوة القرآن وتزيينها، لأن ذلك يؤدى إلى التأثير على النفوس، ولقول الرسول ﷺ :
«زينوا القرآن بأصواتكم» (١٠)، وفى لفظ عند الدارمى: «حسنوا القرآن بأصواتكم» (١١)، ولما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت أن يتغنّى بالقرآن» (١٢).
قال ابن كثير: ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشىء كاستماعه لقراءة نبى يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع فى قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية وذلك هو الغاية فى ذلك، وهو يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة- رضى الله عنها-: سبحان الذى وسع سمعه الأصوات.
стр. 417
ولكن استماعه عباده المؤمنين أعظم كما قال تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ (سورة يونس آية ٦١)، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم (١٣).
هذا: وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ المثل الأعلى بنفسه فى تحسين الصوت بالتلاوة، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: «سمعت النبى ﷺ يقرأ فى العشاء: والتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه» (١٤).
وفى الصحيحين عن جبير بن مطعم قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فى المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه، وفى بعض الروايات: فلما سمعته قرأ: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (٣٥) أم خلقوا السماوات والأرض بل لّا يوقنون (٣٦) أم عندهم خزائن ربّك أم هم المسيطرون (سورة الطور الآيات ٣٥ - ٣٧)، «كاد قلبى أن يطير» (١٥).
ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب، وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذى إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» (١٦).
١٢ - التغنى بالقرآن: ومن أجل تحسين التلاوة وتزيينها أمر النبى ﷺ بالتغنى بالقرآن، فعن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن» (١٧).
قال سفيان بن عيينة تفسيره: يستغنى به.
ولكن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى ردّ هذا القول وقال: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى، إنما هو يتحزن ويترنم به.
ويؤيد هذا ما جاء فى الرواية الأخرى: «ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» (١٨)، قال الطبرى- رحمه الله تعالى: لو كان معناه الاستغناء
لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى.
ومما يؤكد هذا المعنى أيضا ما أخرجه البخارى وغيره عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» (١٩)، والمراد بالتغنى بالقرآن تحسين الصوت وتطريبه وتحزينه والتخشع به لما جاء عن أبى موسى ﵁ قال: قال لى رسول الله ﷺ ذات يوم: «لو رأيتنى وأنا استمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» قلت:
أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتى لحبرتها لك تحبيرا» (٢٠).
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر هذه
стр. 418
الأحاديث وغيرها: والغرض أن المطلوب شرعا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقى، فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك فى أدائه هذا المذهب.
وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام- ﵀ حدثنا نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن حصين بن مالك الفزارى قال:
سمعت شيخا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجىء قوم من بعدى يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» (٢١).
وهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التى يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة- رحمهم الله تعالى- على النهى عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذى يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا، فقد اتفق العلماء على تحريمه- والله أعلم.
١٣ - التحزين بالقرآن: ويستحب للقارئ البكاء عند قراءة القرآن، والتباكى لمن لا يقدر على البكاء، والحزن والخشوع، لقول الله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (سورة الإسراء آية ١٠٩) وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (سورة الأنفال آية ٢)، ولقول الرسول ﷺ : «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢٢).
وروى أبو داود بسنده عن عبد الله بن الشّخّير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء» (٢٣) وفى الشّعب للبيهقى عن سعد بن مالك مرفوعا: «إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة، فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (٢٤).
وفى مسند أبى يعلى حديث: «اقرءوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن»، وعند الطبرانى «أحسن الناس قراءة من إذا قرأ القرآن يتحزن» (٢٥).
قال أبو حامد الغزالى- رحمه الله تعالى- البكاء مستحب مع القراءة وعندها. قال:
стр. 419
وطرقه فى تحصيله أن يحضر فى قلبه الحزن، بأن يتأمل ما فيه من التهديد، والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره فى ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص، فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب (٢٦).
١٤ - حق التلاوة: ينبغى لقارئ القرآن أن يتلو القرآن الكريم حق تلاوته، ويتبع ما جاء فيه من أحكام وآداب حق اتباعه، لقول الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (سورة البقرة آية ١٢١).
وروى ابن أبى حاتم بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ فى معنى قوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ قال: إذا مرّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرّ بذكر النار تعوّذ بالله من النار». وعن ابن مسعود ﵁ قال: «والذى نفسى بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله» (٢٧).
وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- فى معنى هذه الآية قال: «يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه» وقال أيضا: يتبعونه حق اتباعه.
وقال الحسن البصرى: «يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه» (٢٨).
وقال الإمام الغزالى: «تلاوة القرآن حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان: تصحيح الحروف، وحظ العقل: تفسير المعانى، وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل ينزجر، والقلب يتعظ» (٢٩).
١٥ - هيئة قارئ القرآن: يستحب لقارئ القرآن فى غير الصلاة أن يستقبل القبلة. فقد جاء فى الحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» (٣٠)، ويجلس متخشعا بسكينة ووقار، مطرقا رأسه، ويكون جلوسه وحده فى تحسين أدبه وخضوعه، كجلوسه بين يدى معلمه، فهذا هو الأكمل.
ولو قرأ قائما أو مضطجعا، أو فى فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز، وله أجر، ولكن دون الأول. قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ (سورة آل عمران آية: ١٩٠، ١٩١).
стр. 420
وثبت فى الصحيح عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ فى حجرى وأنا حائض، فيقرأ القرآن» (٣١)، وعن أبى موسى الأشعرى
﵁ قال: «إنى أقرأ القرآن فى صلاتى، وأقرأ على فراشى» (٣٢)، وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: «إنى لأقرأ حزبى وأنا مضطجعة على السرير» (٣٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
«ينبغى لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس يختالون».
وعن الفضيل بن عياض- رحمه الله تعالى- قال: «حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغى له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن» (٣٤).
١٦ - سجود التلاوة: يسن لقارئ القرآن إذا مرّ بآية فيها سجدة من سجدات القرآن أن يسجد، لما صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء السجدة قال: «يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر» (٣٥).
وثبت فى الصحيحين عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قرأ على النبى ﷺ «والنجم» فلم يسجد (٣٦)، وثبت أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم، قال: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه ... » (٣٧).
وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال:
«سجد النبى ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» (٣٨).
وأما عدد السجدات ومحلها: فالذى عليه جمهور العلماء أنها أربع عشرة سجدة: فى سورة الأعراف عند نهاية السورة الآية ٢٠٦، وفى سورة الرعد عند نهاية الآية ١٥، وفى سورة النحل عند نهاية الآية ٥٠، وفى سورة الإسراء عند نهاية الآية ١٠٩، وفى سورة مريم عند نهاية الآية ٥٨، وفى سورة الحج سجدتان عند نهاية الآية ١٨، وعند نهاية الآية ٧٧، وفى سورة الفرقان عند نهاية الآية ٦٠، وفى سورة النمل عند نهاية الآية ٢٦، وفى سورة «الم تنزيل السجدة» عند نهاية الآية ١٥، وفى سورة «حم السجدة» عند نهاية الآية ١٥، وفى سورة «حم السجدة» فصلت عند نهاية الآية ٣٨، وفى سورة النجم عند نهاية الآية ٦٢، وفى سورة «إذا السماء
стр. 421
انشقت» عند نهاية الآية ٢١، وفى سورة «اقرأ باسم ربك» عند نهاية السورة الآية ١٩.
وأما سجدة سورة «ص» فمستحبة، وليست من عزائم السجود أى متأكداته، فقد ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبى ﷺ سجد فيها» (٣٩).
ويشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة من الطهارة، وستر العورة، والتوجه إلى القبلة. وينبغى أن يقع السجود عقب آية السجدة التى قرأها أو سمعها، فإن أخر ولم يطل الفصل سجد، وإن طال فقد فات السجود، ولا يقضى على المذهب الصحيح المشهور كما لا يقضى صلاة الكسوف (٤٠).
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
المصادر والمراجع:
стр. 422
تنكيس القراءة
قال ابن منظور فى لسان العرب: النكس:
قلب الشيء على رأسه، وقراءة القرآن منكوسا أن يبدأ بالمعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة، أو من آخر السورة فيقرأها إلي أولها.
وهو خلاف الأصل- أى الذى عليه المصحف وجاءت به السنة- إذ الأصل أن يقرأ من الفاتحة مرتبا إلى آخر الناس (١).
والعلماء فى حكم قراءة القرآن منكوسا تبعا لمذاهبهم فى حكم ترتيب الآى والسور.
أما الآى: فقد أجمعوا على أن ترتيبها بتوقيف من النبى ﷺ عن الله ، ولذا فقد اتفقوا على أن قراءة السورة من آخرها إلى أولها ممنوع، ولم يختلفوا فى حرمته، لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب. وأيضا فإن السورة وحدة مستقلة، وتنكيسها إخلال بأجزاء وحدتها وتماسكها، ويترتب عليه إخلال بالمعنى «وكان جماعة يصنعون ذلك فى القصيدة من الشعر مبالغة فى حفظها وتذليلا للسان فى سردها، فمنع السلف ذلك فى القرآن، فهو حرام فيه» (٢).
أخرج الطبرانى بسند جيد عن ابن مسعود- ﵁ أنه سئل «أرأيت رجلا يقرأ القرآن منكوسا؟ فقال ذلك منكوس القلب. فأتى بمصحف قد زيّن وذهّب، فقال عبد الله: إن أحسن ما زيّن به المصحف تلاوته فى الحق» (٣).
وروى النسائى عن البراء- رضى الله تعالى عنه- قال: «كنا نصلى خلف النبى ﷺ فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات»، وعنده أيضا وعند ابن خزيمة نحوه من حديث أنس لكن قال: ب «سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» (٤).
وأما تنكيس السور: فقد جوزه قوم منهم الإمام الشافعى، وكرهه، قوم منهم الإمام أحمد وأبو حنيفة ومالك والحسن.
أما المجوزون فقد قالوا: إن تقديم سورة متأخرة على أخرى تسبقها فى القراءة داخل أو خارج الصلاة ليس بحرام، لأن كل سورة وحدة مستقلة وموضوعها مستقل، فلا يضر تقديمها على غيرها.
قال ابن بطال: لا نعلم أحدا قال بوجوب
стр. 423
ترتيب السور فى القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة، والحج قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السلف من النهى عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها (٥).
وقال القاضى عياض: وترتيب السور ليس بواجب فى التلاوة ولا فى الصلاة ولا فى الدرس ولا فى التعليم. وأنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته ... ثم قال: واستجاز النبى ﷺ والأمة بعده فى جميع الأعصار ترك ترتيب السور فى الصلاة والدرس والتلقين. ثم قال: إنه لا خلاف فى جواز قراءة المصلى سورة فى الركعة الثانية قبل التى قرأها فى الركعة الأولى، وإنما يكره ذلك فى ركعة، ولمن يتلو فى غير الصلاة. (٦)
وكلامه هذا فيه نظر، لأن الخلاف بين أهل العلم قائم، وإن كان يمكن تقريب وجهة نظرهم.
وقال النووى: ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلى الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة، ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاء بذلك آثار كثيرة. وقد قرأ ابن الخطاب ﵁ فى الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفى الثانية بيوسف (٧).
واستدل أصحاب هذا القول بما رواه البخارى بسنده عن يوسف ابن ماهك قال:
إنى عند عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها إذ جاءها عراقى فقال: يا أم المؤمنين أرينى مصحفك؟ قالت: ولم؟ قال: لعلى أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ... » الحديث (٨).
وبما أخرجه مسلم بسنده عن حذيفة قال:
«صليت مع النبى ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلى بها فى ركعة فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ ... »
الحديث (٩). إلى غير ذلك من الأدلة.
أما الذين قالوا: إن ترتيب السور بتوقيف من الله تعالى، فقد قالوا: إن الأصل أن تكون القراءة على ترتيب المصحف، وقد فسر بعضهم قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (سورة المزمل آية ٤) بمعنى اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم ولا تأخير (١٠).
قال ابن حجر: وقد نقل البيهقى عن أحمد
стр. 424
والحنفية كراهية قراءة سورة قبل سورة تخالف ترتيب المصحف (١١).
وروى ابن أبى داود عن الحسن: أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه فى المصحف. وروى أيضا عن إبراهيم النخعى، والإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك، وأن مالكا كان يعيبه، ويقول هذا عظيم (١٢).
وقد استدل هؤلاء العلماء وغيرهم على ما ذهبوا إليه بما رواه الإمام مسلم والترمذى وغيرهما عن النعمان بن بشير ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ فى العيدين ويوم الجمعة ب «سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» قال: وربما اجتمعا فى يوم واحد فقرأ بهما» (١٣).
وبما رواه مسلم وغيره عن أبى رافع قال:
استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة فى الركعة الأخيرة «إذا جاءك المنافقون» قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان على بن أبى طالب يقرأهما بالكوفة. فقال أبو هريرة: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة (١٤).
وبالنظر فى أقوال الفريقين وأدلتهم نرى أن الجميع قد اتفقوا على أن تنكيس القرآن خلاف الأصل الذى عليه المصحف وجاءت به السنة، وأن قراءة السورة بعد السورة صواب عند الجميع، وإن عكس فقد جانب الصواب وخالف الأولى عند البعض، وارتكب المكروه عند البعض الآخر.
قال الإمام النووى: «قال بعض أصحابنا:
ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التى تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغى أن يحافظ عليها، إلا فيما ورد الشرع باستثنائه، كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ فى الأولى سورة «السجدة» وفى الثانية «هل أتى على الإنسان»، وصلاة العيد فى الأولى «ق» وفى الثانية «اقتربت الساعة»، وركعتى سنة الفجر فى الأولى «قل يا أيها الكافرون» وفى الثانية «قل هو الله أحد»، وركعات الوتر فى الأولى «سبح اسم ربك الأعلى» وفى الثانية «قل يا أيها الكافرون» وفى الثالثة «قل هو الله أحد والمعوذتين»، ولو خالف الموالاة فقرأ بسورة لا تلى الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاء بذلك آثار كثيرة ... وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف (١٥).
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان
стр. 425
نسيان القرآن
ينبغى على المؤمن الحافظ للقرآن أن يتعاهده بالتلاوة والمراجعة حتى لا ينساه، لقول الرسول ﷺ : «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (١) وقوله ﷺ :
«مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت فكذلك صاحب القرآن» (٢).
وجاء عن النبى ﷺ ذمّ ووعيد لمن يحفظ شيئا من القرآن ثم ينساه حيث قال: «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نسّى، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها» (٣) وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«عرضت علىّ أجور أمتى حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علىّ ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» (٤) قال ابن جريج: وحدثت عن سلمان الفارسى قال:
قال رسول الله ﷺ : «من أكبر الذنوب توافى به أمتى يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم ثم نسيها».
وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى فى قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ
بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
(سورة طه الآيات ١٢٤ - ١٢٦).
قال ابن كثير: وهذا الذى قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان، وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير، وتفريط شديد نعوذ بالله منه، ولهذا قال ﵇: «تعاهدوا القرآن»، وفى لفظ:
«استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم» والتفصى: التخلص.
وعن الضحاك بن مزاحم قال: «ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يحدثه لأن الله تعالى يقول: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (سورة الشورى آية ٣٠)، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (٥). نسأل الله تعالى العفو والعافية منه اللهم آمين.
أ. د. السيد إسماعيل على سليمان