← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

انشقت» عند نهاية الآية ٢١، وفى سورة «اقرأ باسم ربك» عند نهاية السورة الآية ١٩. وأما سجدة سورة «ص» فمستحبة، وليست من عزائم السجود أى متأكداته، فقد ثبت فى صحيح البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبى ﷺ سجد فيها» (٣٩). ويشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة من الطهارة، وستر العورة، والتوجه إلى القبلة. وينبغى أن يقع السجود عقب آية السجدة التى قرأها أو سمعها، فإن أخر ولم يطل الفصل سجد، وإن طال فقد فات السجود، ولا يقضى على المذهب الصحيح المشهور كما لا يقضى صلاة الكسوف (٤٠). أ. د. السيد إسماعيل على سليمان المصادر والمراجع:

стр. 422

تنكيس القراءة قال ابن منظور فى لسان العرب: النكس: قلب الشيء على رأسه، وقراءة القرآن منكوسا أن يبدأ بالمعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة، أو من آخر السورة فيقرأها إلي أولها. وهو خلاف الأصل- أى الذى عليه المصحف وجاءت به السنة- إذ الأصل أن يقرأ من الفاتحة مرتبا إلى آخر الناس (١). والعلماء فى حكم قراءة القرآن منكوسا تبعا لمذاهبهم فى حكم ترتيب الآى والسور. أما الآى: فقد أجمعوا على أن ترتيبها بتوقيف من النبى ﷺ عن الله ، ولذا فقد اتفقوا على أن قراءة السورة من آخرها إلى أولها ممنوع، ولم يختلفوا فى حرمته، لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب. وأيضا فإن السورة وحدة مستقلة، وتنكيسها إخلال بأجزاء وحدتها وتماسكها، ويترتب عليه إخلال بالمعنى «وكان جماعة يصنعون ذلك فى القصيدة من الشعر مبالغة فى حفظها وتذليلا للسان فى سردها، فمنع السلف ذلك فى القرآن، فهو حرام فيه» (٢). أخرج الطبرانى بسند جيد عن ابن مسعود- ﵁ أنه سئل «أرأيت رجلا يقرأ القرآن منكوسا؟ فقال ذلك منكوس القلب. فأتى بمصحف قد زيّن وذهّب، فقال عبد الله: إن أحسن ما زيّن به المصحف تلاوته فى الحق» (٣). وروى النسائى عن البراء- رضى الله تعالى عنه- قال: «كنا نصلى خلف النبى ﷺ فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات»، وعنده أيضا وعند ابن خزيمة نحوه من حديث أنس لكن قال: ب «سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» (٤). وأما تنكيس السور: فقد جوزه قوم منهم الإمام الشافعى، وكرهه، قوم منهم الإمام أحمد وأبو حنيفة ومالك والحسن. أما المجوزون فقد قالوا: إن تقديم سورة متأخرة على أخرى تسبقها فى القراءة داخل أو خارج الصلاة ليس بحرام، لأن كل سورة وحدة مستقلة وموضوعها مستقل، فلا يضر تقديمها على غيرها. قال ابن بطال: لا نعلم أحدا قال بوجوب

стр. 423

ترتيب السور فى القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة، والحج قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السلف من النهى عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها (٥). وقال القاضى عياض: وترتيب السور ليس بواجب فى التلاوة ولا فى الصلاة ولا فى الدرس ولا فى التعليم. وأنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته ... ثم قال: واستجاز النبى ﷺ والأمة بعده فى جميع الأعصار ترك ترتيب السور فى الصلاة والدرس والتلقين. ثم قال: إنه لا خلاف فى جواز قراءة المصلى سورة فى الركعة الثانية قبل التى قرأها فى الركعة الأولى، وإنما يكره ذلك فى ركعة، ولمن يتلو فى غير الصلاة. (٦) وكلامه هذا فيه نظر، لأن الخلاف بين أهل العلم قائم، وإن كان يمكن تقريب وجهة نظرهم. وقال النووى: ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلى الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة، ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاء بذلك آثار كثيرة. وقد قرأ ابن الخطاب ﵁ فى الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفى الثانية بيوسف (٧). واستدل أصحاب هذا القول بما رواه البخارى بسنده عن يوسف ابن ماهك قال: إنى عند عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها إذ جاءها عراقى فقال: يا أم المؤمنين أرينى مصحفك؟ قالت: ولم؟ قال: لعلى أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ... » الحديث (٨). وبما أخرجه مسلم بسنده عن حذيفة قال: «صليت مع النبى ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلى بها فى ركعة فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ ... » الحديث (٩). إلى غير ذلك من الأدلة. أما الذين قالوا: إن ترتيب السور بتوقيف من الله تعالى، فقد قالوا: إن الأصل أن تكون القراءة على ترتيب المصحف، وقد فسر بعضهم قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (سورة المزمل آية ٤) بمعنى اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم ولا تأخير (١٠). قال ابن حجر: وقد نقل البيهقى عن أحمد

стр. 424

والحنفية كراهية قراءة سورة قبل سورة تخالف ترتيب المصحف (١١). وروى ابن أبى داود عن الحسن: أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه فى المصحف. وروى أيضا عن إبراهيم النخعى، والإمام مالك بن أنس أنهما كرها ذلك، وأن مالكا كان يعيبه، ويقول هذا عظيم (١٢). وقد استدل هؤلاء العلماء وغيرهم على ما ذهبوا إليه بما رواه الإمام مسلم والترمذى وغيرهما عن النعمان بن بشير ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ فى العيدين ويوم الجمعة ب «سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» قال: وربما اجتمعا فى يوم واحد فقرأ بهما» (١٣). وبما رواه مسلم وغيره عن أبى رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة فى الركعة الأخيرة «إذا جاءك المنافقون» قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان على بن أبى طالب يقرأهما بالكوفة. فقال أبو هريرة: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة (١٤). وبالنظر فى أقوال الفريقين وأدلتهم نرى أن الجميع قد اتفقوا على أن تنكيس القرآن خلاف الأصل الذى عليه المصحف وجاءت به السنة، وأن قراءة السورة بعد السورة صواب عند الجميع، وإن عكس فقد جانب الصواب وخالف الأولى عند البعض، وارتكب المكروه عند البعض الآخر. قال الإمام النووى: «قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التى تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغى أن يحافظ عليها، إلا فيما ورد الشرع باستثنائه، كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ فى الأولى سورة «السجدة» وفى الثانية «هل أتى على الإنسان»، وصلاة العيد فى الأولى «ق» وفى الثانية «اقتربت الساعة»، وركعتى سنة الفجر فى الأولى «قل يا أيها الكافرون» وفى الثانية «قل هو الله أحد»، وركعات الوتر فى الأولى «سبح اسم ربك الأعلى» وفى الثانية «قل يا أيها الكافرون» وفى الثالثة «قل هو الله أحد والمعوذتين»، ولو خالف الموالاة فقرأ بسورة لا تلى الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز، فقد جاء بذلك آثار كثيرة ... وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف (١٥). أ. د. السيد إسماعيل على سليمان

стр. 425

نسيان القرآن ينبغى على المؤمن الحافظ للقرآن أن يتعاهده بالتلاوة والمراجعة حتى لا ينساه، لقول الرسول ﷺ : «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (١) وقوله ﷺ : «مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت فكذلك صاحب القرآن» (٢). وجاء عن النبى ﷺ ذمّ ووعيد لمن يحفظ شيئا من القرآن ثم ينساه حيث قال: «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نسّى، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها» (٣) وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت علىّ أجور أمتى حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علىّ ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» (٤) قال ابن جريج: وحدثت عن سلمان الفارسى قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكبر الذنوب توافى به أمتى يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم ثم نسيها». وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى فى قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (سورة طه الآيات ١٢٤ - ١٢٦). قال ابن كثير: وهذا الذى قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان، وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير، وتفريط شديد نعوذ بالله منه، ولهذا قال ﵇: «تعاهدوا القرآن»، وفى لفظ: «استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم» والتفصى: التخلص. وعن الضحاك بن مزاحم قال: «ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يحدثه لأن الله تعالى يقول: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (سورة الشورى آية ٣٠)، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (٥). نسأل الله تعالى العفو والعافية منه اللهم آمين. أ. د. السيد إسماعيل على سليمان

стр. 426

ختم القرآن المدة التى يستحب فيها ختم القرآن بينتها السنة المطهرة فيما رواه البخارى بسنده أن النبى ﷺ قال- فى حديث طويل- لعبد الله ابن عمرو- رضى الله عنهما: « .. وكيف تختم؟ قال: كل ليلة. فقال له: اقرأ القرآن فى كل شهر، قال: إنى أطيق أكثر من ذلك. فقال له: اقرأه فى كل سبع ليال مرة .. » وفى رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو قال: «قال لى رسول الله ﷺ : اقرأ القرآن فى شهر. قلت إنى أجد قوة، حتى قال: فاقرأه فى سبع ولا تزد على ذلك»، وفى رواية أخرى: «أن النبى ﷺ قال له: اقرأ القرآن فى شهر. قال إنى أطيق أكثر، فما زال حتى قال فى ثلاث» (١). ومن خلال هذه الأحاديث يتبين لنا أن عبد الله ﵁ كان يقرأ القرآن فى ليلة واحدة، فقال له النبى ﷺ اقرأه فى شهر؛ لأن لا يلحقه ملل، ولتكون قراءته على تدبر وفهم، فرغب عبد الله أن يقرأ فى أقل من هذه المدة محتجا بقوته على ذلك فتدرج النبى ﷺ معه إلى أن وصل إلى سبع، ثم قال له: «ولا تزد على ذلك» لأنه رأى- والله تعالى أعلم- أن التدبر والأمن من الملل لا يكونان فى أقل من هذه المدة، فرغب عبد الله فى أن يقرأه فى أقل من ذلك، فما زال به حتى قال فى ثلاث كما جاء فى بعض الروايات. لذلك نقول: إن المدة المعول عليها فى ختم القرآن هى استطاعة الشخص وعدم استطاعته، لأن النبى ﷺ قال لعبد الله اقرأه فى شهر، ثم أذن له أن يقرأه فى أقل من هذه المدة لاستطاعته، فلزم أن تكون الزيادة عليها مأذونا فيها عند الضعف وعند الشواغل الكثيرة التى تحول دون ختمه فى شهر، فقد أخرج ابن أبى داود عن مكحول قال: كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرءون القرآن فى سبع، وبعضهم فى شهر وبعضهم فى شهرين وبعضهم فى أكثر من ذلك. وقد روى عن أبى حنيفة- رحمه الله تعالى- أنه قال: «من قرأ القرآن فى كل سنة مرتين، فقد أدى حقه لأن النبى ﷺ عرض القرآن على جبريل فى السنة التى قبض فيها مرتين». وكذلك من نقص عن الشهر لقوته على ذلك يستحب له أن لا ينقص عن سبع لقول النبى ﷺ لعبد الله: لا تزد على ذلك، فإن حكمة هذا النهى

стр. 427

على ما يظهر هى أن ختم القرآن فى أقل من سبع مظنة الملل ونقصان التدبر، والأحكام تبنى على الكثير الغالب لا على القليل النادر، ولإلحاح عبد الله ورغبته فى الإكثار من القراءة واحتجاجه بقوته على ذلك أذن له فى أقل من سبع إلى ثلاث، إلا إن هذا الإذن المترتب على الإلحاح الشديد من عبد الله لا ينفى أن المأذون فيه خلاف الأولى بقرينة اختصاص هذا العدد بالنهى عن النقص عنه دون ما قبله من الأعداد. وهذا المعنى هو الذى فهمه جمهور العلماء واستقر عملهم عليه. وأما الذين يختمون القرآن فى أقل من ثلاث فعملهم مخالف لصريح السنة لما رواه أبو داود والترمذى وصححه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: «لا يفقه من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث» (٢) وأخرج ابن أبى داود وسعيد بن منصور عن ابن مسعود موقوفا قال: «لا تقرءوا القرآن فى أقل من ثلاث»، وأخرج أبو عبيد عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن فى أقل من ثلاث» (٣). أ. د. السيد إسماعيل على سليمان المصادر والمراجع:

стр. 428

الجرس القرآنى إن طريقة النظم التى اتسقت بها ألفاظ القرآن، وتألفت لها حروف الألفاظ، إنما هى طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شىء على لسان النبى ﷺ ، فجعلت المسامع لا تنبو عن شىء من القرآن، ولا تلوى من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن يسمعه بدّ من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء، لا يستمهلهم أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة، فإنه إنما يسمع ضربا خالصا من الموسيقى اللغوية فى انسجامه واطّراز نسقه واتزانه على أجزاء النّفس مقطعا مقطعا ونبرة نبرة كأنها توقعه توقيعا لا تتلوه تلاوة (١). ويوضح هذا المعنى الدكتور محمد عبد الله دراز فيقول: دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلا بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ منه مكانا قصيا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومداتها وغناتها، واتصالاتها، وسكتاتها، ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جردت تجريدا، وأرسلت ساذجة فى الهواء فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده فى كلام آخر لو جرّد هذا التجريد، وجوّد هذا التجويد. ستجد اتساقا وائتلافا يسترعى من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر. وستجد شيئا آخر لا تجده فى الموسيقى ولا فى الشعر، ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هى تتحد الأوزان فيها بيتا بيتا، وشطرا شطرا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هى تتشابه أهواؤها، وتذهب مذهبا متقاربا، فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد. بينما أنت من القرآن أبدا فى لحن متنوع متجدد تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد، وفواصل على أوضاع مختلفة يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء. فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم. بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.

стр. 429

هذا الجمال التوقيعى فى لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب. فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟ ثم يقول- أيضا- فإذا ما اقتربت بأذنك قليلا قليلا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة. فاجأتك منه لذة أخرى فى نظم تلك الحروف ورصفها، وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النّفس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمّ جرّا، فترى المجال اللغوى ماثلا أمامك فى مجموعة مختلفة مؤتلفة، لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة، ولا تناكر ولا تنافر، وهكذا ترى كلاما ليس بالحضرى الفاتر، ولا بالبدوى الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها، برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيه الأمران تقديرا لا يبغى بعضهما على بعض. فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلاستهما، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل عندها تلتقى أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم (٢). أ. د. السيد إسماعيل على سليمان المصادر والمراجع:

стр. 430

الاستماع عند التلاوة ومن إجلال القرآن وتعظيمه الاستماع له والإنصات عند تلاوته، لقول الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (سورة الأعراف آية ٢٠٤)، والمعنى: وإذا قرئ القرآن الذى ذكرت خصائصه ومزاياه عليكم فاستمعوا له بتدبر وخشوع، واصغوا إليه أسماعكم وكل جوارحكم لتفهموا معانيه، وتفقهوا توجيهاته، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضى تعظيما له، وإكبارا لشأنه، لكى تفوزوا برحمة الله ورضاه. ولقد كان جماعة من السلف يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين، وهو سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ . فقد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لى رسول الله ﷺ : «اقرأ علىّ القرآن». فقلت: يا رسول الله اقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: «إنى أحب أن أسمعه من غيرى». فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (آية ٤١)، قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (١). وبعض العلماء يحمل القراءة فى الآية على القراءة خلف الإمام فى الصلاة، أى: أن على المؤتم أن يستمع إلى قراءة الإمام بتدبر وخشوع، واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام مسلم فى صحيحه من حديث أبى موسى الأشعرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (٢). وبعضهم يجعل الآية عامة فى وجوب الاستماع إلى قراءة القرآن بتدبر وإنصات وخشوع فى الصلاة وفى غيرها، وحملوا الأحاديث التى أوردها أصحاب الرأى الأول على العموم- أيضا. والذى نراه أن الآية تأمر بوجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن فى الصلاة وفى غيرها، لأن تعاليم الإسلام وآدابه تقتضى منا أن نستمع إلى القرآن الكريم بتدبر وإنصات وخشوع ليؤثر تأثيره الشافى فى القلوب،

стр. 431

وليقودها إلى الطاعة والتقوى فتنال المغفرة والرحمة. وصدق الله العظيم القائل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (سورة الأنفال آيات من ٢ - ٤). أ. د. السيد إسماعيل على سليمان المصادر والمراجع:

стр. 432

الاقتباس من القرآن الاقتباس: هو تضمين الشعر أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه بأن لا يقال فيه: قال الله تعالى ونحوه، فإن ذلك حينئذ لا يكون اقتباسا، وقد اشتهر عن المالكية تحريمه وتشديد النكير على فاعله. وأما الشافعية فلم يتعرض له الأقدمون ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس فى عصورهم، واستعمال الشعراء له قديما وحديثا. وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام فأجازه، واستدل له بما ورد عن النبى ﷺ من قوله فى الصلاة وغيرها «وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» (١) وقوله: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عنى الدين وأغننى من الفقر» (٢). وفى سياق كلام لأبى بكر الصديق ﵁: «وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون» (٣) وفى آخر حديث لابن عمر- رضى الله عنهما-: «قد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة» (٤). قال السيوطى: «وهذا كله إنما يدل على جوازه فى الشعر وبينهما فرق. فإن القاضى أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه فى الشعر مكروه، وفى النثر جائز. واستعمله أيضا فى النثر القاضى عياض فى مواضع من خطبة الشفاء. وقال الشريف إسماعيل ابن المقرى اليمنى صاحب مختصر الروضة فى شرح بديعته ما كان منه فى الخطب، والمواعظ، ومدحه ﷺ وآله وصحبه، ولو فى النظم فهو مقبول، وغيره مردود. ثم قال: والاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح، ومردود. فالأول: ما كان فى الخطب والمواعظ والعهود، والثانى: ما كان فى الغزل، والرسائل والقصص. والثالث: على ضربين: أحدهما ما نسبه الله إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه كما قيل عن أحد بنى مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية عماله: «إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم» (٥). والآخر: تضمين آية فى معنى هزل، ونعوذ بالله من ذلك كقوله:

стр. 433

أرخى إلى عشاقه طرفه ... هيهات هيهات لما توعدون (٦) وردفه ينطق من خلفه ... لمثل هذا فليعمل العاملون (٧) قال السيوطى: وهذا التقسيم حسن جدا وبه أقول (٨). أ. د. السيد إسماعيل على سليمان المصادر والمراجع:

стр. 434

بلاغة القرآن الخبر الخبر فى اللغة الإعلام، ومعانيه تدور حول اكتساب المعرفة من مصادرها (١). أما معنى الخبر فى اصطلاح البلاغيين فهو: القول الذى يحمل الصدق والكذب لذاته (٢)، أى دون النظر إلى قائله. أو هو الكلام الذى له نسبة خارجية يراد مطابقتها أو عدم مطابقتها. والأول تعريف القدماء. والثانى يجرى كثيرا على ألسنة المحدثين، وفى كتاباتهم. والخبر له ثلاث نسب، تظهر من تحليل العبارة الآتية، إذا قال قائل: رأيت الهلال الليلة هذه الجملة الخبرية لها نسب ثلاث. الأولى: النسبة الكلامية، وهى: الإخبار برؤية الهلال، وثبوت رؤيته لحظة فى الأفق. الثانية: نسبة ذهنية، وهى تخيّل السامع لهذا الكلام الهلال مرئيا فى الأفق. الثالثة: النسبة الخارجية. وهى كون الهلال مكث لحظة فى الأفق بعد غروب الشمس، فإن كانت هذه النسبة واقعية فعلا فالخبر صادق، لتطابق النسبة واقعية فعلا فالخبر صادق، لتطابق النسبة الخارجية مع النسبة الكلامية. وإن كان الهلال لم يثبت له رؤية، فالخبر كاذب، لأنه لم يطابق الواقع. وهذا هو معنى عبارة المحدثين أن الخبر ما كان له نسبة خارجية (يعنى خارج الذهن) فإن أراد المتكلم بكلامه مطابقتها فيكون صادقا، أو عدم مطابقتها فيكون كاذبا (٣). والخبر هو شطر اللغة، والشطر الثانى هو الإنشاء وفيهما تنحصر أساليب الأداء اللغوى، وليس لهما ثالث. وكلاهما وارد بكثرة فى القرآن الكريم، بل كل ما فى القرآن، وكل ما فى سوى القرآن لا يخرج عن أسلوبى الخبر والإنشاء، وسيأتى الحديث عنه. والبلاغيون يجمعون على أن وظيفة الخبر التى أرادها منه واضعو اللغة محصورة فى أمرين. الأول: أطلقوا عليه مصطلح «فائدة الخبر» ومعناها أن المتكلم يفيد بخبره المخاطب بالخبر معنى جديدا لم يكن له به علم قبل سماعه الخبر. وهذا هو الأصل فى

стр. 435

أغراض الخبر، ومثلوا لهذا بعبارات كثيرة، أغلبها أمثلة مصنوعة، مثل: جاء «زيد» خطابا لمن لا يعلم بمجيء زيد. ومن أمثلة فى القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٤). هذه الآية أفادت لأول مرة أن الله أنزل القرآن فى ليلة القدر، ولم يكن لدى المخاطبين علم بهذا قبل نزول هذه الآية. أما الغرض الثانى من الخبر، فيطلق عليه البلاغيون مصطلح «لازم الفائدة» وضابط هذه الوظيفة: أن يكون المخاطب عالما بمضمون الخبر، ويكون غرض المتكلم إعلام المخاطب بأنه- أى المتكلم- عالم بمضمون الخبر مثله، كقولك لمن يعلم أنه خالدا حضر من سفره: خالد حضر. فأنت لا تريد إعلامه بحضور خالد، لأنك تعلم أنه يعلم بحضوره وإنما تريد أنك أنت عالم بحضور خالد كما يعلم هو به ومن أمثلته فى القرآن الكريم قوله تعالى حاكيا ما قاله يعقوب ﵇ لبنيه: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً (٥). يعقوب ﵇ لم يرد أن يخبر بنيه بأن أنفسهم سوّلت لهم أمر التخلص من يوسف؛ لأنهم كانوا يعلمون بهذا التسويل أكثر منه. وإنما أراد أن يخبرهم أنه عالم بما حدث معهم لأخيهم يوسف. ففائدة الخبر، ولازم فائدته هما الدلالتان اللتان أرادهما واضعو اللغة من الخبر وهما دلالتان حقيقيتان وضعيتان .. كدلالة: السيف والرمح على آلتى القتال المعروفتين. وفى القرآن الكريم- كما فى اللغة بوجه عام- استعمالات لأخبار لا تكاد تحصى فى معان أخرى مجازية، غير فائدة الخبر، ولازم فائدته، تحمل معانى كثيرة يقتضيها المقام فى أغراض شتى. ومن ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ (٦) لم ترد امرأة عمران أن تخبر الله بما لا يعلم فى قولها إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى فالخبر هنا لم يستعمل فى الإعلام بفائدة الخبر، ولا فى لازم فائدة الخبر، بل خرج إلى معنى مجازى هو إظهار التحسر على إنجابها أنثى، وكانت تطمع أن تلد ذكرا ليكون خادما فى بيت المقدس الذى لم يكن يقوم بالخدمة فيه إلا الذكور. ولم ترد أن تخبر الله بما لم لا يعلم فى قولها. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ بل إن الخبر هنا خرج عن الإعلام بفائدة الخبر،

стр. 436

وعن لازم الفائدة، إلى معنى مجازى هو التلطف فى الدعاء والاستعاذة بالله أن يحفظ المولودة وذريتها من الشيطان الرجيم. ومنه فى القرآن الكريم قوله تعالى فى شأن اليهود، وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً- يعنى الموت- بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧). خرج الخبر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ عن الإعلام بفائدة الخبر ولازمها إلى معنى آخر مجازى، هو التهديد والوعيد لأن علمه- سبحانه- بالظالمين يقتضى عقابه إياهم على ظلمهم. ومنه قوله تعالى حكاية عما قاله فرعون لموسى ﵇: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ (٨). لم يرد إعلام موسى ﵇ بما فعل حين قتل المصرى. وإنما أراد لومه وانكساره بين يديه، وهو معنى مجازى خارج عن الإعلام بفائدة الخبر، ولازم فائدته. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 437

الإنشاء الإنشاء لغة: الإيجاد والتكوين، يقال: فلان أنشأ قصيدة أى ألفها بعد أن لم تكن (١). أما فى اصطلاح البلاغيين فالإنشاء هو الكلام الذى يطلب به أمر لم يكن موجودا وقت النطق بالكلام. وهو عندهم ما ليس له نسبة خارجة وقت النطق بالكلام الإنشائى، يراد مطابقتها أو عدم مطابقتها. وهو ما لا يحتمل الصدق والكذب: لأن مضمونه لا يقع- أن وقع- إلا بعد النطق بطلبه. وقد يجاب الطلب أو لا يجاب ولذلك فإن الإنشاء ليس له إلا نسبتان من النسب الثلاث التى تقدمت فى مبحث الخبر، بل له نسبتان فقط: * النسبة الكلامية. * النسبة الذهنية. وقد يعبر عنها بالنسبة العقلية، توضيح هذا فى تحليل العبارة الآتية: إذا قال قائل لآخر: «أعرنى كتابك». هذه الجملة إنشائية طلب بها أمر لم يكن موجودا ساعة النطق بها والنسبة الكلامية فيها هى: طلب المتكلم استعارة كتاب المخاطب. أما النسبة الذهنية (العقلية) فهى التصور الذهنى لعملية إعارة الكتاب، سواء تحققت الإعارة أو لم تتحقق. هاتان النسبتان يشترك فيهما الخبر والإنشاء وينفرد الخبر بالنسبة الخارجية (الواقعية) ولو فرضا لا تحقيقا، إذا كان الخبر غير صادق (٢) والإنشاء هو شطر اللغة الثانى بعد الخبر. ويتكوّن الكلام الإنشائى من عدة أساليب فرعية، هى: * الأمر.* النهى. * الاستفهام.* النداء. * التمنى.* الرجاء. والأصل فى الأمر أن يكون للوجوب، أى وجوب إيجاد شىء لم يكن له وجود ساعة النطق بفعل الأمر. مثل قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ (٣) مضمون الأمر وَقاتِلُوا هو الوجوب والأصل فى النهى أن يكون لطلب الكف عن شىء على وجه الجزم، ومثله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا (٤).

стр. 438

والأصل فى الاستفهام أن يكون لإعلام المستفهم أمرا هو يجهله. ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا (٥). والأصل فى النداء أن يكون لطلب الإقبال المادى الحسى ومثاله فى القرآن الكريم قول الله لموسى ﵇: يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ (٦). والأصل فى التمنى أن يكون لطلب المستحيل أو ما فيه عسر، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عما يقوله الكافر يوم القيامة: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٧). والأصل فى الرجاء أن يكون لطلب الممكن المحبوب. ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عن قول موسى ﵇ لأهله: إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ (٨). هذا هو الأصل فى استعمال هذه الأساليب اللغوية لكن بلاغة القرآن المعجز استعملتها فى معان مجازية أخرى يضيق المقام عن ذكرها، وقد كتبت فيها مجلدات دون الإحاطة بها (٩). وما لا يدرك كله لا يترك كله لذلك نكتفى بأمثلة يسيرة من الأربعة أساليب المذكورة. فالأمر والنهى يستعملان فى ما يقرب من خمسة وعشرين معنى مجازيا. كالتعجيز المستعمل فيه الأمر فى قوله تعالى مخاطبا منكرى البعث: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (١٠). والإهانة فى قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (١١). والإرشاد المستعمل فيه النهى فى قوله تعالى: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ (١٢). والدعاء المستعمل فيه النهى فى قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا (١٣). والالتماس المستعمل فيه النهى فى قوله تعالى حكاية عن قول هارون لموسى ﵉: يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي (١٤). وغير ذلك كثير وكثير، استعمل فيه (القرآن) أسلوبى الأمر والنهى فى معان

стр. 439

مجازية، مفعمة بالإيحاءات البيانية، لإقرار الحق وإظهاره، ودحض الباطل والتنفير منه. وأكثر الأساليب الإنشائية خروجا عن معانيها اللغوية إلى معان مجازية فى القرآن الكريم هو الاستفهام، وقد ورد منه أكثر من ١٢٦٠ صورة، فى القرآن الكريم وكان له شأن عظيم فى نصرة الحق وتجليته، ودحر الباطل ومحوه، والمعانى المجازية التى خرج إليها لا تكاد تحصى، وصوره فى القرآن قسمان. قسم صادر عن الله ، غير محكى عن غيره. وهذا القسم كل صوره مجازية؛ لأن الله قد أحاط بكل شىء علما، فهو منزه عن أن يستفهم طالبا فهم ما لم يفهمه. وقسم صادر عن غيره وحكاه القرآن. وهذا القسم لا تكاد ترى فيه استفهاما حقيقيا إلا نادرا. ومن صور الاستفهام الصادرة عن الله ما يأتى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١٥). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو إظهار فضل الله وتكريمه لمحمد ﷺ . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (١٦). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو: الأمر، أى: انتهوا. فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ (١٧). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو: التقرير. فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (١٨). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو: التعجيز وإقامة الحجة لله على العباد. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٩). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو الحث والترغيب. وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (٢٠). والمعنى المجازى الذى خرج هو إيناس موسى ﵇. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (٢١). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو الإنكار على المخاطب. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٢). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو التسوية. أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٢٣). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو التقرير والإنكار معا بحسب جملتى الاستفهام. أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً (٢٤). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو التعجيب.

стр. 440

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (٢٥). والمعنى المجازى الذى خرج إليه هو التهويل. الخ. أما النداء فهو من الأساليب الإنشائية الكثيرة الشيوع فى القرآن الكريم. وله ما للاستفهام من دور جليل الشأن فى أداءات البلاغة القرآنية، وقل أن تجد فيه نداء غير مستعمل فى المعانى المجازية، التى يقتضيها المقام. وقد بلغت الأصناف التى نوديت فى القرآن أكثر من خمسة عشر صنفا شملت العاقل وغير العاقل. ومن نداءات العاقل فى القرآن الكريم: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وهو أشرف نداءات القرآن الكريم ومثله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ثم مناداة الرسل المفردة يا إِبْراهِيمُ- يا نُوحُ- يا عِيسى. ويلى هذا النداء فى الشرف: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- يا عِبادِيَ ومن نداء غير العاقل فى القرآن الكريم قوله تعالى: يا جِبالُ .. (٢٦) يا أَرْضُ ... يا سَماءُ (٢٧) يا أَيُّهَا النَّمْلُ (٢٨) والمنادى فى القرآن الكريم باعتبار لفظه أربعة مجموعات (٢٩): الأولى: نداء أفراد، مثل: يا آدم، يا إبراهيم، يا موسى. الثانية: نداء مثنى، وهو نادر، مثل: يا صاحبى السجن. الثالثة: نداء جماعات مخصوصة، مثل: يا قوم- يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الملأ، يا أيها الذين هادوا. الرابعة: نداء جماعات عامة شاملة، مثل: يا أيها الناس، يا بنى آدم. ولكل مجموعة من هذه المجموعات الأربعة غرض خاص يناسب نداءها فى دقة وإحكام. فمثلا يا أَيُّهَا النَّاسُ يأتى عقب ندائها أمر عام يشمل جميع أفراد المنادى. كما جاء فى مطلع سورة «النساء» يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ لأن المخاطبين بالنداء- هنا- ينطبق عليهم هذا الوصف أعنى الخلق من نفس واحدة. وكذلك ما جاء فى مطلع سورة الحج: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا

стр. 441

أَرْضَعَتْ فالناس كلهم مطالبون بتقوى الله (التكليف) وهم كلهم سيرون أهوال القيامة أما نداء الذين آمنوا فلا يأتى بعده إلا أمر خاص بالإيمان، وتابع له. مثل قوله تعالى فى مطلع سورة «الحجرات» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فالتزام الأدب والإذعان بين يدى الله ورسوله أمر خاص بالمؤمنين. ونداءات القرآن، وبخاصة ما كان صادرا عن الله ، خرجت إلى معنى مجازى غير طلب الإقبال المادى الحسى. وهذا هو مكمن البلاغة فى نداءات القرآن الكريم. فمثلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى المراد منه الإقبال الذهنى المعنوى. لتنفرغ أنفس المنادين من كل الشواغل لتلقى ما يتلى عليها فتعيه أكمل وعى. وهكذا كل معانى القرآن الكريم من نداءات. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 442

الإطناب من معانى الإطناب فى اللغة: الإكثار والتطويل، والمبالغة فيما أخذ فيه المرء، ومثله الإسهاب. أما اصطلاح علماء المعانى، فإن ما قالوه فى الإطناب لا يخرج عن معانيه فى اللغة، التى تدور حول كثرة الكلام باعتبار المقام الوارد فيه الكلام، والمعانى التى تراد منه، لا مجردا عن هذه القيود. فالإطناب- عموما- المبالغة فى النطق والوصف، مدحا كان أو ذما، وأطنب فى الكلام بالغ فيه وأطنب فى الوصف إذا بالغ واجتهد. وأطنب فى الكلام أيضا إذا أبعد. وأطنب الإبل إذا اتبع بعضها بعضا (١). والإطناب فى الاصطلاح البلاغى له اعتبارات وخصوصيات تميزه عن مفهوم الإطناب بالمعنى اللغوى العام. فالمعنى اللغوى يعتمد على مقياس الزمن الذى يستغرقه الكلام طولا وقصرا. أما فى الاصطلاح البلاغى فإن منزع الإطناب يحصل من المقارنة بين الكلام وبين المعانى المرادة منه، سواء طال زمن الكلام أو لم يطل. لذلك فإنهم فرّعوا على تعريفهم للإطناب صورا ذوات خصوصيات دقيقة، ومعايير فنية محددة أما تعريف الإطناب عندهم، فقد عرفه الإمام أبو يعقوب السكاكى بقوله: «هو تأدية المعنى بأكثر من متعارف الأوساط» (٢). ويقصد ب «متعارف الأوساط» الحديث اليومى الذى يجرى بين الناس فى تعاملاتهم، وهو عنده لا يمدح ولا يذم (٣). وفى الواقع نجد الإطناب أحد أوصاف ثلاثة للكلام عموما: فهو إما أن يكون اللفظ مساويا لمعناه وإما أن يكون اللفظ ناقصا عن معناه غير مخل وإما أن يكون اللفظ زائدا على معناه لفائدة وعرفه ابن الأثير ممثلا له فقال. «هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة (٤)» وقال: إن الإطناب يكون بالحقيقة، ويكون بالمجاز، مثل: «ذقته بفمى» فإن كلمة «بفمى» إطناب لأن الإذاقة لا تكون إلا بالفم. وأما الزيادة (الإطناب) بالمجاز فكقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٥). لم يبين ابن الأثير جهة التجوز التى حصل

стр. 443

بها الإطناب ولعله أراد أن الاستدراك فى وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ أن فِي الصُّدُورِ إطناب، لأن المعروف أن القلوب لا تكون إلا فى الصدور، فإن كان أراد هذا فقد جانبه الصواب؛ لأن هذه العبارة لا مجاز فيها. وإن أراد إثبات عمى القلوب، فهو مجاز حقا، ولكن الجملة الاستدراكية، هذه ليست إطنابا، لأنها أدت معنى جديدا كل الجدة. ومن صور الإطناب فى القرآن الكريم قوله تعالى: قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (٦). جاءت هذه العبارة جوابا عن سؤال الله موسى ﵇ وهو أعلم-: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى وقد تحقق الجواب بقوله: هِيَ عَصايَ وكان يكفى أن يقول عَصايَ بدون ذكر هِيَ وبدون ذكر أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى. وبلاغة هذا الإطناب أن موسى ﵇ زادت رغبته فى التمتع بحديثه مع الله . ومن صور الإطناب فى القرآن الكريم- كذلك قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧). لأن كلمة الْمُسْتَقِيمَ كافية فى بيان المراد فجاء ما بعدها إطنابا، وبلاغة هذا الإطناب شدة الرغبة فى مقام المناجاة والدعاء فى حضرة الله ، والتلذذ بخطابه. هذا. والإطناب جنس عام فى بابه. تندرج تحته صور عدة، لكل صورة منها اسم خاص بها، وضوابط تميزها عن نظيراتها، ومعان بلاغية يقصدها البلغاء منها ومقامات تقتضى استخدام تلك الصور صورة صورة. يأتى الحديث عنها تباعا فى الآتى. أ. د./ عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 444

التّتميم التتميم فن بديعى، وصورة من صور الإطناب كالاعتراض، والتذييل والإيغال، ومعناه فى اللغة زيادة الناقص ليكون تاما (١). أما فى اصطلاح البلاغيين فله عدة تعريفات وضوابط وقد سماه قدامة بن جعفر ب «التمام (٢)» وسماه الحاتمى وآخرون ب «التتميم (٣)» وهو ما عليه جمهور البلاغيين (٤). وسماه أبو هلال العسكرى: التتميم والتكميل، وغيره من البلاغيين لا يخلطون بين التتميم والتكميل، بل لكل منهما معنى خاص به. ثم عرفه قائلا: وهو أن توفّى المعنى حقه، وتعطيه نصيبه من الصحة. ثم لا تغادر معنى فيه تمامه ألا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده ألا تذكره» وعرفه ابن أبى الأصبع فقال (٥): «أن تأتى فى الكلام كلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه فى ذاته، أو فى صفاته. وإن كان من الموزون نقص وزنه مع معناه، فيكون الإتيان بها- أى بالكلمة المسماة تتميما- لتتميم الوزن والمعنى معا» (٦). وقد أخذ هذا التعريف وعدّله ابن حجة الحموى فى القرن الثامن الهجرى فقال: التتميم هو «الإتيان فى النظم والنثر بكلمة، إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه، وهو على ضربين: ضرب فى المعانى، وضرب فى الألفاظ. فالذى فى المعانى هو تتميم المعنى. والذى فى الألفاظ هو تتميم الوزن، والمراد هنا تتميم المعنى. ويجيء- أى التتميم عموما- للمبالغة والاحتياط كقول طرفة: فسقى ديارك- غير مفسدها- ... صوب الغمام وديمة تهمى» (٧) فالتتميم يرد فى النثر والشعر معا. وموضعه فى هذا البيت هو عبارة (غير مفسدها) وهى جملة حالية المراد منها الدعاء. ومن أمثلته فى القرآن الكريم قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً (٨). «فقوله مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى تتميم، وقوله وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميم ثان وبهذين التتميمين تم الكلام وجرى على الصحة» (٩).

стр. 445

ومنه قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (١٠) فقوله تعالى عَلى حُبِّهِ «هو تتميم للمبالغة التى تعجز عنها قدرة المخلوقين» (١١). والضمير فى حُبِّهِ يجوز عوده على الطعام، أى يطعمون الطعام مع شدة اشتهائهم إياه. وحاجتهم إليه لما بهم من جوع. ويجوز عوده على «الله» ، أى يطعمون الطعام لا رياء وإنما على حب الله . ويرجح هذا قوله بعد الآية المتقدمة. إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ومن التتميم فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (١٢). فقوله تعالى: وَما كانَ مُنْتَصِراً تتميم؛ لأن ما قبله إعلام بأن المتحدث عنه مقطوع عنه سبب النصر من خارج نفسه، وهذا لا يمنع أن يكون هو قادرا على نصر نفسه، فلما قال: وَما كانَ مُنْتَصِراً تم المعنى المراد من جهتين: الأولى: نفى نصر الأعوان. الثانية: نفى نصر نفسه. إذن، فلا هو منصور بأعوانه، ولا منصور قطعا سواء كان له أعوان، أو لم يكن. ومنه قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها .. (١٣) فكل من: يمشون بها- يبطشون بها- يبصرون بها- يسمعون بها .. من صور التتميم، لأن المراد من الاستفهام فى المواضع الأربعة النفى، أى لا أرجل لهم، ولا أيدى لهم، ولا أعين لهم، ولا آذان لهم، ونفى وظائف هذه الأعضاء وإن كان مفهوما من نفى الأعضاء، فإن ذكر ما يختص بكل عضو منها تمم المعنى وحسّنه. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 446

التّذييل الذيل فى اللغة هو آخر الشيء، مأخوذ من ذيل أو ذنب الحيوانات ذوات الأربع، والحشرات الزاحفة، وذيّل فلان ثوبه، أى طوّله وجعل له ذيلا (١). أما تعريفه فى اصطلاح علماء المعانى، فقد قال فيه أبو هلال العسكرى: «للتذييل فى الكلام موقع جليل، ومكان شريف خطير لأن الحق يزداد به انشراحا، والمقصد اتضاحا وقال بعض البلغاء للبلاغة ثلاثة مواضع: الإشارة والتذييل والمساواة ... فأما التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويؤكد عند من فهمه ... وينبغى أن يستعمل فى المواطن الجامعة، والمواقف الحافلة لأن تلك المواطن تجمع البطىء الفهم، والبعيد الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر. فإذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد، تأكد عند الذهن اللقن (الذكى) وصح للكليل البليد» (٢). وذكر ابن حجة الحموى تعريفا للتذييل ارتضاه البلاغيون من قبله ومن بعده، وهو: «أن يذيّل الناظم أو الناثر كلاما بعد تمامه وحسن السكوت عليه، بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا، وتجرى مجرى المثل بزيادة التحقيق؟؟ (٣). يعنى أن التذييل صورة من صور الإطناب لأنه يفيد تقرير معنى ما قبله وتزيده وضوحا وموقف البلاغيين- عموما- لم يختلف عما ذكره الحموى من مفهوم التذييل (٤). والتذييل كثير الورود فى القرآن الكريم، فى فواصل الآيات، التى هى معاقد المعانى فيها. وكان البلاغيون قد قسموا التذييل قسمين: أحدهما ما يجرى مجرى المثل. والثانى، ما لا يجرى مجرى المثل، وكلاهما ورد فى القرآن الكريم. فمن القسم الأول قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٥). فالجملة الأخيرة إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً هى التذييل. فيها تقرير وتوكيد لمعنى الكلام الذى قبلها. وهى جارية مجرى

стр. 447

المثل. ومعنى جريانها مجرى المثل، أنه يصح ذكرها فى المقام الذى يستدعيها، دون افتقارها إلى الاعتماد على ذكر ما قبلها. ومنه قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (٦) فجملة وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ تزييل مؤكد ومقرر لمعنى ما قبلها ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وهو جار مجرى المثل السائر، فيقال: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ- دون أن يفتقر إلى ما قبله. وقد يأتى التذييل فى القرآن الكريم فى غير الفواصل ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧) فى هذه الآية تذييلان: الأول: وقع فى درج الكلام لا فى الفاصلة، وهو وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ. والثانى: وقع فى الفاصلة وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وفى كلا التذييلين تقرير لمعنى ما تقدم عليه، وتوكيد له. ومن التذييل فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (٨). لأن فى الآية الأولى وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ حكما عاما شاملا لزوال كل البشر، فجاءت الآية الثانية: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ مؤكدة لذلك المعنى، ومقررة له. وهى ليست فاصلة بل هى آية قائمة بذاتها. فمجيء التذييل فى الفواصل أغلب لا مطرد. وهو تذييل جار مجرى المثل، لصحة ترديده دون الافتقار إلى ما قبله. ومن التذييل غير الجارى مجرى المثل قوله تعالى: وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٩). فقوله إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ تذييل غير جار مجرى المثل، مؤكد لمعنى الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ومقررة له وهو كثير فى فواصل الآيات. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 448

التّكرار التكرار فى اللغة تدور معانيه حول الإعادة، ويكون فى الأفعال كتكرار الزيارة ونحوها، ويكون فى الأقوال وهو إعادة الكلمة، أو الكلام مرتين أو أكثر، وهو المقصود لنا هنا؛ لأن التكرار فن يمارسه المتكلمون كثيرا فإذا دعت إليه حاجة، كان حسنا مقبولا، وإذا لم تدع إليه حاجة، ولم يفد فائدة جديدة كان عيبا مذموما وهو من الأساليب الشائعة فى اللغة العربية، وفى غيرها من اللغات. وقد عرّفه الفرّاء العالم اللغوى بقوله: «والكلمة قد تكررها العرب على التغليظ والتخويف (١)» وسماه أبو عبيدة مجاز التكرار (٢). وعرض له الإمام الخطابى فقال: «تكرار الكلام على ضربين: مذموم وهو ما كان مستغنيا عنه، غير مستفاد به زيادة معنى لم يستفد من الكلام الأول، لأنه حينئذ يكون فضلا- يعنى فضلة- من القول ولغوا، وليس فى القرآن شىء من هذا النوع. والضرب الآخر- يعنى الممدوح- ما كان بخلاف هذه الصفة، فإن ترك التكرار فى الموضع الذى يقتضيه وتدعو الحاجة إليه، فيه إخلال بالبلاغة، مثل تكلف الزيادة فى وقت الحاجة إلى الحذف والاختصار، وإنما، يحسن فى الأمور المهمة، التى قد تعظم العناية بها، ويخاف بتركه وقوع الغلط والنسيان فيها، والاستهانة بقدرها» (٣). وهو من الأساليب التربوية، لأن الكلام إذا تكرر تقرر فى الذهن. وقد ورد التكرار فى القرآن الكريم بكثرة لخدمة المعانى وتوكيدها، ولوروده فى القرآن دواع بلاغية متفاوتة، ومزايا فنية آسرة. وله صور يأتى فيها منها: * تكرار الأداة مثل «إن» و «ثم» * تكرار الكلمة، مثل «أولئك». * تكرار الجملة، مثل فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ. * تكرار الأوامر والنواهى، فى العبادات والمعاملات وغيرهما. * تكرار القصة (٤).

стр. 449

ولم يخل موضع واحد من مواضع التكرار فى القرآن الكريم من فائدة عظيمة، وسر بلاغى من أجله كان التكرار، من ذلك: * تأكيد الإنذار فى قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥). * تأكيد الإنكار، مثل قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. وقد تكررت هذه العبارة فى سورة الرَّحْمنُ واحدة وثلاثين مرة، بعد تعديد نعم الله على الثقلين الإنس والجن ومع كثرة تكرارها تجد لها حلاوة فى السمع، ووقعا فى النفس، وحياة فى القلب. * تأكيد التعجيب من صنع الله بالمكذبين الضالين فى قوله : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٦). * تأكيد التنبيه وزيادته، كما فى قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ (٧). كرر يا قَوْمِ مؤكدا لهم هدايته إليهم سبيل الرشاد وقد تضمن هذا التكرار الإشارة إلى فناء الدنيا وفناء ما فيها من لذائذ ومشتهيات. وقد يكرر اللفظ لطول الكلام مع زيادة التوكيد كما فى قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٨). فقد تكرر فى هذه الآية العبارات الآتية: إِنَّ رَبَّكَ وقد تقدمت فى صدر الآية. بَعْدِها وقد تقدم عليها قوله مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأفاد هذا التكرار فائدتين: الأولى: تكرار التأكيد، ومن دواعى التأكيد مقامات الوعد والضمان. الثانية: طول الفصل بين «إن» واسمها، وبين خبرها، وهو لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. * وقد يأتى التكرار لتفظيع وتهويل ما اقترفه المتحدث عنهم، كما فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (٩). هذا التكرار المتواصل فى الآية، فيه تفظيع لما كان يقترفه المنافقون من التذبذب بين الإيمان والكفر، ثم إيثارهم الكفر على الإيمان فى عاقبة أمرهم فى الحياة الدنيا.

стр. 450

أما التكرار فى القصة القرآنية فأسراره البلاغية لا تحصر، ويكفى أن نشير إلى ملامح عامة جاء التكرار فى إطارها. فأولا: لم تكرر قصة فى موضعين أو أكثر على نمط واحد قط. وثانيا: يتراوح تكرار القصة القرآنية بين الطول والقصر. وثالثا: كل صورة ترد عليها القصة المكررة تحمل جديدا فى الصياغة والمعنى لم يرد فى غيرها. ورابعا: كل نمط من أنماط التكرار مناسب للمقام الذى ورد فيه. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 451

التّكميل التكميل صورة أخرى من صور الإطناب، قريب الشبه بالإيغال والتتميم، ولقرب التشابه بينها يمكن أن يصلح مثال واحد للاستشهاد على كل منها. والتكميل لغة زيادة الشيء حتى يبلغ النهاية، والكامل ضد الناقص وفوق التام. فالشىء يكون ناقصا، ثم يصير بعد النقص تاما، ثم يصير كاملا بحيث لا يقبل الزيادة (١). أما تعريف التكميل فى اصطلاح البلاغيين، فتتعدد عباراته ويتقارب أو يتوحد معناه، ومن تلك التعريفات عرّفه الباقلانى فقال: «ومن البديع التكميل والتتميم، وهو أن يؤتى بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعانى المصححة المتممة لصحته المكملة لجودته من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها» (٢). وقال التبريزى: «التكميل أن يذكر الشاعر المعنى، فلا يدع من الأحوال التى تتم بها صحته، وتكمل شيئا إلا أتى به (٣)» أما ابن أبى الأصبع فعرفه بقوله: «أن يأتى المتكلم أو الشاعر بمعنى من معانى المدح أو غيره من فنون الشعر وأغراضه، ثم يرى مدحه والاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل فيكمله بمعنى آخر» (٤) وقال الخطيب القزوينى: «الإطناب بالتكميل أو الاحتراس هو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه ... » (٥) وهذا التعريف هو أوجز هذه التعريفات وأحكمها وقد قسم فيه التكميل قسمين، فقال: «وهو ضربان: ضرب يتوسط الكلام كقول طرفة: فسقى ديارك- غير مفسدها- ... صوب الربيع وديمة تهمى وضرب يقع فى آخر الكلام، كقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (٦). ثم قال مبينا موضع التكميل:

стр. 452

«فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين لفهم أن ذلتهم لضعف، فلما قال: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ علم أنها تواضع منهم لهم. ومن أمثلته فى القرآن الكريم، ولم يذكرها الخطيب قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٧). وهذا عكس الأول. لأن فيه استدراكا من ضعف أما هذا ففيه استدراك من قسوة، لأنه لو لم يذكر رُحَماءُ بَيْنَهُمْ لوقع فى بعض النفوس وهم أنهم قساة فى التعامل. ولكن لما قال: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ علم أن مبعث شدتهم هو عدم موالاتهم لأهل الكفر وبخاصة أن الكفار فى عصر نزول القرآن كانوا شديدى القسوة على المؤمنين، فعاملهم المؤمنون بالمثل. ويجوز أن يكون التكميل هو الأول، فيكون من الاستدراك من الضعف، يعنى أنهم يستعملون الشدة فى مواضع الشدة، ويستعملون اللين فى مواضع اللين. وقال ابن أبى الأصبع: «ومن أحسن ما جاء فى هذا الباب وأنصعه قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (٨). قال: «فإن المعنى قد تم عند قوله: ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ لكن يبقى على ظاهر الآية إشكال من جهة أن الضعيف إذا سمع قوله بعد حكاية التكذيب لنبيه أمر نبيه أن يقول: إن ربهم ذو رحمة واسعة، مقتصرا على ذلك، يتوهم أن رحمته لسعتها ربما شملت من كذب نبيه، فاحترس من هذا الاحتمال، بما جاء به مكملا للمدح بالانتقام من الأعداء، كما يمدح- يعنى الله- بالرحمة للأولياء فقال: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ فجعل الوعيد للمكذبين، بعد تقديم الوعد للمصدقين، فإن البلاغة توجب أن تكون الرحمة الموصوفة بالسعة للمحسنين ليقابل ذلك قوله: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (٩) وهذا توجيه سديد، وفهم ثاقب لدقائق كتاب الله العزيز، وروائع أسراره. وبمثل هذا التوجيه السديد وجّه المؤلف قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (١٠) قال: فإن التكميل أتى فى هذه الآية بعد صحة التقسيم لأن الكذب .. على قسمين: قسم مطلق، وقسم مقيد، فالمطلق قوله

стр. 453

تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً والمقيد قوله تعالى: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ .. ثم المقيد أيضا على قسمين فى هذه الآية: قسم كذب الكاذب فيه على الله سبحانه، وقسم كذب الكاذب فيه على نفسه: فالأول أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ والثانى قوله سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ولو وقع الاقتصار على قوله أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لكان المعنى المراد تاما .. لكن الله كمله بقوله: وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (١١). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 454

الاعتراض من معانى الاعتراض فى اللغة الإعاقة والدفع، يقال اعترضه وعرض له: وقف فى طريقه، ومنعه من التقدم، وأعرض عنه: انصرف عنه، وعرّضه: جعله عرضة لكذا، واعترض كذا: حال دونه (١). وقد أكثر الأدباء والنقاد فى تعريفه، وفى تحديد معناه. وأوردوا فيه ما لم يوردوه فى فنون القول: فبعضهم يسميه التفاتا. قال الحاتمى عن الالتفات: وقد سماه قوم الاعتراض (٢). ونحا ابن رشيق هذا المنحى (٣). أما ابن المعتز فكان أقرب القدماء إلى تحديد هذا المعنى إذ قال: «ومن محاسن الكلام والشعر أيضا: اعتراض كلام فى كلام لم يتم معناه، ثم يعود إليه فيتمه فى بيت واحد» (٤). واستشهد عليه ببيت كثير عزة: لو أن الباخلين- وأنت منهم- ... رأوك تعلموا منك المطالا والاعتراض فى بيت كثير حصل بجملة: «وأنت منهم» حيث جاءت معترضة بين كلامين متصلين معنى، وهما: لو وأن واسمها، ثم جواب لو، وخبر أن. وأصل الكلام: لو أن البخلاء رأوك تعلموا منك البخل والمراد من هذا الاعتراض العتاب والشكوى من الحبيبة إليها. وفى القرن السادس الهجرى حسم الخطيب القزوينى الأمر فوضع للاعتراض تعريفا جامعا مانعا، قال فيه: «هو أن يؤتى فى أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر، لا محل لها من الإعراب لنكتة» (٥) وتابعه عليه من جاء بعده من البلاغيين، ومنهم شراح التلخيص (٦). والاعتراض من الفنون البلاغية التى كثر ورودها فى القرآن الكريم، وأريد منه معان غاية فى الروعة والإحكام. ومن ذلك قوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً

стр. 455

فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٧). فجملة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ من كلام الله الخالص لا من كلامه المحكى عن امرأة عمران. وهى جملة اعتراضية، وسرها البلاغى الذى جىء بها من أجله دفع توهم غير المراد، حتى لا يقع فى فهم أحد أن قول امرأت عمران: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى إخبار منها لله بأمر هو لا يعلمه- حاش لله- بل إنها تعتذر إلى الله وتتحسر على عدم استطاعتها الوفاء بنذرها؛ لأنها نذرت أن تهب ما فى بطنها لخدمة بيت المقدس والذى يصلح لتأدية هذه الخدمة الذكور دون الإناث. وقوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (٨). أصل الكلام هنا: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ... وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ولو لم تأت الجملة الاعتراضية بين نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وبين وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ لتوهم متوهم، أو لادّعى متزندق أن الله- سبحانه كذّب قول المنافقين أن محمدا ﷺ رسول الله. وأن فى هذا نفى أن يكون محمد ﷺ رسولا من عند الله. ولدفع ذلك التوهم، وقطع طرق ادعاء المتزندقين جىء بهذه الجملة الاعتراضية وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وقد تحول بها قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ إلى فضح هؤلاء المنافقين، وأنهم يقولون بألسنتهم ما لم تعتقده قلوبهم. أى هم كاذبون فى شهادتهم، لا من حيث أن محمدا ﷺ ليس رسولا من عند الله- ولكن من حيث أنهم لا يؤمنون بهذه الرسالة، التى أثبتها الله لمحمد بأقطع البراهين (٩). وقوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ

стр. 456

سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (١٠) فقوله: سُبْحانَهُ- اعتراض بين المعطوف عليه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ وبين المعطوف: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ. والمراد من هذا الاعتراض بلاغة هو تنزيه الله عما نسبوه إليه اتباعا لأهوائهم وزيغ قلوبهم. أ. د./ عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 457

الاستقصاء الاستقصاء لغة: التتبع والإبعاد، وقصى فلان بعد. واستقصيت الأمر تتبعته حتى نهايته (١) والاستقصاء فى اصطلاح البلاغيين: أن يتناول الشاعر (أو المتكلم) معنى فيستقصيه إلى أن لا يترك فيه شيئا لأحد يقوله من بعده (٢). وتحدث عنه الإمام عبد القاهر الجرجانى، ومثّل له بكلامين من شعر ابن المعتز معناهما العام واحد، إلا أن أحدهما استقصى كل ما يمكن أن يقال فى هذا المقام أما الثانى فقد خلا من الاستقصاء، وترك لقائل آخر فيه مقالا (٣). وليس الاستقصاء خاصا بالشعر، ولا بكلام الناس بل ورد منه نماذج كثيرة فى كتاب الله العزيز ذكر منها البلاغيون قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٤). ففي هذه الآية ضروب وألوان من الاستقصاء، هذا بيانها. «وذلك أنه سبحانه بعد قوله جَنَّةٌ التى لو اقتصر على ذكرها لكان كافيا، لم يقف عند ذلك حتى قال فى تفسيرها مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لأن لفظة الجنة تطلق على أى شجر ساتر بظل ورقه الأرض فإذا قال مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ كان مصاب ربها «صاحبها» بها أعظم. ثم لم يقف عند ذلك. حتى قال سبحانه تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ متمما لوصفها بذلك. ثم كمل وصفها بأن قال : فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ لأن وصفها بالنخيل والأعناب لا يكون به وصفا كاملا. فأتى بكل ما يكون فى الجنان ليشتد الأسف على إفسادها. ثم قال فى وصف صاحب الجنة وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ثم استقصى المعنى فى ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ حتى وصف الذرية بالضعف، ثم ذكر استئصال تلك الجنة التى ليس لهذا

стр. 458

الذى أصابه الكبر، وليس لذريته الضعفاء غيرها بالهلاك في أسرع وقت، حيث قال: فَأَصابَها إِعْصارٌ ... ولم يقتصر على ذلك الإعصار ... فقال فِيهِ نارٌ ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر سبحانه باحتراقها؛ لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفى باحتراقها لما فى الجنة من الأنهار ورطوبة الأشجار، فاحترس بقوله فَاحْتَرَقَتْ وهذا أحسن استقصاء وقع فى كلام، وأتمه وأكمله» (٥). ومن صور الاستقصاء فى القرآن الكريم، ولم يذكره الأقدمون قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦). فقد استقصت هذه الآية كل صفات الجلال والكمال والجمال لله . وبلاغة الاستقصاء فى شموله للمعانى التى يقتضيها المقام والاستئثار بها، وسد كل فجوة يمكن أن تدع مقالا للاحقين. فهو الكلمة الأخيرة فى موضوعه. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 459

الإيضاح ومن الإطناب فن يقال له الإيضاح، والإيضاح والتوضيح لغة: الكشف والإبانة- ورفع الغموض يقال: وضح الشيء وضوحا إذا ظهر وانكشف، وأوضحه ووضحه. أبانه وأظهره، وأزال ما به من غموض (١). ومنه: الضحى؛ لأنه أول النهار بعد ذهاب الليل. أما تعريف الإيضاح بلاغة، فقد عرفه ابن أبى الأصبع بقوله: «هو أن يذكر المتكلم كلاما فى ظاهره لبس، ثم يوضحه فى بقية كلامه» (٢). وتناقل البلاغيون عن ابن أبى الأصبع هذا التعريف كابن مالك (٣). والنويرى (٤)، والعلوى (٥)، والحموى (٦)، والسيوطى (٧)، والمدنى (٨). وفرق ابن أبى الأصبع بين التفسير، وبين الإيضاح بأن التفسير البديعى هو تفصيل المجمل مثل: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر أما الإيضاح فخاص برفع ما يظهر فى الكلام من لبس وإشكال فيه لفتا للذهن عند سماع الكلام. والإيضاح ورد فى كتاب الله العزيز مرات، وكان له دلالات حكيمة، اقتضاها المقام، فمن ذلك قوله تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً (٩). هذه الآية تتحدث عن نعيم أهل الجنة وطعامهم وأنهم يقولون كلما يرزقون طعاما. هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ. لكن كلامهم هذا الذى حكاه الله عنهم يثير فى نفس السامع تساؤلا فحواه: هل طعام أهل الجنة نوع واحد يتناولونه فى كل وجبة لا يتغير؟ ومتعة الطعام فى تنوعه لا فى توحده؟! ولكن لما قال : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ارتفع ذلك التساؤل لأن هذه العبارة أفادت أن طعام أهل الجنة متنوع مختلف لكنه متشابه، فوضح الأمر؛ لذلك كان قوله سبحانه. وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً إيضاحا؛ لأنه رفع الإشكال الذى ثار فى الذهن من قولهم:

стр. 460

هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وهذا ملمح دقيق لطيف كما ترى. ومن الإيضاح فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠). هذا خطاب من الله لليهود وقت كان القرآن ينزل. وهو وقت خلا من أنبياء الله إلا محمدا ﷺ . كما أن اليهود الذين خاطبهم القرآن فى عصر النزول لم يقتلوا نبيا، وإنما الذى قتل الأنبياء هم آباؤهم الأقدمون. لذلك كان فى قوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ إشكال، حاصله أن اليهود فى عصر الرسالة المحمدية لم يكن منهم قتل للأنبياء وإن كان منهم كفر برسالة خاتم النبيين ﷺ . ولكن لما قال الله عقب هذا مِنْ قَبْلُ زال الإشكال واستقام التاريخ على سوقه وظهر أن الذى كان يقتل الأنبياء هم يهود الأمس لا يهود عصر نزول القرآن. وإنما واجه الله بهذه الجريمة غير فاعليها المباشرين، وهم يهود عصر الرسالة المحمدية، لأنهم راضون بما فعل أسلافهم، فصاروا مثلهم فى اقتراف هذه الجريمة النكراء. ومن الإيضاح فى القرآن الكريم قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (١١). لأن فى قوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ إشكالا، لأنه يشمل كل ولاة الأمر، وإن كانوا من غير المؤمنين. وهذا لم يؤذن به فى الإسلام. فلما قال مِنْكُمْ ارتفع الإشكال، وحصرت ولاية الأمر فى المؤمنين دون غيرهم من أولياء الأمر والسلاطين. إذن معنى قوله مِنْكُمْ إيضاح كاشف لحقيقة المراد. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:
следующие страницы →