← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (١٠) فقوله: سُبْحانَهُ- اعتراض بين المعطوف عليه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ وبين المعطوف: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ. والمراد من هذا الاعتراض بلاغة هو تنزيه الله عما نسبوه إليه اتباعا لأهوائهم وزيغ قلوبهم. أ. د./ عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 457

الاستقصاء الاستقصاء لغة: التتبع والإبعاد، وقصى فلان بعد. واستقصيت الأمر تتبعته حتى نهايته (١) والاستقصاء فى اصطلاح البلاغيين: أن يتناول الشاعر (أو المتكلم) معنى فيستقصيه إلى أن لا يترك فيه شيئا لأحد يقوله من بعده (٢). وتحدث عنه الإمام عبد القاهر الجرجانى، ومثّل له بكلامين من شعر ابن المعتز معناهما العام واحد، إلا أن أحدهما استقصى كل ما يمكن أن يقال فى هذا المقام أما الثانى فقد خلا من الاستقصاء، وترك لقائل آخر فيه مقالا (٣). وليس الاستقصاء خاصا بالشعر، ولا بكلام الناس بل ورد منه نماذج كثيرة فى كتاب الله العزيز ذكر منها البلاغيون قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٤). ففي هذه الآية ضروب وألوان من الاستقصاء، هذا بيانها. «وذلك أنه سبحانه بعد قوله جَنَّةٌ التى لو اقتصر على ذكرها لكان كافيا، لم يقف عند ذلك حتى قال فى تفسيرها مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لأن لفظة الجنة تطلق على أى شجر ساتر بظل ورقه الأرض فإذا قال مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ كان مصاب ربها «صاحبها» بها أعظم. ثم لم يقف عند ذلك. حتى قال سبحانه تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ متمما لوصفها بذلك. ثم كمل وصفها بأن قال : فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ لأن وصفها بالنخيل والأعناب لا يكون به وصفا كاملا. فأتى بكل ما يكون فى الجنان ليشتد الأسف على إفسادها. ثم قال فى وصف صاحب الجنة وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ثم استقصى المعنى فى ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ حتى وصف الذرية بالضعف، ثم ذكر استئصال تلك الجنة التى ليس لهذا

стр. 458

الذى أصابه الكبر، وليس لذريته الضعفاء غيرها بالهلاك في أسرع وقت، حيث قال: فَأَصابَها إِعْصارٌ ... ولم يقتصر على ذلك الإعصار ... فقال فِيهِ نارٌ ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر سبحانه باحتراقها؛ لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفى باحتراقها لما فى الجنة من الأنهار ورطوبة الأشجار، فاحترس بقوله فَاحْتَرَقَتْ وهذا أحسن استقصاء وقع فى كلام، وأتمه وأكمله» (٥). ومن صور الاستقصاء فى القرآن الكريم، ولم يذكره الأقدمون قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦). فقد استقصت هذه الآية كل صفات الجلال والكمال والجمال لله . وبلاغة الاستقصاء فى شموله للمعانى التى يقتضيها المقام والاستئثار بها، وسد كل فجوة يمكن أن تدع مقالا للاحقين. فهو الكلمة الأخيرة فى موضوعه. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 459

الإيضاح ومن الإطناب فن يقال له الإيضاح، والإيضاح والتوضيح لغة: الكشف والإبانة- ورفع الغموض يقال: وضح الشيء وضوحا إذا ظهر وانكشف، وأوضحه ووضحه. أبانه وأظهره، وأزال ما به من غموض (١). ومنه: الضحى؛ لأنه أول النهار بعد ذهاب الليل. أما تعريف الإيضاح بلاغة، فقد عرفه ابن أبى الأصبع بقوله: «هو أن يذكر المتكلم كلاما فى ظاهره لبس، ثم يوضحه فى بقية كلامه» (٢). وتناقل البلاغيون عن ابن أبى الأصبع هذا التعريف كابن مالك (٣). والنويرى (٤)، والعلوى (٥)، والحموى (٦)، والسيوطى (٧)، والمدنى (٨). وفرق ابن أبى الأصبع بين التفسير، وبين الإيضاح بأن التفسير البديعى هو تفصيل المجمل مثل: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر أما الإيضاح فخاص برفع ما يظهر فى الكلام من لبس وإشكال فيه لفتا للذهن عند سماع الكلام. والإيضاح ورد فى كتاب الله العزيز مرات، وكان له دلالات حكيمة، اقتضاها المقام، فمن ذلك قوله تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً (٩). هذه الآية تتحدث عن نعيم أهل الجنة وطعامهم وأنهم يقولون كلما يرزقون طعاما. هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ. لكن كلامهم هذا الذى حكاه الله عنهم يثير فى نفس السامع تساؤلا فحواه: هل طعام أهل الجنة نوع واحد يتناولونه فى كل وجبة لا يتغير؟ ومتعة الطعام فى تنوعه لا فى توحده؟! ولكن لما قال : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ارتفع ذلك التساؤل لأن هذه العبارة أفادت أن طعام أهل الجنة متنوع مختلف لكنه متشابه، فوضح الأمر؛ لذلك كان قوله سبحانه. وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً إيضاحا؛ لأنه رفع الإشكال الذى ثار فى الذهن من قولهم:

стр. 460

هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وهذا ملمح دقيق لطيف كما ترى. ومن الإيضاح فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠). هذا خطاب من الله لليهود وقت كان القرآن ينزل. وهو وقت خلا من أنبياء الله إلا محمدا ﷺ . كما أن اليهود الذين خاطبهم القرآن فى عصر النزول لم يقتلوا نبيا، وإنما الذى قتل الأنبياء هم آباؤهم الأقدمون. لذلك كان فى قوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ إشكال، حاصله أن اليهود فى عصر الرسالة المحمدية لم يكن منهم قتل للأنبياء وإن كان منهم كفر برسالة خاتم النبيين ﷺ . ولكن لما قال الله عقب هذا مِنْ قَبْلُ زال الإشكال واستقام التاريخ على سوقه وظهر أن الذى كان يقتل الأنبياء هم يهود الأمس لا يهود عصر نزول القرآن. وإنما واجه الله بهذه الجريمة غير فاعليها المباشرين، وهم يهود عصر الرسالة المحمدية، لأنهم راضون بما فعل أسلافهم، فصاروا مثلهم فى اقتراف هذه الجريمة النكراء. ومن الإيضاح فى القرآن الكريم قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (١١). لأن فى قوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ إشكالا، لأنه يشمل كل ولاة الأمر، وإن كانوا من غير المؤمنين. وهذا لم يؤذن به فى الإسلام. فلما قال مِنْكُمْ ارتفع الإشكال، وحصرت ولاية الأمر فى المؤمنين دون غيرهم من أولياء الأمر والسلاطين. إذن معنى قوله مِنْكُمْ إيضاح كاشف لحقيقة المراد. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 461

الإيغال الإيغال فى اللغة السير حتى النهاية، حسيا كان أو معنويا، ومن معانيه المبالغة فى الطلب حتى لا يترك شيئا يمكن الوصول إليه (١). وأصله: الإوغال؛ لأنه من أوغل يوغل. سكنت الواو بعد كسر فقلبت ياء، كأوحى إيحاء، وأوعز إيعازا. ومعناه الاصطلاحى عند البلاغيين مطابق لمعناه عند اللغويين، وقد مهد الأصمعى لإبراز هذا المعنى فكان سابقا فيه غير مسبوق، ولكنه لم يسمه بهذا الاسم (الإيغال) مع حومه حول معناه: فقد ذكر قدامة بن جعفر أن أبا العباس محمد بن يزيد المبرد قال: «حدثنى التوزى قال: «قلت للأصمعى: من أشعر الناس؟ قال: من يأتى إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا أو إلى الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضى كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى قال: قلت: نحو من؟ قال: نحو ذى الرمة حيث قال: قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل فتم كلامه قبل «المسلسل» ثم قال: المسلسل فأفاد شيئا- يعنى معنى جديدا. ثم قال: أظن الذى يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصّل فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: «المفصّل» فزاد شيئا» (٢). ثم عرّفه قدامة بقوله: «الإيغال هو أن يأتى الشاعر بالمعنى فى البيت تاما، من غير أن يكون للقافية فى ما ذكره صنع، ثم يأتى بها- يعنى القافية- لحاجة الشعر إليها ليكون شعرا. فيزيد بمعناها فى تجويد ما ذكره فى البيت» (٣). ومثّل له بقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب

стр. 462

يريد أن الإيغال فى زيادة (لم يثقب) لأن المعنى تم بدونها- فزاد فيه شيئا. وعرّفه أبو هلال نحو هذا التعريف، ذاكرا ما ذكره قدامة عن التوزى عن الأصمعى (٤). أما ابن أبى الأصبع فقال: «هو أن يستوفى معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتى بالمقطع فيزيد معنى آخر، يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا» (٥). ومن أمثلة الإيغال فى القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٦) فإن قوله تعالى إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ إيغال أتى بعد تمام المعنى فى قوله وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ فزاد به معنى، وهو إثبات توليهم مدبرين حال الدعاء. وفى ذلك توكيد لنفى الفهم عنهم من جهتين: الأولى: الصمم الذى فى آذانهم. الثانية: كونهم ولّوا فارين معرضين عن الداعى وكل جهة من الجهتين وافية بنفى الفهم عنهم. ومن صور الإيغال فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٧) لأن قوله تعالى لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إيغال بعد قوله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لأن أحسنية حكم الله لا يدركها إلا المؤمنون الموقنون. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 463

الإيجاز الإيجاز من أدق الأساليب وأكثرها حكمة، وأملئها بلاغة، وأوسعها خبرة، وأغزرها معنى، وهو شطر البلاغة، أو هو كل البلاغة كما يرى قوم من خبراء الأساليب، وصيارف الكلام. ومعنى الإيجاز فى اللغة يدور حول الإقلال والاختصار من أوجز بمعنى اختصر، وأصله الإوجاز، سكنت الواو بعد كسر فقلبت ياء، والكلام الوجيز هو الخفيف، أو المختصر (١). أما الإيجاز فى اصطلاح البلاغيين فيدور حول قلة الألفاظ مع كثرة المعانى، وكل تعريفاته فى علم المعانى تستهدف هذا الغرض. فالإيجاز عند البلاغيين أحد أقسام الكلام الثلاثة وهى: الإطناب بأنواعه، والمساواة، ثم الإيجاز، ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة مقام يقتضيه، وحال تستدعيه، وإيقاع كل قسم في مقامه هو البلاغة وليس من البلاغة الإيجاز فى مقام الإطناب، ولا الإطناب فى مقام الإيجاز، ولا هما فى مقام المساواة ولا المساواة فى مقام أحدهما. ولذلك قال أبو هلال العسكرى: إن الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى جميع الكلام ولكل نوع منه، ولكل واحد منهما موضعه. فالحاجة إلى الإيجاز فى موضعه، كالحاجة إلى الإطناب فى مكانه. فمن أزال التدبير فى ذلك عن وجهته واستعمل الإطناب فى موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز فى موضع الإطناب أخطأ» (٢). وسماه الرمانى فقال: «الإيجاز هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف» (٣). وتابعه ابن رشيق ولم يزد عليه (٤). وسماه ابن سنان الخفاجى ب «الإشارة» وعرّفه بقوله: «هو أن يكون المعنى زائدا على اللفظ» (٥). وقال الرازى: «الإيجاز العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من غير إخلال» (٦). وقال الزملكانى: «هو إثبات المعانى المتكثرة باللفظ القليل» (٧).

стр. 464

أما الخطيب القزوينى فقد عرف الإيجاز بقوله: «تأدية المعنى الكثير فى لفظ قليل» (٨). هذه التعريفات كلها، وغيرها كثير، لم تخرج عما أجملناه من قبل من أن الإيجاز فى الكلام: هو الدلالة على المعانى الكثيرة بألفاظ أقل منها، بشرط عدم الإخلال فى تأدية المعنى المراد. والإيجاز، لما يحمل من دقائق وأسرار، كثر وروده فى القرآن الكريم، كثرة مستفيضة، ولم تخل منه آية، أو سورة من آيات القرآن الكريم، حتى فى المواضع التى اصطلح على وسمها بالإطناب أو المساواة تشتمّ فيها رائحة الإيجاز، لذلك نرى بعض الدارسين المحدثين يذهب إلى أن القرآن كله إيجاز، يستوى فى ذلك مواضع إطنابه، ومواضع مساواته، وأن كل معنى مصور على سبيل القصد، غير مائل فيه إلى الإسراف (٩). وهذا نموذج توضيحى لفكرة الإيجاز فى كتاب الله العزيز وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (١٠) هذه الآيات تحكى مشاهد من قصة يوسف ﵇ فى مصر. وقد شاع الإيجاز فى مواطن فيها نكتفى بذكر ما يأتى منها: * حذف (أرى) فى وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ حيث لم يقل: وأرى سبع سنبلات. واكتفى بذكر «واو العطف» فيها. * حذف كلمة سبع فى قوله وَأُخَرَ يابِساتٍ حيث لم يقل: وسبع أخر يابسات. مع ملاحظة حذف الفعل «أرى» مع حذف (سبع). * حذف المسند إليه (المبتدأ) فى قالُوا أَضْغاثُ والتقدير: قالوا هذه الرؤيا أضغاث أحلام، مع ملاحظة حذف جملة، الرؤيا مع حذف المسند إليه. * حذف المتعلق بالفعل فَأَرْسِلُونِ والتقدير: أرسلونى إلى يوسف فى السجن وهو فتى عالم بتفسير الأحاديث. * حذف إذن الملك وأعوانه له بالذهاب إلى يوسف ﵇ والتقدير: فأذنوا له وأرسلوه إلى يوسف فى السجن.

стр. 465

* حذف الكلام الآتى: فذهب إلى يوسف فى السجن، فاستأذن الحراس فى الدخول عليه، وأخبرهم بالمهمة التى أذن له فيها الملك وأعوانه فاستوثقوا من صدق ما قال فأذنوا له بالدخول على يوسف فدخل ثم قال ليوسف. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ والذى يدل على هذا الكلام الكثير المحذوف هو طرفا الكلام المذكوران وهما: فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ لأن بين هذين الطرفين تلازما طبيعيا فى الوجود الخارجى؛ لأنهم لو لم يأذنوا له ويرسلوه ما حدث قوله ليوسف ﵇. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 466

الإيجاز بالحذف أجمع البلاغيون على تقسيم الإيجاز قسمين: الأول: إيجاز الحذف، والثانى: إيجاز القصر. وضابط إيجاز الحذف- عموما- عندهم، هو أن يكون فى الكلام لفظ ما محذوفا حذفا ظاهرا بحيث يدركه الناظر فى الكلام، وهو على درجات: * أن يكون المحذوف حرفا من بنية الكلمة كالألف والياء. * أن يكون المحذوف أداة من أدوات المعانى مثل فى ولا. * أن يكون المحذوف كلمة مفردة اسما كانت أو فعلا. * أن يكون المحذوف جملة اسمية أو فعلية. * أن يكون المحذوف أكثر من جملة، مهما طال الكلام المحذوف. ووضعوا للحذف شرطين لازمين: أحدهما: أن يدعو إليه داع بلاغى يجعل الحذف أبلغ من الذكر. الثانى: أن يكون فى الكلام بعد الحذف دليل يدل على المحذوف (١). فإذا تخلف الشرط الأول سموا الحذف اعتباطا، أى خاليا من الحكمة. وإن وجد الشرط الثانى. وإذا تخلف الشرط الثانى وحده سموا الحذف إجحافا أى ظلما وقع على الكلام وإن وجد الشرط الأول. وإذا تخلف الشرطان معا سقط الكلام عن درجة البلاغة وصار نوعا من الهذيان. - فحذف الحرف من بنية الكلمة يكثر فى القرآن الكريم فى ثلاثة أحرف: هى الواو، والألف، والياء (٢)، وهذا يتضح من النماذج الآتية: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (٣). حذف «الواو» من الفعل يَدْعُ لغير علة صرفية أو نحوية والذى اقتضى حذفه هو الرمز إلى جهل الإنسان وسرعة دعائه طمعا فى الخير، وهو جاهل بعواقب الأمور (٤) والبلاغيون يسمون حذف الحرف من بنية الكلمة ب «الاقتطاع (٥)» ومنه قوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) فحذف «الواو» فى الآية لم يكن لعلة صرفية أو نحوية وإنما حذف رمزا إلى معنى

стр. 467

لطيف، وهو أن هذا الدعاء أمر غيبى الآن، ولن يكون إلا يوم القيامة (٧). أما حذف «الألف» من بنية الكلمة لغير علة صرفية أو نحوية فمنه قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها (٨). حذف .. الألف» من كلمة اسم والذى اقتضى حذفه الرمز إلى أن المضاف إليه أعظم الأسماء ومبدأ كل شىء، وهو الله ويشترط لحذفه شروط. - أن يكون مضافا إلى اسم الجلالة «الله» دون غيره من أسماء الله وصفاته، مثلك رب، فقد جاء معه مذكورا فى نحو: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ (٩). - أن يكون مجرورا بحرف «الباء» وكذلك حذف «الألف» فى قوله تعالى فى كل اسم أعجمى رمزا إلى أعجمية هذا الاسم مثل «إبراهيم» و «إسحاق» و «إسماعيل» حيث وردت فى كتاب الله العزيز وحذف «الياء» من كلمة «هادى» فى قوله تعالى: وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ (١٠). وفى قوله تعالى: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ (١١) حذف «الياء» من (هادى) رمز به إلى أن فعل الهداية فى القلوب أمر يختص به الله دون غيره. أما فى «اتبعن» فحذف «الياء» رمزا إلى الهداية المعنوية غير الحسية. هذا الحذف (حذف الحرف فى بنية الكلمة) كثير جدا فى القرآن الكريم، وهو إحدى خصوصيات الرسم العثمانى للمصحف الشريف، واهتمام البلاغيين بهذا النوع من الإيجاز- وهو أول صور الإيجاز لقلة المحذوف من الكلمة الواحدة المفردة فيه- قليل، أما اهتمام الباحثين فى «علوم القرآن» فقد بلغ أقصى مدى. فأبو عمرو الدانى كتب فيه فصولا مطولة، أحصى فيها مواضع هذا الحذف كلمة كلمة، فى سور القرآن كله، لكنه وقف عند حد الإحصاء، ولم يعلل لماذا كان الحذف إلا نادرا. وذلك فى كتابه «المقنع فى رسم مصاحف الأمصار» وأبو العباس أحمد بن محمد الأزدى المراكشى المعروف بابن البناء، المتوفى عام ٧٢١ هـ وضع فى الكشف عن أسرار حذف الحروف وزيادتها فى كلمات القرآن كتابا سماه (عنوان الدليل فى مرسوم خط التنزيل) أبدع فيه وأمتع. وعنه أخذ الإمام بدر الدين الزركشى فى كتابه «البرهان فى علوم القرآن. وكذلك الإمام جلال الدين السيوطى فى كتابه المعروف ب «الإتقان فى علوم القرآن» أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 468

الإيجاز بحذف الأداة الإيجاز بحذف الأداة يأتى فى الدرجة الثانية لصور الإيجاز بالحذف، بعد الإيجاز بحذف أحد حروف الكلمة؛ لأننا نسير هنا مع الإيجاز سيرة تصاعدية. والمراد بالأداة التى يترتب على حذفها نوع ما من الإيجاز هى أحرف المعانى، التى تؤدى معنى فى الجملة ولا تستقل هى بدلالة محددة مفيدة، والأدوات العاملة فى غيرها من الأسماء والأفعال، وفى عبارة أشمل، ما لا يظهر له معنى يحسن السكوت عليه إلا بعد انتظامها فى الجمل والتراكيب. ومن الإيجاز بحذف الأداة فى القرآن الكريم قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (١) ففي هذه الآية إيجاز بحذف الأداة، وهى «لا» النافية قبل الفعل تَفْتَؤُا وهو جواب القسم تَاللَّهِ ويدل على حذفها أمران:- الأول: أنه لو كان تَفْتَؤُا مثبتا لوجب اقترانه بلام الابتداء ونون التوكيد (٢). ولقيل فيه: (لتفتأنّ) فخلوه من لام الابتداء والتوكيد بالنون دليل على أنه منفى، ونفيه حاصل ب «لا» المحذوفة. الثانى: أن زال وتفتأ وبرح وانفك لا تعمل عمل «كان» إلا باعتمادها على النفى، وأم الباب فيه هى «لا» ومثله فى حذف هذه الأداة «لا» قول امرئ القيس، حين أمرته امرأة كان يهواها وهو فى زيارة لها فأمرته بالخروج خشية الفضيحة، فقال لها: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسى لديك وأوصالى أما الداعى البلاغى للحذف فى الآية الكريمة، فهو ضيق المقام عند جلساء يعقوب ﵇، من كثرة ذكره ليوسف ﵇، والشعور بالضيق سبب من أسباب الحذف واختصار الكلام. أما الداعى للحذف فى بيت امرئ القيس، فهو كما ترى تحرى استقامة الوزن الشعرى أولا ثم ضيق المقام ثانيا. ومن الإيجاز بحذف الأداة فى القرآن الكريم قوله تعالى:

стр. 469

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (٣) وموطن الحذف فى الآية هو: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ والأداة المحذوفة هى «فى» قبل أَنْ وبعد تَرْغَبُونَ. لأن فعل الرغبة يعدّى ب «فى» إذا كانت الرغبة مطلوبة، ويعدّى ب «عن» إذا كان المقام مقام زهد فى الرغبة ومقام إعراض عنها. يقال رغبت فى كذا، أى أحببته، ورغبت عن كذا، إذا أعرضت عنه وزهدت فيه. أما الداعى البلاغى لحذف الأداة هنا، وهى «فى» فهو الرمز إلى شدة رغبتهم فى نكاح يتامى النساء المتحدث عنهن فى هذه الآية. وقد أشير بهذا الحذف إلى أنهم يرغبون فى سرعة الوصول إلى نكاحهن بدون أية عوائق تعترض طريقهم إليه. وحذف «فى» يرمز إلى هذه الدلالة البالغة اللطافة. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 470

الإيجاز بحذف الكلمة المفردة وهذه هى الدرجة الثالثة صعودا فى صور الإيجاز بالحذف، وضابطها أن المحذوف فيها كلمة مفردة: اسما أو فعلا، ليست حرفا من بنية الكلمة، ولا أداة لها دلالة فى الجملة. ولهذه الصور ورود ملحوظ فى كلام العرب، وفى القرآن الكريم. فمن وروده فى كلام العرب قول ابن مطروح: لا انتهى، لا انثنى، لا ارعوى ... ما دمت فى قيد الحياة، ولا إذا أى: ولا إذا مت، فحذف الفعل «مت» وهي كلمة مفردة (١) والذى دل عليها قوله قبلها «فى قيد الحياة» أما الداعى إلى حذفها فهو استقامة الوزن الشعري أما فى القرآن الكريم فمن أمثلة هذا النوع من الإيجاز قوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً (٢) وموطن الإيجاز فى الآية هو: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ لأن الفاء فى فَانْفَجَرَتْ عاطفة على محذوف، والتقدير: فضرب فانفجرت (٣). وذلك لأن الله جعل ضرب الحجر بالعصى سببا فى تحقيق رغبة موسى لسقى قومه. وانفجار الماء من الحجر اثنتى عشرة عينا دليل قاطع على حصول الضرب، لأنه لو لم يضرب الحجر بعصاه- كما أمره الله، لم يحصلوا على الماء. هذا هو دليل الحذف، وهو التلازم الطبيعى بين الطرفين: الضرب وانفجار الماء؛ لأنهما سبب ومسبب. أما الداعى البلاغى لحذف ضرب فهو إظهار كمال النعمة على بنى إسرائيل (قوم موسى الذين استسقى لهم الله ، حتى لكأن الماء تفجر بدون ضرب. ومنه فى القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (٤) ففي الآية إيجاز بحذف كلمة مفردة بين الْعِجْلَ وبين سَيَنالُهُمْ

стр. 471

غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ والتقدير: اتخذوا العجل إلها (٥). ودليل الحذف فيها أن مطلق اتخاذ العجل لا يستوجب غضب الله وإذلاله إياهم، فقد يكون اتخاذه للأكل وهذا حلال لا معصية فيه، فتعين أن يكون اتخاذهم العجل معبودا من دون الله؛ لذلك استحقوا هذا الوعيد الشديد .... أما الداعى البلاغى الذى اقتضى هذا الحذف فهو ذو دلالة عميقة ولطيفة، حاصلها أن اتخاذ العجل إلها ينبغى أن لا يكون عقيدة قوم، وألا يكون معمولا للاتخاذ حتى فى مجرد اللفظ، فحذفه من الكلام رمز لطيف على استبعاده من الوجود. ومن مواضع هذا الإيجاز فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦). فى الآية الكريمة موضعان للإيجاز بحذف الكلمة المفردة، يظهران من التقدير الآتى: خلطوا عملا صالحا بسيئ، وآخر سيئا بصالح ودليل الحذف هنا عطف وَآخَرَ سَيِّئاً على خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً إذ ليس المقصود أنهم خلطوا عملا بآخر سيئ، بل المراد أن لهم عملين: * عمل صالح خلطوه بسيئ أقل منه، وعمل سيئ خلطوه بقليل من الصلاح ولو كان المراد المعنى الأول لقيل: خلطوا عملا صالحا بآخر سيئ. فدل العطف على المحذوف فى الموضعين. أما الداعى البلاغى للحذف فى الموضعين فلتحقيق فضيلة الإيجاز، وهو استثمار أقل ما يمكن من الألفاظ، فى أكثر ما يمكن من المعانى. وفى ذلك يقول ابن مالك فى ألفيته: وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول زيد بعد من عندكما ومن هذا النوع من الإيجاز فى كتابه العزيز قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٧)،ففي الآية الكريمة إيجاز بحذف كلمة «البرد» بعد كلمة الْحَرَّ والتقدير: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر والبرد (٨). ودليل الحذف أن هذه السرابيل فى الواقع تحمى الناس من الحر والبرد معا، وإنما أوتر

стр. 472

ذكر الحر على البرد لأن الحر أكثر إيلاما من البرد، ولأن البرد يمكن الاحتياط منه بخلاف الحر. والبلاغيون يسمون هذا النوع من الإيجاز ب «الاكتفاء» وعرفوه بقولهم: «هو أن يقتضى المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة» (٩). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 473

الإيجاز بحذف التّراكيب هذا النوع من الإيجاز هو أعلى درجاته وصوره؛ لأن المحذوف فيه أكثر من الجملة، الواحدة، فقد يكون المحذوف جملتين أو ثلاثا أو أكثر. وله حد أدنى، وهو حذف جملتين، وأما حده الأعلى فغير منضبط فى عدد معين من الجمل أو التركيب، وبعض البلاغيين يسمى صور الجمل التى يعتريها الحذف أنها جمل ذكرها غير مفيد؛ لأن معناها يدرك وهى محذوفة فيكون ذكرها غير محتاج إليه (١). وهذا النوع من الإيجاز له ورود مستفيض فى القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢). القائل: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ هو مريم رضى الله عنها حين بشرها الملك بعيسى ﵇، وقد اشتملت هذه الآية على إيجاز بالحذف، كان المحذوف فيه جملتين. لأن قوله تعالى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا تعليل معلله محذوف، أو سبب مسببه محذوف والتقدير: «فعلنا هذا وقدرناه لنجعله آية للناس. ودليل الحذف هو ذكر السبب، وهو يقتضى مسببا؛ لأن بين السبب والمسبب تلازما فى الوجود، وذكر أحدهما يدل على الآخر المحذوف. أما الداعى البلاغى، فهو- كما تقدم مرات- إحكام العبارة ونفى الفضول عنها ومن ذلك قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا (٣). فى الآية إيجاز بحذف أكثر من جملة، والتقدير: «لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل (٤). والدليل على هذا الحذف هو قوله تعالى: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا فحذف من الأول، لدلالة الثانى عليه والبلاغيون يسمون هذا الحذف: «الاحتباك» وله صورة أخرى، وهى: أن يكون الحذف من الأول لدلالة الثانى عليه (٥) وفى

стр. 474

الآية دليل آخر على هذا الحذف، ولفت الذهن إليه: وهو الفعل لا يَسْتَوِي فى صدر الآية، لأنه يستدعى طرفين بينهما تفاوت ليتحقق نفى المساواة بينهما. وليس فى صدر الآية إلا طرف واحد موصوف بصفات الكمال. وهذا يقتضى حضور الطرف الثانى فى الذهن ليستقيم الكلام ويحسن السكوت عليه. والداعى البلاغى لهذا الحذف هو تهذيب العبارة لأن المعنى الذى يدركه الفهم إدراكا قويا مع حذف الألفاظ الدالة عليه، يكون فى ذكرها فضول يتنزه عنه البيان الحكيم. ومنه كذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦). وفى هذه الآية حذوفات، والتقدير: «والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القربات الخالصة لوجه الله تعالى، ويخافون أن ترد عليهم صدقاتهم» أو المحذوف هو: «يخافون أن ترد عليهم صدقاتهم، أن ترد عليهم جميع قرباتهم التى قدموها طامعين فى قبول الله لها، وإثابتهم عليها» ودليل هذه الحذوفات هو قوله تعالى: قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ لأن الوجل الحاصل فى القلوب ليس من نفس الطاعات المرجو بها وجه الله، وإنما من بوارها وكسادها وردّ الله إياها. أما السر البلاغى فهو تحقيق فضيلة الإيجاز وتكثير المعانى مع قلة الألفاظ المستعملة فيها. وفى الإيجاز عموما ميزة لا تنفك أبدا، بل هى ملازمة له ملازمة الروح للجسد النامى بالحياة وهى اختصار الزمن فى النطق، واختصار المساحة فى الورق. وقد بلغ الحذف قدرا كبيرا لم نعهده من قبل، وذلك فى قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ (٧). والإيجاز بالحذف- هنا- موطنه قبل قوله تعالى حكاية عن ملك مصر فى عصر يوسف ﵇: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ لأن الآيات المذكورة قبله كلام قاله يوسف ﵇ للفتى الذى أرسله الملك إلى يوسف، ليعبر له رؤياه، ولم يكن الملك حاضرا حين قال يوسف ﵇ لرسول الملك هذا الكلام. ولكن الذى حدث- لا محالة- أن الفتى لما رجع من عند يوسف ﵇ أبلغ الملك وحاشيته ما قاله له يوسف، بدءا من قوله: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً

стр. 475

إلى قوله: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يعنى أن هذه الآيات كررت أو قيلت مرتين: * مرة قالها يوسف لرسول الملك. * ومرة قالها رسول الملك للملك. لكن النظم القرآنى الحكيم اكتفى بذكرها عن يوسف لرسول الملك. وحذف ذكرها على لسان رسول الملك للملك مع حذوفات أخري تتعلق بهذا المقام. وتقدير الكلام مع الاختصار هو الآتى: «ثم عاد رسول الملك من عند يوسف بعد أن سمع منه ما قال ودخل على الملك وحاشيته فقص عليهم ما قاله يوسف .... » وبعد أن فرغ من إبلاغ ما قاله يوسف صدقه الملك وحاشيته وأبدى الملك إعجابه بما قال يوسف ثم قال ائْتُونِي بِهِ هذا كله محذوف؛ لأنه مفهوم من الفجوات التى تخللت الكلام. وهذا يسمى فى الأدب المسرحى الحديث «قص المناظر» التى تترك ليملأ العقل فجوات الفراغ التى بين ثنايا الكلام أما الآيات التى طوى ذكرها فعدد جملها أو تراكيبها اثنا عشر تركيبا، هى: قال- تزرعون- حصدتم- ذروه- تأكلون- يأتى- يأكلن- قدمتم- تحصنون- يأتى- يغاث- يعصرون. أما عدد الكلمات التى تتكون منها هذه التراكيب ولواحقها فهى أكثر من أربعين كلمة ودليل هذا الحذف أمران: * عمل العقل فى ملء الفراغات البدهية. * ذكر ما قاله يوسف دل على ما حكاه رسول الملك للملك. أما الداعى البلاغى فهو تحقيق فضيلة الإيجاز مع تجنب العبث فى البيان، ودفع الملل لدى السامع، لو أعيدت الآيات مرة أخرى بلا فصل طويل. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 476

الإيجاز بحذف الجملة وهذه هى الدرجة الرابعة من صور الإيجاز بالحذف، بعد حذف الحرف الواحد من بنية الكلمة، وحذف الكلمة الواحدة من الجملة، أو التركيب الواحد، والذى عنيناه بحذف «الأداة» ثم حذف الكلمة غير الأداة، اسما أو فعلا. والصورة الرابعة، أو النوع الرابع من الإيجاز بالحذف هو حذف التركيب الواحد من الكلام، نعنى حذف الجملة: اسمية كانت أو فعلية. وهذا النوع من الإيجاز شائع فى الأساليب العربية فى الشعر، وفى النثر، وفى القرآن الكريم، ومن أمثلته الكثيرة فى القرآن الكريم قوله تعالى: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١) ففي هذه الآية الكريمة إيجاز بحذف تركيب مكون من الفعل والفاعل، وتقدير الكلام قبل الحذف: ب احذروا (٢). وهو فعل أمر، وفاعله واو الجماعة «وكلاهما قد اعتراه الحذف كما ترى. ودليل الحذف فى الآية بقاء المفعول به منصوبا وهو: ناقَةَ اللَّهِ فناقة الله مفعول به منصوب بالفتحة كما ترى، وليس فى الآية لفظ يصلح أن يكون هو عامل النصب فى ناقَةَ بل العامل محذوف. وأن ذلك المحذوف هو: احذروا أو اتركوا أو ذروا وأما الداعى البلاغى لهذا الحذف، فوق تحقيق فضيلة الإيجاز، فهو سرعة الوصول إلى المطلوب، وهو صون حرمة الناقة وما قدّر الله لها من رزق، وفى إضافة ناقَةَ إلى اسم الجلالة تعظيم لحرمتها؛ لأنها ليست مجرد ناقة، بل هى آية من آيات الله المخصوصة بالرعاية والعناية. ومنه فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٣). وفى هذه الآية إيجاز بحذف التركيب الواحد (جملة فعلية) موطنه بين قوله تعالى: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا

стр. 477

وقوله: لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وتقدير المحذوف هو «قلنا لهم» (٤). ودليل الحذف- هنا- هو سياق الكلام، لأن قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمُونا فيه التفات إلى الخطاب من الغيبة، ففي صدر الآية كان الكلام حديثا عن مشهد من مشاهد يوم القيامة، وهو عرض العباد على الله وكان الحديث عنهم بطريق الغيبة وَعُرِضُوا ثم التفت من هذه (الغيبة) إلى خطابهم: لَقَدْ جِئْتُمُونا فلزم تقدير محذوف بين الغيبة والخطاب وهو: قلنا لهم، أو: نقول لهم. والتركيب المحذوف هنا جملة فعلية. أما الداعى البلاغى للحذف فى الآية، فهو إحكام النظم بحذف فضول الكلام؛ لأن التحول فيها من الغيبة قرينة قوية على إدراك التركيب المحذوف، لأنه لا يستقيم النظم إلا بتقدير التركيب المحذوف، الذى قد اقتضاه طرفا الكلام، وأرشدا إليه حتى لكأنه مذكور فى الكلام صراحة. ومن الإيجاز بحذف التركيب الواحد، أو الجملة فى القرآن الكريم قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥). وموطن الحذف فى الآية بين قوله تعالى: فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وتقدير المحذوف هو: «ألستم ظالمين» (٦) - وهو جملة اسمية ودليل الحذف هو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لأن الآية مسوقة مساق الإنذار والتهديد، وتعقيب الكلام ينفى هداية الله القوم الظالمين تلويح لهم بأنهم ظالمون بكفرهم بكتاب الله. وليس فى الآية ذكر لقوم ظالمين ينسحب عليهم هذا الوعيد، فدل ذلك على أن المخاطبين هم المعنيون بهذا الوعيد إن لم يوقنوا بما أنزل الله على خاتم رسله. أما الداعى البلاغى للحذف فى الآية، فهو القصد إلى لين الخطاب فى الدعوة، وتجنب تيئيس المخاطبين من رحمة الله، فلم يواجههم بأنهم هم الظالمون وأخرج الكلام مخرج العموم، حتى لكأن الظالم هو غير المخاطبين. وفى ترك المواجهة لهم بأنهم هم الظالمون، الذين لا يهديهم الله إفساح المجال لهم، لمن أراد أن يؤمن منهم، ولا نزاع فى أن بعضهم آمن واهتدى بعد فتح مكة المكرمة. فتأمل

стр. 478

الأسرار الرائعة، التى ترتبت على هذا الحذف فى هذه الآية. ومنه قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (٧). موطن الإيجاز فى الآية بعد: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وتقدير المحذوف هو: «فعدتهن كذلك» وهى جملة اسمية من مبتدأ وخبر، ودليل الحذف هو العطف على فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ لأن العطف يشرك المعطوف فى إعراب المعطوف عليه وحكمه. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 479

الاحتباك الاحتباك لغة: هو شد الإزار، وكل شىء أحكمته وأحسنت عمله فقد احتبكته، والحبك الشد والإحكام (١) وقد يستعمل الحبك بمعنى الزينة، وبها فسروا قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٢). أما فى الاصطلاح البلاغى، فقد بين الإمام جلال الدين السيوطى الصلة بينه وبين المعنى اللغوى فقال: «ومأخذ هذه التسمية من الحبك، الذى معناه: الشد والإحكام، وتحسين أثر الصنعة فى الثوب. فحبك الثوب سدّ ما بين خطوطه من الفرج ... بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق. وبيان أخذه منه أن مواضع الحذف فى الكلام شبّهت بالفرج بين الخيوط. فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر فى نظمه وحبكه، فوضع المحذوف مواضعه، كان حابكا له، مانعا من خلل يطرقه، فسدّ بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من الحسن والرونق». ثم عرفه باسم «الاحتباك» وقال: «إنه من ألطف الأنواع وأبدعها» (٣). وسماه الإمام الزركشى: الحذف: المقابلى. وعرّفه فقال: «هو أن يجتمع فى الكلام متقابلان، فيحذف من واحد منهما مقابله (فى الآخر) لدلالة الآخر عليه» (٤) ومن أمثلته فى القرآن الصور الآتية. قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٥) والمعنى: فإن افتريته فعلىّ إجرامى وأنتم برآء منه، أى من إجرامى، وعليكم إجرامكم وأنا برىء منه. فقد حذف من الثانى «وأنا برىء» أى من إجرامكم لدلالة الأول عليه. وقوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ والمعنى: الله أحق أن ترضوه، ورسوله أحق أن ترضوه. فحذف من الأول أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ لدلالة الثانى عليه الواقع خبرا عن «رسوله» وهو: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ.

стр. 480

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (٦) والمعنى: إن الله يصلى على النبى، وملائكته يصلون على النبى، فحذف من الأول إِنَّ اللَّهَ الفعل (يصلى) لدلالة الثانى (يصلون) عليه. وقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٧). وبلاغة هذا الفن «الاحتباك» هى إحكام العبارة وسلامتها من الخلل، مع قلة الألفاظ وكثرة المعانى التى تدل عليها. والبلاغة الإيجاز، وهو استثمار أقل ما يمكن من الألفاظ فى أكثر ما يمكن من المعانى (٨). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 481

إيجاز القصر هو القسم الثانى من قسمى الإيجاز، بعد الإيجاز بالحذف وصوره الخمس التى تقدمت. والفرق بينهما أن الإيجاز بالحذف يلحظ فيه حذف حرف من بنية الكلمة، أو أداة من أدوات المعانى، أو كلمة مفردة (اسم أو فعل) من تركيب مفيد (جملة تامة) (اسمية أو فعلية) من مجموع كلام، أو يكون المحذوف جملتين فأكثر، مع وجود دليل قوى على المحذوف. أما إيجاز القصر فلا يلحظ فيه شىء محذوف أبدا وإنما يلحظ فيه أن المعانى المشعة منه أكثر من الألفاظ التى استعملت فيها. فمثلا قولنا: «اسأل أهل القرية» كلام مساو لفظه لمعناه، فإذا قارناه بقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١) كان إيجازا بالحذف، والمحذوف هو كلمة «أهل» وهو مفعول به ل سْئَلِ ومضاف إلى الْقَرْيَةَ ودليل الحذف فيه هو حكم العقل، الذى يمنع توجيه السؤال إلى القرية باعتبارها مكانا وأرضا وأبنية وإنما الذى يوجه إليه السؤال عقلا هو أهل القرية فإيجاز الحذف، وإيجاز القصر يشتركان فى أن معانى كل منهما أكثر من الألفاظ المستعملة فيها، ويفترقان فى أن إيجاز الحذف يلحظ فيه ألفاظ محذوفة، أما إيجاز القصر فلا يلحظ فيه ألفاظ محذوفة، يمكن ذكرها فى جمله أو تراكيبه. وكان الجاحظ أول من أشار إليه فى قوله: «الكلام الذى قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه» (٢) ذكر هذه العبارة فى وصف مسهب لحديث رسول الله ﷺ ، ثم جاء العلماء من بعده واعتبروا هذه العبارة تعريفا لفن الإيجاز بالقصر ومنه قوله تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (٣) على اعتبار أن هاتين الكلمتين قد جمعتا نفى جميع عيوب خمر أهل الدنيا. وقوله تعالى: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٤) على اعتبار أن هاتين الكلمتين قد جمعتا نفى جميع العيوب ثم قال: «درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز وحمد الاختصار وذم الإكثار والتطويل والتكرار وكل ما فضل- أى زاد- على المقدار» (٥) ويرى ابن الأثير أن التنبه إلى هذا النوع من الإيجاز عسر لأنه يحتاج إلى فضل تأمل (٦).

стр. 482

وقول الله تعالى: الْقِصاصِ حَياةٌ (٧) والقول المأثور عن العرب «القتل أنفى للقتل» وفى كل منهما إيجاز قصر، وبينوا الوجوه التى سما بها قول القرآن على قول العرب، فى الآتى: فأولا: عدد حروف قول القرآن عشرة أحرف. وعدد حروف القول المأثور عن العرب أربعة عشر حرفا. وثانيا: القول القرآنى فيه تصريح بالمطلوب، وهو الحياة، أما قول العرب فقد خلا من التصريح. وثالثا: تنكير «حياة» فى القول القرآنى يفيد إما التعظيم، وإما النوعية الخاصة، أى حياة آمنة وقد خلا قول العرب منه. ورابعا: القول القرآنى مطرد عام، أما قول العرب ففيه قصور وعجز؛ فليس كل قتل يكون محققا لسلامة الأرواح. بل منها ما يكون سببا فى تفشى القتل، وهو الأخذ بالثأر. والقتل والعدوان أما القول القرآنى فنص على أن القتل هنا هو القصاص الذى يقوم به ولى الأمر، وفيه- فعلا- حسم لمادة الشر. وخامسا: القول القرآنى خلا من عيب التكرار، أما قول العرب فقد تكرر فيه القتل مرتين. وسادسا: استغناء القول القرآنى عن تقدير محذوف يتم به المعنى. أما قول العرب فلا بد من تقدير محذوف فيه هكذا: القتل أنفى للقتل من تركه. وسابعا: القول القرآنى جمع بين القصاص بمعنى القتل، وبين الحياة. وفى هذا محسّن بديعى لطيف المورد، أما قول العرب فقد عرى من هذا التحسين. وثامنا: القول القرآنى جعل «القصاص» منبعا ومصدرا للحياة كاشتمال الظرف على المظروف فيه. أما قول العرب فقد خلا من هذه الاعتبارات اللطيفة الآسرة (٨). ولهذا الإيجاز قيمة عليا عند البلاغيين وخبراء الأساليب فقد وصفوه- أعنى الإيجاز فى آية القصاص المتقدمة، بأنه: «الذى فاق كل كلام، وهو أعلى طبقات الإيجاز» (٩) أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 483

الفواصل الفواصل جمع فاصلة، والفصل لغة هو البت والقطع يقال فصلت كذا عن كذا: يعنى قطعته عنه (١) والفاصلة والفواصل مصطلح خاص بنظم القرآن الكريم، وسمة من سمات بلاغته وبيانه. ومعنى الفاصلة فى اصطلاح علماء علوم القرآن هى الكلمة الأخيرة فى الآية، مثل القافية التى هى الكلمة الأخيرة فى بيت الشعر، ومثل السجع وهو الكلمة الأخيرة فى الجملة، من الكلام المنثور لأن الكلام: إما شعر (ونهايات جمله أو أبياته هى القوافى) وإما غير شعر، وهو قسمان: * القرآن، ونهايات آياته فواصل. * الكلام النثرى سواء كان نثرا فنيا كالقصة والرواية والأقصوصة أو غير فنى ونهايات جمله قد تكون سجعا إذا اتفقت جملتان فأكثر فى الحرف الأخير من الكلمة الأخيرة فيهما وقد تكون ليست سجعا إذا كانت كلمات الجمل الأخيرة فيه غير متفقة فى الحروف الأخيرة من آخر الكلمات فى الجمل التى تقع فى الآخر غير متجانسة. وتسمية الكلمات الأخيرة فى نهايات الآيات القرآنية «فواصل» مأخوذة من قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ (٢) وقد تكررت هذه العبارة مرات فى آيات الكتاب العزيز، وقد عرف علماء علوم القرآن الفاصلة القرآنية فقالوا: الفاصلة القرآنية «هى كلمة آخر الآية كقافية الشعر، وقرينة السجع» (٣). وقال أبو عمرو الدانى: «كلمة آخر الجملة» (٤)، يقصد أن الفاصلة هى آخر كلمة فى الآية. وقد يطلقون على هذه الفواصل مصطلح: رءوس الآيات، وهذا المصطلح أخص من الفاصلة، لأنهم قد يتسامحون فى إطلاق الفاصلة على جملة فى درج الآية، مثل قوله تعالى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ (٥) وهى ليست رأس آية (٦) والفواصل القرآنية هى مجامع بلاغة القرآن ومعاقد معانيه. والنظر إليها ودراستها يسفر عن عدة خصائص فى إعجازه ونظمه. ومن ذلك: فهى من جهة تتيح استراحة لقارئ القرآن الكريم حيث يسكت قليلا عند نهاية كل آية قبل أن يأخذ فى تلاوة الآية التى

стр. 484

بعدها، وهى من جهة ثانية تحدد نهايات الآيات وبداياتها وتميز بين الآيات؛ لأن من سنن تلاوة القرآن وأدائه الأمثل، هو الوقوف عند رأس كل آية إلا فى مواضع قليلة فى القرآن الكريم، فيحسن وصل الآية بما بعدها. وهى من جهة ثالثة تمكن قارئ القرآن الكريم من حسن الأداء، وتتيح للسامع فرصة حسن المتابعة لما يتلى مع تذوق المعانى وتدبرها. ومن جهة رابعة تؤدى الفواصل القرآنية دورا عظيم الشأن فى انسجام الإيقاع الصوتى مما أضفى على القرآن خاصية فريدة فى نوعها، وهى انفراده بإيقاع صوتى شجى يستولى على القلوب، ويستقطب العقول، ويأسر الأسماع بحلاوة وعذوبة وقعه. ومن أجل هذا اختصت كلمات الفواصل القرآنية بالأمور الآتية: * ختمها- فى الغالب- بحروف المد واللين، وإلحاق الميم والنون بها، ووظيفته التمكن من التطريب، قال سيبويه: «إنهم- أى العرب- يلحقون الألف والياء والنون يريدون مد الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا» (٧). وهذا الجمال الإيقاعى فى القرآن لا يخفى على أحد (٨). إن الحروف التى تقع بها الفواصل إما متماثلة وإما متقاربة، ولا تخرج الفواصل عن هذين النوعين فمثال التماثل قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣). ومثال التقارب قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧). فالتماثل فى الكوثر وقع بحرف «الراء» والتقارب فى «الفاتحة» وقع بين النون والميم. * إنها تتقدم عليها ألفاظ، تمهد لها، وتعظم من وقعها فى السمع. وتلك الألفاظ سماها الأقدمون رد الأعجاز على الصدور، وسماها المحدثون ب «التصدير». * التكرار فى بعض الفواصل، كما فى سور: الرحمن، القمر، والمرسلات. لكن هذا التكرار ليس مقصورا على هذه الوظيفة الصوتية، بل هو لها ولخدمة المعانى المرادة من الفواصل وما يتقدمها. وللعلماء نظر خاص فى بناء الفواصل، نتج عنه تقسيم الفواصل عدة أقسام، نذكر منها:

стр. 485

* الفواصل المتوازية، وضابطها أن تتفق الفاصلتان فى الوزن الصرفى، وفى الحروف، مثل قوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (٩). * والمطرف أن تتفق الفاصلتان فى الحروف دون الوزن مثل قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٠). فالفاصلة الأولى على «مفعولة». أما الفاصلة الثانية فعلى وزنى «فعال» و «أفعال». * الفواصل المتوازية، وضابطها أن يراعى فى كلتا الفاصلتين الوزن الصرفى، دون الاتفاق فى الحروف مثل قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١١) الوزن واحد «مفعولة» أما الحرفان فهما مختلفان وهما: الفاء والثاء. ويلاحظ أن الفواصل القرآنية فى الآيات القصيرة تكون كلمة معمولة نحويا لعامل فى الآية قبلها، أو معطوفة على كلمة فيها، أو توضيحا لكلمة، أو مضافا إليها كلمة، مثال ذلك: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) ففي الآية الأولى جاءت بِالدِّينِ متعلقة ب يُكَذِّبُ وفى الآية الثانية جاءت الفاصلة الْيَتِيمَ مفعولا به للفعل يَدُعُّ وفى الآية الثالثة جاءت الفاصلة الْمِسْكِينِ مضافا إليها طَعامِ وفى الآية الرابعة جاءت الفاصلة لِلْمُصَلِّينَ خبرا ل فَوَيْلٌ كما جاءت ساهُونَ خبرا عن الَّذِينَ فى الآية الخامسة، وكذلك يُراؤُنَ فى الآية السادسة. أما الْماعُونَ فى الآية السابعة، فجاءت مفعولا به ل يَمْنَعُونَ وهكذا كل فواصل الآيات القصيرة فى القرآن كله. أما الآيات الطويلة فتأتى فاصلتها فى جملة مستقلة، مثل: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٢). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 486

الفصل الفصل فى اللغة القطع والتنحية والتفريق بين الأشياء (١) أما عند البلاغيين فهو فن من فنون علم المعانى خاص بالعلاقات بين بعض الجمل، وله نظير يقابله فى الدرس البلاغى هو «الوصل» وتعتمد فكرتا الفصل والوصل على عطف جملة، على أخرى ب «الواو» خاصة من دون حروف العطف الأخرى، كالفاء وثم وبل، أو ترك هذا العطف. وقد عرفهما البلاغيون تعريفا واحدا جامعا بين الفصل والوصل، فقالوا. «الوصل هو عطف جملة على أخرى بالواو، والفصل هو ترك ذلك العطف» (٢). وكان الإمام عبد القاهر الجرجانى هو أول من أفاض فى الحديث عن هذا الفن، ووضع دقائق أصوله وفروعه ولم يترك لمن جاء بعده كبير مجال فيه، إلا بعض إضافات خفيفة لا تخرج عن الأصول التى وضعها هو ﵀ (٣) ثم نهج الإمام السكاكى منهج الإمام عبد القاهر فى هذا الدرس (٤) وتابعهما الخطيب القزوينى (٥). ثم شراح تلخيصه من بعده (٦). وهذا البحث (الفصل) خاص بالجمل التى ليس لها محل من الإعراب، مثل الجملة الابتدائية، وجملة صلة الموصول، والجملة الواقعة جوابا لشرط غير جازم. ويجب فصل الجملة الثانية عن الأولى فى الحالات الآتية، التى وضع البلاغيون لها ضوابط على النحو التالى: كمال الانقطاع: فكل جملتين بينهما كمال الانقطاع يجب فصل الثانية منهما عن الأولى، فلا تعطف عليها بالواو، لأن الواو يقتضى العطف بها أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه تناسب، ولا تناسب مع كمال الانقطاع. ويتحقق كمال الانقطاع بين الجملتين إذا اختلفتا فى الخبرية والإنشائية لفظا ومعنى أو معنى فقط. وقد مثل البلاغيون لهذه العلاقة من غير القرآن بقول الشاعر: وقال رائدهم ارسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجرى بمقدار (٧) والشاهد فيه فصل جملة «نزاولها»؛ لأنها جملة خبرية لفظا ومعنى، عن جملة «ارسوا»؛ لأنها جملة إنشائية لفظا ومعنى.

стр. 487

أما الاختلاف بين الجملتين فى الخبرية معنى فحسب، فقد مثلوا له بقولهم. «مات فلان ﵀» فالجملة الأولى «مات فلان» خبرية لفظا ومعنى والجملة الثانية «﵀» خبرية لفظا إنشائية معنى، لأنها فى قوة «اللهم ارحمه» أما فى القرآن الكريم فمن أمثلته قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٨). فقد فصلت جملة إِنَّ شانِئَكَ عن جملة وَانْحَرْ لأن الأولى إنشائية لفظا ومعنى. والثانية خبرية لفظا ومعنى، فبين الجملتين كمال الانقطاع كما ترى. ومثلهما قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ (٩). فصلت جملة قُلْ بَلى وَرَبِّي عما قبلها قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لأن الأولى خبرية لفظا ومعنى، والثانية إنشائية لفظا ومعنى. فبين الجملتين كمال الانقطاع وهذا كثير جدا فى القرآن الكريم، ويأتى على صورتين. * أن تكون الأولى إنشائية والثانية خبرية، كما تقدم فى سورة «الكوثر». * أن تكون الأولى خبرية، والثانية إنشائية، كما فى سورة «سبأ». هذا هو كمال الانقطاع الموجب لفصل الجملة الثانية عن الأولى والفصل هو ترك العطف بالواو خاصة كما تقدم. * كمال الاتصال: ويتحقق كمال الاتصال بين الجملتين بعدة اعتبارات. الأول: أن تنزّل الجملة الثانية منزلة البدل من الجملة الأولى، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٠) فصلت جملة أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ عن جملة أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ لأن الجملة الثانية نزلت منزلة البدل مما قبلها. لأن معنى الجملتين واحد، غير أن معنى الأولى مجمل، ومعنى الثانية مفصل، فبين الجملتين كمال الاتصال كما ترى. ويلاحظ أن جملة أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وما عطف عليها منزّلة منزلة بدل البعض من الكل، لأن إمداد الله للعباد أعم من الأنعام والبنين، والجنات والعيون. والداعى البلاغى لهذا الإبدال هو إظهار الامتنان على المخاطبين، بذكر النعم مجملة فى الآية الأولى، ومفصلة بعض التفصيل فى الآية الثانية والثالثة. وقد تكون الثانية منزلة من الأولى منزلة بدل الاشتمال ومثاله قوله تعالى:

стр. 488

قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (١١). فصلت جملة اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً عن جملة قالَ يا قَوْمِ لأن بين الجملتين كمال الاتصال، لأن الأولى مشتملة على معنى الثانية، لأن المرسلين لا يسألون الناس أجرا على تبليغ الرسالة. أو تكون الجملة الثانية بدل كل من كل، ويمكن التمثيل له من القرآن الكريم بقوله تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٢). لأن ما فى الجملتين الثانية والثالثة، هو الذى قاله الأولون ففصلت جملة قالُوا أَإِذا مِتْنا عن جملة بَلْ قالُوا لما بين الجملتين من كمال الاتصال؛ لتنزيل الثانية من الأولى منزلة بدل الكل من الكل. ويلاحظ أن الجملة الثانية المفصولة فى كل ما تقدم أكثر وضوحا من الجملة الأولى. هذا فى جمل كمال الاتصال دون كمال الانقطاع. وقد يكون كمال الاتصال بين الجملتين بتنزيل الثانية منزلة، التوكيد مما قبلها، معنويا ولفظيا. ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (١٣). فقوله تعالى وَلَّى مُسْتَكْبِراً توكيد لجملة كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها لأنها تؤكد نفى التأثير فى من تليت عليه آيات الله. فبين الجملتين كمال الاتصال؛ لأن الثانية نزّلت منزلة التوكيد المعنوى مما قبلها، لذلك فصلت عنها ولم تعطف عليها. كما فصلت جملة كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً عن جملة كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها لأن بينهما كمال الاتصال، لأن الثانية نزّلت منزلة التوكيد مما قبلها. * وقد يكون كمال الاتصال بين الجملتين بتنزيل الجملة الثانية منزلة عطف البيان مما قبلها (مفسرة) ومثاله فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (١٤). فصلت جملة أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ عن جملة وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ لأن الجملة، الثانية نزّلت منزلة عطف البيان عما قبلها، (جملة تفسيرية) فبين الجملتين كمال الاتصال كما ترى. ومثلها قوله تعالى:

стр. 489

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٥). فجملة قالَ يا آدَمُ بيان وتفسير لجملة فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ لذلك فصلت الثانية عن الأولى لأن بينهما كمال الاتصال، حيث كانت الثانية بيانا وتفسيرا للأولى. وغير ذلك كثير فى كتاب الله العزيز. * شبه كمال الاتصال: ويسمى: الاستئناف البيانى وضابطه أن تنزّل الجملة الثانية منزلة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى. ومن أمثلته المستفيضة فى القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇. وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ .. (١٦). فالجملة الأولى تضمنت سؤالا حاصله: ولماذا لا تبرئ نفسك؟ فكان الجواب: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ففصلت هذه الجملة عن الجملة الأولى؛ لأن الثانية نزّلت منزلة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، فبين الجملتين شبه كمال الاتصال، أو الاستئناف البيانى كما عرفت. ومنه فى القرآن الكريم قوله تعالى: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ يحكى الله فى هذه الآية ما دار بين إبراهيم ﵇ والملائكة حين دخلوا عليه. وجملة قالَ سَلامٌ فصلت عما قبلها لأنها بمثابة جواب عن سؤال تضمنته الجملة الأولى: ماذا قال إبراهيم فى رده على الملائكة؟ فكان الجواب: قالَ سَلامٌ فبين الجملتين شبه كمال الاتصال أو الاستئناف البيانى- لذلك فصلت الثانية عن الأولى. ويرى الإمام عبد القاهر الجرجانى أن كل جملة مفصولة بعد جملة «قال» فى القرآن هى جواب عن سؤال مقدر تضمنته الأولى (١٧)، وإذا صح هذا فإن الاستئناف البيانى فى القرآن أكثر صور الفصل فى القرآن الكريم. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 490

الوصل الوصل فى اللغة: الجمع والضم، ضد التفريق والقطع (١) أما فى اصطلاح البلاغيين فهو عطف جملة، لا محل لها من الإعراب، على أخرى لا محل لها من الإعراب بالواو خاصة بشرط مخصوص (٢). وقد تقدمت الإشارة إليه فى مبحث الفصل قريبا، والذى يقتضى هذا النوع من العطف مناسبة حاصلة فى الجملتين: المعطوف عليها والمعطوفة، وقد عبّر عن هذه المناسبة البلاغيون، وأسموها: - التوسط بين الكمالين: والمراد من الكمالين: * كمال الانقطاع. * كمال الاتصال. اللذان مرّ الحديث عنهما فى مبحث الفصل بين الجمل من قبل. ويتحقق هذا التوسط بين الجملتين إذا اتفقت الجملتان فى الخبرية والإنشائية، بأن تكونا خبريتين معا، أو إنشائيتين. والجملتان الإنشائيتان لا تكونان إلا جملتين فعليتين أما الجملتان الخبريتان فتكونان اسميتين، وتكونان فعليتين إذا كان الفعل فيهما ماضيا، أو مضارعا غير منهى عنه ب «لا» الناهية. وهذا الوصل بين الجمل بضوابطه المشار إليها كثير جدا فى القرآن الكريم، لا تكاد تخلو منه سورة من سوره حتى قصار السور (٣). ومن أمثلته فى القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (٤) وصلت جملة إِنَّ الْفُجَّارَ بجملة إِنَّ الْأَبْرارَ بالواو؛ لأن بين الجملتين التوسط بين الكمالين لأن كلا منهما خبرية لفظا ومعنى. وقد حسّن هذا الوصل التقابل بين الأبرار والفجار والنعيم والجحيم، ولام التوكيد الداخل على جملة الخبر لَفِي- لفي والجملتان هنا اسميتان ونظيرهما قوله تعالى:

стр. 491

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (٥). عطفت جملة كُونُوا على جملة اتَّقُوا اللَّهَ لاتفاق الجملتين فى الإنشائية لفظا ومعنى، فبين الجملتين التوسط بين الكمالين؛ لأن كلا منهما فعل أمر (٦). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 492

الإخراج على خلاف الظّاهر الإخراج فى اللغة هو الإظهار (١). أما فى اصطلاح البلاغيين فهو فن قولى دقيق المسلك رفيع القدر، يدور معناه حول إفساح الطريق أمام البليغ ليورد كلامه على حسب تقديره الخاص، مخترقا به المعايير النمطية التى يتحتم إيراد الكلام على هداها ويلتزم بها المتكلمون، لأنها أشبه ما تكون باللوغارتمات الصارمة. وهذا المصطلح «الإخراج على خلاف الظاهر» يحتاج فى فهمه إلى تمهيد، ومقدمة خلاصتها أن البلاغيين يشترطون فى بلاغة الكلام أن يكون مطابقا لمقتضى الحال، والحال عندهم هى الأمر أو المناسبة التى تدعو المتكلم إلى الكلام. وهذه المناسبات مختلفة فقد تكون تهنئة أو مواساة، أو إصلاحا بين الخصوم أو ترغيبا فى أمور، أو تحذيرا من أمور. وكل مناسبة منها لها خصوصية أو كلام مخصوص. فإذا وفّق الإنسان لإلقاء الكلام مناسبا للحال التى دعته إلى الكلام كان بليغا، وكان كلامه بلاغة. والمناسبات التى يتحدث الناس فيها لا تكاد تحصر فى عدد محدد، لكن البلاغيين وضحوا هذه الفكرة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال من خلال ثلاث مناسبات ضبطوها ضبطا حكيما. وهى بالنسبة للأفكار التى يحملها كلام البليغ أو المعانى التى يريد إذاعتها بين الجمهور. فقد قسموا أحوال المخاطبين أمام الأفكار التى يحملها الكلام ثلاثة أقسام: ١ - أن يكون السامع أو المخاطب خالى الذهن من تلك الأفكار وليس له موقف سابق منها بالإثبات والقبول أو النفى والرفض. ٢ - أن يكون المخاطب أو السامع، أو حتى القارئ مترددا بين قبول الفكرة أو رفضها، لعدم ترجيح طرف على آخر من طرفيها. ٣ - أن يكون المخاطب رافضا للأفكار التى يحملها الكلام. هذه هى المستويات الثلاثة، التى استعان البلاغيون بها على تحديد الكلام الذى يعد بلاغة. وسموا هذه المستويات أحوالا للمخاطبين، ثم نصوا على ما يناسب كل حال منها من الكلام البليغ.

стр. 493

* فالمناسبة الأولى (خلو الذهن) قالوا إن الكلام المناسب لها أن يكون خاليا من أساليب التوكيد، مثل: إن- أن- القسم- التكرار- نونا التوكيد الخفيفة والثقيلة- لام التوكيد. ومثال مطابقة الكلام لظاهر مقتضى الحال فى هذه الحالة من القرآن الكريم قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) لم يأت هذا الخبر دفعا لتردد فى استحقاق الله للحمد، ولا لدفع إنكار من منكر. أما من غير القرآن فقد مثلوا لها بقولهم: «عبد الله قائم». * أما المناسبة الثانية (التردد) فالكلام المناسب لها هو التوكيد بمؤكد واحد. ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى. إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٣). حيث اشتمل الكلام على مؤكد واحد هو إِنَّ أما من غير القرآن فقد مثلوا له بقولهم: «إن عبد الله قائم». * أما المناسبة الثالثة (الإنكار) فالكلام المناسب لها أن يؤكد الخبر الدافع لهذا الإنكار بمؤكدين فأكثر ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٤). أكد الخبر هنا بثلاثة مؤكدات هى: أن- لام التوكيد- اسمية الجملة لأن المخاطب؛ كافر. والكافر لا يؤمن بالآخرة. ومثاله من غير القرآن الكريم قولهم: «إن عبد الله لقائم، وفيه ثلاثة، مؤكدات، مثل ما فى الآية، وهى: * إن. * لام التوكيد * اسمية الجملة. وقال البلاغيون فى اختلاف نظم التراكيب الثلاثة، مع أن المعنى- فى الظاهر- واحد: إن التركيب الأول إخبار بقيام عبد الله. والتركيب الثانى إزالة للتردد فى قيامه والثالث إزالة لإنكار منكر قيامه. والكلام فى التركيب الأول سموه الخبر الابتدائى، وفى التركيب الثانى سموه الخبر الطلبى، وفى الثالث الخبر الإنكارى وسموها جميعا- أضرب الخبر (٥). فإذا خرج المتكلم عن هذه الحدود المرسومة، كأن يؤكد الخبر لخالى الذهن، ويترك التوكيد مع المنكر- لا يسمى الكلام بليغا، ولا المتكلم؛ لأنه أخرج كلامه على خلاف ظاهر مقتضى الحال. أما فى القرآن الكريم فنرى فى مواطن كثيرة إخراج الكلام على مقتضى الحال، وفى مواطن أخرى يأتى الكلام مخرجا على خلاف

стр. 494

ما يقتضيه ظاهر الحال. ويكون الكلام فى ذروة البلاغة والبيان الرفيع، لأن ذلك الإخراج يجيء فى القرآن لاعتبارات بلاغية خفية تراعى فى البيان القرآنى المعجز (٦). ومن أمثلة الإخراج على خلاف ظاهر مقتضى الحال فى القرآن الكريم قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (٧) فى الآية الكريمة الأولى أكد «الموت» بثلاثة مؤكدات هى: اسمية الجملة. إن، لام التوكيد. مع أن الموت لا ينكره أحد قط؛ لأنه حقيقة يؤمن بها كل الناس. فمقتضى ظاهر الحال هنا أن لا يكون فى الكلام توكيد، لكن هذا الظاهر خولف لاعتبار بلاغى عظيم. ذلك أن المخاطبين لما كانوا مفتونين بالدنيا، شديدى الحرص على السعى من أجل الحصول عليها، والتمتع بها وإهمالهم العمل للآخرة، شبّهوا بمن لا يؤمن بالموت فخوطبوا خطاب المنكر الشديد الإنكار لنزول الموت به. وهذا اعتبار بلاغى تربوى كما ترى وكذلك قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ فيه إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فالبعث أنكره كثير من الناس فى حياة كل الرسل، وحكى القرآن الكريم نفسه ما قاله منكرو البعث من مشركى العرب. ومع ذلك ترى القرآن- هنا- لا يؤكد مجىء البعث إلا بمؤكد واحد، وكان الظاهر يقتضى أن يؤكد بثلاثة مؤكدات أو أكثر. فلماذا خولف الظاهر هنا يا ترى؟ الداعى البلاغى لهذه المخالفة، هو إظهار التعريض بغفلة المخاطبين المنكرين للبعث. والإيحاء بأن البعث جدير به أن لا ينكره منكر، لقوة الأدلة عليه، لأن منكرى البعث بنوا إنكارهم على أساس استحالة إحياء الأنفس بعد موتها وصيرورة الأجساد ترابا، وهذه شبهة واهية لأن الله خلق الناس من العدم، فكيف يستحيل عليه أن يعيد حياتهم، وقد خلقهم من قبل ولم يكونوا شيئا. هذا هو الاعتبار أو الداعى البلاغى فى مخالفة الظاهر فى الآيتين معا، وهى اعتبارات بليغة أسمى ما تكون البلاغة. وهذا هو الشأن فى كل صور الإخراج على خلاف ظاهر الحال فى القرآن الكريم. على أننا نجد دواعى أخرى فى القرآن الكريم للإخراج على خلاف الظاهر، نكتفى بمثال واحد منه توخيا للإيجاز. المثال هو قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨) هذا كلام الملائكة لله ، حين طلب

стр. 495

منهم أن ينبؤا الله- وهو أعلم- بأسماء الأشياء التى علم الله أسماءهم لآدم. المتكلم فى هذه الآية هم الملائكة. والمخاطب هو الله . والملائكة، لا ينكرون أن الله هو العليم الحكيم. والله- وهو المخاطب- لا ينكر أنه هو العليم الحكيم. فكان مقتضى ظاهر الحال أن يقولوا: أنت العليم الحكيم بدون أية مؤكدات. لأن التوكيدات لا تكون إلا مع المنكر. ومع هذا نرى خطاب الملائكة، لله جاءت فيه أربع مؤكدات، هى: إنّ- أنت- اسمية الجملة- تعريف المسند إليه والمسند (المبتدأ والخبر). فالمسند إليه هو «الكاف» فى إِنَّكَ والمسند هو الْعَلِيمُ. فلماذا- إذا- خولف مقتضى ظاهر الحال- هنا- هذه المخالفة القوية الظاهرة؟. إن الداعى والسر البلاغى فى هذه المخالفة هو: «أن مضمون الخبر فى هذا التركيب حقيقة عظيمة، ومن حق الحقائق العظيمة أن يعبر عنها فى البيان العظيم بأسلوب فخم عظيم مثلها» وهذا المنهج خاص ببيان القرآن الكريم، ليس له نظير فى بلاغة البلغاء من البشر، وله فى القرآن الكريم مواطن أخرى فى آيات الله المعجزة. فالتوكيد فى الآية لم يكن مراعا فيه حال المتكلم، ولا حال المخاطب. بل الذى روعى فيه حال المعنى وحده. وللإخراج على خلاف الظاهر فى القرآن الكريم صور أخرى هى: الالتفات- ووضع المظهر موضع المضمر، ووضع المضارع موضع الماضى، ووضع الماضى موضع المضارع، ثم القلب. والمقام- هنا- لا يتسع للحديث عنها. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:
следующие страницы →