← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (٥). عطفت جملة كُونُوا على جملة اتَّقُوا اللَّهَ لاتفاق الجملتين فى الإنشائية لفظا ومعنى، فبين الجملتين التوسط بين الكمالين؛ لأن كلا منهما فعل أمر (٦). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 492

الإخراج على خلاف الظّاهر الإخراج فى اللغة هو الإظهار (١). أما فى اصطلاح البلاغيين فهو فن قولى دقيق المسلك رفيع القدر، يدور معناه حول إفساح الطريق أمام البليغ ليورد كلامه على حسب تقديره الخاص، مخترقا به المعايير النمطية التى يتحتم إيراد الكلام على هداها ويلتزم بها المتكلمون، لأنها أشبه ما تكون باللوغارتمات الصارمة. وهذا المصطلح «الإخراج على خلاف الظاهر» يحتاج فى فهمه إلى تمهيد، ومقدمة خلاصتها أن البلاغيين يشترطون فى بلاغة الكلام أن يكون مطابقا لمقتضى الحال، والحال عندهم هى الأمر أو المناسبة التى تدعو المتكلم إلى الكلام. وهذه المناسبات مختلفة فقد تكون تهنئة أو مواساة، أو إصلاحا بين الخصوم أو ترغيبا فى أمور، أو تحذيرا من أمور. وكل مناسبة منها لها خصوصية أو كلام مخصوص. فإذا وفّق الإنسان لإلقاء الكلام مناسبا للحال التى دعته إلى الكلام كان بليغا، وكان كلامه بلاغة. والمناسبات التى يتحدث الناس فيها لا تكاد تحصر فى عدد محدد، لكن البلاغيين وضحوا هذه الفكرة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال من خلال ثلاث مناسبات ضبطوها ضبطا حكيما. وهى بالنسبة للأفكار التى يحملها كلام البليغ أو المعانى التى يريد إذاعتها بين الجمهور. فقد قسموا أحوال المخاطبين أمام الأفكار التى يحملها الكلام ثلاثة أقسام: ١ - أن يكون السامع أو المخاطب خالى الذهن من تلك الأفكار وليس له موقف سابق منها بالإثبات والقبول أو النفى والرفض. ٢ - أن يكون المخاطب أو السامع، أو حتى القارئ مترددا بين قبول الفكرة أو رفضها، لعدم ترجيح طرف على آخر من طرفيها. ٣ - أن يكون المخاطب رافضا للأفكار التى يحملها الكلام. هذه هى المستويات الثلاثة، التى استعان البلاغيون بها على تحديد الكلام الذى يعد بلاغة. وسموا هذه المستويات أحوالا للمخاطبين، ثم نصوا على ما يناسب كل حال منها من الكلام البليغ.

стр. 493

* فالمناسبة الأولى (خلو الذهن) قالوا إن الكلام المناسب لها أن يكون خاليا من أساليب التوكيد، مثل: إن- أن- القسم- التكرار- نونا التوكيد الخفيفة والثقيلة- لام التوكيد. ومثال مطابقة الكلام لظاهر مقتضى الحال فى هذه الحالة من القرآن الكريم قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) لم يأت هذا الخبر دفعا لتردد فى استحقاق الله للحمد، ولا لدفع إنكار من منكر. أما من غير القرآن فقد مثلوا لها بقولهم: «عبد الله قائم». * أما المناسبة الثانية (التردد) فالكلام المناسب لها هو التوكيد بمؤكد واحد. ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى. إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٣). حيث اشتمل الكلام على مؤكد واحد هو إِنَّ أما من غير القرآن فقد مثلوا له بقولهم: «إن عبد الله قائم». * أما المناسبة الثالثة (الإنكار) فالكلام المناسب لها أن يؤكد الخبر الدافع لهذا الإنكار بمؤكدين فأكثر ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٤). أكد الخبر هنا بثلاثة مؤكدات هى: أن- لام التوكيد- اسمية الجملة لأن المخاطب؛ كافر. والكافر لا يؤمن بالآخرة. ومثاله من غير القرآن الكريم قولهم: «إن عبد الله لقائم، وفيه ثلاثة، مؤكدات، مثل ما فى الآية، وهى: * إن. * لام التوكيد * اسمية الجملة. وقال البلاغيون فى اختلاف نظم التراكيب الثلاثة، مع أن المعنى- فى الظاهر- واحد: إن التركيب الأول إخبار بقيام عبد الله. والتركيب الثانى إزالة للتردد فى قيامه والثالث إزالة لإنكار منكر قيامه. والكلام فى التركيب الأول سموه الخبر الابتدائى، وفى التركيب الثانى سموه الخبر الطلبى، وفى الثالث الخبر الإنكارى وسموها جميعا- أضرب الخبر (٥). فإذا خرج المتكلم عن هذه الحدود المرسومة، كأن يؤكد الخبر لخالى الذهن، ويترك التوكيد مع المنكر- لا يسمى الكلام بليغا، ولا المتكلم؛ لأنه أخرج كلامه على خلاف ظاهر مقتضى الحال. أما فى القرآن الكريم فنرى فى مواطن كثيرة إخراج الكلام على مقتضى الحال، وفى مواطن أخرى يأتى الكلام مخرجا على خلاف

стр. 494

ما يقتضيه ظاهر الحال. ويكون الكلام فى ذروة البلاغة والبيان الرفيع، لأن ذلك الإخراج يجيء فى القرآن لاعتبارات بلاغية خفية تراعى فى البيان القرآنى المعجز (٦). ومن أمثلة الإخراج على خلاف ظاهر مقتضى الحال فى القرآن الكريم قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (٧) فى الآية الكريمة الأولى أكد «الموت» بثلاثة مؤكدات هى: اسمية الجملة. إن، لام التوكيد. مع أن الموت لا ينكره أحد قط؛ لأنه حقيقة يؤمن بها كل الناس. فمقتضى ظاهر الحال هنا أن لا يكون فى الكلام توكيد، لكن هذا الظاهر خولف لاعتبار بلاغى عظيم. ذلك أن المخاطبين لما كانوا مفتونين بالدنيا، شديدى الحرص على السعى من أجل الحصول عليها، والتمتع بها وإهمالهم العمل للآخرة، شبّهوا بمن لا يؤمن بالموت فخوطبوا خطاب المنكر الشديد الإنكار لنزول الموت به. وهذا اعتبار بلاغى تربوى كما ترى وكذلك قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ فيه إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فالبعث أنكره كثير من الناس فى حياة كل الرسل، وحكى القرآن الكريم نفسه ما قاله منكرو البعث من مشركى العرب. ومع ذلك ترى القرآن- هنا- لا يؤكد مجىء البعث إلا بمؤكد واحد، وكان الظاهر يقتضى أن يؤكد بثلاثة مؤكدات أو أكثر. فلماذا خولف الظاهر هنا يا ترى؟ الداعى البلاغى لهذه المخالفة، هو إظهار التعريض بغفلة المخاطبين المنكرين للبعث. والإيحاء بأن البعث جدير به أن لا ينكره منكر، لقوة الأدلة عليه، لأن منكرى البعث بنوا إنكارهم على أساس استحالة إحياء الأنفس بعد موتها وصيرورة الأجساد ترابا، وهذه شبهة واهية لأن الله خلق الناس من العدم، فكيف يستحيل عليه أن يعيد حياتهم، وقد خلقهم من قبل ولم يكونوا شيئا. هذا هو الاعتبار أو الداعى البلاغى فى مخالفة الظاهر فى الآيتين معا، وهى اعتبارات بليغة أسمى ما تكون البلاغة. وهذا هو الشأن فى كل صور الإخراج على خلاف ظاهر الحال فى القرآن الكريم. على أننا نجد دواعى أخرى فى القرآن الكريم للإخراج على خلاف الظاهر، نكتفى بمثال واحد منه توخيا للإيجاز. المثال هو قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨) هذا كلام الملائكة لله ، حين طلب

стр. 495

منهم أن ينبؤا الله- وهو أعلم- بأسماء الأشياء التى علم الله أسماءهم لآدم. المتكلم فى هذه الآية هم الملائكة. والمخاطب هو الله . والملائكة، لا ينكرون أن الله هو العليم الحكيم. والله- وهو المخاطب- لا ينكر أنه هو العليم الحكيم. فكان مقتضى ظاهر الحال أن يقولوا: أنت العليم الحكيم بدون أية مؤكدات. لأن التوكيدات لا تكون إلا مع المنكر. ومع هذا نرى خطاب الملائكة، لله جاءت فيه أربع مؤكدات، هى: إنّ- أنت- اسمية الجملة- تعريف المسند إليه والمسند (المبتدأ والخبر). فالمسند إليه هو «الكاف» فى إِنَّكَ والمسند هو الْعَلِيمُ. فلماذا- إذا- خولف مقتضى ظاهر الحال- هنا- هذه المخالفة القوية الظاهرة؟. إن الداعى والسر البلاغى فى هذه المخالفة هو: «أن مضمون الخبر فى هذا التركيب حقيقة عظيمة، ومن حق الحقائق العظيمة أن يعبر عنها فى البيان العظيم بأسلوب فخم عظيم مثلها» وهذا المنهج خاص ببيان القرآن الكريم، ليس له نظير فى بلاغة البلغاء من البشر، وله فى القرآن الكريم مواطن أخرى فى آيات الله المعجزة. فالتوكيد فى الآية لم يكن مراعا فيه حال المتكلم، ولا حال المخاطب. بل الذى روعى فيه حال المعنى وحده. وللإخراج على خلاف الظاهر فى القرآن الكريم صور أخرى هى: الالتفات- ووضع المظهر موضع المضمر، ووضع المضارع موضع الماضى، ووضع الماضى موضع المضارع، ثم القلب. والمقام- هنا- لا يتسع للحديث عنها. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 496

الالتفات الالتفات لغة التحول والانصراف من جهة إلى أخرى يقال التفت عن الشيء: تحول وانصرف عنه، والتفت إليه إذا أدار وجهه نحوه (١). فأصل الالتفات يكون فى الأفعال بإدارة الوجه وحده أو هو والعنق. أما فى اصطلاح علماء البلاغة فالالتفات مقصور على الأقوال دون الأفعال. وله ست صور: * الالتفات فى التعبير من الغائب إلى المخاطب؟ * الالتفات فى التعبير من الغائب إلى المتكلم؟ * الالتفات فى التعبير من المتكلم إلى المخاطب؟ * الالتفات فى التعبير من المتكلم إلى الغائب؟ * الالتفات فى التعبير من الخطاب إلى التكلم؟ * الالتفات فى التعبير من الخطاب إلى الغيبة؟ وقد أورد البلاغيون تعريفات كثيرة للالتفات أكثرها غير واف بالمراد، بدأ من تعريف ابن المعتز للالتفات (٢) إلى تعريف ابن الأثير له (٣). ولم يوضع له تعريف فى دقيق إلا على يد الخطيب القزوينى، والذى تابعه عليه شراح تلخيصه وجمهور البلاغيين (٤). والتعريف الذى كتبه الخطيب وتابعه عليه الجمهور هو: «الالتفات: التعبير عن معنى الطرق الثلاثة التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بواحد منها» ومعنى هذا التعريف يؤول إلى الصور الست التى تقدمت. وقد ورد فى القرآن الكريم الالتفات فى صوره المشار إليها من قبل. فالالتفات من الغيبة إلى الخطاب ورد فى مواضع كثيرة منها قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٣) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٤) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فقد بدأ الحديث بطريق الغيبة فى الآيات الثلاث الأولى ثم عدل عن الغيبة إلى الخطاب فى أربعة مواضع فى الآيات الرابعة والخامسة، والسادسة فى الجمل الآتية: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أَنْعَمْتَ

стр. 497

ومثال الانتقال من الخطاب للغيبة قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ .. (٥). وللالتفات وظيفة بيانية عامة ووظيفة خاصة. فالعامة هى تلوين الخطاب، وفائدته تنشيط ذهن السامع، ودفع الملل عنه، لأن فى انتقال الحديث من أسلوب إلى أسلوب تجديدا لحركة الذهن، وترويحا على المشاعر. وهذا عام فى كل صور الالتفات. وفى ذلك يقول الإمام الزمخشرى: «وتلك على عادة افتنانهم- أى العرب- فى الكلام، وتصرفهم فيه؛ ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد» (٦). وقد أشار بقوله: «وقد تختص مواقعه بفوائد» إلى ما تختص به كل صورة من صور الالتفات فوق تطرية الكلام وتلوين الخطاب. وتطبيق هذه الملامح البيانية التى تشع من كل صورة من صور الالتفات على ما تقدم من سورتى «أم الكتاب» و «يونس» يرينا ما لهذا الفن البلاغى فى القرآن من دور عظيم الشأن فى التأثير على النفوس. فالانتقال من الغيبة إلى الخطاب فى آيات «الفاتحة» كان عقب ثناء العبد على الله بطريق الغيبة. فهو وحده المستحق للحمد كله. وهو وحده الرحمن الحق، والرحيم الحق وهو وحده مالك شئون يوم الدين. وبعد استحضار هذه الكمالات فى المشاعر، يقترب العبد من حضرة ربه، ويقف بين يديه فيخاطب ربه مخاطبة الحاضر؛ لا مخاطبة الغائب. أما فى آية «يونس» فإن قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ أى استقررتم وركبتم فيها. والفلك تركب لتجرى بمن فيها، فإذا جرت وأسرعت براكبيها فقد غابوا وهى تمخر بهم عباب الماء. فالتفت القرآن من توجيه الخطاب إليهم إلى الحديث عنهم بطريق الغيبة إشارة إلى نعمة جرى السفن بهم. ومثال الانتقال من الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ .. (٧). فقد جرى الحديث أولا عن الغائب، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم فقال فَسُقْناهُ. والداعى البلاغى لهذا الالتفات هو التلويح

стр. 498

منه تعالى بعظم النعمة، وكمال التدبير، لأن سير السحب فى اتجاهات ملحوظة فى الجو محض تدبير من الله بما يصلح أحوال العباد، فهو يصرف السحب عمن ليسوا فى حاجة إلى الماء، إلى قوم يعلم الله شدة حاجتهم إلى الماء، فيأمر السحب بالسير نحوهم. ومثال الانتقال من التكلم إلى الغيبة قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ وكان الأصل أن يقال: فصل لنا، بضمير المتكلم لا الاسم الظاهر (رب) - لأنه من قبيل الغائب. والداعى البلاغى هو إظهار الامتنان على المخاطب؛ وسرعة امتثال الأمر؛ لأن الصلاة المأمور بها هى (لربك) ومن خصائص (رب) الإنعام والرعاية، وفى قوله : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ التفات من التكلم إلى الخطاب، حيث أوقع الفعل «فطر» على ضمير المتكلم، ثم التفت منه إلى الخطاب فى تُرْجَعُونَ والداعى البلاغى هو التصريح بتعميم الحكم (الرجوع إلى الله) على جميع الذين فطرهم الله، لئلا يتوهم المخاطبون أنه خاص بالمتكلم. ويجوز أن يكون فى هذه الآية إيجازا بالحذف المسمى «الاحتباك» حيث حذف من الأول (فطرنى) ما دلّ عليه الثانى (ترجعون) ومن الثانى (ترجعون) ما دل عليه الأول (فطرنى) والتقدير وما لى لا أعبد الذى فطرنى وفطركم، وإليه ترجعون وأرجع. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 499

القصر القصر فى اللغة الحبس والتضييق والمنع، ومعناه قريب من معنى الحصر (١). أما فى اصطلاح البلاغيين فيدور معناه حول معنى التخصيص أى تخصيص أمر بأمر آخر، بمعنى منع الشركة فيه، فهو لمن خصصته به، كما لو قائل قال: هذا الكتاب لخالد، فقد قصر ملكية الكتاب على خالد دون أن يشركه أحد فيه. هذا هو المعنى العام للقصر فى اللغة، أما المعنى فى البلاغة فهو: «تخصيص شىء بشيء بطريق مخصوص» (٢) هذا تعريف الإمام جلال الدين السيوطى. أما الخطيب القزوينى فقد عرفه بقوله: «تخصيص أحد الأمرين بالآخر وحصره فيه» (٣) وهو قريب من تعريف السيوطى، بيد أنه لم يذكر الطريق أو الأداة التى تستخدم فى القصر، وقد تداول البلاغيون هذين التعريفين مع ميلهم إلى التعريف الأول. وهذا مثال يوضح مرادهم من التعريف: «ما نجا إلا الصالحون» هذا المثال من صور القصر، لأنه خص أمرا هو «النجاة» بأمر هو «الصالحون» أما الطريق المخصوص، الذى به تحقق القصر فهو «النفى والاستثناء» أى ما وإلا. ومن هذا التحليل يتبيّن أن أسلوب القصر يتكوّن من ثلاثة أركان: الأول: هو الأمر المقصور، وهو فى هذا المثال «النجاة». الثانى: هو المقصور عليه، وهو فى هذا المثال «الصالحون». الثالث: طريق القصر أو أداته، وهو- هنا- النفى والاستثناء، سواء كان بما وإلا، أو بغيرهما. وهناك أمثلة من القرآن الكريم موزعة على أدوات القصر: * النفى والاستثناء، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ .. (٤). هذا قصر موصوف (محمد) على صفة (رسول) أما أداة القصر فهى (ما، وإلا): أى النفى والاستثناء فقد خصصت

стр. 500

الآية محمدا ﷺ بأنه رسول، كما كان من معانى هذا القصر نفى أن يكون لمحمد ﷺ صفة أخرى تخرجه عن بشريته، وعن منع إجراء أحكام البشرية عليه، ومنها الموت، الذى استعظم أصحابه نزوله به عن طريق القتل وغيره. * إنما: ومن أدوات القصر «إنما» ومن أمثلتها فى القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ .. (٥). المقصور هو التحريم، والمقصور عليه هو الميتة وما عطف عليه. وأداة القصر هى «إنما» وهو قصر صفة (التحريم) على موصوف (الميتة وما عطف عليه. وأداة القصر هى «إنما» والمعنى: ما حرّم عليكم إلا كذا والمقصور فى طريق «إنما» هو ما يأتى بعدها مباشرة أما المقصور عليه فهو ما يأتى ثانيا بعد المقصور وأما المقصور فى طريق النفى والاستثناء فهو ما يقع قبل أداة الاستثناء. والمقصور عليه هو ما يقع بعد أداة الاستثناء. * تقديم ما حقه التأخير هذا طريق ثالث من طرق القصر، وهو تقديم ما حقه التأخير، كتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم الحال على صاحبها، وتقديم المفعول على الفعل. ومن تقديم ما حقه التأخير فى القرآن الكريم قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فقد قدّم إِيَّاكَ فى الموضعين على الفعل نَعْبُدُ، نَسْتَعِينُ لإرادة القصر والتخصيص، والمعنى. نخصك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، ولولا إرادة القصر لقيل: نعبدك ونستعينك. لأن هاتين العبارتين لا تمنعان التشريك فى العبادة والاستعانة. والآية اشتملت على صورتى قصر، وفى كل منهما قصر صفة على موصوف: أى قصر العبادة والاستعانة وهما صفتان، على موصوف، وهو الله ، المكنى عنه ب «الكاف» فى إِيَّاكَ. * تعريف جزئى الجملة الاسمية: ومن طرق القصر تعريف جزئى الجملة الاسمية (المسند إليه والمسند) ومن أمثلته فى القرآن الكريم قوله تعالى. فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (٦) المسند إليه «الله» والمسند الْوَلِيُّ أى لا ولى إلا الله، قصر صفة على موصوف على سبيل التحقيق. وأداة القصر هى تعريف كل من المسند إليه فَاللَّهُ والمسند الْوَلِيُّ وقد زاد القصر هنا قوة ضمير الفصل هُوَ. * العطف بلا وبل ولكن، ومن طرق القصر العطف بلا وبل ولكن. ومن أمثلته فى

стр. 501

القرآن الكريم قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ (٧). المقصور فى الآية هو (من يقتل في سبيل الله) والمقصور عليه هو أَحْياءٌ وأداة القصر هى بَلْ قصر موصوف على صفة. ويشترط فى إفادة بَلْ القصر أن يتقدم عليها نفى أو نهى. وفى هذه الآية تقدم عليها النهى: وَلا تَقُولُوا. ومثل «لكن» قوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ (٨) فالمقصور محمد ﷺ والمقصور عليه الرسالة، وأداة القصر لكِنْ ويشترط فيها ما اشترط فى بَلْ من تقديم النفى أو النهى عليها. وقد تقدم عليها فى هذه الآية النفى بما. وللقصر أنواع ثلاثة، باعتبار حال المخاطب، فقوله تعالى إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (٩). يصلح أن يكون قصر قلب، أو قصر إفراد، أو قصر تعيين. * فإن كان المخاطب يعتقد أن محمدا ملك لا بشر كان القصر قصر قلب، أى قلب اعتقاد المخاطب إلى العكس. وإن اعتقد أنه ملك وبشر، كان قصر إفراد. * وإن كان مترددا هل هو ملك أو بشر كان قصر تعيين. وللقصر باعتبار الواقع نوعان: * قصر حقيقى مطابق معناه للواقع، ومثاله من القرآن: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لأن هذا القول مطابق للواقع تماما. * قصر ادعائى أو تنزيلى فإن كان القصر قصر صفة على موصوف فإنك تذهب إلى عدم الاعتداد بكل ما له من صفات سوى الصفة التى قصرته عليها. ومثاله ما تقدم وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى المصادر والمراجع:

стр. 502

المجاز العقلى المجاز فى اللغة مأخوذ من جاز المكان يجوزه، إذا انتقل من مكان إلى مكان، ويقال جاز الطريق يعنى سار فيه (١). وتعريفه فى اصطلاح البلاغيين امتداد لمعناه اللغوى إلا إنه أخص، لأن المعنى اللغوى يشمل كل انتقال، على أن الأصل فى اللغة يدور حول انتقال الأجسام، أما فى البلاغة فهو مقصور على نقل الألفاظ من معنى إلى معنى آخر. وفى هذا المعنى يقول الإمام عبد القاهر الجرجانى «المجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وضعا على أنه مجاز، على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلى أو جاز هو مكانه الذى وضع فيه أولا» (٢). وقد تطور هذا التعريف بعد الإمام عبد القاهر فى مباحث الحقيقة والمجاز فى البحث البلاغى، وقد قسموا المجاز قسمين: * المجاز اللغوى وعرفوه بأنه: استعمال اللفظ فى غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الوضعى للفظ، والمعنى المجازى. * المجاز العقلى، وفرقوا بين المجاز اللغوى والمجاز العقلى بأنه فى المجاز اللغوى يتم التصرف فى معانى اللغة كما فى مبحث الاستعارة فاستعارة كلمة أسد للرجل المقدام تم التصرف بإحلال معنى الأسد بالرجل الشجاع، أما المجاز العقلى فتكون معانى الألفاظ فيه مرادا منها المعانى الوضعية دون إدخال أى تغيير عليها، أما تسميته مجازا فله اعتبار آخر، هذا الاعتبار يظهر من تعريف المجاز العقلى كما ذكره الخطيب وتابعه عليه جمهور البلاغيين، وهو: «إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول» (٣) ويسمى المجاز الحكمى أو المجاز الإسنادى، لأنه مجاز مركب لا يقع إلا فى الجمل. يعنى أن المجاز العقلى يكون بإسناد الفعل، أو ما فيه معنى الفعل كاسمى الفاعل والمفعول إلى غير فاعله فى حكم العقل والواقع. والفاعل المجازى في المجاز العقلى يشترط فى صحة إسناد الفعل أو ما فى معنى الفعل، إليه أن تكون له صلة بالفعل، فإن لم تكن له بالفعل صلة فلا يجوز إسناد الفعل إليه، ولا إسناد ما فيه معنى الفعل. وهذه الصلة هى التى أشار إليها الإمام الزمخشرى بالملابسة وأخذها عنه الخطيب، وجميع البلاغيين من بعده (٤) والذى يلابس الفاعل ويكون له بالفعل علاقة هو الآتى، مع التمثيل له من القرآن الكريم.

стр. 503

* المكانية من صور المجاز العقلى إسناد الفعل أو ما فى معناه إلى المكان الذى حدث فيه الفعل، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ... يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٥) هذان مجازان عقليان أحدهما فى إسناد الإخراج إلى الأرض، والفاعل الحقيقى هو الله. أما الأرض فهى مكان الفعل وليست فاعله، والذى سوّغ أن تكون الأرض فاعلا للإخراج أنها مكان الفعل. فالملابسة والعلاقة هى المكانية. وكذلك إسناد التحديث إلى ضمير الأرض، مجاز عقلى علاقته المكانية، أما الفاعل الحقيقى فهو الله ومثلهما قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ... (٦) فقد أوقع اسم الفاعل آمِناً وهو في قوة معنى الفعل، على ضمير بَلَداً على سبيل المجاز العقلى والبلد مكان. فالملابسة أو العلاقة فيه هى المكانية وفاعل الأمن الحقيقى هم أهل البلد «مكة» لا البلد. * الزمانية: لكل فعل زمان يقع فيه، لذلك صح أن يسند الفعل إلى زمانه على سبيل المجاز العقلى، ومن أمثلته فى القرآن الكريم: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (٧) فقد أسند فيه الفعل يَجْعَلُ لضمير يَوْماً على أنه فاعل الشيب فى الْوِلْدانَ أى الأطفال صغار السن، واليوم هو زمان التشييب لا فاعله، لأن الفاعل الحقيقى هو الله ، واليوم ظرف للتشييب. * السببية، وقد يكون المجاز العقلى حاصلا بإسناد الفعل إلى سببه، وهو كثير فى القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى فى شأن آدم وحواء فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ (٨) فقد أسند الإخراج إلى ضمير الشَّيْطانُ وهو سبب الإخراج وليس فاعله. والعلاقة فيه هى السببية، والتقدير؛ فأخرجهما الله بسبب وسوسة الشيطان لهما، وإغرائه إياهما على الأكل من الشجرة المحرمة عليهما. ومثله قوله تعالى: ... وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً .. (٩) والمجاز العقلى- عموما- يفيد المبالغة فى تصوير أثر الفاعل المجازى الذي أسند إليه الفعل في صدور الأثر المراد، بتحويله من كونه مكانا للفعل أو زمانا أو سببا إلى كونه فاعلا للفعل. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 504

التّشبيه التشبيه فى اللغة: التمثيل، يقال فلان شبيه بفلان، إذا كانت فيه أوصاف (١) تشابه أوصافه. أما فى اصطلاح البلاغيين فقد عرفه الخطيب القزوينى فقال: «التشبيه: الدلالة على مشاركة أمر لآخر فى معنى» (٢) وهذا التعريف فيه قصور؛ لأنه لم يذكر أداة التشبيه وهو- مع قصوره أقرب تعريفات التشبيه إلى الكمال لأن ما قبله من التعريفات أكثر منه قصورا. وأكمل تعريفات التشبيه ما عليه متأخرو البلاغيين حيث عرفوه بقولهم: «التشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر، فى معنى مشترك بينهما بأداة مذكورة أو مقدرة، لغرض يقصده المتكلم». وإنما كان هذا التعريف أكمل ما قيل فى تصوير التشبيه لأنه اشتمل على كل أركانه وعناصره: فالأمر الأول هو: المشبه. والثانى هو: المشبه به. وفى معنى، هو وجه الشبه. وبأداة، هى أداة التشبيه حرفا كانت مثل الكاف فى قولنا الشمس كالمرآة. أو اسما فى: الشمس مثل المرآة. أو فعلا فى: الشمس تحاكى المرآة. أما: الغرض الذى يقصده المتكلم فهو الغرض البلاغى من كل عملية تشبيهية. كما تضمن هذا التعريف حالتى ذكر الأداة وحذفها، وكذلك حذف وجه الشبه وذكره، وهما ليسا من أطراف التشبيه، بل أمران عارضان وأركان التشبيه هى المشبه، وهو الأمر الأول فى التعريف. المشبه به، وهو الأمر الثانى فى التعريف. الوجه، وهو الصفة المشتركة، بين الأمرين. الأداة، وهى وسيلة الدلالة على المشاركة. والمشبه والمشبه به يسميان: طرفى التشبيه. ومجموع الأربعة، يسمى أركان التشبيه. وللتشبيه عند البلاغيين أربعة ألقاب، وثلاث مراتب:

стр. 505

* فاللقب الأول: التشبيه المرسل المفصل وهو ما ذكرت فيه أركانه الأربعة: مثل: (حجة كالشمس فى الظهور) فالحجة هى المشبه، والشمس هى المشبه به، والكاف هى أداة التشبيه. وفى الظهور هو وجه الشبه. وسمى مرسلا لذكر الأداة، ومفصلا لذكر الوجه. واللقب الثانى: التشبيه المرسل المجمل، وهو ما ذكرت فيه الأداة وحذف الوجه، مثل: حجة كالشمس. وسمى مرسلا لذكر الأداة، ومجملا لحذف وجه الشبه. * واللقب الثالث: التشبيه المؤكد المفصل، وهو ما حذفت فيه الأداة، وذكر الوجه، مثل: حجة هى الشمس فى الظهور. * واللقب الرابع: التشبيه المؤكد المجمل، وهو ما حذف فيه الوجه والأداة معا. مثل: حجة هى الشمس. ومراتبه الثلاث من حيث الدلالة على قوة المعنى هى: * أدنى درجاته ومراتبه: ما ذكرت فيه أركانه الأربعة كقول الشاعر: فوجهك كالنار فى ضوئها ... وقلبى كالنار فى حرها فى البيت صورتان تشبيهيتان: المشبه فى الأول وجه المخاطبة، والمشبه به النار، والكاف أداة التشبيه. وفى ضوئها وجه الشبه. والصورة الثانية مثلها، ما عدا وجه الشبه فهو «فى حرها». المرتبة الوسطى: هى ما ذكرت فيها الأداة مع حذف الوجه وما حذفت فيه الأداة مع ذكر الوجه. لأن هاتين الصورتين، وهما الثانية والثالثة، من ألقاب التشبيه، معناهما متكافئان. المرتبة العليا، هى ما حذف فيها الوجه والأداة معا، وإنما كانت هذه المرتبة عليا مراتب التشبيه لأن: فى حذف الأداة دعوى الاتحاد بين الطرفين، حتى لكأن المشبه صار هو المشبه به، دون عازل بينهما. وفى حذف الوجه دعوى مشاركة المشبه للمشبه به فى جميع ما ثبت له من صفات. لذلك يسمى البلاغيون كل تشبيه حذف منه الوجه والأداة معا: التشبيه البليغ: لأنه أقوى مراتبه فى الدلالة على المعنى المراد من التشبيه. وضابط وجه الشبه عندهم أن يكون مجرورا ب «فى» أو منصوبا على التمييز.

стр. 506

مثل أن يقال: خالد كالأسد فى الشجاعة: وخالد كالأسد شجاعة. والتشبيه فى القرآن الكريم لم يخرج عن هذه الضوابط التى ذكرناها تمهيدا لفهم تشبيهات القرآن الكريم ومنزلتها فى البيان المعجز الرفيع. والتشبيه فى القرآن الكريم من أساليب بلاغته العالية وهو فيه كثير الورود، بلغت صوره ما يقارب الخمسمائة صورة، وشملت كل أنماط التشبيه من حيث الإفراد والتركيب فى الطرفين والوجه، ومن حيث الحسية والمعنوية فيهما، وأدت هذه الصور خدمات بيانية وتربوية فى مجال الدعوة تحنو لها الجباه، وكانت وجها أو وجوها من وجوه الإعجاز القرآنى المفحم للإنس والجن، وحفلت بدقائق ولطائف وأسرار ليس لها نظير خارج دائرة البيان القرآنى. وجمعت فى دلالاتها بين إقناع العقل، وإمتاع العاطفة وتغذية القلوب، وكشفت عن خبيئات المعانى، ترغيبا وترهيبا، تحبيبا وتنفيرا، ومثلت الخفى فى صورة الجلى، والغامض فى صورة المكشوف، وخاطبت كل حواس الإدراك فى الإنسان وكل ملكات الفهم والتذوق عند العقلاء. خذ إليك مثلا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٥). جاء التشبيه فى نهاية الآية، وقد تقدم عليه ما ينفى عنه كل نقص، هو قوله تعالى: فِي سَبِيلِهِ دفعا للقتال الذى لم يرد به نصرة الحق، كالقتال عصبية، أو ظلما. كما تقدم عليه قوله تعالى صَفًّا إلماحا إلى شدة التماسك بين المجاهدين فى سبيل الله، بحيث لا يترك تماسكهم أدنى خلل يضعف قوتهم. ثم جاء التشبيه شارحا لذلك التماسك المفهوم من قوله: صَفًّا هكذا: كالبنيان ووجه الشبه هو «القوة والإحكام، وهو محذوف وقد صار التشبيه بحذف الوجه مجملا، فأفاد عموم الاشتراك بين المشبه والمشبه به، وهو أحد عنصرى التشبيه البليغ. ومن سحر البيان فى هذا التشبيه إيثار أداة التشبيه كأن وقد تقدم أن ذكر الأداة يكون معه التشبيه مرسلا، والإرسال أدنى دلالة من التوكيد الذى يترتب على حذف الأداة، لكن الأداة كأن دفعت هذا الاحتمال لأن «كأن» مركبة من عنصرين كما ترى: الكاف، ثم أن. وهى من أدوات التوكيد، لأنها من أخوات «إن» هذا التركيب يوحى بأن «الكاف هى أداة التشبيه، أما «أن» فهى أداة توكيد قائمة برأسها. فيكون التشبيه فى الآية مؤكدا،

стр. 507

فيزول عن هذه الصورة التشبيهية وصف الإرسال. وحتى لو لم تكن «كأن» مركبة. فهى عند فريق من العلماء تستعمل فى التشبيه المؤكد، فيكون مرسلا من جهة، ذكر الأداة لفظا، ومؤكدا من جهة معنى «كأن». والمشبه به بُنْيانٌ جىء به منكرا بقصد التعظيم أى بنيان عظيم فى قوة تماسكه. أما قوله مَرْصُوصٌ فقد كمل به الحسن من كل وجه، لأن البنيان قد يكون على هيئة لا تماسك فيها. فجاء «مرصوص» بمثابة احتراس لدفع كل عوامل الوهن عن المشبه به. أما من حيث تحليل عناصر هذا التشبيه فإن الملاحظ فيه: أن المشبه مفرد حسى وإن كان جمعا: لأن المثنى والجمع فى هذا المبحث من قبيل الإفراد، وهو الذين يقاتلون فى سبيل الله صفا. والمشبه به مفرد حسى كذلك، وهو البنيان المرصوص والوجه مفرد حسى، وهو: قوة التماسك الملحوظة فى المشبه والمشبه به معا. أما الغرض من التشبيه فهو الترغيب. ومثال آخر، هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٦) التشبيه هو قوله تعالى: وَسِراجاً مُنِيراً والخطاب إلى رسول الله ﷺ . المشبه فيه هو النبى ﵇. والمشبه به هو السراج، وأداة التشبيه محذوفة والوجه محذوف كذلك. وليس هو مُنِيراً لأنه وصف للمشبه به، لا منصوب على التمييز، حتى يصلح أن يكون وجها للتشبيه. وإنما الوجه هو: فى الهداية «لأن الهداية متحققة فى الطرفين المشبه (محمد ﷺ والمشبه به (السراج المنير). والمشبه والمشبه به مفردان حسيان، والوجه (الهداية) مفرد عقلى معنوى. والغرض الثناء وفى هذا التشبيه لطيفة من لطائف البيان العالى والبلاغة الآسرة والإعجاز الحكيم. ذلك أن المشبه به هو السراج، والسراج مصدر ضوئى ذاتى، كالشمس، وليس مصدر إنارة مستمدة من غير السراج. فكان الظاهر أن يقال: وسراجا مضيئا. كما قال: الشَّمْسَ ضِياءً أى جعلناها مضيئة لا منيرة، لأن الضوء ما صدر عن مصدره صدورا مباشرا. أما النور والإنارة فمصدره

стр. 508

عاكس لضوء غيره. لذلك وصف القمر فى القرآن بأنه نور، ومنير، لأنه يعكس ضوء الشمس، وليس له إشعاع ذاتى. إذن، لماذا وصف القرآن محمدا ﷺ بعد تشبيهه بالسراج بأنه مُنِيراً والسراج له ضوء لا نور؟ إن إيثار مُنِيراً على «مضيئا» قبس من ضوء الإعجاز البلاغى فى القرآن الكريم؛ لأن محمدا ﷺ لم يخترع الهدى الذى جاء به من عند نفسه وإنما تلقاه عن الله ، فهو عاكس لهذا الضوء الإلهى ولو قيل «مضيئا» لوقع فى بعض الأفهام أنه مجرد عبقرى من عباقرة البشر، وليس له صلة بالله. وهذا ما يردده بعض المستشرقين الآن، لكن لما قال مُنِيراً أحكم غلق كل النوافذ أمام الأوهام المريضة، عن طريق استخدام مفردات اللغة فى أعلى وأدق وأحكم مستويات استعمالها. كما كان فى إيثار مُنِيراً علي «مضيئا» إثبات لرسالة محمد ﷺ ؛ لأنه منير عاكس لضوء مصدره الله ، وليس هو مصدره. ولقائل أن يقول: ولماذا لم يقل القرآن: وقمرا منيرا؟ فيريحنا من تلك التأويلات؟ والجواب: أن البلاغة والإعجاز فى وَسِراجاً مُنِيراً وليس كذلك: وقمرا منيرا. وذلك لأن من منهج القرآن البلاغى ألا يشبه أحدا من الخلق بالقمر «فهذا أمر هجره البيان القرآنى تماما. هذه واحدة. والثانية أن التشبيه بالقمر لا يرقى إلى مستوى التشبيه بالسراج. ولا يؤدى عشر معشار المعانى التى تشع منه، بيان ذلك: أن القمر متقلب لا يدوم على حال. ففي كل يوم له وضع يختلف عما قبله وما بعده: يبدو ضعيفا هزيلا نحيفا فى أولى مراحله، قصير المكث فى الأفق ولا يبلغ تمامه إلا ليلة واحدة فى دورته الشهرية، ثم يعود عكس ما بدأ، يصغر حجمه ليلة قليلة، ثم يختفى تماما فى آخر لياليه. وليس الهدى الذى جاء به محمد ﷺ كذلك فهو مستقر لا متقلب كالقمر، دائم لا تعتريه آفات ولا علل. إن السراج الذى شبه الله به محمدا ﷺ لم ينطفئ منذ أشعله الله، ولم يضعف، ولن ينطفئ ولن يضعف. لذلك كان التشبيه به بلاغة وإعجازا. أما التشبيه بالقمر- فى هذا المقام- فعىّ وفهاهة، لذلك لم يشبه الله رسوله به؛ لأن حديث الله أحسن الحديث، وقوله أصدق الأقوال.

стр. 509

فتأمل هذه الروائع واللطائف فى هذا التشبيه، وقس عليها ما شئت من تشبيهات البشر، لتدرك بعد الثريا من الثرى. وصورة ثالثة نعرج عليها فى سرعة، هى قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (٧). هذه الآية تتحدث عن رجل أو صنف من الناس كانوا يقفون عقبة كئودا فى وجه الدعوة، ويستجلبون بدائل عنها يلهون بها الناس عن سماع دعوة الحق، ويفرون هم منها فرار الحمر المذعورة من الأسد الهصور. هذه هى القضية، فكيف صورها التشبيه القرآنى للناس، فى كلمات صغار ذوات معان كبار. تعال معى لنرى ونتذوق: صورها أولا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً والتولى هو الفرار أو الهروب السريع، ثم بين علة هذا الهروب والفزع، وهى الاستكبار، وجعل الاستكبار حالا منه، يعنى هرب يطير به استكباره الخادع. ومن أى شىء هرب مسرعا؟ من آيات الله الهادية إلى سبيل أقوم. هذا التصوير كان كافيا فى رسم شخصية هذا الخصم الألد، لكن القرآن يخطو بنا خطوة أخرى عن طريق التشبيه فيقول: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها شبه حاله فى عدم التأثر بهدى الله، وهو يتلى عليه بحال من لم يسمع تلك الآيات الهاديات. ووجه الشبه هو انعدام الإحساس بما يتلى. ومن دقائق هذه الصورة إيثار (أن) المخففة من الثقيلة (أنّ) لأن هذا الإيثار أتاح حذف ضمير الشأن من (أن) مضافا إلى تخفيف (أن) من التشديد. فكان فى هذين (التخفيف وحذف ضمير الشأن) إسراع إلى وصف هذا الصنف من الناس بعدم السماع، وفى هذا ذم لهم وتسجيل سريع عليهم بالإعراض عن دعوة الحق. والمشبه والمشبه به أمران معنويان: انعدام التأثر، وفقد القدرة على السماع. ووجه الشبه هو شدة التبلد فى كل منهما ثم جاء التشبيه الثانى كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً كاشفا، وشارحا لفقد القدرة على السماع فى التشبيه الأول، مع زيادة تأصيل للصمم الذى حل بالمعرضين عن دعوة الحق، فقد أصيبت أذناه بآفة عطلت وظيفتهما فكأنهما- أعنى أذنيه- غير موجودتين. فتأمل كيف بنى التشبيه الفكرة تصاعديا، حتى وصل بها الذروة فى المعنى المراد: ولى مستكبرا. كأن لم يسمعها. كأن فى أذنيه وقرا. فبشره بعذاب أليم.

стр. 510

ونشير بعد ذلك إلى أمرين: أولهما أن جميع تشبيهات القرآن تشبيهات مجملة، لم يذكر فيها وجه الشبه ولا مرة واحدة. وثانيهما: أن فى تشبيهات القرآن نوعا أسميناه فى بعض كتبنا: التشبيه السلبى .. وتحته صور كثيرة. هذا النوع نادر جدا فى غير القرآن، وكثير فى القرآن وضابطه أن التشبيه وقع خطأ بين أمرين خارج القرآن. فجاء القرآن ونفى ذلك التشبيه، ومن أمثلته قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٨). فهذا التشبيه بين الصالحين والطالحين وقع خارج دائرة القرآن، فى ظن الذين عاندوا الله ورسوله. والذى فى القرآن هو نفى ذلك التشبيه. لذلك أسميناه ب «التشبيه السلبى أو التشبيه المسلوب» (٩). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 511

التّمثيل التمثيل فى اللغة المماثلة بين شيئين تجمع بينهما صفات مشتركة فيهما أكثر من الصفات المفرقة بينهما، أو ما فى أحدهما مماثل تماما لما فى الآخر، بحيث لا يعتد بما بينهما من تباين (١). أما فى اصطلاح البلاغيين فيطلق التمثيل على عدة فنون بلاغية: يطلق على الاستعارة التمثيلية، وعلى ضرب المثل، وعلى الكناية، وعلى نوع من الاستعارة غير التمثيلية (٢)، ثم على التشبيه المركب، وهو الذى نخصه بالحديث فى هذا المبحث. والتشبيه المركب هو التشبيه التمثيلى، أو التمثيل، وهو قسيم التشبيه فى الوجود. وبين التمثيل والتشبيه اتفاق واختلاف؛ لأن كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا فالتشبيه خاص بما كان طرفاه (المشبه والمشبه به) مفردين ولو كان مثنى أو جمعا، كما تقدم فى مبحث التشبيه، وكذلك وجه الشبه يكون فى التشبيه مفردا، يعنى أمرا واحدا وإن تعدد وجه الشبه، كتشبيه القمر فى أواخر لياليه بالعرجون القديم فى التقوس والشحوب والنحافة (الدقة). أما التمثيل أو التشبيه التمثيلى فيشترط فى طرفيه أن يكونا مركبين من عنصرين فأكثر. هذه هى الفروق بين التشبيه، والتشبيه التمثيلى. وهذا موضع إجماع بين علماء البيان. فإن أطلق وصف التمثيل على التشبيه لم يرد منه التشبيه التمثيلى باتفاق وفى القرآن الكريم صور كثيرة للتشبيه التمثيلى المركب الطرفين والوجه، موزعة على معان وأغراض شتى شارحة، مرغبة، محذرة، ناصرة للحق، داحرة للباطل جامعة فى تصويرها بين مخاطبة كل المدارك والملكات مستخدمة فى أدائها كل عناصر الكشف، وقوة التأثير من ألوان يدركها البصر، وأصوات يتلقاها السمع وطعوم يحس بها الذوق، وشذا مفعم بالأريحية تمتع حاسة الشم، أو دخان خانق يزكم الأنوف. وقد أجمل بعض الباحثين الأغراض التى تراد من التشبيه التمثيلى وغير التمثيلى فى الآتى: * تقرير المعنى المراد فى وعى السامع.

стр. 512

* الإقناع بفكرة ما خيرية أو شرية. * تحسين أمر للعمل به والحث عليه، أو تقبيح أمر للتنفير منه. * إثارة المشاعر رغبة، أو رهبة. * المدح أو الذم، التعظيم أو التحقير. * إخراج الخفى مخرج الجلى. * إمتاع العواطف وإثارة ملكات الفهم. * عرض المعانى فى أسلوب شيق غير ممل (٣). وكثيرا ما تأتى صور التشبيه التمثيلى فى القرآن، وطرفا التشبيه فيها كلمة «مثل» بفتح الميم والثاء، أو يأتى «مثل» مشبها مصرحا به دون المشبه به. وقد يؤتى بكلمة «مثل» فى تشبيهات القرآن مرادا بها القصة والشأن العجيب، أو مشارا بها إلى مثل مضروب على غير طريق التشبيه. والمراد من كل استعمالاتها التوضيح والكشف والعظة والاعتبار. وقبل أن نأخذ فى عرض النماذج وتحليلاتها نشير إلى فرق آخر جوهرى بين التشبيه المفرد الطرفين والوجه والتمثيل المركب الطرفين والوجه. ذلك الفرق هو أن التشبيه المفرد يأتى فى نطاق أضيق من حيث الدلالة على المعانى، من التشبيه التمثيلى، حيث ترى نسبة معانى التشبيه المفرد من نسبة معانى التشبيه التمثيلى تعادل نسبة ١: ٢، أو إلى ٣ أو أكثر، لأن التشبيه التمثيلى له دلالات مكثفة فى الطرفين، وفى الوجه. فمثلا قول كعب بن زهير فى مدح النبى ﷺ إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول فيه تشبيه للرسول بالنور فى الهداية فى الشطر الأول وتشبيه له بالسيف فى القوة. ففي كل تشبيه منهما معان جزئية مفردة لا كثافة فيها. قارن هذا بقول الشاعر يصف الشمس وقت شروقها والشمس من مشرقها قد بدت ... صفراء ليس لها حاجب كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب المشبه هو الشمس وقت شروقها فى لونها الأصفر، وامتدادات قرصها، وأشعتها المتهادية منها. هذا هو تركيب المشبه أما المشبه به فهو إناء نحاس مستدير الشكل

стр. 513

أحميت عليه النار وفيه ذهب أصفر اللون، ذائب يتحرك وسط الإناء تخرج منه أشعة صاعدة أمام الرائى. وهذا هو تركيب المشبه به والمشبه وهما مركبان حسيان يريان بحاسة البصر. أما وجه الشبه: فهو الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع صفرة اللون والأشعة المتموجة المرسلة من سطح الإناء وهذا هو تركيب وجه الشبه. قارن هذا التشبيه التمثيلى بالتشبيه المفرد فى قول كعب بن زهير يمدح الرسول ﷺ . تر الفروق الواضحة بين كثافة المعانى والصور هنا، ويسرها وبساطتها هناك. وعلى هذا المنوال جاءت التشبيهات التمثيلية في القرآن الكريم، ولنأخذ أولا قوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤). هذه الآية الكريمة تواجه قضية من قضايا الشرك والإيمان فى منتهى الخطورة: حاصل هذه القضية أن مشركى العرب، مع إيمانهم بالله، كانوا يشركون به أصنامهم وأوثانهم، يرجون منها النفع، وأن يقربوهم من الله زلفى. فكيف واجه القرآن هذه القضية. وكيف أبطل باطل القوم وأقام عليهم الحجة، وساعدهم على التخلص من اعتقادهم الباطل، لا بحز أعناقهم بالسيوف، ولكن بالعقل والبرهان بادئا بتوجيه الخطاب إليهم هكذا: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ .. وخلاصة هذا المثل أن الله ساق لهم عظة وعبرة من واقع حياتهم التى يعيشونها بكل مشاعرهم ووعيهم. يقول الله لهم: إنكم تزعمون أن أصنامكم وأوثانكم لها شرك مع الله فى ملكه تنفع وتضر كما ينفع الله ويضر، متساوون مع الله فى التصرف فى شئون الكون. ونحن نسألكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم الذين تملكون رقابهم هل لكم منهم شركاء فى ما تملكون يتصرفون فى ممتلكاتكم بكل حرية دون الرجوع إليكم، وأنكم إذا تصرفتم فى أموالكم تخافون منهم وتخشونهم إذا تصرفتم فى أموالكم تخافون منهم يعلمون، كخشية بعضكم بعضا- أيها الأحرار- إذا كانت بينكم شركة وخلطة فى بعض الأموال. إن الإجابة على هذا السؤال هى بالنفى قطعا، سواء أفصحوا بها أو أسروها فى أنفسهم.

стр. 514

فهذا تمثيل جدلى احتجاجى أفحم الله فيه المشركين بالعقل والبرهان؛ ولذلك جاءت خاتمة الآية: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وكان الله يقول لهم بعد ذلك النفى الذى يحسونه فى أنفسهم: إذا كنتم لا ترضون أن تشركوا عبيدكم وإماءكم معكم فى ممتلكاتكم وأنتم وهم بشر مخلوقون، فكيف ترضونه لأصنامكم مع الله وهو الخالق المهيمن، وهم مخلوقون بل جماد لا إحساس لهم ولا إرادة. فالمشبه والمشبه به هنا هيئتان أو صورتان مركبتان وكذلك وجه الشبه هيئة مركبة من عدة عناصر، لأنه تشبيه تمثيلى مركب. المشبه هو دعوى المشركين أن للاصنام شركة مع الله فى الكون تنفع كما ينفع، وتضر كما يضر مع بطلان الأسس التى بنوا عليها هذه الدعوى. وهو مركب مزيج من الحسيات وبعض المعنويات والمشبه به نفى أن يكون للمشركين شركاء من عبيدهم ومملوكيهم يتصرفون كما يتصرف أسيادهم فى ما يملكون، مع خشية الأسياد من المملوكين إذا تصرفوا فى أموالهم دون الرجوع إليهم، كخشية الشركاء الأحرار بعضهم بعضا. وهو مركب حسى مشوب بشيء من المعنوى. ووجه الشبه هو بطلان المساواة بين الطرفين مع بطلان ما بنيت عليه هذه المساواة. وبهذا التمثيل الرائع بطلت عقيدة الإشراك عقلا كما هى باطلة واقعا. ومثال آخر هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٥). المشبه فى هذا التمثيل الإنفاق الذى يتبعه منّ وأذى من المنفق الذى لم يرد بإنفاقه وجه الله ولا يرجو ثوابه، والمشبه به حجر صخرى عليه قليل من تراب، هطل عليه المطر فأزال التراب وترك الحجر أملس نقيا. فكل من المشبه والمشبه به هيئة، مركبة من عدة عناصر حسية ومعنوية. ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من تجمع أشياء بعضها فوق بعض، سلطت عليها عوامل الإزالة مع سرعة الفناء والهلاك وهو مركب حسى.

стр. 515

والغرض من التمثيل هو الحرمان والحسرة والعجز عن التدبير والتحذير من سوء المصير ومثال ثالث، هو قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ .. (٦). وهذا مثل أو تمثيل لحال الحياة الدنيا فى نموها وازدهارها وسرعة فنائها وهوان أمرها. شبهها الله بصورة حديقة أرواها الماء فأنبتت من كل زوج بهيج، ثم سرعان ما ذبلت ويبست وزالت نضارتها وبهاؤها، وتحطمت أشجارها وجفت ينابيعها وصار نباتها وزرعها غثاء أحوى. فالمشبه هو الدنيا فى سرعة زوالها بعد بهجتها ونضارتها، والمشبه به حديقة توفرت لها أسباب النماء والازدهار والإبهاج ثم سرعان ما أسرع إليها الفناء والهلاك، وطرفا التشبيه مركبان حسيان. أما وجه الشبه فهو الهيئة الحاصلة من اجتماع أشياء مبهجة، نافعة، أبلغ ما يكون النفع، مع سرعة هلاكها وانقضائها. وهو مركب حسى كذلك. والغرض من التشبيه هو التحذير من الاغترار بالدنيا والركون إليها وترك العمل للحياة الآخرة. ومما تجدر الإشارة إليه أن التشبيه التمثيلى فى القرآن إذا كان المشبه به فيه مركبا من عدة عناصر نجد أداة التشبيه فيه داخلة دائما على العنصر الرئيسى من عناصره. وإذا تتبعنا هذه التمثيلات القرآنية كلها نجدها خاضعة لهذا المنهج البيانى الحكيم. ونريد من العنصر الرئيسى فى التمثيل القرآنى كونه سببا فى ما بعده، ولولاه ما كان عنصر منها، وهى منه بمثابة المسبب، فقد ضرب ثلاثة أمثال للحياة الدنيا. وفى كل واحد منها نجد الماء هو العنصر الرئيسى لجميع العناصر الآتية بعده. أول هذه الأمثال الثلاثة كان فى سورة «يونس» وهو قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٧). تأمل العناصر التى وردت بعد «الماء» تجد الماء هو السبب فيها، ولولا الماء ما كان لواحد منها وجود. أما المثل الثانى فهو آية «الكهف» التى تقدم ذكرها آنفا. وفيها دخلت أداة التشبيه على

стр. 516

«الماء» هكذا وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ. أما المثل الثالث فهو فى سورة «الحديد» (٨) وهو قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ... أداة التشبيه فى هذا التمثيل هى «الكاف» أما «مثل» فهو المشبه به، وهو مضاف إلى غَيْثٍ وغيث أول عنصر ذكر فى بيان عناصر التشبيه بعد المشبه به. فصار كأن الأداة دخلت عليه مباشرة، وذلك لأن الماء هو السبب فى التمثيلات الثلاثة. وكذلك قوله تعالى فى وصف أحبار اليهود وغبائهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً .. (٩). كان «الحمار» أول عنصر يذكر من عناصر الصورة لأن المثل مضروب لغباء الأحبار، والحمار هو أكثر الأغبياء غباء، لذلك قدم، ولم يقل: كمثل أسفار يحملها الحمار؟ وكذلك قوله تعالى فى تمثيل مضاعفة الأجر للمنفقين أموالهم فى سبيل الله. مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ .. (١٠). كانت «الحبة» أول عناصر الصورة؛ لأنها سبب فى ما بعدها وما بعدها مسبب عنها. وهذا ملحوظ جدير بالاعتبار فى بلاغة القرآن الكريم، وقليل من يلتفت إليه من الدارسين، قدماء ومحدثين (١١). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 517

المجاز المرسل الإرسال فى اللغة الإطلاق وترك التقييد (١) والمجاز المرسل قسم قائم برأسه من المجاز اللغوى والقسم الآخر هو الاستعارة. والفرق بينهما أن الاستعارة مجاز لغوى علاقته المشابهة. أما المجاز المرسل فهو مجاز لغوى علاقته ليست المشابهة بل له علاقات أخرى كالكلية والجزئية. (٢) وسمى مرسلا لأنه لم يقيد بعلاقة واحدة كما هو الشأن فى الاستعارة، بل تتوارد عليه علاقات كثيرة تتعدى العشر علاقات (٣). والراجح أن أول من أشار إلى تسميته ب «المرسل» هو الإمام عبد القاهر الجرجانى، فقد قال وهو يتحدث عن فكرة علاقات هذا النوع من المجاز، إن المكان لا يسمى مجلسا إلا إذا لوحظ جلوس القوم فيه «وليس المجلس إذا وقع على القوم من طريق التشبيه بل على وجه وقوع الشيء على ما يتصل به. وتكثر ملابسته إياه، وأى شىء يكون بين القوم ومكانهم الذى يجتمعون فيه، إلا أنه لا يعتد بمثل هذا، فإن ذلك قد يتفق حيث ترسل العبارة» (٤). فالإشارة إلى تسميته المجاز المرسل تكمن فى قوله «حيث ترسل العبارة»، وكان الإمام يقصد فعلا بهذا الحديث ما سمى فى ما بعد بالمجاز المرسل؛ لأنه ذكر الكثير من أمثلته وعلاقاته بعد التمهيد له، ثم أخذ عنه البلاغيون هذه الأمثلة، وتحليلاتها عند حديثهم عن المجاز المرسل فى صورته النهائية. وقد سماه ابن الزملكانى والزركشى «المجاز الإفرادى» (٥) وسماه السيوطى «المجاز فى المفرد» وقال: ويسمى المجاز اللغوى (٦) وهاك أمثلة له مع بيان علاقاته من خلالها. الكلية: من علاقات المجاز المرسل الكلية، ومن ذلك فى القرآن الكريم: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (٧). المجاز فى قوله أَصابِعَهُمْ لأن المراد الأنامل أو أطراف الأصابع، فالعلاقة هى الكلية، حيث أطلق الكل (الأصابع) وأراد الجزء (أطراف الأصابع). * الجزئية: ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ والمجاز فى قوله رَقَبَةٍ حيث أطلق الجزء رَقَبَةٍ وأراد الكل (العبد أو الأمة) وحين تكون العلاقة (الجزئية) فإنه يشترط فى الجزء أن تكون له زيادة اختصاص بالمعنى المراد وقد تحققت هذه الخصوصية فى رَقَبَةٍ لأن الرقيق شبيه بالمربوط من عنقه فى قبضة مالكه.

стр. 518

* اعتبار ما كان: مثل قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أى الذين كانوا يتامى قبل أن يبلغوا سن الرشاد. أما عند بلوغهم سن الرشاد، فهم ليسوا يتامى، والسر البلاغى فى هذا المجاز حث أوصياء اليتامى على المبادرة على دفع أموال من كانوا أوصياء عليهم، فور بلوغهم راشدين، حتى لكأنهم سلموا لهم أموالهم وهم يتامى. * اعتبار ما سيكون: ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (٨) والخمر لا يعصر؛ لأنه معصور فعلا، لكن المعنى: أرانى أعصر عنبا يصير خمرا. فالعلاقة اعتبار ما سيكون، والسر البلاغى فى هذا المجاز الإسراع إلى التنفير من الخمر، فهو مجاز مرسل علاقته اعتبار ما سيكون. * السببية؛ ومثالها من القرآن الكريم قوله تعالى وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً (٩) أى ماء هو سبب الرزق. فقد طوى السبب، وأريد المسبب والسر البلاغى فى هذا المجاز هو إظهار الامتنان على العباد. الآلية، ومن علاقات المجاز المرسل الآلية والآلة هى التى تستعمل فى إيجاد الحدث ومن هذا النوع فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (١٠). والمجاز المرسل فى كلمة بِلِسانِ حيث أريد منها: اللغة، وبِلِسانِ قَوْمِهِ معناها: لغة قومه. والذى سوّغ استعمال اللسان فى معنى اللغة، أن اللسان هو آلة أو أداة اللغة فالعلاقة فى هذا المجاز هى الآلية. وقد ظل استخدام اللسان بمعنى اللغة، حتى منتصف القرن الثامن الهجرى. وما يزال يستخدم فى هذا المعنى. * المكانية: ومن علاقات المجاز المرسل علاقة المحل أو المكان. بأن يطلق المحل أو المكان، ويراد الحالّون فيه. ومن أمثلته فى القرآن الكريم قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ (١١) والسماء والأرض ليستا من العقلاء حتى تبكيا، والمعنى: فما بكى عليهم أهل السموات، يعنى الملائكة، ولا أهل الأرض، يعنى الناس، ففي السموات والأرض مجاز مرسل علاقته المكانية أو المحلية. والمجاز المرسل كثير الورود فى القرآن الكريم، وله علاقات أخرى غير ما تقدم (١٢). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 519

الاستعارة الاستعارة لغة: مأخوذة من العارية، وهى نقل منفعة شىء مملوك لشخص إلى غير مالكه، مع بقاء الملكية لمالك ذلك الشيء. كإعارة الدابة، أو الدار أو الكتاب لمن هو فى حاجة إلى منافع هذه الأشياء. والعارية والإعارة ما تداوله الناس بينهم. واستعار فلان كذا طلب إعارته إياه. والسين والتاء فيها مزيدتان للطلب (١). أما الاستعارة فى اصطلاح البلاغيين، فكان أول من أشار إليها هو أبو عمرو بن العلاء. فقد ذكر قول ذى الرمة. أقامت به حتى ذوى العود فى الثرى ... وساق الثريا فى ملاءته الفجر وعلق عليه قائلا: «ولا أعلم قولا أحسن من قوله: وساق الثريا فى ملاءته الفجر «فصيّر للفجر ملاءة، ولا ملاءة له، وإنما استعار هذه اللفظة، وهو من عجيب الاستعارات» (٢) ثم أخذ البلاغيون من بعده يوسعون دائرة البحث فيها، ويحاولون وضع تعريفات لها. وكان أول من وضع تعريفا للاستعارة هو الجاحظ فقال: «الاستعارة تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه» (٣) وعرفها ابن قتيبة فقال: «والعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة، إذا كان المسمى بها بسبب من الآخر أو مجاورا أو مشاكلا» (٤) وعرفها ثعلب فقال: «هى أن يستعار للشيء اسم غيره أو معنى سواه» (٥). وعرفها ابن المعتز بقوله: «استعارة الكلمة، لشىء لم يعرف بها من شىء عرف بها» (٦). وكل ما تقدم غير واف فى ضبط الاستعارة وتحديد مفهومها تحديدا واضحا جامعا مانعا. ثم بدأت مرحلة أخرى عرّفت فيها الاستعارة تعريفات جديدة، من ذلك تعريف القاضى على بن عبد العزيز الجرجانى، إذ

стр. 520

قال «الاستعارة ما اكتفى فيها بالاسم المستعار عن الأصل ونقلت العبارة فجعلت فى مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه ومناسبة المستعار له المستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين فى أحدهما إعراض عن الآخر» (٧). ويلاحظ أن فى هذا التعريف طولا، والتعريفات يستحسن فيها الإيجاز. وعرفها الرمانى تعريفا مختصرا قال فيه: «الاستعارة تعليق العبارة على ما وضعت له فى أصل اللغة على جهة النقل للإبانة» (٨). وجاء الخطيب القزوينى فعرّف الاستعارة فى إيجاز شديد، هو قوله: «الاستعارة هى ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له» (٩). فالنور- إذا أستعير للحجة البالغة- علاقة المشبه بالمشبه به هى تشبيه معنى النور المستعار للحجة بالمعنى اللغوى الوضعى الذى أراده واضع اللغة، من كلمة «النور» الحسى الذى يرى بالبصر. وقد لاحظ متأخرو البلاغيين قصورا فى كل التعريفات التى تقدمت؛ وهذا حملهم على وضع تعريف واف للاستعارة فقالوا: «الاستعارة: هى اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة، من إرادة المعنى الوضعى» (١٠). أو «استعمال اللفظ فى غير ما وضع له، لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعى» (١٠). ويسمون التعريف الأول: التعريف بالمعنى الاسمى والثانى: التعريف بالمعنى المصدرى. هذا التعريف هو الشائع الآن فى مصنفات البلاغيين المعاصرين، والجارى على ألسنتهم وهو تعريف واف جامع مانع، خال من جميع المؤاخذات، يشتمل على العناصر الفنية للاستعارة، وهى: * نقل اللفظ المستعار من معناه الوضعى إلى معناه الاستعارى. * العلاقة بين المعنيين الوضعى والاستعارى. * القرينة التى تمنع من إرادة المعنى اللغوى الوضعى فقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ (١١) فيه استعارة النور للهدى المعنوى الذى جاء به الإسلام فالنور مستعار، والهدى مستعار له. والعلاقة وتسمى «الجامع» هى الكشف والإظهار فى كل من النور والهدى أما القرينة المانعة من إرادة

стр. 521

المعنى الحقيقى للنور الحسى فهى قوله تعالى: «أنزل معه» لأن محمدا- ﷺ لم يجئ بنور حسى يدرك بالأبصار، بل بنور معنوى يدرك بالعقول والقلوب. وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ (١٢) فيه استعارة التوفية «الموت» للإنامة «النوم» والجامع بين المستعار له والمستعار منه هو فقد الوعى والحركة فى كل منهما. أما القرينة فهى «بالليل» لأنه وقت النوم، أما الموت الحقيقى فلا وقت له، لأنه يأتى ليلا ونهارا فى أى لحظة فيهما. هذا هو مفهوم الاستعارة بوجه عام. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 522

الاستعارة التّصريحيّة التصريح لغة: الإبانة والإظهار، ضد الغموض والإخفاء (١) أما فى الاصطلاح البلاغى فهى .. ما صرّح فيها بلفظ المشبه به دون المشبه .. (٢) أو هى كما قال السكاكى: «أن يكون الطرف المذكور من طرفى التشبيه هو المشبه به» (٣). وأساس هذا التقسيم للاستعارة إلى تصريحية وغيرها هو قولهم: «الاستعارة تشبيه حذف أحد طرفيه» وطرفا التشبيه هما: المشبه والمشبه به. وعلى هذا قالوا: إن الاستعارة التصريحية هى ما كان المذكور فيها من طرفى التشبيه هو المشبه به، والمحذوف هو المشبه، وهذا موضع إجماع عند البلاغيين (٤). فهى عندهم «أن تعتمد نفس التشبيه، وهو أن يشترك شيئان فى وصف، وأحدهما أنقص من الآخر، فيعطى الناقص اسم الزائد، مبالغة فى تحقيق ذلك الوصف كقولك: رأيت أسدا، وأنت تعنى رجلا شجاعا، وغنت لنا ظبية، وأنت تريد امرأة» (٥). وقد حفل القرآن الكريم بصور لا حصر لها من الاستعارة التصريحية. ومن ذلك قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) أى من الضلال إلى الهدى. استعير لفظ «الظلمات» للضلال، لتشابههما فى عدم اهتداء صاحبهما، وكذلك استعير لفظ «النور» للإيمان لتشابههما فى الهداية» (٧). وهما استعارتان تصريحيتان؛ لأن كلا من الظلمات والنور هما المشبه به، وهو المذكور فى الكلام. أما المشبه، وهما: الضلال والإيمان فقد حذفا من الكلام. والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى للظلمات والنور حالية تفهم من المقام، إذ ليس المراد أن يخرجهم من ظلام حسى، إلى نور حسى. بدليل قوله تعالى فى عجز الآية: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وفى الصراط هنا استعارة تصريحية؛ لأن المراد منه دين الله . شبه بالصراط وهو الطريق الحسى، تصويرا للمعنوى المدرك

стр. 523

بالعقول بالحسى المدرك بالبصر، اعتناء بشأنه ومبالغة فى إظهاره. وقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (٨) فيه استعارة فى قوله طَغَى استعارة الطغيان، وهو من صفات العقلاء، لزيادة الماء وخروجه عن مجراه وغمره الأرض على جانبى مجراه. والعلاقة بين الطغيان الحقيقى، وهو الظلم، وبين المعنى الاستعارى، وهو كثرة الماء وفيضانه على جانبى مجراه هو مجاوزة الحد المعهود فى كل منهما (٩) والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى للطغيان وهو: الظلم هى الفاعل الْماءُ لأن الماء ليس عاقلا ولا مكلفا حتى يوصف بالظلم والطغيان وبلاغة الاستعارة هى الإيضاح والإيجاز وهذا وصف عام فى كل استعارة. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 524

الاستعارة الأصليّة الاستعارة الأصلية فى اصطلاح البلاغيين هي التى تكون فى أسماء الأجناس غير المشتقة (الجامدة) وقد أوضح الإمام السكاكى معناها فقال: «أن يكون المستعار اسم جنسى، كرجل وقيام وقعود، ووجه كونها أصلية أن الاستعارة مبناها على تشبيه المستعار له بالمستعار منه» (١). يقصد أن يتم هذا التشبيه الاستعارى بلا واسطة بين المستعار له «المشبه» والمستعار منه (المشبه به) كما سيأتى فى الاستعارة «التبعية» وقد اتفق جمهور البلاغيين على هذا الضابط الذى ذكره السكاكى للاستعارة الأصلية (٢). وحصر متأخروهم وقوع الاستعارة الأصلية فى هذين النوعين، وهما: * أسماء الأعيان (الذوات الحسية) الجامدة، كأسد. * ثم المصادر الجامدة، مثل: الكرم- الحلم- الصيام- النطق. وورود الاستعارة الأصلية فى القرآن مستفيض جدا، ومنها قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. استعار الظلمات للضلال والجهل والكفر، وكل من المستعار، وهو الظلمات، والمستعار له، وهو الضلال، اسمان جامدان غير مشتقين، وهما من أسماء المعانى التى تدرك بالعقل. فالاستعارة- إذن- أصلية، لجريانها فى الأسماء الجامدة. والأمر المشترك بينهما، ويسمى «الجامع» (٣) هو الحيرة والارتباك فى كل منهما. والقرينة المانعة، من إرادة المعنى الحقيقى للظلمات حالية تفهم من المقام ثم استعارة «النور» للإيمان، على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية؛ لأن كلا من «النور» وهو المستعار، و «الإيمان» وهو المستعار له اسمان جامدان غير مشتقين، والجامع بينهما هو الهداية والاطمئنان. والقرينة حالية كذلك. وهاتان الاستعارتان تفيدان المبالغة فى وصف الضلال بالظلمات، وفى وصف الإيمان بالنور.

стр. 525

والأولى تفيد التنفير والترهيب من الضلال وبشاعته. والثانية تفيد الترغيب فى الإيمان وآثاره الطيبة. ومن الاستعارة التصريحية الأصلية قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ هذا حديث عن منزلة القرآن عند الله. والاستعارة التصريحية الأصلية فى كلمة «أم» وأم الكتاب أصل الكتاب. فاستعار «الأم» للأصل «وهو أبلغ لأن الأم أجمع وأظهر فى ما يرد إليه مما ينشأ عنه». والاستعارة- هنا- تصريحية لذكر المشبه به فيها، وأصلية لأن الاسم المستعار فيها اسم جنس جامد غير مشتق، والقرينة هى إضافة «أم» إلى الكتاب؛ لأن الكتاب لا أم له ولد منها. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 526

الاستعارة التّبعيّة الاستعارة التبعية فى اصطلاح البيانيين هى ما كان اللفظ المستعار فيها واحدا من الفصائل الثلاث الآتية: * الأفعال: ماضية كانت أو مضارعة أو أمرا. * الصفات المشتقة: مثل اسمى الفاعل والمفعول. * الحروف؛ مثل فى وعلى واللام. وهى عكس الاستعارة الأصلية، وكلتاهما تصريحيتان وهما قسمان للاستعارة التصريحية وقد عرف الإمام السكاكى الاستعارة التبعية فقال: «ما تقع فى غير أسماء الأجناس كالأفعال والصفات المشتقة، وكالحروف» (١). وقال ابن بن مالك: «هى ما تقع فى الأفعال والصفات والحروف؛ لأنها لا توصف فلا تحتمل الاستعارة بنفسها، وإنما المحتمل لها فى الأفعال والصفات مصادرها. وفى الحروف متعلقات معانيها. فتقع الاستعارة هناك، ثم تسرى فى هذه الأشياء» (٢). يريد أن يقول: إن الأفعال والصفات لا تصلح فى ذاتها لوقوع الاستعارة فيها؛ فالاستعارة تجرى أولا فى مصادر الأفعال والصفات أصالة. ثم تسرى من المصادر إلى الأفعال والصفات وكذلك الحروف مثل فى وعلى، لا توصف. فلا تصلح لأن تكون استعارة على جهة الأصالة. بل تقع الاستعارة فى متعلق معناها الكلى، كالظرفية المطلقة فى حرف الجر «فى» والاستعلاء الكلى فى حرف الجر «على» تم تسرى الاستعارة منهما إلى الحرف. ولذلك سميت استعارة تبعية، لأنها وقعت تابعة لوقوعها فى مصادر الأفعال والصفات المشتقة، وفى متعلق معانى الحروف الكلية. ويوضح الخطيب القزوينى فكرة أن الأفعال والصفات والحروف لا تصلح لوقوع الاستعارة فيها مباشرة، فيقول: «وذلك لأن الاستعارة تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا، وإنما يصلح للموصوفية

стр. 527

الحقائق كما فى «جسم أبيض» و «بياض صاف» دون معانى الأفعال والصفات المشتقة منها- أى من الأفعال- والحروف» (٣) ومن أمثلتها فى القرآن الكريم: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ (٤) ففي قوله «أتى» استعارة تبعية فى زمن الفعل لها شبه الإتيان فى المستقبل «يأتى» بالإتيان فى الماضى «أتى» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية ثم اشتق من «الإتيان» أَتى بمعنى يأتى، والجامع بين الإتيان فى الماضى والإتيان فى المستقبل هو تحقق الوقوع فى كل منها. فقد جرت الاستعارة أولا فى المصدر «الإتيان» ثم سرت إلى الفعل، وهذا معنى «التبعية» فى هذه الاستعارة أما قرينة الاستعارة المانعة من المعنى الحقيقى، وهو الإتيان فى الماضى فهى قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ لأن النهى عن الاستعجال يكون فى ما يأتى مستقبلا، لا فى ما أتى ماضيا. وقوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (٥) فيه استعارتان تبعيتان: الأولى فى زمن الفعل تَرَكْنا بمعنى: نترك، لأنه سيكون يوم القيامة. وقد شبّه فيها الترك فى المستقبل بالترك فى الماضى، والجامع بينهما تحقق الوقوع فى كل منهما، والقرينة حالية تفهم من المقام. والثانية فى معنى الفعل يَمُوجُ شبه الاضطراب الشديد فى حركة الناس يوم القيامة بالاضطراب الشديد فى حركة موج البحر، وهما مصدران. ثم سرى التشبيه من المصدر الاضطراب الشديد إلى الفعل يَمُوجُ بمعنى يضطرب اضطرابا شديدا. والقرينة حالية تفهم من المقام كذلك، لأن التموج من خصائص الماء لا الناس. أما الاستعارة التبعية فى الصفات المشتقة فمنها قوله تعالى: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً (٦) فى مُبْصِرَةً هنا استعارة جرت فى اسم الفاعل، يعنى: مضيئة، ومبصرة أبلغ من مضيئة؛ لأنها أظهر فى مقام النعمة (٧). شبهت الإضاءة بالإبصار، وهما مصدران، ثم سرى التشبيه من المصدر (الإبصار) إلى الصفة (مبصرة) على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى للإبصار، كون النهار زمنا لا يوصف بالإبصار- كما يوصف به الأحياء. والاستعارة التبعية فى الحرف مثل قوله تعالى حكاية عن قول فرعون للسحرة:

стр. 528

وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (٨) استعار متعلق الحرف (فى) الكلى، وهو مطلق الظرفية لمتعلق الحرف (على) وهو مطلق الاستعلاء. ثم سرى التشبيه إلى معنى الحرفين، فاستعيرت (فى) ل (على) لتفيد هذه الاستعارة المبالغة فى تصوير المعنى المراد حتى لكأن فرعون من شدة غيظه على إيمان السحرة لم يكتف بإلصاقهم بجذوع النخل، وإنما غرس أجسادهم فيها غرسا. والاستعارة التبعية فى معنى الفعل كثيرة الورود فى القرآن الكريم. يليها الاستعارة فى زمن الفعل، ثم فى الحروف (٩). أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى

стр. 529

الاستعارة التّمثيلية الاستعارة التمثيلية هى القسم الثالث من الاستعارة التصريحية، بعد الاستعارة الأصلية، والاستعارة التبعية. ويسميها الخطيب القزوينى: المجاز المركب، وقال فى تعريفها: «وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فى ما شبّه بمعناه الأصلى تشبيه التمثيل للمبالغة فى التشبيه: أى تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى. ثم تدخل المشبه فى المشبه به مبالغة فى التشبيه» (١). يعنى يكون الوصف الجامع أو المشترك بين كل من المشبه (المستعار له) والمشبه به (المستعار منه) هيئة أو صورة مؤلفة من عنصرين أو أكثر من عنصرين. والاستعارة التمثيلية تختلف عن غيرها من الاستعارات فالوصف المشترك بين الطرفين فى غيرها مفرد وفيها هيئة أو صورة مركبة فاستعارة «النور» ل «الإيمان» استعارة مفردة، لأن الوصف الجامع بينهما مفرد، وهو الهداية أما الاستعارة التمثيلية فالوصف الجامع فيها هيئة أو صورة كما سيأتى. أما جلال الدين السيوطى فقد أوجز فى تعريف الاستعارة التمثيلية حيث قال: «هى أن يكون وجه الشبه فيها- أى الوصف المشترك بين الطرفين- منتزعا من متعدد» (٢). وإلى هذا ذهب المدنى كذلك (٣). وسماها قدامة بن جعفر «التمثيل» (٤). وعلى هذا المنهج سار شراح التلخيص (٥). والإمام عبد القاهر الجرجانى ساق لها عدة أمثلة تحت عنوان «التمثيل» (٦). ومن أمثلتها فى القرآن الكريم قوله تعالى: لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (٧). قال الإمام جار الله الزمخشرى فى توجيه هذه الآية بلاغيا: «هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذى هو بين الإسراف والتقتير» (٨). وقوله «تمثيل» يعنى: استعارة تمثيلية. وفى توضيح هذا الإجمال يقول الشهاب: «يعنى أنهما استعارتان تمثيليتان، شبه فى

стр. 530

الأولى يعنى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك- فعل الشحيح فى منعه بمن يده مغلولة لعنقه، بحيث لا يقدر على مدها، وفى الثانية شبه السرف ببسط اليد، بحيث لا تحفظ شيئا» (٩). يعنى أن غل اليد إلى العنق صورة حسية شبه بها صورة البخيل الحريص على المنع والاحتفاظ بماله. وأن صورة بسط اليد وهى حسية كذلك شبه بها صورة المسرف الشديد الإسراف فى بذل ماله، بحيث جعله مباحا لكل من أراد أخذه بلا أية ضوابط. فالتشبيه فيهما وقع بين صورتين مركبتين، لا بين مفرد ومفرد. والجامع بين الطرفين هيئة أو صورة مركبة من عنصرين فأكثر. ومن الاستعارة التمثيلية فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (١٠). ففي الآية استعارتان تمثيليتان، لأن المعنى أن مثل الأرض يوم القيامة لتصرف الله الكامل فيها ومثل السموات بهيمنة الله على كل ما فيها، مثل الشيء يكون فى يد الآخذ به المتصرف فيه (١١). والاستعارة التمثيلية، لا توصف بأنها أصلية أو تبعية لاعتبارين: الأول: أن ألفاظها المركبة منها كثيرا ما تجمع بين الأسماء الجامدة والأفعال والصفات، كما فى لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ. ففيها أسماء أجناس مثل: يد- عنق. وفيها أفعال وصفات مشتقة وحروف، مثل تجعل، تبسط، إلى،. وقد تقدم أن الاستعارة التصريحية الأصلية هى ما جرت فى أسماء الأجناس الجامدة، وأسماء المعانى. وأن التصريحية التبعية هى ما جرت فى الأفعال والصفات المشتقة والحروف. لذلك فإن الاستعارة التمثيلية لا يقال إنها أصلية أو تبعية. ولكن تصريحية تمثيلية فقط. الاعتبار الثانى: أن الاستعارة التمثيلية كل الألفاظ التى ركبت منها تظل على معانيها الحقيقية لا يدخلها مجاز. وإنما المجاز يقتصر فيها على مجموع كلماتها، حيث تنقل صورتها من الحقيقة إلى المجاز. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
следующие страницы →