الاستعارة التّبعيّة
الاستعارة التبعية فى اصطلاح البيانيين هى ما كان اللفظ المستعار فيها واحدا من الفصائل الثلاث الآتية:
* الأفعال: ماضية كانت أو مضارعة أو أمرا.
* الصفات المشتقة: مثل اسمى الفاعل والمفعول.
* الحروف؛ مثل فى وعلى واللام.
وهى عكس الاستعارة الأصلية، وكلتاهما تصريحيتان وهما قسمان للاستعارة التصريحية وقد عرف الإمام السكاكى الاستعارة التبعية فقال:
«ما تقع فى غير أسماء الأجناس كالأفعال والصفات المشتقة، وكالحروف» (١).
وقال ابن بن مالك:
«هى ما تقع فى الأفعال والصفات والحروف؛ لأنها لا توصف فلا تحتمل الاستعارة بنفسها، وإنما المحتمل لها فى الأفعال والصفات مصادرها. وفى الحروف متعلقات معانيها. فتقع الاستعارة هناك، ثم تسرى فى هذه الأشياء» (٢).
يريد أن يقول: إن الأفعال والصفات لا تصلح فى ذاتها لوقوع الاستعارة فيها؛ فالاستعارة تجرى أولا فى مصادر الأفعال والصفات أصالة. ثم تسرى من المصادر إلى الأفعال والصفات وكذلك الحروف مثل فى وعلى، لا توصف. فلا تصلح لأن تكون استعارة على جهة الأصالة. بل تقع الاستعارة فى متعلق معناها الكلى، كالظرفية المطلقة فى حرف الجر «فى» والاستعلاء الكلى فى حرف الجر «على» تم تسرى الاستعارة منهما إلى الحرف.
ولذلك سميت استعارة تبعية، لأنها وقعت تابعة لوقوعها فى مصادر الأفعال والصفات المشتقة، وفى متعلق معانى الحروف الكلية.
ويوضح الخطيب القزوينى فكرة أن الأفعال والصفات والحروف لا تصلح لوقوع الاستعارة فيها مباشرة، فيقول: «وذلك لأن الاستعارة تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا، وإنما يصلح للموصوفية
стр. 527
الحقائق كما فى «جسم أبيض» و «بياض صاف» دون معانى الأفعال والصفات المشتقة منها- أى من الأفعال- والحروف» (٣) ومن أمثلتها فى القرآن الكريم:
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ (٤)
ففي قوله «أتى» استعارة تبعية فى زمن الفعل لها شبه الإتيان فى المستقبل «يأتى» بالإتيان فى الماضى «أتى» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية ثم اشتق من «الإتيان» أَتى بمعنى يأتى، والجامع بين الإتيان فى الماضى والإتيان فى المستقبل هو تحقق الوقوع فى كل منها.
فقد جرت الاستعارة أولا فى المصدر «الإتيان» ثم سرت إلى الفعل، وهذا معنى «التبعية» فى هذه الاستعارة أما قرينة الاستعارة المانعة من المعنى الحقيقى، وهو الإتيان فى الماضى فهى قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ لأن النهى عن الاستعجال يكون فى ما يأتى مستقبلا، لا فى ما أتى ماضيا.
وقوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (٥) فيه استعارتان تبعيتان:
الأولى فى زمن الفعل تَرَكْنا بمعنى:
نترك، لأنه سيكون يوم القيامة.
وقد شبّه فيها الترك فى المستقبل بالترك فى الماضى، والجامع بينهما تحقق الوقوع فى كل منهما، والقرينة حالية تفهم من المقام.
والثانية فى معنى الفعل يَمُوجُ شبه الاضطراب الشديد فى حركة الناس يوم القيامة بالاضطراب الشديد فى حركة موج البحر، وهما مصدران. ثم سرى التشبيه من المصدر الاضطراب الشديد إلى الفعل يَمُوجُ بمعنى يضطرب اضطرابا شديدا.
والقرينة حالية تفهم من المقام كذلك، لأن التموج من خصائص الماء لا الناس.
أما الاستعارة التبعية فى الصفات المشتقة فمنها قوله تعالى:
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً (٦)
فى مُبْصِرَةً هنا استعارة جرت فى اسم الفاعل، يعنى: مضيئة، ومبصرة أبلغ من مضيئة؛ لأنها أظهر فى مقام النعمة (٧).
شبهت الإضاءة بالإبصار، وهما مصدران، ثم سرى التشبيه من المصدر (الإبصار) إلى الصفة (مبصرة) على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى للإبصار، كون النهار زمنا لا يوصف بالإبصار- كما يوصف به الأحياء.
والاستعارة التبعية فى الحرف مثل قوله تعالى حكاية عن قول فرعون للسحرة:
стр. 528
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (٨)
استعار متعلق الحرف (فى) الكلى، وهو مطلق الظرفية لمتعلق الحرف (على) وهو مطلق الاستعلاء. ثم سرى التشبيه إلى معنى الحرفين، فاستعيرت (فى) ل (على) لتفيد هذه الاستعارة المبالغة فى تصوير المعنى المراد حتى لكأن فرعون من شدة غيظه على إيمان السحرة لم يكتف بإلصاقهم بجذوع النخل، وإنما غرس أجسادهم فيها غرسا.
والاستعارة التبعية فى معنى الفعل كثيرة الورود فى القرآن الكريم. يليها الاستعارة فى زمن الفعل، ثم فى الحروف (٩).
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 529
الاستعارة التّمثيلية
الاستعارة التمثيلية هى القسم الثالث من الاستعارة التصريحية، بعد الاستعارة الأصلية، والاستعارة التبعية.
ويسميها الخطيب القزوينى: المجاز المركب، وقال فى تعريفها:
«وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فى ما شبّه بمعناه الأصلى تشبيه التمثيل للمبالغة فى التشبيه: أى تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى. ثم تدخل المشبه فى المشبه به مبالغة فى التشبيه» (١).
يعنى يكون الوصف الجامع أو المشترك بين كل من المشبه (المستعار له) والمشبه به (المستعار منه) هيئة أو صورة مؤلفة من عنصرين أو أكثر من عنصرين.
والاستعارة التمثيلية تختلف عن غيرها من الاستعارات فالوصف المشترك بين الطرفين فى غيرها مفرد وفيها هيئة أو صورة مركبة فاستعارة «النور» ل «الإيمان» استعارة مفردة، لأن الوصف الجامع بينهما مفرد، وهو الهداية أما الاستعارة التمثيلية فالوصف الجامع فيها هيئة أو صورة كما سيأتى.
أما جلال الدين السيوطى فقد أوجز فى تعريف الاستعارة التمثيلية حيث قال:
«هى أن يكون وجه الشبه فيها- أى الوصف المشترك بين الطرفين- منتزعا من متعدد» (٢).
وإلى هذا ذهب المدنى كذلك (٣).
وسماها قدامة بن جعفر «التمثيل» (٤).
وعلى هذا المنهج سار شراح التلخيص (٥).
والإمام عبد القاهر الجرجانى ساق لها عدة أمثلة تحت عنوان «التمثيل» (٦).
ومن أمثلتها فى القرآن الكريم قوله تعالى:
لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (٧).
قال الإمام جار الله الزمخشرى فى توجيه هذه الآية بلاغيا:
«هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذى هو بين الإسراف والتقتير» (٨).
وقوله «تمثيل» يعنى: استعارة تمثيلية.
وفى توضيح هذا الإجمال يقول الشهاب:
«يعنى أنهما استعارتان تمثيليتان، شبه فى
стр. 530
الأولى يعنى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك- فعل الشحيح فى منعه بمن يده مغلولة لعنقه، بحيث لا يقدر على مدها، وفى الثانية شبه السرف ببسط اليد، بحيث لا تحفظ شيئا» (٩).
يعنى أن غل اليد إلى العنق صورة حسية شبه بها صورة البخيل الحريص على المنع والاحتفاظ بماله.
وأن صورة بسط اليد وهى حسية كذلك شبه بها صورة المسرف الشديد الإسراف فى بذل ماله، بحيث جعله مباحا لكل من أراد أخذه بلا أية ضوابط. فالتشبيه فيهما وقع بين صورتين مركبتين، لا بين مفرد ومفرد.
والجامع بين الطرفين هيئة أو صورة مركبة من عنصرين فأكثر.
ومن الاستعارة التمثيلية فى القرآن الكريم قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (١٠).
ففي الآية استعارتان تمثيليتان، لأن المعنى أن مثل الأرض يوم القيامة لتصرف الله الكامل فيها ومثل السموات بهيمنة الله على كل ما فيها، مثل الشيء يكون فى يد الآخذ به المتصرف فيه (١١).
والاستعارة التمثيلية، لا توصف بأنها أصلية أو تبعية لاعتبارين:
الأول: أن ألفاظها المركبة منها كثيرا ما تجمع بين الأسماء الجامدة والأفعال والصفات، كما فى لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ.
ففيها أسماء أجناس مثل: يد- عنق.
وفيها أفعال وصفات مشتقة وحروف، مثل تجعل، تبسط، إلى،. وقد تقدم أن الاستعارة التصريحية الأصلية هى ما جرت فى أسماء الأجناس الجامدة، وأسماء المعانى.
وأن التصريحية التبعية هى ما جرت فى الأفعال والصفات المشتقة والحروف.
لذلك فإن الاستعارة التمثيلية لا يقال إنها أصلية أو تبعية. ولكن تصريحية تمثيلية فقط.
الاعتبار الثانى: أن الاستعارة التمثيلية كل الألفاظ التى ركبت منها تظل على معانيها الحقيقية لا يدخلها مجاز. وإنما المجاز يقتصر فيها على مجموع كلماتها، حيث تنقل صورتها من الحقيقة إلى المجاز.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 531
الاستعارة المرشّحة
الترشيح لغة: هو التقوية (١)، وأما اصطلاحا فإن كل الأقوال فيه تجمع على شىء واحد، هو أن يذكر فى الكلام ما يناسب المشبه به، وهو المستعار فى أسلوب الاستعارة.
والترشيح وصف عارض للاستعارة، ولا يدخل فى عناصرها الأولية المكونة لها، وهو ليس بلازم فيها وكان ممن وضع لها تعريفا فخر الدين الرازى حيث قال «هى التى قرنت بما يلائم المستعار منه، وهى أن يراعى جانب المستعار، ويولى ما يستدعيه، ويضم إليه ما يقتضيه» (٢).
وكذلك قال الحلبى فى تعريفها (٣).
وجمهور البلاغيين يسمون الاستعارة التى قرنت بما يناسب المشبه به (اللفظ المستعار):
الاستعارة المرشحة، أو الاستعارة الترشيحية (٤).
وهى أقوى أنواع الاستعارة، وأكثرها مبالغة لأن الاستعارة تقوم على تناسى التشبيه، وذكر ما يلائم المشبه به (اللفظ المستعار) يساعد على تناسى التشبيه؛ لذلك قالوا فى بيان قيمة الاستعارة المرشحة:
«وأجل الاستعارات الاستعارة المرشحة» (٥).
ومن أمثلتها فى القرآن الكريم، قوله تعالى:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٦).
استعار الاشتراء للاختيار والاستبدال أى استبدلوا الضلالة بالهدى، لأنه لا بيع ولا شراء على الحقيقة، وهى استعارة تصريحية لذكر المشبه به «الاشتراء» تبعية لجريانها فى الفعل وقد ذكر فى هذه الاستعارة ما يلائم المشبه به، وهو نفى الربح فى قوله تعالى:
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ لأن الربح والتجارة يلائمان المشبه به وهو الاشتراء.
وفى بيان هذا يقول الإمام الزمخشرى:
حيث إن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا فى معنى الاستبدال. فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟
قلت هذا من الصنعة البديعة، التى تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز ثم تقفّى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة، وأكثر ماء ورونقا وهو المجاز المرشح.
стр. 532
وذلك نحو قول العرب فى البليد: كأن فى أذنى قلبه خطلا، وإن جعلوه كالحمار. ثم رشحوا ذلك دوما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين وادعوا لهما الخطل ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار (٧).
يعنى أن هذا الترشيح يبعد المشبه به عن جنسه وينسى السامع أصله، وفى هذا مبالغة فى إثبات المعنى المجازى المراد.
ومن الاستعارة المرشحة فى القرآن الكريم قوله تعالى:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (٨).
فالنقض: هو الفسخ وفك التركيب، وإيقاعه على العهد من أجل تشبيه العهد بالحبل المبرم، وقوله تعالى:
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أى من بعد إحكام برمه وتوثيقه، ترشيح للاستعارة؛ لأنه من ملائمات المشبه به، وهو الحبل. ففي هذا الترشيح زيادة تناس للنسبية، حتى لكأن العهد صار حبلا فعلا.
وقد استعير النقض- كذلك- لعدم الوفاء بموجب العهد، إخراجا للمعنوى المعقول فى صورة المادى المحسوس، اعتناء به، وتنويها ببشاعته، وهى استعارة تصريحية تبعية.
ومثلها الاستعارتان فى قوله تعالى:
وَيَقْطَعُونَ ويُوصَلَ وكل هذه الاستعارات يرشح بعضها بعضا.
لأنه لا نقض، ولا حبل، ولا قطع، ولا وصل على الحقيقة فى الأمور المعنوية.
والاستعارات المرشحة، لها ورود ملحوظ فى آيات الذكر الحكيم، وهى- كما تقدم- من أبلغ الاستعارات ومن أعلاها شأنا، للمبالغة فى إثبات المعنى المجازى المراد، عن طريق تناسى التشبيه، وصيرورة المشبه من جنس المشبه به.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 533
الاستعارة المجرّدة
من معانى التجريد فى اللغة التعرية والتخلية، يقال جرّد فلان من ماله، أى أخذ منه، وخلت منه يده (١) والتجريد فى الاستعارة ضد الترشيح، وهو عند علماء البيان يدور معناه حول ذكر ما يلائم المشبه دون المشبه به.
فيرى الفخر الرازى أن الاستعارة تكون تجريدية إذا عقبت بصفات ملائمة للمستعار له- يعنى المشبه- أو تفريع كلام ملائم له (٢).
أما بدر الدين ابن بن مالك فيقول:
«تجريد الاستعارة هو أن تقرن بما يلائم المستعار له» (٣).
وكذلك قال الخطيب القزوينى (٤).
أما العلوى فقد أطال فى تعريفها مع التمثيل لها فقال:
«فأما الاستعارة المجردة فإنما لقّبت بهذا اللقب لأنك إذا قلت:
رأيت أسدا يجندل الأبطال بنصله، ويشك الفرسان برمحه، فقد جردت قولك «أسدا» من لوازم الآساد وخصائها، إذ ليس من شأنها تجريد الأبطال، ولا شك الفرسان بالرماح والنصال (٥) وإلى هذا ذهب السبكى (٦)، والتفتازانى (٧)، والزركشى (٨)، والسيوطى (٩).
وقد وردت الاستعارة المجردة فى كتاب الله العزيز فى عدة مواضع، منها قوله تعالى:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٠).
استعيرت الإذاقة لشدة الإحساس بالآلام واستعير اللباس لما أحاط بهم من عقاب الله تعالى.
وقوله :
«فأذاقها» تجريد، روعى فيه جانب المشبه، الذى هو «الإصابة» بآلام الجوع والخوف، والمشبه به فى الاستعارة الثانية (لباس) فكان يلائمه أن يقال: فألبسها ولكنه قال:
«فأذاقها» وهو لا يلائم «اللباس» وإنما يلائم «اللباس» أن يقال: فكساها الله لباس الجوع والخوف (١١).
стр. 534
وذكر ما يلائم المشبه- هنا- أبلغ من ذكر ما يلائم المشبه به؛ لأن المقام يقتضى التجريد دون الترشيح؛ لأن فى الإذاقة إشارة إلى شدة الإحساس بالألم لأنه شعور به من داخل الإنسان.
أما إحاطة اللباس فلا تعدو أن تكون مجرد إحساس من الخارج الملاصق لأجسامهم من خارجها. فالترشيح فى مقامه أبلغ من التجريد. والتجريد فى مقامه أبلغ من الترشيح فى البيان القرآنى المعجز ووجه أبلغية التجريد على الترشيح فى هذه الآية أن «لباس» أضيف إلى الْجُوعِ وَالْخَوْفِ- وهما آفتان تصيبان المبتلى بهما من الداخل.
فالإحساس بهما يشعر به المبتلى بهما من داخله لا من خارجه والإذاقة هى وسيلة القذف والازدراد إلى جوف الذائق.
فلا يفهم من قول البلاغيين «الترشيح أبلغ من التجريد» لما فيه من شدة تناسى التشبيه، أن فى القرآن تفاوتا بين أساليبه بحيث يكون بعضها أبلغ من بعض؛ لأن أساليب القرآن تأتى دائما وافية بما يقتضيه المقام فالقرآن كله على درجة واحدة من البلاغة والبيان.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 535
الاستعارة المطلقة
الإطلاق فى اللغة ترك التقييد (١).
والإطلاق فى اصطلاح البيانيين هو خلو الاستعارة مما يلائم المشبه به، فلا تكون مرشحة. وخلوها مما يلائم المشبه فلا تكون مجردة.
قال الخطيب: هى التى لم تقترن بصفة ولا تفريع كلام (٢).
ومن الإطلاق نوع آخر له شواهد فى الشعر العربى وهو ما كانت الاستعارة فيه مشتملة على ما يلائم المشبه به والمشبه معا، ومع هذا لا يسميها البلاغيون لا مرشحة ولا مجردة، ولا مرشحة مجردة، بل هى عندهم استعارة مطلقة، على اعتبار أن الترشيح والتجريد لما تقابلا فيها تساقطا واعتبرا كأنهما لا وجود لهما فى الكلام.
ومن أمثلتها عندهم قول زهير بن أبى سلمى:
لدى أسد شاكى السلاح مقذف ... له لبد، أظفاره لم تقلّم
استعار «أسد» للرجل الشجاع، وشاكى السلاح يلائم المشبه- الرجل الشجاع- فهو تجريد، أما «له لبد- أظفاره لم تقلم» فهما ترشيح لأنهما يلائمان المشبه به (الأسد).
فهذه استعارة مطلقة لا مرشحة ولا مجردة.
ولا مرشحة مجردة فى اعتبار واحد (٣).
وقد تابع البلاغيون ما قاله الخطيب، فكان ذلك عندهم إجماعا (٤).
فالاستعارة المطلقة عندهم نوعان:
الأول، وهو الأصل، الاستعارات التى لم يذكر فيها ما يلائم المشبه (المستعار له) ولا ما يلائم المشبه به (المستعار منه).
والثانى: الاستعارات التى ذكر فيها ما يلائم كلا من المستعار له، والمستعار منه.
والإطلاق فى النوع الأول حقيقى واقعى، أما فى النوع الثانى فهو تقديرى اعتبارى والاستعارة المطلقة، باعتبار النوع الأول الحقيقى الواقعى كثيرة الورود فى القرآن الكريم. ومن أمثلتها قوله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (٥).
استعار الصدع، وهو الشق فى نحو حائط وغيره للتبليغ، استعارة محسوس لمعقول، والجامع هو قوة التأثير فى كل منهما، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية المطلقة.
стр. 536
حيث لم تقترن الاستعارة فى الآية بما يلائم أى طرف من طرفى الاستعارة.
وقرينة الاستعارة هنا هى بِما تُؤْمَرُ لأن المعنى بلّغ ما أمرناك به تبليغا واضحا قويا يكون له تأثير فى القلوب كتأثير الصدع فى الأجسام ومنها كلمة، تَنَفَّسَ فى قوله تعالى:
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ.
لأن فى تَنَفَّسَ استعارة تصريحية تبعية مطلقة والأصل: إذا ظهر وانتشر.
فاستعير التنفس للظهور وسرعة الانتشار، استعارة محسوس لمحسوس، والقرينة هى إسناد التنفس إلى ضمير الصبح، لأن التنفس من خصائص الكائنات الحية ذوات الأرواح.
وقد خلت هذه الاستعارة من ذكر ما يلائم كلا من المستعار له (المشبه) والمستعار منه (المشبه به).
ومنها قوله تعالى:
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً لأن فى قوله تعالى: بِحَبْلِ اللَّهِ استعارة تصريحية أصلية مطلقة استعير الحبل لدين الله، استعارة محسوس لمعقول لأن الحبل اسم جنس جامد غير مشتق. والقرينة هى إضافة الحبل إلى الله (٦).
وفى استعارة المحسوس للمعقول إخراج المعنوى المدرك بالعقول، مخرج الحسى المدرك بالحواس الظاهرة اعتناء به، ومبالغة فى إظهاره.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 537
الاستعارة المكنيّة
مادة كنى يكنى تدور لغة حول الخفاء والغموض. والاستعارة المكنية- وتسمى الاستعارة بالكناية، والاستعارة المكنى عنها- هى قسمية الاستعارة التصريحية، التى يصرح فيها بذكر المشبه به، مع حذف المشبه؛ لأن الاستعارة- عموما- تشبيه حذف منه ثلاثة أركان.
وجه الشبه، ويسمى فى الاستعارة «الجامع» وأداة التشبيه، وهذان الحذفان لازمان فى كل استعارة ثم بعد حذفهما إما أن يحذف المشبه، ويذكر الشبه به فتكون الاستعارة تصريحية. وإما أن يحذف المشبه به، ويذكر المشبه فتكون الاستعارة مكنية.
ويشترط فيها أن يكون فى الكلام ما يدل دلالة قوية على المشبه به المحذوف؛ لأنه عمدة فى كل استعارة.
وكان الإمام عبد القاهر أول من لفت الأذهان إلى تقسيم الاستعارة باعتبار طرفيها إلى:
استعارة تصريحية.
استعارة مكنية.
ولكنه لم يسمهما بل اكتفى بإيراد الفروق بينهما مع التمثيل الوافى ببيان المراد من كل منهما (١).
وبهذا مهّد الإمام الطريق لمن جاء بعده فى تأصيل القول فى كل من الاستعارة التصريحية، والاستعارة المكنية فجاء من بعده السكاكى وقال فى تعريفها:
هى أن تذكر المشبه وتريد به المشبه به دالا على ذلك بنصب قرينة .. وهى أن تنسب إليه شيئا من لوازم المشبه به (٢).
وتابعه بدر الدين بن ابن مالك فقال:
«هى أن تذكر المشبه وتريد به المشبه به؛ وتدل بشيء من لوازمه- أى لوازم المشبه به- على المشبه» (٣).
يعنى تنسب إلى المشبه بعض خواص المشبه به، لتكون دليلا على المشبه به المحذوف.
ثم جاء الخطيب القزوينى، واستفاد من أقوال الذين سبقوه، ووضع تعريفا للاستعارة المكنية دار البلاغيون فى فلكه حتى الآن، قال ﵀:
стр. 538
«قد يضمر التشبيه فى النفس، فلا يصرح بشيء من أركانه سوى لفظ المشبه، ويدل عليه- أى على المشبه به- بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، من غير أن يكون هناك أمر ثابت حسا أو عقلا أجرى عليه اسم ذلك الأمر فيسمى التشبيه استعارة بالكناية، أو مكنيا عنها وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخييلية» (٤).
فالاستعارة المكنية إنما هى تشبيه حذف منه ثلاثة أركان: وجه الشبه، وأداة التشبيه، والمشبه به، مع إبقاء ما يدل عليه فى الكلام.
حيث يثبت للمشبه بعض لوازم المشبه به الخاصة به.
أما قرينة الاستعارة المكنية فهى لفظية دائما لأنها تكمن فى إثبات أحد خواص المشبه به للمشبه، وهذا ما سماه الخطيب والبلاغيون بالاستعارة التخييلية. وللاستعارة المكنية ورود كثير فى الشعر العربى القديم والوسيط والحديث، وكذلك فى القرآن الكريم، وهو الذى نقصر عليه حديثنا فى هذه المباحث.
ومنها فى القرآن الكريم قوله تعالى:
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ- وفى توجيهه بلاغيا يقول الإمام الزمخشرى:
«أن تجعل للذل جناحا خفيضا كما جعل لبيد للشمال يدا وللقرة زماما» (٥).
وهذا معناه أن فى التركيب استعارة مكنية كما فى بيت لبيد
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
فقد أجمع البيانيون أن فى بيت لبيد هذا استعارتين مكنيتين، إحداهما فى يد الشمال.
والثانية فى زمام القرة وهى الريح الباردة.
وفى الآية شبه الذل بطائر، تم حذف المشبه به وهو الطائر، وأثبت للمشبه (الذل) الجناح، وهو من لوازم المشبه به (الطائر) لا المشبه (الذل) وهذا الإثبات يؤدى مهمتين.
الأولى: الدلالة على المشبه به المحذوف.
الثانية: منع أن يكون المراد هو المعنى الحقيقى الوضعى لأن هذا الإثبات- كما تقدم- هو قرينة الاستعارة المكنية.
وبلاغة هذه الاستعارة هى إخراج المعنوى، وهو البر بالوالدين، فى صورة الحسى. اعتناء بشأنه، وإظهارا له ومنها قوله تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
شبه الغضب بذى عقل وإرادة وثورة، ثم حذف المشبه به (ذا الإرادة العاقل الثائر) ورمز إليه بشيء من لوازمه الخاصة به، وهو
стр. 539
السكوت. الذى نسب إلى «الغضب» على أنه فاعل له.
وهذا ما يسميه البلاغيون بالاستعارة التخييلية وهى قرينة المكنية.
وبلاغة هذه الاستعارة المبالغة فى تصوير حدة الغضب التى اعترت موسى ﵇، لما رجع من ميقات ربه، فوجد قومه (بنى إسرائيل) يعبدون العجل إلها من دون الله.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 540
الكناية
تدور مادة كنى فى اللغة حول معانى الخفاء والستر والتغطية وعدم التصريح (١).
أما فى اصطلاح البلاغيين فهى:
«لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه الأصلى» (٢).
وهذا كلام الخطيب فى الإيضاح مع تصرف يسير بالزيادة أضفناه بقصد التوضيح.
وقبل الخطيب تباينت عبارة أهل العلم فى تعريف الكناية تباينا واسعا.
والكناية من الأساليب البديلة، مثل المجاز، يعدل إليها عن اللفظ الأصلى لنكتة بلاغية، تجعل التعبير بها أولى أو أوجب من التعبير باللفظ الذى وضع فى أصل اللغة للدلالة عن المعنى.
والبلاغيون قسموا الكناية بحسب المعنى الذى تدل عليه ثلاثة أقسام:
* كناية عن موصوف لم يصرح به فى الكلام.
* كناية عن صفة لم يصرح بها فى الكلام.
* كناية عن نسبة بين أمرين غير مصرح بها فى الكلام. ومعنى قولهم فى تعريف الكناية:
«لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة المعنى الأصلى، يتضح من تحليل العبارة الآتية: فلان كثير الرماد».
كان العرب يخبرون بهذه العبارة عن الشخص الذى يريدون وصفه بكثرة الكرم والبذل والعطاء والعلاقة بين كثرة الكرم وكثرة الرماد، هى الانتقال من كثرة الرماد إلى كثرة إيقاد النار، ثم الانتقال من كثرة إيقاد النار إلى كثرة طهو الطعام وإنضاج اللحم، ومن هذا ينتقل إلى كثرة الآكلين (الضيوف) ومن كثرة الضيوف إلى كثرة الكرم، وهو المطلوب.
ولا يمتنع إرادة كثرة الرماد مع إرادة المعنى الكنائى، الذى هو المراد من الكناية أساسا، وإرادته ليست بلازمة فى الدلالة على الكرم، لأن الإنسان قد يكون كريما من غير كثرة الرماد كأن يجود بأشياء أخرى كالنقود وغيرها.
وسمى هذا التعبير كناية؛ لأنه لم يصرح فيه بلفظ الكرم بل أخفى هذا الوصف.
стр. 541
وسميت الكناية لازم معنى اللفظ المستعمل فيها لأنه يلزم من كثرة الطهو كثرة الكرم.
فلفظ الكناية أيا كان ملزوم، ومعناها لازم لا ينفك عنها.
والكناية تجمع- على الأرجح- بين الحقيقة والمجاز؛ لأن لفظ الكناية لم يرد منه معناه الموضوع له مباشرة فيكون حقيقة، ولم تمتنع إرادته مع إرادة المعنى الكنائى فيكون مجازا.
لذلك يقال: إن الكناية لها جانبان: حقيقة ومجاز وأن قرينة الكناية غير مانعة من إرادة المعنى الأصلى، وقرينة المجاز مانعة.
فالكناية على هذا ليست حقيقة خالصة، وليست مجازا خالصا. وهذا هو الحق، الذى لا يجوز أن يحاد عنه والكناية من الأساليب الكثيرة الشيوع فى الكلام البليغ، وبخاصة فى القرآن الكريم؛ فلا تكاد تخلو منها سورة؛ لأن لها مقامات تؤثر هى فيها عن غيرها.
وفى القرآن الكريم نجد حقلا من حقول التعبير آثر القرآن الكريم التعبير الكنائى فيه دون غيره.
فمثلا العلاقات الجنسية، سواء كانت بين الأزواج، أو غير الأزواج نجد القرآن يعدل عدولا تاما عن التصريح بها وإيثار الكناية فى كل حديث عنها؛ لأن من دواعى العدول إلى الكناية فى البلاغة بوجه عام مقامات محددة منها ما يستقبح أو يستهجن ذكره صراحة، فيعدل إلى التعبير الكنائى عنه ترفعا وأدبا.
فخذ إليك مثلا قوله تعالى:
وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ (٣).
هذا توجيه من الله لراغبى الزواج من النساء المتوفى عنهن أزواجهن والمطلقات. بألا يخطبوهن فى عدتهن حتى تنقضى مدة العدة.
وهنا يؤثر القرآن الكريم التعبير الكنائى عما يكون بين الأزواج فيسميه سِرًّا ولا يفصح عنه. وإنما سمّى ما يستهجن ذكره سرا، لأنه لا يقع إلا فى السر، والكناية هنا عن صفة وهى مباضعة النساء.
* وكذلك آثر التعبير الكنائى عنه فى قوله تعالى:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (٤).
فكنى عنه ب «الإتيان» وهو يطلق على عدة
стр. 542
معان أخرى غير ما يكون بين الزوج وزوجته.
والكناية هنا عن موصوف هو مباضعة النساء، أو النكاح وقد جاء التعبير عنه ب «النكاح» عشرات المرات فى القرآن الكريم، والنكاح معناه أعم من مباضعة النساء فى أصل اللغة؛ لأن معناه العام هو: الضم وهو معنى عفيف لا ابتذال فيه ولا استقباح.
وقد يستعمل «النكاح» كناية عن مجرد «عقد الزواج» وإن لم يصاحبه دخول بالمعقود عليها. ومن ذلك قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ (٥).
وإطلاق النكاح على مجرد العقد نادر وروده فى القرآن الكريم.
أما وروده بمعنى مباضعة النساء فكثير كثير، ومنه قوله تعالى:
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (٦).
المراد من النكاح فى الآية هو «الوطء الفعلى» وليس مجرد العقد عليها، وهذا موضع إجماع بين الفقهاء إلا من لا يعتد بقوله.
كما كنى القرآن عن مباضعة النساء بالمس والملامسة وهما لفظان لا ابتذال فيهما ولا فحش ولا إثارة ومثال «المس» آية الأحزاب المذكورة آنفا، وهى:
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ
أما الملامسة فمثالها قوله تعالى:
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (٧)
كما كنى عن المباضعة بالتغشية فى قوله تعالى:
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً .. (٨)
والتغشى لفظ عفيف مهذب، وقد أدى معناه الكنائى هنا دون أن يخدش حياء، أو يثير غريزة ومما شاع استعماله فى كنايات القرآن عن العلاقات الزوجية لفظ «المباشرة» مكنيا به عن اتصال الزوج بزوجته. قال :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
стр. 543
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ (٩).
والواقع أن الآية الكريمة تضمنت عدة كنايات عن علاقات الأزواج بزوجاتهم.
وأول ما يفجؤنا فيها كناية «اللباس» هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ وهى كناية لطيفة تشع منها معان آسرة.
فمن معانى اللباس الستر والتجمل، والزوجة تعف زوجها وتغنيه عن الحرام، وهو يعفها ويغنيها عن التطلع إلى الحرام، وكل منهما يجمّل الآخر ويصونه ثم التعبير الكنائى بالمباشرة، ومن معانيها الملامسة والمماسة، والضم والمكاشفة والملاصقة. وكلها معان لا إسفاف فيها ولا ابتذال.
أما «الرفث» فهو كناية عن مقدمات الوطء، ومنها الكلام أيا كان ابتذاله ومجونه، لكن التعبير الكنائى عنه بالرفث فيه ستر وإخفاء لحقيقة ما يقال فى مخادع الأزواج.
إنه لفظ كنائى مهذب، يصور الواقع من وراء ستار، مخفيا قبحه وعوره.
ويكنى عنها كذلك ب «قضاء الوطر» وشاهد هذا قوله :
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً (١٠)
عبارة مهذبة شريفة، لا يحس السامع منها أى انفعال غريزى مخرج له عن مشاعره الهادئة الرزينة. ومن كنايات القرآن الكريم عن المعانى الشديدة الحساسية بالعلاقات الغرزية بين الذكور والإناث التعبير عنها بالإفضاء فى قوله تعالى:
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١١).
إن لفظ «الإفضاء» تعبير مهذب راق عن العلاقات السرية وغير السرية، التى تكون فى حياة الأزواج.
ومن ذلك الكناية عنها بالقرب، كما جاء ذلك فى قوله تعالى:
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (١٢) وفى هذه الكناية اتساع فى المعانى المرادة، يشمل حتى مقدمات الجماع فى أثناء حيض الزوجة، حتى لا تقود تلك المقدمات إلى الوقوع فى المحظور، لأن قرب الحائض يكون سببا قويا فى الإصابة بالأمراض، وخاصة الجلدية لذلك كان النهى عن «القربان» لأن فيه تحوطا شديدا عن الوقوع فى المحظور.
стр. 544
والكنايات التى تقدم الحديث عنها، كلها كنايات عما يقع فى دائرة الحلال بين الأزواج والزوجات، ومنها كنايات عن صفة، إلا الرفث فإنه كناية عن موصوف، هو الكلام الفاحش.
وأما ما يقع فى دائرة الحرام، فقد كنى عنه القرآن الكريم بالزنى، وإتيان الفاحشة، تنفيرا عنه، وتزهيدا فيه بعيدا عن الإسفاف والتبذل فى الألفاظ المكشوفة الفاضحة.
ومما يلفت النظر التعبير عن الزنى ب «السفاح» ومن شواهده قوله تعالى:
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ (١٣)
وأصل السفح هو تدفق الدم المملوء بالسموم، الذى يندفع من الشاه بعد ذبحها.
وفى تكنية القرآن الكريم عن «الزنى» بالسفاح كناية لطيفة أخرى متولدة عن الكناية الأولى، شبه فيها ماء الرجل الذى يصب فى رحم الزانية بالدم المسفوح المملوء بالسموم القاتلة. لأن الدم المسفوح يضر بصحة البدن وحده، لذلك حرّمه الله على الآكلين. أما ماء الزناة فهو قاتل لشرف النسل وأخلاق الفضل والعفة والطهارة فتأمل هذه المعانى السامية، التى تشع من كنايات كتاب الله العزيز، لتدرك لماذا يعدل القرآن عن التصريح إلى الكناية التى هى الصفة الشائعة فى القرآن الكريم. ومنها فى غير العلاقات الزوجية، قوله تعالى فى الحديث عن عيسى ﵇ وأمه رضى الله عنها:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
إنها كناية مهذبة طاهرة، عدل القرآن الكريم إليها عن: كانا يتغوطان ويتبولان. حيث كنى بأكل الطعام، وهو طاهر نظيف طيب، عن التغوط والتبول، وهما يثيران التقزز والاشمئزاز فى النفوس، فضلا عن خبثهما ونجاستهما.
ولو جاء التعبير بالتغوط والتبول لكان فى ذلك إيحاء بكشف عوراتهما أمام عيون الخيال البشرى، والقرآن يستر العورات فى الواقع، وفى التعبير.
وقد يقول قائل: إن التعبير بالتغوط جاء صريحا فى القرآن فى مواضع أخرى، مثل:
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ (١٤) فلماذا عدل الله عنه فى الحديث عن عيسى ﵇، وأمه رضى الله عنها؟ ونقول: ما ورد فى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ لا حرج فيه، لأنه لم يأت وصفا لإنسان معين، بل هو حديث عام يشمل جميع المكلفين.
أما فى الحديث عن عيسى وأمه، فهو حديث خاص عنهما فى المقام الأول. من أجل ذلك روعى معهما تحشمهما ووقارهما.
стр. 545
إضافة إلى أن الغائط نفسه كناية فى نفسه، لأنه عبارة عن المكان الذى تقضى فيه الحاجة، ولكنه إذا ما قيس بهذه الكناية كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كان كالتصريح بالنسبة لها. ومن الكناية عن الموصوف فى القرآن الكريم قوله تعالى:
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٥)
كناية عن سفينة نوح ﵇، وهى أبلغ مما لو قيل: حملنا على سفينة. لأن المقام مقام تمجيد لقدرة الله، وامتنان على نوح ﵇ وفى ذكر عناصر تركيب السفينة وهما الخشب والمسامير، تذكير بعظمة وقدرة الله، وجلال النعمة على نوح ومن آمن معه.
هذا، والكناية- عموما- أبلغ من التصريح، لأنها تقرن الدعوى بدليلها المصدق لها. فقوله تعالى فى عيسى وأمه «كانا يأكلان الطعام» أبلغ مما لو قيل: كانا مخلوقين .. لأن هذا القول يخلو من الدليل المادى المصاحب للدعوى أما «كانا يأكلان الطعام» فهو دليل صدق الدعوى.
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
المصادر والمراجع:
стр. 546
البديع
البديع فى اللغة، هو الجديد والطريف والمخترع (١) أما فى اصطلاح البلاغيين.
فهو: علم يعرف به وجوه تحسين الكلام (٢).
وهو العلم الثالث من علوم البلاغة: المعانى والبيان ثم البديع. ومنزلته بين علوم البلاغة أن علمى المعانى والبيان علمان أساسيان فى بلاغة الكلام. ويأتى البديع يزيد الكلام البليغ حسنا راجعا إلى المعانى أولا، ثم إلى الألفاظ ثانيا. أو حسنا راجعا إلى الألفاظ أولا ثم إلى المعانى ثانيا.
وعلى هذا الاعتبار قسموا البديع قسمين:
أحدهما البديع المعنوى كالطباق والمقابلة ومراعاة النظير، والثانى: لفظى كالجناس والسجع (٣).
وقد وضعوا لقبوله فى الكلام شروطا منها:
* عدم الإكثار منه، وترك الإسراف فيه.
* ألا يكون متكلفا بل يقبل منه ما جرى على الطبع وعلى أساس هذا نقدوا كثيرا من الشعراء لإسرافهم فى الألوان البديعية، وتكلفهم بعض صوره فى شعرهم وقالوا إن المسرف فيه يكون عرضة للذم وكثرة الخطأ.
أما بديع القرآن فسوف نتناول أطرافا منه من خلال بعض آيات القرآن الكريم لنثبت بالأدلة القاطعة إنه كثير جدا فى القرآن الكريم، ومع هذه الكثرة لا نقول إنه سلم من كل عيب فحسب، بل هو سمة من سمات الإعجاز فى كتاب الله العزيز. وهذا هو الفرق بين كلام الله وكلام البشر.
نعرض فى هذا المبحث نصوصا من القرآن الكريم، محاولين توضيح ما فيها مما أطلقوا عليه «بديعا» سواء دخل عندهم فى المعنوى، أو اللفظى، ولنبدأ بقوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٤).
стр. 547
جاءت فى هاتين الآيتين ضروب عدة من البديع نذكرها فيما يلى:
(أ) المشاكلة: وذلك فى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما وهى مشاكلة من النوع الثانى الذى ذكروه فى قولهم: «المشاكلة هى ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته تحقيقا أو تقديرا» (٥).
فهى مشاكلة تقديرية. وذلك بناء على ما ذكره المفسرون. فالزمخشرى يقول «ويجوز أن تقع هذه العبارة فى كلام الكفرة. فقالوا: أما يستحى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب- إشارة إلى قوله تعالى: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً (٦) فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال- وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبى تمام:
من مبلغ أبناء يعرب كلها ... أنى بنيت الجار قبل المنزل
ويلاحظ أن اللفظ «المشاكل» هنا مجازى المعنى حقيقته الترك. فمعنى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أى لا يترك الضرب بالبعوضة ترك من يستحى أن يمثل بها لحقارتها ...
لأن الحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوف ما يعاب به أو يذم (٧) وهو بهذا المعنى مستحيل فى جانب الله.
إذن فقد اجتمع هنا لونان بديعيان:
المشاكلة .. وقد تقدم شرحها.
(ب) والمماثلة أو التمثيل .. وقد سبق أنهم يعتبرونه لونا بديعا. وسبق كذلك أنه عندهم يطلق على عدة أمور: الاستعارة المفردة، الاستعارة التمثيلية، المثل السائر.
(ج) الإبهام: وذلك بناء على ما ذكره المفسرون- كذلك- من أن «ما» فى قوله تعالى: ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها أن «ما» الأولى إبهامية، وهى التى إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شيوعا وعموما (٨) وكون «ما» إبهامية مشروط بنصب «بعوضة» - كما هى القراءة المشهورة- وإن رفعت «بعوضة» فإن «ما» تصبح موصولة.
(د) التوجيه: وذلك فى قوله تعالى: فَما فَوْقَها فإن الفوقية هنا لها معنيان، أحدهما: فما تجاوزها فى المعنى الذى ضربت فيه وهو القلة والحقارة.
وثانيهما: فما زاد عليها فى الحجم.
ولما كان أحد هذين المعنيين لم تنصب قرينة على إرادته بعينه، وبقى الفهم والاعتقاد شركة بينهما حصل النوع البديعى الذى يسمونه «التوجيه»؛ وهو أن يكون للفظ معنيان لم تقم قرينة على إرادة أحدهما. والمتأمل يرى أن كلا المعنيين هنا صالح للفهم والاعتقاد.
стр. 548
(هـ) حسن التقسيم: حيث قسم الناس بالنسبة لضرب الأمثال بالبعوضة وما زاد عليها فى الحقارة أو ما زاد فى الحجم إلى فريقين: فريق مؤمن مصدق، وآخر كافر مكذب.
(و) المقابلة: حيث طابق بين «آمنوا» و «كفروا» و «يضل» و «يهدى»، وقد جمعت المقابلة هنا التكافؤ حسبما يرى ابن أبى الأصبع لأن «يهدى» و «يضل» مجازيان.
(ز) التعطف: وذلك فى ثلاثة مواضع «مثلا» و «مثلا»، «يضل» و «يضل»، «كثيرا» و «كثيرا».
(ح) البيان بعد الإبهام: وذلك أنه سبحانه قال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فبين أن فريقا يضل به وآخر يهدى، ولم يبين من المهدى ومن المضل، ثم عاد فقال: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ليعلم من هو الفريق المضل وفى هذا البيان معنى الاحتراس.
(ط) صحة التفسير: حيث فسر «الفاسقين» فى قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ بقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
(ى) النزاهة: وذلك لأنه سبحانه حين أراد ذمهم لم يستعمل فيه هجين اللفظ، ولا قبيح المعانى، بل سجل عليهم نقضهم ميثاق الله، وترك ما أمر الله بفعله وفسادهم فى الأرض، وأخبر عنهم بأنهم هم الخاسرون لا غيرهم.
(ك) التكافؤ: وهو- كما عرفه ابن أبى الأصبع- أن يكون ركنا الطباق مجازين لا حقيقيين، وأن تكون أركان المقابلة مجازية كذلك. والتكافؤ بهذا المعنى وارد فى الآية
الثانية: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، حيث قابل بين النقض والتوثقة، والقطع والوصل، وهذه كلها أركان مجازية، فالنقض لا يكون إلا فى المركبات الحسية، وكذلك التوثقة، والقطع لا يكون إلا فى المتماسك الحسى، وقد استعمل هنا مرادا به الترك، والوصل صنو القطع، واستعمل هنا فى أمر معنوى هو: الإتيان والفعل.
(ل) الترشيح: وذلك أنه قال: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ هو الذى رشح لإيقاع النقض على العهد، وهو لا يكون إلا فى المركب الحسى و «العهد» معنى من المعانى، فالذى رشح له أنهم يسمون العهد «حبلا» على سبيل الاستعارة. قال الزمخشرى: «فإن قلت من أين ساغ استعمال النقض فى إبطال العهد؟
قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على
стр. 549
سبيل الاستعارة لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين» (٩).
(م) التسجيع: وهذا ظاهر من فاصلتى الآيتين: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فاتحدت الفاصلتان فى حرف النون مسبوقا بحرف مد فى الموضعين.
(ن) التذييل: وذلك فى قوله تعالى:
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فإنه تذييل جاء مؤكدا لما فهم من أوصاف الفاسقين.
(س) حسن النسق: حيث جاءت الجمل مرتبة ترتيبا حسنا خالية من عيوب النظم.
فقد بدأ- سبحانه- بأن له مطلق الإرادة يمثل بما شاء لما شاء. والناس إزاء هذا التمثيل ضربان: مؤمن مصدق، وكافر مستريب، وفى هذا يضل الله من يشاء وهم كثيرون، ويهدى من يشاء وهم كثيرون، ثم بين أنه لا يضل إلا الفاسقين، ثم شرع فى بيان صفات الفاسقين فبدأ بنقضهم عهد الله، وتركهم ما أمر الله به أن يؤتى، ثم عطف عليه كونهم مفسدين فى الأرض. ثم أخبر عنهم بأنهم الخاسرون.
والمتأمل يرى أن كل جزء تقدم على آخر فإنه كالسبب فيه أو أخص منه وما أتى بعده عام. أو حكم تقدمت مسبباته. فجاء التعبير محكم البناء، موصول العرى، متلاحم الفقرات.
(ع) الانسجام: وقد عرفه ابن أبى الأصبع: بأن يكون الكلام منحدرا كانحدار الماء المنسجم بسهولة سبك وعذوبة ألفاظ وسلامة تأليف، حتى يكون للكلام موقع فى النفوس وتأثير فى القلوب ما ليس لغيره وإن خلا من البديع (١٠).
وهذا الانسجام ينطبق على آيتينا هاتين بل ينطبق على كل موضع فى القرآن الكريم فهو وصف عام له، لم يختص به موضع دون آخر.
(ف) المجاز: هكذا عدوا المجاز من فنون البديع، وهو فى آيتنا ظاهر فى بعض مواضعها كالنقض فى الإبطال، والتوثق فى الحفاظ على عهد الله، والقطع فى الترك والوصل فى الفعل، ومن قبل هذا كان الاستحياء فى الترك أيضا.
(ص) الإدماج: وهو كما عرفه ابن أبى الأصبع (١١): أن يدمج غرض فى غرض أو بديع فى بديع بحيث لا يظهر إلا أحد الغرضين: وهذا قد مر بنا فى موضعين من النص الكريم:
أحدهما: دمج التكافؤ فى المقابلة فى قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ
стр. 550
مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً فإن «يضل» و «يهدى» مجازيان- كما سبق- وهذا تكافؤ مدمج فى المقابلة.
وثانيهما: دمج التكافؤ فى المقابلة- كذلك- فى قوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ على ما سبق بيانه.
(ق) التفصيل: وهو الواقع بعد «أما»، و «أما» فى قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ولا يقف بنا الأمر عند هذا الحد، فإن لنا أن نصف النص بما يأتى:
(ر) ائتلاف اللفظ مع المعنى: لأن كل لفظ فيه قد ائتلف مع معناه. فهما مقدران بقدر، وموضوعان بحكمة، وهذا اللون- وإن مثلوا له ببعض آيات القرآن- فإنه وصف عام ليس فى موطن دون موطن بل القرآن كله موصوف بائتلاف ألفاظه مع معانيه.
(ش) حسن الجوار: وهذا مثل سابقه:
وصف عام للقرآن حيث لم تقع فيه لفظة واحدة متنافرة مع سابق عليها أو لاحق لها، وهو ينطبق على آيتينا باعتبارهما جزءا من التنزيل الحكيم.
فهذه أكثر من عشرين لونا بحثوها فى ألوان البديع، وقد جاءت فى القرآن على أحسن موقع وأجمل مطلع.
وهل ترى فى هذا النص- وقد علمنا ما فيه من ألوان البديع- قصورا فى معناه الذى سيق من أجله؟ أم اقتسارا للفظ على المعنى؟
ليس فى النص شىء من هذا. بل هو واف بالمراد فى وضوح وقوة، وهذا هو الفارق بين كلام معجز، وكلام هو عرضة للخطأ والمغالاة.
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
(هود: ٤٤)
هذه الآية الكريمة تصور لنا فى إيجاز نهاية قصة الطوفان فى عهد نوح ﵇، وقد اشتملت على الألوان البديعية الآتية:
(أ) المناسبة اللفظية التامة، بين «أقلعى» و «ابلعى». فقد جمع بين اللفظين وهما هنا موزونان مقفيان بزنة وقافية واحدة وهذا هو معنى المناسبة التامة.
(ب) المطابقة: بين «السماء» و «الأرض» فى قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وقد مر تعريف المطابقة فلا حاجة إلى ذكره.
стр. 551
(ج) الاستعارة: فى قوله تعالى: «أقلعى» و «ابلعى».
(د) المجاز المرسل: فى قوله تعالى: «يا سماء» والحقيقة: يا مطر السماء والعلاقة:
المجاورة.
(هـ) الإشارة: وهى أن يدل اللفظ القليل على المعنى الكثير بحيث يكون اللفظ لمحة دالة. وذلك فى قوله تعالى: «وغيض الماء» لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء، فدل هذا التركيب القليل: «وغيض الماء» على أن كل ذلك قد حدث.
(و) الإرداف: فى قوله تعالى: «واستوت على الجودى» وقد مر بحث هذه العبارة.
(ز) التمثيل: وقد مر تعريفه والتمثيل له بهذه العبارة: «وقضى الأمر».
(ح) التعليل: لأن «غيض الماء» علة الاستواء.
(ط) صحة التقسيم: حيث استوعب- سبحانه- حالة الماء حين نقصه.
(ى) الاحتراس: من توهم متوهم أن الماء قد عم من لا يستحق الهلاك وقد تحقق «الاحتراس» بالدعاء على الهالكين.
(ك) الانفصال: لأن لقائل أن يقول: إن لفظة «القوم» يستغنى عنها المعنى إذ لو قيل:
«وقيل بعدا للظالمين» لتم الكلام.
(ل) المساواة: لأن لفظ الآية لا يزيد على معناه ولا ينقص عنه، وستأتى مخالفة هذا الوجه.
(م) حسن النسق: فى عطف القضايا بعضها على بعض حسبما وقعت: الأول فالأول.
(ن) ائتلاف اللفظ مع المعنى: لكون كل لفظة لا يصلح غيرها مكانها، وقد مر تعريفه.
(س) الإيجاز: لأن الله اقتص قصة السفينة بلفظها مستوعبة فى أخصر عبارة بألفاظ غير مطولة.
(ع) التسهيم: لأن أول الآية إلى قوله تعالى: «أقلعى» يقتضى آخرها، والتسهيم أن يكون فى أول الكلام ما يدل على آخره لأنه يقتضيه.
(ف) التهذيب: لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، كل لفظة سهلة مخارج الحروف، عليها رونق الفصاحة.
(ص) حسن البيان: لأن السامع لا يتوقف فى فهم معنى هذا الكلام لوضوحه، وصفائه.
(ق) التمكين: لأن الفاصلة مستقرة فى
стр. 552
قرارها. مطمئنة فى مكانها غير قلقة ولا مستكرهة.
(ر) الانسجام: وهو تحدر الكلام بسهولة وعذوبة سبك.
(ش) الإبداع: وهو فى مجموع الآية.
هذا خلاصة ما ذكره ابن أبى الأصبع فى بديع هذه الآية. ولنا عليها ملاحظة مهمة.
ذلك أنه وصف الآية بالمساواة وجعل المساواة فنا من فنون البديع كما جعل الاستعارة كذلك. ثم عاد ووصف الآية بالإيجاز، والإيجاز والمساواة ضدان لا يجتمعان، فإما أن يكون الكلام مساويا أو غير مساو بأن يكون موجزا أو مطنبا، أما أن يوصف كلام واحد بعينه بأنه مساو، وموجز مرة أخرى فهذا شىء غير مفهوم على الإطلاق، ونحن- إذا جاريناه على أن الإيجاز من فنون البديع- فإن الآية موصوفة به لا بالمساواة إذ هى قد اشتملت على نوعى الإيجاز:
ففيها إيجاز الحذف. ويكفى فى تصور ذلك أن فى الآية قد بنى الفعل للمفعول فى عدة مواضع: «قيل يا أرض» و «غيض» و «قضى الأمر» و «قيل بعدا».
كما طوى ذكر السفينة وأضمر فاعل الفعل «استوت»، وحذف معمول «أقلعى» ... وهذا موسوم بإيجاز الحذف.
وفيها إيجاز قصر .. لأن بعض ألفاظها قد حوى كثيرا من المعانى مثل: «غيض الماء» و «قضى الأمر».
وبهذا يظهر خلط ابن أبى الأصبع فى عد الآية من باب المساواة مرة والإيجاز مرة أخرى.
وكيف ساغ له ذلك وهو البلاغى الضليع والناقد الأديب؟ لا أرى سببا وراء ذلك إلا ولوعه بألوان البديع وكثرة محصوله منها.
قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ. (يوسف الآيتان ٢٦ - ٢٧).
المعنى الإجمالى لهاتين الآيتين:
تكذيب يوسف ﵇ لدعوى امرأة العزيز، ثم تأييده فيما قال بشهادة شاهد من أهلها لفت نظر العزيز إلى قرائن الأحوال التى منها: علم العزيز صدق يوسف ﵇ وكذب امرأته على يوسف.
والناظر فيهما لا يجد تكلفا فى العبارات.
ولا نقصا فى المعنى، ومع هذا فقد جاءت فيها فنون شتى من البديع لم تخرج عن سمات البلاغة الأصلية، والبيان الآسر.
وتلك الفنون هى:
стр. 553
١ - المناقضة: وهى- هنا- مناقضة المتكلم غيره فى معنى. فقد ادعت امرأة العزيز أن يوسف ﵇ راودها عن نفسها.
فنقض هذا المعنى فى قوله: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي.
٢ - الكناية: فى قوله أيضا: راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وحقيقته: طلبت منى الفحشاء.
والمراودة: أن تنازع غيرك فى الإرادة فتريد غير ما يريد (١٢)، فقد كان يوسف ﵇ عزوفا عنها فأرادت أن تثنيه عن رأيه لتحقق مقصودها.
٣ - النزاهة: لأن فى قوله: راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي بعدا عن الألفاظ المعيبة. وفيها كذلك الاعتدال فى الاتهام ويبدو هذا جليا إذا ما قورنت هذه العبارة بعبارة امرأة العزيز:
ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٣) فهى تدل على نفس حاقدة كائدة مغيظة إذ لم تكتف بمجرد الاتهام، بل بالغت فيه مقترحة الجزاء: إما السجن، وإما العذاب الأليم.
٤ - جناس الاشتقاق: وذلك فى قوله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ لأنهما يرجعان فى اللفظ إلى أصل واحد.
٥ - الاستقصاء: وهو فى قوله تعالى:
مِنْ أَهْلِها وصفا للشاهد، وفى هذا مدخل عظيم الأثر فى براءة يوسف ﵇، وإدانة امرأة العزيز.
٦ - حسن البيان: لأن المعنى فى هاتين الآيتين واضح لا يعوق عنه فهم ولا يغرب عن طالب.
٧ - حسن التفسير: لأن قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ، والآية التى بعدها- كل هذا تفسير للشهادة التى أشارت إليها العبارة السابقة.
٨ - حسن التقسيم: حيث قسم قرائن الواقعة قسمين باعتبار ما حدث من قدّ القميص.
٩ - المزاوجة: حيث زاوج بين الشرط والجزاء، فقدّ القميص من القبل يترتب عليه صدقها وكذبه. وقده من الدبر يترتب عليه كذبها وصدقه.
١٠ - الإيهام: حيث ساوى بين امرأة العزيز ويوسف ﵇ فى احتمال دعوى كل منهما فى الصدق والكذب، والقرائن التى أشار إليها الشاهد تخص دعواها بالكذب. وتثبت الصدق ليوسف ﵇.
١١ - المقابلة: حيث طابق بين القبل والدبر، والصدق والكذب.
١٢ - العكس والتبديل: حيث قدم الصدق مرة وأخّره مرة أخرى، وقدم الكذب تارة وأخره تارة أخرى.
стр. 554
١٣ - التمكين: لأن الفاصلة فى الموضعين قارة فى مكانها لا نافرة ولا قلقة.
١٤ - التسهيم: لأن قوله فى الآية الأولى:
إِنْ كانَ قَمِيصُهُ إلى: فَكَذَبَتْ يدل على الفاصلة وكذلك القول فى الآية الثانية.
١٥ - التسجيع: لأن الفاصلتين فى الموضعين متماثلتان: «الكاذبين»، «الصادقين».
١٦ - لزوم ما لا يلزم: حيث التزم فى الفاصلة الياء المكسور ما قبلها وذلك نلحظه فى الموضعين.
١٧ - الإيجاز: ففي الآيتين لوحظ حذف بعض الكلمات منها: «قال» قبل: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها وحذف الفاعل فى «قد» فى الموضعين. وكان فى هذا الحذف من الفخامة والروعة ما فيه.
١٨ - حسن النسق: حيث رتبت الأجزاء ترتيبا حسنا فبدأ بتكذيب يوسف لدعوى امرأة العزيز ثم ذكر شهادة الشاهد الذى أيده. ثم تفصيل تلك الشهادة وما يترتب عليها فى عرض حسن ونسق جميل.
١٩ - الانسجام: وذلك من جزالة الألفاظ، وجودة السبك والترتيب المنطقى لأجزاء القضية.
٢٠ - الافتنان: وقد عرفه ابن أبى الأصبع بأن يأتى المتكلم فى كلامه بفنين إما متضادين أو مختلفين، وقد جاء ذلك ظاهرا فى الجمع بين البراءة والإدانة، ثم الإدانة والبراءة فى قوله تعالى حكاية عن شاهد واقعة امرأة العزيز: وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
وقد خطّأ نصيب الشاعر الكميت فى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب
قال نصيب للكميت: أين الأنس من الشنب، ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء فى شفتيها حوّة لعس ... وفى اللثات وفى أنيابها شنب (١٤)
فإن الشنب يذكر مع اللمس، والأنس يذكر مع الغنج. وبمثل هذا عاب ابن الأثير قول أبى نواس يصف الديك:
له اعتدال وانتصاب قد ... وجلده يشبه وشى البرد
كأنها الهداب فى الفرند ... محدوب الظهر كريم الجد
стр. 555
لأنه ذكر الظهر وقرنه بالجد، وهذا لا يناسب هذا، لأن الظهر من جهة الخلق والجد من جهة النسب (١٥).
وكذلك خطأه فى قوله:
وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب
برب زمزم والحوض ... والصفا والمحصب
لأن ذكر الحوض مع الصفا والمحصب غير مناسب. وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان.
وأما التكرار فى القرآن فعذب وراق.
كقوله تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (١٦).
وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧).
وقوله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٨).
وهو على تقاربه تجد له قوة وجزالة وأغراضه: إما المدح، وإما التهويل وإما للاستبعاد كما فى قوله تعالى: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (١٩) ... إلى غير ذلك من الأغراض.
وهذا التكرار لا يخرج عندهم عما سموه الترديد أو التعطف. أو الجناس والمشاكلة ..
وقد جاء فى الشعر وغيره من كلام الناس فلم يسلم من العيب إلا فيما قل.
فمما عيب قول أبى الطيب:
فقلقلت بالسهم الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل
غثاثة عيش أن تغث كرامتى ... وليس بغث أن تغث المآكل
قال ابن سنان معلقا عليهما: «فقد اتفق له أن كرر فى البيت الأول لفظة مكررة الحروف فجمع القبح بأسره فى صيغة اللفظة نفسها، ثم فى إعادتها وتكرارها، وأتبع ذلك بغثاثة فى البيت الثانى وتكرار «تغث» فلست تجد ما يزيد على هذين البيتين فى القبح» (٢٠).
وقال أبو تمام:
قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
وقد أخطأ أبو تمام فى ذكر «القبول» مع «الصبا»، لأن الصبا هى القبول لذلك عده النقاد غير مفيد.
ففي الآية الأولى جمع بين براءة امرأة العزيز- فرضا- وإدانة يوسف ﵇، وفى الآية الثانية جمع بين إدانتها- حقيقة- وبراءة يوسف ﵇.
وإلى هنا فإننا تناولنا ثلاثة نصوص من القرآن الكريم. وقد أبنّا على طريقتهم ما يحتمله النص من وجوه البديع، وهذه النصوص فى جملتها تتكون من خمس آيات:
стр. 556
وكان جملة ما ظهر لنا من فنون البديع فيها- بعد حذف المكرر- واحدا وأربعين فنا.
وهى:
١ - التمثيل ٢ - المشاكلة ٣ - الإبهام ٤ - التوجيه ٥ - حسن التقسيم ٦ - المقابلة ٧ - التعطف ٨ - البيان بعد الإبهام ٩ - صحة التفسير ١٠ - النزاهة ١١ - التكافؤ ١٢ - الترشيح ١٣ - التسجيع ١٤ - التذييل ١٥ - حسن النسق ١٦ - الانسجام ١٧ - المجاز ١٨ - الإدماج ١٩ - التفصيل ٢٠ - ائتلاف اللفظ مع المعنى ٢١ - حسن الجوار ٢٢ - الإشارة ٢٣ - الإرداف ٢٤ - التعليل ٢٥ - الاحتراس ٢٦ - الانفصال ٢٧ - المساواة ٢٨ - التسهيم ٢٩ - التهذيب ٣٠ - التمكن ٣١ - الإبداع ٣٢ - المناقصة ٣٣ - الكناية ٣٤ - الجناس اللفظى ٣٥ - الاستقصاء ٣٦ - المزاوجة ٣٧ - الإبهام ٣٨ - العكس والتبديل ٣٩ - لزوم ما لا يلزم ٤٠ - الإيجاز ٤١ - الافتنان.
* نتائج مهمة:
والباحث فى بديع القرآن مع إطلاق القول به حتى يشمل ما هو من المعانى والبيان يخرج بعدة نتائج:
أولا: أن العلماء قد اشترطوا لقبول البديع وحسنه وبلاغته شروطا منها: ألا يكون متكلفا ولا مسرفا فيه صاحبه، وأن يرسل مع الطبع والسجية ولا يكون على حساب المعنى.
وبديع القرآن قد تحقق فيه عدم التكلف وكونه لا على حساب المعنى.
أما الشرط الثانى- وهو عدم الإكثار- فلم يتحقق ذلك إذ إن نصوص القرآن قد اشتملت على كثير من ألوان البديع، وقد رأينا أن آية واحدة قد استخرج منها العلماء أكثر
من عشرين فنا من فنون البديع، ولم تزد كلماتها على سبع عشرة كلمة، بل إن ابن أبى الأصبع قد استخرج من حرف واحد وهو «ثم» - فى قوله تعالى: ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (٢١) - استخرج من هذا الحرف وحده ثمانية فنون بديعية. (٢٢)
ومع هذه الكثرة فى بديع القرآن لم تجد له إلا بلاغة وحسنا، ولم يؤثر عن أحد من العلماء والنقاد التقليل من قيمة البديع فى القرآن، وما رأيناهم قد استحسنوا فيما سواه ما كثر منه فى القصيدة أو البيت لأن التاريخ والنقد الأدبيين لم يجدا مكثرا من البديع أو مسرفا فيه إلا كان خطؤه أكثر من صوابه وإجادته أقل من رداءته.
ولم يكن الإقلال منه عاصما من التكلف فيه حتى يكون مع الإكثار عذر لذلك التكلف.
فقد أخطأ المقلون كما أخطأ المكثرون.
فمثلا .. قد ورد فى القرآن الكريم أسلوب مراعاة النظير فملح وحسن، كقوله تعالى:
стр. 557
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٢٣).
وتناول الشعراء هذا الأسلوب فأصابوا وأخطئوا.
وجاءت المبالغة فى القرآن قوية جزلة لا تنبو عن ذوق ولا ينكرها عقل. مثل قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ (٢٤).
ففي هذه الآية مبالغة مقبولة غير منكرة ولا نافرة تصف أثر الخوف وهذا يصوره زوغ الأبصار لشدة الاضطراب وهذا أمر واقع، عطف عليه أمر قريب من الواقع هو بلوغ القلوب الحناجر فإن القلب حين يضطرب تظهر آثار اضطرابه فى تهدج الصوت واضطرابه، والصوت يكون مسموعا بعد مروره بالحنجرة، فلذلك ساغ هذا التعبير وقوى به المعنى وحسن.
ومثل قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (٢٥). مبالغة فى صفاء الزيت.
وقوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (٢٦) .. مبالغة فى تصوير الظلمة المحيطة به.
وجاءت هذه المبالغة على ألسنة الشعراء فأصابوا وأبعدوا فى الخطأ.
قال الأعشى:
فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر السارى لألقى المقالد
فقد غالى فى تصوير المعنى فعلق تبذل الشمس على مجالسته لها، وكذلك تخلى القمر السارى عن المقالد مرهون بتلك المجالسة، وهذه مبالغة موصوفة بالغلو. ولم يخل كلامه من التكلف؛ فقد أثبت للشمس قناعا وللقمر مقالد وجوز فى جانبهما المنادمة.
وقال أبو نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التى لم تخلق
وهذا البيت معيب «لما فى ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة».
وصحة التقسيم جاء فى الكتاب الحكيم على أبلغ وجه، وأصح منهج كقوله:
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً (٢٧).
وقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٢٨).
стр. 558
الآية الأولى: تبين قسمى أثر البرق عند الناس.
والآية الثانية: تبين أقسام الناس يوم العرض، فهم ثلاثة لا رابع لهم. فهذه قسمة صحيحة.
وقد أخطأ بعض الشعراء عند ما تناولوا هذا الفن. مثل قول البحترى:
قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا أو عذولا
(٢٩) قال ابن الأثير: «فإن المشوق يكون حزينا والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون عاذرا ..
وكثيرا ما يقع البحترى فى مثل ذلك».
وعابوا قول أبى الطيب:
فافخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل
لأن المستعظم يكون حاسدا، والحاسد يكون مستعظما، ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها فى بعض» (٣٠).
«وأما صحة التقسيم .. فأن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشيء منها، ولا تكررت ولا دخل بعضها فى بعض».
ومثل للمعيب منه بقول جرير:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها
ثم علق عليه قائلا: فهذه قسمة فاسدة من طريق الإخلال لأنه قد أخل بقسم من الثلاثة. وقيل: إن بعض بنى حنيفة سئل من أى الأثلاث هو؟ قال: من الثلث الملغى» (٣١).
وهذه لمحة نقد بالغة الدقة.
وجاء الإيجاز فى القرآن الكريم بقسميه:
إيجاز الحذف وإيجاز القصر، فلم يبهم معه معنى ولا اختفى معه مراد. كقوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٣٢)، وقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ (٣٣)، وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٣٤)، وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى (٣٥)، وقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ (٣٦)، وقوله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (٣٧)، وقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ (٣٨).
والقرآن ملىء بمثل هذه الدرر الغوالى مع قوة المعنى ووضوحه وشدة أسره للأفهام.
وقد تناوله قوم فأصابوا وأخطئوا، فأما ما جاء فى القرآن فهو أبلغ منه وأوجز، ولعل مضرب الأمثال فى ذلك قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (٣٩).
فإذا قورن به قول العرب: «القتل أنفى للقتل». فإن عبارة القرآن قد فاقته من عدة
стр. 559
وجوه (٤٠) قد عنى العلماء بإفاضة القول فيها.
مع أن هذا القول الصادر عن العرب كانوا يعدونه أبلغ ما قيل فى معناه.
على أن كثيرا من الشعراء قد أوجزوا فأخلوا، وسر بلاغة الإيجاز وضوح المعنى ..
من ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود:
أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث
(٤١) لأنه أراد: عاجل ما أشتهى مع القلة أحب إلى من الأكثر البطىء، فترك «مع القلة» وبه تمام المعنى.
ومنه قول عروة بن الورد:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذر
كأنه أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم فى السلم وقتلهم فى الحرب أعذر، فترك «فى السلم» وبه تمام المعنى كذلك.
وكذلك قول الحارث بن حلزة:
والعيش خير فى ظلال النوك ... ممن عاش كدا
أراد: العيش الناعم فى ظلال الجهل خير من العيش الشاق فى ظلال العقل.
والوجه الذى يقرب هذه الأمثلة الثلاثة إلى الصواب أنه يمكن أن يقال: إن دليل الحذف فيها ما قابل المحذوف. فقوله: «ومقتلهم عند الوغى» دليل «فى السلم» المحذوف، وإلا لخرج الكلام مخرج الأحاجى والألغاز، ولما استحق أن يدخل فى باب الأدب.
ولو أننا تتبعنا سائر فنون البديع بمعناها العام لوجدنا أمثلتها فى القرآن لا تخرج عن البلاغة الأصلية مع الوفاء بحق المعنى، وحق اللفظ.
فليس فيه إحسان فى موضع، وإساءة فى آخر، بل هو على وتيرة واحدة فى جميع فنونه وطرق تعبيره، وهذا هو الفرق الذى رمناه بين بديع القرآن وبديع الناس.
فالناس- شعراؤهم وناثروهم- إذا أكثروا من استعمال البديع لم يسلم لهم منه إلا القليل، وإذا لم يكثروا منه- وهذا شرط قبوله- فإنهم ليسوا فى مأمن من السقوط والكلفة، كما وقع لبشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبى تمام، وكما وقع للمتأخرين منهم حينما أسرفوا وغالوا فى السعى وراء البديع فضعف معه المعنى أو زال من أساسه كبديع الزمان الهمذانى وصفى الدين الحلى، وغيرهم من عشاق البديع.
والبديع فى القرآن فطرى جرى مع طبيعة
стр. 560
الأسلوب ولم يصر إليه حلية لفظ أو تزويق عبارة، وهو فيه سمة من سمات إعجازه وحسنه سواء أكان راجعا إلى المعنى أو راجعا إلى اللفظ وحسنه ذاتى لا عرضى، ولو ذهبنا ننحى ما جاء من بديع القرآن عن أصالة أسلوبه وروعة معانيه، لذهبنا بشرط الحسن فيه لقوة صوره وأصالة وروده فيه، وقد تقدم لنا أن كثيرا من فنون البديع من صميم طرق التعبير فى القرآن الكريم- كالمطابقة- لأنه كثيرا ما يقارن بين أنواع متضادة أو كالمتضادة، والمشاكلة والسجع ... وما إلى هذه الألوان الآسرة.
على أن هنا ملاحظتين إحداهما ترجع إلى البديع بعامة، والثانية ترجع إلى بديع القرآن بخاصة.
أما ما ترجع إلى البديع بعامة .. فإنه فن فى حاجة إلى الإنصاف وإعادة النظر، ونحن هنا أمام طريقين:
إما أن نطلق كلمة «البديع» على فنون البلاغة جميعا، وإما أن نرد كل حق إلى نصابه، فنرد ما للمعانى للمعانى، وما للبيان للبيان- مما يدرس ضمن فنون البديع- ولو فعلنا
ذلك لما بقى شىء يمكن أن يطلق عليه بديعا، لاختلاس هذه الفنون من علمى المعانى والبيان، إلا فيما ندر.
وأما ما يتعلق ببديع القرآن .. فإن بعض الباحثين مسرف فى إثبات الألوان كما فعل ابن أبى الأصبع فى كتابه الموسوم «بديع القرآن» مثل التفويف والتنكيت والانفصال، والتردد والاطراد، فإن إدراك جمال التعبير فى القرآن لا يحتاج إلى أكثر من الذوق وصفاء النفس فلا داعى لكثرة التلقيب والتنويع.
والحمد لله فى الأولى والآخرة ..
أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعنى
стр. 561
إعراب القرآن
قال ابن جنى فى «الخصائص الكبرى»:
الإعراب: هو الإبانة عن المعانى بالألفاظ (١).
وقال ابن منظور فى «لسان العرب»: أعرب الكلام وأعرب به: بيّنه ... وعرّب منطقه: أى هذّبه من اللحن ... (٢).
وقال الراغب فى «مفرداته»: ... إعراب الكلام: إيضاح فصاحته. وخصّ الإعراب فى تعارف النحويّين بالحركات والسكنات المتعاقبة على أواخر الكلم (٣).
ومن هذا المنطلق اللغوى يعرّف إعراب القرآن فيقال: هو بيان معانيه باستعمال القواعد النحوية عند الحاجة إليها؛ فالإعراب فرع المعنى كما يقول علماء اللغة.
وفى القرآن معان كثيرة يتوقف فهمها على إعراب ألفاظها؛ لمعرفة الفاعل من المفعول، والصفة من الموصوف، والمبتدأ من الخبر، وغير ذلك مما يحتاج إليه المفسر فى الوقوف على المعنى المراد على وجه التحديد أو على وجه التقريب.
ويستطيع من خلال معرفة وجوه الإعراب أيضا أن يصحح من أقوال المفسرين ما يراه صحيحا، أو يرجح ما يراه راجحا؛ مستدلا على سلامة قوله بقاعدة أو بأكثر من قواعد الإعراب التى لا خلاف عليها بين المعربين.
ولا شك أن علماء النحو قد بذلوا جهودا مضنية فى وضع هذه القواعد وسبكها بدقة وفق مقتضيات اللغة.
وكان لأولهم قدم السبق فى تحريرها، وكان لمن جاء بعدهم فضل التحقيق والتطبيق.
وقد بذل المفسرون جهودا مشكورة فى استعمال هذه القواعد النحوية؛ لبيان معانى كتاب الله تعالى؛ فكانوا نعم العون للناظرين فيه على اختلاف درجاتهم فى الثقافة والفهم وتنوع مشاربهم فى العلم والمعرفة.
فعلماء البلاغة يجدون فيه بغيتهم إذا أرادوا أن يتعرفوا جمال تعبيره ورقة تصويره، وجودة نظمه وروعة بيانه، وأسرار إعجازه فى مناحيه الأربعة: البيانية، والتشريعية، والعلمية، والغيبية.
وعلماء الحديث يستعينون على فهمه بالقرآن، ويستعينون على فهم القرآن بعلم الإعراب وعلوم البلاغة.
стр. 562
والمشتغلون بالعلوم الأخرى يستمدون فهم كتاب الله- تعالى- من أولئك المفسرين الذين نبغوا فى هذه العلوم اللغوية التى تعتمد بالدرجة الأولى على قواعد الإعراب.
لذا كانت دراسة علم النحو ضرورية لكل من يتصدى لتفسير كتاب الله- تعالى-، وبيان ما تضمنته الأحاديث النبوية أيضا؛ لأن السنة بيان للقرآن، يتوقف فهمه على فهمها بكل الوسائل المستعملة فى ذلك، وأولها معرفة وجوه الإعراب.
وقد شرط العلماء لمن يتصدى لعلم التفسير شروطا كثيرة، منها:
(أ) أن يقتصر منه على القدر الذى تدعو إليه الحاجة، ويترك ما زاد عليها للمتخصصين فى علم النحو؛ فإن القرآن من أوله إلى آخره كتاب هداية ومنهج حياة، فينبغى أن يكون مبلغ همّ المفسر لآياته بيان معانية ومراميه ومناحى إعجازه، وغير ذلك مما فيه حكم، وحكمة، وعظة، وعبرة.
(ب) أن يفهم أولا معنى ما يعربه مفردا كان أو مركبا؛ وذلك بالرجوع إلى كتب التفسير التى عنى أصحابها بالغوص فى المعانى إلى أعماقها واستخراج مكنوناتها ونفائسها، مستعينين فى ذلك بمتن اللغة وفقهها وصورها البيانية وإيحاءاتها فى دقة النظم وجمال التعبير وسلامة الأسلوب تماما من الخلل والزلل.
(ج) أن يراعى المعرب المعنى الصحيح الذى دل عليه لفظ الآية وسياقها وما إلى ذلك من أدلة التصحيح، ولو خالف بذلك الصناعة النحوية إذا كانت لا تعينه على المعنى الذى اتفق عليه أكثر المفسرين؛ فالقرآن قد نزل بلسان عربىّ مبين يحكم به ولا يحكم عليه؛ فالحجة فيه لأهل التفسير واضحة جليّة، لا يضرهم من خالفهم من النحويين ولا من غيرهم.
وهذا ميدان زلت فيه أقدام كثير من المتكلفين والمقلدين.
(د) أن يجتنب الوجوه الضعيفة فى الإعراب ويلزم نفسه بما صحّ منها، ولا سيما إذا كانت هذه الوجوه تخلّ بالمعنى أو توهن من شأنه فى العظة والاعتبار.
(هـ) أن يتتبع المعرب ما تحتمله الألفاظ من وجوه الإعراب؛ فيشير إليها، ويختار أحسنها مرجحا قوله بالدليل.
(و) أن يراعى الشروط المختلفة بحسب الأبواب؛ فإن العرب يشترطون فى باب شيئا ويشترطون فى آخر نقيض ذلك الشيء، على ما اقتضته حكمة لغتهم وصحيح أقيستهم؛ فإذا لم يتأمل المعرب ذلك اختلطت عليه الأبواب والشرائط.
стр. 563
(ز) ألا يخرّج على خلاف الأصل، أو على خلاف الظاهر لغير مقتض.
(ح) وهذه الشروط تقتضى شرطا آخر هو أهمها جميعا، وهو أن يكون المعرب لكتاب الله- تعالى- مستجمعا لشروط المفسر من:
سلامة الفطرة، وصحة المعتقد، وصفاء الذهن، وخلوّ قلبه من الهوى، وخبرته الواسعة بفنون لغة العرب وغير ذلك مما هو مذكور فى محله (٤).
(٤) وينبغى أن يلتزم المعرب لكتاب الله- تعالى- الأدب فى التعبير عند الإعراب؛ فلا يتفوه بكلمة لا تليق بجلال القرآن أو تخلّ بفصاحته، أو تؤدى إلى شكّ فى سلامة نظمه ومحاسن أسلوبه.
(أ) مثل قول بعض المعربين: هذا حرف زائد؛ فإن الزائد قد يفهم منه أنه لا معنى له، وكتاب الله منزّه عن ذلك، فإن الحروف التى يبدو للمعربين أنها زائدة فى كلام الناس لا ينبغى أن يقولوا فيها إن وردت فى كتاب الله:
هى زائدة، إلا أن يقولوا: زائدة لملحظ بلاغى وفائدة لا تؤدّى بغيره.
أو يقولوا بقول بعض الورعين من المعربين:
هذا الحرف صلة أو هو حرف توكيد، أى:
جىء به لفائدة لا غنى عنه فى بيانها.
(ب) ومثل قول بعض المعربين: «الله» مفعول به منصوب. وهذا لا يليق بجلال الله تعالى.
والأولى أن يقال: لفظ الجلالة منصوب على العظمة، كما وجدناه فى بعض كتب المعربين.
(٥) (أ) وممن صنّف فى إعراب القرآن أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبرى (٥٣٨ - ٦١٦ هـ/ ١١٤٣ - ١٢١٩ م).
فقد وضع فيه كتابا جامعا لسور القرآن كلها، سماه: «التبيان فى إعراب القرآن» - فى جزءين. طبع لأول مرة فى مصر سنة (١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م).
وهو كتاب واف فى مقصوده، واضح فى أسلوبه، تميز عن سواه بحل كثير من مشكلات الإعراب فى كتاب الله- تعالى- وأتى فيه بما يشفى ويكفى.
قال ﵀ فى مقدمته: (والكتب المؤلفة فى هذا العلم كثيرة جدا، مختلفة ترتيبا وحدّا؛ فمنها المختصر حجما وعلما، ومنها المطول بكثرة إعراب الظواهر، وخلط الإعراب بالمعانى، وقلما تجد فيها مختصر الحجم كثير العلم، فلما وجدتها على ما وصفت، أحببت أن أملى كتابا يصغر حجمه ويكثر علمه، أقتصر فيه على ذكر الإعراب ووجوه القراءات؛ فأتيت به على ذلك).
стр. 564
(ب) وقد صنف أبو محمد: عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصارى المصرى (٧٠٨ - ٧٦١ هـ/ ١٣٠٩ - ١٣٦٠ م) كتابا نفيسا فى هذا الفن سماه/ «مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب» جمع فيه الكثير من قضايا الإعراب ومسائله المتعلقة بكتاب الله- تعالى- فأفاد وأجاد، وصار كتابه هذا مرجعا لا يستغنى عنه نحوى ولا مفسر.
قال فى مقدمته: (وضعت هذا التصنيف على أحسن إحكام وترصيف، وتتبّعت فيه مقفلات مسائل الإعراب فافتتحتها، ومعضلات يستشكلها الطلاب فأوضحتها ونقّحتها، وأغلاطا وقعت لجماعة من المعربين وغيرهم فنبهت عليها وأصلحتها).
ثم قال: (وينحصر فى ثمانية أبواب:
الباب الأول: فى تفسير المفردات وذكر أحكامها.
الباب الثانى: فى تفسير الجمل وذكر أقسامها وأحكامها.
الباب الثالث: فى ذكر ما يتردد بين المفردات والجمل، وهو الظرف والجار والمجرور، وذكر أحكامها.
الباب الرابع: فى ذكر أحكام يكثر دورها، ويقبح بالمعرب جهلها.
الباب الخامس: فى ذكر الأوجه التى يدخل على المعرب الخلل من جهتها.
الباب السادس: فى التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها.
الباب السابع: فى كيفية الإعراب.
الباب الثامن: فى ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية). أه.
والناظر فيه يجد علما غزيرا بما تضمّنه كتاب الله- تعالى- من الحقائق والدقائق التى لا يستغنى عنها من أراد أن يتفقّه فى كتاب الله- .
طبع هذا الكتاب بمطبعة المدنى، ونشره محمد على صبيح بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد. وطبعته المكتبة العصرية ببيروت سنة (١٩٩٢ م/ ١٤١٢).
(ج) وصنف فى هذا الفن: الأستاذ/ محمد عبد الخالق عضيمة- كتابا كبير الحجم من أحد عشر جزءا فى النحو والصرف بوجه عام، واهتم كثيرا بإعراب القرآن وبيان ما أشكل على الدارسين من وجوهه المختلفة. سماه: «دراسات لأسلوب القرآن الكريم».
وهو كتاب فريد، فى ترتيبه وتهذيبه وجمعه للمسائل النحوية فى الجو القرآنى لا غنى للدارسين فى العلوم العربية والشرعية عن مطالعته.
стр. 565
طبع هذا الكتاب سنة (١٩٨٨ م) فى مطبعة حسّان بالقاهرة.
(د) وظهر مؤخرا كتاب بعنوان: «إعراب القرآن الكريم وبيانه» لمحيى الدين درويش.
طبع عدة مرات. المرة الثالثة منها فى المطبعة اليمانية، وطبع أيضا فى دار الإرشاد- حمص- سوريا. يقع الكتاب فى عشرة أجزاء، مرتب على حسب السور، يتكلم فيه المؤلف عن معانى الألفاظ بإيجاز ثم يعربها.
(هـ) وممن صنف فى إعراب القرآن- أبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج المتوفى سنة (٣١١ هـ/ ٩٢٣ م) كتابه المسمى: «معانى القرآن وإعرابه». تناول فيه إعراب القرآن كله بإيجاز. يقع الكتاب فى أربعة أجزاء، حققه الدكتور: عبد الجليل عبده شلبى، وطبع فى عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
(و) وقد صنف أبو جعفر النحاس المتوفى سنة (٣٣٨ هـ/ ٩٤٨ م) كتابه المسمى: «إعراب القرآن».
وهو كتاب يعنى بإعراب القرآن عناية موسعة، ذكر فيه أقوال النحويين ووجوه القراءات التى دندن حولها المعربون.
يقع الكتاب فى خمسة أجزاء طبع فى عالم الكتب الطبعة الثانية (١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م) بتحقيق د/ زهير غازى زاهر.
(ز) وصنف فى هذا الفن: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنبارى (٥١٣ هـ/ ٥٧٧ هـ/ ١١١٩/ ١١٨١ م) كتابا أسماه:
«البيان فى غريب إعراب القرآن». وقد حققه د/ طه عبد الحميد طه وراجعه الأستاذ:
مصطفى السقا طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة (١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م).
(ح) «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه» للشيخ: محمد على طه الدرة ط دار الحكمة- دمشق- بيروت.
(ط) «مشكل إعراب القرآن» لمكى بن أبى طالب القيسى (٣٥٥ - ٤٣٧ هـ/ ٩٦٦ - ١٠٤٥ م).
يقع فى جزءين طبع فى مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م) بتحقيق:
ياسين محمد السوّاس.
(ى) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل» للزمخشرى:
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمى (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ/ ١٠٧٥ - ١١٤٤ م) وهو كتاب يكشف عن جمال النظم القرآنى وسحر بلاغته وفنون إعرابه، يقع فى أربعة مجلدات.
(ك) «تفسير البحر المحيط» لأبى حيان:
محمد بن يوسف (٦٥٤ - ٧٤٥ هـ/ ١٢٥٦ - ١٣٤٤ م) وهو كتاب حافل بمسائل الإعراب المتعلقة بكتاب الله- تعالى- يستدرك فيه ما