← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 96301

الموسوعة القرآنية المتخصصة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (864 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وثلاث فى سورة الفتح: فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ (الفتح: ٤)، وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (الفتح: ١٨). وقوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى (الفتح: ٢٦). وكل واحدة ذكرت فى هذه الآيات فهى بمعنى الطمأنينة- كما قال ابن عباس- إلا التى فى البقرة. وهى المرة السادسة، وهى قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ (البقرة: ٢٤٨). فقد اختلف العلماء فى معنى (السكينة) فى هذه الآية قيل: هى مثل نظائرها، والمعنى: هو- أى التابوت- سبب سكون قلوبكم وطمأنينتها؛ حيث كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت- لذلك- تسكن إليه النفوس، وتأنس به وتقوى. وقيل: هى روح من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا فى أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت فى الحرب، كان لهم النصر والظفر، وقيل: هى ريح هفافة- أى سريعة المرور فى هبوبها- لها وجه كوجه إنسان، وقيل: هى حيوان كالهر، له جناحان وذنب، ولعينيه شعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم، وقيل: هى طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء. والصحيح القول الأول (٥٨)، وفى غيره من الأقوال آثار الوضع، ورائحة الإسرائيليات. ٣٥ - شعائر الله والشعائر: جمع شعيرة، وهى كل شىء لله تعالى فيه أمر، أو نهى، أشعر به وأعلم، ومنه: شعار القوم فى الحرب، أى علامتهم التى يتعارفون بها، ومنه كذلك: إشعار البدنة، وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل منه الدم؛ فيكون علامة، وتسمى: شعيرة، بمعنى: مشعورة، أى: معلّمة. والإشعار: الإعلام من طريق الإحساس، يقال: أشعر هديه أى جعل له علامة ليعرف بها أنه هدى، ومنه: المشاعر، أى: المعالم، واحدها مشعر، وهى المواضع التى قد أشعرت بالعلامات، ومنه: الشاعر؛ لأنه يشعر بفطنته لما لا يفطن له غيره. ومنه: الشعير؛ لشعرته التى فى رأسه (٥٩). وقد اختلف العلماء فى المراد من (شعائر الله) على أقوال، أبرزها قولان (٦٠): الأول: ما قاله عطاء والحسن، قال عطاء ابن أبى رباح: هى جميع ما أمر الله به، ونهى

стр. 737

وقد اختلف العلماء فى المراد من (شعائر الله) على أقوال، أبرزها قولان (٦٠): الأول: ما قاله عطاء والحسن، قال عطاء ابن أبى رباح: هى جميع ما أمر الله به، ونهى عنه، وقال الحسن: هى دين الله كله، ويشهد لهما: قوله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج: ٣٢). والثانى: ما قاله ابن عباس، ومجاهد. قال ابن عباس: هى جميع مناسك الحج ومعالمه. وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدى، والبدن كل ذلك من الشعائر، ويشهد لهما: أن المشركين كانوا يحجون، ويعتمرون، ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم: فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً (المائدة: ٢)، أى: لا تتعدوا حدود الله فى أمر من الأمور، ولا فى شعيرة من شعائره. كما يشهد لهما: قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ (البقرة: ١٥٨)، وكذلك: قوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ (الحج: ٣٦). قال القرطبى: والقول الأول هو الراجح الذى يقدم على غيره؛ لعمومه. ٣٦ - الشهر الحرام الشهر: مدّة مشهورة بإهلال الهلال، أو باعتبار جزء من اثنى عشر جزءا من دوران الشمس من نقطة إلى نقطة، وهو مشتق من الإشهار؛ لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده. والحرام: أى ما حرم الله فيه كثيرا مما لم يحرم فى غيره (٦١). والمراد ب الشَّهْرُ الْحَرامُ: ذو القعدة، وذلك فى قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ (البقرة: ١٩٤)؛ حيث أقبل رسول الله ﷺ للعمرة فى ذى القعدة من العام السادس للهجرة، فصده المشركون، وتصالحوا، على أن يعود للعمرة فى العام المقبل، وقد عاد، وأخلى له أهل مكة البلد، وأقام فيها ثلاثا، ثم خرج منصرفا إلى المدينة، فقال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذا القعدة، الذى اعتمرتم فيه بقدرة الله ب الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذا القعدة الذى صدكم فيه مشركو مكة عن العمرة، فى العام الذى كان قبله (٦٢). وكذلك فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً (المائدة: ٢)، قال زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ

стр. 738

الآية، أى: لا تعتدوا على هؤلاء العمّار، بسبب أن صدكم أصحابهم، ومن المعلوم .. أن رسول الله ﷺ ، كان هو وأصحابه بالحديبية، حين صده المشركون عن البيت فى ذى القعدة. والمراد به- كذلك- رجب. وذلك فى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: ٢١٧)، حيث بعث رسول الله ﷺ بعثا من المهاجرين، فقتلوا عمرو بن الحضرمى، فى آخر يوم من رجب، وأسروا رجلين، واستاقوا عيرهم، فقال النبى ﷺ ، لم آمركم بالقتال فى الشهر الحرام، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام»، فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، إلى قوله: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أى: قد كانوا يفتنوكم- يقتلونكم- وأنتم فى حرم الله، بعد إيمانكم، وهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم فى الشهر الحرام مع كفرهم بالله (٦٣). والمراد به- ثالثا- الأشهر الأربعة المشار إليها فى قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (التوبة: ٣٦). وهذه الشهور .. هى: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، الذى بين جمادى الآخرة وشعبان، وذلك فى قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ (المائدة: ٩٧)، حيث قرر الله تعالى فى قلوبهم: حرمتها، فكانوا لا يروّعون فيها نفسا، ولا يطلبون فيها دما، ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى فيها قاتل أبيه وابنه وأخيه، فلا يؤذيه، واقتطعوا فيها ثلث الزمان، ووصلوا منها ثلاثة متوالية، فسحة وراحة، ومجالا للسياحة فى الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحدا منفردا فى نصف العام؛ دركا للاحترام، وهو شهر رجب (٦٢). ٣٧ - الصاخّة هى: الصّيحة التى تصخّ الأسماع، أى: تقرعها وتصمّها. قال ابن سيده: هى صيحة تصخّ الأذن، أى تطعنها، فتصمّها لشدتها، ومنه سميت القيامة. وقال أبو إسحاق: هى الصيحة التى تكون فيها القيامة، تصخّ الأسماع، أى: تصمّها، فلا تسمع إلا ما تدعى به للأحياء. وأصل الكلمة فى اللغة: الصك الشديد. وهى عبارة عن القيامة (٦٤)، حسب المشار إليه فى قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ (الأنعام: ٧٣، طه: ١٠٢، النمل ٨٧، النبأ

стр. 739

١٨)، قال ابن كثير: الصاخّة اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذّره عباده. وقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور. وقال البغوى: الصاخة: يعنى صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أى تبالغ فى إسماعها، حتى تكاد تصمّها (٦٥). وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم، مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس: ٣٣ - ٣٧). ٣٨ - الصاعقة هى: الهدّة الكبيرة، والصوت الشديد من الجو، ويكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، ولكنها فى ذاتها شىء واحد. ولذلك قال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه (٦٦): ١ - بمعنى النار: كما فى قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (البقرة: ١٩). قال أبو زيد: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد، وكما فى قوله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ (الرعد: ١٣)، ذكر الماوردى عن ابن عباس وعلى بن أبى طالب ومجاهد: أنها نزلت فى يهودى قال للنبى ﷺ : أخبرنى من أى شىء ربك؟ أمن لؤلؤ؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. ٢ - بمعنى العذاب: كما فى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (فصلت: ١٣) أى: خوفتكم هلاكا مثل هلاك عاد وثمود، وقوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (فصلت: ١٧) أى: العذاب المهلك. ٣ - بمعى الموت: كما فى قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أى: أماتتكم الصاعقة ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة: ٥٥، ٥٦)، وكما فى قوله تعالى: فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ (النساء: ١٥٣). وكما فى قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (الزمر: ١٦). وكما فى قوله تعالى عن ثمود: فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أى: ماتوا فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (الذاريات: ٤٤، ٥٤).

стр. 740

٣٩ - صبغة الله الصّبغ: تلوين الشيء بلون ما، والصّبغة: ما يصبغ به، وقيل: الهيئة المكتسبة بالصّبغ (٦٧). و (صبغة الله) وردت فى كتاب الله تعالى، فى قوله : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (البقرة: ١٣٨). وقد اختلف فى المراد من (صبغة الله) على أقوال: (٦٨) الأول: أن المراد دين الله؛ وذلك أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر، يسمونه «المعمودية»، ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك .. قال: الآن صار نصرانيا. فقال الله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وهى: الدين والإسلام، لا صبغتهم. الثانى: أن المراد فطرة الله؛ وذلك كقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (الروم: ٣٠). ومعنى هذا: أن الإنسان موسوم فى تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق، وعلى هذا: فهذه الآثار كالصبغة له والسمة اللازمة. الثالث: أن المراد: الختان، الذى هو تطهير. أى: كما أن المخصوص الذى للنصارى تطهير لهم، فكذلك الختان، تطهير للمسلمين. الرابع: أن المراد: حجة الله. الخامس: أن المراد: الاغتسال لمن أراد الدخول فى الإسلام، بدلا من «معمودية» النصارى. عن أبى عبيدة: والقول الجيد هو الأول. ٤٠ - الصيحة الصّيحة: رفع الصوت. من صاح يصيح صيحة وصياحا، ويكون ذلك من الناس وغيرهم. يقول تعالى: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ (ق: ٤٢)، وقال الشاعر: وصاح غراب البين وانشقت العصا ... ببين كما شقّ الأديم الصوانع (٦٩). والصيحة فى القرآن الكريم .. على معان: فهى بمعنى: العذاب، كما فى قوله تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (هود: ٦٧) والمراد ب الَّذِينَ ظَلَمُوا هنا: ثمود، قوم صالح ﵇. وكما فى قوله تعالى: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ والمراد، ب (الذين ظلموا) هنا: أصحاب الأيكة، قوم شعيب ﵇.

стр. 741

فهؤلاء وهؤلاء صاح بهم جبريل صيحة، خرجت من شدتها عليهم أرواحهم من أجسادهم. قال ابن عباس: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد، إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة، غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم (٧٠). وهى- ثانيا- بمعنى: نفخة القيامة. كما فى قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (يس: ٤٨، ٤٩) (٧٠) وهى نفخة الصعق، وكما فى قوله تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (ق: ٤١، ٤٢) (٧٠) وهى النفخة الثانية (٧٠). وهى- ثالثا- بمعنى: الغارة، إذا فوجئ بها الحى. كما فى قوله تعالى عن المنافقين: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (المنافقون: ٤) أى: يحسبون أهل كل صيحة عليهم، هم العدو، وذلك لجبنهم، قال الضحاك: يحسبون كل صيحة عليهم، أنهم قد فطن بهم، وعلم بنفاقهم، لأن للريبة خوفا، وقيل: يحسبون كل صيحة يسمعونها فى المسجد أنها عليهم، وأن النبى ﷺ قد أمر فيها بقتالهم (٧٠). ٤١ - الغيب الغيب: مصدر غابت الشمس، وغيرها، إذا استترت عن العين، وبذلك: فالغيب لغة: كل ما غاب عنك. واستعمل فى كل ما غاب عن الحس، كما فى قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (النمل: ٢٠) وقوله تعالى فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ: أى: فى حال غيبة الزوج (٧١). كما استعمل فى كل ما غاب عن علم الإنسان، يقول تعالى: وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (النمل: ٧٥). هذا: ويقال للشيء: غيب، وغائب، باعتبار تعلقه بالناس، لا بالله تعالى؛ حيث إنه تعالى لا يغيب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض، فهو : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (الأنعام: ٧٣، التوبة ٩٤، ١٠٥، الرعد ٩، المؤمنون ٩٢، الزمر ٤٦، الحشر ٢٢، التغابن ١٨). والغيب فى الاصطلاح: ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداءة العقول، وإنما

стр. 742

يعلم بخبر الأنبياء- ﵈، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد، وذلك كأمر البعث، والحشر، والحساب، والجنة، والنار، والملائكة، و ... إلخ. كما فى قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة: ٢، ٣) أى كل ما غاب عنهم، وأخبر به النبى ﷺ ، وكما فى قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ (مريم: ٦١). ٤٢ - الفتح الفتح: نقيض الإغلاق، يقال: فتحه يفتحه فتحا، وعلى هذا .. فالفتح: إزالة الإغلاق والإشكال. وهو على ضربين (٧٢): أحدهما: يدرك بالبصر، كفتح الباب، وفتح القفل، ونحوهما، كما فى قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ (يوسف: ٦٥). ومنه: فتح مكة يقول تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (النصر: ١) عن الحسن ومجاهد، وغيرهما: أن الفتح: فتح مكة ٧٣، ويقول تعالى: وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ (الصف: ١٣) قيل: فتح مكة (٧٣)، وصلح الحديبية يقول تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (الفتح: ١) عن أنس قال: الحديبية، وقال الفراء: الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية (٧٣). ويقول تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (الفتح: ٢٧) قال مجاهد: هو صلح الحديبية (٧٣). والثانى: يدرك بالبصيرة، كفتح الهم، وهو إزالة الغم (٧٢) وهو أنواع: ١ - ما كان فى أمور الدنيا، كنصر يأتى، وغم يفرج، وفقر يزال ... كما فى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ (النساء: ١٤٠، ١٤١) أى: نصر وغلبة على اليهود وغنيمة (٧٣)، وكما فى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ (الأعراف: ٩٦) يعنى: المطر والنبات، وهذا فى أقوام- على الخصوص- جرى ذكرهم، إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرا لذنوبهم (٧٣). ٢ - ما كان فى أمور الآخرة، كيوم القيامة، وذلك مثل قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا

стр. 743

الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (السجدة: ٢٨، ٢٩) قال مجاهد: الفتح: يوم القيامة، ويروى أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله- بيننا يوم القيامة، فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على الاستهزاء: متى يوم الفتح هذا؟ ٤٣ - الفتنة أصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته. وعلى هذا فالفتن: الإحراق بالنار، يقول تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (الذاريات: ١٣)، ولأن الفتن، وهو الإحراق بالنار عذاب؛ كانت الفتنة عذابا، يقول تعالى: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (الذاريات: ١٤). والفتنة من الأفعال التى تكون من الله تعالى، والتى تكون من العبد. فإذا كانت من الله تعالى، كانت على وجه الحكمة، يقول تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ (الفرقان: ٢٠). وإذا كانت من العبد- بغير أمر الله- كانت بضد ذلك، يقول تعالى: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (التوبة: ٤٨)؛ ولهذا: يذم الله الإنسان بأنواع الفتنة فى كل مكان وزمان، مثل: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (البروج: ١٠). وقد تعددت معانى (الفتنة) فى القرآن الكريم، ومن ذلك، أن (٧٤): الفتنة: بمعنى العذاب بالإحراق، كما فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ (البروج: ١٠). والفتنة: بمعنى الضلال والإثم، كما فى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (التوبة: ٤٩). والفتنة: بمعنى الكفر، كما فى قوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: ١٩١). والفتنة: بمعنى الفضيحة، كما فى قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً (المائدة: ٤١) أى: ومن يرد الله فضيحته. والفتنة: بمعنى القتل، كما فى قوله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ (يونس: ٨٣) وكما فى قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (النساء: ١٠١).

стр. 744

والفتنة: بمعنى الاختبار، كما فى قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ (التوبة: ١٢٦) وقوله تعالى: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (التغابن: ١٥). والفتنة: بمعنى الخديعة، يقول تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (المائدة: ٤٩). والفتنة بمعنى الإعجاب، كما فى قوله تعالى: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا (الممتحنة: ٥) والمعنى: لا تظهرهم وتنصرهم علينا، فيعجبوا ويظنوا إنهم خير منا، وأهل الحجاز يقولون: فتنته المرأة، إذا ولهته وأحبها. ٤٤ - فطرة الله وردت هذه اللفظة فى القرآن الكريم مرة واحدة. وذلك فى قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الروم: ٣٠). وقد اختلف العلماء فى معنى «فطرة الله» هذه على أقوال متعددة (٧٥)! ١ - قال أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما: فطرة الله: هى الإسلام، قالوا: وهذا هو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل ... واستدلوا لذلك، بما يلى: (أ) بهذه الآية قال البخارى قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لدين الله، والدين والفطرة: الإسلام (٧٦). (ب) وبحديث أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تذبح البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (٧٧). (ج) وبحديث عياض بن حمار المجاشعى وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: « ... وإنى خلقت عبادى حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا .. » (٧٨). ٢ - وقال آخرون: فطرة الله هى: البداءة التى ابتدأهم الله عليها، أى: على ما فطر عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. (٧٥) قالوا: والفطرة فى كلام العرب: البداءة، والفاطر: المبتدئ. واستدلوا لذلك بما يلى (٧٥):

стр. 745

ما روى عن ابن عباس، أنه قال: ما كنت أدرى ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتانى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أى: أنا ابتدأت حفرها. وذكر أبو العباس أن ابن الأعرابى يقول: أنا أول من فطر هذا، أى: ابتدأه. ٣ - وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: فطرة الله هى: الخلقة التى خلق عليها المولود فى المعرفة بربه (٧٥)، أى: أن كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يعنى: خلقة مخالفة لخلقة البهائم، التى لا تصل بخلقتها إلى معرفته، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (فاطر: ١). يعنى خالقهن. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الأخير أصح ما قيل فى معنى «فطرة الله» التى يولد الناس عليها، ودلل على ذلك، واحتج له. قال القرطبى: وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ذهب غير واحد من المحققين، منهم ابن عطية فى «تفسيره» فى معنى «الفطرة»، وشيخنا أبو العباس. قال ابن عطية: والذى يعتمد عليه فى تفسير هذه اللفظة: أنها الخلقة والهيئة التى فى نفس الطفل، التى هى مهيأة ومعدة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الذى هو الحنيف، وهو فطرة الله، الذى على الإعداد له فطر البشر، لكن تعترضهم العوارض، ومنه قول النبى ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه أو يمجّسانه ... » الحديث. فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التى هى كثيرة، حيث إن الله تعالى خلق قلوب بنى آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وتلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق (٧٥). هذا وقد أجاب أصحاب هذا القول ... عن القول الأول: بأنه يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة هى الإسلام، ذلك أن الإسلام والإيمان. قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. كما أجابوا عن القول الثانى، الذى هو «البداءة»: بانكارهم أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار، حيث قالوا: إن المولود يولد على السلامة فى الأغلب، خلقة، وطبعا، وبنية، ليس معها: إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا.

стр. 746

ولو كان الأطفال فى حين ولادتهم قد فطروا على شىء من الكفر والإيمان، ما انتقلوا عنه أبدا، بل قد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، أو يكفرون ثم يؤمنون. قالوا: ويستحيل فى المعقول أن يكون الطفل فى حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا؛ لأن الله أخرجهم فى حال لا يفقهون معها شيئا، قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً (النحل: ٧٨) فمن لا يعلم شيئا: استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار. ٤ - ومن طريف ما قيل فى معنى «فطرة الله» ما قاله أبو بكر الوراق إنها: الفقر والفاقة، حيث إنه منذ ولد إلى حين يموت ... فقير محتاج، نعم!! وفى الآخرة كذلك. قال القرطبى: وهذا حسن (٧٥). ٤٥ - القارعة القارعة فى اللغة: النازلة الشديدة، تنزل عليهم بأمر عظيم. والمراد بها: القيامة. قال تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (القارعة: ١ - ٤)، سميت بذلك: لأنها تقرع الناس بأهوالها وشدائدها. وقيل: القارعة هى: الداهية المهلكة، يقال: قرعه أمر، إذا أتاه فجأة، وجمعه: قوارع، قال تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ (الرعد: ٣١)، قال الأصمعى: يقال أصابته قارعة، يعنى: أمرا عظيما يقرعه، ويقال: أنزل الله به قارعة ومقرعة (٧٩). وقيل: عنى بالقارعة العذاب الذى نزل بثمود وعاد فى الدنيا، وكان كل نبى من أنبيائهم يخوفهم بذلك فيكذبونه (٧٩)، قال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (الحاقة: ٤ - ٦). ٤٦ - القرار المكين وهو المذكور فى قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (المؤمنون: ١٢، ١٣). و (القرار): أى المستقر، وهو فى الأصل: مصدر قرّ يقر قرارا، بمعنى: ثبت ثبوتا، والمراد به: الرحم، و (مكين): وصف له، أى: متمكن. والمعنى: أن الرحم متمكنة، لا تنفصل لثقل حملها، أو لا تطرد ما فيها.

стр. 747

ومن يدرس تشريح الرحم، وموضعه المكين الأمين فى أسفل بطن المرأة، ويرى ذلك الوعاء ذا الجدار العريض السميك، ثم يرى هذه الأربطة العريضة، والأربطة المستديرة، وهذه الأجزاء من البريتون، التى تشده إلى المثانة، والمستقيم وكلها تحفظ توازن الرحم، وتشد أزره، وتحميه من الميل، أو السقوط، وتطول معه إذا ارتفع عند تقدم الحمل، وتقصر إلى طولها الطبيعى تدريجيا بعد الولادة. وكذلك من يدرس تكوين الحوض، وعظامه يعرف جليا روعة قوله تعالى ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. وأيضا: من يعرف كل ذلك، يدرك وجه الامتنان الإلهى على خلقه فى قوله تعالى لهم: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٨٠) (المرسلات: ٢٠، ٢١). ٤٧ - الماء المهين ورد ذكره فى القرآن الكريم: مرتين: الأولى: فى قوله تعالى ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (السجدة: ٦ - ٨). والثانية: فى قوله تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (المرسلات: ٢٠ - ٢٣). والمراد به: المنىّ. وقد وصف بالمهين ومعناها: الضعيف، كما قال الزجاج، أو الذى لا خطر له عند الناس، فهو ممتهن، لا يعتنى به. يقول الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله: ثم جعل نسل آدم ﵇ من سلالة من ماء مهين أى: من مادة النطفة الذى هو المرحلة الأولى فى تطور الجنين، من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى العظام، إلى كمال التكوين الجنينى فى هذه السلالة التى تبدأ بالماء المهين. وإنها لرحلة هائلة حين ينظر إلى طبيعة التطورات التى بها تلك النقطة الضائعة من ذلك الماء المهين، حتى تصل إلى الإنسان المعقد البديع التكوين، وإنها لمسافة شاسعة ضخمة بين الطور الأول والطور الأخير (٨١). ٤٨ - مجمع البحرين ورد هذا الاسم فى آيات القرآن الكريم: مرة واحدة فقط وذلك فى قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (الكهف: ٦٠). ومعناه: موضع اجتماع البحرين (٨٢).

стр. 748

وقصة هذا الموضع- حسب رواية الإمام البخارى، عن رسول الله ﷺ : «أن موسى- ﵇ قام خطيبا فى بنى إسرائيل، وفى رواية: حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب- فسئل: أى الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لى عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لى به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله فى مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ ... » الحديث (٨٣). وقد اختلف فى تحديد هذين البحرين على النحو التالى: ١ - فروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: بحر فارس وبحر الروم. ٢ - وروى ابن أبى حاتم من طريق السدى، قال: هما نهرا الكرّ، والرّسّ؛ بإرمينية؛ حيث يصبان فى البحر. ٣ - وقال ابن عطية: مجمع البحرين، ذراع فى أرض فارس، من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط، من شماليه إلى جنوبيه، وطرفيه مما يلى برّ الشام. ٤ - وقيل: هما بحر الأردن، وبحر القلزم. ٥ - وقال محمد بن كعب القرظى: مجمع البحرين بطنجة. يقول الأستاذ/ سعيد حوى: والمجامع كثيرة، فعندك: مجمع البحر الأحمر بالمحيط الهندى، ومجمع النيل مع البحر الأبيض، ولا ندرى بالضبط، إذا كان المجمع واحدا من هذه، أو مجمعا آخر يلتقى فيه ماء خليج بماء بحر، أو ماء نهر كبير كشط العرب ببحر كالخليج، والمهم أنه فى مجمع من مجامع بحرين حدث الذى حدث مع موسى ﵇ وفتاه. ويقول صاحب «الظلال»: والقرآن لا يحدد المكان الذى وقعت فيه- هذه القصة- بأنه «مجمع البحرين» والأرجح- والله أعلم- أنه «مجمع البحرين»: بحر الروم، وبحر القلزم أى: البحر الأبيض والبحر الأحمر، ومجمعهما: مكان التقائهما، فى منطقة البحيرات المرة، وبحيرة التمساح، أو أنه: مجمع خليجى العقبة والسويس فى البحر الأحمر، فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر، ثم يقول: وعلى أىّ ... فقد تركها القرآن مجملة، فنكتفى بهذه الإشارة. أما الإمام الفخر الرازى فيقول، ونحن معه: «ومجمع البحرين» هو: المكان الذى وعد فيه موسى بلقاء الخضر- ﵉، وليس فى لفظ الآية القرآنية- المذكورة- ما يدل على تعيين هذين البحرين، فإن صح- بالخبر الصحيح- شىء فذاك، وإلا فالأولى

стр. 749

السكوت عنه. حيث لا يترتب على معرفة المكان من عدمه كبير فائدة (٨٤). ٤٩ - المعارج وهى: اسم سورة كريمة من سور القرآن الكريم، وهى سورة «المعارج». وتبدأ بقوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (المعارج: ١ - ٤). وهى من العروج بمعنى الذهاب فى صعود. وقد ذكرت هذه المادة فى القرآن الكريم: ثمان مرات (٨٥). ست منها: بصيغة الفعل المضارع، كما فى قوله تعالى: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (سبأ: ٢). واثنتان منها: بالصيغة الاسمية، إحداهما: معرفة، وهو المذكور هنا (المعارج) وثانيتهما: نكرة، وهو المذكور فى قوله تعالى وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (الزخرف: ٣٣). ومعنى المعارج لغة: الدرجات (٨٦) والمراد بها (٨٧): ١ - إما معارج الأعمال الصالحة فإنها تتفاوت بحسب اجتماع الآداب والسنن، وخلوص النية، وحضور القلب. ٢ - وإما معارج المؤمنين فى سلوكهم مراتب المعارف الإلهية، ولا شك فى تفاوت أولياء الله فى ذلك، أو معارجهم فى دار ثوابهم، وهى الجنة. ٣ - وإما معارج الملائكة، ومنازل ارتفاعهم بحسب الأمكنة، وهى السموات أو بحسب الفضائل الروحانية والمعارف. ٤ - وعن قتادة: أنها الفضائل والنعم، أى مراتب الله على الخلق. ٥ - وقيل: هى الغرف. التى جعلها الله لأوليائه فى الجنة. ويقول الإمام الآلوسي: والأنسب- أى فى تحديد معنى المعارج- بما يقتضيه المقام من التهويل. ما هو أدل على عزه- وعظم ملكوته، جل شأنه (٨٦). ٥٠ - الموءودة ذكر هذا اللفظ فى القرآن لكريم ... مرة واحدة. وذلك فى قوله تعالى: وَإِذَا

стр. 750

الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (التكوير: ٨، ٩). وهو من: وأد، يئد، وأدا، ووأد الموءودة: دفنها فى القبر وهى حية، وامرأة وئيد ووئيدة: موءودة (٨٨)، أى: مقتولة. والموءودة هى: الجارية تدفن وهى حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيوئدها، أى: يثقلها حتى تموت. وكان العرب فى الجاهلية يدفنون بناتهم فى التراب أحياء لسببين: أحدهما: أنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانى: أنهم كانوا يخافون إما من الحاجة والفقر، وإما من السبى والاسترقاق. قال ابن عباس: كانت المرأة فى الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخضت على رأسها، فإن ولدت جارية، رمت بها فى الحفرة، وردت التراب عليها، وإن ولدت غلاما، حبسته وأبقته. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه. وحرم الله ذلك (٨٩). وأنزل قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (الإسراء: ٣١). كما أنزل قوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .. (الأنعام: ١٥١). وقوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟ إلى جانب ما فى الأحاديث النبوية من تحريم ذلك (٩٠). وهناك ... الوأد الخفى وهو ما كان بسبب العزل عن المرأة؛ لأن من يعزل عن امرأته. إنما يعزل هربا من الولد. وقد نهى الإسلام عن ذلك- أيضا- وكرهه لهذا السبب. ففي الحديث (٩١): «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت فى الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال- ﷺ ذلك الوأد الخفى» زاد عبيد الله فى حديثه عن المقرئ، وهى وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ». ٥١ - المودة فى القربى هذه العبارة (المودة فى القربى) لم ترد فى القرآن الكريم إلا مرة واحدة. وذلك فى قوله تعالى للنبى ﷺ : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (الشورى: ٢٣). والمودّة: المحبّة. قال ابن سيده: ودّ الشيء، ودّا وودّا وودا، وودادة، وودادا وودادا، ومودّة، ومدّة: أحبّه.

стр. 751

والقربى: القرابة. والقربى: الدنو فى النسب، تقول: بينى وبينه قرابة وقربى. والقربى: فى الرحم خاصة (٩٢). ومعنى الآية: قل يا محمد لقومك: لا أطلب منكم أجرا على تبليغ الرسالة والنصح لكم ما لا تعطونيه، إنما أطلب منكم: أن تكفّوا شركم عنى، وتذرونى أبلغ رسالات ربى، فإن لم تنصرونى، فلا تؤذونى، بما بينى وبينكم من القرابة، وقيل: إلا أن تودونى فى قرابتى منكم. وذلك فى الحقيقة ليس أجرا؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، ولا سيما فى حق الأقارب. ويلاحظ: أن عبارة (المودة فى القربى) أبلغ من «مودة القربى» وكذلك أبلغ من «المودة للقربى» حيث جعلت القربى فى العبارة مكانا للمودة، ومقرا لها (٩٣). قال المفسرون: وفى تفسير (المودة فى القربى) أربعة أقوال: الأول: مراعاة القرابة، وعدم الإيذاء أى: لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودونى لقرابتى منكم، فإن لم تنصرونى فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونى. قال ذلك: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وأبو مالك، والشعبى، وغيرهم. قال الشعبى: أكثر الناس علينا فى هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله ﷺ كان واسطة النسب فى قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة، فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تودّونى لقرابتى منكم، يعنى: أنكم قومى، وأحق من أجابنى وأطاعنى، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى، ولا تؤذونى، ولا تهيجوا علىّ. الثانى: مودة أقاربكم أى: لا أسألكم عليه أجرا إلا مودّة أقاربكم، وصلة أرحامكم. روى الكعبى عن ابن عباس: أن النبى ﷺ ، كانت تنوبه نوائب وحقوق، وليس فى يده سعة. فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده، وهو ابن اختكم، وجاركم فى بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم؛ ففعلوا، ثم أتوه، فرده عليهم، ونزلت الآية بحثّهم على مودة أقاربهم، وصلة أرحامهم. الثالث: القرب من الله، عن الحسن ... لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تتوددوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح. الرابع: المودة فى قرابتى وأهل بيتى، عن سعيد بن جبير: لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوا قرابتى وأهل بيتى. عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نودهم؟ قال: «على وفاطمة وأبناؤهما».

стр. 752

٥٢ - الهداية الهدى والهداية فى اللغة: شىء واحد، ولكن فى اصطلاح الشارع يختلفان. فالهدى: ما تولاه الله وأعطاه، واختص هو به دون ما هو إلى الإنسان، كما فى قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ (البقرة: ٥) وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى (الأنعام: ٧١). والهداية والاهتداء: ما تحرّاه الإنسان وطلبه على طريق الاختيار، إما فى الأمور الدنيوية، كما فى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها (الأنعام: ٩٧) وإما فى الأمور الأخروية، كما فى قوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (البقرة: ١٥٠). والهداية: دلالة بلطف، قال تعالى لموسى ﵇ اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (النازعات: ١٧ - ١٩) ولا يمنع من هذا ما ورد على سبيل الاستهزاء من الله تعالى والتهكم بالكافرين فى مثل قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (الصافات: ٢٣). وهداية الله للإنسان .. على أربعة أوجه: الأول: الهداية العامة، التى تشمل كل مكلف، من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية، التى أعمّ منها كل شىء بقدر فيه، حسب احتماله، وهى المقصودة فى قوله تعالى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (طه: ٥٠). الثانى: الهداية التى جعل الله للناس، بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهى المقصودة فى قوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (الأنبياء: ٧٣). الثالث: الهداية، التى هى التوفيق الذى يختص به من اهتدى كما فى قوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً (مريم: ٧٦). الرابع: الهداية فى الآخرة إلى الجنة، كما فى قوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ (الأعراف: ٤٢، ٤٣). وأما هداية الإنسان لغيره، فلا يقدر عليها أحد إلا بالدعاء وتعريف الطرق، دون سائر أنواع الهدايات، يقول تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (الشورى: ٥٢).

стр. 753

هذا وكل هداية ذكر الله- أنه منع منها الظالمين والكافرين، فهى الوجه الثالث والوجه الرابع مما ذكر آنفا، نحو قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (آل عمران: ٨٦). [(٩٤)] وكل هداية نفاها الله- عن النبى ﷺ ، وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها، فهى كل ما عدا الوجه الثانى، مما ذكر، كما فى قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (البقرة: ٢٧٢) وقوله تعالى (٩٥): إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (القصص: ٥٦). ٥٣ - الوادى المقدس أصل الوادى: الموضع الذى يسيل فيه الماء، ومنه سمى كل مفرج بين جبلين واديا؛ مسلكا للسيل ومنفذا، والمقدس: المطهر، أو المبارك. والوادى المقدس: أى هو هذا المكان المطهر الذى أوحى الله فيه إلى موسى ﵇، وقد حدده القرآن الكريم، وبين اسمه، فى قوله ﵎: بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وعلى هذا: فالوادى المقدس هو طوى، وطوى: جبل بالشام، وقيل: هو واد فى أصل الطور (٩٦). وقد ذكر هذا (الوادى المقدس) فى القرآن الكريم: مرتان (٩٧). فى قوله- إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (طه: ١٢) وفى قوله ﵎: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (النازعات:١٥، ١٦). أ. د. عبد الحى الفرماوى

стр. 754

الإنسان فى القرآن الكريم نقاط البحث * تعريف * استخلاف الإنسان. * تفضيل الإنسان. * الغاية من خلق الإنسان. * حرية الإنسان. * أنواع الإنسان. * العدل والمساواة بين الذكر والأنثى من الإنسان. * خلق الإنسان. * جسم الإنسان. * خصائص الإنسان. * من صفات الإنسان. * الإنسان والتربية. * الإنسان وعلاقته بالشيطان. * نهاية الإنسان. تعريف الإنسان: من الإنس، خلاف الجن، أو من الأنس .. خلاف النفور. والإنسى: منسوب إلى الإنس، يقال ذلك لمن أكثر أنسه، ولكل ما يؤنس به (١). وقد سمى الإنسان بذلك؛ لأنه خلق خلقة لا قوام له إلا بأنس بعضهم ببعض. ولهذا قيل: الإنسان مدنى بالطبع؛ من حيث لا قوام لبعضهم إلا ببعض، ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل: سمى بذلك؛ لأنه يأنس بكل ما يألفه (١). وروى ابن عباس، رضى الله عنهما، أنه قال: إنما سمى الإنسان إنسانا؛ لأنه عهد إليه فنسى (٢). وذلك إشارة لقوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (طه: ١١٥). وقد وردت هذه المادة (إنسان، خلاف الجان) فى القرآن الكريم تسعون مرة (٣). كما ورد فى القرآن الكريم على عشرين وجها من وجوه الاستعمال والدلالات. (٤)

стр. 755

فوجه منها يراد به: آدم ﵇، كقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (الرحمن: ١٤). الثانى يراد به: سلالة آدم ﵇، كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (ق: ١٦) إلى آخر هذه الوجوه. (٤) والذى يعنينا فى بحثنا هذا، هما هذان الوجهان فقط من وجوه استعمالات القرآن للفظ الإنسان، وهما: آدم ﵇، وذريته. وذلك من خلال تعرضنا بالإيجاز لبيان بعض الملامح القرآنية لهذا المخلوق الفريد. وهذه الملامح تتعلق بمراحل خلقه، وبعض خصائصه، وعلاقته بغيره، إلى غير ذلك من الأمور الخاصة به. استخلاف الإنسان تعرض القرآن الكريم لهذه القضية فى آيات كثيرة. منها: قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (البقرة ٣٠ - ٣٤). وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ... (الأنعام: ٦٥). وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ (الأعراف: ٦٩). وقوله جل وعلا: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ (الأعراف: ٧٤). وقوله ﵎: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ

стр. 756

بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (يونس: ١٣ - ١٤). وقوله : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ (النمل: ٦٢). ويقول أيضا: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (فاطر: ٣٩). ويقول : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (ص: ٢٦). ودون الدخول فى دائرة الخلاف حول تحديد هذا الإنسان، المراد فى هذه الآيات، أهو آدم ﵇، أو ذريته؟، كما تعرض لذلك العلماء والمفسرون (٥). نقول- مع الشيخ محمد رشيد رضا- فى «تفسير المنار»: (٦). (جرت سنة الله فى خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه فى ذلك، وكما أن الإنسان أظهر أحكام الله وسننه الوضعية (أى الشرعية؛ لأن الشرع وضع إلهى) كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية، فيصح أن يكون معنى الخلافة عاما فى كل ما ميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات، نطق الوحى ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعا مختلفة، وخص كل نوع غير نوع الإنسان بشيء محدود معين لا يتعداه. وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفا، كما قال فى كتابه: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (النساء: ٢٨) وخلقه جاهلا كما قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً (النحل: ٧٨) ولكنه على ضعفه وجهله عبرة لمن يعتبر، وموضع لعجب المتعجب؛ لأنه مع ضعفه يتصرف فى الأقوياء، ومع جهله فى نشأته يعلم جميع الأسماء، يولد الحيوان، عالما بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه فى زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطىء بالنسبة إلى غيره من الحيوان، ويعطى قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة وهى التى يسمونها العقل، ولا يعقلون سرها، ولا يدركون حقيقتها وكنهها، فهى التى تغنى الإنسان عن كل ما وهب

стр. 757

للحيوان فى أصل الفطرة من الكساء الذى يقيه البرد والحر، والأعضاء التى يتناول بها غذاءه والتى يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه، وغير ذلك من المواهب التى يعطاها الحيوان بلا كسب، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان، وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان. فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه فى الكون تصرفا لا حدّ له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليقته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها، أعطاه أحكاما وشرائع حدّ فيها لأعماله وأخلاقه حدّا يحول دون بغى أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهى تساعده على بلوغ كماله؛ لأنها مرشد ومربّ للعقل الذى كان له كل تلك المزايا؛ فلهذا كله جعله خليفة فى الأرض وهو أجدر المخلوقات بهذه الخلافة. ظهرت آثار الإنسان فى هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه فى المعدن والنبات، وفى البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبتدع ويكتشف ويخترع ويجدّ ويعمل، حتى غيّر شكل الأرض فجعل الحزن سهلا، والماحل خصبا. والخراب عمرانا، والبرارى بحارا أو خلجانا، وولّد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن كالليمون المسمى «يوسف أفندى» فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه. وقد تصرف فى أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير فى خلقتها وخلائقها وأصنافها فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلى والوحشى، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات، أليس من حكمة الله الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى، أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته فى الأرض، يقيم سننه، ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته، وبدائع حكمه، ومنافع أحكامه، وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذى خلقه الله فى أحسن تقويم؟ .. كلا!! تفضيل الإنسان لا غرابة فى أن يكون هذا المخلوق محفوفا بالعناية الربانية، التى ترفع من قدره، وتعلى منزلته بين الكائنات جميعها، وتفضله على ما عداه من مخلوقات الله تعالى الأخرى. فهذه هى الملائكة، الذين أخبر الله عنهم

стр. 758

فهذه هى الملائكة، الذين أخبر الله عنهم بأنهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (التحريم: ٦) والذين قال عنهم رب العزة: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (الزمر: ٧٥). نعم هذه الملائكة يأمرها الله تعالى بالسجود لهذا الإنسان (آدم ﵇ سجود تحية وتعظيم، وفى هذا من التكريم والإنعام على الإنسان والتفضيل ما فيه. بل يصرح القرآن الكريم بهذا الإنعام الإلهى على الإنسان؛ حيث يفضله على كثير ممن خلق الله ، يوضح ذلك قوله : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (الإسراء: ٧٠). الغاية من خلق الإنسان إن عملية الخلق هذه- كما عرفنا- آية من آيات الله، لا يمكن أبدا أن تكون عارية عن غاية كبرى، ومقصد أسمى، فلم يخلق هملا ولا عبثا أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (المؤمنون: (١١٥). إنما يحدد الهدف من هذا الخلق قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: ٥٦). ولأن عبادة الإنسان لله أمر محفوف بالمعوقات، والابتلاءات كان توضيح ذلك لتنبيه الإنسان، وتبصيره وزيادة وعيه، حتى يكون ثابت الخطو فى عبادة الله ، حيث يقول ﵎: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (الإنسان: ٢ - ٣). ومن هذا التوضيح الإلهى يظهر (٧): أ- أن الابتلاء بظروف الحياة، وكثرة المعوقات أمر قدره الله تعالى على الإنسان، يكشف به قوة إرادته، ومضاء عزيمته، وثبات خطوه فى طريق العبادة. ب- وأن الله- منحه وسائل المعرفة التى يتعرف بها على الأدلة التى بثها الله فى كونه فيزداد بها إيمانا ويقينا بالله، كما يتعرف بها على وصايا الشرع وأحكامه فيعمل بها، ويلتزم بآدابها، ويتعرف على المعوقات التى تحول بينه وبين حسن العبادة، فيتغلب عليها ويتخلص منها. وذلك فى قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً.

стр. 759

الغاية وتخلصه من المعوقات، ونجاته فى الابتلاءات موضوع تحت المراقبة، معرض للجزاء بالثواب أو بالعقاب. وذلك فى قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. ولو لم يكن الأمر على ذلك لكان عبثا، وحاشا لله من ذلك. يقول تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون: ١١٥: ١١٦) حرية الإنسان من القيم الهامة قيمة الحرية. بها يغدو للإنسان كيان، ولوجوده معنى، ولحياته طعم ولون. والحرية التى نعنيها ليست هى الحرية التى يفسد المرء بها نفسه، أو يحطم من خلالها كيانه، أو ينهى عن طريقها وجوده أو حياته. وليست كذلك هى الحرية التى يفسد بها الآخرين، أو ينتقص من خلالها حرياتهم، أو يتسبب عن طريقها فى إيذائهم .. إلخ بل هى الحرية التى تحقق إنسانيته، وتؤكد وجوده، وملكيته لقراره. وليست هناك أرقى ولا أنقى ولا أعظم من أن يكون الإنسان حرا فيما يعتقده، وفيما يدين به ابتداء. ولا يحجر عليه الإسلام فى ذلك أبدا، بل يصرح القرآن الكريم بهذه الحرية، وهذا الحق فى قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة: ٣٥٦). ولكن: إذا اعتنق إنسان ما الإسلام، واختاره عقيدة، فليس له أن يعدل عنه إلى غيره، وإلا اعتبر مرتدا، وفى هذه الحالة يعامل معاملة المرتدين (٨). ومن الواضح أنه فيما دون ذلك، فللإنسان كامل الحرية دون قيد أو شرط، إلا ما سبقت الإشارة إليه. وهذه الحرية هى التى تحدد مسئوليته عما يفعل أو يترك، وهذا ما يقرره القرآن الكريم فى قوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (الطور: ٢١). خاصة وأنه قد خلق صالحا لفعل هذا أو ترك ذاك وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وهذه الحرية قد وهبها الله لعباده من بنى

стр. 760

وهذه الحرية قد وهبها الله لعباده من بنى الإنسان؛ لأنه سبحانه عادل لا يظلم. ومن هنا أهدر كل ما يأتيه الإنسان عن إكراه وقسر سواء فى جانب الإيمان أو الكفر. فمن أكره على أن ينطق بكلمة الكفر فلا حرج عليه؛ حيث يقول ﵎: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ (النحل: ١٠٦). وكذلك من آمن تحت ضغط الظروف القاهرة، ودون إرادة منه فإيمانه مردود عليه، وغير مقبول منه. ففرعون ظل سادرا فى غيه، ينادى: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (النازعات: ٢٤) حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يونس: ٩٠) ولكن إيمانه رد عليه، وقيل له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً (يونس: ٩١، ٩٢). وإذا ارتد الإنسان فى ديار المسلمين بعد أن أسلم مختارا فإن الفقه الإسلامى يرى مجازاته بالقتل باعتبار ذلك الارتداد قادحا فى النظام العام ومهددا لكيان المجتمع، بما يعرف فى التشريعات الحديثة باسم الخيانة العظمى أو العمل على هدم الكيان الاجتماعى. وبالجملة: فإن نتيجة حريته هذه، وثمرة أعماله التى اختارها ستعود عليه من نوع ما عمل (٩). يقول تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس ٩، ١٠). أنواع الإنسان ويبين القرآن الكريم، أن الإنسان إذا بلغ مبلغ الرشد، وأصبح مسئولا عن تصرفاته ينقسم- بسبب اختياره وإرادته- إلى مهتد وضال، أو إلى طائع وعاص، أو بعبارة أوضح إلى مؤمن وكافر. وتلك هى المرحلة التى تراها فى كثير من آيات الله البينات، وقد حكم على الإنسان فيها بأحد الوصفين (١٠). إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (الإنسان: ٢، ٣). ونلاحظ أن هذا التقسيم إلى مؤمن وكافر عادة ما يكون بعد ذكر ألوان من النعم تستوجب الشكر من جهة، وتتحقق بها المساواة بين الجميع من جهة أخرى، ولا دخل له فيها ولا إرادة، بل هى هبة من الله له من جهة ثالثة.

стр. 761

ولكن التفرقة تأتى بسبب موقفه منها ومن المنعم بها، إما شكرا وإما كفرانا إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. يقول تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (طه: ١٢٣، ١٢٤). ويقول : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (البقرة: ٢٥٣). وتكون التفرقة- لذلك- فى الجزاء والنتيجة. يقول سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (الإسراء: ٧١، ٧٢). وبهذا يتحدد نوع الإنسان حسب موقفه من الإيمان بالله تعالى، والاعتراف بنعمه، والعمل بشرعه، امتثالا أو امتناعا. فهو: إما مؤمن وإما كافر. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (التغابن: ٢). العدل والمساواة بين الذكر والأنثى من الإنسان وإذا كان ثمت تفرقة بين نوعى الإنسان من حيث الكفر والإيمان، فلا تجد تفرقة بين نوعيه من حيث الذكورة والأنوثة. وقد تحدث القرآن الكريم عن الذكر والأنثى فى آياته الكريمة، مؤكدا على قيم العدل، والمساواة بينهما. * فمن العدل بينهما: أ- دخول الجنة لمن عمل صالحا، دون تفرقة بين الذكر والأنثى يقول تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (النساء: ١٢٤). ب- أن يحيى الله من عمل صالحا حياة طيبة، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً (النحل:٩٧).

стр. 762

ج- أن يجزى الله من عمل صالحا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (النحل: ٩٧). د- أن يعذب الله من يفتنون المؤمنين والمؤمنات عن دينهم ويعذبونهم، دون تفرقة بين أن يكون المفتون ذكرا أو أنثى. يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (البروج: ١٠). ويقول تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (الأحزاب: ٥٨). هـ- أن يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ (الأحزاب: ٧٣). ز- أن يتوب الله على المؤمنين والمؤمنات دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (الأحزاب: ٧٣). * ومن المساواة بينهما: أ- وعد الله بالرحمة للمؤمنين والمؤمنات، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة: ٧١). ب- وعد الله للمؤمنين والمؤمنات بجنات تجرى من تحتها الأنهار .. إلخ، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (التوبة: ٧٢). ج- وجوب الطاعة عليهما لله ولرسوله، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (الأحزاب: ٣٦).

стр. 763

د- أن الله- أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً بسبب الصلاح دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (الأحزاب: ٣٥). هـ- أصل الخلقة: يقول تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (الحجرات: ١٣). والقيمة الإنسانية، حيث لا تفاضل إلا بميزان التقوى، دون تفرقة بين الذكر والأنثى. يقول تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: ١٣). ز- المسئولية الجنائية: يقول تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (المائدة: ٣٨). ويقول تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (النور: ٢). ح- الثواب والعقاب الإلهى: يقول تعالى: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (غافر: ٤٠). خلق الإنسان يعد خلق الإنسان آية من آيات الله العظيمة، خاصة إذا عرفنا أن عملية الخلق هذه مرت بمراحل عديدة وأطوار مختلفة كل مرحلة تعد فى ذاتها آية، وكل طور من هذه الأطوار يبرز عظمة الخالق . ومما ينبغى أن يكون واضحا أنه قبل عملية الخلق هذه، قد أتى على الإنسان حين من الدهر لا يعلمه إلا الله- لم يكن فيه هذا الإنسان شيئا مذكورا. يوضح ذلك قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (الإنسان: ١). وأما هذه المراحل التى مر بها خلق الإنسان فهى (١١):

стр. 764

أولا: الماء: وهو العنصر الأول الذى خلق منه كل كائن حى حادث، يقول تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (الأنبياء: ٣٠). ويدخل فى قوله تعالى: كُلَّ شَيْءٍ: جسم الإنسان، بل يمكن لنا أن نقول: إن قمة هذا المخلوقات جميعها هو الإنسان، وقد خلقه الله تعالى من الماء. يقول ﵎: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (الفرقان: ٥٤). ثانيا: التراب: وهو العنصر الثانى الذى يتكون منه خلق الإنسان؛ حيث إن الإنسان الأول- وهو آدم ﵇ كان التراب عنصرا من عناصر تكوين خلقه. يبين ذلك قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران: ٥٩). والتراب: عنصرا أساسى من عناصر تكوين كل إنسان بعد آدم ﵇. إذ من التراب النبات، ومن النبات الغذاء، ومن الغذاء الدم، ومن الدم النطفة، ومن النطفة الجنين. يقول عز من قائل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً (فاطر: ١١). ويقول أيضا: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (غافر: ٦٧). ويقول سبحانه: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (الروم:٢٠). ثالثا: الطين: وهو ناتج امتزاج عنصرى الماء والتراب، ولهذا فالطين هو المزيج الذى يتكون منه خلق جسد الإنسان. يقول ﵎: ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (السجدة: ٦ - ٩). ويلاحظ: أن هذا الطين بالنسبة للإنسان الأول، وهو آدم ﵇، كان: طينا لازبا، أى: لزجا لاصقا متماسكا بعضه ببعض، كما

стр. 765

يصور ذلك قوله سبحانه: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (الصافات: ١١). ثم: صار حمأ مسنونا، أى: أسودا منتنا حصورا، يقول رب العزة: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (الحجر: ٢٦). وأخيرا: صار هذا الطين جافا يابسا، حتى أصبح صلصالا يشبه الفخار إلا أنه ليس بالفخار، يقول سبحانه: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (الرحمن: ١٤، ١٥). وأما هذا الطين بالنسبة لذرية هذا الإنسان الأول، وهى السلالات البشرية فمن الطين إلى النبات، إلى الغذاء، إلى الدم، إلى النطفة، إلى العلقة، إلى المضغة ... إلخ. رابعا: نفخ الروح: ونفخ الروح هذا فى الإنسان الأول، وهو آدم- ﵇ كان بعد أن صار الطين صلصالا. يقول تعالى: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (ص: ٧١، ٧٢). وأما بالنسبة لذرية آدم وهى السلالة البشرية فإن نفخ الروح يكون فى الجنين من بعد علوقه بنحو أربعة أشهر، كما فى الحديث الصحيح: «إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون فى ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون فى ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقى أو سعيد» (١٢). يقول جل وعلا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (المؤمنون: ١٢ - ١٤). وأخيرا: ينبغى أن يلاحظ جيدا أمران: الأمر الأول: أن الله تعالى بعد أن خلق الإنسان الأول، وهو آدم- ﵇ خلق سبحانه من هذا الإنسان زوجته. يقول تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها (الأعراف: ١٨٩). الأمر الثانى: أن الله تعالى بعد أن خلق الإنسان الأول وهو آدم- ﵇ وزوجته خلق السلالات البشرية- بعد مرورها بمراحل: الماء، والتراب، والطين، والنبات،

стр. 766

والغذاء، والدم- بمرحلة النطفة الأمشاج، أى: الأخلاط والخصائص غير المتماثلة. يقول عز من قائل: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (الإنسان: ٢، ٣). وصدق الله تعالى إذ يقول: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التغابن: ٣). جسم الإنسان وقد تحدث القرآن الكريم- خلال هدايته للناس وإرشاده لهم- عن جسم الإنسان بتفصيل دقيق حيث ذكر (١٣): ١ - النفس: فى مثل قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (النازعات: ٤٠، ٤١). ٢ - الجسم: فى مثل قوله تعالى: قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: ٢٤٧). ٣ - الرأس: فى مثل قوله تعالى: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ (الأعراف: ١٥٠). ٤ - الوجه: فى مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (المائدة: ٦). ٥ - الجبين: فى مثل قوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (الصافات: ١٠٣ - ١٠٥). ٦ - الناصية: فى مثل فى قوله تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (العلق: ١٥، ١٦). ٧ - العين: فى مثل قوله تعالى: قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (الأنبياء: ٦١). ٨ - الخدّ: فى مثل قوله تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً (لقمان: ١٨). ٩ - الأنف: فى مثل قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ (المائدة: ٤٥). ١٠ - الأذن فى مثل قوله تعالى: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (نوح: ٧).

стр. 767

١١ - الفم: فى مثل قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (آل عمران: ١٦٧). ١٢ - الشّفة فى قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ؟ (البلد: ٨، ٩). ١٣ - السّن: فى قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ (المائدة: ٤٥). ١٤ - اللسان: فى مثل قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (النور: ٢٤). ١٥ - الحلق: فى قوله تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (الواقعة: ٨٣). ١٦ - الحنجرة: فى مثل قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (غافر: ١٨). ١٧ - الذقن: فى مثل قوله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (الإسراء: ١٠٩). ١٨ - الرقبة: فى مثل قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ (محمد: ٤). ١٩ - العنق: فى مثل قوله تعالى: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ؟ (سبأ:٣٣). ٢٠ - التّرقوة: وهى العظام المحيطة بفقرة النحر فى مثل قوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (القيامة: ٢٦) والتراقى: جمع ترقوة. ٢١ - الصدر فى مثل قوله تعالى: قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (طه: ٢٥، ٢٦). ٢٢ - القلب: فى مثل قوله تعالى: قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (البقرة: ٢٦٠). ٢٣ - الجلد: فى مثل قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (فصلت: ٢١). ٢٤ - العظم: فى مثل قوله تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (المؤمنون: ١٤).

стр. 768

٢٥ - اللحم: فى مثل قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟ (الحجرات: ١٢). ٢٦ - الجنب: فى مثل قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ (آل عمران: ١٩١). ٢٧ - الظّهر: فى مثل قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة: ٣٥). ٢٨ - البطن: فى مثل قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (النجم: ٣٢). ٢٩ - الأمعاء: فى قوله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (محمد: ١٥). ٣٠ - العضد: فى مثل قوله تعالى: قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما (القصص: ٣٥). ٣١ - المرفق: فى مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (المائدة: ٦). ٣٢ - اليد: فى مثل قوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (الحشر: ٢). ٣٣ - الأصابع: فى مثل قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (البقرة: ١٩). ٣٤ - البنان: فى مثل قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (القيامة: ٤). ٣٥ - الأنملة: فى مثل قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ (آل عمران: ١١٩). ٣٦ - الساق: فى مثل قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (القيامة: ٢٩، ٣٠). ٣٧ - الأرجل: فى مثل قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها (الأعراف: ١٩٥). ٣٨ - الكعبين: فى مثل قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (المائدة: ٦). ٣٩ - الأقدام: فى مثل قوله تعالى: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (الأنفال: ١١).

стр. 769

خصائص الإنسان * خير بطبيعته: طبيعة الإنسان: صالحة لفعل الخير، كما هى صالحة للركون إلى الشر. يقول تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (الشمس: ٧ - ٨). ومع ذلك فإن الدارس لكتاب الله- يستطيع أن يستنتج أن الميل إلى الخير هو الجانب الأغلب فى هذه الطبيعة، وأنها لو تركت وشأنها دون أن تتكالب عليها عوامل الفساد لما حادت عن الطريق المستقيم. يشير إلى ذلك قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (الروم: ٣٠). وعوامل الفساد والشر التى تخرج الإنسان عن طبيعته هذه كثيرة (١٤). منها: ما يكمن فى نفس الإنسان، ويتمثل فى الميول التى تمكنت بفعل الزمن وتأثير البيئة، حتى صارت جزءا من طبيعته، يصدر عنها كثير من تصرفاته. وفى الحديث الشريف الصحيح ما يوضح ذلك، يقول ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» (١٥). ومنها: ما يأتيه من خارج نفسه، ويتزعمها إبليس وأعوانه، ذلك المخلوق، الذى أقسم أن يكرس حياته لإيقاع آدم وأبنائه فى معصية الله، والذى قال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (الأعراف: ١٦ - ١٧). والإنسان بين هذا وذاك يقاوم ويقاوم لتتغلب طبيعته الخيرة على هذه العوامل، إلا من خرج من رحمة الله، وعاش عبدا لهواه والشيطان. * متدين: بمعنى أنه يعرف ربه وخالقه، لا يغيب عنه ذلك، حتى وإن تغافل أو غفل أحيانا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزخرف: ٩). ولئن عبت على الكفار منهم عبادة الأصنام: أجابوك بلهجة المتدين؛ حيث يقولون: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (الزمر: ٣). والإنسان المؤمن: سعيد بتدينه، يعيش فى ظلاله، ويتمسك بأهدابه، ولسان حاله ومقاله يهتف بقوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي

стр. 770

وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (الأنعام: ١٦١ - ١٦٣). وأما غير المؤمن: فمن العجيب أنه لا يفر من تدينه، وإن كان لا يتمسك بأهدابه، بل ينكره فى سرائه، ولا يذكره إلا فى ضرائه، بل يهتف ساعتها بلسان حاله ومقاله: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (يونس: ٢٣). ذلك أنهم: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (العنكبوت: ٦٥). وهكذا: لا تظهر فطرتهم، ولا يبرز تدينهم إلا عند الشدائد، وساعتها فقط، وأما قبل الشدائد وبعدها فهم جاحدون مستكبرون عبيد لأهوائهم وشياطينهم. يقول : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (يونس: ٢٢ - ٢٣). وبهذا: فالتدين فطرة فى الإنسان، وخاصية من خصائصه يسعد به من هداه الله، فيظهر عليه، ويعيش فى رحابه، ويحيا على آدابه، ويخفيه، بل يقاومه من لم يهده الله، فلا يظهر عليه، ولا يعيش فى رحابه، ولا يعرف آدابه، ولا ينطق به إلا وقت الشدائد، يوم لا ينفع نفسا تدينها ولا إيمانها، ويصيرون كمن إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فيهزأ الله منه، ولا يقبل إيمانه؛ حيث يقول له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (يونس: ٩١) بل يصيرون ضمن من قال- عنهم: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥) (غافر: ٨٤ - ٨٥). * ناطق: ميز الله- الإنسان بخاصية النطق والتكلم دون باقى المخلوقات، حيث أقسم سبحانه بنفسه على أن أرزاق العباد فى السماء، ثم أكده بأمر واضح للإنسان، ونعمة خاصة به، وهى: النطق، إذ قال: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِ

стр. 771

السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذاريات: ٢٢، ٢٣). ويذكر ربنا- ﵎ هذه الخاصية فى معرض تشريفه للحبيب ﷺ .. حينما يقول: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (النجم: ٢ - ٣). هذه الخاصية تنتفى عنهم بعد الوفاة كما يوضح ذلك قوله- تعالى- عن الإنسان فى يوم القيامة: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (المرسلات: ٣٥ - ٣٨). * لديه القدرة على النظر والتفكير: كما منح الله- الإنسان خاصية القدرة على النظر فى آيات الله المبثوثة فى النفس والكون والتاريخ، ودعاه إلى استعمالها والإفادة منها، فى تحقيق ذاته، وحسن عبادته لربه- ، حيث أعطاه القدرة على النظر فى: ١ - كيف بدأ الخلق؟ وكيف يبعثهم؟ حاثا له على الإفادة من دلالة ذلك إذ يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت: ٢٠). ٢ - ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، حاثا له كذلك على الإفادة من ذلك إذ يقول: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ (الأعراف: ١٨٥). ٣ - آيات الله فى السماء والأرض .. حاثا له على الإفادة من دلالة ذلك إذ يقول أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (ق: ٦ - ١١). ٤ - آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها، حاثا له على الإفادة من دلالة ذلك إذ يقول: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الروم: ٥٠). * مخلوق من طين: وهذا واضح قبل خلق الإنسان حيث يقول رب العزة إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (ص: ٧١ - ٧٤).

стр. 772

ثم يخاطب الإنسان موبخا له على جداله وشكّه فى وحدانية الله، مذكرا له بأصل خلقته، حيث يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (الأنعام: ٢). كما يقول سبحانه مصورا مراحل خلقه إذ يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (المؤمنون: ١٢ - ١٤). وقد امتنّ- على الإنسان بالخلق من طين، وذلك فى قوله- : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (السجدة: ٧). وكان هذا الخلق للإنسان من طين سببا فى تكبر إبليس وعدم طاعته لله فى السجود لآدم؛ حيث قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف: ١٢). من صفات الإنسان وصفات الإنسان التى ينفرد ويتميز بها عن غيره كثيرة جدا، ذكرها المولى- فى كتابه الكريم؛ تسجيلا لها، ودعوة لتقييمها، ولفت الأنظار إلى المحافظة على الجيد منها، وعلاج الردىء تخلصا من أضراره، ليستطيع الإنسان أداء رسالته، وحسن القيام بخلافته. ومن هذه الصفات (١٦): * خلقه فى أحسن تقويم: يقول ﵎: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين: ٤). * ضعفه: يقول سبحانه: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (النساء: ٢٨). يقول سبحانه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الروم: ٥٤). * تعجله: يقول رب العزة: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (الإسراء: ١١)، كما يقول : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (الأنبياء: ٣٧). * جداله: يقول تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (الكهف: ٥٤). * يأسه وقنوطه: يقول : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (الروم: ٣٦).

стр. 773

ويقول أيضا: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (فصلت: ٤٩). * بخله: يقول جل وعلا: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (الإسراء: ١٠٠). ويقول أيضا إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) (المعارج: ١٩ - ٢٢). * طغيانه: يقول : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (عبس: ٦ - ٧). * نكرانه للنعم: يقول ﵎: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (يونس: ١٢). ويقول أيضا وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ (النحل:٥٣ - ٥٥). ويقول سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ (الزمر: ٨). ويقول كذلك: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ (الزمر: ٤٩). * فرحه وفخره: يقول : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (هود: ١٠). * خصومته لربه: يقول عز من قائل: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (يس:٧٧). * ظلمه: يقول ﵎: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم: ٣٤). * مبالغته فى كفره: يقول سبحانه: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (الإسراء: ٦٧).

стр. 774

ويقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (الحج: ٦٦). ويقول أيضا: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (الزخرف: ١٥). ويقول ﵎: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (عبس: ١٧). الإنسان والتربية لم يلجأ الإسلام فى تربية الإنسان إلى محاولة إلغاء أصل الطبائع الفطرية فيه، أو إلغاء شىء منها، ليضع بدلا منها طبائع جديدة مكتسبة لم تكن هى ولا الاستعداد إليها من الأمور الفطرية. ولكن اتبع الأسس التربوية النافعة فى التقويم والتحويل والتنمية والتهذيب والتشذيب. ومن هذه الأسس: ١ - التدرج فى التربية. ٢ - التوجيه والتحويل. ٣ - التصعيد. ٤ - إيجاد الحافز الذاتى. وصولا بهذه الأسس إلى تربية الإنسان أولا، وتكوين الجيل الربانى الذى يقود الإنسانية إلى الخير والفلاح ثانيا. ويتم ذلك التكوين لهذا الجيل الربانى على عدة عناصر منها: ١ - التثقيف العقلى. ٢ - اليقظة الروحية. ٣ - الترابط الأخوى. وبيان هذا وذاك على النحو التالى: أولا: الأسس التربوية للإنسان: الأساس الأول- التدرج فى البناء التربوى: إن العملية التربوية ليست عملية تحويل مفاجئ دفعة واحدة، أو خلق تام بمرة واحدة؛ حيث إن هذا لم يختره الله لنفسه فى سنة الخلق، مع أن من قدرته- جل وعلا- أنه إذا أراد شيئا أن يقول له: كن. فيكون؛ ولكنه ﵎ اختار لنفسه سنة الإنشاء المتدرج، كما أن رغبتنا بالإنجاز التام السريع على خلاف طبائع الأشياء معاكسة لسنة الله فى كونه. ومكلّف الأشياء فوق طباعها ... متطلّب فى الماء جذوة نار ومن صفات الله تعالى أنه رب العالمين، أى: مربى العالمين، والتربية هى إنشاء متدرج لإبلاغ الشيء إلى مستوى كماله، وقد خلق الله الدنيا فى ستة أيام من أيامه- ﵎ وكان فى قدرته أن يخلقها بكلمة كن.

стр. 775

الأساس الثانى- التوجيه والتحويل: إنه ما من طبع من الطبائع الفطرية إلا يحتاج إليه فى جانب من جوانب الخير، أو فى طريق من طرق الخير، وعمليات التوجيه والتحويل تكون بتعليق رغبات المقصود بالتربية فى جانب من جوانب الخير، أو فى طريق من طرق الخير، وبمحاولة امتصاص شحنات هذا الطبع كلّها أو بعضها فيما وجهت إليه وعلقت به. ومن أمثلة ذلك: أن نأخذ إنسانا ذا طمع مفرط فى متاع الحياة الدنيا وزينتها، ثم نملأ قلبه إيمانا بالله واليوم الآخر، وبما فى اليوم الآخر من جنة ونعيم مقيم، ثم نعمل على توجيه طمعه وتحويله إلى ما عند الله من أجر عظيم، ثم نجرى عمليات تعليق شحنات ما لديه من طمع بذلك، فتنصرف نفسه إليه انصرافا كليا أو جزئيا، وبذلك ينفك شيئا فشيئا عن التعلق بمطامع الحياة الدنيا، طلبا لما هو أجلّ وأعظم، وعندئذ فقد نجده زاهدا قنوعا، أو غير مفرط فى الطمع. وبهذا التحويل الكلى أو الجزئى يعتدل طبعه، ويتكون لديه خلق فاضل، ومع ذلك نلاحظ أن الطمع لم تقتلع جذوره من نفسه، ولكن جرى فيه تحويل إلى ما هو خير. وهكذا نستطيع أن نمارس خطة التوجيه والتحويل فى كثير من الطبائع الفطرية. الأساس الثالث: التصعيد: وهو نوع من تحويل الطبع، أو تحويل التطلع الإنسانى، عن الصغائر والدنايا، وتوجيهه لمعالى الأمور، ولما فيه سعادة خالدة أو مجد حقيقى، ولما فيه كمال، ورفعة بين الناس، وكمال ورفعة عند الله. ومن وسائل التصعيد التشويق والتحبيب، والتحسين والتزيين، والممارسة، ووضع الإنسان فى خبرات عملية يذوق فيها حلاوة ما يراد تصعيده إليه، ولكن بدون إرهاق منفر، ولا تكاليف شاقة مضنية، باستثناء أفراد نادرين يستعذبون المشقات فى أصل طباعهم، ولا يميلون إلى الأمور السهلة الخفيفة. ومن التربية بالتصعيد قول الله- لرسوله ﷺ : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (طه: ٢٠). أزواجا منهم: أصنافا منهم. فأبان الله تعالى أن كل ما يتمتع به الناس فى الحياة الدنيا هو فى واقع حاله كالزهرة، ومن صفات الزهرة أنها تغرى ولكنها قصيرة العمر سريعة الذبول والفناء، فالعاقل يبحث عن نعيم حقيقى باق. وهو أيضا مادة
следующие страницы →