Полный текст (619 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فقال، ﷺ : خفت يا ابن السوداء! ثمّ قال: اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت مكّة وأشدّ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها إلى خيبر والجحفة.
وعن أبي هريرة أن رسول اللّه، ﷺ ، قال: إن إبراهيم عبد اللّه وخليله وأنا عبد اللّه ورسوله، وان إبراهيم حرّم مكّة واني حرّمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تقطع منها شجرة إلّا لعلف البعير.
وعن أبي هريرة عن النبيّ، ﷺ : من صبر على لأواء المدينة وشدّتها كنت له يوم القيامة شفيعا أو شهيدا.
والمدينة مسوّرة، ومسجد النبيّ، ﵇، في وسطها وقبره في شرقي المسجد، وبجنبه قبر أبي بكر وبجنب قبر أبي بكر قبر عمر.
وكتب الوليد بن عبد الملك إلى صاحب الروم يطلب منه صنّاعا لعمارة مسجد رسول اللّه، ﷺ ، فبعث إليه أربعين رجلا من صنّاع الروم وأربعين من صنّاع القبط، ووجّه معهم أربعين ألف مثقال ذهبا وأحمالا من الفسيفساء. فجاء الصنّاع وخمّروا النورة سنة للفسيفساء، وجعلوا أساسها بالحجارة، وجعلوا أسطوانات المسجد من حجارة مدوّرة في وسطها أعمدة حديد، وركّبوها بالرصاص، وجعلوا سقفها منقّشة مزوّقة بالذهب، وجعلوا بلاط المحراب مذهبا، وجعلوا وجه الحائط القبلي من داخله بازار رخام من أساسه إلى قدر قامة، وفي وسط المحراب مرآة مربعة ذكروا أنّها كانت لعائشة، والمنبر كان للنبي قد غشي بمنبر آخر، وقال، ﵇: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة.
بها بئر بضاعة. روي أن النبيّ، ﵇، توضّأ بمائها في دلو وردّ الدلو إلى البئر، وشرب من مائها وبصق فيها، وكان إذا مرض المريض في أيّامه يقول: اغسلوه بماء بضاعة، فإذا غسل فكأنّما أنشط من عقال. وقالت أسماء
стр. 107
بنت أبي بكر: كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيّام فيعافون.
بها بئر ذروان، ويقال لها بئر كملى هي البئر المشهورة. عن ابن عبّاس:
طبّ رسول اللّه، ﷺ ، حتى مرض مرضا شديدا، فبينا هو بين النائم واليقظان رأى ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما وجعه؟ فقال: طبّ! قال: ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وأين طبّه؟ قال: في كربة تحت صخرة في بئر كملى، وهي بئر ذروان. فانتبه النبيّ، ﷺ ، وحفظ كلام الملكين، فبعث عليّا وعمّارا مع جمع من الصحابة إلى البئر فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها ووجدوا الكربة تحتها، وفيها وتر فيها إحدى عشرة عقدة، فأحرقوا الكربة بما فيها فزال عنه، ﵇، ما كان به وكأنّه أنشط من عقال. فأنزل اللّه تعالى عليه المعوّذتين إحدى عشرة آية على عدد عقده.
بها بئر عروة، تنسب إلى عروة بن الزّبير؛ قال الزبير بن بكّار: ماء هذه البئر من مرّ بالعقيق يأخذه هدية لأهله، ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثمّ يأخذه في قوارير يهديه إلى الرشيد وهو بالرقّة، وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري:
كفّنوني إن متّ في درع أروى … واجعلوا لي من بئر عروة مائي
سخنة في الشّتاء باردة الصّي … ف سراج في اللّيلة الظّلماء
وأهل المدينة الأنصار، عليهم الرحمة والرضوان، ان اللّه تعالى أكثر من الثناء عليهم في القرآن.
وقد خصّ بعضهم بخاصيّة لم توجد في غيرهم، منهم حميّ الدّبر وهو عاصم بن الأفلح، رضوان اللّه عليه، استشهد وأراد المشركون أن يمثّلوا به فبعث اللّه الزنابير أحاطت به ومنعت المشركين الوصول إليه.
стр. 108
ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت، رضوان اللّه عليه، صلبه المشركون فبعث رسول اللّه، ﷺ ، من يأخذه ويدفنه، فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض.
ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب، رضوان اللّه عليه، استشهد يوم أحد فبعث اللّه تعالى فوجا من الملائكة، رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمّي غسيل الملائكة.
ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت، رضوان اللّه عليه، اشترى رسول اللّه، ﷺ ، فرسا من أعرابي، والاعرابي أنكر الشراء، فقال رسول اللّه، ﵇: إني اشتريت منك! فقال الاعرابي: من يشهد بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت: إني أشهد أن رسول اللّه، ﷺ ، اشترى منك. فقال له رسول اللّه، ﵇: كيف تشهد وما كنت حاضرا؟ فقال: يا رسول اللّه إني أصدّقك في أخبار السموات والاخبار عن اللّه تعالى فما أصدقك في شراء فرس! فأمر اللّه تعالى نبيّه، ﵇، أن يجعل شهادته مكان شهادتين.
ومنهم من اهتزّ العرش لموته وهو سعد بن معاذ، رضوان اللّه عليه، سيّد الأوس؛ قال رسول اللّه، ﷺ : اهتزّ العرش لموت سعد ابن معاذ.
المشقّر
حصن بين نجران والبحرين على تلّ عال، يقال انّه من بناء طسم، يقال له فجّ بني تميم لأن المكعبر عامل كسرى غدر بني تميم فيه، وسببه أن وهرز عامل كسرى على اليمن بعث أموالا وطرفا إلى كسرى، فلمّا كانت ببلاد بني تميم وثبوا عليها وأخذوها؛ فأخبر كسرى بذلك فأراد أن يبعث إليهم جيشا، فأخبر أن بلادهم بلاد سوء قليلة الماء.
стр. 109
فأشير إليه بأن يرسل إلى عامله بالبحرين أن يقتلهم، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة، فأمر العامل أن ينادي: لا تطلق الميرة إلّا لبني تميم! فأقبل إليه خلق كثير فأمرهم بدخول المشقّر، وأخذ الميرة والخروج من باب آخر، فيدخل قوم بعد قوم فيقتلهم حتى قتلوا عن آخرهم، وبعث بذراريهم في السفن إلى فارس.
مغمّس
موضع بين مكّة والطائف به قبر أبي رغال، مرّ به النبيّ، ﷺ ، فأمر برجمه، فصار ذلك سنّة من مرّ به يرجمه. قيل: إن أبا رغال اسمه زيد بن محلف، كان ملكا بالطائف يظلم رعيته، فمرّ بامرأة ترضع يتيما بلبن ما عز لها، فأخذ الماعز منها فبقي اليتيم بلا لبن فمات، وكانت سنة مجدبة فرماه اللّه تعالى بقارعة أهلكته.
وقيل: إن أبرهة بن الصبّاح لمّا عزم هدم الكعبة مرّ بالطائف بجنوده وفيو له، فأخرج إليه أبو ممنعود الثقفي في رجال ثقيف سامعين مطيعين، فطلب أبرهة منهم دليلا يدلّه على مكّة، فبعثوا معه رجلا يقال له أبو رغال حتى نزل المغمّس، فمات أبو رغال هناك، فرجم العرب قبره؛ وفيه قال جرير ابن الخطفى:
إذا مات الفرزدق فارجموه … كما ترمون قبر أبي رغال
مرّاكش
مدينة من أعظم مدن بلاد المغرب، واليوم سرير ملك بني عبد المؤمن، وهي في البرّ الأعظم، بينها وبين البحر عشرة أيّام في وسط بلاد البربر. وإنّها كثيرة الجنان والبساتين ويخرق خارجها الخلجان والسواقي، ويأتيها الارزاق من الأقطار والبوادي، مع ما فيها من جني الأشجار والكروم التي يتحدّث
стр. 110
بطيبها في الآفاق. والمدينة ذات قصور ومبان محكمة.
بها بستان عبد المؤمن بن عليّ أبي الخلفاء، وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ، وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها. وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مرّاكش أربعون ميلا.
ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد اللّه المراكشي، وكان شيخا مستجاب الدعوة، ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال: ادع اللّه تعالى ان يسقينا. فقال الشيخ: ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو اللّه تعالى أن يسقيكم في أيّ وقت شئتم! فبعث إليه ذلك، ففرّقها على المحاويج، ودعا فجاءهم غبث مدرار أيّاما، فقالوا له: كفينا ادع اللّه أن يقطعه! فقال:
ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو اللّه أن يقطعه. ففعل ذلك ففرّق المال على المحاويج، ودعا اللّه تعالى فقطعه. واللّه الموفق.
مكّة
هي البلد الأمين الذي شرّفه اللّه تعالى وعظّمه وخصّه بالقسم وبدعاء الخليل، ﵇: ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات. واجعله مثابة للناس، وأمنا للخائف، وقبلة للعباد، ومنشأ لرسول اللّه، ﷺ .
وعن رسول اللّه، ﵇: من صبر على حرّ مكّة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة عام، وتقرّبت منه الجنّة مائتي عام! إنّها لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد كان بعدي، وما أحلّت لي إلّا ساعة من نهار، ثمّ هي حرام لا يعضد شجرها ويحتشّ خلاها ولا يلتقط ضالتها إلّا لمنشد.
وعن ابن عبّاس: ما أعلم على الأرض مدينة يرفع فيها حسنة مائة إلّا مكّة، ويكتب لمن صلّى ركعة مائة ركعة إلّا مكّة، ويكتب لمن نظر إلى بعض بنيانها عبادة الدهر إلّا مكّة، ويكتب لمن يتصدّق بدرهم ألف درهم إلّا مكّة!
стр. 111
وهي مدينة في واد والجبال مشرفة عليها من جوانبها، وبناؤها حجارة سود ملس وبيض أيضا. وهي طبقات مبيّضة نظيفة حارّة في الصيف جدّا، إلّا أن ليلها طيّب وعرضها سعة الوادي وماؤها من السماء، ليس بها نهر ولا بئر يشرب ماؤها، وليس بجميع مكّة شجر مثمر، فإذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار ومزارع ونخيل، وميرتها تحمل إليها من غيرها بدعاء الخليل، ﵇:
ربّنا إني أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع، إلى قوله من الثمرات.
وأمّا الحرم فله حدود مضروبة بالمنار قديمة، بيّنها الخليل، ﵇، وحدّه عشرة أميال في مسيرة يوم، وما زالت قريش تعرفها في الجاهليّة والإسلام.
فلمّا بعث رسول اللّه، ﷺ ، أقرّ قريشا على ما عرفوه، فما كان دون المنار لا يحلّ صيده ولا يختلى خشيشه، ولا يقطع شجره ولا ينفّر طيره، ولا يترك الكافر فيه. ومن عجيب خواص الحرم ان الذئب يتبع الظبي، فإذا دخل الحرم كفّ عنه!
وأمّا المسجد الحرام فأوّل من بناه عمر بن الخطّاب في ولايته، والناس ضيّقوا على الكعبة، وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت اللّه ولا بدّ لها من فناء. فاشترى تلك الدور وزادها فيه واتّخذ للمسجد جدارا نحو القامة، ثمّ زاد عثمان فيه، ثمّ زاد عبد اللّه بن الزبير في اتقانه، وجعل فيها عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنه. ثمّ زاد عبد الملك بن مروان في ارتفاع حيطانها وحمل السّواري إليها من مصر في الماء إلى جدّة، ومن جدّة إلى مكّة على العجل، وأمر الحجّاج فكساها الديباج، ثمّ الوليد بن عبد الملك زاد في حلى البيت لمّا فتح بلاد الأندلس، فوجد بطليطلة مائدة سليمان، ﵇، كانت من ذهب ولها أطواق من الياقوت والزبرجد، فضرب منها حلى الكعبة والميزاب، فالأولى المنصور وابنه المهدي زادوا في اتقان المسجد وتحسين هيئته، والآن طول المسجد الحرام ثلاثمائة ذراع وسبعون ذراعا، وعرضه ثلاثمائة ذراع وخمس عشرة ذراعا، وجميع أعمدة المسجد أربعمائة وأربعة وثلاثون
стр. 112
عمودا، وأمّا الكعبة زادها اللّه شرفا فإنّها بيت اللّه الحرام. إن أوّل ما خلق اللّه تعالى في الأرض مكان الكعبة، ثمّ دحا الأرض من تحتها، فهي سرة الأرض ووسط الدنيا وأمّ القرى؛ قال وهب: لمّا أهبط آدم، ﵇، من الجنّة حزن واشتدّ بكاؤه، فعزّاه اللّه بخيمة من خيامها وجعلها موضع الكعبة، وكانت ياقوتة حمراء، وقيل درّة مجوّفة من جواهر الجنّة، ثمّ رفعت بموت آدم، ﵇، فجعل بنوه مكانها بيتا من حجارة فهدم بالطوفان وبقي على ذلك ألفي سنة، حتى أمر اللّه تعالى خليله ببنائه، فجاءت السكينة كأنّها سحابة فيها رأس يتكلّم، فبنى الخليل وإسماعيل، ﵉، على ما ظلّلته.
وأمّا صفة الكعبة فإنّها في وسط المسجد مربع الشكل، بابه مرتفع على الأرض قدر قامة، عليه مصراعان ملبّسان بصفائح الفضّة طليت بالذهب، وطول الكعبة أربعة وعشرون ذراعا وشبر، وعرضها ثلاثة وعشرون ذراعا وشبر، وذرع دور الحجر خمسة وعشرون ذراعا، وارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعا.
والحجر من جهة الشام يصبّ فيه الميزاب، وقد ألبست حيطان الحجر مع أرضه الرخام، وارتفاعه حقو، وحول البيت شاذروان مجصّص ارتفاعه ذراع في عرض مثله، وقاية للبيت من السيل. والباب في وجهها الشرقي على قدر قامة من الأرض، طوله ستّة أذرع وعشر أصابع، وعرضه ثلاثة أذرع وثماني عشرة إصبعا. والحجر الأسود على رأس صخرتين، وقد نحت من الصخر مقدار ما دخل فيه الحجر. والحجر الأسود حالك على الركن الشرقي عند الباب في الزاوية، وهو على مقدار رأس إنسان، وذكر بعض المكيّين حديثا رفعوا على مشايخهم انّهم نظروا إلى الحجر الأسود عند عمارة ابن الزبير البيت، فقدروا طوله ثلاثة أذرع وهو ناصح البياض إلّا وجهه الظاهر، وارتفاع الحجر من الأرض ذراعان وثلث ذراع، وما بين الحجر والباب الملتزم، سمّي بذلك لالتزامه الدعاء. كانت العرب في الجاهليّة تتحالف هناك، فمن دعا على ظالم
стр. 113
هناك أو حلف اثما عجّلت عقوبته، وداخل البيت في الحائط الغربي الجزعة، على ستّة أذرع من قاع البيت، وهي سوداء مخطّطة ببياض طولها اثنا عشر في مثل ذلك، وحولها طوق من ذهب عرضه ثلاث أصابع، ذكر أن النبي، ﵇، جعلها على حاجبه الأيمن.
والميزاب متوسّط على جدار الكعبة بارز عنه قدر أربعة أذرع، وسعته وارتفاع حيطانه كلّ واحد ثماني أصابع، وباطنه صفائح الذهب، والبيت مستّر بالديباج ظاهره وباطنه، ويجدّد لباسه كلّ سنة عند الموسم. فإذا كثرت الكسوة خفّف عنه وأخذها سدنة البيت، وهم بنو شيبة. وهذه صفة الكعبة والمسجد الحرام حولها، ومكّة حول المسجد، والحرم حول مكّة، والأرض حول الحرم هكذا.
стр. 114
روي عن النبيّ، ﵇، ان اللّه تعالى قد وعد هذا البيت أن يحجّه في كلّ سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كمّلهم بالملائكة، وان الكعبة كالعروس المزفوفة، وكلّ من حجّها متعلّق بأستارها يسعون معها حتى تدخل الجنّة فيدخلون معها.
وعن عليّ: ان اللّه تعالى قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فغضب عليهم وأعرض عنهم. فطافوا بعرش اللّه سبعا كما يطوف الناس بالبيت اليوم يسترضونه، يقولون: لبيك اللهمّ لبيك! ربّنا معذرة إليك! نستغفرك ونتوب إليك! فرضي عنهم وقال:
ابنوا في الأرض بيتا يطوف به عبادي، من غضبت عليه أرضى عنه كما رضيت عنكم.
وأمّا خصائص البيت وعجائبه فإن أبرهة بن الصبّاح قصده وأراد هدمه، فأهلكه اللّه تعالى بطير أبابيل. وذكر أن أساف بن عمرو ونائلة بنت سهيل زنيا في الكعبة، فمسخهما اللّه تعالى حجرين نصب أحدهما على الصّفا والآخر على المروة ليعتبر بهما الناس. فلمّا طال مكثهما وعبدت الأصنام، عبدا معها إلى أن كسرهما رسول اللّه فيهما كسر من الأصنام.
ومن عجائب البيت أن لا يسقط عليه حمام إلّا إذا كان عليلا، وإذا حاذى الكعبة عرقة من طير تفرّقت فرقتين ولم يعلها طائر منها. وإذا أصاب المطر أحد جوانبها يكون الخصب في تلك السنة في ذلك الجانب، فإذا عمّ المطر جميع الجوانب عمّ الخصب جميع الجوانب، ومن سنّة أهل مكّة ان من علا الكعبة من عبيدهم يعتقونه، وفي مكّة من الصلحاء من لم يدخل الكعبة تعظيما لها.
وعن يزيد بن معاوية: ان الكعبة كانت على بناء الخليل، ﵇، إلى أن بلغ النبيّ، ﷺ ، خمسا وثلاثين سنة، فجاءها سيل عظيم هدمها، فاستأنفوا عمارتها، وقريش ما وجدوا عندهم مالا لعمارة الكعبة إلى أن رمى البحر بسفينة إلى جدّة، فتحطّمت فأخذوا خشبها واستعانوا
стр. 115
بها على عمارتها، فلمّا انتهوا إلى موضع الركن اختصموا وأراد كلّ قوم أن يكونوا هم الذين يضعونه في موضعه، وتفاقم الأمر بينهم حتى تناصفوا على أن يجعلوا ذلك لأوّل طالع، فطلع عليهم النبيّ، ﷺ ، فاحتكموا إليه فقال: هلموا ثوبا! فأتي به فوضع الركن فيه ثمّ قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ففعلوا ذلك حتى إذا رفعوه إلى موضعه أخذ النبيّ، ﵇، الحجر بيده ووضع في الركن.
وعن عائشة قالت: سألت رسول اللّه، ﷺ ، عن الحجر أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ فقال، ﷺ : إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعلوا ذلك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهليّة أخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت اني أدخل الحجر في البيت.
فأدخل عبد اللّه بن الزبير عشرة من الصحابة حتى سمعوا منها ذلك، ثمّ هدم البيت وبناها على ما حكت عائشة. فلمّا قتل الحجّاج ابن الزبير ردّها على ما كان، وأخذ بقيّة الأحجار وسدّ بها الغربي ورصّف الباقي في البيت، فهي الآن على بناء الحجّاج.
وأمّا الحجر الأسود فجاء في الخبر انّه ياقوتة من يواقيت الجنّة، وانّه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد لمن استلمه بحقّ وصدق.
روي أن عمر بن الخطّاب قبّله وبكى حتى علا نشيجه، فالتفت فرأى عليّا فقال: يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات، واعلم انّه حجر لا يضرّ ولا ينفع! ولولا أني رأيت رسول اللّه، ﷺ ، يقبّله ما قبّلته! فقال عليّ: بلى هو يضرّ وينفع يا عمر، لأن اللّه تعالى لمّا أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتابا وألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود، وذلك قول الناس عند الاستلام: اللهمّ إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك.
стр. 116
قال عبد اللّه بن عبّاس: ليس في الأرض شيء من الجنّة إلّا الركن الأسود والمقام، فإنّهما جوهرتان من جواهر الجنّة ولولا مسّهما من أهل الشرك ما مسّهما ذو عاهة إلّا شفاه اللّه تعالى. ولم يزل هذا الحجر محترما في الجاهليّة والإسلام يقبّلونه إلى أن دخلت القرامطة مكّة سنة سبع عشرة وثلاثمائة عنوة، فنهبوها وقتلوا الحجّاج وأخذوا سلب البيت وقلعوا الحجر الأسود، وحملوه إلى الأحساء من أرض البحرين حتى توسّط فيه الشريف أبو عليّ عمر بن يحيى العلوي، بين الخليفة المطيع للّه وبين القرامطة، سنة خمس وثلاثين فأخذوا مالا عظيما وردّوه. فجاءوا به إلى الكوفة وعلّقوه على الأسطوانة السابعة من أساطين الجامع ثمّ حملوه على مكانه.
وحكي أن رجلا من القرامطة قال لبعض علماء الكوفة وقد رآه يقبّل الحجر ويتمسّح به: ما يؤمنكم انّا غيّبنا ذلك الحجر وجئنا بمثله؟ فقال: ان لنا فيه علامة وهي انّا إذا طرحناه في الماء يطفو، فجاءوا بماء وألقي فيه فطفا.
وأمّا المقام فإنّه الحجر الذي وقف عليه الخليل، ﵇، حين أذّن في الناس بالحجّ. وذرع المقام ذراع وهو مربع سعة أعلاه أربع عشرة إصبعا في مثلها، ومن أسفله مثل ذلك، وفي طرفيه طوق من ذهب وما بين الطرفين بارز لا ذهب عليه، طوله من نواحيه كلّها تسع أصابع وعرضه عشر أصابع، وعرضه من نواحيه إحدى وعشرون إصبعا، والقدمان داخلتان في الحجر سبع أصابع، وبين القدمين من الحجر إصبعان، ووسطه قد استدقّ من التمسّح.
وهو في حوض مربّع حوله رصاص، وعليه صندوق ساج، في طرفه سلسلتان يقفل عليهما قفلان.
قال عبد اللّه بن شعيب بن شيبة: ذهبنا نرفع المقام في عهد المهدي فانثلم وهو حجر رخو، فخشينا أن يتفتّت، فكتبنا به إلى المهدي فبعث إلينا ألف دينار فصببناها في أسفله وأعلاه، وهو الذي عليه اليوم.
وبها جبل أبي قبيس، وهو جبل مطلّ على مكّة تزعم العوامّ ان من أكل
стр. 117
عليه الرأس المشوي يأمن من وجع الرأس، وكثير من الناس يفعلون ذلك، واللّه أعلم بصحّته.
وبها الصّفا والمروة وهما جبلان ببطحاء مكّة. قيل: ان الصفا اسم رجل والمروة اسم امرأة زنيا في الكعبة فمسخهما اللّه تعالى حجرا، فوضعا كلّ واحد على الجبل المسمّى باسمه لاعتبار الناس. وجاء في الحديث: ان الدابّة التي هي من اشراط الساعة تخرج من الصفا، وكان عبد اللّه بن عبّاس يضرب عصاه على الصفا ويقول: إن الدابّة لتسمع قرع عصاي هذا.
والواقف على الصفا يكون بحذاء الحجر الأسود، والمروة تقابل الصفا.
وبها جبل ثور أطحل، وهو جبل مبارك بقرب مكّة، يقصده الناس لزيارة الغار الذي كان فيه النبيّ، ﷺ ، مع أبي بكر، حين خرج من مكّة مهاجرا. وقد ذكر اللّه تعالى في كتابه العزيز: إذ أخرجه الذين كفروا (الآية) يزوره الناس متبرّكين به.
وبها ثبير، وهو جبل عظيم بقرب منى، يقصده الناس زائرين متبرّكين به لأنّه أهبط عليه الكبش الذي جعله اللّه فداء لإسمعيل، ﵇، وكان قرنه معلّقا على باب الكعبة إلى وقت الغرق قبل المبعث بخمس سنين. رآه كثير من الصحابة ثمّ ضاع بخراب الكعبة بالغرق. وتقول العرب: أشرق ثبير كيما نغير، إذا أرادوا استعجال الفجر.
وبها جبل حراء وهو جبل مبارك على ثلاثة أميال من مكّة، يقصده الناس زائرين. وكان النبيّ، ﵇، قبل أن يأتيه الوحي حبّب إليه الخلوة، وكان يأتي غارا فيه. وأتاه جبرائيل، ﵇، في ذلك الغار، وذكر ان النبيّ، ﷺ ، ارتقى ذروته ومعه نفر من أصحابه فتحرّك فقال ﵇: اسكن حرا فما عليك إلّا نبيّ أو صدّيق أو شهيد! فسكن.
وبها قد قد، وهو من الجبال التي لا يوصل إلى ذروتها، وفيه معدن البرام يحمل إلى سائر بلاد الدنيا.
стр. 118
وبها بئر زمزم وهي البئر المشهورة المباركة بقرب الكعبة؛ قال مجاهد:
ماء زمزم إن شربت منه تريد شفاء شفاك اللّه، وان شربته لظمإ أرواك اللّه، وان شربته لجوع أشبعك اللّه.
قال محمّد بن أحمد الهمذاني: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها أربعين ذراعا، وفي قعرها ثلاث عيون: عين حذاء الركن الأسود، وأخرى حذاء أبي قبيس، وقلّ ماؤها في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فحفروا فيها تسعة أذرع فزاد ماؤها، ثمّ جاء اللّه تعالى بالأمطار والسيول في سنة خمس وعشرين ومائتين فكثر ماؤها، وذرعها من رأسها إلى الجبل المنقور فيه إحدى عشرة ذراعا وهو مطويّ، والباقي وهو تسع وعشرون ذراعا منقور في الحجر، وذرع تدويرها إحدى عشرة ذراعا، وسعة فمها ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعليها ميلان ساج مربعة فيها اثنتا عشرة بكرة يستقى عليها. وأوّل من عمل الرخام عليها وفرش به أرضها المنصور. وعلى زمزم قبّة مبنيّة في وسط الحرم عند باب الطواف تجاه باب الكعبة.
في الخبر: ان الخليل، ﵇، ترك إسماعيل وأمّه عند الكعبة وكرّ راجعا. قالت له هاجر: إلى من تكلنا؟ قال: إلى اللّه. قالت: حسبنا اللّه! فأقامت عند ولدها حتى نفد ماؤها فأدركتها الحنّة على ولدها، فتركت إسماعيل بموضعه وارتقت إلى الصفا تنظر هل ترى عينا أو شخصا، فلم تر شيئا فدعت ربّها واستسقته، ثمّ نزلت حتى أتت المروة ففعلت مثل ذلك، ثمّ سمعت صوت السباع فخشيت على ولدها، فأسرعت نحو إسماعيل فوجدته يفحص الماء من عين قد انفجرت من تحت خدّه، وقيل بل من تحت عقبه. فلمّا رأت هاجر الماء يسري جعلت تحوّطه بالتراب لئلّا يسيل. قيل: لو لم تفعل ذلك لكان عينا جارية. قالوا: وتطاولت الأيّام على ذلك حتى عفتها السيول والأمطار ولم يبق لها أثر.
وعن عليّ، كرّم اللّه وجهه: ان عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر إذ
стр. 119
أمر بحفر زمزم. قال: وما زمزم؟ قالوا: لا تنزف ولا تهدم يسقي الحجيج الأعظم عند نقرة الغراب الأعصم. فغدا عبد المطّلب ومعه الحرث ابنه، فوجد الغراب ينقر بين أساف ونائلة، فحفر هناك، فلمّا بدا الطيّ كبّر، فاستشركه قريش وقالوا: انّه بئر أبينا إسماعيل ولنا فيه حقّ! فتحاكموا إلى كاهنة بني سعد باشراف الشام وساروا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نفد ماؤهم وظمئوا وأيقنوا بالهلاك، فانفجرت من تحت خفّ عبد المطّلب عين ماء فشربوا منها وعاشوا. وقالوا: قد واللّه قضي لك علينا لا نخاصمك فيها أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم! فانصرفوا فحفر عبد المطّلب زمزم، فوجد فيها غزالين من ذهب وأسيافا قلعيّة كانت جرهم دفنتها فيها وقت خروجهم من مكّة، فضرب الغزالين بباب الكعبة وأقام سقاية الحاج بمكّة، واللّه الموفق.
وينسب إلى مكّة المهاجرون الذين أكثر اللّه تعالى عليهم من الثناء في كتابه المجيد، وخصّ بعضهم بمزيد فضيلة وهم المبشرة العشرة، ذكر أن رسول اللّه، ﷺ ، قال: إنّهم في الجنّة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح، رضوان اللّه عليهم أجمعين.
ملتان
هي آخر مدن الهند ممّا يلي الصين، مدينة عظيمة منيعة حصينة جليلة عند أهل الصين والهند، وانّها بيت حجّهم ودار عبادتهم كمكّة لنا. وأهلها مسلمون وكفّار. والمدينة في دولة المسلمين، وللكفّار بها القبّة العظمى والبدّ الأكبر، والجامع مصاقب لهذه القبّة، والإسلام بها ظاهر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شامل؛ كلّ ذلك عن مسعر بن مهلهل.
وقال الإصطخري: مدينة حصينة منيعة، دار الملك ومجمع العسكر،
стр. 120
والملك مسلم لا يدخل المدينة إلّا يوم الجمعة، يركب الفيل ويدخل المدينة لصلاة الجمعة.
بها صنم يعظّمه الهند ويحجّ إليه من أقصى بلاد الهند، ويتقرّب إليه كلّ سنة بأموال عظيمة، لينفق على بيت الصنم والمعتكفين منهم. وبيت الصنم قصر مبنيّ في أعمر موضع بين سوق العاجنين وسوق الصّفّارين، وفي وسط القصر قبّة فيها الصنم.
قال مسعر بن مهلهل: سمك القبّد في الهواء ثلاثمائة ذراع، وطول الصنم عشرون ذراعا، وحول القبّة بيوت يسكنها خدم الصنم العاكفون عليه، وليس في ملتان عبّاد الصنم إلّا في هذا القصر.
وصورة الصنم إنسان جالس مربّعا على كرسي، وعيناه جوهرتان، وعلى رأسه إكليل ذهب، مادّ ذراعيه على ركبتيه، منهم من يقول من خشب، ومنهم من يقول من غير خشب، ألبس بدنه مثل جلد السختيان الأحمر، إلّا أن يديه لا تنكشفان وجعل أصابعه من يديه كالقابض أربعة في الحساب، وملك ملتان لا يبطل ذلك الصنم لأنّه يحمل إليه أموالا عظيمة يأخذها الملك، وينفق على سدنة الصنم شيئا معلوما. وإذا قصدهم الهند محاربين أخرج المسلمون الصنم ويظهرون كسره أو إحراقه فيرجعون عنهم.
حكى ابن الفقيه أن رجلا من الهند أتى هذا الصنم، وقد اتّخذ لرأسه تاجا من القطن ملطخا بالقطران ولأصابعه كذلك، وأشعل النار فيها، ووقف بين يدي الصنم حتى احترق.
وينسب إليها هارون بن عبد اللّه مولى الأزد، كان شجاعا شاعرا، ولمّا حارب الهند المسلمين بالفيل لم يقف قدام الفيل شيء، وقد ربطوا في خرطومه سيفا هذاما طويلا ثقيلا، يضرب به يمينا وشمالا لا يرفعه فوق رأس الفيالين على ظهره ويضرب به، فوثب هارون وثبة أعجله بها عن الضرب ولزق بصدر الفيل، وتعلّق بأنيابه، فجال به الفيال جولة كاد يحطمه من شدّة ما جال به.
стр. 121
وكان هارون شديد الخلق رابط الجأش فاعتمد في تلك الحالة على نابيه، وأصلهما مجوّف، فانقلعا من أصلهما وأدبر الفيل وبقي النابان في يد هارون، وكان ذلك سبب هزيمة الهند، وغنم المسلمون، فقال هارون في ذلك:
مشيت إليه رادعا متمهّلا … وقد وصلوا خرطومه بحسام
فقلت لنفسي: إنّه الفيل ضاربا … بأبيض من ماء الحديد هذام
فإن تنكإي منه فعذرك واضح … لدى كلّ منخوب الفؤاد عبام
ولمّا رأيت السّيف في رأس هضبة … كما لاح برق من خلال غمام
فعافسته حتى لزقت بصدره … فلمّا هوى لازمت أيّ لزام
وعذت بنابيه وأدبر هاربا … وذلك من عادات كلّ محامي
مليبار
ناحية واسعة بأرض الهند تشتمل على مدن كثيرة، بها شجرة الفلفل وهي شجرة عالية لا يزول الماء من تحتها، وثمرتها عناقيد إذا ارتفعت الشمس واشتدّ حرّها تنضمّ على عناقيدها أوراقها، وإلّا أحرقتها الشمس قبل إدراكها، وشجر الفلفل مباح إذا هبّت الريح سقطت عناقيدها على وجه الماء، فيجمعها الناس، وكذلك تشنّجها، ويحمل الفلفل من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وأكثر الناس انتفاعا به الفرنج يحملونه في بحر الشام إلى أقصى المغرب.
منى
بلدة على فرسخ من مكّة طولها ميلان، وهي بين جبلين مطلّين عليها، بها مصانع وآبار وخانات وحوانيت تعمر أيّام الموسم، وتخلو بقيّة السنة إلّا ممّن يحفظها.
من عجائبها أن الجمار التي ترمى منذ حجّ الناس إلى زماننا هذا لا يظهر بها
стр. 122
من غير أن تكسحها السيول أو يأخذها الناس، ولولا الآية الأعجوبة التي فيها لكان ذلك الموضع كالجبال الشاهقة.
وبها مسجد الخيف ومسجد الكبش، وقلّ أن يكون في الإسلام بلد إلّا ولأهله مضرب.
مندورفين
مدينة بأرض الهند؛ قال مسعر بن مهلهل: بها غياض هي منابت القنا، ومنها يحمل الطباشير، والطباشير رماد هذا القنا، وذلك انّها إذا جفّت وهبّت بها الرياح احتكّ بعضها ببعض واشتدّت فيها الحرارة، فانقدحت فيها نار ربّما أحرقت مسافة خمسين فرسخا، فرماد هذا القنا هو الطباشير يحمل إلى سائر البلاد.
مندل
مدينة بأرض الهند يكثر بها العود حتى يقال للعود المندل، وليس هي منبته، فإن منابته لا يصل إليها أحد، قالوا: ان منابت العود جزائر وراء خطّ الاستواء ويأتي به الماء إلى جانب الشمال، فما انقلع رطبا فإذا أصابته ريح الشمال يبقى رطبا وهو الذي يقال له القامروني، وما جفّ ورمته يابسا فإنّه المندلي الثقيل المصمت، فإن رسب في الماء فهو غاية جدّا ليس فوقه خير منه.
المنصورة
مدينة مشهورة بأرض السند كثيرة الخير، بناها المنصور أبو جعفر الثاني من خلفاء بني العبّاس، وفيها ينزل الولاة، لها خليج من نهر مهران يحيط بالمدينة، وهي في وسطه كالجزيرة إلّا أنّها شديدة الحرّ كثيرة البقّ.
بها ثمرتان لا توجدان في مدينة غيرها: إحداهما الليمو على قدر التفّاح،
стр. 123
والأخرى الانبج على شبه الخوخ.
وأهل المدينة موافقون على أنّهم لا يشترون شيئا من المماليك السنديّة، وسببه أن بعض رؤسائها من آل مهلّب ربّى غلاما سنديّا، فلمّا بلغ رآه يوما مع زوجته فجبّه ثمّ عالجه حتى هدأ، وكان لمولاه ابنان: أحدهما بالغ، والآخر طفل، فأخذ الغلام الصبيّين وصعد بهما إلى أعالي سور الدار ثمّ قال لمولاه:
واللّه لئن لم تجبّ نفسك الآن لأرمينّ بهما! فقال الرجل: اللّه اللّه فيّ وفي ولديّ! فقال: دع عنك هذا، واللّه ما هي إلّا نفس، وإني لأسمح بها من شربة ماء! وأهوى ليرمي بهما فأسرع الرجل وأخذ مدية وجبّ نفسه، فلمّا رأى الغلام ذلك رمى بالصبيّين وقال: فعلت بك ما فعلت بي وزيادة قتل الولدين. فقتل الغلام بأفظع العذاب وأخرج من المدينة جميع المماليك السندية، فكانوا يتداولون في البلاد ولا يرغب أحد بالثمن اليسير في شرائهم.
بها نهر مهران عرضه كعرض دجلة أو أكثر، يقبل من المشرق آخذا جهة الجنوب متوجها إلى المغرب حتى يقع في بحر فارس أسفل السند؛ قال الإصطخري: مخرجه من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، ويظهر بملتان على حدّ سمندور ثمّ على المنصورة، ثمّ يقع في البحر، وهو نهر كبير عذب جدّا يقال فيه تماسيح كما في النيل، وجريه مثل جريه، يرتفع على الأرض ثمّ ينصبّ ويزرع عليه مثل ما يزرع على النيل بأرض مصر.
وقال الجاحظ: ان تماسيح نهر مهران أصغر حجما من تماسيح النيل وأقلّ ضررا، وذكر أنّه يوجد في هذا النهر سبائك الذهب. واللّه الموفق.
مهيمة
قرية بين مكّة والمدينة على ميل من الأبواء. بها ماء مهيمة، وهو ماء ساكن لا يجري إذا شربته الإبل يأخذها الهيام، وهو حميّ الإبل، لا تعيش الإبل بها.
والقرية موبأة لفساد مائها.
стр. 124
نجران
من مخاليف اليمن من ناحية مكّة، بناها نجران بن زيدان بن سبا بن يشجب، قال، ﷺ : القرى المحفوظة أربع: مكّة والمدينة وإيليا ونجران، وما من ليلة إلّا وينزل على نجران سبعون ألف ملك، يسلّمون على أصحاب الأخدود ثمّ لا يعودون إليها أبدا.
كان بها كعبة نجران، بناها عبد المدان بن الريان الحرثي مضاهاة للكعبة، وعظّموها وسمّوها كعبة نجران، وكان بها أساقفة مقيمون، وهم الذين جاءوا رسول اللّه، ﷺ ، للمباهلة.
قال هشام بن الكلبي: انّها كانت قبّة من أدم من ثلاثمائة جلد، إذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت حاجته أو مسترفد أرفد. وكانت القبة على نهر يستغلّ عشرة آلاف دينار تستغرق القبّة جميعها.
ينسب إليها عبد اللّه بن النامر، سيّد شهداء نجران؛ قال محمّد بن القرطي:
كان أهل نجران أهل الشرك، وكان عندهم ساحر يعلّم صبيانهم السحر، فنزل بهم رجل صالح وابتنى خيمة بجنب قرية الساحر، فجعل أهل نجران يبعثون أولادهم إلى الساحر لتعلّم السحر، وفيهم غلام اسمه عبد اللّه، وكان ممرّه على خيمة الرجل الصالح، فأعجبه عبادة الرجل، فجعل يجلس إليه ويسمع منه أمور الدين حتى أسلم، وتعلّم منه الشريعة والاسم الأعظم.
فقال له الرجل الصالح: عرفت الاسم الأعظم فاحفظ على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد اللّه إذا رأى أحدا من أصحاب العاهات يقول له:
إن دخلت في ديني فإني أدعو اللّه ليعافيك! فيقول: نعم. فيدخل فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد ذو ضربة، فرفع أمره إلى الملك فأحضره وقال: أفسدت على أهل نجران وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلنّ بك! فقال عبد اللّه: أنت لا تقدر على ذلك! فجعل يلقيه من شاهق فيقوم سليما ويرميه في ماء مغرق
стр. 125
فيخرج سليما! فقال له عبد اللّه: لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بمن آمنت به.
فوحّد اللّه ودخل في دينه ثمّ ضربه بعصا كانت في يده فشجّه شجّة يسيرة، فمات عليها. فلمّا رأى أهل نجران ذلك قالوا: آمنّا بربّ عبد اللّه. فحفر الملك أخدودا وملأها حطبا وأضرم فيه النار وأحضر القوم، فمن رجع عن دينه تركه، ومن لم يرجع ألقاه في النار؛ فذلك قوله تعالى: قتل أصحاب الأخدود. وذكر أن عبد اللّه بن النامر أخرج في زمن عمر بن الخطّاب وإصبعه على شجّته، كما وضعها عليها حين قتل.
النّدهة
أرض واسعة بالسند بها خلق كثير إلّا أنّهم كالزطّ. وبها خير كثير، وأكثر زروعهم الرزّ. وبها الموز والعسل والنارجيل. وبها الجمل الفالج ذو السنامين، وهذا الصنف من الإبل لا يوجد إلّا هناك، يجلب منها إلى خراسان وفارس، ويجعل فحلا للنوق العربيّة فتولد منهما البخاتي.
الهند
هي بلاد واسعة كثيرة العجائب. تكون مسافتها ثلاثة أشهر في الطول وشهرين في العرض، وهي أكثر أرض اللّه جبالا وأنهارا، وقد اختصّت بكريم النبات وعجيب الحيوان، ويحمل منها كلّ طرفة إلى سائر البلاد مع أن التجّار لا يصلون إلّا إلى أوائلها. وأمّا أقصاها فقلّما يصل إليها أهل بلادنا لأنّهم كفّار يستبيحون النفس والمال.
والهند والسند كانا أخوين من ولد توقير بن يقطن بن حام بن نوح، ﵇، وهم أهل ملل مختلفة: منهم من يقول بالخالق دون النبيّ، وهم البراهمة، ومنهم من لا يقول بهما، ومنهم من يعبد الصنم، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يبيح الزنا.
стр. 126
بها من المعدنيات جواهر نفيسة، ومن النبات أشياء غريبة، ومن الحيوانات حيوانات عجيبة ومن العمارة رفيعة؛ قال أبو الضلع السندي يذكر بلاد الهند وما يجلب منها:
لقد أنكر أصحابي وما ذلك بالأمثل
إذا ما مدح الهند وسهم الهند في المقتل
لعمري إنّها أرض إذا القطر بها ينزل
يصير الدّرّ والياقوت والدّرّ لمن يعطل
فمنها المسك والكافور والعنبر والمندل
وأصناف من الطيّب ليستعمل من يتفل
وأنواع الأفاويه وجوز الطّيب والسّنبل
ومنها العاج والسّاج ومنها العود والصّندل
وإنّ التّوتيا فيها كمثل الجبل الأطول
ومنها الببر والنّمر ومنها الفيل والدّغفل
ومنها الكرك والببغاء والطّاووس والجوزل
ومنها شجر الرّانج والسّاسم والفلفل
سيوف ما لها مثل قد استغنت عن الصّيقل
وأرماح إذا ما هزّت اهتزّ بها الجحفل
فهل ينكر هذا الفضل إلّا الرّجل الأخطل
ومن عجائب الهند حجر موسى، فإنّه يوجد بالليل ولا يوجد بالنهار، يكسر كلّ حجر ولا يكسره حجر.
ومن عجائبها شجرة كسيوس فإنّها شجرة حلوة الثمرة تقع الحمام عليها وتأكل من ثمرتها فيغشى على الحمام فتأتي الحيّة لقصد الحمام، فإن كان على
стр. 127
غصن الشجرة أو ظلّها لا تقدر الحيّة أن تقربها.
ومن عجائبها البيش، وهو نبت لا يوجد إلّا بالهند، سمّ قاتل، ايّ حيوان يأكل منه يموت، ويتولد تحته حيوان يقال له فأرة البيش، يأكل منه ولا يضرّه، وممّا ذكر أن ملوك الهند إذا أرادوا الغدر بأحد عمدوا إلى الجواري إذا ولدن، وفرشوا من هذا النبت تحت مهودهن زمانا، ثمّ تحت فراشهن زمانا، ثمّ تحت ثيابهن زمانا، ثمّ يطعمونهن منه في اللبن، حتى تصير الجارية إذا كبرت تتناول منه ولا يضرّها، ثمّ بعثوا بها مع الهدايا إلى من أرادوا الغدر به من الملوك فإنّه إذا غشيها مات.
وبها غنم لها ستّ ألايا: إحداها على المكان المعهود، والثانية على الصدر، والثالثة والرابعة على الكتفين، والخامسة والسادسة على الفخذين، رأيت واحدة منها حملت إلى بلادنا.
وبها حيّات إذا لسعت إنسانا يبقى كالميت، فيشدّونه على لوح ويلقونه في الماء، والماء يذهب به إلى موضع فيه مارستان، وعلى الماء من يترصّد الملسوعين فيأخذهم ويعالجونهم، فيرجع بعد مدّة إلى أهله سالما.
وبها طير عظيم الجثّة جدّا؛ قالوا: إنّه في بعض جزائرها إذا مات نصف منقاره يتّخذ مركبا يركب الناس فيه في البحر، وعظم ريشه يتّخذ آزون الطعام ويسع الواحد منه أحمالا كثيرة.
ومن عجائبها مدينة إذا دخلها غريب لم يقدر على المجامعة أصلا، ولو أقام بها ما أقام، فإذا خرج عنها زال عنه المانع ورجع إلى حاله.
قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض الهند بحيرة مقدار عشرة فراسخ في مثلها، ماؤها ينبع من أسفلها لا يأتيها شيء من الأنهار. وفي تلك البحيرة حيوانات على صورة الإنسان، إذا كان الليل يخرج منها عدد كثير يلعبون على ساحل البحر ويرقصون ويصفّقون باليدين، وفيهم جوار حسناوات. ويخرج منها أيضا حيوانات على غير صورة الإنسان عجيبة الأشكال، والناس في الليلة
стр. 128
القمراء يقعدون من البعد وينظرون إليهم، وكلّما كان النظار أكثر كان الخارجون أكثر. وربّما جاءوا بالفواكه الكثيرة أكلوها وتركوا ما فضل منها على الساحل، وإن مات منهم أحد أخرجوه من البحيرة وستروا سوأته بالطين، والناس يدفنونه، وما دام يبقى على الساحل لا يخرج من الماء أحد البتة.
قال صاحب عجائب الأخبار: بأقصى بلاد الهند أرض رملها مخلوط بالذهب، وبها نوع من النمل عظام، وهي أسرع عدوا من الكلب! وتلك الأرض شديدة الحرارة جدّا، فإذا ارتفعت الشمس واشتدّت الحرارة تهرب النمل إلى أسراب تحت الأرض وتختفي فيها إلى أن تنكسر سورة الحرّ فتأتي الهند بالدواب عند اختفاء النمل ويحمل من ذلك الرمل، ويسرع في المشي مخافة أن يلحقهم النمل فيأكلهم.
قال المسعودي: بأرض الهند هيكل عظيم عندهم يقال له بلاذري، ليس لهم هيكل أعظم منه، له بلد قد وقف عليه، وحوله ألف مقصورة فيها جوار موقوفة على الصنم لمن جاءه زائرا. ومن جاء سجد له وأقام في ضيافته ثلاثا وبات عند جارية من جواريه ثمّ رجع.
بها جبل؛ قال صاحب تحفة الغرائب: على هذا الجبل صورة أسدين يخرج من فمهما ماء كثير يصير ساقيتين، عليهما شرب قريتين، على كلّ ساقية قرية، فوقعت بين القريتين خصومة فكسروا فم أحدهما فانقطع ماؤه، فأصلح المكسور ليرجع إلى حاله فما أفاد شيئا.
وبها نهر كبك، وهو نهر عظيم، وللهند فيه اعتقاد عظيم، من مات من عظمائهم يلقون عظامه في هذا النهر، ويقولون إنّها تساق إلى الجنّة، وبين هذا النهر وسومناة مائتا فرسخ، يحمل كلّ يوم من مائه إلى سومناة ليغسلوا به بيوت الأصنام وغيرها يتبرّكون به.
وبها عين العقاب؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض الهند جبل فيه عين ماء إذا هرمت العقاب تأتي بها أفراخها هذه العين وتغسلها فيها، تمّ تضعها في الشمس
стр. 129
فإن ريشها يتساقط عنها وينبت لها ريش جديد، ويزول عنها الضعف وترجع إلى القوّة والشباب.
حكي انّه ذكر في مجلس كسرى أنوشروان أن بأرض الهند جبلا فيه شجر ثمرتها تحيي الموتى، فبعث رجلا إلى بلاد الهند ليأتيه بصحة هذا الكلام، فذهب إلى بلاد الهند يسأل عن الجبل حتى اجتمع ببعض البراهمة، فقال له: هذا الكلام مرموز من كلام الحكماء، أرادوا بالجبل الرجل العالم، وبالشجرة علمه، وبثمرتها فائدة علمه، وبالحياة حياة الآخرة. فقال كسرى: صدق عالم الهند؛ الأمر كما ذكر.
يترب
قرية من قرى اليمامة كثيرة النخل؛ قال ابن الكلبي: كان بها رجل من العمالقة يقال له عرقوب، فأتاه أخ له مستميحا، فقال له عرقوب: إذا أطلعت نحلي فلك طلعها. فلمّا أطلعت قال: دعها حتى تصير بلحا؛ فلمّا أبلحت قال:
دعها حتى تصير زهوا، ثمّ حتى تصير بسرا، ثمّ حتى تصير رطبا ثمّ تمرا.
فلمّا أتمرت عمد إليها ليلا فجدّها، فصار مثلا في الخلف؛ قال الأصمعي:
وعدت وكان الخلف منك سجيّة … مواعيد عرقوب أخاه بيترب
اليمامة
ناحية بين الحجاز واليمن، أحسن بلاد اللّه وأكثرها خيرا ونخلا وشجرا.
كانت في قديم الزمان منازل طسم وجديس، وهما من ولد لاوذ بن ارم بن لاوذ بن سام بن نوح، ﵇. أقاموا باليمامة فكثروا بها وملك عليهم رجل من طسم يقال له عمليق بن حيّاش، وكان جبّارا ظلوما يحكم بينهم بما شاء.
حكي انّه احتكم إليه رجل وامرأة في مولود بينهما، فقال الزوج واسمه قابس:
أيّها الملك أعطيتها المهر كاملا ولم أصب منها طائلا إلّا ولدا جاهلا، فافعل
стр. 130
ما كنت فاعلا! فقالت الزوجة واسمها هزيلة: أيّها الملك هذا ولدي حملته تسعا ووضعته دفعا وأرضعته شبعا، ولم أنل منه نفعا، حتى إذا تمّت فصاله واشتدّت أوصاله أراد زوجي أخذه كرها وتركي ولهى! فقال الزوج: إني حملته قبل أن تحمله وكفلت أمّه قبل أن تكفله! فقالت الزوجة: إنّه أيّها الملك حمله خفّا وأنا حملته ثقلا، ووضعه شهوة وأنا وضعته كرها! فلمّا رأى عمليق متانة حجّتها تحيّر، ورأى أن يجعل الغلام في جملة غلمانه حتى يتبيّن له الرأي فيه، فقالت له هزيلة:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا … فأظهر حكما في هزيلة ظالما
ندمت وكم أندم وأنّى بعثرتي … وأصبح بعلي في الحكومة نادما
فلمّا سمع عمليق ذلك غضب على نساء جديس، وأمر أن لا تزوّج بكر من نساء جديس حتى تدخل عليه فيكون هو مفترعها! فلقوا من ذلك ذلّا حتى تزوّجت غفيرة بنت غفار، أخت الأسود بن غفار سيّد جديس، فلمّا كانت ليلة الزفاف أخرجت لتحمل إلى الملك والقينات حولها يضربن بمعازفهن ويقلن:
ابدي بعمليق وقومي واركبي … وبادري الصّبح بأمر معجب!
فسوف تلقين الذي لم تطلبي … وما لبكر دونه من مهرب!
فأدخلت على عمليق فامتنعت عليه، وكانت أيّدة فافترعها بحديدة وأدماها، فخرجت ودمها يسيل على قدميها فمرّت باكية إلى أخيها وهو في جمع عظيم، وهي تقول:
لا أحد أذلّ من جديس … أهكذا يفعل بالعروس؟
فقال أخوها: ما شأنك؟ فأنشأت تقول:
стр. 131
أيجمل أن يؤتى إلى فتياتكم … وأنتم رجال فيكم عدد الرّمل؟
أيجمل تمشي في الدّماء فتاتكم … صبيحة زفّت في العشاء إلى بعل؟
فلو أنّنا كنّا رجالا وكنتم … نساء لكنّا لا نقرّ على الذّلّ!
فدبّوا إليهم بالصّوارم والقنا … وكلّ حسام محدث الأمر بالصّقل
ولا تجزعوا للحرب قومي فإنّما … يقوم رجال للرّجال على رجل!
فلمّا سمعت جديس ذلك امتلأت غيظا، قال الأسود لجديس: يا قوم اتبعوني فإني عبر الدّهر! فقال القوم: إنّا لك مطيعون لكن عرفت أن القوم أكثر منّا عددا وعددا! فقال الأسود: اني أرى أن أتّخذ للملك طعاما، فإذا حضروا أنا أقوم إلى الملك وكلّ واحد منكم إلى رئيس من رؤسائهم ونقتلهم! فصنع الأسود طعاما وأمر أن يدفن كلّ واحد سيفه تحت الرمل مكان جلوسه، فلمّا جاءهم الملك وقومه وجلسوا للأكل قتل الأسود الملك، وقتل كلّ واحد منهم شريفا من أشراف طسم، فلمّا فرغوا منهم شرعوا في بقايا طسم فهرب واحد منهم اسمه رياح بن مرّة حتى لحق بحسّان بن تبّع الحميري وقال له:
عبيدك ورعيتك قد اعتدى علينا جديس، فقال له: ما شأنك؟ فرفع عقيرته ينشد:
أجبني إلى قوم دعونا لغدرهم … إلى قتلهم فيها لك الأجر
فإنّك لن تسمع بيوم ولن ترى … كيوم أباد الحيّ طسما به المكر
أتيناهم في أزرنا ونعالنا … علينا الملاء الحمر والحلل الخضر
بصرنا طعوما بالعراء وطعمة … ينازع فينا الطّير والذّئب والنّمر
فدونك قوما ليس للّه فيهم … ولا لهم منه حجاب ولا ستر
فأجابه حسّان إلى سؤاله ووعده بنصره ثمّ سار في جيوشه إليهم، فصبحهم واصطلمهم، فهرب الأسود بن غفار بأخته في نفر منهم وقتل البقيّة وسباهم.
وينسب إليها زرقاء اليمامة، وانّها كانت ترى الشخص من مسيرة يوم
стр. 132
وليلة، ولمّا سار حسّان نحو جديس قال له رياح بن مرّة: أيّها الملك إن لي أختا مزوّجة في جديس واسمها الزرقاء، وانّها زرقاء ترى الشخص من مسيرة يوم وليلة، أخاف أن ترانا فتنذر القوم بنا. فمر أصحابك ليقطعوا أغصان الأشجار وتستّروا بها لتشبّهوا على اليمامة. وساروا بالليل فقال الملك: وفي الليل أيضا؟ فقال: نعم! ان بصرها بالليل أنفذ! فأمر الملك أصحابه أن يفعلوا ذلك، فلمّا دنوا من اليمامة ليلا نظرت الزرقاء وقالت: يا آل جديس سارت إليكم الشجراء وجاءتكم أوائل خيل حمير. فكذّبوها فأنشأت تقول:
خذوا خذوا حذركم يا قوم ينفعكم … فليس ما قد أرى مل أمر يحتقر
إني أرى شجرا من خلفها بشر … لأمر اجتمع الأقوام والشّجر
فلمّا دهمهم حسّان قال لها: ماذا رأيت؟ قالت: الشجر خلفها بشر! فأمر بقلع عينيها وصلبها على باب جوّ، وكانت المدينة قبل هذا تسمّى جوّا، فسمّاها تبّع اليمامة وقال:
وسمّيت جوّا باليمامة بعد ما … تركت عيونا باليمامة همّلا
نزعت بها عيني فتاة بصيرة … رعاما ولم أحفل بذلك محفلا
تركت جديسا كالحصيد مطرّحا … وسقت نساء القوم سوقا معجّلا
أدنت جديسا دين طسم بفعلها … ولم أك لولا فعلها ذاك أفعلا
وقلت خذيها يا جديس بأختها! … وأنت لعمري كنت في الظّلم أوّلا!
فلا تدع جوّا ما بقيت باسمها … ولكنّها تدعى اليمامة مقبلا
وينسب إليها مسيلمة الكذّاب الذي يقال له رحمن اليمامة، ادّعى النبوة في عهد رسول اللّه، ﷺ ، فطلبوا منه المعجزة فأخرج قارورة ضيّقة الرأس فيها بيضة، فآمن به بعضهم، وهم بنو حنيفة أقلّ الناس عقلا،
стр. 133
فاستخفّ قومه فأطاعوه! وبنو حنيفة اتّخذوا في الجاهليّة صنما من العسل والسمن يعبدونه، فأصابتهم في بعض السنين مجاعة فأكلوه، فضحك على عقولهم الناس وقالوا فيهم:
أكلت حنيفة ربّها … زمن التّقحّم والمجاعة
لم يحذروا من ربّهم … سوء العواقب والتّباعه
والبيضة إذا تركت في الخلّ زمانا لانت، فأدخلها في القارورة ثمّ صبّ الماء عليها فعادت إلى حالها، وكان ظهوره في السنة العاشرة من الهجرة، وحكي انّه كتب إلى رسول اللّه، ﷺ : من مسيلمة رسول اللّه إلى محمّد رسول اللّه. سلام عليك! أمّا بعد فإني أشركت في الأمر معك، وان لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، لكن قريشا يعتدون؛ وانفذه مع رسولين فكتب إليه رسول اللّه، ﷺ : من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب، السلام على من اتّبع الهدى! أمّا بعد فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين. قتل مسيلمة خالد بن الوليد في زمن أبي بكر.
وحكي أنّه رأى حمامة مقصوصة الجناح فقال: لم تعذّبون خلق اللّه؟ لو أراد اللّه من الطير غير الطيران ما خلق لها جناحا، وإني حرّمت عليكم قصّ جناح الطائر! فقال بعضهم: سل اللّه الذي أعطاك آية البيض أن ينبت له جناحا! فقال: إن سألت فانبت له جناحا فطار تؤمنون بي؟ قالوا: نعم. فقال: إني أريد أناجي ربّي، فأدخلوه معي هذا البيت حتى أخرجه وافي الجناح حتى يطير.
فلمّا خلا بالطائر أخرج ريشا كان معه وأدخل في قصبة كلّ ريشة مقطوعة ريشة ممّا كان معه، فأخرجه وأرسله فطار فآمن به جمع كثير.
وحكي أنّه قال في ليلة منكرة الرياح مظلمة: إن الملك ينزل إليّ الليلة ولأجنحة الملائكة صلصلة وخشخشة، فلا يخرجن أحدكم فإن من تأمّلهم اختطف بصره. ثمّ اتّخذ صورة من الكاغد لها جناحان وذنب، وشدّ فيها
стр. 134
الجلاجل والخيوط الطوال فأرسل تلك الصورة وحملتها الريح، والناس بالليل يرون الصورة ويسمعون صوت الجلاجل ولا يرون الخيط. فلمّا رأوا ذلك دخلوا منازلهم خوفا من أن تختطف أبصارهم، فصاح بهم صائح: من دخل منزله فهو آمن! فأصبحوا مطبقين على تصديقه؛ قال الهذلي:
ببيضة قارور وراية شادن … وتوصيل مقصوص من الطير جازف
فلمّا سمع سورة والذاريات قال: وقد أنزل عليّ مثلها، وهي:
والزارعات زرعا. فالحاصدات حصدا. فالطاحنات طحنا. فالخابزات خبزا.
فالآكلات أكلا! فقال بعض أهل المجون: قل والخاريات خريا!
ولمّا سمع سورة الفيل قال: قد أنزل عليّ مثلها، وهي: الفيل. وما أدراك ما الفيل! له ذنب طويل ومشفر وثيل، وان ذلك من خلق ربنا النبيل! ولمّا سمع سورة الكوثر قال: قد أنزل عليّ مثلها، وهي: إنّا أعطيناك الجواهر، فصلّ لربّك وهاجر، ان شانئك هو الكافر!
فسبحان من أظهر إعجاز القرآن، فلو كان من عند غير اللّه لكان مثل هذا.
стр. 135
الإقليم الثالث
أوّله حيث يكون الظلّ نصف النهار إذا استوى الليل والنهار ثلاثة أقدام ونصف وعشر وسدس عشر قدم، وآخره حيث يكون ظلّ الاستواء فيه نصف النهار أربعة أقدام ونصفا وعشرين وثلاثة عشر قدما. وهو يبتدئ من المشرق فيمرّ على شمال بلاد الصين ثمّ الهند ثمّ السند، ثمّ كابل وكرمان وسجستان وفارس والأهواز، والعراقين والشام ومصر والاسكندريّة وبرقة وإفريقية، وينتهي إلى حدّ البحر المحيط. وأطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم ثلاث عشرة ساعة ونصف وربع، وفي وسطه أربع عشرة ساعة، وفي آخره أربع عشرة ساعة وربع، وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانمائة ألف وسبعمائة وأربعة وسبعون ميلا وخمس وأربعون دقيقة، وتكسيره مساحة ثلاثمائة ألف ألف وستّة آلاف وأربعمائة وثمانية وخمسون ميلا وتسع وعشرون دقيقة، ولنذكر بعض بلاده مرتبا على حروف المعجم.
أبرقوه
بلدة مشهورة بأرض فارس. هم يسمّونها دركوه يعني قرب الجبل، لأن بها تلّا عظيما. حكي في أخبار الفرس أن سعدى بنت تبّع كانت زوجة كيكاوس، ملك الفرس، عشقت ابن زوجها سياوش وراودته عن نفسه، فامتنع عليها فأخبرت أباه أنّه راودها كذبا عليه. فغضب الملك على ابنه فأجّج سياوش نارا عظيمة بأبرقوه ليدخلها، فإن كان بريئا لا تعمل فيه النار، وإن كان خائنا يحترق، وكان هذا يمينهم، فدخلها سياوش وخرج منها سالما فانتفت
стр. 136
منه التهمة، فتأذّى من أبيه وفارقه، وذهب إلى افراسياب ملك الترك فأكرمه وزوّجه ببنته، ثمّ قيل لافراسياب: انّه يريد الغدر بك، فأخذه وقتله، فوقعت الخصومة بين الفرس والترك إلى هذا الوقت، فذكر أن التلّ العظيم بأبرقوه رماد نار سياوش.
ومن عجائب ابرقوه أن المطر لا يقع في داخلها إلّا قليلا، وإنّما يقع في حواليها دون السور، ويزعمون أن ذلك بدعاء الخليل، ﵇، وزعموا أن الخليل، ﵇، منعهم عن استعمال البقر في الزرع، وهم لا يستعملونها مع كثرتها بها.
أبسوج
قرية بمصر في غربي النيل، بها بيعة خاصيّتها دفع الفأر، وذاك على بابها صورة فأرة في جحر، والناس يأخذون طين النيل ويطبعونه على صورة الفأرة التي في الجحر، ويحملونه إلى بيوتهم، وتهرب الفأر عن بيوتهم.
وذكر أهل القرية أن مركبا كان فيه شعير وقف تحت هذه القرية، فقصد صبيّ من المركب وأخذ شيئا من طين النيل وطبع به الفأرة، ونزل المركب بالطين المطبوع فتبادرت فأر المركب ترمي نفسها في الماء. فتعجّب الناس من ذلك وجربوه في البيوت أيضا، وكان أي طابع حصل في دار لم تبق فيها فأرة إلّا خرجت، فتقتل أو تفلت إلى موضع لا طابع فيه. فأخذ أكثر الناس الطابع وتركوه في بيتهم.
أبيار
مدينة بقرب الإسكندريّة. بها معدن النطرون. من عجائبه أن كلّ شيء يقع فيه يصير نطرونا حتى لو وقع فيه ثور يصير نطرونا بجميع أجزائه، والنطرون نوع من البورق يستعمل في الأدوية.
стр. 137
أجر
قرية في إفريقية بقرب القيروان، لها حصن وقنطرة عجيبة في موضع زعر كثير الحجارة، من عجائبها ان الريح العاصف دائمة الهبوب بها، وأرضها مأسدة، الأسود بها كثيرة، فلا تخلو من الريح العاصف والأسد القاصف.
إخميم
بلدة صغيرة عامرة بالنخيل والزروع على النيل الشرقي. من عجائبها الجبل الذي في غربيها، من أصغى إليه سمع صوتا كخرير الماء ولغطا شبيها بكلام، ولم تعرف حقيقة ذلك.
وبها البرابي التي هي من عجائب مصر. والبربا عبارة عن بيت عمل فيه شجر أو طلسم. وبربا اخميم بيت فيه صور ثابتة في الحجارة بادية إلى الآن موجود. ذكر في كتاب أخبار مصر انّه لمّا أغرق اللّه تعالى فرعون وجنوده في البحر، خلت مصر عن الرجال الأجناد. وكانت امرأة من بيت الفراعنة يقال لها دلوكة أرادت أن يبقى عليها اخميم، لا يطمع فيها الملوك لعدم الأجناد.
وكان في زمانها ساحرة يقدّمها سحرة مصر في علم السحر، يقال لها تدورة، فقالت لها دلوكة: احتجنا إليك في شيء تصنعينه يكون حرزا لبلادنا ممّن يرومه من الملوك، إذ بقينا بغير رجال. فأجابتها إلى ما أرادت وصنعت لها بربا، وهو بيت له أربعة أبواب إلى أربع جهات، وصوّرت فيها السفن والرجال والخيل والبغال والحمير وقالت: قد عملت لك شيئا يغنيك عن الرجال والسلاح والحصن، فإن من أتاكم من البر يكون على الخيل والبغال والحمير، وان من أتاكم من البحر يكون في السفن، فعند ذلك تحرّكت الصور التي هي مثلهم وتشاكلهم فما فعلتم بالصور أصابهم مثل ذلك في أنفسهم. فكان بعد ذلك إذا أتاهم عدوّ تحرّكت الصور فقطعوا سوق الدواب، وفقأوا عيون الرجال وبقروا بطونهم
стр. 138
فيصيبهم مثل ذلك. وهذه الحكاية وإن كانت شبه الخرافات لكنها في جميع كتب أخبار مصر مكتوبة والبيت باق إلى الآن.
وينسب إليها أبو الفيض ذو النون المصري ابن إبراهيم الاخميمي. انّه كان أوحد وقته علما وورعا وأدبا. وله حالات عجيبة أعجب من البرابي، حكى سالم بن عبد اللّه المغربي قال: سألت ذا النون عن سبب توبته فقال: انّه عجيب لا تطيقه! فقلت: وحقّ معبودك الّا أخبرتني! فقال: خرجت من مصر أريد بعض القرى، فنمت في بعض الطريق ففتحت عيني، فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقّت الأرض فخرجت منها سكرّجتان إحداهما ذهب والأخرى فضّة، وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا، فقلت: حسبي لزمت الباب حتى قبلني.
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
وحكى يوسف بن الحسين قال: بلغني أن ذا النون يعرف اسم اللّه الأعظم، فقصدت مصر وخدمته سنة ثمّ قلت له: أيّها الأستاذ أثبتّ عليك حقّ الخدمة، أريد أن تعرفني اسم اللّه الأعظم ولا تجد له موضعا مثلي. فسكت حتى أتى على هذا ستّة أشهر، ثمّ أخرج لي يوما طبقا ومكنّة مشدودا في منديل، وكان ذو النون بالجيزة، قال لي: أتعرف صديقنا فلانا بالفسطاط؟ قلت: نعم. قال:
أريد أن تؤدي إليه هذا. قال: فأخذت الطبق وامشي طول الطريق وأتفكّر في ذلك، فلم أصبر حتى حللت المنديل ورفعت المكنّة، فإذا فأرة على الطبق أفلتت ومرّت فاغتظت من ذلك وقلت له: إنّه يسخر بي! فرجعت إليه مغتاظا.
فلمّا رآني عرف ما في وجهي فقال: يا أحمق ائتمنتك على فأرة فخنتني! أفآتمنك على اسم اللّه الأعظم؟ مرّ عني لا أراك.
стр. 139
أرّجان
مدينة مشهورة بأرض فارس، بناها قباذ بن فيروز والد أنوشروان العادل؛ قال ابن الفقيه: من عجائبها كهف في حبل ينبع منه ماء شبيه بعرق يترشّح من حجارته، يكون منه الموميا الجيّد الأبيض، وعلى هذا الكهف باب حديد وحفظة، يغلق ويختم بختم السلطان إلى يوم من السنة يفتح فيه ويحضر القاضي ومشايخ البلد ويدخل الكهف رجل عريان، فيجمع ما قد اجتمع فيه من الموميا ويجعله في قارورة، فيكون مقدار مائة مثقال أو دونها، ثمّ يغلق الباب ويختم إلى القابل.
وخاصّيّته أن الإنسان إذا سقي منه مقدار عدسة وقد انكسر من أعضائه شيء أو انهشم ينزل كما يشربه إلى الكسر والهشم ويصلحه.
وبها قنطرة عجيبة على نهر طاب، وهي قوس واحدة سعة ما بين القائمتين ثمانون خطوة، وارتفاعها مقدار ما يخرج منها راكب الجمل وبيده أطول الأعلام.
وبها بئر صاهك. ذكر أهل ارجان: أنّهم امتحنوا قعرها بالمثقلات والارسان فلم يقفوا منها على قرار. يفور الدهر كلّه منها ماء رحى يسقي تلك القرية.
وإليها ينسب الفضل بن علان من أعيان أرجان، كان به حمّى الربع.
قيل له: ان النعمان بن عبد اللّه يقدم غدا والوجه أن تتلقّاه. فقال: كيف ذلك وغدا نوبة الحمى؟ لكن يا غلام هات اللحاف حتى أحمّ اليوم، وغدا أتلقى الرجل!
الأردنّ
ناحية بأرض الشام في غربي الغوطة وشماليها، وقصبتها طبريّة، بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيّام، بها البحيرة المنتنة التي يقال لها بحيرة طبريّة.
ودورة البحيرة ثلاثة أيّام، والجبال تكتنفها فلا ينتفع بهذه البحيرة ولا يتولّد فيها حيوان، وقد يهيج في بعض الأعوام فيهلك أهل القرى الذين هم حولها
стр. 140
كلّهم حتى تبقى خالية مدّة، ثمّ يأتي يسكنها من لا رغبة له في الحياة. وان وقع في هذه البحيرة شيء لا يبقى منتفعا به، حتى الحطب إذا وقع فيها لا تعمل النار فيه البتّة، وذكر ابن الفقيه أن الغريق فيها لا يغوص بل يبقى طافيا إلى أن يموت، ويخرج من هذه البحيرة حجر على شكل البطيخ يقال له الحجر اليهودي، ذكره الفلاسفة واستعمله الأطباء لحصاة المثانة، وهو نوعان: ذكر وأنثى، فالذكر للرجال والأنثى للنساء.
وبها منزل يعقوب النبيّ، ﵇، وبها جبّ يوسف الصدّيق، وإلى الآن باق، والناس يزورونها ويتبرّكون بها.
وينسب إليها الحواريّون القصّارون؛ قال لهم عيسى، ﵇:
من أنصاري إلى اللّه؟ قال الحواريّون: نحن أنصار اللّه.
أريحا
مدينة بقرب بيت المقدس من أعمال الأردن بالغور. ذات نخل وموز وسكر كثير، وهي قرية الجبّارين التي أمر اللّه موسى، ﵇، بدخولها، فقال موسى لبني إسرائيل: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه لكم، يعني أرض الشام، فخرج موسى من مصر بستمائة ألف مقاتل عازما للشام، فلمّا وصلوا إلى البرية التي بين مصر والشام، بعث موسى اثني عشر نقيبا من كلّ سبط واحدا رسولا إلى الجبّارين، ليعرفوا حالهم، فلمّا قربوا من أريحا تلقّاهم رجل من العمالقة، سألهم عن حالهم فقالوا: إنّا رسل موسى رسول اللّه إليكم. فجعلهم في كمّه كما يجعل أحدنا في كمّه العصافير، وذهب بهم إلى ملك العمالقة ونفضهم بين يديه، وقال: هؤلاء الذين يريدون قتالنا! أتأذن لي أن أطأهم بقدمي أفسّخهم؟ فقال الملك: لا، اتركهم حتى يرجعوا إلى قومهم يعرّفونهم حالنا وقوّتنا وضعفهم. فرجع النقباء وذكروا للقوم ما شاهدوا، فامتنع القوم عن دخول الشام وقالوا: إن فيها قوما جبّارين. وكان
стр. 141
من النقباء يوشع بن نون ابن عمّ موسى وكالب بن يوفنّا زوج أخت موسى، قالا: يا قوم ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون! وجدّ موسى وهارون جدّا عظيما، فقالوا: إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فينا فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون. فحبسهم اللّه تعالى في التيه أربعين سنة فماتوا كلّهم سوى يوشع وكالب، وأوحى اللّه تعالى إلى يوشع فدخل الشام بأولاد الممتنعين وفتحها، فأمرهم اللّه تعالى أن يدخلوا مدينة أريحا سجّدا للّه تعالى شكّرا قائلين: حطّة! أي سؤالنا حطّ ذنوبنا. وكانوا يدخلونها على استاههم قائلين حنطة، فسخط اللّه عليهم ورماهم بالطاغين، فهلك منهم آلاف مؤلفة وذلك قوله تعالى: فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.
الإسكندريّة
وهي المدينة المشهورة بمصر، على ساحل البحر. اختلف أهل السير في بانيها:
فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأوّل، وهو ذو القرنين أشك بن سلوكوس الرومي، الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسدّ على يأجوج ومأجوج كما أخبر اللّه تعالى عنه، وكان إذا بلغ موضعا لا ينفذ اتّخذ هناك تمثالا من النحاس مادّا يمناه مكتوبا عليها: ليس ورائي مذهب.
ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي، شبّهوه بالإسكندر الأوّل لأنّه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأوّل كان مؤمنا والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطاليس، وبين الأوّل والثاني دهر طويل.
قيل: إن الإسكندر لمّا همّ ببناء الإسكندريّة، وكانت قديما مدينة من بناء شدّاد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجريّة، ذبح ذبائح كثيرة للقرابين، ودخل هيكلا كان لليونانيّين وسأل ربّه أن يبيّن له أمر
стр. 142
هذه المدينة هل يتمّ أم لا؟ فرأى في منامه قائلا يقول له: إنّك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، وتختلط الرياح الطيّبة بهوائها ويصرف عنها السموم، ويطوى عنها شدّة الحرّ والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل، وان جبلت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر.
فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمدا كثيرة من الرخام، فأمر بحثّ الصّنّاع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها، فاختاروا وقتا وعلّقوا جرسا حتى إذا حرّك الجرس الصنّاع، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد، فإذا هم مترقّبون طار طير وقع على الجرس فحرّكه فوضعوا البناء.
قيل ذلك للاسكندر فقال: أردت طول بقائها وأراد اللّه سرعة خرابها، ولا يكون إلّا ما أراد اللّه فلا تنقضوها. فلمّا ثبت أساسها وجنّ الليل خرجت من البحر دابّة وخربت ما بنوا، فلم يزل يحكمها كلّ يوم ويوكل بها من يحفظها، فأصبحوا وقد خربت. فأمر الإسكندر باتّخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجنّ، فاندفع عنها أذيّتهم.
قال المسعودي: الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا، كلّ عمود طوله ثمانون ذراعا، عليها صور وأشكال وكتابة، فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح. وكان عليها سبعة أسوار، وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات، قال المفسّرون: كانت هي المراد من قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتا.
وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة. وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة.
بها مجلس سليمان، ﵇، قال الغرناطي: إنّه خارج الإسكندريّة، بنته الجنّ منحوتا من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها، كلّ عمود على قاعدة
стр. 143
من الرخام وعلى رأسه مثل ذلك، والرخام أبيض منقط بحمرة وسواد مثل الجزع اليماني، طول كلّ عمود ثلاثون ذراعا ودورته ثمانية أذرع، وله باب من الرخام وعتبته وعضادتاه أيضا من الرخام الأحمر الذي هو أحسن من الجزع، وفي هذا المجلس أكثر من ثلاثمائة عمود كلّها من جنس واحد وقدّ واحد، وفي وسط هذا المجلس عمود من الرخام على قاعدة رخاميّة، طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا ودوره خمسة وأربعون شبرا، إني شبرتها بشبري.
ومن عجائبها عمود يعرف اليوم بعمود السواري قريب من باب الشجرة من أبواب الإسكندريّة، فإنّه عظيم جدّا كأنّه منارة عظيمة، وهو قطعة واحدة منتصب على قاعدة من حجر عظيم مربع، وعلى رأسه حجر آخر مثل القاعدة كأنّه بيت، فإن تحت ذلك من مقطعه وانتصابه ورفع الحجر الفوقاني على رأسه يدلّ على أن فاعليه كانوا في قوّة شديدة، وكانوا بخلاف أهل زماننا.
ومن عجائبها ما ذكر أبو الريحان في الآثار الباقية ان بالإسكندريّة أسطوانة متحرّكة، والناس يقولون إنّها تتحرّك بحركة الشمس، وإنّما قالوا ذلك لأنّها إذا مالت يوضع تحتها شيء، فإذا استوت لا يمكن أخذها، وإن كان خزفا أو زجاجا يسمع تقريعه، وكانت الإسكندريّة مجمع الحكماء، وبها كان معاريجهم مثل الدرج، يجلس عليها الحكماء على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء، فإن موضعه كان على الدرجة السفلى.
ومن عجائبها المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت، وفوق ذلك منارة مثمّنة، وفوق المثمّنة منارة لطيفة مدوّرة، طول الأولى تسعون ذراعا، والمثمّنة مثل ذلك، وطول اللطيفة المدوّرة ثلاثون ذراعا، وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكّل ينظر إليها كلّ لحظة، فإذا خرج العدوّ من بلاد الروم وركب البحر، يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدوّ فيستعدّون لدفعه. وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأنفذ ملك الروم شخصا من خواصه ذا دهاء، فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنّه هارب من ملك الروم ورغب في
стр. 144
الإسلام، وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام.
فلمّا صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له: يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالا ودفائن للملوك الماضية. فسأله الوليد عن مكانه فقال: تحت منارة الإسكندريّة، فإن الإسكندر احتوى على أموال شدّاد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة. فبعث الوليد معه قوما لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة، فضجّت الناس من أهل الإسكندريّة. فلمّا رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمّت حيلته.
والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة، بينها وبين البر نحو شوط فرس، ولا طريق إليها إلّا في البحر المالح، وهي مربّعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه. وقد سقّفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة، فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة، وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات، وفي وسطها قبّة لطيفة كأنّها موضع الديدبان.
وحكي أن عبد العزيز بن مروان لمّا ولّي مصر جمع مشايخها وقال: إني أريد أن أعيد بناء الإسكندريّة إلى ما كانت. فقالوا: انظرنا حتى نتفكّر. فقال:
أعينوني بالرجال وأنا أعينكم بالمال. فذهبوا إلى ناووس وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سنّا من أسنانه فوجدوها عشرين رطلا على ما بها من
стр. 145
النخر والقدم، فقالوا: جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت.
فسكت.
بها عين مشهورة بعين الإسكندريّة، فيها نوع من الصدف يوجد في كلّ وقت لا يخلو منه في شيء من الأوقات، يطبخ وتشرب مرقته تبرئ من الجذام.
واللّه الموفق.
أسيوط
مدينة في غربي النيل من نواحي الصعيد في مستوى، كثيرة الخيرات عجيبة المتنزّهات، وعجائب عماراتها وصورها ممّا يرى لا ممّا يذكر. ولمّا صوّرت الدنيا للرشيد لم يستحسن غير كورة اسيوط، لكثرة ما بها من الخيرات والمتنزّهات.
فيها سبع وخمسون كنيسة للنصارى.
ومن عجائبها ان بها ثلاثين ألف فدّان، ينشر ماؤها في جميعها وإن كان قليلا لاستواء سطح أرضها، ويصل الماء إلى جميع أقطارها.
وبها الأفيون المصري الذي يحمل إلى سائر البلاد، وهو عصارة ورق الخشخاش الأسود والخس. وبها سائر أنواع السكر ومنها يحمل إلى جميع الدنيا.
وبها مناسج الديبقي والثياب اللطيفة التي لا يوجد مثلها في شيء من البلاد.
إصطخر
مدينة بأرض فارس قديمة لا يدرى من بناها، كان سليمان، ﵇، يتغدى بأرض الشام ببعلبك ويتعشّى بإصطخر.
بها بيت نار عظيم للمجوس ويقولون إنّه كان مسجد سليمان، ﵇؛ قال المسعودي: إنّه خارج المدينة، دخلته فرأيت بنيانا عجيبا وأساطين صخر عجيبة على أعلاها صور من الصخر عظيمة الأشكال. ذكر أهل الموضع أنّها صور الأنبياء، وهو في سفح جبل وهو هيكل عظيم، من عجائبه أن الريح
следующие страницы →