← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9631

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريا القزويني

Полный текст (619 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الإقليم الثاني هو حيث يكون ظلّ الاستواء، في أوّله نصف النهار إذا استوى الليل والنهار قدمين وثلاثة أخماس قدم، وآخره حيث يكون ظل الاستواء فيه نصف النهار ثلاثة أقدام ونصف وعشر سدس قدم، يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصين وبلاد الهند والسند، ويمرّ بملتقى البحر الأخضر، ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة والبحرين، ثمّ يقطع بحر القلزم ونيل مصر إلى أرض المغرب. ويكون أطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة، وآخره ثلاث عشرة ساعة ونصف وربع، وأوسطه ثلاث عشرة ساعة ونصف، وطوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف وثلاثمائة واثنا عشر ميلا واثنتان وأربعون دقيقة، وعرضه أربعمائة ميل وميلان واحدى وخمسون دقيقة، ومساحتها مكسرا ثلاثة آلاف ألف وستّمائة ألف ميل، وتسعون ألف ميل، وثلاثمائة وأربعون ميلا وأربع وخمسون دقيقة، وأمّا المدن الواقعة فيها فسنذكرها مرتّبة على حروف المعجم، ما انتهى خبرها إلينا، واللّه المستعان. الأبلق حصن السّموأل بن عاديا اليهودي الذي يضرب به مثل الوفاء، والحصن يسمّى الأبلق الفرد، لأنّه كان في بنائه بياض وحمرة، وهو بين الحجاز والشام على تلّ من تراب، والآن بقي على التلّ آثار الأبنية القديمة، بناه أبو السموأل عاديا اليهودي. يقال: أوفى من السموأل. وكان من قصّته أن امرأ القيس بن حجر الكندي، لمّا قتل أبوه مرّ إلى قيصر

стр. 72

يستنجده على قتلة أبيه، وكان اجتيازه على الأبلق الفرد، فرآها قلعة حصينة ذاهبة نحو السماء، وكان معه أدراع تركها عند السموأل وديعة وذهب. فبلغ هذا الخبر الحرث بن ظالم الغسّاني، فسار نحو الأبلق لأخذ الدروع، فامتنع السموأل من تسليمها إليه، فظفر بابن السموأل وكان خارج الحصن يتصيّد، فجاء به إلى أسفل الحصن وقال: إن دفعت الدروع إليّ وإلّا قتلت ابنك! فقال السموأل: لست أخفر ذمّتي فاصنع ما شئت! فذبحه والسموأل ينظر إليه وانصرف الملك على يأس! فضرب العرب المثل في الوفاء. وقال السموأل: بنى لي عاديا حصنا حصينا … وماء كلّما شئت استقيت رفيعا تزلق العقبان عنه … إذا ما نابني ضيم أبيت وأوصى عاديا قدما بأن لا … تهدّم يا سموأل ما بنيت وفيت بأدرع الكنديّ إني … إذا ما خان أقوام وفيت أجأ وسلمى جبلان بأرض الحجاز، وبها مسكن طيّء وقراهم. موضع نزه كثير المياه والشجر. قيل: أجأ اسم رجل وسلمى اسم امرأة كانا يألفان عند امرأة اسمها معروجا، فعرف زوج سلمى بحالهما فهربا منه، فذهب خلفهما وقتل سلمى على جبل سلمى وأجأ على جبل أجأ، ومعروجا، فسميّت المواضع بهم، وقال الكلبي: كان على أجأ أنف أحمر كأنّه تمثال إنسان يسمّونه فلسا، كان طيّء يعبدونه إلى عهد رسول اللّه، ﷺ ، فلمّا جاء الإسلام بعث رسول اللّه، ﷺ ، عليّ بن أبي طالب في مائة وخمسين من الأنصار، فكسروا فلسا وهدموا بيته وأسروا بنت حاتم. ينسب إليها أبو سليمان داود بن نصير الطائي الزاهد العابد؛ قيل إنّه سمع

стр. 73

امرأة عند قبر تقول: مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه … لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كلّ يوم وليلة … وتبقى كما تبلى وأنت حبيب كان ذلك سبب توبته. وقيل: إنّه ورث من أبيه أربعمائة درهم، أنفقها ثلاثين سنة، وصام أربعين سنة، ما علم أهله أنّه صائم. وكان حرّازا يأخذ أوّل النهار غداءه معه إلى الدكان، ويتصدّق به في الطريق، ويرجع آخر النهار يتعشّى في بيته، ولا يعلم أهله أنّه كان صائما. وكان له داية قالت: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية بين أكل الخبز وشرب القنيت أقرأ خمسين آية! وقال حفص بن عمر الجعفي: إن داود الطائي مرّ بآية يذكر فيها النار فكرّرها في ليلة مرارا، فأصبح مريضا، فوجدوه مات ورأسه على لبنة، سنة خمس وستّين ومائة في خلافة المهدي. وينسب إليها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر المفلق، فاق على كلّ من كان بعده بفصاحة اللفظ وجزالة المعنى؛ قيل إنّه أنشد قصيدته في مدح المعتصم: ما في وقوفك ساعة من باس … تقضي ذمام الأربع الدّرّاس فلمّا انتهى إلى المديح قال: إقدام عمرو في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكاء إياس قال بعض الحاضرين: مه! من هؤلاء حتى تشبّه الخليفة بهم؟ فأطرق أبو تمام هنيّة ثمّ رفع رأسه وقال: لا تنكروا ضربي له من دونه … مثلا شرودا في النّدى والباس فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره … مثلا من المشكاة والنّبراس

стр. 74

فتعجّب الخليفة والحاضرون من قدرته على الكلام فولّاه الموصل. وحكى البحتري أنّه دخل على بعض الولاة، ومدحه بقصيدة قرأها عليه، قال: فلمّا تمّمتها قال رجل من الحاضرين: يا هذا أما تستحي تأتي بشعري وتنشده بحضوري؟ قلت: تعني أن هذه القصيدة لك؟ قال: خذها! وجعل يعيدها إلى آخرها. قال: فبقيت لا أرى بعيني شيئا واسودّ وجهي، فقمت حتى أخرج فلمّا شاهد مني تلك الحالة قام وعانقني وقال: الشعر لك وأنت أمير الشعراء بعدي! فسألت عنه، قالوا: هو أبو تمام الطائي. وينسب إليها حاتم الطائي، وكان جوادا شاعرا شجاعا، إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب، وكان أقسم باللّه أن لا يقتل واحد أمّه، وكان يقول لعبده يسار إذا اشتدّ كلب الشتاء: أوقد فإنّ اللّيل ليل قرّ … والرّيح يا واقد ريح صرّ عسى يرى نارك من يمرّ … إن جاءنا ضيف فأنت حرّ وقالوا: لم يكن يمسك إلّا فرسه وسلاحه. وحكي أنّه اجتاز في سفره على عترة، فرأى فيهم أسيرا، فاستغاث بحاتم، فاشتراه من العتريّين وقام مقامه في القدّ حتى أدّى فكاكه. ومن العجب ما ذكر أن قوما نزلوا عند قبر حاتم، وباتوا هناك وفيهم رجل يقال له أبو الخيبري، يقول طول ليله: يا حفر أقر أضيافك! فقيل له: مهلا ما تكلّم من رمّة بالية! فقال: إن طيّئا يزعم أنّه لم ينزل به أحد إلّا قراه! فلمّا نام رأى في نومه كأن حاتما جاء ونحر راحلته، فلمّا أصبح جعل يصيح: وا راحلتاه! فقال أصحابه: ما شأنها؟ قال: عقرها حاتم بسيفه واللّه وأنا أنظر إليها حتى عقرها! فقالوا: لقد قراك! فظلّوا يأكلونها واردفوه، فاستقبلهم في اليوم الثاني راكب قارن جملا، فإذا هو عديّ بن حاتم فقال: أيّكم أبو الخيبري؟ قالوا: هذا. فقال: إن أبي جاءني في النوم وذكر شتمك

стр. 75

إيّاه، وأنّه قد قرى براحلتك أصحابك، وقال في ذلك أبياتا وهي هذه: أبا الخيبريّ وأنت امرؤ … حسود العشيرة شامها لماذا عمدت إلى رمّة … بدوّية صخب هامها تبغي أذاها وإعسارها … وحولك غوث وأنعامها وإنّا لنطعم أضيافنا … من الكوم بالسّيف نعتامها وأمرني ببعير لك فدونكه! فأخذه وركبه وذهب مع أصحابه. وقال ابن دارة لمّا مدح عديّا: أبوك أبو سفّانة الخير لم يزل … لدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا به تضرب الأمثار في النّاس ميّتا … وكان له إذ كان حيّا مصاحبا قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به … ولم يقر قبر قبله قطّ راكبا أرام مدينة بأرض الهند، فيها هيكل فيه صنم مضطجم، يسمع منه في بعض الأوقات صفير فيرى قائما، فإذا فعل ذلك كان دليلا على الرخص والخصب في تلك السنة، وإن لم يفعل يدلّ على الجدب، والناس يمتارون من المواضع البعيدة، ذكره صاحب تحفة الغرائب. البحرين ناحية بين البصرة وعمان على ساحل البحر، بها مغاص الدرّ، ودرّه أحسن الأنواع، وينتقل إليها قفل الصدف في كلّ سنة من مجمع البحرين، يحمل الصدف بالدرّ بمجمع البحرين، ويأتي إلى البحرين ويستوي خلقه هاهنا، وإذا وصل قفل الصدف يهنئ الناس بعضهم بعضا، وليس لأحد من الملوك مثل

стр. 76

هذه الغلّة، ومن سكن بالبحرين يعظم طحاله وينتفخ بطنه، ولهذا قال الشاعر: ومن سكن البحرين يعظم طحاله … ويعظم فيها بطنه وهو جائع وبها نوع من البسر، من شرب من نبيذه وعليه ثوب أبيض صبغه عرقه حتى كأنّه ثوب أحمر. ينسب إليها القرامطة أبو سعيد وأبو طاهر، خالفوا ملّة الإسلام وقتلوا الحجّاج ونهبوا سلب الكعبة، وخروجهم سنة خمس وسبعين ومائتين في عهد المعتمد بن المتوكّل، وقلعوا الحجر الأسود وأخذوه، وبعث إليهم الخليفة العبّاس بن عمرو الغنوي في عسكر كثيف قتلوا الجميع، وأسروا العبّاس ثمّ أطلقوه وحده حتى يخبر الناس بما جرى عليهم، والحجر الأسود بقي عندهم سنين حتى اشتراه المطيع باللّه بأربعة وعشرين ألف دينار وردّه إلى مكانه. حكي أن بعض القرامطة قال لبعض علماء الإسلام: عجبت من عقولكم! بذلتم مالا كثيرا في هذا الحجر، فما يؤمنكم انّا ما أمسكناه ورددنا إليكم غيره؟ فقال العالم: لنا في ذلك علامة وهي أنّه يطفو على الماء ولا يرسب! فألقمه الحجر. بدر موضع بين مكّة والمدينة، بها الواقعة المباركة التي كانت بين رسول اللّه، ﷺ ، والمشركين، وحضر فيها الملائكة والجنّ والانس والمسلمون كلّهم. وبها بئر ألقي فيها قتلى المشركين، فدنا منها رسول اللّه، ﵇، وقال: يا عتبة يا شيبة هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ فقيل: يا رسول اللّه هل يسمعون كلامنا؟ فقال رسول اللّه، ﷺ : والذي نفسي بيده، لستم بأسمع منهم إلّا أنّهم لا يقدرون على ردّ الجواب!

стр. 77

تبّت بلاد متاخمة للصين من إحدى جهاته وللهند من أخرى، مقدار مسافتها مسيرة شهر، بها مدن وعمارات كثيرة، ولها خواصّ عجيبة في هوائها ومائها وأرضها من سهلها وجبلها، ولا تحصى عجائب أنهارها وثمارها وآبارها. وهي بلاد تقوى بها طبيعة الدم، فلهذا الغالب على أهلها الفرح والسرور، فلا يزال الإنسان بها ضاحكا فرحا لا يعرض له الهمّ والحزن، ولا يكاد يرى بها شيخ حزين أو عجوز كئيبة، بل الطرب في الشيوخ والكهول والشبّان عام، حتى يرى ذلك في وجه بهائمهم أيضا، وفي أهلها رقّة طبع وبشاشة وأريحيّة تبعث على كثرة استعمال الملاهي وأنواع الرقص، حتى أن أحدهم لو مات لا يدخل أهله كثير حزن. وبها معدن الكبريت الأحمر الذي في الدنيا قليل من ظفر به فقد ظفر بمراده. وبها جبل السمّ، وهو جبل من مرّ به يضيق نفسه، فإمّا يموت أو يثقل لسانه. وبها ظباء المسك وانّها في صورة ظباء بلادنا، إلّا أن لها نابين كنابات الخنازير، وسرّتها مسك ولكن مسك ظباء تبّت أحسن أنواع المسك، لأن ظباءها ترعى السنبل، وأهل تبت لا يتعرّضون للمسك حتى ترميه الغزال، وذلك أنّه يجتمع الدم في سرّتها مثل الخراج، فإذا تمّ ذلك الخراج تأخذ الغزال شبه الحكّة، فإذا رأت حجرا حادّا تحكّ به سرّتها والدم ينفجر منها، والغزال تجد بذلك لذّة فتحكّ حتى تنصب المادة كلّها من السرّة وتقع على ذلك الحجر، وأهل تبت يتبعون مراعيها، فإذا وجدوا تلك المادّة المنفجرة على الحجر أخذوها وأودعوها النوافج، فإنّها أحسن أنواع المسك لبلوغ نضجه، وإن ذلك يكون عند ملوكهم يتهادون به قلّ ما يقع منه بيد التجّار. وبها فارة المسك، وهي دويبة تصاد وتشدّ سرّتها شدّا وثيقا، فيجتمع

стр. 78

فيها الدم ثمّ يذبحونها ويقوّرون سرّتها ويدفنونها في وسط الشعير أيّاما، فيجمد الدم فيها فيصير مسكا ذكيّا بعدما كان نتن الرائحة، وهي أحسن أنواع المسك وأعزّها، وأيضا في بيوتهم جرذان سود لها رائحة المسك ولا يحصل من سرّتها شيء ينتفع به. وأهل تبت ترك من نسل يافث بن نوح، ﵇، وبها قوم من حمير من نسل من حملهم إليها في زمن التبابعة. تكناباذ ناحية من أعمال قندهار، في جبالها حجر إذا ألقي على النار ونظر إليه شيء من الحيوان، ينتفخ بدنه حتى يصير ضعف ما كان. حكى لي الأمير حسام الدين أبو المؤيّد نعمان أن تلك الخاصيّة في المرة الأولى كراكب البحر، فإنّه في المرّة الأولى يغشاه الدوار والغشيان، وبعد ذلك لا يكون شيء من ذلك. وقال الأمير أبو المؤيد: حضرت عند بعض الأمراء بتلك الديار، فأحضر عندنا مجمرة عليها عود، فرأيت وجه من كان قاعدا عندي انتفخ وشخصت عيناه وتغيّر عليه الحال وتهوّع، فأمر أمّ المثوى بإزالة المجمرة متبسّما فرجع صاحبي إلى حاله! قلت له: ما الذي دهمك، فإني رأيت منك على صفة كذا؟ فقال لي: وأنا أيضا رأيت منك مثل ما رأيت مني! فأخبرتنا أمّ المثوى أن هذا من خاصيّة هذا الحجر، وأنا أردت أن أريكم شيئا عجيبا. جاجلى مدينة بأرض الهند حصينة جدّا، على رأس جبل مشرف نصفها على البحر ونصفها على البرّ. قالوا: ما امتنع على الإسكندر شيء من بلاد الهند إلّا هذه المدينة.

стр. 79

قال مسعر بن المهلهل: أهل هذه المدينة كلّها من الكواكب، يعظّمون قلب الأسد، ولهم بيت رصد وحساب ومعرفة بعلم النجوم. وعمل الوهم في طباعهم إذا أرادوا حدوث حادث صرفوا همّتهم إليه، وما زالوا به حتى حدث. حكي أن بعض ملوكهم بعث إلى بعض الأكاسرة هدايا فيها صندوقان مقفّلان، فلمّا فتحوهما كان في كلّ صندوق رجل، قيل: من أنتما؟ قالا: نحن إذا أردنا شيئا صرفنا همّتنا إليه فيكون. فاستنكروا ذلك، فقالا: إذا كان للملك عدوّ لا يندفع بالسيف فنحن نصرف همّتنا إليه فيموت! فقالوا لهما: اصرفا همّتكما إلى موتكما. قالا: اغلقوا علينا الباب. فأغلقوا ثمّ عادوا إليهما فوجدوهما ميتين، فندموا على ذلك وعلموا أن قولهما صحيح. وبهذه المدينة شجرة الدارصيني وهي شجر حرّ لا مالك له. وأهل هذه المدينة لا يذبحون الحيوان ولا يأكلون السمك ومأكولهم البرّ والبيض. جزيرة برطاييل جزيرة قريبة من جزائر الزانج، قال ابن الفقيه: سكّانها قوم وجوههم كالمجانّ المطرّقة، وشعورهم كأذناب البراذين، وبها الكركدن، وبها جبال يسمع منها باللّيل صوت الطبل والدفّ والصياح المزعجة، والبحريّون يقولون: إن الدجّال فيها ومنها يخرج. وبها القرنفل ومنها يجلب، وذلك أن التجّار ينزلون عليها ويضعون بضائعهم وأمتعتهم على الساحل، ويعودون إلى مراكبهم ويلبثون فيها، فإذا أصبحوا ذهبوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كلّ شيء من البضاعة شيئا من القرنفل، فإن رضيه أخذه وترك البضاعة، وإن أخذوا البضاعة والقرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يردّوا أحدهما إلى مكانه، وإن طلب أحدهم الزيادة فترك البضاعة والقرنفل فيزاد له فيه.

стр. 80

وحكى بعض التجّار أنّه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوما مردا وجوههم كوجوه الأتراك، وآذانهم مخرّمة ولهم شعورهم على زيّ النساء، فغابوا عن بصره، ثمّ إن التجّار بعد ذلك أقاموا يتردّدون إليها ويتركون البضائع على الساحل، فلم يخرج إليهم شيء من القرنفل، فعلموا أن ذلك بسبب نظرهم إليهم، ثمّ عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه. ولباس هذا القوم ورق شجر يقال له اللوف، يأكلون ثمرتها ويلبسون ورقها. ويأكلون حيوانا يشبه السرطان، وهذا الحيوان إذا أخرج إلى البرّ صار حجرا صلدا، وهو مشهور يدخل في الاكحال، ويأكلون السمك والموز والنارجيل والقرنفل، وهذا القرنفل من أكله رطبا لا يهرم ولا يشيب شعره. جزيرة جابة جزيرة في بحر الهند، فيها قوم شقر وجوههم على صدورهم. وبها جبل عليه نار عظيمة بالليل ودخان عظيم بالنهار، ولا يقدر أحد على الدنو منه، وبها العود والنارجيل والموز وقصب السكّر. جزيرة سقطرى جزيرة عظيمة فيها مدن وقرى توازي عدن، يجلب منها الصبر ودم الأخوين. أمّا الصبر فصمغ شجرة لا توجد إلّا في هذه الجزيرة، وكان أرسطاطاليس كاتب الإسكندر يوصيّه في أمر هذه الجزيرة لأجل هذا الصبر، الذي فيه منافع كثيرة سيما في الايارجات، فأرسل الإسكندر جمعا من اليونانيّين إلى هذه الجزيرة، فغلبوا من كان فيها من الهند وسكنوها. فلمّا مات الإسكندر وظهر المسيح، ﵇، تنصّروا وبقوا على التنصّر إلى هذا الوقت، وهم نسل الحكماء اليونانيّين، وليس في الدنيا واللّه أعلم قوم من نسل اليونانيّين يحفظون أنسابهم غير أولئك، ولا يداخلون فيها

стр. 81

غيرهم. وطول هذه الجزيرة نحو ثمانين فرسخا، وفيها عشرة آلاف مقاتل نصارى. جزيرة السّلامط جزيرة في بحر الهند يجلب منها الصندل والسنبل والكافور. وبها مدن وقرى وزروع وثمار، وفي بحرها سمكة إذا أدركت ثمار أشجار هذه الجزيرة تصعد السمكة أشجارها وتمصّ ثمارها مصّا ثمّ تسقط كالسكران، فيأتي الناس يأخذونها. وحكى صاحب تحفة الغرائب: أن بهذه الجزيرة عينا فوّارة يفور الماء منها وينزل في ثقبة بقربها، فما يبقى من الرشاشات على أطرافها ينعقد حجرا صلدا، فما كان من الرشاشات في اليوم يصير حجرا أبيض، وما كان في الليل يصير حجرا أسود. جزيرة سيلان جزيرة عظيمة بين الصين والهند. دورتها ثمانمائة فرسخ، وسرنديب داخل فيها، وبها قرى ومدن كثيرة وعدّة ملوك لا يدين بعضهم لبعض، والبحر عندها يسمّى شلاهط، ويجلب منها الأشياء العجيبة. وبها الصندل والسنبل والدارصيني والقرنفل والبقم وسائر العقاقير، وقد يوجد من العقاقير ما لا يوجد في غيرها، وقيل: بها معادن الجواهر، وانّها جزيرة كثيرة الخير. جزيرة الشّجاع جزيرة عامرة واسعة، بها قرى ومدن وجبال وأشجار، ولبلدانها أسوار عالية، ظهر فيها شجاع عظيم يتلف مواشيهم، وكان الناس منه في شدّة شديدة، فجعلوا له كلّ يوم ثورين وظيفة ينصبونهما قريبا من موضعه، وهو

стр. 82

يقبل كالسحاب الأسود، وعيناه تقدان كالبرق الخاطف، والنار تخرج من فيه فيبلع الثورين ويرجع إلى مكانه، وإن لم يفعلوا ذلك قصد بلادهم وأتلف من الناس والمواشي والمال ما شاء اللّه، فشكا أهل هذه الجزيرة إلى الإسكندر، فأمر بإحضار ثورين وسلخهما وحشا جلدهما زفتا وكبريتا وكلسا وزرنيخا وكلاليب حديد، وجعلهما مكان الثورين على العادة، فجاء الشجاع وابتلعهما واضطرم الكلس في جوفه، وتعلّقت الكلاليب بأحشائه، فرأوه ميتا فاتحا فاه، ففرح الناس بموته. جزيرة القصر في بحر الهند، ذكروا أن فيها قصرا أبيض يتراءى للمراكب، فإذا رأوا ذلك تباشروا بالسلامة والربح. قيل: إنّه قصر شاهق لا يدرى ما في داخله، وقيل: فيها أموات وعظام كثيرة، وقيل: إن بعض ملوك العجم سار إليها فدخل القصر بأتباعه، فوقع عليهم النوم وخدرت أجسامهم، فبادر بعضهم إلى المراكب وهلك الباقون. وحكي أن ذا القرنين رأى في بعض الجزائر أمّة رؤوسهم رؤوس الكلاب، وأنيابهم خارجة من فيهم. خرجوا إلى مراكب ذي القرنين وحاربوها، فرأى نورا ساطعا فإذا هو قصر مبنيّ من البلور الصافي، وهؤلاء يخرجون منه، فأراد النزول عليه فمنعه بهرام الفيلسوف الهندي، وعرّفه ان من دخل هذا القصر يقع عليه النوم والغشي، ولا يستطيع الخروج فيظفر به هؤلاء، والبحر لا تحصى عجائبه. الحجاز حاجز بين اليمن والشام وهو مسيرة شهر، قاعدتها مكّة، حرسها اللّه تعالى، لا يستوطنها مشرك ولا ذميّ، كانت تقام للعرب بها أسواق في الجاهليّة

стр. 83

كلّ سنة، فاجتمع بها قبائلهم يتفاخرون ويذكرون مناقب آبائهم وما كان لهم من الأيّام، ويتناشدون أشعارهم التي أحدثوا. وكانت العرب إذا أرادت الحجّ أقامت بسوق عكاظ شهر شوال، ثمّ تنتقل إلى سوق مجنّة فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة، ثمّ تنتقل إلى سوق ذي المجار فتقيم فيه إلى الحجّ، والعرب اجتمعوا في هذه المواسم، فإذا رجعوا إلى قومهم ذكروا لقومهم ما رأوا وما سمعوا. عن ابن عبّاس، ﵁، ان وفد اياد قدموا على رسول اللّه، ﷺ ، فقال لهم: أيّكم يعرف قسّ بن ساعدة؟ قالوا: كلّنا نعرفه. قال: ما فعل؟ قالوا: هلك! فقال، ﷺ : ما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام على حمل أورق وهو يخطب الناس ويقول: أيّها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا: سحائب تمور ونجوم تغور في فلك يدور. ويقسم قسّ قسما ان اللّه دينا هو أرضى من دينكم هذا! ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ ارضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ ثمّ قال: أيّكم يروي شعره؟ فقال أبو بكر: أنا أحفظه يا رسول اللّه؛ فقال: هات، فأنشد: في الذّاهبين الأوّلين من القرون لنا بصائر لمّا رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر لا يرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر قال ابن عبّاس، ﵁: ذكر قسّ بين يدي النبيّ، ﷺ ، فقال: رحم اللّه قسّا، إني لأرجو أن يأتي أمّة واحدة.

стр. 84

حكى رجل من ثقيف انّه رأى بسوق عكاظ رجلا قصير القامة، على بعير في حجم شاة، وهو يقول: أيّها الناس هل فيكم من يسوق لنا تسعا وتسعين ناقة، ينطلق بها إلى أرض وبار فيؤدّيها إلى حماله صبار؟ قال: فاجتمع الناس عليه يتعجبون منه ومن كلامه وبعيره. فلمّا رأى ذلك عمد إلى بعيره وارتفع في الهواء، ونحن ننظر إليه إلى أن غاب عن أعيننا. ويكثر لأهل الحجاز الجذام لفرط الحرارة، يحرق أخلاطهم فيغلب على مزاجهم السوداء، سوى أهل مكّة فإن اللّه كفاهم ذلك. وبها أشجار عجيبة كالدوم، وهو شجر المقل، قيل: إنّها شجر النارجيل في غير الحجاز والعنم، ولها ثمرة طويلة حمراء تشبه أصابع العذارى، والاسحل شجر المساويك والكنهبل والبشام؛ قالوا: هو شجر البلسان بمصر والرتم والضال والسمر والسلع. وبها جبل الحديد وهو في ديار بجيلة، ويسمّى جبل الحديد إمّا لصلابة حجره أو لأنّه معدن الحديد. أسرت بجيلة تأبّط شرّا فاحتال عليهم حيلة عجيبة، وذاك أن تأبّط شرّا وعمرو بن برّاق والشّنفرى خرجوا يرون بجيلة، فبدرت بهم بجيلة فابتدر ستّة عشر غلاما من سرعانهم وقعدوا على ماء لهم، وأنذر تأبّط شرّا بخروج القوم لطلبة، فشاور صاحبيه فرجعوا إلى قلّة هذا الجبل، وإنّه شاهق مشمخّر، وأقاموا حتى يضجر القوم وينصرفوا، فلمّا كان اليوم الثالث قالا لتأبّط شرّا: رد بنا وإلّا هلكنا عطشا! فقال لهما: البثا هذا اليوم فما للقوم بعد اليوم مقام. فأبيا وقالا له: هلكنا فرد بنا وفينا بقيّة. قال: اهبطا. فلمّا قربوا من الماء أصغى تأبّط شرّا وقال لصاحبيه: إني لأونس وحبيب قلوب الرصد على الماء! قالا: وجيب قلبك يا تأبّط! قال: كلّا ما وجب وما كان وجّابا، ولكن رد يا عمرو واستنقض الموضع وعد إلينا. فورد وصدر ولم ير أحدا، فقال: ما على الماء أحد. فقال تأبّط شرّا: بلى ولكنّك غير مطلوب. ثمّ قال: رد

стр. 85

يا شنفرى واستنقض الموضع وعد. فورد الشنفرى وشرب وصدر وقال: ما رأيت على الماء أحدا. قال تأبّط شرّا: بلى ما يريد القوم غيري! فسر يا شنفرى حتى تكون من خلفهم بحيث لا يرونك وأنت تراهم، فإني سأرد فأؤخذ وأكون في أيديهم فابدلهم يا عمرو حتى يطمعوا فيك، فإذا اشتدّوا عليك ليأخذوك وبعدوا عني فابدر يا شنفرى حلّ عني، وموعدنا قلّة جبل الحديد حيث كنّا، وورد تأبّط شرّا وشرب الماء فوثب عليه القوم وأخذوه وشدّوا وثاقه، فقال تأبّط شرّا: يا بجيلة إنّكم لكرام فهل لكم أن تمنّوا عليّ بالفداء وعمرو بن برّاق فتى فهم وجميلها على أن تأسرونا أسر الفداء وتؤمنونا من القتل، ونحن نحالفكم ونكون معكم على أعدائكم، وينشر هذا من كرمكم بين أحياء العرب؟ قالوا: أين عمرو؟ قال: ها هو معي قد أخّره الظمأ وخلّفه الكلال! فلم يلبث حتى أشرف عمرو في اللّيل، فصاح به تأبّط شرّا: يا عمرو إنّك لمجهود فهل لك أن تمكّن من نفسك قوما كراما يمنّون عليك بالفداء؟ قال عمرو: أمّا دون أن أجرّب نفسي فلا. ثمّ عدا فلا ينبعث، فقال تأبّط شرّا: يا بجيلة دونكم الرجل فإنّه لا بصر له على السعي، وله ثلاث لم يطعم شيئا! فعدوا في أثره فأطمعهم عمرو عن نفسه حتى أبعدهم، وخرج الشنفرى وحلّ تأبّط شرّا وخرجا يعدوان ويصيحان: يعاط يعاط! وهي شعار تأبّط شرّا، فسمع عمرو أنّه نجا، واستمرّ عدوا وفات أبصارهم واجتمعوا على قلّة الجبل ونجوا ثمّ عادوا إلى قومهم، فقال تأبّط شرّا في تلك العدوة: يا طول ليلك من همّ وإبراق … ومرّ طيف على الأهوال طرّاق تسري على الأين والحبّاب مختفيا … أحبب بذلك من سار على ساق لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم … إذا تذكّرن مني بعض أخلاق نجوت فيها نجاتي من بجيلة إذ … رفعت للقوم يوم الرّوع أرفاقي

стр. 86

لمّا تنادوا فأغروا بي سراعهم … بالعيلتين لدى عمرو بن برّاق لا شيء أسرع مني ليس ذا عذر … ولا جناح دوين الجوّ خفّاق أو ذي حيود من الأروى بشاهقة … وأمّ خشف لدى شثّ وطبّاق حتى نجوت ولمّا يأخذوا سلبي … بواله من قنيص الشّدّ غيداق وقلّة كشباة الرّمح باسقة … ضحيانة في شهور الصّيف مخراق بادرت قلّتها صحبي وقد لعبوا … حتى نميت إليها قبل إشراق ولا أقول إذا ما خلّة صرمت: … يا ويح نفسي من جهدي وإشفاقي! لكنّما عولي إن كنت ذا عول … على ضروب بحدّ السّيف سبّاق سبّاق عادية فكّاك عانية … قطّاع أودية جوّاب آفاق! وبها جبل رضوى، وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية يرى من البعد أخضر، وبه مياه وأشجار كثيرة، زعم الكيسانيّة أن محمّد بن الحنفيّة مقيم به، وهو حيّ بين يدي أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضّاختان تجريان بماء وعسل، ويعود بعد الغيبة يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وهو المهدي المنتظر، وإنّما عوقب بهذا الحبس لخروجه على عبد الملك بن مروان، وقلبه على يزيد بن معاوية، وكان السيّد الحميري على هذا المذهب، ويقول في أبيات: ألا قل للوصيّ: فدتك نفسي! … أطلت بذلك الجبل المقاما ومن جبل رضوى يقطع حجر المسنّ ويحمل إلى البلاد. وبها جبل السراة؛ قال الحازمي: إنّها حاجزة بين تهامة واليمن، وهي عظيمة الطول والعرض والامتداد، ولهذا قال الشاعر: سقوني وقالوا: لا تغنّ! ولو سقوا … جبال السّراة ما سقيت لغنّت قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح الناس أهل السروات، أوّلها هذيل ثمّ

стр. 87

بجيلة ثمّ الأزد أزد شنوءة. وإنّها كثيرة الأهل والعيون والأنهار والأشجار، وبأسفلها أودية تنصبّ إلى البحر، وكلّ هذه الجبال تنبت القرظ، وفيها الأعناب وقصب السكر والاسحل، وفيه معدن البرام يحمل منه إلى سائر البلاد. وبها جبل قنا، وهو جبل عظيم شامخ، سكّانه بنو مرّة من فزارة. وحظّ صاحبة قنا مشهور؛ قال الشاعر: أصبت ببرّة خيرا كثيرا … كأخت قنا به من شعر شاعر وهو ما ذكر أن نصيبا الشاعر اجتاز بقنا، ووقف على باب يستسقي، فخرجت إليه جارية بلبن أو ماء وسقته، وقالت له: شبّب بي! فقال لها: ما اسمك؟ قالت: هند. فأنشأ يقول: أحبّ قنا من حبّ هند ولم أكن … أبالي أقربا زاده اللّه أم بعدا؟ أروني قنا أنظر إليه فإنّني … أحبّ قنا إنّي رأيت به هندا! فشاع هذا الشعر وخطبت الجارية وأصابت خيرا بسبب شعر نصيب. وبها جبل يسوم في بلاد هذيل قرب مكّة، لا يكاد أحد يرتقيه ولا ينبت غير النبع والشوحط، تأوي إليه قرود تفسد قصب السكّر في جبال السراة، وأهل جبال السراة من تلك القرود في بلاء وشدّة عظيمة، لا يمكنهم دفعها لأن مساكنها لا تنال. وفي الأمثال: اللّه أعلم بمن حطّها عن رأس يسوم؛ قيل: إن رجلا نذر ذبح شاة، فمرّ بيسوم فرأى فيه راعيا فاشترى منه شاة وأنزلها من الجبل، وأمر الراعي بذبحها وتفريقها عنه وولّى. فقيل له: إن الراعي يذبحها لنفسه! فقال: اللّه اعلم بمن حطّها عن رأس يسوم. وبها عين ضارج، عين في برية مهلكة بين اليمن والحجاز في موضع لا مطمع للماء فيه. حدّث إبراهيم بن إسحاق الموصلي أن قوما من اليمن

стр. 88

أقبلوا إلى النبي، ﷺ ، فضلّوا الطريق ومكثوا ثلاثا لم يجدوا ماء وأيسوا من الحياة، إذ أقبل راكب على بعير له، وكان بعضهم ينشد: ولمّا رأت أنّ الشّريعة همّها … وأنّ البياض من فرائصها دامي تيمّمت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي فقال الراكب: من قائل هذا الشعر؟ قالوا: امرؤ القيس. قال: واللّه ما كذب! هذا ضارج، وأشار إليه فحثّوا على ركبهم فإذا ماء عذب وعليه العرمض والظلّ يفيء عليه، فشربوا ريّهم وحملوا ما اكتفوا، فلمّا أتوا رسول اللّه قالوا: يا رسول اللّه أحيانا اللّه ببيتين من شعر امرئ القيس، وأنشدوا فقال رسول اللّه، ﷺ : ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسيّ في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة ومعه لواء الشعراء إلى النار. وبها عين المشقّق. المشقّق: اسم واد بالحجاز، وكان به وشل يخرج منه ماء يروي الراكبين أو الثلاثة، فقال رسول اللّه، ﷺ ، في غزوة تبوك: من سبقنا الليلة إليه فلا يستقينّ منه شيئا حتى نأتيه. فسبقه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلمّا أتاه النبيّ، ﵇، لم ير فيه شيئا، فقال: أولم أنهكم أن تستقوا منه شيئا؟ ثمّ نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده من الماء فنضحه به ومسحه بيده المباركة، ودعا بما شاء أن يدعو ربّه فانخرق من الماء ما سمع له حسّ كحسّ الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم، فقال، ﷺ : لئن بقيتم أو بقي أحد منكم ليسمعنّ بهذا الوادي، وهو أخضر، ما بين يديه وما خلفه. وكان كما قال، ﷺ . الحجر ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام. قال الإصطخري: هي قرية من وادي القرى على يوم بين جبال، بها كانت منازل ثمود الذين قال اللّه تعالى

стр. 89

فيهم: وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. قال: رأيتها بيوتا مثل بيوتنا في جبال تسمّى الاثالث، وهي جبال إذا رآها الرائي من بعد ظنّها متّصلة، فإذا توسّطها رأى كلّ قطعة منها منفردة بنفسها، يطوف بكلّ قطعة منها الطائف وحواليها رمل لا يكاد يرتقى ذروتها. بها بئر ثمود التي كان شربها بين القوم وبين الناقة، ولمّا سار رسول اللّه، ﷺ ، إلى تبوك أتى على منازل ثمود، وأرى أصحابه الفجّ الذي كانت الناقة منه ترد الماء، وأراهم ملتقى الفصيل في الجبل، وقال، ﵇، لأصحابه: لا يدخلنّ أحدكم القرية ولا يشربن من مائها ولا يتوضّأ منه، وما كان من عجين فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرج الليلة أحد إلّا مع صاحبه. ففعل الناس ذلك إلّا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لطلب بعير له والآخر لقضاء حاجته، فالذي خرج لحاجته أصابه جنون، والذي خرج لطلب البعير احتملته الريح. فأخبر بهما رسول اللّه، ﷺ ، فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد إلّا مع صاحبه؟ فدعا لمن أصابه جنون فشفي، وأمّا الذي احتملته الريح فأهدته طيّء إلى رسول اللّه، ﵇، بعد عوده إلى المدينة. فأصبح الناس بالحجر ولا ماء معهم، فشكوا إلى رسول اللّه، ﷺ ، فدعا اللّه تعالى فأرسل سحابة فأمطرت حتى روي الناس. خطّ قرية باليمن يقال لها خطّ هجر، تنسب إليها الرماح الخطّيّة، وهي أحسن أنواع خفّة وصلابة وتثقيفا، تحمل إليها من بلاد الهند، والصنّاع بها يثقّفونها أحسن التثقيف.

стр. 90

خيبر حصون على ثمانية برد من المدينة لمن أراد الشام، ذات مزارع ونخيل كثيرة، وهي موصوفة بكثرة الحمّى ولا تفارق الحمى أهلها. وكان أهلها يهودا يزعمون أن من أراد دخول خيبر على بابها يقف على أربعه، وينهق نهيق الحمار عشر مرّات لا تضرّه حمّى خيبر، ويسمّى ذلك تعشيرا، والمعنى فيه أن الحمّى ولوع بالناس واني حمار. وحكى الهيثم بن عديّ ان عروة الصعاليك وأصحابه قصدوا خيبر يمتارون بها، فلمّا وصلوا إلى بابها عشّروا خوفا من وباء خيبر، وأبى عروة الصعاليك أن يعشّر وقال: وقالوا: أجب وانهق لا يضرّك خيبر … وذلك من دين اليهود ولوع لعمري إن عشّرت من خشية الرّدى … نهاق الحمير إنّني لجزوع فكيف وقد ذكّيت واشتدّ جانبي … سليمى وعندي سامع ومطيع لسان وسيف صارم وحفيظة … وراء كآراء الرّجال صروع يخوّفني ريب المنون وقد مضى … لنا سلف قيس لنا وربيع وحكي ان اعرابيّا قدم خيبر بعيال كثير فقال: قلت لحمّى خيبر استعدّي … هناك عيالي فاجهدي وجدّي وباكري بصالب وورد … أعانك اللّه على ذا الجند فحمّ ومات وبقي عياله. رحا بطان موضع بالحجاز، زعم تأبّط شرّا انّه لقي الغول هناك ليلا، وجرى بينه وبينها محاربة، وفي الأخير قتلها وحمل رأسها إلى الحيّ، وعرضها عليهم حتى

стр. 91

عرفوا شدّة جأشه وقوّة جنانه، وهو يقول: ألا من مبلغ فتيان فهم … بما لاقيت عند رحا بطان فإني قد لقيت الغول تهوي … بسهب كالصّحيفة صحصحان فقلت لها: كلانا نضو دهر … أخو سفر فخلّي لي مكاني فشدّت شدّة نحوي فأهوى … لها كفّي بمصقول يمان فأضربها بلا دهش فخرّت … صريعا لليدين وللجران فقالت: عد! فقلت لها: رويدا … مكانك إنّني ثبت الجنان فلم أنفكّ متّكئا لديها … لأنظر مصبحا ماذا أتاني إذا عينان في رأس قبيح … كرأس الهرّ مشقوق اللّسان وساقا مخدج وشواة كلب … وثوب من عباء أو شنان زغر قرية بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيّام في طرف البحيرة المنتنة، وزغر اسم بنت لوط، ﵇، نزلت بهذه القرية فسميّت باسمها، وهي في واد وخم رديّ في أشأم بقعة، يسكنها أهلها بحبّ الوطن، ويهيج بهم الوباء في بعض الأعوام فيفني جلّهم. بها عين زغر وهي العين التي ذكر أنّها تغور في آخر الزمان، وغورها من اشراط الساعة، جاء ذكرها في حديث الجسّاسة؛ قال البشّاري: زغر قتّالة للغرباء، من أبطأ عليه ملك الموت فليرحل إليها، فإنّه يجده بها قاعدا بالرصد، وأهلها سودان غلاظ، ماؤها حميم وهواؤها جحيم، إلّا أنّها البصرة الصغرى والمتجر المربح، وهي من بقيّة مدائن قوم لوط، وإنّما نجت لأن أهلها لم يكونوا آتين بالفاحشة.

стр. 92

زويلة مدينة بإفريقية غير مسورة في أوّل حدود السودان، ولأهلها خاصيّة عجيبة في معرفة آثار القدم، ليس لغيرهم تلك الخاصّية، حتى يعرفون أثر قدم الغريب والبلدي، والرجل والمرأة، واللّص والعبد الآبق والأمة، والذي يتولّى احتراس المدينة يعمد إلى دابّة يشدّ عليها حزمة من جرائد النخل، بحيث ينال سعفه الأرض ثمّ يدور به حول المدينة، فإذا أصبح ركب ودار حول المدينة، فإن رأى أثرا خارجا تبعه حتى أدركه أينما توجّه. وقد بنى عبد اللّه المهدي، جدّ خلفاء مصر، إلى جانب زويلة مدينة أخرى سمّاها المهديّة، بينهما غلوة سهم. كان يسكن هو وأهله بالمهدّية، وأسكن العامّة في زويلة، وكانت دكاكينهم وأموالهم بالمهدية، وبزويلة مساكنهم، فكانوا يدخلون بالنهار زويلة للمعيشة، ويخرجون باللّيل إلى أهاليهم، فقيل للمهدي: إن رعيتك في هذا في عناء! فقال: لكن أنا في راحة لأني بالليل أفرّق بينهم وبين أموالهم، وبالنهار أفرّق بينهم وبين أهاليهم، فآمن غائلتهم بالليل والنهار! السّند ناحية بين الهند وكرمان وسجستان؛ قالوا: السند والهند كانا أخوين من ولد توقير بن يقطن بن حام بن نوح، ﵇. بها بيت الذهب؛ قال مسعر بن مهلهل: مشيت إلى بيت الذهب المشهور بها فإذا هو من ذهب في صحراء، يكون أربعة فراسخ لا يقع عليها الثلج ويثلج ما حولها، وفي هذا البيت ترصد الكواكب، وهو بيت تعظّمه الهند والمجوس، وهذه الصحراء تعرف بصحراء زردشت نبيّ المجوس، ويقول أهل تلك الناحية: متى يخرج منه إنسان يطلب دولة لم يغلب ولا يهزم له عسكر حيث أراد.

стр. 93

وحكي أن الإسكندر لمّا فتح تلك البلاد ودخل هذا البيت أعجبه، فكتب إلى أرسطاطاليس وأطنب في وصف قبّة هذا البيت فأجابه أرسطو: إني رأيتك تتعجّب من قبّة عملها الآدميون، وتدع التعجّب من هذه القبّة المرفوعة فوقك، وما زينت به من الكواكب وأنوار الليل والنهار! وسأل عثمان بن عفّان عبد اللّه بن عامر عن السند فقال: ماؤها وشل، وتمرها دقل، ولصّها بطل! إن قلّ الجيش بها ضاعوا وإن كثروا جاعوا! فترك عثمان غزوها. وبها نهر مهران، وهو نهر عرضه كعرض دجلة أو أكثر، يقبل من المشرق آخذا إلى الجنوب متوجّها نحو المغرب، ويقع في بحر فارس أسفل السند؛ قال الإصطخري: نهر مهران يخرج من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، ثمّ يظهر بناحية ملتان على حدّ سمندور، ثمّ على المنصورة ثمّ يقع في البحر شرقي الدّيبل، وهو نهر كبير عذب جدّا، وان فيه تماسيح كما في نيل مصر، وقيل: إن تماسيح نهر السند أصغر حجما وأقلّ فسادا. وجري نهر السند كجري نهر النيل، يرتفع على وجه الأرض ثمّ ينصبّ، فيزرع عليه كما يزرع بأرض مصر على النيل. سومناة بلدة مشهورة من بلاد الهند على ساحل البحر بحيث تغلبه أمواجه. كان من عجائبها هيكل فيه صنم اسمه سومناة، وكان الصنم واقفا في وسط هذا البيت لا بقائمة من أسفله تدعمه، ولا بعلاقة من أعلاه تمسكه، وكان أمر هذا الصنم عظيما عند الهند، من رآه واقفا في الهواء تعجّب، مسلما كان أو كافرا، وكانت الهند يحجّون إليه كلّ ليلة خسوف، يجتمع عنده ما يزيد على مائة ألف إنسان، وتزعم الهند أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه وهو ينشئها في من شاء، كما هو مذهب أهل التناسخ، وان المدّ والجزر عبادة

стр. 94

البحر له. وكانوا يحملون إليه من الهدايا كلّ شيء نفيس، وكان له من الوقوف ما يزيد على عشرة آلاف قرية. ولهم نهر يعظّمونه، بينه وبين سومناة مائتا فرسخ، يحمل ماؤها إلى سومناة كلّ يوم ويغسل به البيت، وكانت سدنته ألف رجل من البراهمة لعبادته وخدمة الوفود، وخمسمائة أمة يغنين ويرقصن على باب الصنم، وكلّ هؤلاء كانت أرزاقهم من أوفاف الصنم، وأمّا البيت فكان مبنيّا على ستّ وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وكانت قبّة الصنم مظلمة وضوءها كان من قناديل الجوهر الفائق، وعنده سلسلة ذهب وزنها مائتا منّ، كلّما مضت طائفة من الليل حركت السلسلة فتصوت الأجراس فتقوم طائفة من البراهمة للعبادة. حكي أن السلطان يمين الدولة، محمود بن سبكتكين، لمّا غزا بلاد الهند سعى سعيا بليغا في فتح سومناة وتخريبها، طمعا بدخول الهند في الإسلام، فوصل إليها منتصف ذي القعدة سنة ستّ عشرة وأربعمائة، فقاتل الهنود عليها أشدّ القتال، وكان الهند يدخلون على سومناة ويبكون ويتضرّعون، ثمّ يخرجون إلى القتال فقوتلوا حتى استوعبهم الفناء، وزاد عدد القتلى على خمسين ألفا، فرأى السلطان ذلك الصنم وأعجبه أمره وأمر بنهب سلبه وأخذ خزانته، فوجدوا أصناما كثيرة من الذهب والفضّة وستورا مرصعة بالجواهر، كلّ واحد منها بعث عظيم من عظماء الهند. وكانت قيمة ما في بيوت الأصنام أكثر من عشرين ألف دينار. ثمّ قال السلطان لأصحابه: ماذا تقولون في أمر هذا الصنم ووقوفه في الهواء بلاد عماد وعلاقة؟ فقال بعضهم: إنّه علّق بعلاقة وأخفيت العلاقة عن النظر، فأمر السلطان شخصا أن يذهب إليه برمح، ويدور به حول الصنم وأعلاه وأسفله، ففعل وما منع الرمح شيء. وقال بعض الحاضرين: إني أظنّ أن القبّة من حجر المغناطيس، والصنم من الحديد، والصانع بالغ في تدقيق صنعته، وراعى تكافؤ قوّة المغناطيس من الجوانب، بحيث لا تزيد قوّة جانب على الجانب الآخر، فوقف

стр. 95

الصنم في الوسط، فوافقه قوم وخالفه آخرون. فقال للسلطان: ائذن لي برفع حجرين من رأس القبّة ليظهر ذلك، فأذن له فلمّا رفع حجرين اعوجّ الصنم ومال إلى أحد الجوانب، فلم يزل يرفع الأحجار والصنم ينزل حتى وقع على الأرض. صنف موضع بالهند أو الصين ينسب إليه العود الصّنفي، وهو أردأ أصناف العود، ليس بينه وبين الحطب إلّا فرق يسير. صيمور مدينة بأرض الهند قريبة بناحية السند لأهلها حظّ وافر في الجمال والملاحة لكونهم متولدين من الترك والهند، وهم مسلمون ونصارى ويهود ومجوس. ويخرج إليها تجارات الترك، وينسب إليها العود الصّيموري. بها بيت الصيمور، وهو هيكل على رأس عقبة عظيمة عندهم، ولها سدنة وفيها أصنام من الفيروزج والبيجاذق يعظّمونها. وفي المدينة مساجد وبيع وكنائس وبيت النار، وكفّارها لا يذبحون الحيوان ولا يأكلون اللحم ولا السمك ولا البيض، وفيهم من يأكل المتردّية والنطيحة دون ما مات حتف أنفه. أخبر بذلك كلّه مسعر بن مهلهل، صاحب عجائب البلدان، وانّه كان سياحا دار البلاد وأخبر بعجائبها. الطّائف بليدة على طرف واد، بينها وبين مكّة اثنا عشر فرسخا، طيبة الهواء شمالية، ربّما يجمد الماء بها في الشتاء. قال الأصمعي: دخلت الطائف وكأني أبشّر وقلبي ينضح بالسرور، ولم أجد لذلك سببا إلّا انفساح جوّها وطيب نسيمها.

стр. 96

بها جبل عروان يسكنه قبائل هذيل، وليس بالحجاز موضع أبرد من هذا الجبل، ولهذا اعتدال هواء الطائف. ويجمد الماء به وليس في جميع الحجاز موضع يجمد الماء به إلّا جبل عروان. ويشقّ مدينة الطائف واد يجري بينها يشقّها، وفيها مياه المدابغ التي يدبغ فيها الأديم، والطير تصرع إذا مرّت بها من نتن رائحتها. وأديمها يحمل إلى سائر البلدان، ليس في شيء من البلاد مثله. وفي أكنافها من الكروم والنخيل والموز وسائر الفواكه، ومن العنب العدي ما لا يوجد في شيء من البلاد، وأمّا زبيبها فيضرب بحسنه المثل. بها وجّ الطائف، وإنّها واد نهى النبيّ، ﷺ ، عن أخذ صيدها واختلاء حشيشها. بها حجر اللات تحت منارة مسجدها، وهو صخرة كان في قديم الزمان يجلس عليه رجل يلتّ السويق للحجيج، فلمّا مات قال عمرو بن لحيّ: إنّه لم يمت لكن دخل في هذه الصخرة! وأمر قومه بعبادة تلك الصخرة، وكان في اللات والعزّى شيطانان يكلّمان الناس، فاتّخذت ثقيف اللات طاغوتا وبنت لها بيتا وعظّمته وطافت به، وهي صخرة بيضاء مربّعة، فلمّا أسلمت ثقيف بعث رسول اللّه، ﷺ ، أبا سفيان بن حرب ومغيرة بن شعبة فهدماه، والحجر اليوم تحت منارة مسجد الطائف. وبها كرم الرهط، كرم كان لعمرو بن العاص معروشا على ألف ألف خشبة، شري كلّ خشبة درهم، فلمّا حجّ سليمان بن عبد الملك أحبّ أن ينظر إليه، فلمّا رآه قال: ما رأيت لأحد مثله لولا أن هذه الحرة في وسطه! قالوا: ليس بحرّة بل مسطاح الزبيب. وكان زبيبه جمع في وسطه ليجفّ، فرآه من بعيد فظنّه حرّة. وبها سجن عارم، وهو الحبس الذي حبس فيه عبد اللّه بن الزبير محمّد ابن الحنفية، يزوره الناس ويتبرّكون به سيّما الشيعة، سيّما الكيسانيّة؛ قال

стр. 97

كثير يخاطب ابن الزبير: يخبّر من لا قيت أنّك عائد … بل العائد المحبوس في سجن عارم ومن يلق هذا الشّيخ بالخيف من منى … من النّاس يعلم أنّه غير ظالم سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّه … وفكّاك أغلال وقاضي مغارم أبى هو لا يشري هدى بضلالة … ولا يتّقي في اللّه لومة لائم فما نعمة الدّنيا بباق لأهله … ولا شدّة البلوى بضربة لازم وينسب إليها الحجّاج بن يوسف الثقفي من فحول الرجال، كان أوّل أمره معلّما لوشاقية سليمان بن نعيم، وزير عبد الملك بن مروان، وكان فصيحا شاطرا، قال عبد الملك لوزيره: إني إذا ترحّلت يتخلّف مني أقوام، أريد شخصا يمنع الناس عن التخلّف. فاختار الوزير الحجّاج لذلك، فرأى في بعض الأيّام أن الخليفة قد رحل وتخلّف عنه قوم من أصحاب الوزير، فأمرهم بالرحيل فامتنعوا وشتموه في أمّه وأخته، فأخذ الحجّاج النار وأضرمها في رحل الوزير، فانتهى الخبر إلى عبد الملك فأحضر الحجّاج وقال: لم أحرقت رحل الوزير؟ فقال: لأنّهم خالفوا أمرك! فقال للحجّاج: ما عليك لو فعلت ذلك بغير الحرق؟ فقال الحجّاج: وما عليك لو عوّضته من ذلك ولا يخالف أحد بعد هذا أمرك! فأعجب الخليفة كلامه وما زال يعلو أمره حتى ولي اليمن واليمامة، ثمّ استعمل على العراق سنة خمس وسبعين. وكان أهل العراق كلّ من جاءهم واليا استخفّوا به وضحكوا منه، وإذا صعد المنبر رموه بالحصاة؛ فبعث عبد الملك إليهم الحجّاج، فلمّا صعد المنبر متلثما وكان قصير القامة ضحكوا منه، فعرف الحجّاج ذلك فأقبل عليهم وقال: أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا … متى أضع العمامة تعرفوني إن أمير المؤمنين نثل كنانته فوجدني أصلبها عودا فرماكم بي، واني أرى

стр. 98

رؤوسا دنا أوان حصادها، وأنا الذي أحصدها. فدخل القوم منه رعب، فما زال بهم حتى أراهم الكواكب بالنهار. ولمّا بنى واسط عدّ في حبسه ثلاثة وثلاثون ألف إنسان، حبسوا بلا دم ولا تبعة ولا دين، ومات في حبسه واحد وعشرون ألفا صبرا، ومن قتله بالسيف فلا يعدّ ولا يحصى! وقال يوما على المنبر في خطبته: أتطلبون مني عدلّ عمر ولستم كرعية عمر؟ وإنّما مثلي لمثلكم كثير، لبئس المولى ولبئس العشير! وكان في مرض موته يقول: يا ربّ قد زعم الأعداء واجتهدوا … أيمانهم أنّني من ساكني النّار أيحلفون على عمياء؟ ويحهم … ما علمهم بعظيم العفو غفّار؟ وحكى عمر بن عبد العزيز أنّه رأى الحجّاج في المنام بعد مدّة من موته، قال: فرأيته على شكل رماد على وجه الأرض، فقلت له: أحجّاج؟ قال: نعم، قلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: قتلني بكلّ من قتلته مرّة مرّة، وبسعيد بن جبير سبعين مرّة، وأنا أرجو ما يرجوه الموحّدون! وينسب إلى الطائف سعيد بن السائب، كان من أولياء اللّه وعباد اللّه الصالحين، نادر الوقت عديم النظير، وكان الغالب عليه الخوف من اللّه تعالى لا يزال دمعه جاريا، فعاتبه رجل على كثرة بكائه فقال له: إنّما ينبغي أن تعاتبني على تقصيري وتفريطي لا على بكائي! وقال له صديق له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أنتظر الموت على غير عدة! وقال سفيان الثوري: جلسنا يوما لحدّث ومعنا سعيد بن السائب، وكان يبكي حتى رحمه الحاضرون، فقلت له: يا سعيد لم تبكي وأنت تسمع حديث أهل الخير؟ فقال: يا سفيان ما ينفعني إذا ذكرت أهل الخير وأنا عنهم بمعزل؟

стр. 99

طيفند قلعة في بلاد الهند منيعة، على قلّة جبل ليس لها إلّا مصعد واحد، وعلى رأس الجبل مياه ومزارع وما احتاجوا إليه، غزاها يمين الدولة محمود بن سبكتكين سنة أربع عشرة وأربعمائة، وحاصرها زمانا وضيّق على أهلها، وكان عليها خمسمائة قيل فطلبوا الأمان فآمنهم، وأقرّ صاحبها فيها على خراج، فأهدى صاحب القلعة إلى السلطان هدايا كثيرة، منها طائر على هيئة القمري، خاصيّته إذا أحضر الطعام وفيه سمّ دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجّر، فإذا تحجّر سحق وجعل على الجراحات الواسعة الحمها، وهذا الطائر لا يوجد إلّا في ذلك الموضع ولا يتفرّج إلّا فيه. عدن مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، سميّت بعدن بن سنان بن إبراهيم، ﵇، لا ماء بها ولا مرعى، شربهم من عين بينها وبين عدن مسيرة يوم، وكان عدن فضاء في وسط جبل على ساحل البحر، والفضاء يحيط به الجبل من جميع الجوانب، فقطع لها باب بالحديد في الجبل فصار طريقا إلى البرّ. وإنّها مرفأ مراكب الهند وبلدة التجار ومرابح الهند، فلهذا يجتمع إليها الناس ويحمل إليها متاع الهند والسند والصين والحبشة وفارس والعراق، وقال الإصطخري: بها مغاص اللؤلؤ. بها جبل النار وهو جبل أحمر اللّون جدّا في وسط البحر؛ قالوا: هو الجبل الذي تخرج منه النار التي هي من اشراط الساعة، وسكّان عدن يزعمون أنّهم من نسل هارون، ﵇، وهم المربّون. وبها البئر المعطّلة التي ذكرها اللّه تعالى في القرآن. ومن حديثها أن قوم

стр. 100

صالح، ﵇، بعد وفاته تفرّقوا بفلسطين، فلحقت فرقة منهم بعدن، وكانوا إذا حبس عنهم المطر عطشوا وحملوا الماء من أرض بعيدة، فأعطاهم اللّه بئرا فتعجّبوا بها وبنوا عليها أركانا على عدد القبائل، كان لكلّ قبيلة فيها دلو. وكان لهم ملك عادل يسوسهم، فلمّا مات حزنوا عليه فمثل لهم الشيطان صنما على صورة ذلك الملك، وكلّم القوم من جوف الصنم: إني ألبسني ربي ثوب الالهيّة والآن لا آكل ولا أشرب، وأخبركم بالغيوب فاعبدوني فإني أقربكم إلى ربكم زلفى! ثمّ كان الصنم يأمرهم وينهاهم فمال إلى عبادة الصنم جميعهم، فبعث اللّه إليهم نبيّا فكذّبوه، فقال لهم نبيّهم: إن لم تتركوا عبادة الصنم يغور ماء بئركم! فقتلوه فأصبحوا لم يجدوا في البئر قطرة ماء. فمضوا إلى الصنم فلم يكلّمهم الشيطان لمّا عاين نزول ملائكة العذاب، فأتتهم صيحة فأهلكوا، فأخبر اللّه تعالى عنهم وعن أمثالهم: وكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطّلة وقصر مشيد. والقصر المشيد بحضر موت وقد مرّ ذكره، ويقال: إن سليمان بن داود، ﵇، حبس المردة مصفّدين في هذه البئر وهي محبسهم. فاس مدينة كبيرة مشهورة في بلاد بربر على برّ المغرب بين ثنيتين عظيمتين، والعمارة قد تصاعدت حتى بلغت مستواها، وقد تفجّرت كلّها عيونا تسيل إلى قرارة إلى نهر منبسط إلى الأرض ينساب إلى مروج خضر، وعليها داخل المدينة ستمائة رحى، ولها قهندز في أرفع موضع منها، ويسقيها نهر يسمّى المفروش. قال أبو عبيد البكري: فاس منقسمة قسمين، وهي مدينتان مسورتان، يقال لإحداهما عدوة القروبيين وللأخرى عدوة الأندلسيّين، وفي كلّ دار جدول ماء وعلى بابها رحى وبستان، وهي من أكثر بلاد المغرب ثمارا وخيرا

стр. 101

وأكثر بلاد المغرب يهودا، منها يختلفون إلى سائر الآفاق، بها تفّاح حلو يعرف بالاطرابلسي حسن الطعم جدّا، يصلح بعدوة الأندلسيّين ولا يصلح بعدوة القروبيين، وسميذ عدوة الأندلسيّين أطيب من سميذ عدوة القروبيين، ورجال الأندلسيّين أشجع من رجال القروبيين، ونساؤهم أجمل، ورجال القروبيين أحمد من رجال الأندلسيّين؛ قال إبراهيم الأصيلي: دخلت فاسا وبي شوق إلى فاس … والجبن يأخذ بالعينين والرّاس فلست أدخل فاسا ما حييت ولو … أعطيت فاسا وما فيها من النّاس فيصور بلاد بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري وهو أحسن أنواعه. وذكروا أن الكافور يكثر في سنة فيها رعود وبروق ورجف وزلازل، وان قلّ ذلك كان نقصا في وجوده. قبا قرية على ميلين من مدينة رسول اللّه، ﷺ . بها مسجد التّقوى وهو المسجد الذي ذكره اللّه تعالى: لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه، فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا، واللّه يحبّ المطّهّرين. ولمّا قدم رسول اللّه، ﵇، قبا مهاجرا يريد المدينة، أسّس هذا المسجد ووضع بيده الكريمة أوّل حجر في محرابه، ووضع أبو بكر، ﵁، حجرا، ثمّ أخذ الناس في البناء وهو عامر إلى زماننا هذا، وسئل أهله عن تطهّرهم فقالوا: إنّا نجمع بين الحجر والماء. وبها مسجد الضّرار ويتطوّع الناس بهدمه، وبها بئر غرس كان رسول اللّه، ﷺ ، يستطيب ماءها وبصق فيها، وقال: إن فيها عينا من عيون الجنّة.

стр. 102

قزدار ناحية بأرض الهند. قال أبو الحسن المتكلّم: كنت مجتازا بناحية قزدار، فدخلت قرية من قراه فرأيت شيخا خياطا في مسجد فأودعت ثيابي عنده ومضيت. ثمّ رجعت من الغد فرأيت باب المسجد مفتوحا والرزمة يشدّها في المحراب، فقلت: ما أجهل هذا الخيّاط! فقال: افتقدت منها شيئا؟ قلت: لا. قال: فما سؤالك؟ فأقبلت أخاصمه وهو يضحك. قال: أنتم نشأتم في بلاد الظلم، وتعوّدتم أخلاق الأراذل التي توجب السرقة والخيانة وانّها لا تعرف ههنا، ولو بقيت ثيابك في المحراب حتى بليت ما مسّها أحد! وإذا وجدنا شيئا من ذلك في مدد متطاولة نعلم أنّه كان من غريب اجتاز بنا، فنركب خلفه ولا يفوتنا، فندركه ونقتله. فسألت عن غيره سيرة أهل البلد فقال كما ذكره الخيّاط. وكانوا لا يغلقون الأبواب باللّيل، وما كان لأكثرهم أبواب بل شيء يردّ الوحش والكلاب. قشمير ناحية بأرض الهند متاخمة لقوم من الترك، فاختلط نسل الهند بالترك، فأهلها أكثر الناس ملاحة وحسنا. ويضرب بحسن نسائهم المثل، لهنّ قامات تامّة وصور مستوية وملاحة كثيرة وشعور طوال غلاظ، وهذه الناحية تحتوي على نحو ستّين ألفا من المدن والضياع، ولا سبيل إليها إلّا من جهة واحدة، ويغلق على جميعها باب واحد. وحواليها جبال شوامخ لا سبيل للوحش أن يتسلّق إليها فضلا عن الانس. وفيها أودية وعرة وأشجار ورياض وأنهار. قال مسعر بن مهلهل: شاهدتها وهي في غاية المنعة. ولأهلها أعياد في رؤوس

стр. 103

الأهلة وفي نزول النيرين شرقهما، ولهم رصد كبير في بيت معمول من الحديد الصيني، لا يعمل فيه الزمان، ويعظّمون الثريا ولا يذبحون الحيوان ولا يأكلون البيض. قمار مدينة مشهورة بأرض الهند. قال ابن الفقيه: أهلها على خلاف سائر الهنود ولا يبيحون الزنا ويحرّمون الخمر، وملكها يعاقبهم على شرب الخمر، فيحمي الحديدة بالنار وتوضع على بدن الشارب ولا تترك إلى أن تبرد، فربّما يفضي إلى التلف! وينسب إليها العود القماري وهو أحسن أنواع العود. كلبا مدينة بأرض الهند؛ قال في تحفة الغرائب: بها عمود من النحاس وعلى رأس العمود تمثال بطّة من النحاس، وبين يدي العمود عين. فإذا كان يوم عاشوراء في كلّ سنة ينشر البطّ جناحيه ويدخل منقاره العين ويعبّ ماءها، فيخرج من العمود ماء كثير يكفي لأهل المدينة سنتهم، والفاضل يجري إلى مزارعهم. كله مدينة عظيمة منيعة عالية السور في بلاد الهند كثيرة البساتين، بها اجتماع البراهمة حكماء الهند؛ قال مسعر بن مهلهل: إنّها أوّل بلاد الهند ممّا يلي الصين، وانّها منتهى مسير المراكب إليها ولا يتهيّأ لها أن تجاوزها وإلّا غرقت. بها قلعة يضرب بها السيوف القلعيّة وهي الهنديّة العتيقة، لا تكون في سائر الدنيا إلّا في هذه القلعة، وملكها من قبل ملك الصين، وإليه قبلته وبيت عبادته

стр. 104

ورسومه رسوم صاحب الصين، ويعتقدون أن طاعة ملك الصين عليهم مباركة ومخالفته شؤم، وبينه وبين الصين ثلاثمائة فرسخ. كنزة وقرّان موضعان باليمامة، بهما نخل كثير ومواش، قال أبو زياد الكلابي: نزل بهم رجل من بني عقيل كنيته أبو مسلم كان يصطاد الذئاب، قالوا له: إن ههنا ذئبا لقينا منه التباريح، إن أنت اصطدته فلك في كلّ غنم شاة! فنصب له الشبكة وحبله وجاء به يقوده، وقال: هذا ذئبكم فأعطوني ما شرطتم. فأبوا وقالوا: كل ذئبك! فشدّ في عنق الذئب قطعة حبل وخلّى سبيله وقال: أدركوا ذئبكم! فوثبوا عليه وأرادوا قتله، فقال: لا عليكم ان وفيتّم لي رددته! فخلّوه ليردّه، فذهب وهو يقول: علّقت في الذّئب حبلا ثمّ قلت له … الحق بأهلك واسلم أيّها الذّئب! إن كنت من أهل قرّان فعد لهم … أو أهل كنزة فاذهب غير مطلوب المخلفين لما قالوا وما وعدوا … وكلّ ما يلفظ الإنسان مكتوب سألته في خلاء: كيف عيشته؟ … فقال: ماض على الأعداء مرهوب لي الفصيل من البعران آكله … وإن أصادفه طفلا فهو مصقوب والنّخل أفسده ما دام ذا رطب … وإن شتوت ففي شاء الأعاريب يا أبا مسلم أحسن في أسيركم … فإنّني في يديك اليوم مجنوب كولم مدينة عظيمة بأرض الهند، قال مسعر بن مهلهل: دخلت كولم وما رأيت بها بيت عبادة ولا صنما وأهلها يختارون ملكا من الصين، إذا مات ملكهم. وليس للهند طبيب إلّا في هذه المدينة، عماراتهم عجيبة، أساطين بيوتهم من

стр. 105

خرز أصلاب السمك، ولا يأكلون السمك ولا يذبحون الحيوان، ويأكلون الميتة، وتعمل بها غضائر تباع في بلادنا على انّه صيني وليس كذلك، لأن طين الصين أصلب من طين كولم وأصبر على النار، وغضائر كولم لونها أدكن وغضائر الصين أبيض وغيره من الألوان. بها منابت الساج المفرط الطول ربّما جاوز مائة ذراع وأكثر. وبها البقم والخيزران والقنا بها كثير جدّا، وبها الراوند وهو قرع ينبت هناك، ورقه الساذج الهندي العزيز الوجود لأجل أدوية العين، ويحمل إليها أصناف العود والكافور واللبان، والعود يجلب من جزائر خلف خطّ الاستواء، لم يصل إلى منابته أحد ولا يدرى كيف شجره، وإنّما الماء يأتي به إلى جانب الشمال. وبها معدن الكبريت الأصفر ومعدن النحاس ينعقد دخانه توتياء جيّدا. مدينة يثرب هي مدينة الرسول، ﷺ ، وهي في حرّة سبخة مقدار نصف مكّة. من خصائصها أن من دخلها يشمّ رائحة الطيب، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها، وأهلها أحسن الناس صوتا. قيل لبعض المدنيّين: ما بالكم أنتم أطيب الناس صوتا؟ فقال: مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فطاب صوتنا. بها التمر الصّيحاني لم يوجد في غيرها من البلاد. وبها حبّ البان يحمل منها إلى سائر البلاد. وعن ابن عبّاس ان النبيّ، ﵇، حين عزم الهجرة قال: اللهمّ إنّك قد أخرجتني من أحبّ أرضك إليّ فأنزلني أحبّ أرضك إليك! فأنزله المدينة. ورأى النبيّ، ﷺ ، بلال بن حمامة وقد هاجر فاجتوى المدينة وهو يقول: ألا ليت شعري! هل أبيتنّ ليلة … بفخّ وحولي إذخر وجليل؟ وهل أردن يوما مياه مجنّة؟ … وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

стр. 106

فقال، ﷺ : خفت يا ابن السوداء! ثمّ قال: اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت مكّة وأشدّ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها إلى خيبر والجحفة. وعن أبي هريرة أن رسول اللّه، ﷺ ، قال: إن إبراهيم عبد اللّه وخليله وأنا عبد اللّه ورسوله، وان إبراهيم حرّم مكّة واني حرّمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تقطع منها شجرة إلّا لعلف البعير. وعن أبي هريرة عن النبيّ، ﷺ : من صبر على لأواء المدينة وشدّتها كنت له يوم القيامة شفيعا أو شهيدا. والمدينة مسوّرة، ومسجد النبيّ، ﵇، في وسطها وقبره في شرقي المسجد، وبجنبه قبر أبي بكر وبجنب قبر أبي بكر قبر عمر. وكتب الوليد بن عبد الملك إلى صاحب الروم يطلب منه صنّاعا لعمارة مسجد رسول اللّه، ﷺ ، فبعث إليه أربعين رجلا من صنّاع الروم وأربعين من صنّاع القبط، ووجّه معهم أربعين ألف مثقال ذهبا وأحمالا من الفسيفساء. فجاء الصنّاع وخمّروا النورة سنة للفسيفساء، وجعلوا أساسها بالحجارة، وجعلوا أسطوانات المسجد من حجارة مدوّرة في وسطها أعمدة حديد، وركّبوها بالرصاص، وجعلوا سقفها منقّشة مزوّقة بالذهب، وجعلوا بلاط المحراب مذهبا، وجعلوا وجه الحائط القبلي من داخله بازار رخام من أساسه إلى قدر قامة، وفي وسط المحراب مرآة مربعة ذكروا أنّها كانت لعائشة، والمنبر كان للنبي قد غشي بمنبر آخر، وقال، ﵇: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة. بها بئر بضاعة. روي أن النبيّ، ﵇، توضّأ بمائها في دلو وردّ الدلو إلى البئر، وشرب من مائها وبصق فيها، وكان إذا مرض المريض في أيّامه يقول: اغسلوه بماء بضاعة، فإذا غسل فكأنّما أنشط من عقال. وقالت أسماء

стр. 107

بنت أبي بكر: كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيّام فيعافون. بها بئر ذروان، ويقال لها بئر كملى هي البئر المشهورة. عن ابن عبّاس: طبّ رسول اللّه، ﷺ ، حتى مرض مرضا شديدا، فبينا هو بين النائم واليقظان رأى ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما وجعه؟ فقال: طبّ! قال: ومن طبّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وأين طبّه؟ قال: في كربة تحت صخرة في بئر كملى، وهي بئر ذروان. فانتبه النبيّ، ﷺ ، وحفظ كلام الملكين، فبعث عليّا وعمّارا مع جمع من الصحابة إلى البئر فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها ووجدوا الكربة تحتها، وفيها وتر فيها إحدى عشرة عقدة، فأحرقوا الكربة بما فيها فزال عنه، ﵇، ما كان به وكأنّه أنشط من عقال. فأنزل اللّه تعالى عليه المعوّذتين إحدى عشرة آية على عدد عقده. بها بئر عروة، تنسب إلى عروة بن الزّبير؛ قال الزبير بن بكّار: ماء هذه البئر من مرّ بالعقيق يأخذه هدية لأهله، ورأيت أبي يأمر به فيغلى ثمّ يأخذه في قوارير يهديه إلى الرشيد وهو بالرقّة، وقال السري بن عبد الرحمن الأنصاري: كفّنوني إن متّ في درع أروى … واجعلوا لي من بئر عروة مائي سخنة في الشّتاء باردة الصّي … ف سراج في اللّيلة الظّلماء وأهل المدينة الأنصار، عليهم الرحمة والرضوان، ان اللّه تعالى أكثر من الثناء عليهم في القرآن. وقد خصّ بعضهم بخاصيّة لم توجد في غيرهم، منهم حميّ الدّبر وهو عاصم بن الأفلح، رضوان اللّه عليه، استشهد وأراد المشركون أن يمثّلوا به فبعث اللّه الزنابير أحاطت به ومنعت المشركين الوصول إليه.

стр. 108

ومنهم بليع الأرض وهو حبيب بن ثابت، رضوان اللّه عليه، صلبه المشركون فبعث رسول اللّه، ﷺ ، من يأخذه ويدفنه، فأخذوه وقبل دفنه فقدوه وبلعته الأرض. ومنهم غسيل الملائكة وهو حنظلة بن راهب، رضوان اللّه عليه، استشهد يوم أحد فبعث اللّه تعالى فوجا من الملائكة، رفعوه من بين القتلى وغسلوه فسمّي غسيل الملائكة. ومنهم ذو الشهادتين وهو خزيمة بن ثابت، رضوان اللّه عليه، اشترى رسول اللّه، ﷺ ، فرسا من أعرابي، والاعرابي أنكر الشراء، فقال رسول اللّه، ﵇: إني اشتريت منك! فقال الاعرابي: من يشهد بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت: إني أشهد أن رسول اللّه، ﷺ ، اشترى منك. فقال له رسول اللّه، ﵇: كيف تشهد وما كنت حاضرا؟ فقال: يا رسول اللّه إني أصدّقك في أخبار السموات والاخبار عن اللّه تعالى فما أصدقك في شراء فرس! فأمر اللّه تعالى نبيّه، ﵇، أن يجعل شهادته مكان شهادتين. ومنهم من اهتزّ العرش لموته وهو سعد بن معاذ، رضوان اللّه عليه، سيّد الأوس؛ قال رسول اللّه، ﷺ : اهتزّ العرش لموت سعد ابن معاذ. المشقّر حصن بين نجران والبحرين على تلّ عال، يقال انّه من بناء طسم، يقال له فجّ بني تميم لأن المكعبر عامل كسرى غدر بني تميم فيه، وسببه أن وهرز عامل كسرى على اليمن بعث أموالا وطرفا إلى كسرى، فلمّا كانت ببلاد بني تميم وثبوا عليها وأخذوها؛ فأخبر كسرى بذلك فأراد أن يبعث إليهم جيشا، فأخبر أن بلادهم بلاد سوء قليلة الماء.

стр. 109

فأشير إليه بأن يرسل إلى عامله بالبحرين أن يقتلهم، وكانت تميم تصير إلى هجر للميرة، فأمر العامل أن ينادي: لا تطلق الميرة إلّا لبني تميم! فأقبل إليه خلق كثير فأمرهم بدخول المشقّر، وأخذ الميرة والخروج من باب آخر، فيدخل قوم بعد قوم فيقتلهم حتى قتلوا عن آخرهم، وبعث بذراريهم في السفن إلى فارس. مغمّس موضع بين مكّة والطائف به قبر أبي رغال، مرّ به النبيّ، ﷺ ، فأمر برجمه، فصار ذلك سنّة من مرّ به يرجمه. قيل: إن أبا رغال اسمه زيد بن محلف، كان ملكا بالطائف يظلم رعيته، فمرّ بامرأة ترضع يتيما بلبن ما عز لها، فأخذ الماعز منها فبقي اليتيم بلا لبن فمات، وكانت سنة مجدبة فرماه اللّه تعالى بقارعة أهلكته. وقيل: إن أبرهة بن الصبّاح لمّا عزم هدم الكعبة مرّ بالطائف بجنوده وفيو له، فأخرج إليه أبو ممنعود الثقفي في رجال ثقيف سامعين مطيعين، فطلب أبرهة منهم دليلا يدلّه على مكّة، فبعثوا معه رجلا يقال له أبو رغال حتى نزل المغمّس، فمات أبو رغال هناك، فرجم العرب قبره؛ وفيه قال جرير ابن الخطفى: إذا مات الفرزدق فارجموه … كما ترمون قبر أبي رغال مرّاكش مدينة من أعظم مدن بلاد المغرب، واليوم سرير ملك بني عبد المؤمن، وهي في البرّ الأعظم، بينها وبين البحر عشرة أيّام في وسط بلاد البربر. وإنّها كثيرة الجنان والبساتين ويخرق خارجها الخلجان والسواقي، ويأتيها الارزاق من الأقطار والبوادي، مع ما فيها من جني الأشجار والكروم التي يتحدّث

стр. 110

بطيبها في الآفاق. والمدينة ذات قصور ومبان محكمة. بها بستان عبد المؤمن بن عليّ أبي الخلفاء، وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ، وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها. وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مرّاكش أربعون ميلا. ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد اللّه المراكشي، وكان شيخا مستجاب الدعوة، ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال: ادع اللّه تعالى ان يسقينا. فقال الشيخ: ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو اللّه تعالى أن يسقيكم في أيّ وقت شئتم! فبعث إليه ذلك، ففرّقها على المحاويج، ودعا فجاءهم غبث مدرار أيّاما، فقالوا له: كفينا ادع اللّه أن يقطعه! فقال: ابعث إليّ خمسين ألف دينار حتى أدعو اللّه أن يقطعه. ففعل ذلك ففرّق المال على المحاويج، ودعا اللّه تعالى فقطعه. واللّه الموفق. مكّة هي البلد الأمين الذي شرّفه اللّه تعالى وعظّمه وخصّه بالقسم وبدعاء الخليل، ﵇: ربّ اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات. واجعله مثابة للناس، وأمنا للخائف، وقبلة للعباد، ومنشأ لرسول اللّه، ﷺ . وعن رسول اللّه، ﵇: من صبر على حرّ مكّة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة عام، وتقرّبت منه الجنّة مائتي عام! إنّها لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد كان بعدي، وما أحلّت لي إلّا ساعة من نهار، ثمّ هي حرام لا يعضد شجرها ويحتشّ خلاها ولا يلتقط ضالتها إلّا لمنشد. وعن ابن عبّاس: ما أعلم على الأرض مدينة يرفع فيها حسنة مائة إلّا مكّة، ويكتب لمن صلّى ركعة مائة ركعة إلّا مكّة، ويكتب لمن نظر إلى بعض بنيانها عبادة الدهر إلّا مكّة، ويكتب لمن يتصدّق بدرهم ألف درهم إلّا مكّة!
следующие страницы →