Полный текст (619 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وغبار خيل اللّه … لّه في أنف امرئ
ودخان نار جهنّم لا يذهب
هذا كتاب اللّه يحكم بيننا … ليس الشّهيد كغيره، لا تكذبوا
حكي عنه قال: خرجت للغزوة، فلمّا تراءت الفتيان خرج من صفّ الترك فارس يدعو إلى البراز، فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة، قلت له: تنحّ عني حتى أصلّي ثمّ افرغ لك! فتنحّى فصلّيت ركعتين وذهبت إليه فقال لي:
تنحّ عني حتى أصلّي أنا أيضا! فتنحّيت عنه، فجعل يصلّي للشمس، فلمّا خرّ ساجدا هممت أن أغدر به فإذا قائل يقول: أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا. فتركت الغدر. فلمّا فرغ من صلاته قال لي: لم تحرّكت؟ قلت:
أردت أن أغدر بك! فقال: لم تركته؟ قلت: لأني أمرت بتركه. قال: الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالإيمان. وآمن والتحق بصفّ المسلمين.
وحكى الحسن بن الربيع انّه خرج ذات سنة مع جيوش المسلمين إلى الغزوة، فلمّا تقاتل الصفّان خرج من صفّ الكفّار فارس يطلب القرن، فذهب إليه فارس من المسلمين، فما أمهل المسلم حتى قتله! فخرج إليه آخر فما أمهله حتى قتله، ثمّ آخر فما أمهله، فأحجم الناس عن مبادرته ودخل المسلمين منه حزن.
فإذا فارس خرج إليه من صفّ المسلمين وجال معه زمانا ثمّ رماه وحز رأسه، فكبّر المسلمون وفرحوا ولم يكن يعرفه أحد، فعاد إلى مكانه ودخل في غمار الناس! قال الحسن: فبذلت جهدي حتى دنوت منه وحلفته أن يرفع لثامه، فإذا هو عبد اللّه بن المبارك، فقلت له: يا إمام المسلمين كيف أخفيت نفسك مع هذا الفتح الذي يسر اللّه على يدك؟ فقال: الذي فعلت له لا يخفى عليه.
وحكي أن عبد اللّه بن المبارك عاد من مرو إلى الشام لعلم رآه معه بمرو صاحبه بالشام. ورئي سفيان الثوري في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال:
رحمني! فقيل: ما حال عبد اللّه بن المبارك؟ قال: هو ممّن يدخل على ربّه كلّ يوم مرّتين. ولد سنة مائة وعشرين، وتوفي سنة مائة وإحدى وثمانين.
стр. 457
وينسب إليها أبو زيد المروزي، أستاذ أبي بكر القفّال المروزي، حجّ سنة فعادله أبو بكر البزّاز النيسابوري من نيسابور إلى مكّة. قال: ما علمت أن الملك كتب عليك خطيئة. قال أبو زيد: فلمّا فرغت من الحجّ وعزمت الرجوع إلى خراسان قلت في نفسي: متى تنقطع هذه المسافة وقد طعنت في السنّ، لا أحتمل مشقّتها! فرأيت النبيّ، ﷺ ، قاعدا في صحن المسجد الحرام، وعن يمينه شابّ، قلت: يا رسول اللّه عزمت على الرجوع إلى خراسان والمسافة بعيدة. فالتفت النبيّ، ﵇، إلى الشاب الذي بجنبه وقال: يا روح اللّه تصحبه إلى وطنه؛ قال أبو زيد: فأريت انّه جبريل فانصرفت إلى مرو، ولم أحسّ بشيء من مشقّة السفر.
وينسب إليها أبو بكر عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه القفّال المروزي. كان وحيد زمانه فقها وعلما. رحل إليه الناس وصنّف كتبا كثيرة، وانتشر علمه في الآفاق. حكي أن القفّال الشاشي صنع قفلا وفراشة ومفتاحا وزنها دانق، فأعجب الناس ذلك وسار ذكره في البلاد، فسمع به القفّال المروزي فصنع قفلا وزنه طسوج، فاستحسنه الناس ولكن ما شاع ذكره، فقال ذات يوم: كلّ شيء يحتاج إلى الحظّ! قفل الشاشي طنّت به البلاد، وقفلي بقدر ربعه ما يذكره أحد! فقال له صديق له: إنّما الشاشي شاع بعلمه لا بقفله. فعند ذلك رغب في العلم، وهو ابن أربعين سنة، فجدّ في طلب العلم حتى وصل إلى ما وصل وعاش تسعين سنة: أربعين سنة قفّالا وخمسين سنة عالما ومتعلّما. ومات سنة سبع عشرة وأربعمائة. وينسب إليها أبو الحرث سريج المروزي. كان شيخا صالحا صدوقا.
جاء له ولد فذهب إلى بقّال بثلاثة دراهم: يريد بدرهم عسلا، وبدرهم سمنا، وبدرهم سويقا. فقال البقّال: ما عندي من ذلك شيء، لكن احصله لك في الغد.
فقال للبقّال: فتّش لعلّك تجد قليلا! قال: فمشيت فوجدت البراني والجرار مملوءة، فأعطيته منها شيئا كثيرا. فقال: أوليس قلت ما عندي شيء منها؟ قلت له: خذ واسكت. فقال: لا آخذ حتى تصدقني. فأخبره بالحال فقال:
стр. 458
لا تحدث به ما دمت حيّا.
وحكى أبو الحرث قال: رأيت في المنام كأنّ الناس وقوف بين يدي اللّه تعالى صفوفا، وأنا في الصفّ الأخير ونحن ننظر إلى ربّ العزّة فقال: أي شيء تريدون أصنع بكم؟ فسكت الناس. قال أبو الحرث: فقلت في نفسي: ويحهم! قد أعطاهم كلّ ذا من نفسه وهم سكوت! فجعلت أمشي حتى جزت الصفوف إلى الأوّل فقال لي: أيّ شيء تريد؟ فقلت: يا رحمن إن أردت أن تعذّبنا فلم خلقتنا؟ فقال: خلقتكم ولا أعذبكم أبدا. ثمّ غاب في السماء.
المشان
بليدة قريبة من البصرة كثيرة التمر والفواكه. وجرى المثل فيها بعلّة الورشان تأكل رطب المشان، قيل: ان بعض الملوك مرض فأمره الأطباء بلحم الورشان، فأمر أن لا يمنع من يطلب له الوراشين في البساتين من النخيل، وكان طالب الوراشين يمدّ يده إلى الأعذاق، فقالوا: بعلّة الورشان تأكل رطب المشان، وهي وخمة جدّا، وممّا يحكي العوامّ: قيل للملك الموت أين نجدك؟ قال: عند قنطرة حلوان. قيل: فإن لم نجدك؟ قال: لا أبرح عن مشرعة المشان.
وإذا سخط ببغداد على أحد من أهل الفساد ينفى إلى المشان، ليتأدب بالغربة ووخامة الهواء وملوحة الماء وكثرة المرض.
وينسب إليها أبو محمّد القاسم بن عليّ الحريري صاحب المقامات الحريريّة التي هي من الأعاجيب. ومن عجيب ما حكي عنه انّه كان مشغوفا بنتف اللحية، وهو مرض من غلبة السوداء، فوكل به شخص يمنعه من ذلك. فلمّا عرض المقامات على الوزير، وأعجب الوزير صنعته، سأله عن حاجته فقال:
ملّكني لحيتي!
стр. 459
المطيرة
من قرى سامرّا أشبه أرض اللّه بالجنان من لطافة الهواء وعذوبة الماء وطيب التربة وكثرة الرياحين. وهي من متنزهات بغداد يأتيها أهل الخلاعة. وصفها بعض الشعراء فقال:
سقيا ورعيا للمطيرة موضعا! … أنوارها الخيريّ والمنشور
فيها البهار معانقا لبنفسج … فكأنّ ذلك زائر ومزور
وكأنّ نرجسه عيون كحلها … بالزّعفران، جفونها الكافور
تحيا النّفوس بطيبها فكأنّها … وصل الحبيب يناله المهجور
الموصل
المدينة العظيمة المشهورة التي هي إحدى قواعد بلاد الإسلام، رفيعة البناء ووسيعة الرقعة محطّ رحال الركبان. استحدثها راوند بن بيوراسف الازدهاق على طرف دجلة بالجانب الغربي. والآن لها سور وفصيل وخندق عميق وقهندز، وحواليها بساتين. وهواؤها طيّب في الربيع، أمّا في الصيف فأشبه شيء بالجحيم! فإن المدينة حجريّة جصّية تؤثر فيها حرارة الصيف، تبقى كالشاخورة، وخريفها كثير الحمّى تكون سنة سليمة والأخرى موبئة، يموت فيها ما شاء اللّه. وشتاؤها كالزمهرير.
بها أبنية حسنة وقصور طيّبة على طرف دجلة. وفي نفس المدينة مشهد جرجيس النبيّ، ﵇. وفي الجانب الشرقي منها تلّ التوبة، وهو التلّ الذي اجتمع عليه قوم يونس لمّا عاينوا العذاب، وتابوا وآمنوا فكشف اللّه تعالى عنهم العذاب. وعلى التلّ مشهد مقصود يقصده الناس كلّ ليلة جمعة وينذر له النذور.
وبها بساتين نزهة. وفيها جواسق في غاية الحسن والطيب. وأهل الموصل
стр. 460
انتفعوا بدجلة انتفاعا كثيرا مثل شقّ القناة منها، ونصب النواعير على الماء يديرها الماء بنفسه، ونصب العربات وهي الطواحين التي يديرها الماء في وسط دجلة في سفينة، وتنقل من موضع إلى موضع، وفي الجانب الشرقي عند انتقاص الماء يبقى على طرف دجلة ضحضاح على أرض ذات حصباء. يتّخذ الناس عليها سررا وقبابا من القصب في وسط الماء، يسمّونها السواريق ويبيتون فيها ليالي الصيف. يكون هواؤها في غاية الطيب، وإذا نقص الماء وظهرت الأرض زرعوا بها القثاء والخيار، فتكون حول القباب مقثاة ويبقى ذلك إلى أوّل الشتاء.
وأهلها أهل الخير والمروءة والطباع اللطيفة في المعاشرة والظرافة، والتدقيق في الصناعات، وما فيهم إلّا من يحبّ المختطين؛ قال الشاعر:
كتب العذار على صحيفة خدّه … سطرا يلوح لناظر المتأمّل
بالغت في استخراجه فوجدته … لا رأي إلّا رأي أهل الموصل
ينسب إليها جمال الدين الموصلي. كان من كرام الدنيا، أصله من أصفهان.
توزّر من صاحب الموصل، وكان يعطي أكثر من عبر الموصل، فعرف الناس أن عنده علم الكيمياء، وكلّ من سأله أعطاه. وحكي أنّ رجلا صوفيّا قال له:
أنت الجمال الموصلي؟ قال: نعم. قال: أعطني شيئا! قال له: سل ما شئت.
فنزع طرطوره وقال: املأ هذا دراهم! فقال: اتركه عندي وارجع غدا خذه! فتركه عنده، فلمّا عاد أعطاه إيّاه مملوءا من الدراهم، فأخذه وخرج ثمّ عاد وقال:
ما لي إلى هذا حاجة، وإنّما أردت أن أجرّبك هل أنت أهل لهذه الصنعة أم لا، فعرفت أنّك أهل، وأنت ما تعرف إلّا عمل الفضّة، أريد أن أعلّمك عمل الذهب أيضا. فعلّمه وذهب.
وحكي انّه استأذن من الخليفة أن يلبس الكعبة في بعض السنين، فأذن له فأخذ للكعبة لباسا أخضر، ونثر على الكعبة مالا كثيرا، وأعطى أهل مكّة وضعفاء الحاجّ أموالا وسار ذكره في الآفاق.
стр. 461
وحكي أنّه كان بينه وبين بعض الأمراء صداقة، فتعاهدا على أن من مات منهما أوّلا فصاحبه يحمله إلى البقيع، فمات الجمال الموصلي أوّلا في سنة خمسين وخمسمائة. فاشترى ذلك الأمير جمالا كثيرة. وعيّن قوما من الصلحاء وأقواما من المقرئين، وأموالا للصدقة عنه في كلّ منزل، وقال: الجمال الموصلي لا يبعث إلى البقيع إلّا هكذا. ودفنه بالبقيع بهذا الاحترام.
وينسب إليها الشيخ كمال الدين بن يونس. كان جامعا لفنون العلوم عديم النظير في زمانه. في أيّ باحثته فكأنّه صاحب ذلك الفنّ من المنقول والمعقول.
وأمّا فنّ الرياضيّات فكان فيه منفردا. ومن عجيب ما رأيت منه أن الفرنج في زمن الملك الكامل بعثوا إلى الشام مسائل أرادوا جوابها: منها طبيّة، ومنها حكميّة، ومنها رياضيّة. أمّا الطبيّة والحكميّة فأجاب عنها أهل الشام، والهندسيّة عجزوا عنها. والملك الكامل أراد أن يبعث جواب الكلّ، فبعثوا إلى الموصل إلى المفضّل ابن عمر الأبهري أستاذنا، وكان عديم النظير في علم الهندسة، فأشكل الجواب عليه، فعرضه على الشيخ ابن يونس، فتفكّر فيه وأجاب عنه، والمسألة هذه نريد أن تبيّن قوسا أخرجنا لها وترا، والوتر أخرج من الدائرة عملنا عليه مربعا، تكون مساحة المقوّس كمساحة المربع. هذه صورتها:
فكتب برهانه المفضل وجعل رسالة بعث بها إلى الشام إلى الملك الكامل، فلمّا مشيت إلى الشام رأيت فضلاء الشام يتعجّبون من تلك الرسالة، ويثنون على استخراج ذلك البرهان، فإنّه كان نادر الزمان.
وينسب إليها الشيخ فتح الموصلي. كان الغالب عليه الخوف والبكاء، وفي أكثر أوقاته كان باكيا. فلمّا توفي رئي في المنام، قيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: أوقفني بين يديه وقال: ما الذي أبكاك؟ فقلت: يا ربّ الخجالة من ذنوبي! فقال: وعزّتي وجلالي، أمرت ملك الذنوب أن لا يكتب عليك أربعين سنة لبكائك من هيبتي!
стр. 462
ميسان
كورة كثيرة القرى والنخيل بين البصرة وواسط، أهلها شيعة طغاة، بها مشهد عزيز النبي، ﵇، مشهور معمور يقوم بخدمته اليهود، وعليه وقوف وتأتيه النذور.
وحكي أن النعمان بن عديّ كان من صلحاء الصحابة من مهاجرة الحبشة، وكان عمر بن الخطّاب يولّي أحدا من بني النعمان لصلاحة ميسان، فأراد النعمان أن يخرج معه زوجته فأبت، فكتب النعمان إليها من ميسان ما يحرّضها على المجيء إلى زوجها:
ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها … بميسان يسقى من زجاج وحنتم؟
إذا شئت عنّيني دهاقين قرية … وصنّاجة يجثو على حرف ميسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تسقني بالأصغر المتثلّم
لعلّ أمير المؤمنين يسوءه … ينادمنا في الجوسق المتهدّم!
فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فكتب إليه: أمّا بعد فقد بلغني قولك لعلّ أمير المؤمنين يسوءه. وأيم اللّه قد ساءني وعزلتك! فلمّا قدم وسأله عن ذلك قال:
واللّه ما كان من ذلك شيء وما شربتها قطّ، وإنّما كان ذلك فضل شعر! فقال عمر: أظنّ ذلك لكن لا تعمل لي عملا قطّ.
ناووس الظّبية
موضع بقرب همذان؛ وقال ابن الفقيه: هذا الموضع عند قصر بهرام جور، وهو على تلّ مشرف حوله عيون كثيرة وأنهار غزيرة، ومن حديثه: انّه خرج بهرام جور، وهو أحد الأكاسرة، متصيّدا، وكان حاذقا بالرمي، وأخرج معه جارية من أحظى جواريه. فعنّ له سرب ظباء فقال لها: كيف تريدين أن أرمي
стр. 463
ظبية منها؟ فقالت: أريد أن تلصق ظلفها بأذنها! فتحيّر بهرام وقال في نفسه:
إن لم أفعل قيل انّه شهّى جارية ولم يف بها. فأخذ الجلاهق وعيّن ظبية فرماها ببندقية فأصاب أذنها، فرفعت رجلها تحكّ بها أذنها، فانتزع سهما فرماها فخاط به ظلفها بأذنها، ثمّ قتل الجارية ودفنها مع الظبية في ناووس واحد، وبنى عليهما علما من حجارة وكتب عليها قصّتها وقال: إنّما قتلت الجارية لأنها قصدت تعجيزي وكادت تفضحني! قال ابن الفقيه: والموضع معروف إلى وقتنا بناووس الظبية.
نسا
مدينة بخراسان بقرب سرخس وابيورد، بناها فيروز بن يزدجرد أحد الأكاسرة. وكان يقال لها شهر فيروز، وهي مدينة طيّبة كثيرة الأنهار والأشجار إلّا أنّها وبئة ويكثر بها العرق المديني، حتى أنه في الصيف قلّ من ينجو منه.
بها رباط بناه رئيسها عماد الدين حمزة النّسوي، وهو رباط عظيم خارج المدينة بين الباغات، ليس في شيء من البلاد مثله في عظم العمارة وكثرة الخير.
حكي عنه انّه قال: كنت على عزم أن أبني موضعا لأهل الخير متردّدا في أن أجعله مدرسة أو خانقاها، حتى رأيت في نومي أن قائلا يقول: من آتاه اللّه روحا فأعطه الخير! فأمر بعمارة بناء عظيم للفقهاء موضعا، وللصوفية موضعا، وللقدرية موضعا، وللعلويين موضعا، وللقفل السابلة موضعا، ولدوابّهم موضعا.
وأجرى الخبز والمأكول على كلّ من له روح، وجعل فيها حمّامات ولها بساتين. واشترى لها مماليك برسم الفرش والخدمة والطبخ وفلاحة البساتين، فكلّ من نزل بها يمشي إلى مكانه ويقوم القوّام بخدمته. ولها قرّاء ومغنّون، ولا تزال قدورها على النار، فربّما نزل بهم قفل عظيم أو جيش كثيف، فأخرجوا وظائفهم حتى لدوابهم وكلابهم. ومن أراد من أهل المدينة خرج إليها وتفرّج في بساتينها، واستحمّ في حمامها وتغدى أو تعشّى فيها وعاد إلى مكانه.
стр. 464
وكان الأمر على ذلك إلى ورود التتر. والآن سألت بعض فقهاء خراسان عنها فذكر انّه بقي منها بقيّة.
نخشب
مدينة مشهورة بأرض خراسان. منها الأولياء والحكماء، ينسب إليها الحكيم ابن المقفّع الذي أنشأ بنخشب بئرا يصعد منها قمر يراه الناس مثل القمر، واشتهر ذلك في الآفاق، والناس يقصدون نخشب لرؤيته ويتعجّبون منه، وعوامّ الناس يحسبونه سحرا، وما كان إلّا بطريق الهندسة وانعكاس شعاع القمر، لأنّهم وجدوا في قعر البئر طاسا كبيرا مملوءا زئبقا، وفي الجملة قد اهتدى إلى أمر عجيب سار في الآفاق، واشتهر حتى ذكره الناس في الأشعار والأمثال، وبقي ذكره بين الناس.
وينسب إليها أبو تراب عسكر بن الحصين النخشبي، صاحب حاتم الأصمّ.
كان يقول: بيني وبين اللّه عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلّا وقد قصرت عنه؛ حكي انّه دخل بادية البصرة يريد مكّة، فسئل عن أكله بمكّة فقال: خرجت من البصرة فأكلت بالنباج ثمّ بذات عرق ومن ذات عرق إليك.
وحكي عنه انّه قال: كنت في بعض أسفاري فاشتهيت الخبز السميد مع بيض الدجاج، فعدلت عن طريقي وقصدت قرية لتحصيل ذاك، فإذا أنا في الطريق إذ تعلّق بي شخص وقال: هذا لصّ قاطع الطريق، أخذ مني متاعي في الطريق! فحملوني إلى رئيس القرية فضربني سبعين خشبة، فإذا رجل منهم عرفني وقال: هذا أبو تراب النخشبي، ليس من شأنه ما تدّعون عليه، فنزعني من يدهم وأدخلني بيته، وجعل بين يديّ الخبز السميد وبيض الدجاج، فقلت لنفسي: خذ شهوتك مع سبعين خشبة! وتبت أن أشتهي بعد ذلك. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
стр. 465
نصراباذ
من قرى خراسان، ينسب إليها أبو القاسم إبراهيم بن محمّد النصراباذي، من مشايخ خراسان. صحب الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش. حجّ ستّين حجّة، قال: فلمّا تممت الستّين أراد الشيطان أن يلقي إليّ شيئا من العجب، فقال: من مثلك وقد حججت ستّين حجّة؟ فقام على ملإ من الناس ونادى:
أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو القاسم النصراباذي، حججت ستّين حجّة، من يشتري ثوابها برغيفين؟ فقام واحد وقال: خذ ثمنها يا أبا القاسم. فأخذ منه ورماهما إلى كلب، فسمع هاتف يقول: غفرنا لك يا أبا القاسم وأثبتنا ثواب الحجّ لك ولمن اشتراها، وقبلنا حجّ كلّ من حجّ في هذه السنة لأجلك!
جاور مكّة سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة. وتوفي بها سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
نصيبين
مدينة عامرة من بلاد الجزيرة بقرب سنجار. وهي كثيرة المياه والأشجار والبساتين، مسوّرة ولها قهندز. ذكر أن لها ولقراها أربعين ألف بستان، ظاهرها في غاية النزاهة وباطنها يضادّ ظاهرها. وهي وخمة لكثرة مياهها وأشجارها مضرّة سيّما بالغرباء، فإنّه قلّما تخطئ سهامها في الغرباء. وحكي أن بعض التجّار أراد دخول نصيبين، وكان به عقابيل المرض وصفرة اللون، فتمسّك بكمّه بعض ظرفاء نصيبين وقال: ما أخليك تدخل حتى تشهد على نفسك شاهدين عدلين انّك ما دخلت نصيبين إلّا على هذه الصفة، كيلا يقال أمرضته نصيبين!
وروي عن رسول اللّه، ﷺ ، انّه قال: رفعت لي ليلة أسري بي مدينة فأعجبتني فقلت لجبريل: ما هذه المدينة؟ فقال: نصيبين. قلت:
اللهم عجل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين!
стр. 466
ومن خاصّية نصيبين أنّها لا تقبل العدل البتّة بل سوق الظلم بها قائم، ولو كان واليها كسرى الخير، ولهذا قال بعض الشعراء:
نصيب نصيبين من ربّها … ولاية كلّ ظلوم غشوم!
فباطنها منهم في لظى … وظاهرها من جنان النّعيم!
وعقارب نصيبين ممّا يضرب بها المثل؛ حكى أحمد بن الطيّب السرخسي أن أنوشروان حاصر نصيبين، فامتنع أهلها ولم يستطع فتحها، فأشار إليه بعض الحكماء ان يحمل عقارب طيرانشاه، وهي قرية من أعمال شهرزور كثيرة العقارب، في جرار، وتحمل إلى نصيبين وترمى إليها بالعرّادة، ففعل ذلك فانتشرت العقارب في جميع المدينة، ولدغت أهلها فأصابوا منها بلاء عظيما وتقاعدوا عن القتال ففتحها أنوشروان، وذلك أصل عقارب نصيبين.
وحكي أن عامل معاوية بنصيبين كتب إلى معاوية أن جماعة كثيرة من المسلمين الذين كانوا معه أصيبوا بالعقارب، فكتب إليه معاوية يأمره أن يوظّف على كلّ أهل خير من المدّة عدّة عقارب في كلّ ليلة، ففعل ذلك، فهم يأتون بها وهو يأمر بقتلها حتى قلّت.
نضيراباذ
قرية من قرى قزوين قريبة منها، كثيرة الخيرات والغلّات، وكانت ملكا لفخر المعالي بن نظام الملك. وكان شيخ القرية رجلا ظريفا وفخر المعالي أيضا كذلك، كانا يتظارفان؛ حكي أن شيخ القرية دخل على فخر المعالي فوجده يسرّح لحيته بمشط فقال: أيّها المولى، لم تسرّح اللحية؟ فقال: لأنّه يزيل الغمّ. فقال: من كان له غمّ يسرّح لحيته فيزول غمّه؟ قال: نعم، فقد اتّفق انّه جاء ذات مرّة عسكر وأكلوا زرع القرية ونهبوها، فجاء شيخ القرية إلى فخر المعالي وقال: احضر المشط! قال: لم؟ قال: حتى أقول أنا وتسرّح أنت
стр. 467
فإني جئت بغمّ كثير.
وحكي أنه استقرض شيخ القرية من فخر المعالي شيئا من الحنطة، فقال فخر المعالي: ابعث إليك. فبعث إليه أحمالا من البعر! فلمّا كان وقت النيروز وعادتهم ان الاكرة يحملون إلى الدهخدا هدايا، من جملتها سلال فيها أقراص مدهونة وكليجات وجرادق، فبعث شيخ القرية في السلال أقراصا من السرجين، فلمّا رآها فخر المعالي غضب. قال له شيخ القرية: يا مولاي، لا تغضب، انها من الحنطة التي بعثتها إليّ! ولهم مثل هذا تظارف كثيرة يعرفها أهل قزوين وبهذا مقنع.
النّعمانيّة
بليدة بين بغداد وواسط، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، ولها قرى ورساتيق. بناها النعمان بن المنذر بن قيس بن ماء السماء. سكنها زمانا رافئ الحال فارغ البال في أيّام الأكاسرة إلى أن قضى اللّه تعالى ما شاء.
وصلت ذات مرّة إليها فنزلت في جامعها، فاجتمع علينا من النمل الكبير الأسود شيء كثير، فقال بعض أهلها: نصف البلد هكذا، والنصف الآخر لا يوجد فيه شيء منها.
وحكي أن النعمان كان له صاحبان: أحدهما عديّ بن يزيد العبادي. والآخر الربيع بن زياد. والربيع كان أقرب إليه حتى كان يأكل معه في قصعة واحدة، فحسدهما الحاسدون. أمّا الربيع فرموه بالبرص لأن النعمان كان شديد التنفّر من البرص. كتبوا إليه: يا ابن الملوك السادة الهبنقعه، الضاربين الهام تحت الخيضعه، مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه! ان استه من برص ملمّعه، وانّه يدخل فيه إصبعه. كأنّه يطلب شيئا ضيّعه! فأبعده النعمان وتنفّر منه أشدّ التنفّر، فقال الربيع: أبيت اللعن! لا تسمع كلام الأعداء وقل لمن يبصرني ويجرّبني! فقال النعمان:
стр. 468
شرّد برجلك عنّا حيث شئت … ولا تكثر عليّ ودع عنك الأقاويلا
فقد رميت بداء لست غاسله … ما جاوز النّيل يوما شطّ ابلبلا
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا … فما اعتذارك عن قول إذا قيلا؟
وأمّا عديّ بن زيد فقد سعوا به حتى أبعده النعمان، وكان ابنه زيد بن عديّ كاتبا لكسرى في المكاتبات العربيّة، فذكر لكسرى حبس أبيه، فبعث كسرى إلى النعمان يأمره بالإفراج، فلمّا وصل الرسول بعث عديّ إلى الرسول يقول:
أبصرني قبل أن تمشي إلى النعمان حتى لا يقول النعمان انّه مات! فقال الرسول:
أخاف من مؤاخذة كسرى، فإنّه ما بعثني إلّا إلى النعمان. فلمّا أدّى الرسول الرسالة قال النعمان: عدي من زمان مات! وأمر بقتله.
وعرف الحال زيد بن عدي فطلب فرصة لينتقم من النعمان، وكان كسرى مشغوفا بالنساء، أيّ امرأة حسناء ذكرت عنده يرسل إلى تحصيلها، فكان يجري في مجلسه ذكر النساء. قال زيد بن عدي: ان لعبدك النعمان بنات في غاية الحسن والجمال، إن اقتضى رأي الملك يبعثني إليه أخطب بناته للملك! فبعثه كسرى مع بعض خواصّه من العجم، فقال النعمان: إن للملك في مها العجم لمندوحة عن سودان العرب! فقال زيد للعجمي: احفظ ما يقوله حتى تقول لكسرى! فلمّا عاد إلى كسرى قال: ما معنى هذا الكلام؟ قال زيد: يقول الملك له بقر العجم، ما له ولكحلاوات العرب؟ فتأذى كسرى من هذا وبعث إليه يطلبه، فهرب النعمان في البرية، فما كان حيّ من الأحياء يحويه خوفا من كسرى.
وكلّما أتى عليه الوقت ذهب ماله وقلّ عدده، فرأى أن يأتي كسرى تائبا.
فلمّا وصل أمر كسرى بنصب القباب وإخراج جميع جواريه يرقصن في غناء عجمّي معناه: من له كلّنا أيّ حاجة له إلى البقر؟ فلمّا دخل دهليز كسرى قبض عليه وأمر بإلقائه تحت أرجل الفيل؛ قال الشاعر:
فأدخل بيتا سقفه صدر فيلة … بساباط والحيطان منه قوائمه
стр. 469
نهاوند
مدينة بقرب همذان قديمة؛ قالوا: إنّها من بناء نوح، ﵇، واللفظ دلّ عليه وأصله نوح اوند أي نوح وضع. بها عجائب. بها موضع يقال له وازوان البلاعة، به حجر كبير فيه ثقبة فتحها أكبر من شبر، يفور منها الماء كلّ يوم مرّة، فيخرج وله صوت عظيم يسقي أراضي كثيرة، ثمّ يتراجع حتى يدخل ذلك الموضع الذي خرج منه.
وحكى ابن الكلبي أن هذا الحجر مطلسم، لا يخرج الماء منه إلّا وقت الحاجة، ويفور حتى يستغنى عنه؛ قال: وهذا مشهور في تلك الناحية.
وبها صخرة عظيمة في جبلهم، من غاب له غائب أو أبق له آبق أو مرض له مريض أو سرق منه شيء، فيأتي تلك الصخرة ويبيت عندها، فإنّه يرى في نومه حاصل ذلك الأمر من خير وشرّ؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بقرب نهاوند عين في شعب جبل، من احتاج إلى الماء لسقي الأرض يمشي إليها، ويدخل الشعب ويقول بصوت رفيع: إني محتاج إلى الماء. ثمّ يمشي نحو زرعه فالماء يمشي نحوه، فإذا انقضت حاجته يرجع إلى الشعب نحو العين ويقول: قد كفاني الماء.
ويضرب برجله على الأرض فالماء ينقطع؛ هذا كلام صاحب تحفة الغرائب.
ومن عجائبها ما ذكره ابن الفقيه من أمر قصب الذريرة، فما دام بنهاوند أو شيء من رساتيقها فهو بمنزلة الخشب لا رائحة له، فإذا حمل منها وجاوزوا به العقبة التي يقال لها عقبة الركاب فاحت رائحته، فإن سلكوا به غير تلك العقبة يبقى بحاله لا يصلح إلّا للوقود.
ومن عجائبها طين أسود يوجد على حافات نهر نهاوند. له خواصّ كثيرة:
زعم أهل الناحية أن ذلك الطين تخرجه السراطين من جوف النهر وتلقيه، ولو حفروا جميع جوانب النهر وقراره لم يجدوا شيئا من ذلك الطين.
وحكى مسعر بن مهلهل أن على جبل نهاوند ثورا وسمكة منحوتة من الحجر
стр. 470
في أحسن صنعة؛ قالوا: إنّهما طلسمان لآفات المدينة. ويكثر بنهاوند شجر الخلاف ما في شيء من البلاد بكثرتها، تتّخذ منها الصوالج وتحمل إلى سائر البلاد.
النّهروان
كورة واسعة بين بغداد وواسط في شرقي دجلة، كانت من أجمل نواحي بغداد وأكثرها دخلا، وأحسنها منظرا وأبهاها فخرا. أصابتها عين الزمان فخربت بسبب الاختلاف بين الملوك السلجوقية وقتال بعضهم بعضا. وكانت ممرّ العساكر فجلا عنها أهلها واستمرّ خرابها، والآن مدنها وقراها تلال والحيطان قائمة، ثمّ بعد خرابها من شرع في عمارتها من الملوك مات قبل تمامها، حتى اشتهر ذلك واستشعر الملوك من تجديد عمارتها وتطيروا بها إلى زمن المقتفي.
فأراد بهرور الخادم عمارتها فقالوا له: ما شرع في عمارتها أحد إلّا مات قبل تمام عمارتها! فشرع في عمارتها غير ملتفت إلى هذا القول، فمات أيضا قبل تمامها، فبقيت على حالها إلى زماننا هذا.
ينسب إليها القاضي أبو الفرج بن المعافى بن زكرياء النهرواني. كان عالما فاضلا مشهورا وحيد دهره. قال: حججت سنة فإذا أنا بمنى ينادي مناد يقول:
يا أبا الفرج! قلت: يطلب غيري. ثمّ قال: يا أبا الفرج بن المعافى! قلت:
لعلّ شخصا وافق اسمه واسم أبيه اسمي واسم أبي. ثمّ قال: يا أبا الفرج بن المعافى بن زكرياء! فما أجبت. ثمّ قال: يا أبا الفرج بن المعافى بن زكرياء النهرواني! فقلت: الآن اتّضح اني أنا المطلوب. فقلت: ها أنا ذا، ماذا تريد؟ فقال: لعلّك أنت من نهروان الشرق! قلت: نعم! قال: إني أريد من هو من نهروان الغرب.
стр. 471
نيسابور
مدينة من مدن خراسان، ذات فضائل حسنة وعمارة، كثيرة الخيرات والفواكه والثمرات، جامعة لأنواع المسرّات، وعتبة الشرق، ولم يزل القفل ينزل بها. وانّها كانت مجمع العلماء ومعدن الفضلاء. وكان عمرو بن الليث الصفّار يقول: أقاتل على بلدة حشيشها الريباس، وترابها البقل، وحجرها الفيروزج.
وإنّما قال ذلك لأن بها ريباسا ليس في جميع الأرض مثله، قد يكون واحدها خمسة أرطال وأكثرها رطلان أو ثلاثة. وهي صادقة البياض كأنّها الطلع، وإنّما عنى بالبقل الطين المأكول الذي لا يوجد مثله في جميع الأرض. يحمل إلى أداني الأرض وأقاصيها لتحفة الملوك، وربّما بيع رطل منه بمصر بدينار واحد، وبالغ محمّد بن زكرياء في خواصّ هذا الطين ومنافعه. وقال أبو طالب المأموني:
خذ لي من البقل فذاك الذي … منها خلقنا وإليها نصير
كأنّه للعين لمّا بدا … أحجار كافور عليها عبير
وبها معادن الفيروزج. ذكروا أن تلك المعادن آبار ظهر فيها العقارب فامتنع الناس عنها، ولمّا دخلها إسماعيل بن أحمد الساماني، وكان ملكا عادلا، قال:
يا لها من مدينة لو لم يكن بها عيبان! قيل: ما هما؟ قال: كان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطن الأرض على ظاهرها، ومشايخها الذين على ظاهرها في باطنها.
وكانت نيسابور من أحسن بلاد اللّه وأطيبها. خرج الغزّ على السلطان سنجر ابن ملكشاه السلجوقي، وكسروه وأسروه وبعثوا جمعا إلى مدينة نيسابور، وذلك في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فقاتلهم أهل نيسابور أشدّ القتال لأنّهم كانوا كفّارا نصارى، فجاءهم ملك الغزّ وحاصرهم حتى استخلصها عنوة، وقتلوا كلّ من وجدوه وخربوها وأحرقوها، فانتقل الناس إلى الشاذياخ وعمروها
стр. 472
وسوّروها حتى بقيت مدينة طيّبة أحسن من المدينة الأولى، وصارت المدينة الأولى متروكة، وصارت مجامع أهلها مكان الوحوش ومراتع البهائم، فسبحان من لا يعتريه الزوال وكلّ ما سواه يتغيّر من حال إلى حال!
ينسب إليها الإمام العلّامة رضى الدين النيسابوري، قدوة العلماء وأستاذ البشر. كان أصله من نيسابور ومسكنه بخارى، وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان في حلقة درسه أربعمائة فقيه فضلاء، وانّه سلك طريقا لم يسلكه من كان قبله. وكان علم المناظرة قبله غير مضبوط فأحدث له ضبطا وترتيبا، وبذلك فاقت تلامذته جميع علماء زمانهم. وله على كلّ من يسمّى باسم الفقيه منّة، لأن الفقهاء بعده على طريقه وترتيبه.
وينسب إليها الأستاذ قدوة المشايخ أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة القشيرية، كان وحيد دهره علما وورعا. حكي انّه إذا دخل على نظام الملك الحسن بن عليّ بن إسحاق، قام من مكانه وقعد بين يديه، وإذا دخل عليه إمام الحرمين يقوم له ويقعده بجنبه، فسئل نظام الملك عن ذلك فقال: لأن أبا القاسم القشيري إذا دخل عليّ يذمّني فيما أعمله. وأمّا إمام الحرمين فإنّه يمدحني فيما أعمله. فيا للّه من شيخ إذا دخل على وزير المشرق والمغرب يذمّ أفعاله ولا يبالي بسلطنته! ويا للّه من وزير من ذمّه في أفعاله أكرم عليه ممّن مدحه!
وحكي أن الملك لمّا صار لطغرلبك السلجوقي واستوزر أبا نصر الكندري، كان السلطان معتزليّا والوزير شيعيّا، أمرا بلعن جميع المذاهب يوم الجمعة على رؤوس المنابر. فعند ذلك فارق الأستاذ أبو القاسم مملكة طغرلبك وقال: لا أقيم في أرض يلعن بها المسلمون! وإمام الحرمين أيضا ذهب إلى أرض الحجاز.
وتوفي أبو القاسم سنة خمس وستّين وأربعمائة.
ينسب إليها من الحكماء عمر الخيّام. كان حكيما عارفا بجميع أنواع الحكمة سيما نوع الرياضيّات. وكان في عهد السلطان ملكشاه السلجوقي سلّم إليه مالا كثيرا ليشتري به آلات الرصد ويتّخذ رصد الكواكب، فمات السلطان
стр. 473
وما تمّ ذلك.
وحكي انّه نزل ببعض الربط، فوجد أهلها شاكين من كثرة الطير ووقوع ذرقها وتنجّس ثيابهم بها، فاتّخذ تمثال الطير من الطين ونصبه على شرفة من شرفات الموضع فانقطع الطير عنها.
وحكي أن بعض الفقهاء كان يمشي إليه كلّ يوم قبل طلوع الشمس، ويقرأ عليه درسا من الحكمة، فإذا حضر عند الناس ذكره بالسوء، فأمر عمر بإحضار جمع من الطبالين والبوقيين وجباهم في داره، فلمّا جاء الفقيه على عادته لقراءة الدرس، أمرهم بدقّ الطبول والنفخ في البوقات، فجاءه الناس من كلّ صوب، فقال عمر: يا أهل نيسابور هذا عالمكم يأتيني كلّ يوم في هذا الوقت، ويأخذ مني العلم، ويذكرني عندكم بما تعلموني، فإن كنت أنا كما يقول فلأيّ شيء يأخذ علمي، وإلّا فلأيّ شيء يذكر الأستاذ بالسوء؟
وينسب إليها أبو حمزة الخراساني. كان من أقران الجنيد وأبي تراب النّخشبي وأبي سعيد الخرّاز. قال: حججت في بعض السنين، فبينما أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بئر، فنازعتني نفسي أن أستغيث حتى يأتيني أحد، فخالفت النفس وقلت: واللّه لا أستغيث؛ فما استتمّت هذه الخطرة حتى أتى برأس البئر رجلان أحدهما يقول للآخر: تعال حتى نسدّ رأس هذه البئر كيلا يقع إنسان فيها. فأتيا بقصب وبارية وسدّا رأس البئر، فهممت أن أصيح ثمّ قلت في نفسي: أصيح إلى من هو أقرب منهما. فسكتّ. فبينما أنا بعد ساعة إذ جاء شيء وكشف رأس البئر وأدلى رجليه فكأنّه يقول في همهمته: تعلّق بي! فتعلّقت به فأخرجني، فإذا هو سبع، فهتف بي هاتف: أليس هذا أحسن؟ نجيناك بالمتلف من التلف!
وينسب إليها أبو القاسم المنادي.
وينسب إليها أبو الطيب سهل الصعلوكي. تصدّر للقضاء والتدريس بنيسابور واجتمع عليه فقهاء خراسان، ووضع في مجلسه خمسمائة محبرة عند إملائه.
стр. 474
قيل: جاء في الحديث عن رسول اللّه، ﷺ . أن اللّه تعالى على رأس كلّ مائة يبعث من يجدّد دينه. فذكر الأصحاب انّه على رأس المائة عمر ابن عبد العزيز، وعلى المائتين محمّد بن إدريس الشافعي، وعلى الثلاثمائة أبو العبّاس أحمد بن سريج، ونظم هذا المعنى بعض أهل العلم فقال:
اثنان قد مضيا وبورك فيهما: … عمر الخليفة ثمّ خلف السّؤدد
الشّافعيّ الألمعيّ محمّد … إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد
وابشر أبا العبّاس إنّك ثالث … من بعدهم، سقيا لتربة أحمد
فقام رجل في مجلس أبي الطيب سهل الصعلوكي، وأنشد تلك الأبيات وألحق بها:
والرّابع المشهور سهل بعدهم … أضحى إماما عند كلّ موحّد
لا زال فيما بيننا علم الهدى … للمذهب المختار خير مؤيّد
فسكت الشيخ وغمّه ذلك وتوفي في تلك السنة.
حكى أبو سعيد الشحامي قال: رأيت أبا الطيب الصعلوكي في النوم بعد وفاته فقلت: أيّها الشيخ! فقال: دع الشيخ! قلت: وتلك الأحوال التي شاهدتها؟ قال: لم تغن عنّا شيئا! قلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي بمسائل كانت تسألها العجائز!
وينسب إليها أبو سعيد بن أبي عثمان الخركوشي. كان من مشاهير علماء خراسان بالعلم والزهد والورع وحسن الطريقة. صنّف كتبا كثيرة في العلوم الشرعيّة، وبنى مدرسة ودار مرضى، ووقف عليهما أملاكا كثيرة. وفي آخر عمره اختار الفقر، وكان يأكل من كسب يده: يعمل القلانس ويبيعها خفية حتى لا يدرى أنّها عمله.
حكى أبو الفضل محمّد بن عبد اللّه الصرام قال: رأيت الأستاذ أبا سعيد
стр. 475
خرج مع القوم للاستسقاء وهو ينشد:
إليك جئنا حسبنا ربّنا … وليس ربّ سواك يغنينا
بابك رحب فناؤه كرم … إرحم على بابك المساكينا
ثمّ قال: اللهمّ اسقنا! فما أتمّ ثلاثا حتى سقينا كأفواه القرب.
وينسب إليها أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد المرتعش. كان عظيم الشأن، صحب الجنيد، قيل له: إن فلانا يمشي على الماء! فقال: عندي من مكنة اللّه تعالى من مخالفة الهواء ما هو أعظم من المشي على الماء. توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
نينوى
بلاد وقرى كانت بشرقي دجلة عند الموصل. في قديم الزمان بعث اللّه تعالى إليهم يونس النبي، ﵇، فدعاهم إلى اللّه تعالى فكذّبوه، فخوّفهم بعذاب اللّه في وقت معين وفارقهم. فلمّا دنا ذلك الوقت وشاهدوا آثار عذاب اللّه خرجوا بالنساء والذراري إلى تلّ هناك في شرقي دجلة، وكشفوا رؤوسهم وتابوا وآمنوا، فكشف اللّه عنهم العذاب. والتلّ باق إلى الآن ويسمّى تلّ التوبة، وعليه مشهد مقصود ينذر له ويقصده الناس كلّ ليلة جمعة.
حكى صاحب تحفة الغرائب انّه كان بها طاحونة جميع آلاتها من الحجر، وكانت سبيلا، فإذا أراد الطحّان وقوف الحجر قال: اسكن بحقّ يونس! فوقف الحجر والماء يجري على حاله، ولا تدور الرحى حتى يفرغ الطحّان من شغله، فإذا فرغ قال: إني فرغت من شغلي، فشرع في الدوران.
стр. 476
واسط
مدينة بين الكوفة والبصرة من الجانب الغربي، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات.
تشقّها دجلة. وإنّها في فضاء من الأرض صحيحة الهواء عذبة الماء وكثيرا ما يفسد هواؤها باختلاف هواء البطائح بها فيفسده. وأمّا نفس المدينة فلا يرى أحسن منها صورة، فإن كلّها قصور وبساتين ومياه، وعيبها أن حاصلها يحمل إلى غيرها، فلو كان حاصلها يبقى في يد أهلها لفاقت جميع البلاد.
بناها الحجّاج سنة أربع وثمانين، وفرغ منها سنة ستّ وثمانين، وسكنها إلى سنة خمس وتسعين وتوفي في هذه السنة.
وحكي عن سماك بن حرب انّه قال: استعملني الحجّاج على ناحية نادوربا، فبينا أنا يوما على شاطئ دجلة إذا أنا برجل على فرس من الجانب الآخر، فصاح باسمي واسم أبي، فأجبت فقال: الويل لأهل مدينة تبنى ههنا! ليقتلن فيها ظلما سبعون ألفا! كرّر ذلك ثلاث مرّات ثمّ أقحم فرسه في دجلة وغاب في الماء.
فلمّا كان العام القابل ساقني القضاء إلى ذلك الموضع، فإذا أنا برجل صاح بي كما صاح وقال كما قال وزاد: سيقتل ما حولها ما يستقلّ الحصى لعددهم! ثمّ أقحم فرسه في الماء وغاب.
فلمّا بنى الحجّاج واسطا أحصي في حبسه ثلاثة وثلاثون ألف إنسان، لم يحبسوا في دم ولا دين ولا تبعة، وأحصي من قتله صبرا فبلغوا مائة وعشرين ألف إنسان!
وحكي انّه كان يقرأ القرآن، فانتهى إلى قوله تعالى: انّه عمل غير صالح.
فاشتبه عليه انّه قرأ اسما أو فعلا، فبعث إلى بعض المقرئين وأمر بإحضاره ليسأل عنه، فلمّا حضر المقرئ قام الحجّاج من مجلسه فقال الأعوان: كيف نعمل به وقد طلبه الحجّاج؟ فأوقفوه حتى يتبيّن أمره، فبقي في الحبس ستّة أشهر إلى أن فرغ الحجّاج في النظر إلى المحبوسين، فلمّا انتهى إلى اسمه سأل عن ذنبه
стр. 477
فقالوا: لا نعرف! فأمر بإحضاره وقال له: على أيّ شيء حبست؟ قال:
على ذنب ابن نوح! فضحك الحجّاج وخلّى سبيله.
ينسب إليها جماعات من القرّاء، يعرفون علم القراءة السبعة والعشرة والشواذّ، منهم أبو العزّ القلانسي، حكي انّه جاءه رجل وقال له: أنت القلانسي المقرئ؟ قال: نعم. قال: إني أريد أن أقرأ عليك قراءة القرآن.
قلت له: كيف اخترت هذه القراءة؟ قال: إني سمعتها في بعض أسفاري عن رجل فأعجبتني. فقلت له: على من قرأتها؟ قال: على القلانسي. فكان يأتيني كلّ يوم آخر النهار. قلت: ائتني أوّل النهار. فقال: أرضي شاسعة. فكنت أدخل داري وأغلق الباب وأصعد السطح، فأراه داخل الدار فأقول له: كيف دخلت والباب مغلق؟ فيقول: ما كان مغلقا. فلمّا ختم قال لي: اكتب خطّك اني قرأت عليك. فقلت: ما لي عادة أكتب خطّي إلّا بخمسة عشر دينارا.
فجاءني بجدع من العود وقال: خذ هذا واكتب لي خطّك. فأخذت وكتبت والجدع كان يسوى حمله. وكان زمن الناصر لدين اللّه، فأشهر هذا الحديث واشترى الجدع مني.
وينسب إليها أبو الحسين بنان بن محمّد بن حمدان الحمال. ذهب إلى مصر فأمر ابن طولون صاحب مصر بالمعروف، فغضب عليه وأمر بإلقائه بين يدي السبع، فكان السبع يشمّه ولا يضرّه. فلمّا أخرج من بين يدي السبع قالوا له:
ما الذي كان في قلبك وقت يشمّك السبع؟ قال: كنت أتفكّر في سؤر السبع ولعابه أطاهر أم لا؟
وحكى عمر بن محمّد بن عراك انّه كان لرجل على رجل مائة دينار بوثيقة، فكان يطلب الوثيقة ولم يجدها، فجاء إلى بنان الحمال أن يدعو له فقال له بنان:
إني رجل شيخ أحبّ الحلاوى، فاشتر لي رطل حلواء حتى أدعو لك! فذهب الرجل واشترى الحلواء وجعله في وسط القرطاس فجاء به، فقال له بنان: افتح القرطاس. ففتحه فإذا القرطاس في وسطه الوثيقة. فقال: هذه وثيقتي! فقال له
стр. 478
بنان: خذ وثيقتك وأطعم الحلاوى صبيانك. توفي بمصر سنة ستّ عشرة وثلاثمائة.
وحكي انّه احتاج إلى جارية تخدمه، فانبسط مع إخوانه فجعلوا له ثمن جارية وقالوا: إذا جاء السّفر تكون معه جوار نشتري لك منهم جارية. فلمّا جاء السّفر ومعه جوار اجتمعوا على واحدة وقالوا: انّها صالحة له. فقالوا لصاحبها: بكم تبيعها؟ فقال: انّها ليست للبيع. فألحّوا عليه فقال: إنّها لبنان الحمال، بعثتها له امرأة من سمرقند، فحملت إلى بنان وذكرت له القصّة.
وينسب إليها يزيد بن هارون. كان عالما عابدا مقرئا محدّثا. قال: سافرت عن أهلي في طلب الحديث سنين كثيرة، فلمّا عدت إلى بغداد سمعت أن بعسكر أحد التابعين، فمشيت إليه فقال: حدّثني أنس بن مالك، ﵁، عن رسول اللّه، ﷺ : من ابتلاه اللّه ببلاء فليصبر ثمّ ليصبر ثمّ ليصبر! وقال: ما أحدّثك غير هذا. قال: فعدت إلى واسط ووصلت ليلا، ووقفت على بابي، كرهت دقّ الباب كراهة انزعاج القوم، فعالجت فتح الباب ودخلتها. وكان أهلي على السطح فصعدت السطح فوجدت زوجتي نائمة وبجنبها شابّ، فأخذت حجرا وقصدت أضرب به فتذكّرت الحديث الذي سمعت من العسكري، ثمّ قصدت ثانيا وثالثا فتذكّرت الحديث ثانيا وثالثا، فانتبهت زوجتي فلمّا رأتني أيقظت الشاب وقالت: قم إلى أبيك! إني تركتها حاملا فعلمت أن ذلك من بركة حديث العسكري.
وحكي أنّه رئي في النوم بعد موته فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي.
قيل: بأيّ شيء؟ قال: بالقرآن والحديث ودعاء السحر. فقيل له: هل أخذ عليك شيئا؟ قال: نعم، قال لي تروي الحديث عن حريز بن عثمان وهو يبغض عليّ بن أبي طالب. وأتاني الملكان وقالا: من ربّك؟ قلت: أنا يزيد بن هارون، أما تريان هذه اللحية البيضاء؟ تسألاني عن الذي كنت أدعو الناس إليه سبعين سنة! فقالا: نم نومة العروس التي لا يوقظها إلّا من هو أحبّ إليها.
стр. 479
ورجند
قرية من أعمال همذان. من عجائبها أن من به علّة البواسير، والأطباء عجزوا عن معالجتها، يمشي إلى ورجند يعالجه أهلها فيبرأ بأيّام قلائل. قالوا:
إنّ لأهلها في ذلك يدا باسطة، من مشى إليها عالجوه، وذلك برقية عندهم وحشيش يدخنونه بالحشيشة، ويقرأون عليه الرقية فينتفع في أيّام قلائل. وهو مشهور عندهم.
هراة
مدينة عظيمة من مدن خراسان. ما كان بخراسان مدينة أجلّ ولا أعمر، ولا أحصن ولا أكثر خيرا منها. بها بساتين كثيرة ومياه غزيرة. بناها الإسكندر، ولمّا دخل بلاد الشرق ذاهبا إلى بلاد الصين أمر كلّ قوم ببناء سور يحصنهم عن الأعداء. وعلم أن أهل هراة قوم شماس عندهم قلّة القبول، فعيّن لهم مدينة بطولها وعرضها وسمك حيطانها وعدد أبوابها، ليوفّيهم أجورهم عند عوده.
فلمّا رجع قال: ما أمرت على هذه الهيئة؛ وأظهر الكراهية وما أعطاهم شيئا.
ومن عجيب ما ذكر أن هراة كانت في يد سلاطين الغور بني سام، فجاءها خوارزمشاه محمّد نزل عليها يحاصرها، وكانت العجلة تمشي على سورها لفرط عرضه. فأمر خوارزمشاه بنصب المنجنيق عليها، وأشار بمقرعته إلى برج من أبراجها، فكما أشار إليه انهار ذلك البرج، فاستخلصها من ذلك الموضع وعدّ ذلك من عجيب آثار دولته.
ومن عجائبها أرحية مبنيّة على الريح تديرها الريح بنفسها كما يديرها الماء، ويحمل منها إلى سائر البلدان كلّ ظريف سيما الأواني الصفريّة المطعمة بالفضّة وأنواع الدبابيج والحواصل، ومن المأكول الزبيب والمشمش؛ قال الأديب الزوزني:
هراة أردت مقامي بها … لشتّى فضائلها الوافرة:
стр. 480
نسيم الشّمال وأعنابها … وأعين غزلانها السّاحره!
ولم تزل هراة من أحسن بلاد اللّه حتى أتاها عين الزمان عند ورود التتر، فخربوها حتى أدخلوها في خبر كان، وحكى من كان بها أن التتر لمّا نزلوا عليها راسلهم أحد أعيان المدينة أن يفتح لهم بابا من أبوابها، على شرط أن يأمن هو وأهله، فأجابوه إليه. فلمّا فتح لهم دفعوا إليه رجلا ليقف على باب داره ويمنع التتر من دخولها. وكان لصاحب الدار نسيب بعث إليه أن عجل إلى داري بأهلك فإنّها مأمن. فقال النسيب: ان حالوا بيننا وبينكم فأرسل الرجل التتري إلينا ليحملنا إليكم. فأرسله إليهم، فلمّا غاب عن باب داره نزل عليها قوم من التتر وقتلوا كلّهم، فلمّا جاء الرجل التتري بالنسيب وجد القوم قتلوا عن آخرهم، فتركهم ومرّ على وجهه وقتل النسيب أيضا، ولم ينج منهم أحد.
وينسب إليها إبراهيم ستنبه من البراهمة الأربعة الذين يشفع بهم إلى اللّه تعالى وهم: إبراهيم بن أدهم بمكّة، وإبراهيم الخواص بالريّ، وإبراهيم شيبان بقرميسين، وإبراهيم ستنبه بقزوين.
حكى إبراهيم بن دوحة قال: دخلت مع إبراهيم ستنبه بادية مكّة، وكان معي دينار ذهب فقال لي: اطرح ما معك، فطرحته. ثمّ قال لي: اطرح ما معك، فما كان معي إلّا شسع نعل فطرحته. فما احتجت في الطريق إلى شسع إلّا وجدته بين يديّ، فقال: هكذا من يعامل اللّه صدقا!
وحكى بعضهم قال: كنّا عند مسجد أبي يزيد البسطامي فقال لنا: قوموا نستقبل وليّا من أولياء اللّه تعالى، فمشينا فإذا هو إبراهيم ستنبه الهروي، فقال له أبو يزيد: وقع في خاطري أن أستقبلك وأشفع لك إلى ربّي! فقال له إبراهيم:
لو شفعت لجميع الخلق ما كان كثيرا، فإنّهم كلّهم قطعة من طين، فتحيّر أبو يزيد من حسن جواب إبراهيم وقال: اللهمّ ارفع درجاتهم وانفعنا بمحبّتهم ومحبّة أمثالهم!
стр. 481
همذان
مدينة مشهورة من مدن الجبال. قيل: بناها همذان بن فلوج بن سام بن نوح، ﵇. ذكر علماء الفرس أنّها كانت أكبر مدينة بأرض الجبال، وكانت أربعة فراسخ في مثلها فالآن لم تبق على تلك الهيئة، لكنها مدينة عظيمة لها رقعة واسعة، وهواء لطيف وماء عذب وتربة طيّبة، ولم تزل محلّ سرير الملوك.
ولا حدّ لرخصها وكثرة الأشجار والفواكه بها. أهلها أعذب الناس كلاما وأحسنهم خلقا وألطفهم طبعا. ومن خصائصها ألّا يكون الإنسان بها حزينا ولو كان ذا مصائب. والغالب على أهلها اللهو والطرب لأن طالعها الثور، وهو بيت الزهرة، والغالب على أكثرهم البلاهة، ولهذا قال قائلهم:
لا تلمني على ركاكة عقلي … إن تيقّنت أنّني همذاني!
وحكي أن دارا لمّا تأهّب لمحاربة الإسكندر أحكم عمارة همذان، وجعل في وسطها حصنا لحرمه وخزانته، ووكل بها اثني عشر ألف رجل من ثقاته لحفظها متى قصدها قاصد، وذهب إلى قتال الإسكندر. فلمّا قتل دارا في القتال بعث الإسكندر إلى همذان قائدا اسمه صقلاب في جيش كثيف، فحاصرها، فلمّا عجز عنها أخبر الإسكندر بحصانة الموضع وعجزه عنه، فكتب إليه الإسكندر أن صوّر المدينة بجبالها ومياهها وعيونها وابعث بالصورة إليّ، وأقم هناك حتى يأتيك أمري. ففعل صقلاب ذلك فأرسلها الإسكندر إلى أستاذه أرسطاطاليس وقال له: دبّر لي فتح هذه المدينة.
فأمره أرسطاطاليس أن يحبس مياهها حتى يجتمع منها شيء كثير ثمّ يرسلها إلى المدينة. ففعل صقلاب ذلك كما قال، فهدم سورها وحيطانها فدخلها صقلاب وسبى ونهب، وبقيت المدينة تلّا، وأمّا المدينة الموجودة في زماننا هذا فلا شكّ في أنّها أحسن البلاد وأنزهها وأطيبها، ولهذا لم تزل محلّ الملوك، ولكلّ ملك من ملوك الجبال بها قصر يأتيه فصل الربيع والصيف. فإنّها في هذين الفصلين تشبه الجنّة
стр. 482
في طيب هوائها وبرودة مائها، وكثرة فواكهها وأنواع رياحينها؛ قال محمّد ابن بشّار:
ولقد أقول تيامني وتشامي … وتواصلي ديما على همذان
فإذا تبجّست الثّلوج تبجّست … عن كوثر شبم وعن حيوان
بلد نبات الزّعفران ترابه … وشرابه عسل بماء قنان
فكسا الرّبيع بلادها من روضة … يفترّ عن نفل وعن حوذان
حتى تعانق من خزاماه الّذي … بالجلهتين شقائق النّعمان
بها ناحية ماوشان، وهي كورة بقرب همذان. فراسخ في فراسخ يمشي إليها أهل همذان أوان الصيف وقت إدراك المشمش.
وحكي أن أعرابيّا أقام بهمذان سنين فسئل عن همذان فقال: أقمت بها سبعا كانوا يقولون الصيف يجيء وما جاء، وذلك لأن الأعرابي رأى صيف الحجاز وصيف همذان يكون مثل شتاء الحجاز.
وحكى عبد القاهر بن حمزة الواسطي صفة همذان في الشتاء فقال: خصّ اللّه همذان في الشتاء من اللعن بأوفره ومن الطرد بأكثره، فما أكدر هواءها وأشدّ بردها وأذاها وأكثر مؤونتها وأقلّ منفعتها! سلّط اللّه تعالى عليها الزمهرير الذي أعدّه للكفّار والعتاة من أهل النار، فإذا هاجت الرياح العواصف وحدثت البروق والرعود القواصف وقعت الثلوج والدمق، وعمّ الاضطراب والقلق، وانقطعت السبل وعمّ طرقاتها الوحل، فترى وجوه أهلهم متشقّقة وشعورهم من البرد متفتّقة، وأنوفهم سائلة وحواسهم زائلة، وأطرافهم خضرة وروائحهم قذرة، ولحاهم دخانية وألوانهم باذنجانيّة. وهم في في شتائهم في الأليم من العذاب والوجيع من الحظّ والعقاب. وأيّ عذاب أشدّ من مقاساة العدوّ الحاصر والكلب الكلب الحاضر؟ قال أحمد بن بشّار يصف همذان:
стр. 483
لقد أتى همذان البرد فانطلق … وارحل على شعب شمل غير متّفق
أرض يعذّب أهلوها ثمانية … من الشّهور بأنواع من الوهق
فإن رضيت بثلث العمر فارض بها … وقد تعدّ إذا من أجهل الحمق
إذا ذوى البقل هاجت في بلادهم … من جربيائهم مشّاقة الورق
فالبرد يرمي سهاما ليس يمنعها … من المروق بلبس الدّرع والدّرق
حتّى تفاجئهم شهباء معضلة … تستوعب النّاس في سربالها اليقق
أمّا الغنيّ فمحصور يكابدها … طول الشّتاء مع اليربوع في نفق
والمملقون بها سبحان ربّهم … ممّا يقاسون من برد ومن أرق
فكلّ غاد بها أو رائح تعب … ممّا يكابد من برد ومن دمق
فالماء كالصّخر والأنهار جامدة … والأرض عضّاضة بالضرس في الطّرق
فإذا انتقلت الشمس إلى برج الحمل، وقد امتلأت دروبهم من الثلج حتى سدّ عليهم الطرق، جمعوا مياههم وأرسلوها إلى المدينة، وحيطانها كلّها صخريّة، فدخل الماء دروبهم، ويحمل ما فيه من الثلج ويذهب به، ويكون ذلك اليوم عيدا عظيما عندهم يسمّونه حمل بندان، فصعدوا سطوحهم بالغناء والرقص في كلّ محلّة، واتّخذوا من الثلوج شبه قلاع يرقصون عليها، والماء يدخل عليهم ويرميهم، وهم على تلّ الثلج، فيقعون في وسط الماء والثلج، فيدخل الماء دربا دربا حتى تنقى المدينة كلّها من الثلج.
ومن عجائبها أسد من صخر على باب المدينة عظيم جدّا. حكى الكيا شيرويه أن سليمان بن داود، ﵇، اجتاز بموضع همذان، قال: ما بال هذا الموضع مع كثرة مائه وسعة ساحته لا تبنى به مدينة؟ قالوا: يا نبيّ اللّه إن ههنا لا يكون مقام الناس لأن البرد به شديد والثلج به يقع قدر قامة رمح. فقال، ﵇، لصخر الجني: هل من حيلة؟ فقال: نعم يا نبيّ اللّه؛ فاتّخذ
стр. 484
أسدا من صخر ونصبه طلسما للبرد وبنى مدينة همذان.
وقال غيره: إنّه من عمل بليناس صاحب الطلسمات حين طلبه قباذ ليطلسم بلاده، وكان الفارس يغرق في الثلج بهمذان، فلمّا عمل هذا الأسد قلّ ثلجها.
وقالوا: عمل على يمين الأسد طلسما للحيّات فقلّت، وآخر للعقارب فنقصت، وآخر للبراغيث فهي قليلة بها جدّا؛ قال ابن حاجب يذكر الأسد:
ألا أيّها اللّيث الطّويل مقامه … على نوب الأيّام والحدثان
أقمت فما تنوي البراح بحيلة … كأنّك بوّاب على همذان
أراك على الأيّام تزداد جدّة … كأنّك منها آخذ بأمان
أقبلك كان الدّهر أم كنت قبله … فنعلم أم ربّيتما بلبان؟
بقيت فما تفنى وآمنت عالما … سطا بهم موت بكلّ مكان
فلو كنت ذا نطق جلست محدّثا … تحدّثنا عن أهل كلّ زمان
ولو كنت ذا روح تطالب مأكلا … لأفنيت أكلا سائر الحيوان
أحبّبت شرّ الموت أم أنت منظر … وإبليس حتى يبعث الثّقلان؟
فلا هرما تخشى ولا الموت تتّقي … بمضرب سيف أو شباة سنان
وحكي انّه لمّا كان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، عصى أهل همذان على مرداويج الديلمي، وكان صاحب الجبال، فدخل همذان ونهبها، وسأل عن الأسد فقيل: انّه طلسم لدفع الآفات عن المدينة. فأراد حمله إلى الري فلم يتمكّن من ذلك، فأمر بكسر يديه بالفطّيس. وقيل: إنّما كسر يديه لأن الدوابّ كانت تنفر منه.
وحكي أن المكتفي باللّه نظر إليه فاستحسنه، فأمر بنقله على عجلة تجرّها الفيلة إلى بغداد، فهمّ عامل البلد بذلك، فاجتمع وجوه تلك البلاد وقالوا:
هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة. فكتب العامل بذلك إلى الخليفة وصعب عليه بعثه فعفا عنهم.
стр. 485
وحكي أن في زماننا عدا رجل في وسط همذان ويقول: يا قوم أدركوا الأسد فإني رأيته يهرب. فخرج من المدينة خلق كثير فرأوا الأسد بحاله، فيقول بعضهم: عدا من ثمّ إلى ههنا. وهذا دليل على بلاهة القوم.
وينسب إليها أبو الفضل بديع الزمان. كان أديبا فاضلا ظريفا، والمقامات التي جمعها دلّت على غزارة فضله وفصاحة كلامه ولطافة طبعه. ولهذا قال أبو القاسم الحريري: إن البديع سبّاق غايات وصاحب آيات.
وحكي أن صديقا له كتب إليه يشكو ويقول: إن الزمان قد فسد! فأجابه البديع: أتزعم أن الزمان قد فسد؟ ما تقول لي متى كان صالحا: أفي الدولة العبّاسيّة وقد رأينا آخرها وقد سمعنا أوّلها؟ أم في الأيّام المروانيّة وفي أخبارها ما يكسع الشول بأغبارها؟ أم في الأيّام الحربيّة والسيف يغمد في الطلى والرمح يركز في الكلى؟ أم في الأيّام الهاشميّة وعليّ، ﵇، يقول: ليت لي بعشرة منكم واحدا من بني فراس بن غنم؟ أم في أيّام عثمان وقد قام النفير بالحجاز وشخصت العيون من الإعجاز؟ أم في الخلافة العدوية وصاحبها يقول:
بعد النزول إلى النزول؟ أم في الخلافة التيمية وأبو بكر يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الاسلام؟ أم في عهد الرسالة وقد قيل فيه: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهلية ولبيد يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب؟
أم قبل الجاهلية وأخو عاد يقول:
بلاد بها كنّا، وكنّا نحبّها … إذ النّاس ناس والبلاد بلاد؟
أم قبل ذلك وقد روي عن أبينا آدم، ﵇، أنّه قال:
تغيّرت البلاد ومن عليها … ووجه الأرض مغبرّ قبيح؟
أم قبل خلق أبينا آدم وقد قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ فاعلم
стр. 486
أن الزمان ما فسد لكن القياس قد اطرد. وقال البديع:
همذان لي بلد أقول بفضله … لكنّه من أقبح البلدان!
صبيانه في القبح مثل شيوخه … وشيوخه في العقل كالصّبيان!
توفي البديع سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
وأنشد عبد اللّه بن محمّد بن زنجويه لنفسه في بعض الصور المطلسمة، وقد ذكرنا كلّ واحدة منها في موضعها بشرحها:
أأرقت للبرق اللّموع اللّائح … وحمائم فوق الغصون صوادح؟
بل قد ذهلت بليث غاب دائبا … مذ كان عن همذان ليس بنازح
موف على صمّ الصّخور كأنّه … يبغي الوثوب على الغزال السّانح
تمضي الدّهور وما تروم فريسة … نعل الطّمرّ الكسرويّ القارح
شبديز إذ هو واقف في طاقه … يعلوه برويز بحسن واضح
برويز عن شبديز ليس برائح … واللّيث عن همذان ليس بنازح
وكذا بتدمر صورتان تناهتا … في الحسن شبّهتا ببدر لائح
لا يسأمان عن القيام، وطالما … صبرا على صرف الزّمان الكالح
وبأرض عاد فارس يسقيهم … بالعين عذبا كالفرات السّائح
في الأشهر الحرم العظيمة حقّها … يغنون عن شرب الزّعاق المالح
فإذا انقضى الشّهر الحرام تطفّحت … تلك الحياض بماء عين الدّافح
وبأرض وادي الرّمل بين مهامه … يلقاك قبل الحتف نصح النّاصح
طرف هنالك باسط بيمينه … أن ليس بعدي مسلك للسّائح
خذها إليك مقالة من صادق … فيها عجائب من صحيح قرائح
стр. 487
يل
ضيعة من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها.
بها جبل يقال له يله بشم؛ حدّثني من صعد هذا الجبل قال: رأيت عليها صور حيوانات مسخها اللّه تعالى حجرا صلدا: منها راع متكئ على عصاه يرعى غنمه، وامرأة تحلب بقرة، وغير ذلك من صور الإنسان والبهائم، مسخ اللّه تعالى كلّها حجرا؛ وهذا شيء يعرفه جميع أهل قزوين.
وبها عين تخرج من شعب جبل، وماؤها غزير حارّ جدّا يجتمع في حوض هناك، يقصدها الزمنى والجربى وغيرهم من أصحاب العاهات، ينفعهم نفعا بيّنا. وأهل تلك البلاد يسمّونها يله كرماب.
يمكان
مدينة حصينة في وسط الجبال بقرب بذخشان، لا قدرة لأحد عليها، قهرت الصعوبة مسلكها.
بها معادن الفضّة والبلخش الذي يشبه اللعل؛ حكى الأمير حسام الدين أبو المؤيد بن النعمان أن الحكيم الناصر خسرو تحصّن بها، وكان ملكا لبلخ، فخرج عليه أهل بلخ، فانتقل إلى يمكان لحصانتها، واتّخذ بها عمارات عجيبة من القصور والبساتين والحمامات. وذكر انّه نزل في بعض تلك القصور فرأى في إيوان عظيم صورا وتماثيل تتحرّك، فمنعه أهل القصر أن ينظر إليها. وذكروا أن من ينظر إليها يصاب في عقله أو بدنه. وقال: كان صغار مماليك ينظرون إليها يخبرون بأشياء تأباها العقول! وقال: رأيت خلف ذلك القصر بستانا كنت طول الليل أسمع منه أصواتا عجيبة، لا تشبه أصوات الحيوانات المعهودة، منها ما كان طيّبا ومنها ما كان كريها.
وحكي أن بها حمّاما من عجائب الدنيا من بناء ناصر خسرو، لا يدرى
стр. 488
كيف بناؤه، ولا يصدق السامع وصفها حتى يراها. وهي باقية في زماننا، وصفتها أن من دخل مسلخها رأى بيتا مربعا منقّشا بصور حيوانات لا يرى باب الحمام، لكن يرى على حيطانها أربعا وعشرين حلقة مغلقة، فيسأل الحمامي عن باب الحمام فيقول: أي حلقة جذبتها ينفتح لك باب الحمام. فيجذب إحداها فينفتح باب وتنكسر صورة الحيوان التي على الباب لأن بعضها على الباب وبعضها على الجدار؛ فلهذا لا يعرف الغريب باب الحمام، فإذا دخل من باب من تلك الأبواب أيّها كان، ينتهي إلى قبّة على مثال المسلخ إلّا أن حلقها سبع عشرة، فأيّ حلقة يجذب يفتح له باب، فإذا دخله يفضي به إلى قبّة أخرى على مثال ما قبلها، إلّا أن حلقها اثنتا عشرة، فأيّ حلقة منها يجذب يفضي إلى قبّة على مثال ما تقدّم، إلا أن فيها تسع حلق، فأي حلقة منها يجذب يفضي إلى قبّة إلى مثال ما قبلها، إلّا أن حلقها سبع حلق، وهي القبّة الأخيرة، أحد أبوابها يفضي إلى الحمام وذلك يعرفه الحمامي: فإن فتح غيره يرى نفسه في المسلخ وهو البيت الأوّل المربّع.
وذكر الأمير أبو المؤيد أنّه شاهد هذا الحمام مرارا على هذه الهيئة، وأنّه أشهر شيء بخراسان وهو باق إلى زماننا. وإنّما صار أمر هذا الحمام مشهورا بخراسان لأنّه عامّ لا يمنع أن يدخله أحد ويستحمّ به، فيدخله كلّ أحد للاستحمام ومشاهدة العجب ولا يؤخذ ممّن دخله أجرة الحمام. وله آلات من السطول والطاسات والمآزر والطين والأمشاط والمناشف، وجميع ما يحتاج إليه المستحمّ.
فإذا استحمّ وخرج يؤتى له بجلاب ومأكول على قدره، ولا يقبلون من المستحمّ شيئا وإن أصرّ على ذلك، بل له أوقاف كثيرة وانّها بيد أحفاد الناصر خسرو.
ومن عجائبها أمر آخر وهو أن ثلاثين بيتا منها يضيء بجام واحد، ولا يمكنون أحدا أن يرى سطحها البتّة، ولا يهتدي أحد إلى كيفيّة بنائها إلّا من عرف ذلك بحقيقة.
واللّه المستعان وعليه التكلان.
стр. 489
الإقليم الخامس
أوّله حيث يكون الظلّ نصف النهار، إذا استوى الليل والنهار، خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وسدس خمس قدم، وآخره حيث يكون الظلّ نصف النهار شرقا أو غربا ستّة أقدام، ونصف عشر وسدس عشر قدم. ويبتدئ من أرض الترك المشرقين ويمرّ على أجناس الترك المعروفين إلى كاشغر وفرغانة وسمرقند وخوارزم وبحر الخزر إلى باب الأبواب وبرذعة وإلى ميّافارقين وأرمينية وبلاد الروم.
وأطول نهار هؤلاء في أوّل الإقليم أربع عشرة ساعة ونصف وربع، وفي أوسطه خمس عشرة ساعة، وفي آخره خمس عشرة ساعة وربع. وطول وسطه من المشرق إلى المغرب سبعة آلاف ميل وستمائة وسبعون ميلا وبضع عشرة دقيقة، وعرضه مائتان وأربعة وخمسون ميلا وثلاثون دقيقة، ومساحتها مكسر ألف ألف وثمانية وأربعون ألفا وخمسمائة وأربعة وثمانون ميلا واثنتا عشرة دقيقة، ولنذكر أحوال بعض المدن الواقعة فيه مرتبة على حروف المعجم:
آمد
مدينة حصينة مبنية بالحجارة من بلاد الجزيرة على نشز من الأرض، ودجلة محيطة بها من جوانبها إلّا من جهة واحدة على شكل الهلال. وفي وسطها عيون وآبار عمقها ذراعان. وإنّها كثيرة الأشجار والبساتين والثمار والزروع.
من عجائبها ما ذكره ابن الفقيه أن بأرض آمد جبلا من بعض شعابه صدع فيه سيف، من أدخل يده في ذلك الصدع وقبض على قائم ذلك السيف، اضطرب
стр. 490
السيف في يده وارتعد هو، وان كان من أشدّ الناس. وذكر أن هذا السيف يجذب الحديد أكثر من جذب المغناطيس، فإذا حكّ به سيف أو سكين جذبه، وحجارة ذلك الصدع ما يجذب؛ هذا ما ذكره ابن الفقيه ولست أعرف انّه باق إلى الآن أم لا.
ومن العجب أن في سنة سبع وعشرين وستمائة انهزم جلال الدين خوارزمشاه عن التتر، فانتهى إلى آمد فجاءه من أخبره بأن التتر خلفك قريب منك. فقال:
إن هذا المخبر من عند صاحب آمد يريد إبعادنا من أرضه. فما أصبح إلّا والتتر محيط بهم، فانصبّوا إلى آمد هاربين من التتر فقتلهم أهل آمد من السور، وفي تلك الواقعة قتل جلال الدين خوارزمشاه. فلمّا رجع التتر جاء الملك الكامل بعساكره وحاصرها، وأخذها من صاحبها، وزال ملك صاحبها بشؤم ما عمل بالهاربين من التتر اللائذين به.
أبروق
موضع ببلاد الروم يزار من الآفاق؛ قال الهروي: بلغني أمره فقصدته فوجدته في لحف جبل يدخل إليه من باب، ويمشي الداخل تحت الأرض إلى أن ينتهي إلى موضع مكشوف واسع تبين فيه السماء من فوقه، وفي وسطه بحيرة حولها بيوت الفلّاحين ومزروعهم خارج الموضع. وهناك مسجد وبيعة، فإن جاءهم مسلم يمشي إلى المسجد، وإن جاءهم نصراني يمشي إلى البيعة. والزوّار يأتون إلى هذا الموضع كثيرا، ويدخلون إلى بهو فيه جماعة مقتولون، فيهم آثار طعن الأسنة وضرب السيوف، ومنهم من فقدت بعض أعضائه، وعليهم ثياب من القطن لم تتغيّر!
وهناك أيضا امرأة على صدرها طفل حلمة ثديها في فيه، وخمسة أنفس قيام ظهورهم على حائط الموضع، وهناك أيضا موضع عال عليه سرير، وعلى السرير اثنا عشر رجلا فيهم صيّ مخضوب اليدين والرجلين بالحنّاء، فالروم
стр. 491
يزعمون أنّهم منهم، والمسلمون يقولون انّهم من الغزاة استشهدوا في أيّام عمر بن الخطّاب، ﵁.
أرّان
ناحية بين آذربيجان وأرمينية وبلاد ابخاز. بها مدن كثيرة وقرى. قصبتها جنزة وشروان وبيلقان. بها نهر الكرّ وهو نهر بين أرمينية وأرّان، يبدأ من بلاد خزران ثمّ يمرّ ببلاد الأبخاز من ناحية اللان، فيمرّ بمدينة تفليس يشقّها، ثمّ بجنزة وشمكور ويجري على باب برذعة، ثمّ يختلط بالرسّ، والرس أصغر منه وينصبّ في بحر الخزر على ثلاثة فراسخ من برذعة، موضع الشور ماهيج الذي يحمل إلى الآفاق مملّحا. وهو نوع من السمك طيّب مختصّ بذلك الموضع.
وزعموا أن الكرّ نهر سليم أكثر ما يقع فيه من الحيوان يسلم. ومن ذلك ما حكى بعض فقهاء نقجوان قال: وجدنا غريقا من الكرّ يجري به الماء، فبادر القوم إلى إمساكه فأدركوه وقد بقي فيه رمق، فحملوه إلى اليبس فاستقرّ نفسه وسكن جاشه. قال لنا: أي موضع هذا؟ قالوا: نقجوان. قال: إني وقعت في الماء في موضع كذا، وكان بينه وبين نقجوان مسيرة خمسة أيّام أو ستّة، وطلب طعاما فذهبوا لإحضار الطعام فانقضّ عليه الجدار الذي كان قاعدا تحته، فتعجّب القوم من مسامحة النهر وتعدّي الجدار!
أرزنجان
بلدة من بلاد أرمينية آهلة طيّبة كثيرة الخيرات، أهلها مسلمون ونصارى، وبها جبل فيه غار ينزل الماء من سقفه، ويصير ذلك الماء حجرا صلدا.
стр. 492
أرزن الروم
مدينة مشهورة من مدن أرمينية بقرب خلاط قديمة البناء. بينها وبين خلاط موضع يسمّى ياسي جمن، به عين يفور الماء منها فورانا شديدا، يسمع صوته من بعيد، فإذا دنا الحيوان منها يموت في الحال. وحولها من الحيوانات الموتى ما شاء اللّه، وقد وكّلوا بها من يمنع الغريب من الدنو منها.
بها عين الفرات وهي عين مباركة مشهورة. زعموا أن من اغتسل بمائها في الربيع يأمن من أمراض تلك السنة.
ارطانة
من قرى بلنسية. بها عين ارطانة، وهي عين ينبع ماؤها من غار على فمه حوض، يظهر في ذلك الحوض أنّه يكثر تارة ويقلّ أخرى كالمدّ والجزر، وذلك يرى في كلّ يوم مرارا.
أرميّة
بلدة كبيرة من بلاد آذربيجان، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. بقربها بحيرة تعرف ببحيرة أرميّة، وإنّها كريهة الرائحة لا نبات عليها ولا سمك فيها.
استدارتها خمسون فرسخا، مادتها من أودية من جبال تلك البلاد، وفي وسط البحيرة جزيرة، وعلى تلك الجزيرة قلعة حصينة، وحواليها قرى ورساتيق ومزارع. وفي أكثر الأوقات كان صاحب تلك القلعة عاصيا على ولاة آذربيجان، إذ لا سبيل إليها قهرا. ويخرج من هذه البحيرة ملح بحلو شبه التوتيا، وعلى ساحلها ممّا يلي الشرق عيون ينبع ماؤها ويستحجر إذا أصابها الهواء، وفيها حيوان يقال له كلب الماء.
وينسب إليها الشيخ أبو أحمد الملقّب بتاج الدين الأرموي، كان عديم المثل
стр. 493
في زمانه بالأصول والفقه والحكمة والأدب، ذا عبارة فصيحة وتقرير حسن وطبع لطيف وكلام ظريف. كان الاجتماع به سببا للذّات النفس من كثرة حكاياته الطيّبة والأمثال اللطيفة، والتشبيهات الغريبة والمبالغات العجيبة. وكثيرا ما كان يقول: ان دفع التتر عن هذه البلاد لكثرة صدقات الخليفة المستنصر باللّه فإن الصدقة تدفع البلاء، ولولا ذلك لكان من دفع العساكر الخوارزمشاهية كيف يقف له عسكر العراق؟ وكان الأمر كما قال. فلمّا مضى المستنصر وقلّت الصدقة جاؤوا وظفروا.
وحكي أن الشيخ دخل يوما على ابن الوزير القمّي، وكان ابن الوزير دقيق النظر كثير المآخذ، قال للشيخ: أراك تقتني المماليك المرد وليس هذا طريقة المشايخ! قال الشيخ: لا. قعودي بين يديك من طريقة المشايخ، وإنّما هذا لذلك لولا ميلي إلى شيء من زينة الدنيا ما قعدت بين يديك.
أرمينية
ناحية بين آذربيجان والروم، ذات مدن وقلاع وقرى كثيرة. أكثر أهلها نصارى. بها عجائب كثيرة ذكر أكثرها عند مدنها وقراها. والذي نزيده ههنا: بها جبل الحارث والحويرث، لا يقدر أحد على ارتقائهما؛ قالوا: إنّهما مقبرة ملوك أرمينية ومعهم أموالهم وذخائرهم. بليناس الحكيم طلسمها لئلّا يظفر بها أحد.
وحكى ابن الفقيه انّه كان على نهر الرسّ بأرمينية ألف مدينة، فبعث اللّه تعالى إليهم نبيّا اسمه موسى، وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى اللّه تعالى فكذّبوه وعصوا أمره، فدعا عليهم فحوّل اللّه تعالى الحارث والحويرث من الطائف وأرسلهما عليهم، فيقال إن أهل الرسّ تحت هذين الجبلين.
وبها البحيرة؛ قال مسعر بن مهلهل: هذه البحيرة منتنة قليلة المنافع، عليها قلاع حصينة وجانب من هذه البحيرة يأخذ إلى موضع يقال له وادي الكرد. فيه
стр. 494
طرائف من الأحجار وعليه ممّا يلي سيماس جمّة يقال لها عين زراوند، وهي جمّة شريفة جليلة القدر كثيرة المنفعة، وذلك لأن الإنسان أو الدابة إذا ألقي فيها وبه كلوم وقروح يندمل ويلتحم، وإن كان فيها عظام موهّنة مرضّضة كامنة وشظايا غامضة، تتفجّر أفواهها وينقّيها عن كلّ وسخ ويلحمها. قال مسعر ابن مهلهل: عهدي بمن تولّيت حمله إليها وبه علل من جرب وسلع وقولنج وحزاز، وضربان في الساقين واسترخاء في العصب، وفيه سهم قد نبت اللحم على نصله كنّا نتوقّع موته ساعة فساعة، فأقام بها ثلاثا فخرج النصل من خاصرته وعوفي من بقيّة العلل. قال: ومن شرف هذه الجمّة أن الإنسان إذا شرب منها أمن الخوانيق وأسهل السوداء من غير مشقّة.
وحكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض أرمينية بيت نار، له سطح من الصاروج وميزاب من النحاس، وتحت الميزاب حوض كبير من الرخام، وفي البيت مجاورون كلّما قلّ المطر بتلك الناحية أوقدوا نارهم، وغسلوا سطح البيت بماء نجس حتى ينصبّ من الميزاب إلى الحوض، ثمّ يرشون البيت بذلك الماء النجس، فعند ذلك تستر السماء بالغمام وتمطر حتى يغسل السطح والميزاب والحوض، ويمتلئ من الماء الطاهر.
الأشبونة
مدينة بالأندلس بقرب باجة طيّبة. بها أنواع الثمرات وضروب صيد البر والبحر. وهي على ضفة البحر تضرب أمواج البحر حائط سورها؛ قال أحمد ابن عمر العذري، وهو صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة: على أحد أبواب الأشبونة المعروف بباب الجمّة جمّة قريبة من البحر، يجري بماء حارّ وماء بارد، فإذا فار البحر وأراها. وقال أيضا: بقرب الأشبونة غار عظيم تدخل أمواج البحر فيه، وعلى فم الغار جبل عال، فإذا ترادفت أمواج البحر في الغار ترى الجبل يتحرّك بتحرّك الموج، فمن نظر إليه رآه مرّة يرتفع ومرّة ينخفض.
стр. 495
وبقربها جبل يوجد فيه حجر البرادي، وهو حجر يضيء بالليل كالمصباح.
قال: أخبر من صعد هذا الجبل ليلا قال كان هذا الحجر فيه يضيء كالمصباح.
قال: وهذا الجبل معدن الجزع.
إشبيلية
مدينة بالأندلس بقرب لبلة كبيرة. تباينت بلاد الأندلس بكلّ فضيلة وامتازت عنها بكلّ مزية من طيب الهواء وعذوبة الماء، وصحّة التربة والزرع والضرع وكثرة الثمرات من كلّ نوع وصيد البرّ والبحر، بها زيتون أخضر يبقى مدّة لا يتغيّر به حال ولا يعروه اختلال، وقد أخذ في الأرض طولا وعرضا فراسخ في فراسخ، ويبقى زيته بعذوبته أعواما. وكذلك بها عسل كثير جدّا وتين يابس.
ينسب إليها الشيخ الفاضل محمّد بن العربي الملقّب بمحيي الدين. رأيته بدمشق سنة ثلاثين وستمائة. وكان شيخا فاضلا أديبا حكيما شاعرا عارفا زاهدا.
سمعت أنّه يكتب كراريس فيها أشياء عجيبة. سمعت أنّه كتب كتابا في خواصّ قوارع القرآن.
ومن حكاياته العجيبة ما حكى انّه كان بمدينة إشبيلية نخلة في بعض طرقانها، فمالت إلى نحو الطريق حتى سدّت الطريق على المارّين، فتحدّث الناس في قطعها حتى عزموا أن يقطعوها من الغد؛ قال: فرأيت رسول اللّه، ﷺ ، تلك الليلة في نومي عند النخلة، وهي تشكو إليه وتقول: يا رسول اللّه ان القوم يريدون قطعي لأني منعتهم المرور! فمسح رسول اللّه، ﵇، بيده المباركة النخلة فاستقامت، فلمّا أصبحت ذهبت إلى النخلة فوجدتها مستقيمة، فذكرت أمرها للناس فتعجّبوا منها واتّخذوها مزارا متبرّكا به!
следующие страницы →