← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9631

آثار البلاد وأخبار العباد

زكريا القزويني

Полный текст (619 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يزعمون أنّهم منهم، والمسلمون يقولون انّهم من الغزاة استشهدوا في أيّام عمر بن الخطّاب، ﵁. أرّان ناحية بين آذربيجان وأرمينية وبلاد ابخاز. بها مدن كثيرة وقرى. قصبتها جنزة وشروان وبيلقان. بها نهر الكرّ وهو نهر بين أرمينية وأرّان، يبدأ من بلاد خزران ثمّ يمرّ ببلاد الأبخاز من ناحية اللان، فيمرّ بمدينة تفليس يشقّها، ثمّ بجنزة وشمكور ويجري على باب برذعة، ثمّ يختلط بالرسّ، والرس أصغر منه وينصبّ في بحر الخزر على ثلاثة فراسخ من برذعة، موضع الشور ماهيج الذي يحمل إلى الآفاق مملّحا. وهو نوع من السمك طيّب مختصّ بذلك الموضع. وزعموا أن الكرّ نهر سليم أكثر ما يقع فيه من الحيوان يسلم. ومن ذلك ما حكى بعض فقهاء نقجوان قال: وجدنا غريقا من الكرّ يجري به الماء، فبادر القوم إلى إمساكه فأدركوه وقد بقي فيه رمق، فحملوه إلى اليبس فاستقرّ نفسه وسكن جاشه. قال لنا: أي موضع هذا؟ قالوا: نقجوان. قال: إني وقعت في الماء في موضع كذا، وكان بينه وبين نقجوان مسيرة خمسة أيّام أو ستّة، وطلب طعاما فذهبوا لإحضار الطعام فانقضّ عليه الجدار الذي كان قاعدا تحته، فتعجّب القوم من مسامحة النهر وتعدّي الجدار! أرزنجان بلدة من بلاد أرمينية آهلة طيّبة كثيرة الخيرات، أهلها مسلمون ونصارى، وبها جبل فيه غار ينزل الماء من سقفه، ويصير ذلك الماء حجرا صلدا.

стр. 492

أرزن الروم مدينة مشهورة من مدن أرمينية بقرب خلاط قديمة البناء. بينها وبين خلاط موضع يسمّى ياسي جمن، به عين يفور الماء منها فورانا شديدا، يسمع صوته من بعيد، فإذا دنا الحيوان منها يموت في الحال. وحولها من الحيوانات الموتى ما شاء اللّه، وقد وكّلوا بها من يمنع الغريب من الدنو منها. بها عين الفرات وهي عين مباركة مشهورة. زعموا أن من اغتسل بمائها في الربيع يأمن من أمراض تلك السنة. ارطانة من قرى بلنسية. بها عين ارطانة، وهي عين ينبع ماؤها من غار على فمه حوض، يظهر في ذلك الحوض أنّه يكثر تارة ويقلّ أخرى كالمدّ والجزر، وذلك يرى في كلّ يوم مرارا. أرميّة بلدة كبيرة من بلاد آذربيجان، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. بقربها بحيرة تعرف ببحيرة أرميّة، وإنّها كريهة الرائحة لا نبات عليها ولا سمك فيها. استدارتها خمسون فرسخا، مادتها من أودية من جبال تلك البلاد، وفي وسط البحيرة جزيرة، وعلى تلك الجزيرة قلعة حصينة، وحواليها قرى ورساتيق ومزارع. وفي أكثر الأوقات كان صاحب تلك القلعة عاصيا على ولاة آذربيجان، إذ لا سبيل إليها قهرا. ويخرج من هذه البحيرة ملح بحلو شبه التوتيا، وعلى ساحلها ممّا يلي الشرق عيون ينبع ماؤها ويستحجر إذا أصابها الهواء، وفيها حيوان يقال له كلب الماء. وينسب إليها الشيخ أبو أحمد الملقّب بتاج الدين الأرموي، كان عديم المثل

стр. 493

في زمانه بالأصول والفقه والحكمة والأدب، ذا عبارة فصيحة وتقرير حسن وطبع لطيف وكلام ظريف. كان الاجتماع به سببا للذّات النفس من كثرة حكاياته الطيّبة والأمثال اللطيفة، والتشبيهات الغريبة والمبالغات العجيبة. وكثيرا ما كان يقول: ان دفع التتر عن هذه البلاد لكثرة صدقات الخليفة المستنصر باللّه فإن الصدقة تدفع البلاء، ولولا ذلك لكان من دفع العساكر الخوارزمشاهية كيف يقف له عسكر العراق؟ وكان الأمر كما قال. فلمّا مضى المستنصر وقلّت الصدقة جاؤوا وظفروا. وحكي أن الشيخ دخل يوما على ابن الوزير القمّي، وكان ابن الوزير دقيق النظر كثير المآخذ، قال للشيخ: أراك تقتني المماليك المرد وليس هذا طريقة المشايخ! قال الشيخ: لا. قعودي بين يديك من طريقة المشايخ، وإنّما هذا لذلك لولا ميلي إلى شيء من زينة الدنيا ما قعدت بين يديك. أرمينية ناحية بين آذربيجان والروم، ذات مدن وقلاع وقرى كثيرة. أكثر أهلها نصارى. بها عجائب كثيرة ذكر أكثرها عند مدنها وقراها. والذي نزيده ههنا: بها جبل الحارث والحويرث، لا يقدر أحد على ارتقائهما؛ قالوا: إنّهما مقبرة ملوك أرمينية ومعهم أموالهم وذخائرهم. بليناس الحكيم طلسمها لئلّا يظفر بها أحد. وحكى ابن الفقيه انّه كان على نهر الرسّ بأرمينية ألف مدينة، فبعث اللّه تعالى إليهم نبيّا اسمه موسى، وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى اللّه تعالى فكذّبوه وعصوا أمره، فدعا عليهم فحوّل اللّه تعالى الحارث والحويرث من الطائف وأرسلهما عليهم، فيقال إن أهل الرسّ تحت هذين الجبلين. وبها البحيرة؛ قال مسعر بن مهلهل: هذه البحيرة منتنة قليلة المنافع، عليها قلاع حصينة وجانب من هذه البحيرة يأخذ إلى موضع يقال له وادي الكرد. فيه

стр. 494

طرائف من الأحجار وعليه ممّا يلي سيماس جمّة يقال لها عين زراوند، وهي جمّة شريفة جليلة القدر كثيرة المنفعة، وذلك لأن الإنسان أو الدابة إذا ألقي فيها وبه كلوم وقروح يندمل ويلتحم، وإن كان فيها عظام موهّنة مرضّضة كامنة وشظايا غامضة، تتفجّر أفواهها وينقّيها عن كلّ وسخ ويلحمها. قال مسعر ابن مهلهل: عهدي بمن تولّيت حمله إليها وبه علل من جرب وسلع وقولنج وحزاز، وضربان في الساقين واسترخاء في العصب، وفيه سهم قد نبت اللحم على نصله كنّا نتوقّع موته ساعة فساعة، فأقام بها ثلاثا فخرج النصل من خاصرته وعوفي من بقيّة العلل. قال: ومن شرف هذه الجمّة أن الإنسان إذا شرب منها أمن الخوانيق وأسهل السوداء من غير مشقّة. وحكى صاحب تحفة الغرائب أن بأرض أرمينية بيت نار، له سطح من الصاروج وميزاب من النحاس، وتحت الميزاب حوض كبير من الرخام، وفي البيت مجاورون كلّما قلّ المطر بتلك الناحية أوقدوا نارهم، وغسلوا سطح البيت بماء نجس حتى ينصبّ من الميزاب إلى الحوض، ثمّ يرشون البيت بذلك الماء النجس، فعند ذلك تستر السماء بالغمام وتمطر حتى يغسل السطح والميزاب والحوض، ويمتلئ من الماء الطاهر. الأشبونة مدينة بالأندلس بقرب باجة طيّبة. بها أنواع الثمرات وضروب صيد البر والبحر. وهي على ضفة البحر تضرب أمواج البحر حائط سورها؛ قال أحمد ابن عمر العذري، وهو صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة: على أحد أبواب الأشبونة المعروف بباب الجمّة جمّة قريبة من البحر، يجري بماء حارّ وماء بارد، فإذا فار البحر وأراها. وقال أيضا: بقرب الأشبونة غار عظيم تدخل أمواج البحر فيه، وعلى فم الغار جبل عال، فإذا ترادفت أمواج البحر في الغار ترى الجبل يتحرّك بتحرّك الموج، فمن نظر إليه رآه مرّة يرتفع ومرّة ينخفض.

стр. 495

وبقربها جبل يوجد فيه حجر البرادي، وهو حجر يضيء بالليل كالمصباح. قال: أخبر من صعد هذا الجبل ليلا قال كان هذا الحجر فيه يضيء كالمصباح. قال: وهذا الجبل معدن الجزع. إشبيلية مدينة بالأندلس بقرب لبلة كبيرة. تباينت بلاد الأندلس بكلّ فضيلة وامتازت عنها بكلّ مزية من طيب الهواء وعذوبة الماء، وصحّة التربة والزرع والضرع وكثرة الثمرات من كلّ نوع وصيد البرّ والبحر، بها زيتون أخضر يبقى مدّة لا يتغيّر به حال ولا يعروه اختلال، وقد أخذ في الأرض طولا وعرضا فراسخ في فراسخ، ويبقى زيته بعذوبته أعواما. وكذلك بها عسل كثير جدّا وتين يابس. ينسب إليها الشيخ الفاضل محمّد بن العربي الملقّب بمحيي الدين. رأيته بدمشق سنة ثلاثين وستمائة. وكان شيخا فاضلا أديبا حكيما شاعرا عارفا زاهدا. سمعت أنّه يكتب كراريس فيها أشياء عجيبة. سمعت أنّه كتب كتابا في خواصّ قوارع القرآن. ومن حكاياته العجيبة ما حكى انّه كان بمدينة إشبيلية نخلة في بعض طرقانها، فمالت إلى نحو الطريق حتى سدّت الطريق على المارّين، فتحدّث الناس في قطعها حتى عزموا أن يقطعوها من الغد؛ قال: فرأيت رسول اللّه، ﷺ ، تلك الليلة في نومي عند النخلة، وهي تشكو إليه وتقول: يا رسول اللّه ان القوم يريدون قطعي لأني منعتهم المرور! فمسح رسول اللّه، ﵇، بيده المباركة النخلة فاستقامت، فلمّا أصبحت ذهبت إلى النخلة فوجدتها مستقيمة، فذكرت أمرها للناس فتعجّبوا منها واتّخذوها مزارا متبرّكا به!

стр. 496

أفرنجة بلدة عظيمة ومملكة عريضة في بلاد النصارى، بردها شديد جدّا وهواؤها غليظ لفرط البرد. وإنّها كثيرة الخيرات والفواكه والغلّات، غزيرة الأنهار كثيرة الثمار، ذات زرع وضرع وشجر وعسل، صيودها كثيرة الأنواع. بها معادن الفضّة، وتضرب بها سيوف قطاعة جدّا، وسيوف افرنجة أمضى من سيوف الهند. وأهلها نصارى. ولهم ملك ذو بأس وعدد كثير وقوّة ملك، له مدينتان أو ثلاث على ساحل البحر من هذا الجانب في وسط بلاد الإسلام، وهو يحميها من ذلك الجانب، كلّما بعث المسلمون إليها من يفتحها يبعث هو من ذلك الجانب من يحميها. وعساكره ذوو بأس شديد لا يرون الفرار أصلا عند اللقاء، ويرون الموت دون ذلك، لا ترى أقذر منهم وهم أهل غدر ودناءة أخلاق، لا يتنظّفون ولا يغتسلون في العام إلّا مرّة أو مرّتين بالماء البارد، ولا يغسلون ثيابهم منذ لبسوها إلى أن تتقطّع. ويحلقون لحاهم وإنّما تنبت بعد الحلق خشنة مستكرهة. سئل واحد عن حلق اللحى فقال: الشعر فضلة أنتم تزيلونها عن سوءاتكم فكيف نتركها نحن على وجوهنا؟ أفسوس مدينة مشهورة بأرض الروم، وهي مدينة دقيانوس الجبّار الذي هرب منه أصحاب الكهف، وبين الكهف والمدينة مقدار فرسخين، والكهف مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس، فيه رجال موتى لم يتغيّروا وعددهم سبعة: ستّة منهم نيام على ظهورهم، وواحد منهم في آخر الكهف مضطجع على يمينه، وظهره إلى جدار الكهف، وعند أرجلهم كلب ميت لم يسقط من أعضائه شيء، وهو باسط ذراعيه بالوصيد كافتراش السباع، وعلى الكهف مسجد يستجاب

стр. 497

فيه الدعاء، يقصده الناس، وأهل المدينة يرون بالليل على الكهف نورا عظيما، ويعرفون أن ذلك النور من سكان الكهف. وكان من بداية أمرهم ما حكى وهب بن منبّه أن سليمان بن داود، ﵇، لمّا قبض، ارتدّ ملك الروم إلى عبادة الأصنام، ودقيانوس أحد قواده رجع أيضا معه، ومن خالفه عذّبه بالقتل والحرق والصلب. فاتّفق أن بعض الفتيان من أولاد البطارقة خرجوا ذات يوم لينظروا إلى المعذّبين من الموحّدين، فقدر اللّه هدايتهم وفتح أبصارهم، فكانوا يرون الرجل الموحّد إذا قتل هبطت إليه الملائكة من السماء وعرجوا بروحه، فآمنوا ومكثوا على ذلك حتى ظهر أمر إسلامهم. فأرسل الملك إلى آبائهم وعتب عليهم بسبب إسلام أولادهم، فقالوا: أيّها الملك، نحن تبرّأنا منهم شأنك وشأنهم! فأحضرهم الملك وقال لهم: لكم المهل ثلاثة أيّام، وإني شاخص في هذه الأيّام من البلد، فإن وجدتكم في اليوم الرابع عند رجوعي مخالفين لطاعتي عذبتكم عذاب من خالفني؛ فلمّا كان اليوم الثالث اجتمع الفتية وقالوا: إنّما يومنا هذا هو وليلته، وعزموا على الهرب في تلك الليلة، فلمّا جنّهم الليل حمل كلّ واحد شيئا من مال أبيه وخرجوا من المدينة يمشون، فمرّوا براعي غنم لبعض آبائهم فعرفهم فقال: ما شأنكم يا سادتي؟ فأظهروا أمرهم للراعي ودعوه إلى التوحيد، فأجابهم فأخذوه معهم. وتبع الراعي كلبه، فساروا ليلتهم وأصبحوا على باب كهف دخلوا فيه وقالوا للراعي: خذ شيئا من الورق وانطلق إلى المدينة، واشتر لنا طعاما فإن القوم لا علم لهم بخروجك معنا. فأخذ الدراهم ومضى نحو المدينة وتبعه كلبه، وكان على باب المدينة صنم لا يدخل أحد المدينة إلّا بدأ بالسجود لذلك الصنم قبل دخوله، فبقي الراعي متفكّرا في السجود للصنم، فألهم اللّه الكلب ان عدا بين يديه حتى دخل المدينة، وجعل الراعي يعدو خلفه ويقول: خذوه خذوه! حتى جاوز الصنم ولم يسجد. فلمّا انتهى إلى السوق واشترى بعض حوائجه

стр. 498

سمع قائلا يقول: ان راعي فلان أيضا تبعهم. فلمّا سمع ذلك فزع وترك استتمام ما أراد شراءه، وخرج من المدينة مبادرا حتى وافى أصحابه فأخبرهم بما كان من أمره. فأكلوا طعامهم وأخذوا مضاجعهم فضرب اللّه على آذانهم. فلمّا رجع الملك أخبروه بهربهم، فخرج يقفو آثارهم حتى انتهى إلى باب الكهف ووقف على أمرهم فقال: يكفيهم من العذاب أن ماتوا جوعا! فأهلك اللّه دقيانوس وأنزل على باب الكهف صخرة وبعث إلى أهل ذلك العصر ثلاثة عشر نبيّا، فدعوا الناس إلى التوحيد، فأجابهم إلى ذلك خلق كثير، وكان الملك الذي أحيا اللّه الفتية في أيّامه موحّدا. فلمّا كانت السنة التي أراد اللّه فيها احياء الفتية، انطلق رجل من أهل المدينة وأقام بذلك المكان يرعى غنمه، فأراد أن يتّخذ لغنمه حظيرة فأمر أعوانه بتنحية الصخرة التي كانت على باب الكهف، فعند ذلك قام الفتية كمن يبيت ليلة صافية الألوان نقية الثياب، ورأوا كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد، وكان ذلك بعد ثلاثمائة سنة بحساب الروم، وزيادة تسع بحساب العرب، لأن حساب الروم شمسيّة وحساب العرب قمريّة، يتفاوت في كلّ مائة سنة ثلاث سنين. وكان انتباههم آخر النهار ودخولهم أوّل النهار، فقال بعضهم لبعض: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم! لأنّهم رأوا الشمس غير غاربة فقالوا بعض يوم، فلمّا نظروا إلى طول شعورهم وأظافيرهم قالوا: ربّكم اعلم بما لبثتم. فقالوا للراعي: إنّك أتيت البارحة بطعام قليل لم يكفنا، فخذ شيئا من هذا الورق وانطلق إلى المدينة واشتر لنا طعاما! فانطلق خائفا حتى أتى باب المدينة وقد أزيل عنه الصنم، ثمّ دخل المدينة وجعل يتصفّح وجوه الناس فما كان يعرف أحدا. فانتهى إلى سوق الطعام ودفع إليه الورق فردّه عليه وقال: هذا عتيق لا يروح اليوم! فناوله ما كان معه وقال: خذ حاجتك منها. فلمّا رأى صاحب الطعام ذلك همس إلى جاره وقال: احسب ان هذا قد وجد كنزا! فلمّا رآهما يتهامسان ظنّ أنّهما عرفاه فترك الدراهم وولى هاربا، فصاح به الناس أن خذوه فإنّه

стр. 499

وجد كنزا، فأخذوه وانطلقوا به إلى الملك فأخبروا الملك بأمره والدراهم، فتركه الملك حتى سكنت روعته ثمّ قال: ما شأنك يا فتى؟ أخبرني بأمرك ولا بأس عليك! فقال الفتى: ما اسم هذه المدينة؟ قالوا: افسوس. قال: وما فعل دقيانوس؟ قالوا: أهلكه اللّه منذ ثلاثمائة سنة! فأخبرهم بقصّته وقصّة أصحابه. فقال الملك: أرى في عقل هذا الرجل نقصانا؛ قال الراعي: إن أردت تحقيق ما أقول انطلق معي إلى أصحابي لتراهم في الكهف! فركب الملك وعامّة أهل المدينة فقال الراعي: إن أصحابي إذا سمعوا جلبة الناس خافوا، فأذن لي أيّها الملك حتى أتقدّم وأبشّرهم. فأذن له فتقدّم حتى انتهى إلى باب الكهف، فدخل عليهم وأخبرهم بهلاك دقيانوس وظهور الإسلام، وأن القوم في ولاية ملك صالح، وها هو قد أقبل إليكم ومعه عامّة أهل المدينة. فلمّا سمعوا ذلك كبّروا وحمدوا اللّه، ووافاهم الملك وأهل المدينة. والملك سلّم عليهم وسألهم عن حالهم وعانقهم. وعامة الناس سلّموا عليهم، فبادروا بذكر قصّتهم حتى إذا فرغوا من ذلك خرّوا موتى. فبنوا على الكهف مسجدا، واتّخذوا ذلك اليوم عيدا، وانّهم على حالهم إلى زماننا هذا. أفلوغونيا مدينة كبيرة من نواحي أرمينية، أهلها نصارى. من خواصّها إسراع الجذام إلى أهلها لأن أكثر أكلهم الكرنب والغدد فيهم طبع، وفيهم خدمة للضيف وقرى، وحسن الطاعة لرهبانهم، والرهابين يلعبون بعقولهم. حكي انّه إذا مرض أحدهم أحضر الراهب ودفع مالا إليه ليستغفر له. ويحضر القس وانّه يبسط كساء ويعترف المريض بذنب ذنب ممّا عمله، والقسّ قاعد يضمّ كفّيه، كلّما فرغ المذنب ينفض كفّيه في الكساء إلى أن فرغ من تمام ذنوبه. وبعد فراغه يضمّ القسّ أطراف الكساء ويخرج بها وينفض في الصحراء، فيظنّون أن الذنوب قد انمحت بالصدقة ودعاء القسّ.

стр. 500

وحكي أن فيهم من إذا تزوّج ببكر يريد أن يفترعها الراهب، لتكون مباركة على زوجها ببركة الراهب. إلبيرة مدينة بالأندلس بقرب قرطبة. من أكرم المدن وأطيبها شديدة الشبه بغوطة دمشق في غزارة الأنهار والتفاف الأشجار وكثرة الثمار. في ساحلها شجر الموز، ويحسن بها نبت قصب السكر، وبها معادن الذهب والفضّة والحديد والنحاس والرصاص والصفر، ومعدن التوتيا ومقطع الرخام، وتحمل هذه الأشياء منها إلى سائر بلاد الأندلس. وحكى أحمد بن عمر العذري: من أعمال البيرة موضع يسمّى لوشة، فيه غار يصعد إليه أربعة أذرع ثمّ ينزل في غار نحو قامتين، يرى أربعة رجال موتى لا يعرف الناس حالهم، ألفوهم كذلك قديما والملوك يتبرّكون بهم ويبعثون إليهم الأكفان، ولا ريب أنّهم من الصلحاء لأن بقاءهم على حالهم مدّة طويلة، بخلاف سائر الموتى، لا يكون إلّا لأمر؛ قال العذري: حدّثني من دخل عليهم وكشف عن وجه أحدهم فرأى درّاعة على وجهه وقال: نقرت بإصبعي على بطنه فصوّت كالجلد اليابس. ألش مدينة بالأندلس بقرب تدمير. من خواصّها أن النخل لا ينجح بجميع بلاد الأندلس إلّا بها. ويوجد بها زبيب ليس في جميع البلاد مثله، يحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس. وبها صنّاع البسط الفاخرة وليس مثلهم في شيء من بلاد الأندلس.

стр. 501

الأندلس جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر. طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة، ودورها أكثر من ثلاثة أشهر. ليس فيها ما يتّصل بالبرّ إلّا مسيرة يومين، والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل. قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسيّة: إن الأندلس وقعت متوسّطة بين الأرض كما هي متوسّطة بين الأقاليم، فبعضها في الإقليم الرابع، وبعضها في الإقليم الخامس. وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار، وبها الرخص والسعة. وبها معادن الذهب والفضّة والرصاص والحديد في كلّ ناحية، ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا، والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني. وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج، والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق. وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل، وبها الانبرباريس والعود. حكى العذري أن بعض الولاة ولّى ناحية بشرة فشمّ رائحة العود، فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عودا كثيرا يتّقد به، فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند، فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر، فحفروا وأخرجوا بقيّته واشتهر بين الناس. وأهل الأندلس زهاد وعبّاد والغالب عليهم علم الحديث، ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار. ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلّا أنّ الغالب عليهم سوء الخلق. ومن عجائب الدنيا أمران: أحدهما المملكة الإسلاميّة بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين، والآخر المملكة

стр. 502

النصرانيّة بساحل الشام مع إحاطة المسلمين من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من الإفرنج. قال العذري في وصف الأندلس: إنّها شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في أفاويهها وذكائها، اهوازية في عظم اجتنائها، صنفية في جواهرها، عدنيّة في سواحلها. بها آثار عجيبة وخواصّ غريبة تذكر في مواضعها. وبها البحر الأسود الذي يقال له بحر الظلمات، محيط بغربي الأندلس وشماليه، وفي آخر الأندلس مجمع البحرين الذي ذكره اللّه في القرآن. وعرض مجمع البحرين ثلاثة فراسخ، وطوله خمسة وعشرون فرسخا، وفيه يظهر المدّ والجزر، في كلّ يوم وليلة مدّان وجزران، وذلك ان البحر الأسود عند طلوع الشمس يعلو ويفيض في مجمع البحرين، ويدخل في بحر الروم، وهو قبلي الأندلس وشرقيها، ولونها أخضر ولون البحر أسود كالبحر. وإذا أخذته في الإناء لا ترى فيه السواد، فلا يزال البحر الأسود يصبّ في البحر الأخضر إلى الزوال، فإذا زالت الشمس عاد الأمر معكوسا فيصبّ البحر الأخضر في البحر الأسود إلى مغيب الشمس، ثمّ يعلو البحر الأسود ويفيض في البحر الأخضر إلى نصف الليل، ثمّ ينعكس الأمر فيعلو البحر الأخضر ويصبّ في البحر الأسود إلى طلوع الشمس، وهكذا على التواتر، ذلك تقدير العزيز العليم؛ وسئل رسول اللّه، ﷺ ، عن ذلك فقال: ملك على قاموس البحر إذا وضع رجله فيه فاض وإذا رفعها غاض. وبها جبل فيه غار لا يرى أحد فيه النار، وإذا أخذت فتيلة مدهونة وشدّت على رأس خشبة طويلة وأدخلت الغار، اشتعلت الفتيلة وتخرج مشتعلة. وبها جبل بقرب الجبل الذي سبق ذكره، ترى على قلّته النار مشتعلة بالليل، وبالنهار يصعد منه دخان عظيم. وبها جبل عليه عينان بينهما مقدار شبرين، ينبع من إحداهما ماء حارّ ومن

стр. 503

الأخرى ماء بارد. ذكرهما صاحب تحفة الغرائب وقال: أمّا الحار فلو رميت فيه اللحم ينطبخ، وأمّا البارد فيصعب شربه لغاية برودته. وبها جبل شلير لا يفارقه الثلج صيفا ولا شتاء، وهو يرى من أكثر بلاد الأندلس لارتفاعه وشموخه، وفيه أصناف الفواكه من التفّاح والعنب والتوت والجوز والبندق وغير ذلك، والبرد به شديد جدّا؛ قال بعض المغاربة وقد اجتاز بشلير فوجد ألم البرد: يحلّ لنا ترك الصّلاة بأرضكم … وشرب الحميّا وهي شيء محرّم فرارا إلى نار الجحيم، فإنّها … أخفّ علينا من شلير وأرحم! إذا هبّت الرّيح الشّمال بأرضكم … فطوبى لعبد في اللّظى يتنعّم أقول ولا الحي على ما أقوله … كما قال قبلي شاعر متقدّم: فإن كنت يوما في جهنّم مدخلي … ففي مثل ذاك اليوم طاب جهنّم! وبها جبل الكحل. إنّه بقرب مدينة بسطة؛ قالوا: إذا كان أوّل الشهر أخذ الكحل يخرج من نفس الجبل، وهو كحل أسود لا يزال كذلك إلى نصف الشهر، فإذا زاد على النصف نقص الكحل، ولا يزال الذي خرج يرجع إلى تمام الشهر. وبها نهر ابره؛ قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية: مخرج هذا النهر من عين يقال لها فونت ايبرهي، ومصبّه في البحر الشامي بناحية طرطوشة، وامتداده مائتا ميل وعشرة أميال، يوجد فيه صنف من السمك عجيب يقال له الترحته لا يوجد في غيره البتّة، وهو سمك أبيض ليس له إلّا شوكة واحدة؛ كلّ ذلك عن العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسيّة. وبها نهر أنّه. مخرجه من موضع يعرف بفجّ العروس، ثمّ يغيض بحيث لا يبقى له أثر على وجه الأرض، ويحرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها أنّه، ثمّ يغيض ويجري تحت الأرض، ثمّ يبدو هكذا مرارا في مواضع شتى إلى أن

стр. 504

يغيض بين ماردة وبطليوس، ثمّ يبدو وينصبّ في البحر المحيط. وامتداده ثلاثمائة وعشرون ميلا؛ كلّ ذلك عن العذري. أنقرة مدينة مشهورة بأرض الروم، تقول العجم انكورية، غزاها الرشيد وفتحها؛ قال بسيل الترجمان: كنت مع الرشيد لمّا فتحها. رأيت على باب الحصن كتابة باليونانيّة، فجعلت أنقلها والرشيد ينظر إليّ، فإذا هي: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الملك الحقّ المبين. يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى واليها، ولا يحملنّك إفراط السرور على ما تمّ، ولا تحملنّ على نفسك همّ يوم لم يأتك، فإنّه إن لم يأت من أجلك يأت اللّه برزقك فيه، ولا تكن أسوة للمغرورين في جمع المال، فكم قد رأينا من جمع لبعل حليلته، على أن يعتبر المرء على نفسه توفير الخوان غيرة. وحكي أن في زمن المعتصم تعدّوا على رجل من أهل العراق بأرض أنقرة ينادي يا معتصماه! فقالوا: اصبر حتى يأتي المعتصم على الأبلق ينصرك! فوصل هذا القول إلى المعتصم، فأمر بشري كلّ فرس أبلق في مملكته. وذهب إلى الروم ونهب أنقرة، وكان على باب مدينتها مصراعان من الحديد مفرطا الطول والعرض، حملهما إلى بغداد وهما الآن على باب العامة، باب من أبواب حرم الخلافة. باب الأبواب مدينة عجيبة على ضفة بحر الخزر، مبنية بالصخور، وهي مستطيلة يصيب ماء البحر حائطها. طولها مقدار ثلثي فرسخ وعرضها غلوة سهم. عليها أبواب من الحديد، ولها أبراج كثيرة، على كلّ برج مسجد للمجاورين والمشتغلين بالعلوم الدينيّة، وعلى السور حرّاس تحرس من العدوّ.

стр. 505

بناها أنوشروان كسرى الخير، وهي أحد الثغور العظيمة لأنّها كثيرة الأعداء من الذين حفّوا بها من أمم شتّى، وإلى جانب المدينة جبل أرعن يعرف بالذنب، يجمع على قلّته كلّ سنة حطب كثير ليشعلوا فيه النار، إذا احتاجوا إلى إنذار أهل ارّان وآذربيجان وأرمينية بمجيء العدوّ. وكانت الأكاسرة شديدة الاهتمام بهذا المكان لعظم خطره وشدّة خوفه. وحكى أبو العبّاس الطوسي أن الخزر كانت تعبر على ملك فارس حتى وصلوا إلى همذان والموصل. فلمّا ملك أنوشروان بعث إلى ملك الخزر، وخطب إليه ابنته على أن يزوّجه ابنته ويتفرّغا لأعدائهما. فأجابه إلى ذلك، فعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فوجّه بها إلى ملك الخزر على أنّها ابنته، وحمل معها ما يحمل مع بنات الملوك. وأهدى خاقان ملك الخزر إلى أنوشروان ابنته، فلمّا وصلت إليه كتب إلى خاقان: لو التقينا أوجبنا المودّة بيننا! فأجابه إلى ذلك فالتقيا وأقاما أيّاما. وأنوشروان أمر قائدا من قواده يختار ثلاثمائة رجل من أشدّاء أصحابه، فإذا هدأت العيون أغار على عسكر الخزر يحرق ويعقر ويرجع إلى مكانه، ففعل. فلمّا أصبح بعث خاقان إلى أنوشروان أن أتيت عسكري البارحة. فبعث إليه أنوشروان انّه لم يأت من قبلنا فابحث وانظر. ففعل ولم يقف على شيء ثمّ أمهله أيّاما وعاد لمثلها حتى فعل ثلاث مرّات، وفي كلّها يعتذر، فدعا خاقان قائدا من قواده وأمره بمثل ما أمر به أنوشروان. فلمّا فعل أرسل أنوشروان: ما هذا؟ استبيح عسكري الليلة! فأرسل إليه خاقان يقول: ما أسرع ما ضجرت! فقد عمل مثل هذا بعسكري ثلاث مرّات، وإنّما فعل بك مرّة واحدة. فبعث إليه أنوشروان يقول: إن هذا عمل قوم يريدون إفساد ما بيننا! وعندي رأي ان قبلته وهو أن تدعني أبني بيني وبينك حائطا وأجعل عليه أبوابا، فلا يدخل بلادك إلّا من تريد، ولا يدخل بلادي إلّا من أريد. فأجابه إلى ذلك، وانصرف خاقان إلى مملكته.

стр. 506

وأقام أنوشروان وشرع في بناء حائط من الصخر والرصاص، وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وعلاه حتى ألحقه برؤوس الجبال ثمّ قاده في البحر. فيقال: انّه نفخ في الزقاق وبنى عليها حتى استقرّت على الأرض، ثمّ رفع البناء حتى استوى مع الذي على الأرض في عرضه وارتفاعه، فجعل أحد طرفيه في البحر وأحكمه، وقد مدّة سبعة فراسخ إلى موضع أشب، وهو جبل وعر لا يتهيّأ سلوكه، وبنى بالحجارة المهندمة نقل أصغرها خمسون رجلا وأحكمها بالرصاص والمسامير، وجعل في هذه السبعة فراسخ سبعة مسالك، على كلّ مسلك مدينة، ورتّب فيها قوما من مقاتلة الفرس على كلّ مدينة مائة رجل يحرسونها، بعد أن كان محتاجا إلى مائة ألف رجل. ثمّ نصب سريره على القيد الذي صنعه على البحر، وسجد شكرا للّه على ما تمّ على يده وكفاه شرّ الترك وهجومهم، واستلقى على ظهره وقال: الآن استرحت. ومدينة باب الأبواب من تلك المدن. والعجم يسمّونه دربند. وبها صور مطلسمة لدفع الترك، وكانت عساكر الترك لا تزال تأتي من تلك الجهة وتنهب بلاد إيران، فلمّا بنى أنوشروان ذلك السدّ وطلسيمه، لم يذكر أن دخل الترك من تلك الجهة بلاد إيران، منها صورة أسدين على حائط باب الجهاد، فوق أسطوانتين من حجر وأسفل منهما حجران، على كلّ حجر تمثال لبوءتين، وبقرب الباب صورة رجل بين رجليه صورة ثعلب، في فمه عنقود عنب لعلّه لدفع الثعلب عن أعنابهم! وإلى جانب المدينة صهريج له درجات، ينزل بها إلى الصهريج إذا قلّ ماؤه، وعلى جنبي الدرجة صورتا أسدين من حجارة، يقولون: إنّهما طلسم اتّخذ للسور ما دام باقيا لا يصيب المدينة من الترك آفة. وخارج المدينة تلّ عليه مسجد، في محرابه سيف يقولون: إنّه سيف مسلمة ابن عبد الملك بن مروان. يزوره الناس، لا يزار إلّا في ثياب بيض، فمن قصده في ثياب مصبوغة جاءت الأمطار والرياح وكاد يهلك ما حول التلّ. وعليه حفّاظ

стр. 507

يمنعون من يذهب إليه بالثياب المصبوغة. وبقرب هذا التلّ عين يخرج الناس إليها كلّ ليلة جمعة، فيرون في بعض ناشئة الليل في تلك العين ضياء ونورا، حتى يتبيّن لهم الحصى والحجر، ويسمّون تلك العين الثواب. بتّم حصن منيع بناحية فرغانة. به معدن الذهب والفضّة والنوشاذر الذي يحمل إلى سائر البلاد. وهو في جبل شبه غار قد بني عليه بيت يستوثق من بابه وكواه يرتفع منه بخار شبيه بالدخان في النهار وبالنار في الليل، فإذا تلبّد هذا البخار يكون منه النوشاذر، ولا يتهيّأ لأحد أن يدخل هذا البيت من شدّة حرّه، إلّا أن يلبس لبودا يرطبها بالماء، ثمّ يدخله كالمختلس فيأخذ ما يقدر عليه ويسرع الخروج. بجّانة مدينة بالأندلس بقرب المرية. بها جمّة غزيرة الماء يقصدها الزمنى ويسكنون بها، وأكثر من يواظب عليها يبرأ من زمانته. وبها فنادق مبنية بالحجارة لسكان قاصدي تلك الجمّة، وربّما لم يوجد بها المسكن لكثرة قاصديها. وعلى الجمّة بيتان: أحدهما للرجال وهو على الجمّة نفسها، والآخر للنساء يدخله الماء من بيت الرجال. وقد بني بيت ثالث مفروش بالرخام الأبيض، يأتيه الماء من قناة ويختلط بماء الجمّة حتى يصير فاترا، ويدخله من لا يستطيع دخول ماء الجمّة، وتخرج فضلتها تسقي الزروع والأشجار. بخارى مدينة عظيمة مشهورة بما وراء النهر قديمة طيّبة. قال صاحب كتاب الصور: لم أر ولا بلغني أن في جميع بلاد الإسلام مدينة أحسن خارجا من بخارى.

стр. 508

بينها وبين سمرقند سبعة أيّام وسبعة وثلاثون فرسخا، هي بلاد الصغد، أحد متنزّهات الدنيا. ويحيط ببناء المدينة والقصور والبساتين والقرى المتّصلة بها سور يكون اثني عشر فرسخا في مثلها، بجميع الأبنية والقصور والقرى والقصبة فلا يرى في خلال ذلك قفار ولا خراب، ومن دون ذلك السور على خاص القصبة، وما يتّصل بها من القصور والمحالّ والبساتين التي تعدّ من القصبة، ويسكنها أهل القصبة شتاء وصيفا، سور آخر نحو فرسخ في مثله، ولها مدينة داخل هذا السور يحيط بها سور حصين. روى حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه، ﷺ : ستفتح مدينة خلف نهر يقال له جيحون، يقال لها بخارى، محفوفة بالرحمة ملفوفة بالملائكة، منصور أهلها، النائم فيها على الفراش كالشاهر سيفه في سبيل اللّه. وخلفها مدينة يقال لها سمرقند، فيها عين من عيون الجنّة، وقبر من قبور الأنبياء، وروضة من رياض الجنّة، يحشر موتاها يوم القيامة مع الشهداء. وفي الحديث: أن جبريل، ﵇، ذكر مدينة يقال لها فاخرة وهي بخارى، فقال، ﷺ : لم سمّيت فاخرة؟ فقال: لأنّها تفخر يوم القيامة على المدن بكثرة شهدائها. ثمّ قال: اللهم بارك في فاخرة وطهّر قلوبهم بالتقوى، واجعلهم رحماء على أمّتي! فلهذا يقال: ليس على وجه الأرض أرحم للغرباء منهم. ولم تزل بخارى مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر. وكانت الرئاسة في بيت مبارك يقال لرئيسها خواجة إمام أجلّ. وإلى الآن نسلهم باق ونسبهم ينتهي إلى عمر بن عبد العزيز بن مروان، وتوارثوا تربية العلم والعلماء كابرا عن كابر، يرتبون وظيفة أربعة آلاف فقيه، ولم تر مدينة كان أهلها أشدّ احتراما لأهل العلم من بخارى. ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ محمّد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح الذي هو أقدم كتب الأحاديث. كان وحيد عصره وفريد دهره.

стр. 509

حكي انّه لمّا جمع هذا الكتاب بحسنه وصحّته أراد أن يسمع منه أحد حتى يروي عنه بعد موته، فما كان أحد يوافقه أن يسمع منه ذلك، حتى ذهب إلى شخص يعمل طول نهاره على بقر فقال له: أنا أقرأ هذا الكتاب وأنت تسمعه مني فلعلّه ينفعك بعد ذلك! وكان الشيخ يقرأ كتاب الصحيح والبقر يعمل والفربري يسمع منه حتى أسمعه جميع الكتاب. فلهذا ترى كلّ من يروي صحيح البخاري تكون روايته عن الفربري. وينسب إليها أبو خالد يزيد بن هارون. كان أصله من بخارى ومقامه بواسط العراق. حكى عاصم بن عليّ أن يزيد بن هارون كان إذا صلّى العشاء لا يزال قائما حتى يصلّي الغداة بذلك الوضوء، وداوم على ذلك نيفا وأربعين سنة. وحكى أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل، وكان عنده رجل قال: رأيت يزيد بن هارون فقلت: يا أبا خالد ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي وشفعني وعاتبني! فقلت له: فيم عاتبك؟ قال: قال لي يا يزيد أتحدث عن جرير بن عثمان؟ فقلت: يا ربّ ما علمت منه إلّا خيرا! فقال: إنّه كان يبغض أبا الحسن عليّ بن أبي طالب، ﵁. وحكى آخر قال: رأيت ابن هارون في المنام فقلت له: هل أتاك منكر ونكير؟ قال: إي واللّه! وسألاني: من ربّك وما دينك ومن نبيّك؟ فقلت: ألمثلي يقال هذا وأنا يزيد بن هارون اعلّم الناس هذا سبعين سنة؟ فقال: صدقت، نم نومة العروس! توفي يزيد بن هارون بواسط سنة ستّ ومائتين عن سبع وثمانين سنة. بذّ كورة بين أرّان وآذربيجان، كثيرة الضباب قلّما تصحو السماء بها، منها كان مخرج بابك الخرّمي في أيّام المعتصم باللّه. بها موقف رجل لا يقوم أحد فيه يدعو اللّه تعالى إلّا استجيب له. ومنها يتوقّعون خروج المهدي، وذكر أن تحتها نهرا عظيما، إن اغتسل فيه صاحب الحمّى العتيقة ذهبت حمّاه.

стр. 510

برذعة مدينة كبيرة بأرّان أكثر من فرسخ في فرسخ. أنشأها قباذ الملك، وهي خصبة نزهة كثيرة الثمار. وبها القرنفل والبندق والشاهبلوط، وبها صنف من الفواكه يقال له الدرقال على قدر الغبيراء حلو الطعم، لا يوجد في شيء من غير هذا الموضع. وبقربها نهر الكرّ يصاد منه الشورماهيج، ويحمل منها إلى سائر البلاد. وبها بغال فاقت بغال جميع النواحي في حسنها وصحة قوائمها. وبها سوق الكركي، يقام كلّ يوم أحد على باب الأكراد مقدار فرسخ في فرسخ، يجتمع الناس إليه من كلّ وجه وأوب للتجارة، وهذه كانت صفتها القديمة، وأمّا الآن فاستولى عليها الخراب إلّا أن آثار الخير بها كثيرة. وبأهلها صعلكة ظاهرة ومثل هذا يذكر للاعتبار. فسبحان من يحيل ولا يحال، ويزيل ولا يزال. بسطة مدينة بالأندلس بقرب جيان، كثيرة الخيرات. بها بركة تعرف بالهوتة، فيها ما بين وجه الماء إلى الأرض نحو قامة، لا يعرف لهذه البركة قعر أصلا. قال أحمد بن عمر العذري: بين بسطة وبياسة غار يسمّى بالشيمة لا يوجد قعره. وبناحية بسطة جبل يعرف بجبل الكحل، إذا كان أوّل الشهر برز من نفس الجبل كحل أسود، ولا يزال كذلك إلى منتصف الشهر، فإذا زاد على النصف نقص الكحل، ولا يزال يرجع إلى آخر الشهر. بلقوار قرية من قرى تدمير بأرض الأندلس. بها حمّة شريفة حسنة، عليها ديماس للرجال وآخر للنساء، وأصل العين في ديماس الرجال، يخرج منها ماء غزير يفضل عن حاجة الديماسين، ويسقي زرع القرية.

стр. 511

بلنسية مدينة قديمة بأرض الأندلس، ذات خطّة فسيحة، جمعت خيرات البرّ والبحر والزرع والضرع، طيّبة التربة ينبت بها الزعفران ويزكو بها، ولا ينبت في جميع أرض الأندلس إلّا بها كأرض روذراور بأرض الجبال. بيضاء مدينة بالأندلس متقنة البناء بالحجر الأبيض المهندم؛ قالوا: إنّها من بناء الجنّ، بنوها لسليمان بن داود، ﵇، من عجائبها أن لا يرى بها حيّة ولا عقرب، ولا شيء من الهوام المؤذية. حكى محمّد بن عبد الرحمن الغرناطي أنّ برستاقها صنفا من العنب، وزن الحبّة منه عشرة مثاقيل. بيلقان مدينة كبيرة مشهورة ببلاد أرّان، حصينة ذات سور عال، بناها قباذ الملك؛ قالوا: ليس بها ولا في حواليها حجر واحد. ولمّا قصدها التتر ورأوا حصانة سورها أرادوا خرابه بالمنجنيق، فما وجدوا حجرا يرمى به الحائط. ورأوا أشجارا من الدلب عظاما قطعوها بالمناشير، وتركوا قطاعها في المنجنيق، ورموا بها السور حتى خرّبوا سورها، ونهبوا وقتلوا والآن عادت إلى عمارتها. ينسب إليها مجير البيلقاني. كان رجلا فاضلا شاعرا، وصل إلى أصفهان، وذكر في شعر له أن أهل أصفهان عمي، فسمع رئيس أصفهان ذلك وأمر لكلّ شاعر في أصفهان أن يقول فيه شيئا، ففعلوا فجمعها في مجلد وبعثه إليه.

стр. 512

تركستان اسم جامع لجميع بلاد الترك، وحدّها من الإقليم الأوّل ضاربا في المشرق عرضا إلى الإقليم السابع، وأكثرهم أهل الخيام، ومنهم أهل القرى، وسنذكر بلادهم وقبائلهم في الإقليم السادس إن شاء اللّه تعالى، وإنّهم سكّان شرقي الأقاليم كلّها من الجنوب إلى الشمال، ممتازة عن جميع الأمم بكثرة العدد، وزيادة الشجاعة والجلادة وصورة السباع، عراض الوجوه فطس الأنوف عبل السواعد ضيقو الأخلاق، والغالب عليهم الغضب والظلم والقهر وأكل لحوم الحيوانات، لا يريدون لها بدلا، ولا يراعون فيها نضجا، ولا يرون إلّا ما كان اغتصابا كما هي عادة السباع. وليس عيشهم إلّا شنّ غارة أو طلب ظبي نافر أو طير طائر، حتى إذا ظنّ بهم الكلال رأيتهم على نشاطهم الأوّل في ركض الخيل، وتسنّم الجبال. وحسبك ما ترى من كبر همّتهم أن أحدهم إذا سبى لا يرضى أن يكون زعيما أو متقدّما لعسكر سيّده، بل يريد انتزاع الملك من سيّده والقيام مقامه. حكى بعض التجّار قال: خرج من خوارزم قفل عظيم، فلمّا ذهبوا أيّاما وبعدوا عن خوارزم ساروا ذات يوم، فلمّا نزل القوم رأوا مماليكهم الترك خرجوا عن وسط القوم، وكان عددهم أكثر من عدد التجّار يرمون القوم بالنشاب. قالوا: ما شأنكم؟ قالوا: نريد نقتلكم ونأخذ هذه الأموال، نشتري منها الخيل والسلاح، ونمشي إلى خدمة السلطان! فقال القوم لهم: أنتم لا تحسنون بيع هذا القماش فاتركوه معنا حتى نحسن نشتري لكم منها الخيل والسلاح، ونجعل أحدكم أميرا، وتمشون إلى خدمة السلطان! فخدعوهم وبعثوا إلى خوارزم من يخبر شحنة خوارزم بالحال، فما كان إلّا أيّام قلائل حتى وصل الشحنة. قبض على المماليك، وردّ القفل إلى خوارزم، وصلب المماليك، ونادى في خوارزم أن لا يشتري من التجّار أحد مملوكا رجلا!

стр. 513

وحسبك من غلبتهم في الأمور وصعوبة جانبهم قوله، ﷺ : اتركوا الترك ما تركوكم! والترك ليسوا من الديانات في شيء، فمنهم عبدة الكواكب، ومنهم عبدة النيران، ومنهم من على مذهب النصارى، ومنهم مانوية، ومنهم ثنوية، ومنهم سحرة، وصنعتهم الحرب والطعن والضرب الذي هو صنعة المريخ فإنّه صاحبهم. وحكي أن هشام بن عبد الملك بعث رسولا إلى ملك الترك يدعوه إلى الإسلام؛ قال الرسول: دخلت عليه وهو يتّخذ بيده سرجا. قال للترجمان: من هذا؟ فقال: إنّه رسول ملك العرب. فأمرني إلى بيت كثير اللحم قليل الخبز ثمّ بعد أيّام استدعاني وقال: ما بغيتك؟ فتلطّفت له وقلت: إن صاحبي يريد نصيحتك، ويرى أنّك في ضلال يريد أن تدخل في دين الإسلام! فقال: ما الإسلام؟ فأخبرته بأركانه وشرائطه وحلاله وحرامه، فتركني أيّاما ثمّ ركب ذات يوم مع عشرة أنفس، ومع كلّ واحد لواء وحملني معه، فمضينا حتى صعدنا تلّا وحول التلّ غيضة. فلمّا طلعت الشمس أمر واحدا من أولئك أن ينشر لواءه ففعل، فوافى عشرة آلاف فارس متسلّحين ثمّ أمر غيره، فما زال واحد بعد واحد ينشر لواءه ويأتي عشرة آلاف حتى صار تحت التلّ مائة ألف مدجّج. ثمّ قال للترجمان: قل لهذا الرسول ارجع إلى صاحبك وأخبره أن هؤلاء ليس فيهم إسكاف ولا حجّام ولا خيّاط، فإذا أسلموا والتزموا الشرائط للإسلام فمن أين مأكلهم؟ وحكى داود بن منصور الباذغيسي، وكان رجلا صالحا، قال: اجتمعت بابن ملك الغزّ فوجدته رجلا ذا فهم وعقل وذكاء، واسمه لقيق بن جثومة، وقلت له: بلغنا أن الترك يجلبون المطر والثلج متى شاءوا، كيف سبيلهم إلى ذلك؟ فقال: الترك أحقر وأذلّ عند اللّه تعالى من أن يستطيعوا هذا الأمر، والذي بلغك حقّ، وأنا أحدّثك به: بلغني أن بعض أجدادي راغم أباه وكان أبوه ملكا، فاتّخذ لنفسه أصحابا وموالي وغلمانا، وسار نحو المشرق يغير

стр. 514

على الناس ويصيد ما ظهر له، فانتهى به المسير إلى موضع ذكر أهله أن لا مسير له بعده، وكان عندهم جبل تطلع الشمس من ورائه، وتحرق كلّ شيء وقعت عليه، وكان سكّانها في الأسراب تحت الأرض والغيران في الجبال بالنهار. وأمّا الوحش فتلتقط حصى هناك قد ألهمها اللّه تعالى معرفتها، فتأخذ كلّ وحشيّة حصاة في فيها وترفع رأسها إلى السماء، فتظلّها غمامة عند ذلك تحجب بينها وبين الشمس، قال: فقصد أصحاب جدّي حتى عرفوا ذلك الحجر، فحملوا منه معهم ما قدروا إلى بلادنا، فهو معهم إلى الآن. فإذا أرادوا المطر حركوا منه شيئا فينشأ الغيم ويوافي المطر، وإن أرادوا الثلج زادوا في تحريكها فيوافيهم الثلج والبرد؛ فهذه قصّة المطر والحجر، وليس ذلك من حيلة الترك بل من قدرة اللّه تعالى! وحكى إسماعيل بن أحمد الساماني، وكان ملكا عادلا غازيا، قال: غزوت الترك ذات مرّة في عشرين ألف فارس من المسلمين، فخرج عليّ منهم ستّون ألفا في السلاح الشاك، فواقعتهم أيّاما، وإني ليوما في قتالهم إذ جاءني قوم من مماليكي الأتراك وقالوا: إن لنا في معسكر الكفّار قرابات، وقد أنذرونا بموافاة فلان وأنّه ينشئ السحاب والمطر والثلج والبرد، وقد عزم أن يمطر علينا غدا بردا عظيما لا يصيب الإنسان ألّا يقتله، فانتهرتهم وقلت: هل يستطيع هذا أحد من البشر؟ فلمّا كان الغد وارتفع النهار نشأت سحابة عظيمة من جبل كنت مستندا إليه بعسكري، ولم تزل تتنشّر حتى أظلّت عسكري، فهالني سوادها وما رأيت فيها من الهول، وما سمعت من الأصوات المزعجة، فعلمت أنّها فتنة، فنزلت عن دابّتي وصلّيت ركعتين والعسكر يموج بعضهم في بعض، ثمّ دعوت اللّه تعالى معفّرا وجهي بالتراب وقلت: اللهم أغثنا فإن عبادك يضعفون عن محنتك! وإني أعلم أن القدرة لك، وان النفع والضرّ لا يملكهما إلّا أنت! اللهم إن هذه السحابة إن أمطرت علينا كانت فتنة للمؤمنين وسطوة للمشركين، فاصرف عنّا

стр. 515

شرّها بحولك وقوّتك، يا ذا الحول والقوّة! قال: وأكثرت من الدعاء رغبة ورهبة إلى اللّه تعالى ووجهي على التراب، فبينا أنا كذلك إذ بادر إليّ الغلمان يبشروني بالسلامة، وأخذوا بعضدي ينهضوني. وكنت ثقيلا من عدّة الحديد، فرفعت رأسي فإذا السحابة قد زالت عن عسكري. وقصدت عسكر الترك وأمطرت بردا عظيما، فإذا هم يموجون وتنفر دوابّهم، وما وقعت بردة على أحد إلّا أوهنته أو قتلته. فقال أصحابي: نحمل عليهم؟ فقلت: لا فإن عذاب اللّه أدهى وأمرّ! فمات منهم خلق كثير ولم يفلت إلّا القليل. فلمّا كان من الغد دخلنا معسكرهم فوجدنا من الغنائم ما شاء اللّه، فحملناها وحمدنا اللّه تعالى على السلامة. بها جبل زانك؛ قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض تركستان جبل به جمع من أهل بيت يقال لهم زانك، وهم أناس ليس لهم زرع ولا ضرع، وفي جبالهم معدن الذهب والفضّة، فربّما توجد قطعة كرأس شاة، فمن أخذ القطاع الصغار تمتّع بها، ومن أخذ من الكبار يفشو الموت في كلّ بيت فيه تلك القطعة. فإن ردّها إلى مكانها ينقطع عنهم الموت، ولو أخذها الغريب لا يضرّه شيء. وبها جبل النار؛ هذا الجبل بأرض تركستان فيه غار شبه بيت كبير، كلّ دابّة تدخله تموت في الحال لشدّة وهج النار في ذلك البيت. وبها جبل كيلسيان؛ ذكر صاحب تحفة الغرائب أن بهذا الجبل موضعا، كلّ طير طار مسامتا له يقع في الحال ميتا، فيرى حوله من الحيوانات الميتة ما شاء اللّه. وبها جبل ذكره أبو الريحان الخوارزمي في كتابه المسمّى بالآثار الباقية: إن بأرض الترك جبلا إذا اجتاز عليه الغنم شدّت أرجلها بالصوف لئلّا تصطكّ حجارة فيعقبها المطر. وبها معدن البلحش ومعدن اللازورد والبيجاذق؛ من خصائصها المسك الذكي الرائحة، والسنجاب والسمور والقاقم والفنك والثعالب السود والأرانب

стр. 516

البيض، والبزاة الشهب والحجر اليشب والخيل الهماليج والرقيق الروقة. وحكى بعض التجّار أن بأرض الترك موضعا يزرع فيه نوع من الحبّ، فيأتي بثمرة كالبطّيخ، فإذا ظهرت ثمرته يزرع حولها شيء من الحشيش اللين حتى يكون عند إدراك الثمرة الحشيش موجودا، فعند ذلك تنشق الثمرة ويخرج منها رأس حمل، ويجعل يرعى من ذلك الحشيش الذي بقربه أيّاما حتى يقوى ويخرج من ذلك القشر، وقد حدّث من رأى من هذا الغنم وقال: انّه لا يخالف الغنم إلّا بطول القوائم وفقد الألية، فإن عند أليتها شبه ذنب، وتحدّث به كثير من التجار الذين أسفارهم إلى أرض الترك. واللّه الموفق. تفليس مدينة حصينة لا إسلام وراءها. بناها كسرى أنوشروان وحصّنها إسحاق ابن إسماعيل، مولى بني أميّة. يشقّها نهر الكرّ. أهلها مسلمون ونصارى: من أحد جانبي الكرّ يؤذنون، ومن الجانب الآخر يضربون بالناقوس، وذكروا أن المدينة كانت مسقّفة بالصنوبر، فلمّا أرسل المتوكّل إليها بغا لقتال إسحاق بن إسماعيل خرج إسحاق لمحاربة بغا، فأمر بغا النفاطين فرموا المدينة بالنار وأحرقوها فاحترقت المدينة كلّها، لأنّها كانت من خشب الصنوبر، وهلك خمسون ألف إنسان. ومن عجائبها حمّام شديد الحرارة لا يوقد ولا يستقى له ماء، لأنّه بني على عين حارّة. وذكر بعض التجّار أن هذا الحمّام يختصّ بالمسلمين لا يدخله كافر البتّة. والملّة النصرانيّة بها ظاهرة والمدينة في إيالتهم، وبها من الصوامع والبيع والدينار الذي يسمّونه بربره، وهو دينار حسن مفروغ مقعّر عليه كتابة سريانية وصورة الأصنام، كلّ دينار مثقال ذهب جيد لا يقدر أحد على التلبيس به، وإنّه نقد بلاد الابخاز وضرب ملوكهم.

стр. 517

ويجلب من تفليس الزئبق والخلنج والعبيد والدواب الفرّه، وأنواع اللبود والأكسية والبسط الرقيقة والفرش، والصوف الرفيع والخزّ وما شابه ذلك. جرجانيّة قصبة ناحية خوارزم. مدينة عظيمة مشهورة على شاطئ جيحون، من أمهات المدن جامعة لأشتات الخيرات وأنواع المسرّات. جاء في فضائلها ما ذكره الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار عن ابن مسعود، عن النبيّ، ﷺ ، أنّه قال: ليلة أسري بي رأيت على السماء الرابعة قصرا مزخرفا، حواليه قناديل من نور. قلت: يا جبريل ما هذا القصر المزخرف؟ قال: هذا رباط ستفتحه أمّتك بأرض خراسان حول جيحون. قلت: وما جيحون؟ قال: نهر بأرض خراسان، من مات حول ذلك النهر على فراشه قام يوم القيامة شهيدا. قلت: يا جبريل ولم ذاك؟ قال: لهم عدوّ يقال له الترك شديد كلبهم قليل سلبهم، من وقع في قلبه فزعة منهم قام شهيدا يوم القيامة من قبره مع الشهداء. وعن الحسن: مدينة بالمشرق يقال لها خوارزم على شاطئ نهر يقال له جيحون ملعون الجانبين، ألا وإن تلك المدينة محفوفة مكفوفة بالملائكة، تهدى إلى الجنّة كما تهدى العروس إلى بيت زوجها، يبعث اللّه تعالى منها مائة شهيد، كلّ شهيد منهم يعدل شهيد بدر. وجرجانية مدينة عظيمة كثيرة الأهل. وأهلها كلّهم أجناد حتى البقّال والقصّاب والخبّاز والحائك. وحكي أن السلطان محمّد بن تكش أوقع به الخطأ في بعض وقائعه وقتلوا من المسلمين مقتلة عظيمة، وما أفلت منهم إلّا السلطان في نفر يسير، فدخل البلد ليلا لئلّا يرى الناس قلّة عدده، وركب أوّل النهار بثلاثين ألف فارس وذهب إلى وجه العدو.

стр. 518

وأهل جرجانية كلّهم معتزلة، والغالب عليهم ممارسة علم الكلام حتى في الأسواق والدروب يناظرون من غير تعصّب بارد في علم الكلام. وإذا رأوا من أحد التعصّب أنكروا عليه كلّهم وقالوا: ليس لك إلّا الغلبة بالحجّة، وإيّاك وفعل الجهّال! وأهلها أهل الصناعات الدقيقة كالحدّاد والنجّار وغيرهما، فإنّهم يبالغون في التدقيق في صناعاتهم، والسكاكون يعملون الآلات من العاج والآبنوس، لا يعمل في غير خوارزم إلّا بقرية يقال لها طرق من أعمال أصفهان. ونساؤها يعملون بالإبرة صناعات مليحة كالخياطة والتطريز والأعمال الدقيقة. وحكي أن السبب في بناء هذه المدينة أن بعض الملوك غضب على جمع من أصحاب مملكته، فأمر بنفيهم إلى موضع بعيد عن العمارات، فنفوهم إلى هذا المكان وتركوهم، وكان موضعا منقطعا عن البلاد لا زرع به ولا ضرع. فلمّا كان بعد مدّة جرى ذكرهم عند الملك، فأمر بكشف خبرهم فجاؤوا إليهم فوجدوهم قد بنوا أكواخا ويتقوّتون بصيد السمك، وكان عندهم حطب كثير فقالوا لهم: كيف حالكم؟ قالوا: لنا هذا السمك وهذا الحطب. فسمّي الموضع خوارزم لأن بلغتهم خوار اللحم ورزم الحطب، فبعث الملك إليهم أربعمائة جارية من سبي الترك على عدد الرجال المنفيين، فتوالدوا وتناسلوا فلهذا ترى صورهم صور الأتراك وطباعهم طباع الترك. وفيهم جلادة وقوّة فعمروا ذلك الموضع حتى صار من أحسن بلاد اللّه تعالى وأكثرها عمارة، حتى لم ير بها خراب، فإنّها مع ما هي عليه من سباخة أرضها وكثرة برودها متّصلة العمارة متقاربة القرى، كثيرة القصور والبيوت، وقلّما يقع النظر في رستاقها على أرض لا عمارة فيها، هذا مع كثرة الأشجار. والغالب عليها التوت والخلاف لأجل دود القزّ، فإن لهم يدا باسطة في تربيتها، والخلاف لأجل العمارات، فإن عماراتهم من الاخصاص والخلاف لأن أرضها كثيرة النزوز لا تحتمل البناء الثقيل، فإن الماء ينبع إذا حفرت ذراعين.

стр. 519

وبها زحمة وغلبة شديدة من كثرة الناس، حتى لا فرق بين أسواقها ورستاقها على المارّين. وأمّا البرد فإنّه شديد عندهم جدّا حتى أن الإنسان إذا أراد إكرام غيره يقول: بت عندنا فإن عندنا نارا طيّبة! وقد لطف اللّه تعالى بهم برخص الحطب، يكون حمل عجلة بدرهمين. والغريب إذا خرج من بيته أوّل النهار مكشوف الوجه يضرب البرد وجهه فيسقط أنفه! وأمّا أهل المدينة فقد عرفوا ذلك فلا يخرجون إلّا مستوري الوجه. ومن عجائبها زراعة البطيخ، فإن المدينة تحيط بها رمال سائلة ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا، شبه الرمال التي دون ديار مصر، تنبت شوكا طويل الإبر يقال له بالعجميّة اشترغاز، وهو الشوك الذي يقع عليه الترنجبين بأرض خراسان، فإذا كان أوان زرع البطيخ يذهب أهل خوارزم إليها، ويحجّر كلّ أحد قطعة من الأرض أيّ مقدار شاء لا ملك لأحد فيها، ويشقّ أصول هذا الشوك وقضبانه، ويدع فيها بزر البطيخ ويتركها؛ فإن البزر ينبت فيها بنداوة الشوك، ولا يحتاج أصحابها إلى السقي ولا إلى شيء من أعمال الزراعة. فإذا كان أوان البطيخ ذهبوا إليها ورأوا وجه الأرض ممتلئا من البطيخ الذي لا يوجد مثله في شيء من البلاد حلاوة وطيبا، ويكون رخيصا جدّا لكثرته وقلّة مؤونته، وقد يقدّد ويحمل إلى البلاد للهدايا. جنبذق قرية من أعمال المراغة، بينها وبين قلعة روين دز فرسخ. بها بئر عجيبة يخرج منها حمام كثير، فنصب على رأس البئر شبكة يقع فيها من الحمام ما شاء اللّه، وهي بئر لا يدرى قعرها؛ حكى بعض فقهاء المراغة أنّهم أرسلوا فيها رجلا ليعرف حال الحمام، فنزل حتى زادت الحبال على خمسمائة ذراع، ثمّ خرج فأخبر أنّه لم ير شيئا، وأحسّ بهواء قويّ، ورأى في آخرها ضوءا وشيئا كثيرا من الحيوانات الموتى.

стр. 520

جنزة بلدة حصينة قديمة من بلاد أرّان من ثغور المسلمين لقربها من الكرج، وهي مدينة كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. أهلها أهل السّنّة والجماعة أهل الصلاح والخير والديانة، ولا يتركون أحدا يسكن بلدهم إذا لم يكن على مذهبهم واعتقادهم حتى لا يشوش عليهم مذهبهم واعتقادهم. والعالب عليهم ممارسة السلاح واستعمال آلات الحرب لكونهم في الثغر بقرب أرض الكفّار. بها نهر قردقاس مجيئه من حاجين ولاية الكرج، يجري ستّة أشهر وينقطع ستّة أشهر، ومجيئه وقت معلوم وانقطاعه كذلك. ولأهلها يد باسطة في تربية دود القزّ وعمل الإبريسم، وإبريسم جنزة يفوق ما لغيرها من البلاد حسنا. وفي نفس المدينة قناة ينزل إليها من طريقين: أحدهما موضع يعرف بباب المقبرة، والآخر بباب البردعة. يؤخذ الماء من باب المقبرة ويجذب به الإبريسم، تزيد قيمته على الإبريسم الذي يجذب بماء باب البردعة، وإن حملوا ماء باب المقبرة إلى باب البردعة لا يفيد شيئا، وإن حملوا ماء باب البردعة إلى باب المقبرة يفيد ويخرج ابريسمه جيّدا. وبها قلعة هرك على مرحلة منها. حولها رياض ومياه وأشجار. هواؤها في الصيف طيّب، يقصدها أهل جنزة في الصيف. لكلّ أهل بيت فيها موضع يقيم فيه حتى تنكسر سورة الحرّ، ولأعيان جنزة بها دور حسنة. وإنّها على نهر يقال له دروران، والنهر ينزل من جبل يسمّى مرا، ولا يزال عليه الضباب وهو شامخ جدّا. وذكروا أن كلّ من علا القلعة يرى الجبل، ومن علا الجبل لا يرى القلعة، وعلى هذا الجبل شجرة لها ثمرة يقال لها الموز، ليس في جميع الدنيا إلّا بها، وهي شبيهة بالتوت الشامي، إلّا أنّها مدوّرة تنفع من أمراض الكبد. وعلى طرف دروران صخرة عظيمة مدوّرة شبه قلعة تسمّى سنك نيم دانك، تصيبها نداؤة مثل الصدإ تخضب بها الأطراف تفعل فعل الحنّاء،

стр. 521

ومن العجب أن هذه النداوة لا تعمل هذا العمل إلّا إذا كان المختضب جالسا عليها، فإن حمل إلى موضع آخر لم يفد شيئا. وذكر أن الناس يحملون العرائس إليها إذا أرادوا أن يخضبوا أطرافهن. ويجلب من جنزة إلى سائر البلاد الإبريسم الجيّد والأطلس والثياب التي يقال لها الكنجي، والعجم يسمّونها القطني والعمائم الخزّ ونحوها. ينسب إليها أبو محمّد النظامي. كان شاعرا مفلقا عارفا حكيما. له ديوان حسن وأكثر شعره إلهيّات ومواعظ وحكم ورموز العارفين وكناياتهم. وله داستان خسرو وشيرين، وله داستان ليلى ومجنون، وله مخزن الأسرار وهفت بيكر. ولما نظرم فخري الجرجاني داستان ويس ورامين للسلطان طغرلبك السلجوقي، وإنّه في غاية الحسن، شعره كالماء الجاري كأنّه يتكلّم بلا تعسّف وتكلّف، أراد النظامي داستان خسرو وشيرين على ذلك المنوال، وأكثر فيها من الإلهيّات والحكم والمواعظ والأمثال والحكايات الطيّبة، وجعله للسلطان طغرل ابن أرسلان السلجوقي، وكان السلطان مائلا إلى الشعر والشعراء، فوقع عنده موقعا عظيما، واشتهر بين الناس وكثرت نسخه. وأمّا داستان ليلى ومجنون فطلب منه صاحب شروان فقد نظمها له، وكان في فنّه عديم النظير. توفي بقرب تسعين وخمسمائة. ختلان مدينة بأرض الترك مشهورة. حكي أن بها شعبا بين جبلين؛ قال صاحب تحفة الغرائب: يأتي في كلّ سنة ثلاثة أيّام من ذلك الشعب في وقت معلوم صيد كثير، فإذا كانت تلك الأيّام تمتلئ دورهم وسطوحهم من الصيد ثمّ ينقطع إلى سنة أخرى؛ هكذا ذكره. ويجلب منها خيل هماليج ليس في شيء من النواحي مثلها.

стр. 522

خلاط مدينة كبيرة مشهورة قصبة بلاد أرمينية، ذات خيرات واسعة وثمرات يانعة، بها المياه الغزيرة والأشجار الكثيرة. وأهلها مسلمون ونصارى. وكلام أهلها العجمية والأرمنية والتركية. ذات سور حصين، قصدها الكرج في زمن الملك الكامل الأوحد ونزلوا عليها يحاصرونها، وكان خارج المدينة نهر عليه قنطرة، فأهل خلاط نقضوها وستروها بشيء من الحشيش، ليقع فيها من يجتاز عليها من الكرج، وجلسوا تحت القنطرة منتظرين لمن يقع فيها حتى يأخذوه. وكان لملك الكرج، ويقال له الإيواني، منجّم فاضل جرّبه مرارا كان ذا حكم صحيح؛ قال للإيواني: اركب الآن وحارب فإنّك في آخر النهار تكون جالسا على سرير خلاط. فقام وركب وهو سكران، فأوّل من اجتاز في القنطرة كان الإيواني وقع في القنطرة. اجتمعوا عليه وأخذوه؛ قال: لا تقتلوني فإني أنا الإيواني، فحملوه إلى خلاط وأجلسوه على السرير فقال لهم: إن كنتم تخلّصونني فافعلوا سريعا قبل أن يمشي الخبر إلى الكرج ويقيموا مقامي أحدا، ولكم كلّ ما سألتم. فطلبوا منه فكّ أسارى المسلمين كلّهم ومالا عظيما عمروا به سور خلاط وعاهدوا بالمهادنة سنين كثيرة وخلّصوه. ومن عجائبها بحيرتها التي يجلب منها السمك الطريخ إلى جميع البلاد؛ قال ابن الكلبي: بحيرة خلاط من عجائب الدنيا، فإنّها عشرة أشهر لا ترى فيها سمكة ولا ضفدعة، وشهران في السنة تكثر بها حتى تقبض باليد، وتحمل إلى سائر البلاد حتى إلى بلاد الهند؛ قيل: إنّه لطلسم عمله بليناس الحكيم لقباذ الملك، وأمّا أهل خلاط فالفسق عندهم ظاهر، وصنّاعها يعملون أقفالا ما في شيء من البلاد مثلها.

стр. 523

خوارزم ناحية مشهورة ذات مدن وقرى كثيرة، وسيعة الرقعة فسيحة البقعة، جامعة لأشتات الخيرات وأنواع المسرّات؛ قال جار اللّه الزمخشري: «بخوارزم فضائل لا توجد في غيرها من سائر الأقطار، وخصال محمودة لا تتّفق في غيرها من الأمصار، قد اكتنفها أهل الشرك، وأطافت بها قبائل الترك، فغزو أهلها معهم دائم، والقتال فيما بينهم قائم، وقد أخلصوا في ذلك نياتهم، وأمحضوا فيه طوياتهم، وقد تكفّل اللّه بنصرهم في عامة الأوقات، ومنحهم الغلبة في جميع الوقعات، وقد خصّها بجيحون واد عسر المعبر بعيد المسالك، غزير الماء كثير المهالك. وأهلها أصحاب قلوب جريّة، ونفوس أبيّة، ولهم السداد والديانة، والوفاء والأمانة، ودينهم محبّة الأخيار، ومقت الأشرار، والإحسان إلى الغرباء، والتعطّف على الضعفاء. وممّا اختصّت به خوارزم أنواع الرقيق الروقة والخيل الهماليج الفرّهة، وضروب الضواري من البزاة والصقور، وأجناس الوبر وألوان الثياب، وثمارها أطيب الثمار وأشهاها وألذّها وأحلاها وأنماها وأمراها، وهواؤها أصحّ هواء، وماؤها أعذب ماء، وناهيك ببطّيخها الذي لا يوجد مثله.» انتهى كلام الزمخشري. بها نهر جيحون؛ قال الأعمود: نهر جيحون يعرف بجريان يخرج من حدود بذخشان، وينضمّ إليها أنهار في حدود الختل ووحش فتصير نهرا عظيما، وترتفع إليها أنهار البتم وأنهار صغانيان، وماء وحشاب الذي يخرج من بلاد الترك، ويصير في أرض وحش في جبل هناك حتى يعبر قنطرة، ولا يعلم في الدنيا ماء في كثرته يضيق مثل ضيقه في هذا الموضع، وهذه القنطرة هي الحدّ بين الختل وواشجرد، ثمّ يمرّ على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم، ولا ينتفع شيء من البلاد به إلّا خوارزم، فإنّها تستقلّ عنه ثمّ ينحدر عن خوارزم وينصبّ في بحيرة تسمّى بحيرة خوارزم، بينها وبين خوارزم ستّة أيّام.

стр. 524

وحكي أن جيحون مع كثرة مائه يجمد في الشتاء، وكيفيّة جموده أنّه إذا اشتدّ البرد وقوي كلبه جمد أوّلا قطعا، ثمّ تسري تلك القطع على وجه الماء، وكلّما ماسّت قطعة من تلك القطاع أخرى التصقت بها، ولا تزال تنضمّ حتى صار جيحون كلّه سطحا واحدا، ثمّ يثخن ويصير ثخنه في أكثر الأوقات خمسة أشبار؛ قال ابن فضلان في رسالته: رأيت جيحون وقد جمد سبعة عشر شبرا. واللّه أعلم بصحّته. ثمّ يبقى باقي الماء تحته جاريا فيحفر أهل خوارزم فيه آبارا بالمعاول حتى يخرقوه إلى الماء، ثمّ يسقون منها كما يسقى من البئر لشربهم، ويحملونه في الجرار. وإذا استحكم جمود هذا النهر عبرت عليه القوافل والعجل الموقرة بالبقر، ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق، ويتظاهر عليه الغبار كما يكون في البوادي، ويبقى على ذلك نحو شهرين. فإذا انكسرت سورة البرد عاد ينقطع قطعا كما بدا في أوّل أمره إلى أن يعود إلى حاله الأولى. وهو نهر قتّال قلّما ينجو غريقه. وبها جبل على ثمانية فراسخ من المدينة؛ قال أبو حامد الأندلسي: هذا الجبل فيه شعب كبير، وفي الشعب تلّ عال، وعلى التلّ شبه مسجد عليه قبّة له أربعة أبواب آزاج كبار، ويتراءى للناظر كأن بنيان ذلك المسجد من الذهب ظاهره وباطنه، وحوله ماء محيط بالتلّ راكد لا مادّة له إلّا من ماء المطر والثلج زمان الشتاء. وإن ذلك الماء ينقص ويزيد ذراعا في الصيف والشتاء في رؤية العين. والماء ماء عفن نتن عليه طحلب لا يستطيع أحد أن يخوضه، ومن دخل في ذلك استلبه الماء ولا يظهر أثره البتّة، ولا يدرى أين ذهب. وعرض الماء مقدار مائة ذراع. وحكي أن السلطان محمود بن سبكتكين وصل إلى هذا الموضع وأقام به زمانا وألقى فيه الزوارق فغاصت فيه، فأمر السلطان جميع عساكره بحمل التراب والخشب ونفضها في ذلك الماء، فكلّ شيء ألقي فيه غاص ولم يظهر له أثر. وقالوا: إن ذلك الماء إذا وقع فيه حيوان لم يقدر أحد على إخراجه البتّة، وان

стр. 525

كان مشدودا بالحبال وجرّه الرجال. وكلّ من سافر من خوارزم في طريق سخسين يرى ذلك الماء في طريقه، ولا حيلة في ذلك إلّا ما شاء اللّه وانّه من عجائب الدنيا. وبقرب خوارزم على ستّ مراحل منها بحيرة تستمدّ من جيحون. يخرج منها حجر على صورة البطيخ يعرف بالحجر اليهودي. لهذا الحجر فوائد كثيرة ذكرت في كتاب الخواص، وأشهرها ما يستعمله الأطبّاء لوجع الحصاة في المثانة، نعوذ باللّه منه، وهو نوعان: ذكر وأنثى، فالذكر للرجال والأنثى للنساء. خويّ مدينة معمورة من مدن آذربيجان، ذات سور حصين ومياه وأشجار، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، كثيرة الأهل. وأهلها أهل السنّة والجماعات على مذهب واحد، ليس بينهم اختلاف المذاهب. يعمل بها الديباج الذي يسمّونه الجولخ. بها عين كنكلة؛ حدّثني بعض فقهاء خويّ أن هذه العين ينبع منها ماء كثير جدّا بارد في الصيف حارّ في الشتاء. ينسب إليها القاضي شمس الدين الخوي. كان عالما فاضلا ذا فنون من العلم شرعياته وعقلياته، ذا تصانيف حسنة. فلمّا كان هجوم التتر هرب من خراسان وذهب إلى الشام، وما عرفوا قدره، رتّبوه معيدا في مدرسة دمشق. حكي أن ابن الجوزي بعث رسولا إلى الملك المعظم من دار الخلافة، فلمّا وصل إلى دمشق التمس أن يستدلّ بين يدي الملك المعظم، وكان الملك فقيها حنفيّا، فجمع له أعيان دمشق، وكان ابن الجوزي واعظا فصيحا قادرا على الكلام، وما كان في القوم من يناقش بالمنوع الدقيقة. فلمّا قام قال: هذه مدينة حسنة ليس فيها فقيه! فتأذّى الملك المعظم من ذلك وقال: ان هذا يعتقد انّه قال شيئا!

стр. 526

فقالوا له: ههنا فقيه عجميّ جمع بينهما وتفرّج عليهما. فلمّا حضر ابن الجوزي طلبوا شمس الدين، فأراد تمشية مقدمة معه فما قدر، ثمّ ان شمس الدين أخذ مقدماته وقلبها عليه ثمّ عارضه في المقدمات وفي الحكم حتى جعله مبهوتا. فقال ابن الجوزي: هذا الفقيه في أيّ شيء شغل؟ قالوا: ما هو في شيء من الأشغال. فقال: مثل هذا يترك عاطلا؟ فولّاه قضاء دمشق وتدريس العادلية. توفي قريبا من أربعين وستمائة شابّا، رحمة اللّه عليه. خيوق قرية من قرى خوارزم. ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ أبو الجناب، أحمد بن عمر بن محمّد الخيوقيّ المعروف بكبرى. كان أستاذ الوقت وشيخ الطائفة وفريد العصر. له رسالة الهائم الخائف من لومة اللائم، من حقّها أن تكتب بالذهب، ما صنّف مثلها في الطريقة. ومن عجائبها ما ذكر أن للشيطان لطائف عجيبة في اضلال الناس، فيضلّ كلّ واحد حسبما يليق بحاله: أمّا الجهال فيضلّهم بجهلهم، وأمّا العلماء فيقول اشتغل بتحصيل العلوم، أما عرفت قول النبيّ، ﷺ : لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد؟ فاصرف عمرك في تحصيل العلوم، فإذا كان آخر عمرك اشتغل بالعمل؛ فيأتيه الموت يعبه فجأة، فيكون له علم بلا عمل. وحكى، ﵀، أنّه كان يجاهد نفسه، فجاء الشيطان ليوسوس عليه الحال فقال: إنّك رجل عالم تتبع آثار النبيّ، ﷺ ، فاشتغل بسمع أحاديث النبيّ وآثار المشايخ الكبار الحفّاظ، فإنّك إن اشتغلت بمجاهدة النفس فإن عليك إدراك المشايخ الكبار والأستاذ العالي، وأمّا المجاهدة فلا تفوتك فيما بعد! فكدت أعمل بوسوسته فهتف بي هاتف: ومن يسمع الأخبار من غير واسط … حرام عليه سمعها بوسائط!

стр. 527

فعرفت أن ذلك الخاطر من وساوسه فتركته. توفي الشيخ قريبا من سنة عشر وستمائة. وينسب إليها الشيخ الفاضل العالم شهاب الدين الخيوقي. كان نائب السلطان خوارزمشاه في جميع مملكته، والقضاة والمدرّسون والمفتون في جميع مملكة السلطان نوّابه، فإذا دخل مدينة كان المدرّسون والقضاة والعلماء يحضرون درسه، وكان شافعي المذهب متعصّبا لأصحابه، وكان من عادته انّه إذا دخل مدينة ذهب إليه الفقهاء وقرأوا عليه محفوظهم، وكان الشيخ يولّيهم الأشغال من كان صالحا لها. دير برصوما على قلّة جبل ببلاد الروم بقرب ملطية. وهذا دير معتبر عند النصارى، فإنّهم يقولون إن برصوما كان من الحواريّين، وهو الدير الذي ينادى بطلب نذره في بلاد الروم وديار بكر وربيعة والشام. فيه رهبان كثير يؤدّون كلّ عام إلى صاحب الروم عشرة آلاف دينار من نذره. حكى العفيف مرجى التاجر الواسطي قال: اجتزت بهذا الدير قاصدا بلاد الروم، فسمعت كثرة ما ينذرون له، وان النذر له لا يخطئ، فألقى اللّه على لساني ان قلت: هذا القماش الذي معي مشتراه خمسة آلاف درهم، فإن بعته بسبعة آلاف درهم فلبرصوما من خالص مالي خمسون درهما! فدخلت ملطية وبعته بسبعة آلاف درهم، فلمّا رجعت سلّمت إلى رهبانه خمسين درهما، وسألته عن برصوما فذكر أنّه مسجى على سرير وأن أظافيره تطول كلّ عام، وانّهم يقلّمونها ويحملونها إلى صاحب الروم مع ما له عليهم من القطيعة.

стр. 528

الرّوم بلاد واسعة من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيرا وعجائب ذكرت في مواضعها. مياهها أعذب المياه وأخفّها، وهواؤها أصحّ الأهوية وأطيبها، وترابها أطيب الأتربة وأصحّها. ومن خواصّها نتاج الدوابّ والنعم. وليس في شيء من البلاد مثل مائها يحمل منها إلى سائر الآفاق، وكذلك أصناف الرقيق من الترك والروم. وأهلها مسلمون ونصارى. وشتاؤها يضرب المثل به حتى وصفه بعضهم فقال: الشتاء بالروم بلاء وعذاب وعناء! يغلظ فيها الهواء ويستحجر الماء، تذوي الوجوه وتعمش العيون وتسيل الأنوف وتغيّر الألوان وتقشف الأبدان، وتميت كثيرا من الحيوان. أرضها كالقوارير اللامعة وهواؤها كالزنابير اللاسعة، وليلها يحول بين الكلب وهريره والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره، ويتمنّى أهلها من البرد الأليم دخول حرّ الجحيم! وبلاد الروم بلاد واسعة ومملكة عظيمة، ولبعدها عن بلاد الإسلام وقوّة ملكها بقيت على كفرها كما كانت، وانّه أحد معجزات رسول اللّه، ﷺ ، انّه قال: أمّا فارس فلا نطحة أو نطحتان ثمّ لا فارس بعدها! وأمّا الروم فإنّها ذات قرون كلما مرّ قرن يخلفه قرن آخر! وأهل الروم سكّان غربي الإقليم الخامس والسادس، ولبرد بلادهم ودخولها في الشمال ترى الغالب على ألوانهم البياض، وعلى شعورهم الشقرة، وعلى أبدانهم الصلابة. والغالب على طبعهم مباشرة اللهو والطرب، لأنّ المنجّمين زعموا ان الروم تتعلّق بالزهرة. وحكي أن أهل الروم كانوا لا يملّكون إلّا من كان أكثرهم عقلا وأوفرهم علما وأصحّهم بدنا، وإذا اختلّ منه شيء من هذه ملّكوا غيره وعزلوه، وكانوا على هذا إلى أن أصاب ملكهم آفّة فهمّوا بعزله، فقال الملك: اصبروا

стр. 529

عليّ زمانا فإن داويت مرضي فأنا أولى من غيري، وإلّا فافعلوا ما شئتم! فذهب إلى بلاد الشام ليتداوى بحمة كانت بها، فرأى الملّة النصرانيّة قد ظهرت بها، فأخذ جمعا من القسوس والرهابين ورجع بهم إلى الروم، ودعا الناس إلى الملّة النصرانيّة ولم يزل يجيب قوم بعد قوم حتى صاروا أمّة واحدة. وحكي عن أهل الروم أنّهم يتّخذون صور الملوك والحكماء والرهابين يستأنسون بها بعد موتهم. ولهم في التصوير يد باسطة حتى يصوّرون صورة الإنسان ضاحكا وباكيا، وصورته مسرورا وصورته حزينا. وحكي أن مصوّرا دخل بلدا ليلا ونزل بقوم فضيّفوه، فلمّا سكر قال: إني صاحب مال ومعي كذا وكذا دينارا، فسقوه حتى طفح وأخذوا ما كان معه وحملوه إلى موضع بعيد منهم. فلمّا أصبح، وكان غريبا لم يعرف القوم ولا المكان، ذهب إلى وإلي المدينة وشكا فقال له الوالي: هل تعرف القوم؟ قال: لا. قال: هل تعرف المكان؟ قال: لا. قال: فكيف السبيل إلى ذلك؟ فقال الرجل: إني أصوّر صورة الرجل وصورة أهله فاعرضها على الناس لعلّ أحدا يعرفهم! ففعل ذلك وعرض الوالي على الناس، فقالوا: انّها صورة فلان الحمامي وأهله. فأمر بإحضاره فإذا هو صاحبه فاستردّ منه المال. ويقام بالروم سوق كلّ سنة أوّل الربيع أربعين يوما يقال لذلك السوق «بيله» يأتيها الناس من الأطراف البعيدة من الشرق والغرب والجنوب والشمال. والتجار يجهدون غاية جهدهم حتى يدركوا ذلك السوق، فمتاع أهل الشرق يشتريه أهل المغرب وبالعكس، ومتاع أهل الشمال يشتريه أهل الجنوب وبالعكس. ويقع فيه من المماليك والجواري التركية والرومية، ومن الخيل والبغال الحسنة، ومن الثياب الأطلس، ومن السقلّاط ومن الفراء الفندر وكلب الماء والبرطاس، ويدلسون تدليسات عجيبة. ومن عادة هذا السوق ان من اشترى شيئا فلا يردّه البتّة؛ وحكي أن بعض التجّار اشترى مملوكا حسن الصورة بثمن بالغ، فلمّا غاب عنه بائعه وجده جارية مستحسنة!

стр. 530

وبها الخانات على طرق القوافل على كلّ فرسخ خان، بنتها بنات السلاطين للثواب، فإن البرد بالروم ثمانية أشهر والثلج كثير، والقفل لا ينقطع في الثلج، فيمشون كلّ يوم فرسخا وينزلون في خان من الخانات، ويكون فيه من الطعام والشعير والتبن والحطب والبزر والاكاف والنعال والمنقل، وانّها خير عظيم لم يبن مثلها في شيء من البلاد. ومن خواصّ الروم أن الإبل لا تتولّد بها، وإذا حملت إليها تسوء حالها وتتلف. بها جبل أولستان. في وسط هذا الجبل شبه درب فيه دوران، من اجتاز فيه وفي حال اجتيازه يأكل الخبز بالجبن، ويدخل من أوّله ويخرج من آخره لا يضرّه عضّة الكلب الكلب، وإن عضّ إنسانا غيره فعبر من بين رجلي المجتاز يأمن أيضا غائلته. وهذا حديث مشهور بالروم. وبها عين النار بين أقشهر وأنطاكية، إذا غمست فيه قصبة احترقت. حدّثني من شاهدها أنه قد ذكر ذلك للسلطان علاء الدين كيخسرو عند اجتيازه بها، فوقف عليها وأمر بتجربتها، فكان الأمر كما قالوا. رندة مدينة حصينة بأرض الأندلس من أعمال تاكرنا قديما. استجلب إليها المياه من ناحية المشرق وناحية المغرب فتوافي المياه داخلها. بها نهر رندة، وهو نهر يتوارى في غار لا يرى جريه أميالا، ثمّ يخرج إلى وجه الأرض ويجري. وبها نهر البرّادة، وهو نهر يجري في أوّل الربيع إلى آخر الصيف، فإذا دخل الخريف يبس إلى أوّل الربيع من القابل، وهو على فرسخين من رندة.
следующие страницы →