لا تطل لومي
نشرت بالبصائر عدد ٢١٥، السنة الخامسة، السلسلة
الثانية في جمادي الأولى ١٣٧٢ للهجرة.
لا تطل لومي ولا تطلب نشيدي ... أنا في شغل بتحطيم قيودي
أأغني ويدي مغلولة! ... وبرجلي قيود من حديد؟
أأغني ولساني موثق! ... وبطوق خانق طوق جيدي؟
أيغني من غدت أمته ... بعد عز الملك في ذل العبيد؟
أيغني من غدا موطنه ... بين أنياب ذئاب وأسود؟
أأغني وأنا في مأتم! ... بعد دهر كله أيام عيد؟
لا تطل لومي على صمتي فلو ... هز قومي الشعر ما حطمت عودي
بسكوتي لم يضع شعري سدى ... وبشعري طالما ضاعت جهودي
لم يعد للشعر تأثير ولو ... رج كالمدفع أو قصف الرعود!
إن قومي ألفوا طعم الكرى ... هل يفيد الشعر في قوم رقود؟
لا أغني قبل أن أجني المنى ... وأرى الإسلام خفاق البنود!
لا أغني قبل تحرير الحمى ... فإذا حرر غنيت نشيدي
стр. 142
دعني !
تمر على النفس لحطات تضيق فيها بكل شيء فتثورعلى كل شيء
وتسيء الظن بكل أحد فتنفض يدها من كل مخلوق والقصيدة التالية
صورة لحالة من هذه الحالات النفسية:
دعني أقاسي عاذابي ... ولا يهمك ما بي
ولا ترعك شكاتي ... ولا يهلك انتحابي
ولا تضق بشجوني ... ولا يسؤك اكتئابي
الدنب ذنبي لأني ... وثقت بالأصحاب
أودعت سري لديهم! ... فانسب من كل باب
كم جر لي حسن ظني ... في الناس من أتعاب
والحزم أن أتحلى ... بالشك والارتياب
إذا رأوني لقوني! ... بالبشر والترحاب!
وبسمة من محيا! ... تغري بلمع السراب
وألسن خدرتني ... بمنطق خلاب!
لم أعتقد غدر صحبي ... ولا جرى في حسابي
ولا تصورت خلي ... يضيف لي كل عاب
وليس يرضيه إلا ... تنقصي واغتيابي
ومذ تبينت أن ... الرؤوس كالأذناب
وأن ما فيه حتفي يجيء من أحبابي
стр. 143
نفضت منهم جميعا ... يدي وصنت إهابي!
واعتضت كل صديق ... عرفته بكتاب!
بصحبة الكتب تجنى ... روائع الآداب!
وكم ترى من صديق ... منافق كذاب!
стр. 144
أيها المبعد
من حصاد السجن
كما أن القصيدة التالية تصوير لمثل هذه الحالة النفسية:
أيها المبعد ما أعظم صبرك!
أنت قبل الموت قد أودعت قبرك
أنت لا تشكو لغير الله أمرك!
أين لطف الله، كي يطلسق أسرك
...
أيها المبعد قد طال بعادك
أيها المبعد هل ينسى فؤادك
ما تعانيه من الهم بلادك!
أم ترى ضل من الخطب رشادك
...
أيها المبعد قد طال غيابك!
وتمادى عن محبيك احتجابك!
أي يوم يا ترى فيه إيابك؟
فلقد أوشك أن يطوى كتابك
***
стр. 145
أيها المبعد هل تنسى حماكا؟
وله قضيت أيام صباكا!
والألى قلبك يهواهم هناك!
أم- ترى- أنساك من تهوى أساك!
...
أيها المبعد هل تنسى صغارا!
تركوا بعدك في الكوخ حيارى!
دارهم قد أصبحت للحزن دارا
وتلاشى البشر منها وتوارى
...
أيها المبعد هل تنسى رفاقا؟
عشت عهدا بينهم رق وراقا
أفتسملوهم وتعتاد الفراقا
كيف لا تهلك وجدا واشتياقا؟
...
أيها المبعد كم أشقيت بعدك
من نفوس لم تطق مذ غبت بعدك
إذ رأت عهد الوفا والحب عهدك
ورأت فقد الهنا والعز فقدك
стр. 146
***
أيها المبعد في أقصى الحدود!
أفما تسأم من هذا الجمود؟!
أفترضى العيش في هذى اللحود؟!
أفما ثرت على دنيا القيود؟!
...
أيها المبعد هل تفضي حياتك!
هكذا؟ أنت إذن ترضى مماتك!
وإذن فالأمل الأعظم فاتك!
أيها المبعد هل أنسيت ذاتك؟
...
أيها المبعد هل ترضى مكانا؟!
لا ترى في ظله إلا هوانا؟
ينقضي العمر به آنا فآنا!
دون أن تأتي ما يرفع شانا
...
أيها المبعد عن أرض حبيبه
يلفظ الآهات من نفس كئيبه
لا يهلك البعد فالنفس الجديبه
стр. 147
وحدها هي التي تحيا غريبه
...
أيها المبعد ما أفدح خطبك!
أن يكون الحب للأوطان ذنبك
وإذا حاولت أن تنهض شعبك
حاول الأعداء في أرضك حربك
...
أيها المبعد أما طال بعد!
عن بلاد هي للثوار مهد!
وبنوها الصيد في الهيجاء أسد
لم يضع جهد به يدرك مجد
...
أيها المبعد في صدرك ثوره
تقتضي مثلك أن يلعب دوره
أن تزيل الجائر الباغي وجوره
إن الاستعمار قد جاوز طوره
...
أيها المبعد أرغمت العدى!
بتفان وتحد للردى!
стр. 148
أنت لم ترضخ ولم تسلم يدا
أنت للأوطان عنوان الفدى
...
أيها المبعد إن عانيت ضرا
فألبس الصبر له حتى يمرا
سوف يغدو أعذبا ما كان مرا
أفما ترضى بأن تصبح حرا؟
...
أيها المبعد في النسيان سلوى
فانس من تؤثر بالحب وتهوى
تنس حزنا يأكل القلب وشجوا
فشباب القلب بالأحزان يذوى
...
أيها المبعد للخطب انتهاء
بالمنى كالليل يتلوه الضياء
ويعم الكون بشر وهناء
وكذا دنياك صبح ومساء
...
أيها المبعد قد آن الأوان
стр. 149
وكأن قد زال ظلم وهوان
وبدا في الأفق عز وأمان
ودنا بالمبعد النائي مكان
...
أيها المبعد يا رمز الجهاد!
لا تبت بالهم مكلوم الفؤاد!
سوف يجلو النصر ليل الاضطهاد
وترى عيناك تحرير البلاد!
стр. 150
أين يا صلاح ؟
من حصاد السجن
هذه الأنشودة لحنها الفنان هرون الرشيد الذي كان معتقلا معنا وغنيت
في حفل عام من المعتقلين في معتقل الضاية "بوسوى".
أين يا صداح ماكان دنا! ... من رخاء وصفاء وهناء؟
أين ولى ذلك العهد الذي ... قد جمعنا فيه أشتات المنى؟
أين دنيانا التي عشنا بها ... كطيور الروض حبا وغنا؟
أين ما كان لنا من سؤدد ... عز فيه كل مظلوم بنا؟
أين عز كان أخفاق اللوا؟ ... أين مجد كان وضاء السنى؟
أين ملك واسع كانت به ... هذه الدنيا لدينا موطنا؟
أين ذاك العهد أيان اختفى؟ ... أين غابت كلها تلك الدنا؟
تعس الدهر الذي أبدلنا ... بالعلا والمجد بؤسا وعنا
أهي الدنيا سراب خادع ... أهي الأحلام بئس المقتنى؟
لا، فلا بد لشعب باسل! ... مثلنا أن يتخطاه الفنا!
سوف يغدو نجمنا مؤتلقا ... سوف تغدو هذه الدنيا لنا
стр. 151
رباه !
رباه طالت غيبتي عن موطني! ... فمتى أعود لموطني رباه؟!
ومتى أرى ظبيا أغن تركته! ... قد كان يلفظ من أساه حشاه!
ويظل يرنو للطريق فلا يرى ... في العائدين مع المساء أباه!
ويبيت يحلم في المنام برؤيتي ... فإذا جفاه النوم زاد أساه
ومتى تعود سعادتي "بسعيدتي" ... فلها فؤأد يكتوي بجواه!
ومتى أعود إلى "رجاء" منيتي ... فأرى محياه والثم فاه؟؟
ومتى أرى "فوزي" فرؤية وجهها ... تشفي فؤادي أو تبل صداه؟
ومتى ترى عيناي عينى "زينب" ... فالظيي زينب أولها عيناه؟
ومتى يلاقيني هزاري منشدا لحن ... اللقاء وانتشى بغناه؟
فلحون "عائشتي" تبدد وحشتي ... وتذود عن قلبي شجى أذواه
ومتى أرى كوخي الصغير فطالما ... ذقت الهوى فيه وطيب جناه؟
ومتى أرى صحبي وأهل مودتي ... فيتم للقلب المشوق هناه؟
ومتى أرى حسن "الجزائر" يا ترى؟ ... وأزيح ظلمة مقلتي بسناه؟
ومتى أرى سحر الخمائل والربى ... وأعانق البحر الذي أهواه؟
رباه طالت غيبتي فإلى متى أهفو إلى وطني ولست أراه؟
стр. 152
شتاء "بوسوي "
من حصاد السجن
جاء الشتاء بجيش من رزاياه ... تكاد تنفد من غيض حناياه!
جاء الشتاء إلى جمع ضعيف من ... الأسرى ليغدو سريعا من ضحاياه
جاء الشتاء بجيش لا يقوم له ... "أسكندر" وجيوش التتر تخشاه
جيش لهام لو أن "ابن الحسان" ... غدا يروم وصفا له خانته قواه
جيش تألف من برد يطير له ... قلب الحديد شظايا حين يغشاه
ومن جليد يحيل الأرض إن لمست ... كفاه منبته كالقفز مرعاه
ومن ضباب يرينا باالنهار دجى ... لا يهدي فيه ساريه لمرماه
ومن عواصف أوهت كل ذى ... جلد ووابل أغرقتنا منه أمواه
ونحن ليس لنا جيش ولا وزر ... ولا سلاح ولا عز ولا جاه
وإذ عدمنا لحرب البرد سابغة ... فبالتصبر والإيمان نلقاه
والسجن والنفي زادا في بليتنا ... فكل شيء يسلينا فقدناه
لولا وجود كرام من أحبننا ... قد خففوا ما نعاني من بلاياه
وغر كتب نهلنا من مشارعها ... ومأمل بمنايانا طلبناه!
لضاق كل أخي صبر بكربته ... وكانت الموت أدنى ما رجوناه
فاحثث خطاك سريعا يا شتاء ... فما وجه الشتاء بميمون فنرعاه
стр. 153
واصرف محياك كي يأتي الربيع لنا ... إن الربيع لمعشوق محياه
ففي الربيع سيجلو الهم أجمعه ... ويجتلي كل عان ما تمناه!
ونبتني لحمانا كل مكرمة ... ونجتني لبنيه ما زرعناه
يا رب إن بلاء الأسر طال بنا ... فامنن بحرية المأسور رباه
حنانيك
انقضى الصيف وحل الخريف وما زلنا أسرى بمعتقل "بطيوه" بعيدين
عن ميادين العمل لنجاح الثورة.
حنانيك! هذا الصيف قاد مر كلمه! ... وهذا الخريف انقض بالهم والبلوى
يقولون: إن الصيف كالضيف ظله ... فما باله قد صار أثقل من "رضوى"
وأصبح مرا كل ما لذ في فمي ... ولو أنه أحلى من المن والسلوى
أرى السجن خنقا للمواهب والنهى ... فكيف يطيق الحر في ظله مأوى
وهل يستطيب العيش في السجن شاعر ... تضيق به الدنيا فيجأر بالشكوى
تلم به في اليوم أخيلة الحمى ... وتنتابه في الليل أطياف من يهوى
فيقضي بياض اليوم بالهم والأسى ... ويمضي سواد الليل بالبث والنجوى
فيا رب حرر موطني كي أزوره ... فحرية الأوطان غايتي القصوى
стр. 154
يا صاحبي
يا صاحبي قد دجا نهاري
وأنت "مصباح" كل داج
فبدد الظلمات حولي
إني إلى النور في احتياج
...
يا صاحبي لم يعد فؤادي
ينبض بالحب والتصابي
فهل لديك دواء قلب
قد مات في نضرة الشباب؟
...
يا صاحبي طابت المنايا
واشتاق قلبي إلى كراه
فإنه لم يعد بوسعي
إغضاء جفني على قذاه
...
يا صاحبي قد خبا حماسي
стр. 155
فلست أرتاح للسعاده
مذ صار أهل الحجى عبيدا
وأصبح الأدعياء ساده
...
يا صاحبى هذه منانا!
مثل زهور الرياض تذوي
واحسرتا ضاع ما بذلنا
من الجهد بغير جدوى
...
يا صاحبي شاهت الحياة
ولف أرجاءها العفاء
فلست تلقى بها صديقا!
شيمته الصدق والوفاء
...
يا صاحبي لا يهلك أني
أزهد في الجاه والزعامه
فإنني لا أطيق أحيا
بلا ضمير ولا كرامه
***
стр. 156
يا صاحبي ما الذي دهانا
حتى غدونا بلا شعور؟
فنحن دون الأنام موتى
بلا حياة ولا نشور!
...
يا رب رحماك بالبرإيا
فإنهم لم يروا هداكا!
فاقترفوا الإثم والخطايا
وما لهم راحم سواكا!
...
يا رب خذ بيدي فإني
وقعت في هوة سحيقه
عشت حليف الضنى بظني
ولم أزل أجهل الحقيقه
стр. 157
من أين لي يوم ؟
يقولون: إن الدهر يومان: واحد ... يسر، ويوم بالشقاوة يقدم
وقد عشت دهري كله لم أذق به ... سرورا ولكن عشته أتألم
ومن أين لي يوم لأرى فيه راحتي ... وكل ثواني العمر صاب وعلقم
إذا جن ليل فالبلاء مضاجع ... وإن لاح صبح فالشقاء مخيم
وما الناس إلا اثنان خل مخادع ... وخصم صريح شره ليس يرحم
وكل بني الدنيا على الشر منطو ... وإن غر ثغر منهم يتبسم
أنانية في كل نفس أصيلة! ... بأهوائها فينا غدت تتحكم
فمن أين يرجى الخير والشر غالب ... علينا، وعمر بالأذى يتصرم؟
стр. 158
طفع الكيل
طفح الكيل وانتهينا لحال ... رب رحماك إنها شر حال!
فغدونا مستعبدين كان لم ... نتحرر أو نحظ باستقلال!
وكأن لم نخض لظى الحرب في ... بأس الضواري وفي ثبات الجبال
وكأن لم نذد عن الشرف ... الغالي ببذل الدم الكريم الغالي
وكأنا لم نكتب الآية الكبرى ... ولم نضرب المثال العالي
في العلا في الهدى وفي موطن ... البذل وساح الفدى وكل مجال
وإذا نحن قد خسرنا مساعينا ... وعدنا بخيبة الآمال
ومحونا الجهاد والدم والدمع ... بقبح الأفعال والأقوال
ونسخنا آي الكتاب بما لم ... يجر للمؤمنين يوما ببال
إذ نسخنا شرع الإله الذي ... فيه بلوغ العلا ونيل الكمال
بقوانين ضحلة وضعتها يد ... كل سياسي دجال!
تتحدى شرع الإله جهارا ... وتبيح الحرام مثل الحلال
واستجبنا بعد الهداية ... للأهواء وهي تقودنا للضلال
فانتهينا إلى عبودية نكرا ... عبودية الهوى للرجال
وأصبنا- بعد المناعة- بالداء ... الذي هو شر داء عضال
إذ أضعنا إيماننا وهو أصل ... لصلاح الأخلاق والأعمال
فأصيبت أعمالنا بانحراف ... وأصيبت أخلاقنا بانحلال
стр. 159
وأصبنا بعد اتحاد كبنيان ... متين بفرقة وانخذال
وأصبنا بعد النحرر من ... حكم الأعادي بهذه الأغلال
وأصبنا بعد السيادة ... والعز بهذا الصغار والإذلال
فاليهود الأنذال قد أسسوا في ... أرضنا دولة من الأنذال
أسسوها في منبع النور في ... مهد الهدى في مرابض الأبطال
أسسوها لا بالشهامة والنبل ... ولكن بالمكر والاحتيال!
واشتروها لا بالدماء الزكيات ... ولكن بكثرة الأموال
واستباحوا حمى الأسود وداسوا ... وجه كل فضيلة بالنعال!
والحكومات إن تؤسس على ... الباطل فهي قصيرة الآجال
أرأيتم ما قد جنينا على ... أمجادنا بالتفريط والإهمال
كيف كنا وكيف صرنا وهل ... من أمل في الشفاء والإبلال
رب رحماك حسبنا لا ... تؤاخذنا بأفعال نشئنا الجهال
قد دعوناهم إلى الخطبة المثلى ... بضرب العظات والأمثال
فتمادوا في غيهم وتنادوا ... بتعام عن دينهم وتعال!
واستحبوا العمى فلم يثنهم ... داعي الهدى عن تشبث بمحال!
نبذوا كل خصلة من خصال ... الخير واستمسكوا بشر الخصال!
ورضوا أن يقلدوا كل من ... يدعو إلى الانحراف والانحلال!
أيها المعرضون عن منهل ... الإرواء والقانعون بالأوشال
والمبلون كل دعوة هدم ... للذي شيد من صروح المعالي
стр. 160
حسبكم ما أضعتم وكفاكم ... ما جنيتم من لعنة الأجيال
وإذا رمتم البلوغ لما كان ... من المجد في العصور الخوالي
فاطمئنوا إلى بلوغ مناكم ... إنه مطلب قريب المنال
فالطريق الوحيد للغاية المثلى ... التي ليس دونها من كمال
والتي لم تزل على الدهر ... دربا للخلود الذي بغير زوال
إن عملتم بكل ما شرع ... الدين القويم لم يبق من أشكال
إن دين الإسلام خير طريق ... لبلوغ الغايات والآمال
стр. 161
الإنسان بين تيارات الشقاء
فوق هذى البسيطة الغبراء ... منتهى البؤس للورى والشقاء
كم أديب بها شقي وإن كان ... بآدابه من السعداء
ومريض يئن من وهج السقم، ... ولا راحم من الرحماء!
وجياع معذبين يذوقون ... من الجوع شدة البأساء
وضعيف حقوقه غصبتها ... قوة سلطت على الضعفاء!
ومصاب في دينه وهو أشقى ... من عرفنا في الناس من أشقياء
يقطع الليل بالأسى ويناجي ... ربه في تضرع وبكاء!
قد صبرنا فيما قضيت ولكن ... ليس في الدين عندنا من عزاء
ونفوس الأحرار مهما أصيبت ... ببلاء لم تكترث بالبلاء
وإذا مس دينها ثار فيها ... شمم لا يلين للأرزاء
يكره الناس أن يموتوا وهل في ... الموت إلا سعادة الأشقياء
وبقدر الشقاء في هذه الدنيا ... يكون الهناء بعد الفناء
وهل الموت غير راحة نفس ... لقيت في الحياة كل عناء؟
"ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء"
"إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرجاء"
стр. 162
ويحه كم يقاسي !
ويحه في حياته كم يقاسي ... من هموم تزول منها الرواسي!
ويحه كم يذيقه دهره الباغي ... كؤوسا لا تستساغ لحاس!
يا له الله من شقي كثير ... الحزن جم الشجون والوسواس
يا له الله كيف يثمر للناس ... ثمارا تجنى من القرطاس!
وهو يقضي الحياة فيهم كئيبا ... موجع القلب ثائر الإحساس
وتدر الإثراء واليسر كفاه ... ويشقى بالفقر والإفلاس
كسراج أنفاسه للورى ضوء ... ولكن يذوب في الأنفاس
ما له راحم على ما يعانيه ... ولا عاذر له في الناس!
غير شكوى يبثها إن طغى ... الهم عليه إلى حبيب مواس
بعد عامين في المعتقل
أبعد عامين في هم وفي حزن ... ووحشة بفراق الأهل والوطن؟
أبقى هنا مثلما قد كنت واحربا ... أن كان في مثل هذإ ينقضي زمني
رباه رحماك لي قلب ولي كبد ... وأفرخ بعدهم عني يؤرقني!
رباه رحماك بالقلب الذي عصفت ... به الرزايا وأذوقه يد المحن!
стр. 163
حظ الأديب
لله ماذا يلاقي كل ذي أدب ... وما يعانيه من ضيق ومن وصب!
لكل قوم نصيب في الحياة وما ... نصيبه أبدا فيها سوى النصب
أي أمريء شاعر لم ينفطر ألما ... وأي ذي أدب في الناس لم يصب؟
كأن ذنب الفتى آدابه وعلى ... قدر العقول يصاب الناس بالنوب
فالمرء إن كان ذا عقل وذا أدب ... يفوته حظه في الجاه والنشب
وإن يكن منهما قد نال قسمته ... يفوته حظه في العلم والأدب
ما حيلة المرء في الدنيا أليس له ... في الموت راحته من هذه الكرب؟
стр. 164
الفقير الصابر !
كم أعاني الأسى ولا أتكلم ... وإذا ما شكوت من يتألم؟
لم أجد في القلوب قلبا رحيما ... "ما تفيد الشكوى لمن ليس يرحم"؟
كيف أشكو إلى العباد شقائي ... وهم علة الشقاء المحتم؟
كل شر ألقاه في الدهر إلا ... وشرور العباد أدهى وأعظم!
ليس ما بي من الأسى غير فقري ... ورجائي في الأغنياء تحطم!
جعل الله في يديهم نصيبي ... وإذا ما طلبت حظي أحرم!
زادهم قسوة علي وحقدا ... أنني إن رأيتهم أتكتم!
وإذا الضر مسني أتحمل ... وإذا ما ظلمت لا أتظلم!
شيمة لي منحتها صيرتني ... ساخسرا بالخطوب لا أتبرم
لست أشكو بثي وحزني إلا ... لإلهي فإنه بي أرحم!
стр. 165
قلبي !
في حنايا الضلوع قلب دام ... قرحته حوادث الأيام!
كل يوم به سقام ملح ... وضنى زائد وحزن نام!
مثخن بالجراح لم يبق فيه ... موضع قد خلا من الآلام!
رق سقما فلو ألمت به ريح ... لهاجت بلواه بالإلمام!
برم بالحياة قد ضاق ذرعا ... بفسيحات كونه المترامي!
لم يذق فيه راحته فتمنى ... يائسا أن يذوق طعم الحمام!
عاف دنيا لم تتسع لذوي ... الفضل وأهل العقول والأفهام!
ملئت بالشقاء والبؤس ... ألوانا وغصت بالشر والآثام!
تضع الشاعرالأديب وتقصي ... دون ما رحمة ذوي الإلهام!
والغبي البليد فيها سعيد ... نال أو في الحظوظ والأقسام!
يا لك الله أيها القلب من قلب ... حليف الشقاء نضو السقام!
دائم الاضطراب والخفق ... تبدي زفرات كمثل حر الضرام!
لم تجد في الأنام من مسعد يرجى ... فأعرضت عن جميع الأنام!
فاعتصم بالعزاء، يا قلب لا ... تجزع فصفو الحياة كالأحلام!
والخطوب الجسام في هذه الدنيا ... لمن حصة النفوس العظام
وسواء من عاش فيها سعيدا ... في رخاء وغبطة وسلام!
والذي قد قضى الحياة كئيبا ... وغدا نهبة الخطوب الجسام!
كل من في الوجود يودع لحدا ... ضيقا رهن جندل ورغام!
стр. 166
يا عيد
نظمت في عيد الأضحى سنة ١٣٦٠ للهجرة، إبان
المجاعة العالمية السوداء التي كانت إحدى عواقب
الحرب الوخيمة ونتائجها السيئة.
يا عيد هل أنت عيد ... أم أنت هم جديد؟
لم يبتهج بك طفل ... ولا اشتهاك وليد
البرد فيك مذيب ... والزمهرير مبيد
والثلج إن غاب يوما ... فلا يغيب الجليد!
وللعواصف نفح ... به تذوب الجلود
وللمجاعة فتك ... بالعالمين شديد
فما لهم فيك قوت ... ولا لديهم وقود
ولا عليهم لباس ... لا طارف لا تليد
وكل ما فيه نفع ... لجائع مفقود!
إلا النقود ولكن ... ماذا تفيد النقود
فكيف أدعوك عيدا ... وليس فيك سعيد؟
стр. 167
نجوى
أعزز علي بأن أراك كئيبا ... أو أن أراك من العزاء سليبا
في ناظريك أرى ظلالا للأسى ... وعلى محياك الجميل شحوبا
وجه كما ابتسم الربيع محبب ... لا تكسه روحي فداه قطوبا
هذي الحياة على ابتسامك عذبة ... وإذا غضبت وجدتها تعذيبا!
ماذا يطيب من الحياة جميعها ... إن لم تكن لي في الحياة حبيبا!
دنيا -وإن خدع الأنام سرابها- ... جمعت من الألم المرير ضروبا
وبدا لعيني صفوها فوردته ... فوجدته بالمنغصات مشوبا!
وطلبت خلا أرتضيه فلم أجد ... إلا عديما للوفاء كذوبا!
متطلعا للعيب في إخوانه! ... فكأن فيه على أخيه رقيبا!
يلقاك بالوجه الضحوك وقلبه ... من بغضه قد أضمر التقطيبا
دنياك قل بها الوفاء وحسبها ... عدم الوفاء مساويا وعيوبا
لا نشك فيها غربة فهي التي ... يحيا بها الحر الكريم غريبا!
стр. 168
أي هم تعاني ؟
لمحت على وجهك الناحل! ... ظلالا من الكمد القاتل!
وفي جفن عينيك غرب الدموع ... ترقرق في نرجس ذابل!
وفي ناظريك الأسى كامنا! ... ينم على ألم داخل!
وقد شاع في وجنتيك الشحوب ... فألوي بروض الصبا الحافل!
أبن أي هم تعاني فما ... عهدتك في الخطب بالذاهل
وكفكف- فديتك- دمعا جرى ... على ورد خديك كالوابل
ودع لمحياك هذا الجمال ... فلم صار كالقمر الآفل؟
فهذا الأسى- إن يدم- قاتل ... وموتك- يا منيتي- قاتلي
стр. 169
ذكراك
ذكراك ملء فمي وشغل لساني ... وحيث أفكاري وهمس جناني
وسماء أحلامي وفيض خواطري ... وشفاء آلامي وسر بياني
ذكراك أغنيتي التي أشدو بها ... فتذوب في نغماتها أحزاني!
ذكراك تطفيء ما بقلبي من جوى ... قد كاد يلهب من لظاه كياني
ذكراك نفح الروض تفعل بي كما ... فعلت بنان الريح بالأغصان
ذكراك تبعث في فؤادي نشوة ... هي في فمي أحلى من الألحان
ذكراك تنسيني متاعب شقوتي ... وتزيد في جذلي وفي اطمئناني
ذكراك فيض الحب بين جوانحي ... وخيالك الموحي إلى الأذهان
ذكراك دنيا الشعر كل رغائبي ... في هذه الدنيا وكل أماني
يهنيك قلبي أنه حرم الهوى ... لك لم يحل به هوى إنسان
يهنيك لو فتشته لوجدته ... من لوعة الأشجان كالبركان
فاحميه من نار الهوى لا تتركي ... مأواك تتلفه يد النيران!
فبسحر عينيك اللتين أصابتا ... قلبي وسحر جمالك الفتان!
إلا رحمت عذاب صب مدنف ... فالحسن مشتق من الإحسان
стр. 170
سلطة الألحاظ
ليس قي الكون سلطة بخضع ... الناس لها مثل سلطة الألحاظ
فالعيون الوسنى نراها ضعافا ... وهي أقوى في الفتك بالأيقاظ
كم رمت أنفسا وأصمت قلوبا ... وأذلت من تائه جواظ ١
مذ تصدى شيطان شعري إليها ... رجمته من لحظها بشواظ
سحرها روت ما حوت من فتور ... ليس سحر الرموز والألفاظ
حبيبتي !
حبيبتي اطرحي الدلالا ... ولا تزيدي الحشى خبالا
وقصري عمر التنائي ... فإنه -وهواك- طالا
وداركي أكبدا صوادي ... تكاد تشتعل اشتعالا!
وأسفري كالصباح نورا ... واشرقي كالضحى جمالا!
وابتسمي كي تراك عيني ... طلعت في أفقي هلالا!
فوجهك البدر وهو هاد ... فكيف زدت به ضلالا!
وقدك الغصن لم تمله ... ريح ولكنه أمالا!
يا أقرب العالمين دارا ... مني وأبعدهم منالا
هلا رحمت كسيف بال ... يا أنعم العالمين بالا
стр. 171
مساجلة أدبية !
اجتمع الأساتذة: بدوي جلول، أحمد سحنون، محمد العيد، في أحد المنتزهات الجميلة
بالعاصمة "الجزائر" فمر أمامهم ما حرك شاعريتهم بالأبيات التالية، وكأنهم خاطبوا في ذلك
الشخص المرئي شخصا آخر غير مرئي "الشهاب".
بدوي:
وفتاة مرت بنا ذاصباح ... تتثنى كأنها غصن بان!
سحنون:
ثم ولت وما رثت لقلوب ... رشقتها بلحظها الفتان
العيد:
قربت وصلها القلوب ولكن ... حال من دونها اختلاف اللسان
بدوي:
ربة الدل داركي أنفسنا ... تعاني من الضنى ما تعاني
لفتة ترجع الحياة إلى القليل ... وعطفا يعيد ميت الأماني
سحنون:
وارتشافا من خمر ريقك يطفي ... ما بنا من لواعج الأشجان
وابتساما ينير ظلمة نفس ... عذبت بالصدود والهجران
العيد:
أحسني فالحسان في شرعة ... الآداب أولى الأنام بالإحسان
ملك الحسن أمرنا فأرانا ... كيف يبلى الإنسان بالإنسان
стр. 172
البصائر تحيي قراءها
بمناسبة توديعها سنتها الخامسة ونشرت بعدد٢٢٥
من البصائر في ٢٦ محرم الحرام سنة ١٣٧٢ للهجرة.
يا أحبائي وقرائي سلاما ... كنتم للدين والفصحى دعاما!
عشت دهرا بينكم مرعية ... وكذاك العرب يرعون الذماما
سوف أرعاكم وأوليكم جنى ... طيبا تجنونه عاما فعاما
سوف أغدو روضة فواحة ... تقطفون الورد منها والخزامى
غير أن النار إن أعوزها ... حطب باخت ولم تزدد ضراما
أنا مصباح وضوئي باهر ... وبدون الزيت لا أجلو الظلاما
فأمدوني بزيت وابذلوا ... كل غال تدفعوا عني الحماما
أنا مجد الضاد إن لم تحرسوا ... مجدكم لم تصحبوا الدنيا كراما
стр. 173
المجلس الإسلامي الأعلى
ليهنك يا شعب العلا المجلس الأعلى ... فما المجلس الأعلى سوى المثل الأعلى
حلمت به دهرا وغنيت باسمه! ... فكنت به أولى وكنت له أهلا
فيا ابن العلا سر في طريق العلا ولا ... تقل للأولى يحدون ركب العلا: مهلا
دنت منك آمال كبار فلا تبت ... على اليأس وابسم للحياة وكن جذلا
وقل: مرحبا أهلا بوفد محمد ... وقل- لعمري- أن يقال له: أهلا
وكن خير عون بامتثالك أمره، ... يعد كل صعب في طلاب العلا سهلا
وإن لم تكن عونا له لم يكن له ... غناء كرام صائب لم يجد نبلا!
فلا تفعلوا إن المصير لفادح ... يصب عليكم من مصائبه وبلا!
وتبقوا بلا دين وأية أمة ... تعيش بلا دين ترى الخسف والخبلا
هلموا لدين الله ننشر لواءه ... ونهزم به الفوضى وندفع به الجلى
فإنا بدين الله كنا أعزة! ... فلو لم نعق الدين لم نعرف الذلا!
وكنا منارالعلم والفهم والحجى ... فلو لم نفرط فيه لم نعرف الجهلا!
فعودوا إليه إن أردتم هداية ... فمن حاد عنه "وهو نهج الهدى" ضلا
وأعظم ما أهدى لنا الله دينه ... فكل عطاء دونه جل أو قلا!
ونحن بدنيانا نسيرعلى شفا ... بأسفله يلقى الردى كل من زلا
стр. 174
وما الخطة المثلى لمن رام خطة ... سواه فلا تنأوا عن الخطة المثلى
فلا تحسبوا التحرير يغنى عن الهدى ... ولا محض الاستقلال يكسبنا الفضلا
فلا كان الاستقلال إن جانب الهدى ... ولا بقى التحرير إن حارب العدلا
فلم نطلب التحرير بالدم والفدى ... لنغدو قطيعا سائما عدم العقلا
ولا أننا ثرنا لتحطيم قيدنا! ... لنجعل في أعناقنا للهوى غلا
أعيذكم أن تمسخوا الثورة التي ... بذلتم فأغليتم لإنجاحها البذلا
وسودوا بهذا الدين في الناس آخرا ... كما سدتم كل الأنام به قبلا!
وذودوا سهاما صوبت نحوه فلم ... يزل يتلقى من خصوم الهدى نبلا
فمن لم يذد عن دينه ما يسوؤه ... فليس بذي دين وإن صام أو صلى
стр. 175
أهلا وسهلا
قيلت تحية لأحد الوفود العلمية المصرية في زيارتها للجزائر.
وفد مصر الكريم أهلا وسهلا ... سوف تلقى ما بيننا لك أهلا!
لح بأفق "الجزائر" الجهم بدرا ... وعلى جدب أرضها فاغد وبلا!
أمح من أفقها المعبس دجنا ... وانف من أرضها الكئيبة محلا!
صف بها كل ما تشاهد وانقل ... لبني النيل ما تشاهد نقلا!
قل لهم إن في "الجزائر" شعبا ... عربيا يسام خسفا وذلا!
قل لهم إنه يكابد ظلما! ... قل لهم: إنه يقاوم جهلا!
فامنحوها معارفا وامنعوها ... لم تزل مصر للمكارم أهلا!
لم تزل من قديمها موطن ... الفن غذته طفلا وحاطته كهلا!
وملاذا للدين والضاد مذ ... كانت لدين الإسلام والضاد ظلا
سوف نرعى إحسانكم ما حيينا ... ونرد الجميل قولا وفعلا
стр. 176
وفد العروبة
نظمت بمناسبة زيارة وفد المعلمين العرب إلى الجزائر
وإقامة حفلة للدكتورة بنت الشاطئ بالأوقاف.
انهض إليه مسلما ... بعث النبي معلما
وانثرعلى أقدامه ... الورد النضير معظما
واجعل فؤادك ... بالمحبة للمعلم مفعما
واقبس سناه لتهتدي ... واتبع خطاه لتغنما
رضي المعلم أن يكون ... لكل خير سلما!!
فرمى بطرف لا يحيد ... عن العلا نحو السما!
ومشى أمام السائرين ... مسارعا متقدما!
يهوى البلاد متيما ... وعلى الجهاد مصمما
يا شاعرا إن يشد ... بذ المنشدين وأفحما
هات النشيد العذب ... واهتف منشدا مترنما
وفد العروبة جاء ... يحمل للجزائر بلسما!!
أهلا بإخوتنا الكرام ... الذائدين عن الحمى!
هذا القطاع من العروبة ... كاد يتلفه الظما
стр. 177
جفت منابعه وغاض ... رواؤه وتجهما!!!
وخبا ضياء العلم ... والآداب فيه فأظلما!!
وأناخ بين ربوعه ... الجهل البغيض وخيما
فلتطلعوا فيه بدورا ... ولتلوحوا أنجما!
أهلا برائدة النساء ... الوافدات على الحمى
أهلا بأعظم حامل ... من بعد مي مرقما!
أهلا" بعائشة" التي ... قدر البيان بها سما!!
كم دبجت، ببراعتها ... للضاد سفرا قيما!!!
حلي بأرض طهرت ... من كل رجس بالدما
لم يبق فيها أي قيد، ... كل قيد حطما!
وغدت كروض فانزلي ... فيه وطيبي مقدما!
ثم امنحينا من بيانك ... كل ما يجلو العمى
ويعيد لابن الضاد ... منزله الأعز الأكرما
فمن العجائب أن يظل ... ابن العروبة أعجما
ويرى بغير لسانه!!! ... في أرضه متكلما
من لم يكن بتراثه ... يعتز لم يك مسلما
стр. 178
أيها الصقر !
نظمت وألقيت في ٢٨ جوان ١٩٦٩ م تحية
للأستاذ أحمد "صقر" بمناسبة زيارته "الجزائر".
مرحبا "بالصقر" قد جاء إلى ... بلد الثورة من أرض الصقور
كلنا شوق إلى رؤيته ... وقلوب طافحات بالسرور
مرحبا بالعلم فالعلم حيا!! ... مؤذن من بعد موت بالنشور
مرحبا بالأدب الجم الذي ... هو خصب بعد محل ودثور
مرحبا بالخلق السمح الذي ... هو عنوان على صدق الشعور
أيها "الصقر" الذي قد طار ... من وكره إنك في خير الوكور
أنت في الأرض التي كم أنجبت ... من صقور للمعالي ونسور
أنت في الأرض التي قد صنعت ... ثورة قد هزمت حلف الفجور
أنت في الأرض التي قد حطمت ... كل كبر في فرنسا وغرور!!!
أنت في الأرض التي كم شيدت ... من علا يبقى على كر الدهور
ولها شوق إلى كل فتى ... همه السعي لإحياء الشعور!!
فلتقم ما بيننا محترما مثل ... شمس قد أحيطت ببدور
стр. 179
ضيوف !
قيلت بمناسبة زيارة وفد فني مصري "للجزائر".
ضيوف ولكن هم على النفس أكرم ... من الأهل والأبناء والله يعلم
ضيوف من الشرق الذي منه أشرقت ... أشعة نور الوحي والكون مظلم!!
من النيل من مهد الحضارات من حمى ... أبي الهول والأهرام حوليه جثم
من البلد الفادي من الوطن الذي ... بآفاقه شع العلا والتقدم!!!
بلاد بها "قطب" وفيها رفاقه ... أحن إليها كل يوم وأحلم!!!
فيا نبت وادي النيل أهلا ومرحبا ... حللتم بأوطان تحن إليكم!!!
لقد شاركت ألحانكم في جهادنا!! ... فكانت كجيش للمغيرين يهزم
إذا كان للرشاش فضل ففنكم ... حداء له فضل عليه مقدم
وإن أصبحت أرض "الجزائر" حرة ... فمنكم لها في الرأي جيش عرمرم
فليلتكم غراء لاح بأفقها!! ... بمقدم أبناء الكنانة أنجم!
فمطلعكم للبشر والألنس مطلع ... ومقدمكم للمجد والعز مقدم
فكل لسان بالمحامد ناطق!! ... كل فؤاد بالمحبة مفعم!!!
فغنوا لنا لحن السرور فطالما ... أناخ بنا حزن به الطفل يهرم
وهاتوا لنا الفن الذي فيه برؤنا ... من الهم، إن الهم داء محطم
стр. 180
فلله هذا الشعب كم ذاق من أسى ... فأكثر أهليه يتيم وأيم!!
ففي كل عين في "الجزائر" أدمع ... وفي كل قلب حرقة وتألم!!
ولكنها لم تستكن لعدوها ... ولم يثنها في العيش صاب، وعلقم
إلى أن علت في الأفق راية نصرها ... وأصبح فيها كل قيد يحطم!!
وغادر جيش الاحتلال ربوعها ... ولم يبق فيها للفرنسيس مغنم
وأعلنت الأفراح في كل بقعة!!! ... فللطير تغريد بها وترنم!!
وها هي شحارير الكنانة بيننا ... تشاركنا عيدا له الكون يبسم
وذا "خالد" يصغى إلى لحن "كارم" ... ولحن "نجاة" وهو نشوان مغرم
يحاول أن يوحي له بقصيدة ... "فخالد" في نظم الروائع ملهم
وها هي أفلاذ "الجزائر" تحتفي ... بكم كسوار أنتم فيه معصم
فغنوا فذا عرس العروبة إنها ... اذا عرست لم يبق في الأرض مأتم