وارتدى شعب "بني مازغ" ... أثواب الحداد!
فصباح النصر ينضو عنه جلباب السواد!
يا أخي يا حارس الأوطان من باغ وعاد!
والذي كان على أعدائه صعب القياد!
والذي كان له من صبره أعظم زاد!
سوف تجني ثمر النصر ... وتحظى بالمراد!
ويزول الضيم والعسف وعهد الاضطهاد
لا تضق بالنفي والسجن ولا طول البعاد
سوف تنسى كل هم يوم تحرير البلاد
стр. 317
لغتي !
لغتي بها شاد العرب
مجدا به ساد الأدب
إن ذدت عنها لا عجب
فلغيرها لا أنتسب
لغي هي الكنز اللباب
لغي هي السحر العجاب
مذ أصبحت لغة الكتاب
شاب الزمان ولم تشب
لغتي هواها لي نشيد!
حبي لها أبدا جديد
سأعيد ماضيها المجيد
غضا كشمس لم تغب
هيا نشيد بذكرها
ونعيد ساطع فجرها
إنا كتيبة نصرها
لسنا نبالي من غضب
стр. 318
نشيد جمعية العلماء
يا بني شعب الجزائر الأباة...للمعالي
أنتم نسل "الأمازيغ" الكماة...في النزال
كل من ضحى بنفسه فمات...لا يبالي
فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا
أنتم نسل الألى قادوا الأمم...للنجاة
أخرجوها من غياهب الظلم...للحياة
ملأوا الأرض علوما وحكم...وانتباه
فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا
لغة القرآن تدعوكم فلا...تخدلوها
شرعة الإسلام دينكم فلا...تهملوها
стр. 319
وبلاد أنجبتكم...للعلا حرروها
فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا
أيها القوم ارجعوا مجد الجدود...من جديد
كل شعب عن حماه لا يذود...لا يسود
فاكتبوا بدمكم صك الخلود...في الوجود
فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا
لقنوا الأبناء أنما الحياة...في النضال
واسلكوا بهم طريق المكرمات...في الخلال
ولتكونوا رمز جد وثبات...وكمال
فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا
стр. 320
نشيد حياة الجزائر
حياة الجزائر أمنيتي! ...وحب العروبة أنشودتي
وتحرير أبنائها بغيتي...فسيرى إلى المجد يا أمتي
فأنا بنو المجد منذ القدم
فهيا بنا يا جنود الوطن...لتخليد آثارنا في الزمن
ونشر الهدى والفعال الحسن...فنحن الألى طوقوا بالمنن
رقاب الورى ووفوا بالذمم
حياة الجزائر أمنيتي،
فإني أسمع صوت الجدود...يهيب بنا من وراء الوجود!
يقول: انهضوا للعلا يا أسود...وخطوا اسمكم في سجل الخلود
ولا تكتبوا المجد إلا بدم
حياة الجزائر أمنيتي،
منحنا معارفنا المشرقين...فتحنا بأسيافنا المغربين
ملأنا بآثارنا الخافقين...بلغنا بعزتنا الفرقدين
وشدنا المعالي وسدنا الأمم
стр. 321
حياة الجزائر أمنيتي،
لنا لغة الضاد خير اللغات ... ودين هدى الناس للصالحات
وسفر حوى الحكم البالغات ... فهبو! سراعا غالى المكرمات
فتاريخكم حافل بالعظم
حياة الجزائر أمنيتي! ... وحب العروبة أنشودتي
وتحرير أبنائها بغيتي! ... فسيري إلى المجد يا أمتي
فإنا بنو المجد منذ القدم
стр. 322
من مثلنا في الأمم ؟
من مثلنا في الأمم!
في حلبة التقدم!
وفي علو الهمم!
من مثلنا في الأمم؟
سدنا وقد ساد الظلام
جدنا بما أعيا الكرام
قدنا إلى الخير الأنام
من مثلنا في الأمم؟
نحن الهداة والحداة
نحن الحماة والبناة
نبني العلا والمكرمات
من مثلنا في الأمم؟
تاريخنا زان الوجود
أمجادنا سفر الخلود
إن لم نسد فمن يسود؟
من مثلنا في الأمم؟
стр. 323
منا الثقاة العالمون
منا الثقاة العاملون
منا الغزاة الفاتحون
من مثلنا في الأمم؟
هل أنجبت مثل عمر؟
كل سلالات البشر
حكما ورأيا ونظر!
من مثلنا في الأمم؟
أو أنجبت "كابن الوليد"!
في الحرب والبأس الشديد
أو أنجبت مثل الرشيد؟
من مثلنا في الأمم؟
من كان نسر قشعم!
لم يهو غير القمم
نحن بنو التقدم
من مثلنا في الأمم؟
стр. 324
من مثلنا في الأمم؟
في حلبة التقدم؟
وفي علو الهمم؟
من مثلنا في الأمم؟
стр. 325
نشيد "المليون ونصف شهيد "
موطن المليون والنصف شهيد...حاز فخر لم يجزه موطن!
سوف يبقى خالدا ليس يبيد! ...مجد شعب رددته الألسن!
أي أرض قد حوت مجد السماء...تلك أرض الشهداء المنجبه
تنبت الأبطال والصيد كما...تنبت الزهر الحقول المخصبه
إننا شعب البطولات الألى...قهرنا كل باغ معتد!
نسل "مازيغ ونسل يعرب"! ...وسليل كل هاد مهتد
نحن لم نسع إلى سفك الدماء! ...بل ثأرنا للحقوق المهدره!
فأقمنا للمعالي سلما...وحفرنا للطغاة مقبره!
"طارق" شيد "للجزائر"...من فخار ما تحدى الزمنا
"وابن باديس" و"عبد القادر"...صيرها للفخار موطنا
وبلغنا بعدهم هام السهى...وبنينا مثلهم مجد الخلود!
نحن في بدء العلا والمنتهى...أمة الأمجاد في هذا الوجود!
أيها الثابت في ساح الجهاد...مثل "أوراس" ومثل "جرجره"
صاغك الله لتحرير البلاد...مثلا تقفو الشعوب أثره
فارفع الرأس وسر في كبرياء...وتقدم كل ساع للعلا
فمباديك مبادي الأنبياء...ومساعيك مساعي البسلاء
стр. 326
مجالسة الكتاب
قال لي أحد الأصدقاء، عندما زارني إلى منزلي ورأى المكتبة تشغل الجزء الأكبر من المنزل: أظن أن هذه الكتب الكثيرة لا تتركك تنام إلا قليلا، فقلت هذه الأبيات:
جليسي الكتاب أبر الصحاب...به قد جنيت الأمني العذاب
وإن نزلت بي صعاب الحياة...فزعت إليه فأنسى الصعاب
فكيف أنام وحولي كتبي؟ ...وفي النوم أفقد دنيا الكتاب
ودنيا الكتاب هي الروض عندي...به كل ما لذ طعما وطاب
فما شئت من كل خلق ودين...وعلم غزير وفن عجاب!
وما شئت من سمر لا يمل...به للقلوب الغذاء اللباب
ومن صحبة الصالحين التي...يداوى بها كل خلق يعاب
إلى صحبة الراسخين التي...يزال بها الشك والارتياب
وكم من حقائق تعي العقول...يكشف عنها الكتاب النقاب
وإن الكتاب لأوفى صحابي...فكيف افرق أوفى الصحاب
وهل أطمئن لنوم به...وتمر حياتي مر السحاب؟
وإن الحياة بجانب كتبي! ...تجدد في حياة الشباب!
وبيت بغير كتاب به...تطيب الإقامة بيت خراب
стр. 327
أحمد سحنون
ديوان
الشيخ أحمد سحنون
الديوان الثاني
الطبعة الأولى ٢٠٠٧
منشورات الحبر
стр. 328
الكتاب
ديوان الشيخ أحمد سحنون
تأليف أحمد سحنون
الطبعة الأولى ٢٠٠٧
стр. 329
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 330
قصائد من السجن
стр. 331
أول يوم في الزنزانة
لا أبالي بالسجن إن كان في السجن ... رضا خالقي فذلك حسبي
إن خطبا فيه سلامة ديني ... ورضا الله لهو أيسر خطب
هل "عبد الحميد"١ في السجن مثلي؟ ... هل يكون "عبد اللطيف" بقربي؟
لست أدري، لكن سعياهما عسي ... فذنبهما إذن مثل ذنبي
عجبا: كيف يصبح النصح دنبا ... في بلاد تحتاج نصح المربي؟
يا إلهي إني عبدتك حبا ... فتقبل- يا رب- خالص حبي
يا إلهي قد أصبحت دعوة الإسلام ... تشكو بأرضنا كل جدب
فأغثها من بعدنا بدعاة ... صالحين يولونها كل خصب
كن لها حارسا من الزيغ والفتنة ... - يا رب- ليس غيرك ربي
ثاني يوم في الزنزانة
إن تكن زنزانتي ضيقة ... إن ذكر الله قد وسعها
إن من ينسى الذي أبدعه ... يذكر الدنيا التي أبدعها
ما حياة الناس إلا فرصة ... قد أتيحت ويح من ضيعها
إن ذكر الله زاد وغذى ... لنفوس طالما أشبعها
стр. 332
اليوم الثالث في السجن
اليوم ثالث يوم ... أعيش فيه سجينا
ولم أجد لي ذنبا ... به أكون مدينا
اليوم أدركت أني ... أخطأت في التقدير
إذ كنتت أحسب نصحي ... يأتي بخير كثير
إذا بنصحي ذنب ... يجر أقسى عقوبه
فهل تصحح يوما ... أوضاعنا المقلوبه؟
حسبت أني حر ... أقول ما أرتئيه
واليوم قد بان جهلي ... بما تورطت فيه
لكنني لست آسى ... على الذي كان مني
فسوف أبلغ قصدي ... وسوف يصدق ظني
стр. 333
الإخوان بلسم الأحزان ١
مهداة إلى الأخ الكريم والصديق المثالي الشيخ إسماعيل بمناسبة لحاقه بنا من معتقل "بوسوي" الجديد إلى معتقل "بوسوي" القديم.
اصدحي يا بلابل اللأدواح ... لصفاء القلوب والأرواح!!
انشدي لطلوع نجم من الصحب ... نشيد السرور والارتياح
ليس كالأصدقاء في الخطب ... والأيام بالأصدقاء جد شحاح
ينجلي الهم باجتماعي بإخواني ... كما ينجلي الدجى بالصباح
ظفرت راحتي بإخوان صدق ... ووفاء كانوا أداة نجاحي!!
بعد ما غاب "خالد" جاء "إسماعيل" ... يأسو كآبتي وجراحي
كل شيء أحبه فيه من صدق ... وحلم وعفة وسماح!!
وإذا كانت الحياة كفاحا ... فالصديق الكريم خير سلاح!!
معتقل بوسوي القديم ٩ - ١٠ - ١٩٥٨م
стр. 334
السجين دفين !
إن كان يدفن قبل الموت إنسان ... فهو السجين عليه الدهر سجان
وقبره السجن يقضي فيه مدتة ... بدون نفع ولا معنى له شان
دنياه أضيق دنيا عاشها بشر ... إن لم يكن عنده صبر وإيمان
والسجن للمجرم الجاني، ومن برئت ... كفاه فهو له ظلم وعدوان
وقد سجنا بلا جرم ومن عجب ... أن عد من ذنبنا فضل وإحسان
إذ نحن كنا دعاة للهدى وإلى ... ما يستقيم به شيب وشبان
فإن يكن مذنبا من قام يدعو إلى ... إسعاد أمته لم يعل بنيان
وهل إذا قلبت أوضاعنا صلحت ... أحمالنا؟ كيف يهدي الركب عميان؟
إن الحياة لسجن كيف زيد بها ... سجن به من صنوف الهم ألوان؟
يا رب جودك لم يبرح يراوحني ... وأنت بالفضل والإحسان منان
فامنن بحريتي ربي فقد سئمت ... نفسي حياة بها الأحرار عبدان
стр. 335
أشنع تهمة
أأخوض حربا لأغصب حكما ... أي ذنب يناط بي أي تهمه؟
هكذا قيل لي، فأي غرور ... وجنون وأي حرص ونهمه
أليغدو فرد سعيدا يضحى ... ببلاد عظيمة وبأمه؟
أي ساع بفتنة جاء كي يلقي ... أذاه فينا وينفث سمه؟
كيف لابن ست وشبعين أن يصبح ... خوض معامع الحرب همه؟
كيف للمقتدى به أن يرى ... يوما يخون عهدا ويخفر ذمه؟
ألهذا المصير صرنا فما أعظم ... ما قد أصابنا من ملمه؟
وإذن قامت القيامة إذ لا ... أهل دين بقوا ولا أهل همه
العنف والإقناع
عجبا للخصوم لم يرحمونا!! ... نسبونا للعنف واتهمونا
كيف نرضى بالعنف أسلوب إقناع ... لخصم لو أنهم فهمونا!!
إنما العنف ليس بثمر إلا ... العنف وهو الدمار دنيا ودينا
стр. 336
ليس يجدي مثل التحاور بالحجة ... فليستح الألى ظلمونا
وهدى الله ليس يدرك ... بالإكراه لو بعقولهم يهتدون
ولذا كان أول الفرض في الإسلام: ... "إقرأ" لو أنهم يعلمونا
يا دعاة الإسلام؛ ادعوا بإقناع ... وعلم لعلكم تنجحونا
فالنجاح في كل أمر منوط ... بتحري الإقناع لو تفقهونا
نحن لا ندعي هداية من لم ... يهده الله أيها المصلحونا
فتحروا رضى الإله يبكم ... وتفوزوا بما له تعلمونا
أي عيش ؟
أي عيش بين جدران بها سجن حر؟ ... لم يكن فيما أتى من عمل للناس ضر!
إنما نبه للوضع الذي ليس يسر!!! ... إذ رأى شعبا بحلو اللفظ والوعد يغر
راضيا بالليل بعد الفجر لا يعنيه أمر ... وهو من نسل الألى كان لهم علم وفكر
ولهم في عالم الإصلاح والتحضير ذكر! ... نحن في عصر غريب الوضع لا يحكيه
لم يعد فيه لأهل الفكر والتوجيه قدر ... عصر يقتل المصلح فيه وله يكرم غر!!
стр. 337
سجنا بسعي خصومنا
سجنا ولم نعلم بأسباب سجننا ... سوى أننا كنا دعاة لديننا
ومن كان لا يرضى بدين محمد ... فإنا لنأبى ذكره بلساننا
ونكره أن نرنو له بعيوننا ... ونمقت أن يجري اسمه في ظنوننا
وكيف نوالي من يعادي الذي دعا ... إلى كل ما فيه صلاح شؤوننا
ونلنا به في الناس مجدا ورفعة ... وذكرا به قد شع نور يقيننا
سجن وسجين
قضى السجين نهاره ... بصحة منهاره
وما قضى الليل إلا ... بحرقة ومراره
يقول من غير وعي ... هل قادم لزياره؟
ومن يخبر عنه ... صحابه وصغاره؟
ماذا جناه فيأوى ... سجنا ويترك داره؟
ويحرم الناس منه ... علما حباهم ثماره
فلم يجد غير نصح ... يسديه كان شعاره
لأنه كان فرضا ... في الأمة المختاره
فكيف أصبح ذنبا ... تضيق عنه العباره
يا كاشف الضر فرج ... عن أنفس محتاره
فمن سواك لعان ... يفك عنه حصاره
стр. 338
وموثق ليس ينسى ... ربا يقيل عثاره
ومن يدافع عنه ... كالقدرة الجباره
ومن كدينك أولى ... بأن ينال انتصاره
سجين الدار
سجنوني بالدار إذ حسبوا ... داري سجنا فأخطأوا في الحساب
إن داري ليست بسجن ففيها ... كتبي، وهي من أجل صحابي
هي "سوق عكاظ" لكنها قد ... عوضت كل شاعر بكتاب
ما نظرت إلا وأبصرت فيها ... من ثمار الأفكار كل لباب
وإذا الدار أصبحت مثل بستان ... بها كل مشتهى الألباب
إن أردت التفسير ألفيت فيها ... من فنون التفسير كل عجاب
أو أردت التاريخ تظفر من التاريخ ... فيها بالرائع المستطاب
أو أردت القريض والأدب الخالص ... تظفر بالساحر الخلاب
كل ما تبتغيه تلقه فيها ... من فنون العلوم والآداب
بالسجن يري السجين به ما ... فيه طرد الهموم والأوصاب
صحبة الكتب تجعل السجن دارا ... في حماها يزول كل اغتراب!!!
وإذا ما أضيقت الدار للكتب ... تناسى السجين كل عذاب
стр. 339
ربيع السجن "١ "
يا لخطب عرى وهول فظيع ... روع النفس أيما ترويع
جاء فصل الربيع يختال عجبا ... وأنا لا أرى جمال الربيع
أنا في البيت لا أرى غير بيتي ... جعلوه سجني ولا من شفيع
لا أرى الروض حافلا بالأزاهير ... ولا النهر في خرير بديع
لا ولا العشب في الهضاب وفي ... السفح ولا الطير ساحر الرجيع
لا ولا أشهد المراعي وقد ... خف إليها القطيع بعد القطيع
والحياة تميس حسنا ... وبشرا كعروس محفوفة بالجموع
لا ترى في الربيع غير مزيح ... للهموم وللسرور مذيع
غير هذا السجين في البيت لا يشعر ... إلا بحسرة في الضلوع
يا ربيعا أغيب عنه سلاما ... من مشوق للعهد غير مضيع
إن يغب شاعر الربيع فمن ذا ... يتغنى إذن بحسن الربيع
ربيع السجن "٢ "
يا معنى هذا الربيع أطلا ... بعد عام تحياه في الدار كلا
لم نقدم نفعا ولم تسد خيرا ... لشقي من بؤس دنياه ملا
عاد والبلبل المغرد ما زال ... سجينا يلقى هوانا وذلا
إن يغرد فليس يسمعه إلا ... اثنتان من أهله ليس إلا
زوجة وابنة أو المنزل العابس ... مذ صار للشقاء محلا
стр. 340
عاد فصل الربيع يختال عجبا ... ناشرا من بدائع الحسن ظلا
غير أن الربيع عاد غريبا ... في وجود يشكو اكتئابا وثكلا
التآخي قد صار بغضا وحقدا ... والتهادي قد صار بطشا وقتلا
وبلاد الإسلام ذل بها الإسلام ... والعز في بنيها اضمحلا
والسجايا التي بها العرب سادوا ... قد توارت وكل مجد تولى
لم يعد للربيع في النفس سحر ... إنه لم يعد كما كان قبلا
الربيع الذي له النفس تهفو ... حسنه من نفوسنا يتجلى
كيف تهفو نفوسنا لربيع ... يجد الأخ عن أخيه تخلى؟
بل يرى الأمر جاوز الحد إذ فيه ... الشقيق دم الشقيق استحلا
ربيع ولكن !!!
ربيع ولكن لم أشاهد محياه ... ولم تكتحل عيني أخيرا بمرآه
أتى وأنا في البيت رهن إقامة ... برغمي لأني قلت ما قاله الله
ومن كان مثلي لا يبارح بيته ... فأي ربيع داخل البيت يلقاه
أنا الطائر المحبوس في القفص الذي ... أعد لكي يبقى مدى الدهر سكناه
وما ذنبه إلا رخامة صوته ... أيجزى بشر من يك الخير مأتاه؟
وذا مثل الداعي إلى الخير لا يرى ... معينا عليه بل يحارب مسعاه
ولا سيما في عصرنا إذ طغت به ... أنانية معشوقها المال والجاه
سأنظم شعرا فيك يخلد ذكره ... وإن فات قلبي فيك ما يتمناه!
بدون ربيع يفقد الكون حسنه ... فما الحسن إلا اسم وأنت مسماه
стр. 341
مقدم الصيف
تتوالى الفصول فصلا فصلا ... وأنا قد فصلت عنهن فصلا
لا أرى جنة الربيع ولكن ... بجحيم الحرمان والبعد أصلى
وأتى اليوم موكب الصيف لكن ... لا أرى حسنه كما كنت قبلا
أنا في البيت مثل آنية البيت ... أريد نقلا فأمنع نقلا!!
قلت ماذا أذنبت حتى ألاقي ... ما يلاقيه مذنب ساء فعلا
هل سرقت أو هل قتلت عظيما؟ ... خبروني فإنني ازددت جهلا
قيل لي: قد نصحت والنصح ذنب ... عندنا يستحق أهلوه قتلا!!!
قلت: إني أريد موتا لأني ... عفت عيشا به أجرع ذلا!!!
والحياة في ظل حكم بلا عدل ... هي الموت بل أرى الموت أولى
стр. 342
الخريف يستهل
الخريف قد استهل وما زلت ... ببيتي رهين حكم جائر
أسأبقى مدى الحياة سجين البيت ... لا أجتلي جمال "الجزائر"؟
وأنا من بناتها ومربي ... نشئها البر من أديب وشاعر
كيف لا يسكن البلاد بنوها ... من أقاموا لها عظيم المفاخر؟
وبها يسكن الألى حاربوا ... أمجادها ومحرريها الأكابر
أفأبقى ألقى القطيعة والحرمان ... في موطني الجميل الساحر؟
كيف جاز لمن به قد تولى ... الحكم أن يسجن البريء الطاهر؟
كيف يرضى "عبد اللطيف" ... و"عباس" بشيء يشين وجه "الجزائر"؟
وهما من حمى حماها ومن شاد ... علاها وووثوها المآثر
كيف يرضى "عبد اللطيف" و"عباس" ... بأن يأتي الكبار الكبائر؟
سوف يأتي يوم به تتجلى ... واضحات حقائق وسرائر
وبه يظهر المحق عيانا ... وعلى من بغى تدور الدوائر
стр. 343
غياب فيه حضور
لئن غبت عنكم ولم أحضر ... فما غاب سمعي ولا بصري
فعيني ترى من خلال الكتاب ... ما لا يرى الناس بالمجهر
وأذني تعي كل ما تشتهي ... بواسطة الهاتف المخبر
وفكري يحلق في كل أفق ... ويأتي بكل جنى مسكر
فهل بلغ الظالمون الذي ... أرادوه بالرائد المبصر؟
وهل ربحوا وغدا خاسرا ... وهل ظفروا وهو لم يظفر؟
وكيف من النقص يأتي الكمال؟ ... ويثمر ما ليس بالمثمر؟
وهل يكرم الله حزب الضلال ... ويبخل عن حزبه الخير؟
ولا ينصر الله أهل الفساد ... ومن يخذل الحق لا ينصر
فخاب الطغاة وفاز الهداة ... ومن ربح الحق لم يخسر
стр. 344
علام ؟
علام كفرت إحساني ... وجاهرت بعدواني
وحرضت على قتلي ... وقاتلت مع الجاني
وكيف تقابل الإحسان ... والخير بكفران؟
فهل تصنع ما تصنع ... مدفوعا بإيمان؟
أو أنك آخذ فيما ... فعلت بنص قرآن؟
أو أن الأمر لا يعدو ... وشاية حاقد شاني؟
وما أسرع مسعاة ... الوشاة لنسف بنيان!!
وتفتيت لطاقات ... وتشتيت لإخوان!!
وتقريب لأشرار ... وتخريب لعمران
فراجغ ما عزمت عليه ... من إثم وعصيان
وعوضه بما يحسن ... من خير وإحسان
ولا تسمع لوسواس ... لإنس أو لشيطان
فما أكثر ما يروى ... سوى كذب وبهتان
ألا فاحرص على الربح ... وجانب كل خسران
وخير الربح نفع الناس ... في سر وإعلان
فلست بغير إفضال ... وإحسان بإنسان
стр. 345
نصحتك فعاقبتني !
نصحتك إحسانا فعاقبتني ظلما ... وغشك أقوام فأوسعتهم حلما
وما هكذا الأخلاق والدين والحجى ... أترضى بأن تحيا ولم تستفد علما؟
وكنت حريا أن تكرم ناصحا ... ... وتطرد غشاشا وتوسعه ذما
ولكنني أشكو إلى الله أننا ... نعيش بعصر يؤثر الحرب لا السلما
إذا بلد لم يحترم أوفياؤه ... وساد به الأنذال فارض له الهدما
عجبت لنفسي
عجبت لنفسي كيف جرت على ... نفسي وأذللتها طوعا لمن سرهم حسبي
يبيتون حراسا علي وإنني ... لأحبوهم مما حبوت به نفسي
ولا عجب إن كنت أحسنت للذي ... تعمد إيذائي وشارك في تعسي
"فأحسن إلى من قد أساء" شعار من ... أراد مقام القرب من حضرة القدس
فيحظى برضوان الإله وقربه ... ويمسى غنيا عن معاشرة الإنس
وفي صلة الإنسان بالناس وحشة ... وخلوته بالله مجلبة الأنس
ولم أجن ما يقضي بحسبي وإنما ... دعوت إلى الإسلام بين بني جنسي
وهل يأمر الإسلام إلا بما به ... خروج بني الإنسان من حماة الرجس؟
وإن كان ذنبا أن ندين بديننا ... فحالتنا -والله- تدعو إلى اليأس
وماذا استفدنا من تحرر أرضنا ... سوى بيعنا الإسلام بالثمن البخس؟
стр. 346
فراغ الوقت
أأفقد حريتي بعدما ... قضيت حياتي حرا طليقا؟
وأصبح في البيت طيرا سجينا ... ويصبح بيتي الفسيح مضيقا
وأسمع "الله أكبر" لكن ... إذا رمت تلبية لن أطيقا
وأحرم لقيا الصديق فلا ... صديقا يؤانسني أو رفيقا
وإني أرى كل دنياي سجنا ... رهيبا إذا ما عدمت الصديقا
وما عاد يسمع لي مسجد ... كلاما مضيئا ينير الطريقا
فيكربني ضيق صدري أسى ... وكيف لمثلي أن لا يضيقا
وكيف تصير حياتى فراغا ... وبالجد كانت خضما دفيقا
أعني إلهي على ما قضيت ... لأغدو لما قد قضيت مطيقا
فراغ البال
كنت أرجو الفراغ في الوقت حتى ... يتأتي للفكر جمع اللآلي
فإذا بي في السجن أظفر بالوقت ... ولكن بلا فراغ البال
لا يفيد الفراغ في الوقت إن لم ... يفرغ البال من أسى ونكال
فمتى يجد المفكر يا رب ... خلاصا من خيبة الآمال؟
стр. 347
ذكرى الميلاد في البيت
ذكراك يا خير البرية عيد ... وأنا عن العيد السعيد بعيد
إذ أنني في البيت مشلول الخطى ... قيدت عما أشتهي وأريد
حقا أنا في البيت لا في مسجد ... للآي في جنباته ترديد
وكسته ألوان العبادة بهجة ... وتجاور الإنشاد والتجويد
والناس في أنس وفيض مسرة ... مثل الغصون مع النسيم تميد
وأنا الوحيد رهين بيتي في أسى ... ينمو وحب للنبي يزيد
لست الملوم على تخلفي الذي ... فيه اعتراني الهم والتسهيد
لا ذنب لي إلا نصيحة أمتي ... والنصح فرض -كالجهاد- أكيد
يا ليلية الميلاد تيهي وافخري ... وليهنك التمجيد والتخليد
فيك استبان النهج وانتشرالهدى ... والشرك أدبر وازدهى التوحيد
стр. 348
السجين جار المسجد
وجار لبيت الله قضى حياته ... بغشيان بيت الله للصلوات
قضى الله أن يمسي ويصبح هاجرا ... له وهو لا يخلو من الحسرات
يرى الناس يغشون المساجد دائما ... وبالرغم منه يهجر الجمعات
فيشكو إلى الله العليم بجاله ... وتختنق الآهات بالكلمات
فإن كنت يا ربي قضيت بشقوتي ... فما لي مفر من شقاء حياتي
ولكن جار الأكرمين ممنع ... وإن مسه ضر فخير أساة
وقد مسني ضر وفضلك واسع ... وقد قل أنصاري وغاب حماتي
فلا تخلني من فضلك الجم واكفني ... خيانة إخواني وكيد عداتي
стр. 349
السجن في الدار
عرفت السجن في السجن ولم أعرفه في الدار ... فإن أخرج من السجن فلم أخرج من الدار
ولا أشكو من الله ولا من حكمه الجاري ... ولكن من أخي الإنسان ذاك السبع الضاري
وحاشا سبع الغابة أن يصبح إنسانا!!! ... فما في حيوان الغاب من يأكل إخوانا!!!
وأشكو جدب هذا الكون من حرية الفكر ... فلا قيمة للإنسان يقضي العمر في الأسر!!!
ورغم دعاية الناس ورغم الواقع المر!! ... فلا تعرف دنيانا وجود الرجل الحر
السجن والقرآن !!
لجأت إلى القرآن في وحشة السجن ... فلا نور كالقرآن في ظلمة الحزن
فإن كلام الله يحيي قلوبنا ... حياة موات الأرض من صيب المزن
وإن كلام الله يشفي نفوسنا ... لدى الخوف والبأساء بالأنس والأمن
وهل ككلم الله أعظم نعمة ... على الناس نقضي باليقين على الظن؟
ولا ينفع القرآن دون تدبر ... كما لا يخاض البحر إلا على السفن
وفي السجن جو للتدبر صالح ... وهل من فراغ للتدبر كالسجن؟
стр. 350
عاد الخريف
عاد الخريف ولم تعد حريتي ... حريتي هي كل ما أتطلب
أطلقت من حبسي ولكن لم أزل ... متعقبا أنى أسير وأذهب
ذنبي العظيم حماستي لعقيدتي ... إن مسها سوء أثور وأغضب
والدين أفديه ببذل حشاشتي ... أسعى لما يحمي علاه وأدأب
ليعود دستور البرية كلها ... فهو الشفاء لما به تتعذب
هل كان هذا الدين إلا ثورة ... شع ألسنا منها وزال الغيهب
في الدين تأمين الحياة من الأذى ... وهل الحياة بغير دين تعذب؟
أنا مؤمن بالله لست منافقا ... أنا ثابت كالطود لا أتذبذب
فليرتدع من ظل يرقب غفلتي ... قلبي بحول الله لا يتقلب
من كان مأرب نفسه دنيا بلا ... دين فمالي غير ديني مأرب
стр. 351
هل يسجنون الكلام
سجنت وهل يسجنون الكلام؟ ... وإن كان سجني يسر اللئام!!
فقد سجن الأنبياء الكرام!!! ... وهل يبغض النور إلا الظلام؟
سجنت ولكنني ما جزعت!!! ... لسجني ولكنني قد صبرت!!
وبالله فيما أصبت اعتصمت! ... فليس بغير الإله اعتصام!
سيمضي نهار ويأتي نهار ... وينتصر الحق أي انتصار
ويندحر الظلم أي اندحار ... ويمضي البلاء ويأتي السلام
فلا يطمئن دعاة الظلام ... ولا يقنطن هداة الأنام
سيعقب هذا العبوس ابتسام ... فما لانحراف الطريق دوام
حب التسلط
بيتي الذي قد بناه الله لي سكنا ... قد صار سجنا يثير الهم والحزنا
وذاك فعل بني الإنسان إن لهم ... مصالحا جعلوها بينهم وثنا
ضحوا بكل نفيس في الوصول لها ... وصار كل قبيح عندهم حسنا
منها التسلط كم من أرؤس قطعت ... من أجله وبلاد أصبحت دمنا
وكم أهاج حروبا غير عادلة ... أفنت شعوبا كم قد أحجثت فتنا
حب التسلط ضعف شل قوتنا ... ولم يدعنا نحب الله والوطنا
стр. 352
أهكذا تمر الحياة ؟؟
أتمر الحياة بي هكذا مملولة ... ما بها نهار جديد؟
تلك حال السجين تشتبه ... الساعات فيها فكل ماض يعود
منظر واحد فأيامه مثل ... لياليه حالكات سود!!!
أنا ميت والبيت قبري فهل ... أخشى من الموت إذ حياتي همود؟
لي حنين إلى الحياة وهل يطلب ... ما هو حاضر موجود؟
واشتياق إلى صديق وفي ... يطرد الهم خلقه المحمود
والحياة التي أحن إليها ... هي تلك التي تبني وتشيد
هي تلك التي يسارع فيها ... كل أبنائها إلى ما يفيد
ليت حريتي تعود فأسعى ... في اجتناء ما ابتغي وأريد
قد سعينا وما أتينا بشيء ... في حياة هناؤها مفقود!!
أو تدب المنون في جسمي ... الفاني فينحل هيكلي المهدود
والنعيم الذي ننافس فيه ... كل يوم منغص محدود
стр. 353
أفداح ما لقيت !!
وأفدح ما لاقيت من عنت الدهر ... فراقي لأبنائي الألى رفعوا فدري
هم أودعوا سجنا وأفردت دونهم ... سجينا ببيتي مكمدا عادم الصبر
فهم بين أنس واجتماع وألفة ... وبين حوار منعش كشذا الزهر
ولكنني ما بين هم ووحشة ... وشدة آلام يضيق بها صدري
ويحسدني من ليس يدري على الذي ... أكابده من محنة السجن والأسر
أيحسدني من ليس يدري على الذي ... يضيق به صدري ويشقى به عمري؟
أيحسدني من ليس يدري لأنني ... مقيم ببيتي أشتكي وحشة القبر؟
فيا رب إني رغم بؤسي ووحشتي ... رضيت بما ترضاه يا كاشف الضر
ولاسيما إن كان يوقظ أمتي!! ... وينصر دين الله في السر والجهر
وما نحن إلا من وسائل نصره ... ولا خيرفينا إن قعدنا عن النصر
خواطر ...
بقيت في منزلي للحبر والورق ... فما اهتمامي بأمر الخبز والمرق
لزمت بيتي وهل في غيره عوض ... عنه إذا كانت في ضيق وفي قلق
وعفت دنيا خلت مما يسر به ... ولم تزل بؤرة للزيف والملق
وهل أرى مثل بيتي في سكينته ... سلامتي من أذى الأسواق والطرق
ما بين ورقي وكتبي و"عائشة" ... ابنتي جمعت الوفاء والأنس في نسق
стр. 354
العيد الحزين
يمرالعيد بي وأنا سجين ... بيتي لا أزار ولا أزور
ومن نكدي منعت حضور صحبي ... وحول الباب حراس حضور
لأني قلت: شرع الله حق ... وشرع الخلق بهتان وزور
إذا لم ينتشر عدل وأمن ... نكاثرت المفاسد والشرور
وأظلمت النفوش وغاض منها ... رضاها وانطفى منها الحبور
ويوم العيد يفرح كل قلب ... ولا عجب إذا عم السرور
فعيدان لنا عيد صغير ... ويأتي بعده عيد كبير!!!
ونحن اليوم في عيد كبير ... ولكن شأننا شأن صغير
وهل يبقى لعيد أي معنى ... وبين ربوعنا قلب كسير؟
إذا لم تبتسم منا قلوب ... فلا جدوى إذا ابتسمت ثغور
стр. 355
بكيت على عمري
بكيت على عمري يضيع بلا نفع ... وعمري الذي قد ضاع أغلى من الدمع
وماذا يفيد الدمع من ضاع عمره ... وهل تنفع الألحان منعدم السمع؟
فيا فتية الإسلام جدوا لتربحوا ... شبابكم قبل الذهاب بلا رجع
فإنا خسرنا إذ خسرنا شبابنا ... فكل عطاء بعده غير ذي نفع
ولا تنسوا اليوم الذي فيه نلتقي ... بأعمالنا يوم التغابن والجمع
فذلك يوم لا يرى الناس مثله ... فكم فيه من خفض وكم فيه من رفع
ففيه يعز الله أنصار دينه ... ويكرمهم فيمن يودون بالشفع
وفيه سيلقى الظالمون جزاءهم ... من الخزي والضرب المبرح والصفع
فيا من تناسى ذلك اليوم إنه ... لأعظم يوم للعطاء وللمنع
ألا أكرموا الإسلام كي تكرموا ... به فإكرام دين الله من كرم الطبع