← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96337

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محمود شكري الألوسي

Полный текст (641 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إذا كان يغسل رجليه من أول الأمر إلى أن قضى نحبه لا يجوز المسح، فالذين كانوا يلازمونه بالعشي والأبكار ولا يفارقونه آناء الليل وأطراف النهار ويأخذون الوحي عنه غضا طريا، وكان كل منهم عن الخلاف بريئا منه، كيف يخالفون فعل نبيهم ﵇ وقد وعدهم الله تعالى الخلود في دار السلام. ومحمد بن جرير المذكور هو محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الشيعي صاحب الإيضاح والمسترشد في الإمامة، لا أنه محمد بن جرير بن غالب الطبري أبي جعفر صاحب التفسير والتاريخ الكبير من أهل السنة، فإنه لم يذكر في تفسيره إلا الغسل. هذا وعزو المخالفة إلى من لا يجوّز المخالفة أصلا بل يكفر المخالف افتراء منشأه العصبية والعناد، فإن حمل إعرابه على ما نص على جوازه عيون أئمة العربية، وليس من المخالفة في شيء، إنما المخالفة في إنكار كثير من كلماته كرم الله تعالى وجهه ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ و ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، و ﴿أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني والسادس. وفي ترك العمل بما دل عليه النص، وذلك في مذهب القوم كثير جدا كتخصيص الابن

стр. 107

الأكبر للميت بسيف أبيه ومصحفه وخاتمه وثياب بدنه إن ترك مالا سواها، وعدم توريث الزوجة من الأرض والعقارات والدور والسلاح والدواب، فإن القرآن دل عل التوريث مطلقا، والتخصيص مخالفة. وقد اعترف ابن المطهر الحلي في المختلف بتكفير الصحابة من المهاجرين والأنصار مع أن القران ناص على أنهم مؤمنون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. إلى غير ذلك من المخالفات. والرافضة يعيبون أهل الحق بعيوبهم، والمرء يولع بالذي يتعود. السادسة عشر: إنهم يقولون إن مذهب أهل السنة مخالف للنبي ﷺ ، كتحريم المتعة وقد أباحها النبي ﷺ ، وصلاة الضحى وقد روي عن عائشة أنها قالت: صلاة الضحى ما صلاها النبي ﷺ . وهذا أيضا من مفترياتهم، فإن المتعة قد نهى رسول الله ﷺ -

стр. 108

بعد أن أباحها لجنوده خاصة في بعض الغزوات كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وأما صلاة الضحى فقد صلاها النبي ﷺ . أخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح والطبراني في الدعاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت بصلاة الضحى. وأخرج مسلم وأحمد وابن ماجه عن معاذة بنت عبد الله: سألت عائشة: كم كان يصلي رسول الله ﷺ صلاة الضحى؟ قالت: أربع [ركعات] ويزيد ما يشاء. وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس قال النبي ﷺ : "صلاة الضحى ست ركعات" إلى غير ذلك من الأخبار.

стр. 109

قال الشيخ ولي الله العراقي: ورد في صلاة الضحى أحاديث كثيرة مشهورة، وقال محمد بن جرير الطبري: قد بلغت الروايات في صلاة الضحى مبلغ التواتر المعنوي. وما ورد في النفي فهو خبر واحد له معارضات، وشهادة الإثبات تهدم دجى النفي، ورواية النفي لا تقاوم أخبار الإثبات لكثرتها. ولو كان العمل بأحد الخبرين المتعارضين بسبب ترجيح أحدهما على الأخر مخالفة، فهو في مذهبهم أكثر من أن يحصى، فإن جميع آثارهم متعارضة كما سيجيء إن شاء الله تعالى. والمخالفة إنما هي في مذهبهم كترك صلاة الجمعة والجماعة وطهارة الودي والمذي وعدم انتقاض الوضوء من خروجه وطهارة البول بعد نثر الذكر ثلاثا وجواز الصلاة مع خروجه وسيلانه إلى الساق، إلى غير ذلك. وسيجيء نبذة عنه إن شاء الله تعالى. السابعة عشر: إنهم يقولون إن أهل السنة شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، كالعمل بالقياس. وهذا أيضا باطل وزور، فإنه قد تواتر عن أهل البيت والصحابة أنهم يقيسون، وأن النبي ﷺ أجاز لهم ذلك، وروت الزيدية عن أهل البيت جوازه. وجوزه من الإمامية أبو نصر هبة الله بن أحمد بن محمد وتابعوه، وهم الثالث عشرية، لما سنح لهم من الدلائل القاطعة من الروايات الصحيحة عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم.

стр. 110

وروت الفرقة الاثنا عشرية عن أمير المؤمنين ما ينص على أنه كان يقيس وعن غيره من الأئمة جوازه. من ذلك ما رواه أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن أبي جعفر محمد الباقر أنه جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: توجبون عليه الحد ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟ إذا التقى الختانان وجب الغسل. فإنه كرم الله تعالى وجهه قاس الغسل بالحد، وليس هذا من طريق الأولوية كما زعموا بناء على أن المجامعة بدون الإنزال إذا كان لها تأثير في أقوى الشقين -أي حد الزنا- كان لها تأثير في ضعفها بطريق الأولى، فإن السحق يوجب التعزير عند أهل السنة والحد عند الإمامية، ولا يوجب الغسل بالاتفاق. واللواطة وإن كانت إيغابا يحد عند فرقة من أهل السنة والإمامية، ويعزر عند غيرهم، ولا يجب على اللائط الغسل إن لم ينزل عند الإمامية. والمباشرة الفاحشة مع الأجنبية توجب أحد الأمرين ولا توجب الغسل. والأجنبيتان إذا وجدتا في إزار واحد عزرتا ولا يجب الغسل. وقولهم إن الروايات المذكورة توافق العامة فيجب طرحها من فرط العصبية والعناد، وهو يناقض قولهم إن المختلف فيه يطرح للمتفق عليه. وما رووه عن أهل البيت أنهم قالوا إذا ورد منا حكمان مختلفان: "خذوا بما خالف العامة ودعوا ما وافقهم" افتراء.

стр. 111

وقد اعترف شارح مبادئ الأصول الحلي أن الصحابة كانوا يقيسون، وخصص قياسهم ببعض أنواعه، ولم يجد به نفعا. وأجاز الباقر والصادق وزيد بن علي وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي الأخذ عنهم الفقه والحديث والقياس. وتفصيل دلائل جوازه وإبطال ما استدل به المنكرون في كتب الأصول. الثامنة عشر: إنهم يقولون إن مذهب أهل السنة باطل ومذهب الإمامية حق، ويستدلون عل ذلك بأن الاثني عشرية قليلون وأهل السنة كثيرون، وقد مدح الله تعالى القليلين فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وهذا أيضا باطل لأن الله تعالى نص في كتابه على أن أصحاب اليمين من هذه الأمة كثيرون، فقال عز من قائل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، وأن الله تعالى إنما يمدح كثير الشكر والذين يعملون جميع الصالحات، فإن صدر الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولا شك أن الشكور بالنسبة إلى الشاكر وغير الشاكر، والذين يعملون الصالحات بالنسبة إلى من يعمل بعض الصالحات والذي لا يعمل شيئا منها، في غاية القلة، ولم

стр. 112

يمدح من عقيدته حقة. وذلك بين لا سترة فيه، ولو كانت القلة توجب الفضل لكان الحق مذهب الزيدية أو الناصبة أو الأفطحية أو الناوسية من الإمامية وغيرهم. التاسعة عشر: إنهم يؤلفون كتبا في إبطال مذهب أهل السنة وذكر مثالبهم ومطاعن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، وقد ألف جماعة منهم كالمرتضى وابن المطهر وابنه ومحمد بن الحسن الطوسي وسبطه ابن الطاوس وابن شهر آشوب السروي المازندراني وغيرهم، وأكثرهم تأليفا فيها ابن المطهر الذي هو أجهل من أبي جعدة، والمشهور منها منهج الحق ومنهاج الكرامة والألفين. وقد ردها فحول علماء أهل الحق، لا سيما شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية روح الله تعالى روحه في جنات النعيم.

стр. 113

والحلي هذا كان عندهم من العلماء المشار إليهم بالبنان، مع أنه أجهل من ابن يوم، كما يلوح من ظاهر عباراته. ومن طالع كتابه الذي سماه بالألفين -وهو كتاب مشحون بالأكاذيب والاستدلالات التي لا يخفى بطلانها على أحد- يتبين له صدق ما ذكرنا. العشرون: إنهم يقولون إن الخلفاء الثلاثة حرفوا كتاب الله وأسقطوا منه آيات وسور كثيرة في الأحكام وفي فضائل أهل البيت والأمر باتباعهم والنهي عن مخالفتهم ووجوب محبتهم وذكر أسماء أعدائهم، ومن ذلك سورة الولاية، وهي بزعمهم سورة طويلة ذكر فيها ولاية أهل البيت وفضائلهم، وأن منها أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون. وقد أضلوا بهذه المكيدة كثيرا من الناس، والأمر لله تعالى. وهذا أيضا من افترائهم وتزويرهم، إذ كيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وسيجيء إن شاء الله تعالى إبطال هذا القول الباطل بحيث لا يبقى قول لقائل.

стр. 114

الحادية والعشرون: إنهم يقولون إن ابن بابويه روى عن ابن عباس وغيره من طرق متعددة عن النبي ﷺ قال: "لا يعذب الله من والى عليا". وهذه أيضا مكيدة عظيمة، إذ فيها سهولة وراحة توجب ميل الجهلاء إليها. وهذا القول أيضا باطل لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. الثانية والعشرون: إنهم ينقلون عن التوراة: "أن الله تعالى قال فيه بمادماد اثنا عشر أوصياؤه خلفاؤه بعده أولهم إيليا ثم قيذور ثم إبربيل ثم مشغور ثم مسهور ثم مشموط ثم رومر ثم اهزار ثم تيمور ثم نسطور ثم نوقش ثم قديمونيا".

стр. 115

وهذا أيضا من أكذوباتهم، فإنه ليس في التوراة التي عند القرائين علماء اليهود -كنى بهم عن علماء الرافضة منهم- ولا في التوراة التي عند النصارى، ولا في التوراة المنقولة من العبرانية إلى العربية. وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ينكرون ذلك. وذكر بعض علماء الرافضة أنه سمع ذلك عن بعض علماء أهل الكتاب، فإن صح ذلك فلا يوثق به، فإنهم لا يزالون يبذلون جهدهم في تشتت كلمة أهل الإسلام وتفريق جماعتهم وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم. ومن ينكر نبوة الخاتم كيف يعترف بذلك ويتفوه بما يفحمه عند الخصام، فهل هذا إلا من كذبات أحد الفريقين، أهل الكتاب أو الرافضة، وليس في الكلام ما ينص أو يشير إلى أن أوصيائه من أهل بيته، مع أنه لا يدل على المدعى كما لا يخفى على أولي النهى. الثالثة والعشرون: إن عصبة من علمائهم أظهروا أنهم من محدثي أهل السنة، بعد انتحال علم الحديث وسماعه من ثقاتهم وحفظ أسانيدهم، وملازمة التقوى والورع ليستيقن الطالب أنه منهم، فيأخذ عنه الحديث وهو يروي الأحاديث الصحاح والحسان، وقد يروي بإسناد صحيح ما وضعه من خبر يوافق مذهبه مثل جابر الجعفي، وقد انخدع بعض الثقات من

стр. 116

المحدثين فروى أخبارا لم يتفرد هو بها كالترمذي وأبو داود والنسائي. ومثل أبي القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي، فإنه كما ذكر الشيخ النجاشي: شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها. وقد قيض الله تعالى لها رجالا ميزوها وعرفوها لظهور آثار الوضع عليها من غرابتها ومخالفتها لصحيح الأخبار. الرابعة والعشرون: إنهم وضعوا أخبارا زعموا أنها مأثورة عن أهل البيت في مثالب الصحابة، مثل أنهم نبذوا وصية النبي ﷺ في أهل ببته وراء ظهورهم وارتدوا عن دينه، وأن أهل البيت مظلومون ظلمهم الخلفاء ومن بعدهم وغصبوا حقهم، وأن غاصبهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأن محبيهم معهم في النار، وأن محبي أهل البيت وشيعتهم مع النبي وآله في مقعد صدق

стр. 117

عند مليك مقتدر. فينخدع بها من ران على قلبه ما كان يعمل، فعمي عن سواء السبيل وضل، وسيجيء إن شاء الله تعالى إبطال ذلك. الخامسة والعشرون: إنهم يضعون أخبارا تؤيد مذهبهم، مثل أن النبي ﷺ كان يقول: "إن أولي العزم من الرسل كانوا يتمنون أن يكونوا من شيعة علي". السادسة والعشرون: إنهم ينقلون أخبارا عن بعض كتب أهل السنة، مما رواه بعض محدثيها عن رجل يشاركه فيه غيره، في اسمه أو لقبه أو كنيته أحدهما صدوق والآخر كذاب، وترك ما يميز به أحدهما عن الآخر ليعلم أنه صحيح، كالسدي فإنه مشترك بين رجلين: أحدهما الكبير والآخر الصغير، والأول ثقة والآخر كذاب وضاع رافضي، فينخدع بذلك بعض من ليس له رسوخ في العلم.

стр. 118

السابعة والعشرون: إنهم يفسرون بعض آيات القرآن وكلماته بما يوافق مذهبهم، وعزوا ذلك التفسير إلى أئمة أهل البيت افتراء عليهم، كتفسير الرب بعلي والمؤمن بشيعته، والكافر بأهل الحق، والمنافق بكبار الصحابة، وغير ذلك. الثامنة والعشرون: إنهم ينقلون ما يدل على مطاعن الصحابة وما يستدل به على بطلان مذهب غير الرافضة عن كتاب يعزون تأليفه إلى بعض كبراء أهل السنة، وذلك الكتاب لا يوجد تحت أديم السماء. التاسعة والعشرون: إنهم ينقلون أخبارا دالة على مطاعن الصحابة عن كتب عزيزة الوجود لأهل السنة، ليس في تلك الكتب منها أثر، وبفرض أنها موجودة فبمخالفتها للأحاديث الصحاح لا يعتد بها. والأردبيلي أكثر ما ينقل في كشف الغمة من هذا القبيل، وكذا الحلي في

стр. 119

الألفين وابن طاووس وغيرهم. الثلاثون: إنهم يقولون إن أهل السنة يبغضون أهل البيت. وهذا من مفترياتهم الواضحة وأكاذيبهم الفاضحة، فإن أهل السنة أجمعوا على أن محبة ذوي القربى واجبة على كل مسلم مسلمة، ورووا في فضائلهم عن النبي ﷺ ما رووا، حتى إن صلاتهم لا تتم إلا بالصلاة عليهم رضي الله تعالى عنهم. الحادية والثلاثون: إنهم يقولون إن عمر بن الخطاب حرق بيتا فيه سيدة النساء والحسن والحسنين وسادات بني هاشم، ورضي بذلك أبو بكر والصحابة، وأنه ضرب بمقدم سيفه بطن الزهراء حتى أسقطت ولدا كان في بطنها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة. وهذا أيضا من أقبح مفترياتهم وكذبهم، بل فيه طعن بأهل البيت ورميهم بالجبن، إذ أقل العرب تأبى غيرته ذلك، فكيف بأبي الحسنين كرم الله تعالى وجهه وصناديد بني هاشم يسكتون عن مثل ذلك؟ ولكن الرافضة قاتلهم الله تعالى لما عدلوا عن سواء

стр. 120

السبيل عادوا يخبطون خبط عشواء. الثانية والثلاثون: إنهم يستدلون على أن مذهب الشيعة أحق بالاتباع بأنهم يتبعون أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ويتمسكون بهديهم، وغيرهم لا يتبعون، فالشيعة هم الناجون، وباقي الفرق هالكون، وخبر السفينة المتفق عليه ينص على ذلك. وهذا أيضا كذب وزور ودون إثباته خرط القتال. بل الأحق باتباع أهل البيت هم أهل السنة، فإن فقهاءهم أخذوا الفقه عنهم كما سيجيء إن شاء الله تعالى، والشيعة يقتدون بالكذابين الذين يفترون عليهم الكذب، كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى. الثالثة والثلاثون: إنهم يذكرون حكايات مكذوبة. من ذلك ما يحكون أن جارية سوداء حضرت مجلس الرشيد، وأخذت تكلمه في المذاهب وتذكر فضائح كل مذهب ومطاعن أهله، وتمدح مذهب الشيعة وأهله وتثبت أحقيته بالدلائل القاطعة من غير اكتراث بأحد، وكان مجلس الرشيد غاصا بالعلماء، فلم يقدر أحد منهم على إفحامها ولم يتمكن من إبطال دلائلها، فاستحضر الرشيد فحول علماء البلد، فحضر جم غفير منهم أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة ونظراؤه، فناظرتهم جميعا فأفحمتهم. فيا للعجب من هؤلاء الذين افتروا على الله الكذب كيف يسوغ لهم ذكر مثل هذه

стр. 121

الحكاية التي لا يخفى كذبها حتى على الصبيان، ولا بدع في ذلك فإنهم كلهم أبناء متعة وأولاد زنا، فلا يأنفون من عار ولا يستحون من فعل كل قبيح، بحكم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». الرابعة والثلاثون: إنهم يؤلفون بعض الكتب في إبطال مذهب أهل الحق وإثبات مذهب الرافضة وينسبونه إلى امرأة قليلة الممارسة بالعلوم ويشيعون أن علماء الفرق المخالفة عجزوا عن رده وإبطاله، وكتاب الحسنية الذي ألفه المرتضى وعزاه إلى جارية من جواري أهل البيت من هذا القبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. الخامسة والثلاثون: إنهم يؤلفون بعض الكتب في إبطال مذهب أهل السنة وإثبات مذهبهم ويعزونه إلى بعض أهل الذمة. ومن ذلك الكتاب المعزى إلى يوحنا بن إسرائيل الذمي، وهو رجل مجهول لا يعرف، والكتاب قد ألفه المرتضى وعزاه إلى الذمي وذكر في مفتتحه سبب تأليفه: "أنه لما نور الله تعالى قلبه بنور العقل تسارع إلى طلب ما هو الحق من الأديان حتى ظهر له بعد برهة من الزمان أن الحق مذهب الإسلام، لكنه رأى في أهله اختلافا كثيرا، فإنهم افترقوا فرقا كل فرقة تدعي أنها على الحق، وأن مخالفيها على الباطل، فجمع كتب كل فرقة وكتب مخالفيهم من الفرق الأخرى، وأمعن النظر فيما فيها من النفي والإثبات، فظهر له أن الحق مذهب الإمامية، فلما تبين له الرشد من الغي طفق يدور في مجامع العلماء حتى ساقه القضاء يوما إلى أعظم مدارس البلد وقد اجتمع فيه عظماء العلماء من سائر الفرق فجاءهم وقال لهم: يا جهابذة الحل والعقد إنه رجل نصراني كان يفتش عن الحق

стр. 122

منذ عرف اليمين من الشمال حتى ظهر له بالدلائل القاطعة أن الحق دين الإسلام، لكن رأى فيه اختلافا، وقال: إني أطلب الحق فمنّوا علي واهدوني، فنهض كل إمام من الفرق الأربعة يدعي أن مذهبه حق ومذهب مخالفيه باطل، فتنازعوا وتشاجروا وكثر الشغب وكاد أن تقوم الحرب بينهم على ساق فقال لهم لا تنازعوا واسمعوا مني ما ظهر من الحق لي فتركوا المشاجرة وقالوا هات ما عندك، فقال الحق من المذاهب الإسلامية هو الذي رفضتموه ورميتم أهله بالرفض - وذكر لهم مما سنح له من البراهين في إثبات مذهب الشيعة وإبطال غيره من المذاهب، فما فاه بكلمة واحدة أحد من العلماء، قال: ثم حررت ما جرى بيني وبينهم من البراهين في إثبات الحق وإبطال الباطل رجاء نيل الثواب يوم الحساب وأن يهدي به إلى الحق من أخطأ طريق الصواب". هذا وايم الله تعالى إن هذه عصبية ظاهرة من المرتضى وخدعة منه لا تخفى على أولي النهى، وإن كثرة الاختلاف هي في مذهب الرافضة، فإنهم اختلفوا في الأصول اختلافا كثيرا، حتى افترقوا إلى نيف وخمسين فرقة كما سلف، واختلفت كل فرقة منهم في الفروع اختلافا لا يحيط به الإحصاء. وأما أهل السنة فكانوا فرقة واحدة في الأصول، لم يكن بينهم اختلاف في أمهات المسائل الأصولية، ثم افترقوا بعد حين طويل فرقتين وما اختلفوا إلا في المسائل اليسيرة، وافترقوا في الفروع إلى أربع فرق واختلفوا في نيف وثلاثمائة مسألة من المسائل الاجتهادية. وقد اختلفت الإمامية في الفروع في أكثر من ألف مسألة مع وجود النص في أكثرها كطهارة الخمر ونجاستها، فإن كان في هذا الاختلاف مطعن فالكل مشتركون فيه، بل

стр. 123

هم أحق بها، وإن لم يكن فالقول السابق إنما نشا عن محض الجهل والغي، وأما الدلائل التي ذكرها الرجل في ذلك الكتاب فهي أوهن من بيت العنكبوت، وقد أبطلها علماء أهل السنة في كتبهم المؤلفة في هذا الباب، والله الهادي إلى سبيل الصواب. وقد ألف المرتضى كتبا أخرى مثل هذا الكتاب السابق ذكره مشحونة بالكذب والافتراء، وما ذاك إلا لشدة تعصبه وعناده على الباطل، عامله الله تعالى بعدله، ومع ذلك فقد لقبه أصحابه بعلم الهدى، وما دروا أنه علم الضلالة والردى، نسأل الله تعالى العصمة من الزلل، والتوفيق في القول والعمل. السادسة والثلاثون: إنهم يبطلون مذاهب أهل السنة بأخذها سرا بضرب من الحيل، كما أن رجلا من علمائهم الذين هم شياطين الأنس أظهر للناس أنه على مذهب بعض الفقهاء الأربعة كالشافعي مثلا، وألف كتابا في الفقه على مذهب ذلك الإمام وذكر فيه مطاعن المذهب صريحا، وأورد فيه ما يدل على بطلان مذهب الإمام الشافعي دلالة وإشارة، كأن يذكر مسألة ويستدل عليها بالقياسات التي ينكرها غيره من الفقهاء والمجتهدين مثل قياس الطرد، وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مطرد، وقياس الشبهة، وهو أن يكون بين الأصل والفرع مشابهة صورة في الأحكام الشرعية، وقياس المناسب، وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مناسب؛ فإن العلماء اختلفوا في كون هذه القياسات حجة.

стр. 124

والمتفق عليه هو القياس المؤثر، وهو أن يكون بين الأصل الفرع معنى مشترك. وأنكر أبو حنيفة كون القياسات المذكورة حجة إلا القياس المؤثر. وقال الشافعي كلها حجة. ويستعمل قياس الطرد كثيرا كقياس المطعومات بالممصوصات للمشابهة بينهما في الطعم، وإن لم يكن الطعم مؤثرا في الزيادة بالمقدار كالكيل والوزن، وكتحمل العاقلة قليل الجناية لمشابهتها للكثيرة، وقياس الخل بالدهن في عدم إزالة النجاسة لتشابهمها في الصورة، ثم يذكر الحديث الذي يخالف القياس ويجيب عنه بأنه متروك بالقياس، وقد طعن في غير موضع من الكتاب على من ترك العمل بالحديث لأجل القياس. وهذه المكيدة ينخدع بها من ليس له قدم راسخة في العلم. السابعة والثلاثون: إنهم يعزون بعض الكتب من مؤلفاتهم إلى بعض الأئمة من أهل السنة، وهو مشحون بالهذيانات والطعن على أهل الحق، كالمختصر الذي ألفه بعض هؤلاء الضلال وعزاه إلى مالك بن أنس أحد المجتهدين الأربعة، ومما ذكر فيه أنه يجوز للمالكي أن يلوط مع مملوكه لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن من طالع ذلك الكتاب من القاصرين ربما اغتر به. قال المؤلف (عليه الرحمة): وإني سمعت بعض من يدعي العلم من أهل أصفهان يعزو تلك المسألة إلى أبي حنيفة، مع أن ذلك كذب مفترى بين ظاهر لا يخفى على أولي النهى. ألا لعنة الله على الكاذبين.

стр. 125

الثامنة والثلاثون: إنهم يدسون في كتب أهل السنة من التفاسير والأحاديث وغيرهما ما يقدح في الصحابة ويؤيد مذهب مخالفيهم من الرافضة حتى يغتر بها من يراها. ولم يفدهم ذلك شيئا، لأن ما يدسون به إن كان من الكتب الصحيحة الشهيرة فلا يخفى على أحد ذلك، وإن لم تكن كذلك فلا اعتداد بها. التاسعة والثلاثون: إنهم يخونون في النقل، فإن جمعا من علماء فرقتهم الضالة قد ألفوا كتبا ونقلوا فيها من كتب أهل السنة ما يوافق مذهبهم ويخالف مذاهب أهل السنة، فيستدلون به على مدعاهم، وليس في الكتب المنقول عنها أثر. ومقصودهم من ذلك إيقاع القاصرين في وهدة الضلال، وأكثر ما أورده الأردبيلي في كتابه كشف الغمة من هذا القبيل، وكذا ما نقله ابن المطهر الحلي في كتابه الألفين ونهج الحق ومنهاج الكرامة. الأربعون: إنهم يؤلفون كتبا في فضائل الخلفاء الأربعة، ويذكرون ما ورد فيها من كتب أحاديث أهل السنة من الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء وإيراد بعض أخبار موضوعة في فضائل أمير المؤمنين مما يقدح في الخلفاء الثلاثة وينص على أن الإمام الحق بعد النبي ﷺ ابن عمه. فإذا رآه الغبي حسبه حقا، حيث يعتقد أن ذلك مذهب أهل السنة لما في ذلك الكتاب من فضائل الخلفاء ما فيه. ومثل هذه الكتب كثيرة، والله العاصم من مكر الشياطين.

стр. 126

الحادية والأربعون: إنهم ينقلون مسائل مفتراة على أئمة أهل السنة في كتبهم وهم براء منها، وذلك مثل جواز اللواطة مع المملوك ودخول الرجل أمه بعد أن يلف قضيبه بخرقة، فإن الأولى نسبوها إلى مالك بن أنس والثانية إلى أبي حنيفة. وقد أورد مثل هذه المسألة المفتراة على أهل السنة المرتضى وابن المطهر الحلي وابن طاووس. أقول: وقد رأيت في كتب ابن المطهر الحلي الذي رده شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية (عليه الرحمة) أنه قال: "ذهب بعض أهل السنة إلى أن الله تعالى ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكبا على حمار، حتى أن بعضهم ببغداد وضع على سطح داره معلفا في كل ليلة جمعة فيه شعيرا وتبنا، لتجويز أن الله تعالى ينزل على حماره على ذلك السطح فيشتغل الحمار بالأكل ويشتغل الرب تعالى بالنداء: هل من تائب، هل من مستغفر؟ "، تعالى الله عن مثل هذه العقائد المروية في حقه تعالى علوا كبيرا. قال: "وحكي عن بعض المنقطعين المباركين من شيوخ الحشوية أنه اجتاز عليه في بعض الأيام [نفاط] ومعه أمرد حسن الصورة قطط الشعر على الصفات التي يصفون ربهم بها، فألح الشيخ بالنظر إليه وكرره وأكثر تصويبه إليه، فتوهم النفاط، فجاء ليلا، وقال: يا أيها الشيخ رأيتك تلح النظر إلى هذا الغلام وقد أتيتك، فإن كان لك

стр. 127

فيه نية، فأنت الحكم فيه، فرد الشيخ عليه وقال: إنما كررت النظر إليه لأن مذهبي أن الله تعالى ينزل على صورته فتوهمت أنه الله، فقال له النفاط: ما أنا عليه من النفاطة أجود مما أنت عليه من الزهد مع هذه المقالة". انتهى ما هو المقصود من كلامه. فانظر بالله تعالى عليك هل يتصور ممن يعلم أنه سيقف بين يدي الله تعالى أن يفتري بمثل هذا الافتراء عل أهل السنة مع أن كتبهم لو فرشت على البسيطة لغطتها، ولكن الحلي خبيث النفس بلا شك ولا شبهة، فلذا لم يستح بنقل مثل هذا الافتراء ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد أحسن شيخ الإسلام قدس سره في الرد عليه فقال: "هذه الحكاية وأمثالها أمر دائر بين أمرين، إما أن يكون كذبا محضا ممن افتراها عل أهل بغداد وبعض الشيوخ، وإما أن يكون قد وقعت لجاهل مغمور ليس بصاحب قول ولا مذهب، وأدنى العامة أعقل منه وأوفق. وعلى التقديرين فلا يضر ذلك أهل السنة شيئا، لأنه من المعلوم لكل ذي علم إنه ليس من العلماء المعروفين بالسنة من يقول مثل هذا الهذيان الذي لا يخفى بطلانه على صبي من الصبيان، ومن المعلوم أن العجائب المحكية عن شيوخ الرافضة أكثر وأعظم من هذا، مع أنها صحيحة واقعة. ومما يبين كذب ذلك أن هذا الحديث الذي ذكره كذب ولم يذكره أحد بل لا يوجد شيء في الآثار من مثل هذا الهذيان، بل ولا في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى ينزل إلى الأرض". وكل حديث روي فيه مثل هذا فإنه موضوع كذب مثل حديث الجمل الأزرق وأنه ينزل عشية عرفة فيعانق الركبان ويصافح المشاة، وحديث آخر أنه رأى ربه في الطواف، وحديث آخر أنه رأى ربه ببطحاء مكة، وأمثال ذلك.

стр. 128

وأما النزول ليلة النصف من شعبان ففيه حديث اختلف في إسناده. ثم جمهور أهل السنة يقولون إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، فهم متفقون على أنه ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل ولا تمثل صفاته بصفات خلقه. وقد تنازعوا في النزول هل هو [صفة] فعل منفصل عن الرب سبحانه في المخلوقات أو فعل يقوم به على قولين معروفين لأهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والتصوف. وكذلك تنازعوا في الاستواء على العرش هل هو فعل منفصل عنه يفعله في العرش كتقريبه إليه أو فعل يقوم بذاته على قولين:

стр. 129

فالأول قول ابن كلاب والأشعري والقاضي أبي يعلى وأبي الحسن التميمي وأهل بيته وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وابن الزاغوني وابن عقيل وغيرهم ممن يقول إنه لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته. والثاني: قول أئمة الحديث وجمهورهم كابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي

стр. 130

والبخاري وحرب الكرماني وابن خزيمة ويحيى بن عمار السجستاني وعثمان بن سعيد الدارمي وابن حامد وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن مندة وأبي إسماعيل الأنصاري وغيرهم. وليس هذا موضع سعة الكلام في هذه المسائل". انتهى كلامه الذي هو كالدر المكنون والجوهر المصون (عليه الرحمة) والرضوان. الثانية والأربعون: إنهم يلحقون بعض الأبيات بأشعار كبار أهل السنة وأئمتهم مما ينص على صحة

стр. 131

اعتقادهم وبطلان عقيدة مخالفيهم من أهل السنة. من ذلك ثلاثة أبيات ألحقها بعضهم بشعر الشافعي في حب أهل البيت، أما الأبيات التي أنشأها الشافعي فهي: يا راكبا قف بالمركب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهدالثقلان أني رافضي وأما الأبيات التي ألحقت بهذه الأبيات فهي: قف ثم ناد بأنني لمحمد ... ووصيه وبنيه لست بباغض وأخبرهم أني من النفر الذي ... لولا أهل البيت ليس بناقض وقل ابن إدريس بتقديم الذي ... قدمتموه على علي ما رضي فإنه إذا سمعها من لا يفرق بين غث الكلام وسمينه اغتر بها وصدته عن سواء السبيل. ومن له أدنى حظ من البلاغة يعلم أن هذه الأبيات ليست من شعر الشافعي، وأين الثرى من الثريا. الثالثة والأربعون: إنهم ينظمون أبياتا على لسان أئمة أهل السنة تشعر بصحة اعتقاد الرافضة، ومن ذلك ما يعزونه إلى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو: شفيعي نبي والبتول وحيدر ... وسبطاه والسجاد والباقر المجدي وجعفر والثاوي ببغداد والرضا ... وفلذته والعسكريان والمهدي ومن ذلك أيضا: في جنة واقية من البلا ... وجنة باقية بعد البلى

стр. 132

بطوس والكرخ وسر من رأى ... وطيبة وكوفة وكربلا وكذب ذلك ظاهر لا يخفى على من له أدنى روية وفهم، فإن الشافعي مات قبل العسكريين، ولم يشهد وفاة الجواد المدفون بالكرخ، فإن علي بن محمد النقي ولد سنة أربع عشرة ومائتين، ومات والده محمد بن علي الجواد سنة عشرين ومائتين، ومات الشافعي سنة أربع ومائتين في خلافة المأمون. وسر من رأى بلدة قريبة من بغداد، وتسمى سامراء، قد بناها المعتصم، ولم يدرك الشافعي خلافة المعتصم. ولم يذكر ذلك في كتبه ولا رواه عنه أصحابه ولا غيرهم، كما ذكر خلافة المهدي وظهوره واقتداء عيسى بن مريم ﵇ به في الصلاة، فهل هذا إلا افتراء بلا مراء. نعم ذكر هو وغيره من فقهاء أهل السنة ومحدثيهم فضائل من أدركوا من أهل البيت ورووا عنهم الحديث، وسموا سند الحديث المروي عنهم سلسلة الذهب. الرابعة والأربعون: إنهم يقولون قد أخبر بحقية مذاهب الشيعة العرب الموحدون في عهد الجاهلية،

стр. 133

الذين أخبروا ببعثة النبي ﷺ . من ذلك ما رواه غير واحد منهم: "أن الجارود بن المنذر العبدي كان نصرانيا فأسلم يوم الحديبية وأنشد في رسول الله ﷺ قوله: أنبأنا الأولون باسمك فينا ... وبأسماء الأوصياء الكرام فقال رسول الله ﷺ : من يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ فقال الجارود: كلنا يا رسول الله نعرفه غير أني من بينهم عارف بخبره وأقف على أثره، فقال سلمان: أخبرنا، فقال: يا رسول الله، لقد شهدت قسا وقد خرج من ناد من أندية إياد إلى ضحضح ذي قتاد وسمر وغياد، فدنوت منه فسمعته يقول: اللهم رب السموات الأرفعة والأرضين الممرعة، بحق محمد والثلاثة المحاميد معه والعليين الأربعة وفاطمة والحسنين الأبرعة وجعفر وموسى التبعة سمي الكلم الضرعة، أولئك النقباء الشفعة والطرق المعيهة ورثة الأناجيل ونفاة الأباطيل والصادقو القيل عدد النقباء من بني إسرائيل، فهم أول البداية وعليهم تقوم الساعة

стр. 134

وبهم تنال الشفاعة ولهم من الله فرض الطاعة، اسقنا غيثا مغيثا، ثم قال: ليتني مدركهم ولو بعد لأي من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول: أقسم قس قسما ليس به مكتتما ... لو عاش ألفي سنة لم يلق منهم سئما حتى يلاقي أحمد والنجباء الحكما ... هم أوصياء أحمد أفضل من تحت السما يعمي الأنام عنهم وهم ضياء للعمى ... لست بناس ذكرهم حتى أحل الرجما قال الجارود: فقلت: يا رسول الله أنبئني بخبر هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها، وقال رسول الله ﷺ : يا جارود ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله إلي أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ فقلت: علام بعثوا؟ قال: بعثتهم على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم عرفني الله تعالى بهم وبأسمائهم، ثم ذكر رسول الله ﷺ للجارود أسماءهم واحدا بعد واحد إلى المهدي، ثم قال: قال لي الرب هؤلاء أوليائي، وهذا المنتقم من أعدائي يعني المهدي". انتهى. ولا يخفى كذب هذا الخبر، وأمارات الوضع لائحة عليه، فإن هذا الكلام المنقول عن قس بمعزل عن البلاغة كما هو ظاهر لمن له حظ من فن المعني والبيان، وإنما المروي عن جارود أنه لما أسلم قال لرسول الله ﷺ : "والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول". والصحيح من رواية قس بن ساعدة الإيادي ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن وفد بكر بن وائل قدموا على رسول الله ﷺ ، فلما فرغوا من حوائجهم قال: هل فيكم أحد يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا:

стр. 135

كلنا نعرفه، قال: ما فعل؟ قالوا: هلك، فقال ﷺ : كأني به على جمل أحمر بعكاظ قائما يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع وسقف مرفوع وبحار لا تغور وتجارة لن تبور، ليل داج وسماء ذات أبراج، وأقسم قس قسما لئن كان في الأرض رضى ليكونن بعده سخط، وأن لله عزت قدرته دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ ثم أنشد أبو بكر شعرا وهو: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تسعى الأكابر والأصاغر وفي بعض الروايات: لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين عابر أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر فكم من فرق بين العبارتين؟ وكم من شواهد تشهد بصدق ثانية القصتين؟ والبيان يطول، والبنان ملول. ولو صح ما رواه الرافضة من ولاية علي والأئمة من ولده وتعيينهم بأسمائهم لأخبر النبي ﷺ بذلك غيره واستفاض عنه، كما أخبر عن المهدي وصفاته غير مرة، وتواتر عنه غير ذلك، ولأخبر به من آمن من

стр. 136

النصارى واليهود وسمع عنه ﷺ ، وأخبر من العرب من سمع من الأولين، ولا سيما من كان من شيعة علي من الصحابة والتابعين، ولرواه عنهم وعن أهل البيت سائر فرق الشيعة، ولم يقع اختلاف في مسألة الإمامة، ولم تتنازع الأمامية في عددهم وتشخيصهم. وذلك أظهر من فلق الصباح. ويدل أيضا أن ما رووه اختلاق وكذب أن الأئمة بزعمهم لم يتمكنوا مدة عمرهم من نفي الباطل وأنهم لم يصدقوا قط في كلام، وأنهم حاشاهم لم يزالوا في إثبات الباطل وتقريره، وأنهم يكذبون تقية كل ذلك بزعمهم الكاسد واعتقادهم الفاسد. ونعوذ بالله تعالى من سوء الاعتقاد على البررة الأمجاد. الخامسة والاربعون: إنهم يفترون على الله تعالى وعلى رسوله حيث يقولون إن النبي ﷺ يقول: لا تسأل شيعة علي عن ذنب، وإن سيئاتهم تبدل بالحسنات، وإنه ﷺ كان يروي عن ربه جل شانه أنه قال: "لا أعذب من والى عليا وإن عصاني". وهذا في البطلان أظهر لأولي الأبصار من الشمس في رابعة النهار، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات والآثار الصحيحة الروايات. السادسة والأربعون: إنهم يقولون إن ما ورد في إمامة علي وفضائله من الأخبار متفق عليه بين الفريقين،

стр. 137

وما ورد في إمامة غيره من الخلفاء وفضائلهم مختلف فيه، والمختلف فيه يجب أن يترك للمتفق عليه فإنه أبعد عن الريب. وهذا الكلام من الرافضة مناقض لما ذهبوا إليه من أن الحق من الأخبار المتعارضة ما خالف أهل السنة. فتبا لهم من فئة يقولون ما لا يفعلون. ويا سبحان الله إنهم قد شابهوا اليهود والنصارى حتى في أقوالهم وخيالاتهم الباطلة، فإن هذا القول كثيرا ما يحتج به أهل الكتابين من اليهود والنصارى على حقية مذهبهم، فيلزم على هذا أنهم على الحق ولا قائل به من الفريقين. سبحانك هذا بهتان عظيم وضلال وخيم: لأهل الرفض تبا ثم سحقا ... لقد فازوا بما فاه الحيارى تراهم هائمين بكل واد ... كأنهم اليهود والنصارى السابعة والأربعون: إنهم يقولون إن مذهب الشيعة أحق بالاتباع لأنهم جازمون بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار، وإن أهل السنة ليسوا بجازمين بل شاكون في أمرهم، والجازم أحق بالاتباع. وهذا كذب وافتراء من الرافضة، لأن أهل السنة لا يرتابون في أن من مات على الإسلام دخل الجنة، لكن لما كانت العاقبة مجهولة والخاتمة مستورة لم يجزموا، فإن الجزم أمنٌ من مكر الله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ويؤيد ما ذكرنا بل يعينه ما ذكر في التفسير المنسوب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري المعتبر عند الشيعة. وليس كل جازم أحق بالاتباع، فإن اليهود والنصارى مثلا يجزمون بنجاتهم وليسوا بناجين بالاتفاق. وأيضا فرق الشيعة كلهم يجزمون بنجاتهم، وبلا شك أن منهم من هو على ضلالة من غير نكير.

стр. 138

الثامنة والأريعون: إن بعض علمائهم يظهرون للناس أنهم على مذهب أهل السنة وأنه يقلد أحد المذاهب الأربعة ويتولى بعض وظائفهم، فإذا حان حينه وقرب موته أظهر أن الحق هو مذهب الرافضة وأن عقيدته عقيدتهم وأوصى أن يتولى غسله وتكفينه ودفنه بعض علماء الرافضة. قال ابن المطهر الحلي في كتاب منهج الكرامة: "كان [أكبر] مدرسي الشافعية في زماننا حيث توفي أوصى بأن يتولى أمره وغسله وتجهيزه بعض المؤمنين وأن يدفن في مشهد الكاظم". وهذه مكيدة عظيمة، فإنه إذا رأى ذلك منه تلامذته وأحباؤه وسمع من غيرهم من سفهاء الأحلام استيقنوا أن مذهب الشيعة حق، وإلا لما ذهب إليه مثل ذلك العالم الفقيه وترك مذهبه، فيزيغون عن الحق ويعدلون عن سواء الطريق. وما دروا أن ذلك ذئب تقمص ثوب شاة وشيطان ظهر للناس في زي الهداة. التاسعة والأربعون: إنهم يقولون إن كثيرا من كبار علماء أهل السنة ومشايخهم كانوا على مذهب الإمامية. وقد ألف بعض الدجالة منهم المفترين على الله تعالى ورسوله ﷺ كتابا في وفيات الأعيان من العلماء ومشايخ الطريقة، كالشيخ أبي يزيد البسطامي والشيخ معروف الكرخي والشيخ شقيق البلخي وسهل بن عبد الله

стр. 139

التستري وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وأورد فيه ذكر أحوال كل منهم ما يدل على أنهم من تلك الفرقة الضالة من الأقوال والأفعال بعد ذكر شيء من مناقبهم وكراماتهم. ومن هذا القبيل كتاب المجالس الذي ألفه بعض علماء الشيعة من أهل تستر، وقد اعترف أكثر علمائهم بأن فيه كثيرا من الأكاذيب، فمن تصفحه من القاصرين عن إدراك اليقين ظن أن ما فيه بلا شك ولا تمويه، فيهوي إذ ذاك في مهاوي الردى ويميل عن سواء السبيل والهدى. فالحذر الحذر من مثل هذا الكتاب الذي اشتمل ولو على كلمة مما يخالف أهل الحق والصواب. الخمسون: إنهم يفترون على بعض أئمة أهل البيت الطاهرين ما لا يقبله ذو عقل، فضلا عن عباد الله المخلصين. من ذلك ما روى سهل بن [ذبيان] أنه قال: "دخلت على مولاي الرضا ﵇ لأمر عرض لي في بعض الأيام، وذلك قبل أن يدخل عليه أحد من شيعته فقال: مرحبا بابن [ذبيان]، الساعة أراد رسولنا أن يأتيك [لتحضر] وهو ينكت الأرض بسبابته، فقلت: لماذا يا ابن رسول الله؟ فقال: منام أزعجني وأقلقني وأرقني، فقلت: ما هذا المنام؟ فقال: رأيت كأني نصب لي سلم فيه مائة مرقاة فصعدت إلى أعلاه، فقلت: أهنئك بطول العمر تعيش مائة سنة يا سيدي، قال: وكأني دخلت إلى قبة خضراء بعد ذلك يبين من باطنها ظاهرها، ومن

стр. 140

ظاهرها باطنها، فرأيت رسول الله ﷺ وعن يمينه غلام حسن الوجه على ركبيته شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فيقال سلم على أبويك الحسن والحسين، فسلمت عليهما، ثم قال: سلم على أمك فاطمة الزهراء، فسلمت عليها ثم قال: سلم على شاعرنا وصاحبنا ونديمنا في الدنيا والآخرة إسماعيل بن محمد الحميري، فسلمت عليه، ثم قال الشيخ: عد بي إلى ما كنا فيه فأنشد يقول: لأم عمرو باللوى مربع ... طامسة أضلاعه بلقع إلى قوله: قالوا له لو شئت أعلمتنا ... إلى من الغاية والمفزع فقال النبي ﷺ : اقصر يا إسماعيل، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: إلهي وسيدي إنك الشاهد عليهم أني قد أعلمتهم من الغاية والمفزع إليه، وأومأ بيده إلى أمير المؤمنين، ثم التفت إلي وقال: يا علي احفظ هذه القصيدة، ومر شيعتنا بحفظها، فمن حفظها [وأدمن قراءتها]، ضمنت له على الله تعالى الجنة. قال الرضا: فلم يزل جدي يكررها علي حتى حفظتها. والقصيدة هي: لأم عمرو باللوى مربع ... طامسة أعلامه بلقع لما وقفت العيس في رسمها ... والعين من عرفانه تدمع ذكرت من كنت ألهو به ... فبت والقلب شجن موجع كأن بالنار لما شفني ... من حب أروى كبدي تلذع

стр. 141

قالوا له لو شئت أعلمتنا ... إلى من الغاية والمفزع إذا توفيت وفرقتنا ... وفيهم في الملك من يطمع فقال لو أعلمتكم مفزعا ... كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا صنيع أهل العجل إذ فارقوا ... هارون فالترك له أورع وفي الذي قال بيان لمن ... كان إذا يعقل أو يسمع ثم أتته بعد ذا عزمة ... من ربه ليس لها مدفع أبلغ وإلا لم تكن مبلغا ... والله منهم عاصم يمنع فعندها قام النبي الذي ... كان بما يأمره يصدع يخطب مأمورا وفي كفه ... كف علي نورها يلمع رافعها أكرم بكف الذي ... يرفع والكف التي ترفع من كنت مولاه فهذا له ... مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا وضل قوم غاظهم قوله ... كأنما آنافهم تجدع حتى إذا واروه في قبره ... وانصرفوا من دفنه ضيعوا ما قال بالأمس وأوصى به ... واشتروا الضر بما ينفع وقطعوا أرحامه بعده ... فسوف يجزون بما قطعوا وأزمعوا مكرا بمولاهم ... تبا لما كانوا به أزمعوا لا هم عليه يردوا حوضه ... غدا ولا هو فيهم يشفع حوض له ما بين صنعا الى ... أيلة أرض الشام أو أوسع ينصب فيه علم للهدى ... والحوض من ماء له مترع

стр. 142

والعطر والريحان أنواعه ... زاك وقد هبت به زعزع ريح من الجنة مأمورة ... ذاهبة ليس لها مرجع إذا دنوا منه لكي يشربوا ... قيل لهم تبا لكم فارجعوا دونكم فالتمسوا منهلا ... يرويكم أو مطعما يشبع هذا لمن والى بني أحمد ... ولم يكن غيرهم يتبع فالفوز للشارب من حوضه ... والويل والذل لمن يمنع والناس يوم الحشر راياتهم ... خمس فمنها هالك أربع فراية العجل وفرعونها ... وسامري الأمة المشنع وراية يقدمها حبتر ... لا برد الله له مضجع وراية يقدمها نعثل ... كلب بن كلب فعله مشنع

стр. 143

وراية يقدمها أبكم ... عبد لئيم لكع أكوع وراية يقدمها حيدر ... كأنه البدر إذ يطلع إمام صدق وله شيعة ... يرووا من الحوض ولم يمنعوا بذاك جاء الوحي من ربنا ... يا شيعة الحق فلا تجزعوا انتهت هذه الأبيات المشحونة من الهذيانات والخرافات. ولعمري إن هذه القصة لمن أشنع مفترياتهم وأكذب كلماتهم على خاتم الأنبياء ﷺ ، وعلى الإمام موسى الرضا رضي الله تعالى عنه. يدل على ذلك أنه ﷺ لا يحفظ الشعر ولا ينبغي له، وليس في تلك الرؤيا ما يزعج الرأي ويقلقه ويجعله متفكرا. وكان الحميري شاعرا ماجنا لم يصحبه النبي ﷺ ولم ينادمه ولا طرفة عين في الدنيا. وابن [ذبيان] كان لا يبالي من الفرية والافتراء. هذا والحميري قاتله الله تعالى ينادي في قصيدته هذه بأرفع صوت أنه تعالى ترك الواجب، وهو الأصلح، فإن الأورع هو الأصلح. وما هذى به في قصيدته من الكلمات السوء في حق أصحاب رسول الله ﷺ هو معتقد جميع الرافضة والفئة الضالة. وسيأتي إن شاء الله تعالى براءتهم من جميع ما رموهم به. ولا بدع أن يصدر مثل ذلك عن الرافضة إخوان الشياطين وأعداء رب العالمين، وقد حكى الله سبحانه عن إخوانهم الكفرة ما هو أشد من ذلك، فقال تعالى عن اليهود:

стр. 144

﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وعن كفار قريش في النبي ﷺ : ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، وعن منافقي يثرب: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر. ومما يقضى منه العجب أني رأيت بعض المجاميع المطبوعة في ديار إيران مما يعول عليه عندهم أن قراءة هذه القعدة بكيفية مخصوصة في وقت مخصوص من كل يوم من أجلّ الطاعات وأشرف العبادات، وأنها تزيد في الرزق وتطول العمر، إلى غير ذلك مما ذكروا من الخواص والإسرار. ورووا في ذلك روايات عديدة عن الأئمة الأطهار، سبحانك هذا بهتان عظيم وكفر وخيم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. ولعمري عبادة الأوثان والسجود لصنم أو حيوان ليس بأعظم من ذلك ولا أشد مما هنالك، إذ كلا الفريقين يتخذ الكفر عبادة ويفتري على الله الكذب وزيادة. نسأل الله تعالى العصمة من الزلل والتوفيق في القول والعمل. الحادية والخمسون: إنهم ينسبون إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه أقوالا تؤيد ما هم عليه من الضلال وهو رضي الله تعالى عنه بريء منها. وقد جمع بعض الكبار من علمائهم كتب الأمير كرم الله تعالى وجهه وخطبه ومواعظه ونصائحه وبدل فيها وغيّر ونقص وزاد، وحرف الكلم عن مواضعه بما يوافق مذهبه، ودس فيها ما ليس منها. من ذلك نهج البلاغة الذي جمعه السيد الرضي، وقيل أخوه المرتضى، والمشهور بين الجمهور هو الأول. وقد أسقط كثيرا من كلام الأمير مما يوافق مذهب أهل السنة ويخالف الرافضة، وزاد مؤلفه فيه ما يوافق مذهبه، وكنى عن العلم بفلان ليشتبه الأمر.

стр. 145

ومن ذلك أيضا كتاب رجب بن محمد البرسي الحلي وغير ذلك. ومن هذا القبيل التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري الذي جمعه ابن بابويه الكذاب، فقد شحنه من المفتريات التي يبرأ منها الإمام رضي الله تعالى عنه. ودعاء القنوت الذي يعزونه إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه، وهو المشهور عندهم بدعاء صنمي قريش، لأنه لقب فيه الشيخين بصنمي قريش وهو: "اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك وقلّبا دينك وحرّفا كتابك". وهذا أيضا افتراء بلا شك ولا افتراء. وكثير من عبارات نهج البلاغة المنسوبة إلى الأمير تكذب ذلك على ما لا يخفى على من راجعها. الثانية والخمسون: إنهم ينظمون بعض الأبيات في مدح الأمير، وأن الحق مذهب الشيعة، وينسبون ذلك إلى شخص من اليهود أو النصارى. من ذلك ما ينسبونه إلى ابن فضلون اليهودي وهو: علي أمير المؤمنين عزيمة ... وما لسواه في الخلافة مطمع له النسب العالي وإسلامه الذي ... تقدم وفيه الفضائل أجمع
следующие страницы →