قالوا له لو شئت أعلمتنا ... إلى من الغاية والمفزع
إذا توفيت وفرقتنا ... وفيهم في الملك من يطمع
فقال لو أعلمتكم مفزعا ... كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا
صنيع أهل العجل إذ فارقوا ... هارون فالترك له أورع
وفي الذي قال بيان لمن ... كان إذا يعقل أو يسمع
ثم أتته بعد ذا عزمة ... من ربه ليس لها مدفع
أبلغ وإلا لم تكن مبلغا ... والله منهم عاصم يمنع
فعندها قام النبي الذي ... كان بما يأمره يصدع
يخطب مأمورا وفي كفه ... كف علي نورها يلمع
رافعها أكرم بكف الذي ... يرفع والكف التي ترفع
من كنت مولاه فهذا له ... مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا
وضل قوم غاظهم قوله ... كأنما آنافهم تجدع
حتى إذا واروه في قبره ... وانصرفوا من دفنه ضيعوا
ما قال بالأمس وأوصى به ... واشتروا الضر بما ينفع
وقطعوا أرحامه بعده ... فسوف يجزون بما قطعوا
وأزمعوا مكرا بمولاهم ... تبا لما كانوا به أزمعوا
لا هم عليه يردوا حوضه ... غدا ولا هو فيهم يشفع
حوض له ما بين صنعا الى ... أيلة أرض الشام أو أوسع
ينصب فيه علم للهدى ... والحوض من ماء له مترع
стр. 142
والعطر والريحان أنواعه ... زاك وقد هبت به زعزع
ريح من الجنة مأمورة ... ذاهبة ليس لها مرجع
إذا دنوا منه لكي يشربوا ... قيل لهم تبا لكم فارجعوا
دونكم فالتمسوا منهلا ... يرويكم أو مطعما يشبع
هذا لمن والى بني أحمد ... ولم يكن غيرهم يتبع
فالفوز للشارب من حوضه ... والويل والذل لمن يمنع
والناس يوم الحشر راياتهم ... خمس فمنها هالك أربع
فراية العجل وفرعونها ... وسامري الأمة المشنع
وراية يقدمها حبتر ... لا برد الله له مضجع
وراية يقدمها نعثل ... كلب بن كلب فعله مشنع
стр. 143
وراية يقدمها أبكم ... عبد لئيم لكع أكوع
وراية يقدمها حيدر ... كأنه البدر إذ يطلع
إمام صدق وله شيعة ... يرووا من الحوض ولم يمنعوا
بذاك جاء الوحي من ربنا ... يا شيعة الحق فلا تجزعوا
انتهت هذه الأبيات المشحونة من الهذيانات والخرافات. ولعمري إن هذه القصة لمن أشنع مفترياتهم وأكذب كلماتهم على خاتم الأنبياء ﷺ ، وعلى الإمام موسى الرضا رضي الله تعالى عنه. يدل على ذلك أنه ﷺ لا يحفظ الشعر ولا ينبغي له، وليس في تلك الرؤيا ما يزعج الرأي ويقلقه ويجعله متفكرا. وكان الحميري شاعرا ماجنا لم يصحبه النبي ﷺ ولم ينادمه ولا طرفة عين في الدنيا. وابن [ذبيان] كان لا يبالي من الفرية والافتراء. هذا والحميري قاتله الله تعالى ينادي في قصيدته هذه بأرفع صوت أنه تعالى ترك الواجب، وهو الأصلح، فإن الأورع هو الأصلح. وما هذى به في قصيدته من الكلمات السوء في حق أصحاب رسول الله ﷺ هو معتقد جميع الرافضة والفئة الضالة. وسيأتي إن شاء الله تعالى براءتهم من جميع ما رموهم به.
ولا بدع أن يصدر مثل ذلك عن الرافضة إخوان الشياطين وأعداء رب العالمين، وقد حكى الله سبحانه عن إخوانهم الكفرة ما هو أشد من ذلك، فقال تعالى عن اليهود:
стр. 144
﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وعن كفار قريش في النبي ﷺ : ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، وعن منافقي يثرب: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر.
ومما يقضى منه العجب أني رأيت بعض المجاميع المطبوعة في ديار إيران مما يعول عليه عندهم أن قراءة هذه القعدة بكيفية مخصوصة في وقت مخصوص من كل يوم من أجلّ الطاعات وأشرف العبادات، وأنها تزيد في الرزق وتطول العمر، إلى غير ذلك مما ذكروا من الخواص والإسرار. ورووا في ذلك روايات عديدة عن الأئمة الأطهار، سبحانك هذا بهتان عظيم وكفر وخيم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. ولعمري عبادة الأوثان والسجود لصنم أو حيوان ليس بأعظم من ذلك ولا أشد مما هنالك، إذ كلا الفريقين يتخذ الكفر عبادة ويفتري على الله الكذب وزيادة. نسأل الله تعالى العصمة من الزلل والتوفيق في القول والعمل.
الحادية والخمسون: إنهم ينسبون إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه أقوالا تؤيد ما هم عليه من الضلال وهو رضي الله تعالى عنه بريء منها. وقد جمع بعض الكبار من علمائهم كتب الأمير كرم الله تعالى وجهه وخطبه ومواعظه ونصائحه وبدل فيها وغيّر ونقص وزاد، وحرف الكلم عن مواضعه بما يوافق مذهبه، ودس فيها ما ليس منها. من ذلك نهج البلاغة الذي جمعه السيد الرضي، وقيل أخوه المرتضى، والمشهور بين الجمهور هو الأول. وقد أسقط كثيرا من كلام الأمير مما يوافق مذهب أهل السنة ويخالف الرافضة، وزاد مؤلفه فيه ما يوافق مذهبه، وكنى عن العلم بفلان ليشتبه الأمر.
стр. 145
ومن ذلك أيضا كتاب رجب بن محمد البرسي الحلي وغير ذلك. ومن هذا القبيل التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري الذي جمعه ابن بابويه الكذاب، فقد شحنه من المفتريات التي يبرأ منها الإمام رضي الله تعالى عنه. ودعاء القنوت الذي يعزونه إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه، وهو المشهور عندهم بدعاء صنمي قريش، لأنه لقب فيه الشيخين بصنمي قريش وهو: "اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك وقلّبا دينك وحرّفا كتابك". وهذا أيضا افتراء بلا شك ولا افتراء. وكثير من عبارات نهج البلاغة المنسوبة إلى الأمير تكذب ذلك على ما لا يخفى على من راجعها.
الثانية والخمسون: إنهم ينظمون بعض الأبيات في مدح الأمير، وأن الحق مذهب الشيعة، وينسبون ذلك إلى شخص من اليهود أو النصارى. من ذلك ما ينسبونه إلى ابن فضلون اليهودي وهو:
علي أمير المؤمنين عزيمة ... وما لسواه في الخلافة مطمع
له النسب العالي وإسلامه الذي ... تقدم وفيه الفضائل أجمع
стр. 146
ولو كنت أهوى ملة غير ملتي ... لما كنت إلا مسلما أتشيع
ومن ذلك أيضا:
حب علي في الورى جنة ... فامحِ بها يا رب أوزاري
لو أن ذميا نوى حبه ... حُصن في النار من النار
إلى غير ذلك.
الثالثة والخمسون: إنهم يكذبون على أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه ويقولون إنه يروي عن النبي ﷺ أنه قال: "نحن شجرة أنا أصلها وفاطمة فرعها وأنت لقاحها والحسن والحسنين ثمرتها والشيعة ورقتها". وقد نظم ذلك بعض شعرائهم فقال:
يا حبذا سدرة في الأرض نابتة ... ما مثلها نبتت في الأرض من شجر
المصطفى أصلها والفرع فاطمة ... ثم اللقاح علي سيد البشر
والهاشميان سبطاه لها ثمر ... والشيعة الورق الملتف بالشجر
هذا مقال رسول أدبه جاء به ... أهل الرواية في عالي من الخبر
стр. 147
إني بحبهم أرجو النجاة بهم ... والفوز في زمرة من أفضل الزمر
وهذه مكيدة عظيمة، فإن من سمع هذا الخبر من القاصرين اعتقده صحيحا، فإن من يسمع يخل فيرتدي حينئذ برداء الردى ويتقمص الرفض. وهذا الخبر مع أنه لا يصح لا يدل على ما يدعونه، فإن المراد بالشيعة غير الرافضة. روى الدارقطني عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت وشيعتك في الجنة، ألا إن ممن يزعم أنه يحبك أقوام يصغرون بالإسلام ويلفظونه يقرءون القران لا يجاوز تراقيهم له نبز يقال لهم الرافضة، فجاهدهم فإنهم مشركون، قال: يا رسول الله، ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة ويطعنون على السلف". وروى عن موسى [بن جعفر بن محمد] بن علي بن الحسين بن علي بن أن طالب رضي الله تعالى عنهم، وكان من كبار أهل البيت، أنه كان يروي عن أبيه عن جده أنه كان يقول: "إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل أعمالنا". ولا يخفى أن الرافضة قد عصوا الله تعالى وعملوا على خلاف ما كان يعمله أهل البيت كما سيحقق ذلك هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
الرابعة والخمسون: إنهم يدعون أن لعلي حقا على جبريل. فقد روى كثير من علمائهم: أن جبريل كان
стр. 148
جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ دخل عليه علي فقام جبريل وقال له: إن علي حقا، فقال النبي ﷺ : كيف ذلك؟ فقال: لما خلقني ربي ﷻ سألني: من أنا ومن أنت وما اسمك؟ فتحيرت في الجواب وبقيت ساكتا، ثم حضر هذا الشاب وعلمني الجواب وقال: أنت الرب الجليل وأنا عبدك الضعيف واسمي جبريل، فلهذا قمت له وعظمته، فقال النبي ﷺ : كم عمرك يا جبريل؟ قال: نجم يطلع من العرش في كل ثلاثين ألف سنة مرة واحد وقد شاهدته طالعا ثلاثين ألف مرة.
ولا يخفى عليك أن هذه المقالة أيضا من خرافاتهم التي تضحك الثكلى. ومن يضلل الله فلا هادي له.
الخامسة والخمسون: إنهم يقولون إن كل من يموت من المؤمنين والفاجرين يرى أمير المؤمنين، فيمنع النار أن تعرض للمؤمن من شيعته ويسقيه ماء باردا ويترك الفاجر يعذب في النار. وقد نقلوا عنه أبياتا خاطب بها الحارث الهمداني، وهي هذه:
يا جار همدان من يمت يرني ... من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني لحظة وأعرفه ... بنعته واسمه ولما فعلا
стр. 149
أقول للنار حين تعرض للعبـ ... د ذريه لا تقربي الرجلا
ذريه لا تقربيه إن له ... حبلا بحبل الوصي متصلا
أسقيه من بارد على ظمأ ... تخاله في الحلاوة العسلا
قول علي لحارث عجب ... كم أعجوبة له مثلا
ألا لعنة الله على الكاذبين الذين يفترون على عباد الله الصالحين. نسأل الله تعالى العفو والعافية عن مثل هذا الداء العضال والزيغ عن الهدى والضلال بمنه وكرمه.
السادسة والخمسون: إنهم يقولون لا اعتداد بما يرويه أهل السنة من الأحاديث النبوية، لأنهم إنما يروون غالبها عن المنافقين، إذ لم يتميز المخلص من المنافق بعده ﷺ ، والشيعي يروي عن الذين أخلصوا دينهم لله وطهرهم سبحانه تطهيرا.
وهذه مكيدة ربما اغتر بها الجهلاء فيقعوا فيما يقعوا، مع أن من حقق النظر ودقق وجد هذا الكلام ظاهر البطلان، فإن مجتهدي أهل السنة قد أخذوا الشرائع والأحكام عن أهل البيت وغيرهم من الأئمة الكرام، وسيجيء إن شاء كلمته تعالى تحقيق ذلك وإثبات ما هنالك، وأن الذين رووا عن المنافقين هم الرافضة، وسيجيء أن رواتهم إما مجسمة وإما زنادقة وإما منافقون. وأن التمييز بين المنافق والمخلص قد حصل في زمنه ﵊، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. ولأنه لم يكن أحد من المنافقين له علم ليروى عنه، بل إن التابعين إنما أخذوا العلم عن المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم. ولأن غلاة المنافقين قد ماتوا قبل وفاه النبي ﷺ ، ومن بقي منهم بعد ذلك أخلصوا لله تعالى دينهم،
стр. 150
كذا ذكره الرازي في تفسيره وغيره من أساطين العلماء. ولأن أهل السنة ما تركوا العمل بخلاف رواية الجمهور.
السابعة والخمسون: إنهم يقولون إن أهل السنة يعتقدون أن الرجل لا يكون منهم حتى يكون في قلبه بغض [أهل البيت] على قدر بيضة الدجاجة.
وهذه المكيدة لا تروج على أحد ولا يقبلها إلا من كفر وجحد. فإن حب أهل السنة لأهل البيت ظاهر للعيان، وإن لأولئك السادة الأعلام مما لا ينتطح فيه كبشان، كيف لا وكبار أهل السنة إنما أخذوا العلم عنهم وغرفوا درر الفوائد منهم، ولذا أثنوا عليهم بما يضيق حصره نطاق هذا الكتاب. وقد ألفت فيه مؤلفات عديدة اشتملت على فصل الخطاب، وهذه كتب الشمائل والسير مملوءة من مزاياهم ومعطرة بعبير صفاتهم ورياهم، ولكن أهل العدوان لم يزالوا يهذون بالبهتان.
الثامنة والخمسون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون في كتبهم ما يدل على أن للشياطين سبيل على النبي ﷺ ، كخبر ليلة التعريس.
стр. 151
وهذه مكيدة ينخدع بها من لم يطلع عل كتبهم، والا فكتبهم الصحيحة عندهم مشتملة على هذا الحديث، وقد ذكره الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب بطرق متعددة. ألا قاتل الله أهل الرفض والزور وذوي الخبث والغرور.
التاسعة والخمسون: إنهم يقولون إن أهل السنة يوثقون الحرورية وأعداء أهل البيت ويعدلونهم ويروون عنهم في صلاحهم، حتى إن البخاري أخرج في صحيحه عن ابن ملجم لعنه الله تعالى.
وهذه مكيدة أيضا لا أصل لها عند أهل السنة، وقد افتراها عليهم ابن شهر آشوب الذي هو في الكذب والبهتان كابن بابويه. فإن أهل السنة لا يوثقون من يبغض عليا كرم الله تعالى وجهه. وقد طعنوا على من وثق [حريز] بن عثمان فإنه كان يبغضه. كيف والناصبة عندهم زائغون عن
стр. 152
نهج الهدى كالرافضة، ومن وثق [حريزا] لم يعلم أنه من مبغضي الأمير كرم الله تعالى وجهه. وابن ملجم من أشقى الأمة، بل لا علم له، فكيف يروي عنه مثل البخاري الإمام الجليل؟ وهذه نسخ البخاري بين أيدينا، فمن ادعى ذلك فعليه البيان والله المستعان. نعم روى البخاري عن عمران بن حطان بعض الأحاديث للاستشهاد، وقد ورد في كتب الرجال أجوبة عن ذلك فراجعها تفز بالصواب.
الستون: إنهم يروون عن النبي ﷺ أنه أمر عليا أن ينطلق إلى بئر من آبار البادية فيدخلها، فإن فيها قبائل من الجن، فيدعوهم إلى الإسلام ويقاتلهم إن أبوا عن الإسلام، فانطلق إليها ودخلها ورآهم ودعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوا فقاتلهم فقتلهم. وقد عدت الرافضة هذه القصة من الخوارق الدالة على إمامة أمير المؤمنين بلا فصل.
وهي كذب وافتراء. وعلى تقدير صحتها لا تعرض لها للإمامة، بل تكون فضيلة من فضائله، وكم له من فضيلة رضي الله تعالى عنه. وقد وقع مثل هذه القصة لغير الأمير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد روي في الصحيح: "أن العزى شجرة سمر بنخلة لغطفان يعبدونها بدعائها لتشفع لهم خاصة، فبعث إليها ﷺ خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه فقطعها بالفأس وهو يقول: يا عزى كفرانك لا
стр. 153
سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، فخرجت شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها. فلو اقتضى ذلك الإمامة لكان خالد بن الوليد أيضا إماما.
الحادية والستون: إنهم يقولون إن أبا رافع مولى النبي ﷺ كان من السابقين إلى الإسلام والمهاجرين وشهد المشاهد وبايع عليا وقاتل البغاة معه وكان من الإمامية، كذا ذكره النجاشي وغيره.
وهذه المكيدة كذب صريح وافتراء فضيح، فإن أبا رافع مات قبل قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما ما ذكره أحمد بن علي النجاشي أنه شهد مع علي حروبه وكان صاحب بيت ماله في الكوفة، وكان ابناه عبيد الله وعلي كاتبيه؛ فمن افترائه وكذبه، وكذا ما يرويه من أن لأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا يوافق مذهب الإمامية، فهو أيضا كذب. ولم تزل هذه العادة
стр. 154
عند الرافضة إلى يومنا هذا.
الثانية والستون: إنهم ينسبون إلى بعض أئمة أهل السنة ما لا يمكن صدوره عن الجهلة قصد التنفير عن مذهبه. من ذلك ما روى العياشي بإسناده: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه فضحك، قال أبو عبد الله ما يضحكك؟ قال: ظفرت بك جعلت فداك، قال: وكيف ذلك؟ قال: الذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخ في التراب حتى يأخذ بعنقه، قال أبو عبد الله: يا نعمان أما علمت أنه إذا نزل القدر عمى البصر. انتهى.
ولا يخفى كذب هذه القصة، بل هي مكيدة من شياطينهم، فإن أبا حنيفة أجل من أن يتفوه بمثل ذلك من الظهور بمحل، وكان أبو حنيفة يفتخر بخدمة الصادق وأخذ العلم عنه، وقد أرسل إلى عمه زيد بن علي اثني عشر ألف دينار حين ادعى الإمامة وخرج على هشام، وأفتى أنه أحق بالإمامة منه وحث الناس على مبايعته ونصرته. وكان ممن يميل إلى أهل البيت ويقول سرا وعلانية إنهم أحقاء بالإمامة ولا يخاف أحدا، ولذا سم في السجن. وقال لما سأله منصور الخليفة: ممن أخذت العلم يا نعمان
стр. 155
قال: من أصحاب أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه. وكان يهدي النواصب إلى الحق ويناظرهم ويفحمهم ويدعوهم إلى محبة أهل البيت. روي أنه كان له جار من الجارودية يكفر عليا فهجره ثم جاءه فقال: جئتك لأن رجلا كلمني أن أكلمك أن تزوجه ابنتك ولا بأس به إلا أنه يهودي، فقال: سبحان الله تكلمني أن أزوج ابنتي المسلمة ليهودي كافر، فقال له: ويحك أنت لا ترضى أن تزوج ابنتك ليهودي وتزعم أن رسول الله ﷺ زوّج بنته كافرا، فانكب حيئنذ على قدميه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني. ثم إن القصة التي نسبوها إلى الإمام أبي حنيفة زورا وبهتانا هي التي وقعت بين نجدة الحروري وابن عباس، وذلك أن نجدة قال لابن عباس: إنك تقول إن الهدهد إذا نقر الأرض عرف مساحة ما بينه وبين الماء وهو لا يبصر شعيرة الفخ، فقال: إذا جاء القدر غشي البصر. انتهى.
ومن ذلك ما ذكره الطبرسي في الاحتجاج: أنه دخل أبو حنيفة المدينة
стр. 156
ومعه عبد الله بن مسلم فقال له: يا أبا حنيفة إن هنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد، فاذهب بنا نقتبس منه علما، فلما أتياه إذا هما بجماعة من شيعته ينتظرون خروجه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث، فقام الناس هيبة له، فقال أبو حنيفة لابن مسلم: من هذا؟ قال: هذا موسى ابنه، قال: لأحيينه بين يدي شيعته، قال: مه لا تقدر على ذلك، قال: والله لأفعلنه، ثم التفت إلى موسى فقال: يا غلام أين يضع الرجل حاجته في مدينتكم هذه؟ قال: يتوارى خلف الجدار ويتوقى عين الجار وشطوط الأنهار ومسقط الثمار ولا يستقبل القبلة أو يستدبرها فحينئذ يضع حيث يشاء. انتهى.
وهذه القصة أيضا من أكاذيب الفئة الضالة. والصحيح على ما رواه أهل السنة وغير الطبرسي من الشيعة: أنه لما دخل المدينة وزار قبر النبي ﷺ أتى دار الصادق فجلس ينتظر خروجه فخرج ابنه موسى وهو صغير فقام ووقره، وقال: أين يضع الغريب حاجته في بلدكم؟ فأجاب بما ذكر، فقال أبو حنيفة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
الثالثة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة يتبعون أبا حنيفة والشافعي ومالكا وأحمد ولا يتبعون الأئمة وهم الأحقاء بالاتباع، كما ينص عليه خبر السفينة المتفق عليه.
وهذه مكيدة تخفى على كثير من القاصرين في العلم. ومن نظر بعين بصيرته رأى الحق مع أهل السنة، لأن اتباعهم لهؤلاء المجتهدين عين اتباعهم لأولئك الأئمة الأطهار، لأن مجتهديهم إنما أخذوا عنهم كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
стр. 157
والشيعة قاتلهم الله تعالى يدعون أنهم أتباع من يدعي الأخذ عن أهل البيت مع أنهم يخالفونهم في العقائد، كالهشامين وصاحب الطاق وابن الأعين وغيرهم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. على أن أهل البيت لم يلتفتوا إلى الاستنباط والاجتهاد لاستغراق أوقاتهم بالعبادة والطاعة والعزلة والخلوة، بل أمروا أصحابهم أن يصرفوا عنايتهم نحو تدوين الفقه واستنباط الأحكام وتفريغ الفروع عن أدلتها، فنظموا حسبما أمروا فرائده واقتنصوا أوابده وأسسوا قواعده وقيدوا شوارده وأحرزوا كنوز حقائقه وأبرزوا رموز دقائقه وألفوا وأفادوا وصنفوا فأجادوا، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء وخلد لهم جميل الثناء.
وقد اتبعت الإمامية في الأحكام الغير المنصوصة والمسائل الاجتهادية علماءهم الذين حسبوهم من أهل الاجتهاد، وما ذكره ابن الأثير الجزري أن عليا بن موسى الرضا كان مجدد مذهب الإمامية في المائة الثالثة، فمراده أنه مجدد علمائهم، فإنه كان ينكر ذلك ولا يعترف بما هنالك. وكذا عده أهل المذاهب من المجددين، فإنه مجدد على رأي صاحب المذهب ومستندهم، وإنما هو حسن الطوية بوفور علمه وشيوع أقواله ومؤلفاته في مذهبه، ولكنه من الظنون التي لا تغني عن الحق شيئا. فإن مبدأ التاريخ غير معلوم لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يبعث على راس كل مائة سنة من يجدد أمر دينها" من غير تعيين المبدأ،
стр. 158
والتاريخ الهجري إنما وضعته الصحابة في عهد خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحمل علماء الأمة ما ورد من الأخبار بالأمور المستقبلة على ذلك خطأ فاحش.
الرابعة والستون: إنهم يذكرون حكايات تدل على حقيقة ما هم عليه وصدق ما ذهبوا إليه، مع أنها أكذوبة صنفوها وخرافة زخرفوها، فعدلوا عن طريق الحق وعالوا عن منهج الصدق، فمن ذلك ما ذكره أهل السير منهم وصححوه: أن حليمة مرضعة النبي ﷺ قدمت على الحجاج بالعراق وافدة، فألقت نار الغضب في كانون فؤاده زائدة، فقال لها: ما لي أراك فضلت عليا على الشيخين وتعاميت عن الصبح السائح لذي العينين؟ فأطرقت رأسها وحبست أنفاسها ثم رفعته قائلة وعن سنن الإنصاف غير عادلة: هو ورب موسى أفضل من آدم ونوح وإبراهيم وسليمان وموسى وعيسى، فازداد غضبه وترقب عطبه، فقالت حليمة: إن يكن قصدك بالظلم أسكن رمسي، فقم فهذا السيف ودونك رأسي، وإن كنت تبتغي البرهان فهاك أحاديث كالجمان. فقال: بم تفضلينه على آدم وهو أبو البشر والنبي الأقدم المأمور له بالسجود وخليفة الله تعالى
стр. 159
بلا جحود؟ قالت: بما قاله الله تعالى في حقه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ووصف عليا وأثنى عليه في سورة ﴿هَلْ أَتَى﴾ وكذا في آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ وما أحد تصدق بخاتمه سواه. فقال: وبم تفضلينه على نوح وترجحينه وهو الرسول الكريم صاحب السفينة؟ فقالت: لأن زوجة علي فاطمة بنت النبي الجليل وزوجة نوح كافرة كما في التنزيل، فقال: فبم تفضلينه على إبراهيم جد الأنبياء ذوي القدر العظيم؟ فقالت: دعى إبراهيم ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وقال علي: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا. فقال: وبم تفضلينه على سليمان رسول الرحمن وملك الزمان؟ فقالت: سليمان طلب من ربه الدنيا وملكها الذي هو كسراب فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ
стр. 160
الْوَهَّابُ﴾، وطلق الأمير الدنيا ثلاثا مبتورة فقال: إليك عني يا دنيا طلقتك ثلاثا لا رجعة بعدها حبلك على غاربك غري غيري لا حاجة لي فيك.
فقال: وبم تفضلينه على موسى بن عمران صاحب اللوح والتوراة من الملك الديان؟ فقالت: لأنه فر من فرعون كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، ورقد الأمير ليلة الهجرة على فراش النبي ﷺ . فقال: وبم تفضلينه على عيسى بن مريم صاحب الإنجيل والرسول الأكرم؟ فقالت: يوم يحشر الناس في موقف الحساب يسأل عيسى النصارى هل عبدوك بقولك فيفتقر عيسى إلى الاعتذار كما قال تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، والأمير لما قالت السبائية: إنه إله غضب عليهم وهددهم حتى اشتهر في مشارق الأرض ومغاربها أنه أظهر البراءة منهم. قال الحجاج: صدقت، وأرضاها وأمر لها بألف دينار، ثم قالت: يا حجاج اسمع نكتة لطيفة وقصة ظريفة، وهي أن مريم لما أخذها المخاض وكانت ببيت المقدس أمرها الله تعالى بالخروج إلى الصحراء كي لا يتلوث بيت المقدس، ولما أخذ المخاض فاطمة بنت أسد أوحى الله تعالى أن ادخلي الكعبة وشرفي بيتي، فانظر هذين المقامين، وتأمل في فحوى هذين الكلامين، فأطرق الحجاج وترك العناد واللجاج. انتهى.
وإذا سمعت ما تلوناه عليك وحققت ما نقلناه إليك، فاعلم هديت إلى سواء
стр. 161
الطريق وسقيت [مياه] التوفيق في كاسات التحقيق، أن هذه أكذوبة وقصة أعجوبة، لأن حليمة ما عاشت إلى هذا الزمن بإجماع المؤرخين، بل اختلف في أنها هل أدركت زمن البعثة أم لا، وهل آمنت أم لا. على أن هذه الأدلة المذكورة قشور لا لب لها. وقد ردت بوجوه:
الأول: إن تفضيل علي خلاف النصوص القرآنية، فإن المذكور فيها تفضيل الأنبياء على سائر المخلوقات في مواضع شتى.
الثاني: إن هذه الاحتجاجات قد عدت فيها زلات الأنبياء وقيست بمناقب الأمير ولم يذكر فيها مجاهداتهم وحسن معاملاتهم، ولو وزن مناقب الأنبياء وكمالاتهم بمناقب الأمير ثم رجح أحد الشقين على الأخر لكان هذا جديرا بأن يسمع وحريا بأن يقبل، وإلا فيمكن إجراء هذه الطريق من الاحتجاج في كل محل، فيقال إن نبي آخر الزمان عاتبه الله تعالى في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ وفي أخذ الفداء من أسارى بدر وترك الاستثناء، وحمد الأمير
стр. 162
في سورة ﴿هل أتى﴾، فيكون أفضل من النبي ﷺ . ولا قائل بذلك ونستغفر الله مما هنالك. وأما ما استدل به من قصة آدم ﵇ فهو باطل، لأن الآية لا تدل على أنه اقترف ذنبا، لأن المعصية بمعنى المخالفة والغي بمعنى الخيبة. قال المرقش الأصغر:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
والنهي في قوله تعالى: ﴿لا تقربا﴾ للندب، ومن خالف من نهاه عن أمر واجبا كان أو مندوبا يسمى عاصيا، ولهذا يقال نهيت فلانا عن السفر فعصاني وخالفني، وإن لم يكن ما نهى عنه واجبا. وإذا لم يكن التناول من الشجرة ذنبا لم يلزم التفضيل. وتفصيل الكلام في هذا المقام يطلب من كتب التفسير.
الثالث: أن المستدل قد تمسك في مقام مفاضلة نوح والأمير بحال الأزواج وهو في معزل، لأن الأمور الإضافية والأوصاف النسبية غير معتبرة في إثبات كمال المضاف إليه ونقصه، وإنما المناط الصفات الحقيقية له، وهذا بين بالضرورة، فتفضيل زوجة رجل آخر غير مستلزم لتفضيل البعل، والاستدلال بذلك حماقة. ألا ترى أن زوجة فرعون كانت أفضل من زوجة نوح وزوجة لوط بالإجماع ولا قائل بالفضل. بل زوجة النبي
стр. 163
- ﷺ عندهم كافرة، معاذ الله، فيلزم أن يكون الأمير أفضل من محمد ﵇، ولا قائل به أيضا.
الرابع: أن حديث: "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا" موضوع، لا ذكر له بسند في كتاب. وبعد تسليم صحته غير مفيد للتفضيل، فإنه كرم الله تعالى وجهه طلب مقاما لا يناله إلا الأنبياء، وهو مقام المشاهدة، وهو لا ينافي اليقين، كما أن زكريا طلب آية على توليد الابن مع تيقنه به بعد الإخبار من الله تعالى كما لا يخفى. والأمير كرم الله تعالى وجهه لما علم أن مثل هذا المقام لا يحصل له وأنه في مقام لا ينعكس منه إلى مقام الأنبياء قال: لو كشف لي الغطاء، أي عما أعلمه من مقامي ما ازددت يقينا فيه. وله توجيهات عديدة في كتب القوم.
الخامس: ما ذكره من مخافة موسى وفراغ بال الأمير مغالطة، لأن الأمير كان يعلم بأنه صبي صغير السن تابع للنبي ﷺ ، وعداوة الكفار له ليست بالذات والأصالة، فلم يقتله الكفار، فلم يكن له وجه من الخوف أصلا، ومع ذلك أخبره النبي ﷺ وسكن قلبه بأنهم لن يضروك أبدا، ولأن أسباب العداوة من التجاذب والمقاتلة ما كانت متحققة فيما بينهم بعد، وأسباب المحبة من وجود القرابة وملاحظة رئاسة أبي طالب كانت موجودة، مع خوف الانتقام من حمزة
стр. 164
والعباس وأعمامه وإخوانه الآخرين. بخلاف موسى ﵇، فإن غالب ظنه على حساب العادة أن فرعون يقتله بدل القبطي، مع أن مشاورة رؤساء القبط في تدبير قتله قد قرعت سمعه برواية المعتبرين، وقد اطمئن قلبه بعدما وعده الله تعالى بالتأييدات والحماية حيث قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. ومع ذلك فسطوة فرعون وجنوده معلومة، وكفار قريش بالنسبة إليه كالذرة إلى الفيل. وأقام موسى وأخوه ﵉ فيما بينهم أربعين سنة يصدح بما يؤثر ويصدح بما يؤمر، وهو بخلاف الأمين فإنه أقام في خلافة الخلفاء ذليلا حقيرا بزعم الشيعة.
السادس: أن ما ذكر من طلب سليمان ﵇ للملك أي ضرر فيه، وأي نقص يعتريه، بل هو أعلى كعبا من تطليق الدنيا، إذ معه يتيسر من إقامة العدل والإنصاف وإرشاد خلق الله تعالى وهدايتهم ما لا يتيسر من التطليق. ثم تطليق الدنيا لا ينافي طلب الملك، لأن الأمير مع تطليقه الدنيا طلب الخلافة وسعى إليها سعيا حتى وقع القتال وكثر النضال، وما كان مقصوده حب المال والجاه، بل مراده القدرة على قتال من خالف أمر الله وغير ذلك من الأمور الشرعية والمقاصد البهية. فاشترك سليمان والأمير معا، ولكن الفرق بينهما أن سليمان طلب ذلك من الله تعالى بغير أهبة الأسباب الظاهرة والأمير طلبه بالتأهب من جمع الرجال وسفك الدماء والقتال. وأيضا يلزم من كون ترك الدنيا موجبا للتفضيل أن يكون الرهبان وأمثالهم أفضل من سليمان ويوسف والمهدي، معاذ الله من ذلك.
السابع: أن ما ذكر في تفضيل الأمير كرم الله تعالى وجهه على عيسى ﵇ محصله أمران.: أحدهما تعزيره للغالين في محبته ومسامحة عيسى، والآخر سؤال عيسى عن فعله وافتقاره إلى الاعتذار، والأمير غير مسؤول. وفيهما بحث لأن في الأمير كان في زمنه، وفي عيسى كان بعد رفعه إلى السماء على ما قيل.
стр. 165
والذي يظهر من الكتاب المجيد أن الغلو في عيسى كان أيضا قبل الرفع، وكان ﵇ يزجر القائل بذلك كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. نعم لعل التثليث وقع بعد ما رفع. وأما وقوع السؤال فمعلوم لذكره، وعدم السؤال غير معلوم، ولا يلزم من عدم العلم عدم الوقوع، والمدعى هو هذا. بل في القران ما يشير إلى سؤال الأمير مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾، وهم يبينون أيضا ذلك العذر كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، بل الملائكة أيضا يسألون، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ويعتذرون بما حكى الله تعالى عنهم وهو قوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُون﴾. على أن شهادة النبي حجة دون الولي، فالسؤال كمال وهو صفة الأنبياء قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، فهذا يدل على أفضلية عيسى على الأمير، فانقلب الأمر. هذا لو سلمنا ما قالوه.
الثامن: أن ما ذكر في ولادة عيسى غلط محض ومخالف للتواريخ، وفي ولادته اختلاف كثير، والمشهور أن ولادته في بيت اللحم، وقيل في فلسطين وقيل في مصر وقيل في دمشق. وما قال أحد من المؤرخين أخذها المخاض في المسجد الأقصى، ولئن سلمنا فمن أين علم أنها أخرجت بالوحي؟ والظاهر أنه لما كان علوق عيسى عليه السلام
стр. 166
من غير أب كرهت واستقبحت إظهار الولادة في الناس، فلا جرم إن ذهبت إلى الصحراء. وما قيل إن فاطمة بنت أسد أوحي إليها: أن أدخلي وشرفي، فكذب صريح لأنه لم يقل أحد من الإسلاميين بنبوتها. فتأمل. والمشهور في ولادة الأمير عندنا هو أن أهل الجاهلية كانت عاداتهم أن يفتحوا باب الكعبة في يوم الخامس عشر من رجب ويدخلونها للزيارة، فممن دخل فاطمة، فوافقت الولادة ذلك اليوم. وعند الشيعة أن أبا طالب لما رآها في شدة الطلق أخذها استشفاء لها فرحمها الله تعالى، فولدت الأمير كرم الله تعالى وجهه فسماه أبوه أبو طالب عليا. وهذه الرواية نسبت في كتبهم إلى الإمام زين العابدين عن زيدة بنت عجلان الساعدية عن أم عمارة بنت عباد الساعدية. وبالجملة لو كانت الولادة في البيت موجبة لتفضيله على عيسى لكانت موجبة لتفضيله على النبي ﷺ أيضا، ولا قائل به. وأيضا قد ثبت في التواريخ الصحيحة أن حكيم بن حزام بن خويلد الذي هو ابن أخ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد قد ولد في الكعبة أيضا،
стр. 167
فلا بد أن يكون أفضل من عيسى على ما زعموا بل أفضل من جميع الأنبياء، وهذا مما لم يقل به أحد، بل لا تخفى شناعته. فتأمل في هذا المقال واستعن بذي العزة والجلال.
الخامسة والستون: إنهم يقولون إن عذاب القبر مخصوص بأهل السنة وغيرهم من الفرق غير الإمامية، وأما الإمامية فهم متنعمون في قبورهم حتى العصاة منهم.
وهذا الكلام باطل لا أصل له، لأن الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة التي رواها الفريقان عن أهل البيت وغيرهم ناصة عام أن عذاب القبر واقع للكفار وبعض عصاة المؤمنين، والتخصيص من أكاذيب القوم. فقد روى ابن بابويه القمي عن [عمرو] بن يزيد قال: "قلت لأبي عبد الله إني سمعتك وأنت تقول: كل شيعتنا في الجنة على ما كان منهم، قال: صدقتك والله كلهم في الجنة، قال قلت: جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبار وصغار، فقال: إما في القيامة كلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي، ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر حين موته إلى يوم القيامة.
السادسة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة يحبون أعداء أهل البيت، ومن أحب عدو الرجل فهو عن الصداقة بمعزل، قال الشاعر:
стр. 168
قسم ناقص
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب أنه ﷺ قال: "من لم يعرف حق عترتي [والأنصار والعرب] فهو أحد ثلاثة: إما منافق وإما لزنية وإما لغير طهور". (١) وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: خطبنا رسول الله ﷺ فسمعته يقول: "أيها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله تعالى يوم القيامة يهوديا". (٢) وأخرج الشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في نوادر الأصول في أخبار الرسول عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله ﷺ : معرفة آل محمد براءة من النار، وحب أهل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب". (٣) إلى غير ذلك من الأحاديث.
السابعة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة من فرط عصبيتهم رجحوا الجبان على الشجاع في الإمامة، لأن أبا بكر كان جبانا، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾،
стр. 169
والحزن في المواقف دليل الجبن. وكان علي أشجع الصحابة، فهو أحق بالإمامة منه.
وهذا الكلام أيضا باطل، لأن وجوب كون الإمام أشجع ممنوع، وكذا كون علي أشجع من أبي بكر. بل هو أشجع منه لأن النبي ﷺ بشره ليلة أسري به بأن الله تعالى جعله وصيه ووزيره وخليفته، كما رواه شيخكم أبو جعفر الطوسي في الأمالي، أو كان معه ليلة المعراج كما رواه صاحب نوادر الحكمة عن عمار بن ياسر والقطب الراوندي عن جريدة الأسلمي مرفوعا، فاطلع على ما هو المكتوب في اللوح المحفوظ،
стр. 170
وتيقن أنه يعيش بعد النبي ﷺ ، وأنه يكون خليفته بعده، وأنه يقتله ابن ملجم المرادي، وأنه لا يموت إلا باختياره، فكان إذا دخل الحرب ولاقى العدو لا يختار موته ويعلم أنه لا يتمكن الخصم من قتله؛ بخلاف أبي بكر، فإنه كان إذا لاقى العدى لا يدري هل يقتل أم لا. ولا شك أن من يدخل الحرب ولا يدري أمره ويقاسي من الشدائد والمحن ما يقاسي أشجع ممن يدخلها كأنه بات على فراشه لا يخاف أحدا ولا يخشى. وقد ثبت عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه قال خطبنا علي فقال: "أيها الناس من أشجع الناس؟ فقلت أنت يا أمير المؤمنين، قال: ذلك أبو بكر الصديق، إنه كان يوم بدر وضعنا لرسول الله ﷺ العريش فقلنا: من يقوم عنده لا يدنو عليه أحد من المشركين، فما قام عليه إلا أبو بكر وإنه كان شاهر السيف على رأسه، فكلما دنا عليه أحد هوى إليه أبو بكر بالسيف.
الثامنة والستون:
стр. 171
إنهم يقولون إن أهل السنة ينسبون إلى النبي ﷺ ما يخل بعلو قدره وعلو شرفه، حيث ثبت عندهم في الصحيح أن عائشة قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ "، فكيف يرضى بذلك وبيته محل العبادة ومهبط الوحي والروح الأمين ومتردد الملائكة المقربين في كل وقت وحين، وقد ثبت عندهم أن الملائكة لا يدخلون بيتا فيه صورة مجسمة أو تماثيل، ويروون عن النبي ﷺ أنه لما رأى صورة إبراهيم وإسماعيل في الكعبة محاها.
فنقول لا نسلم أن كون تلك البنات كانت مصورة بصورة إنسان، فإنها ربما تصنع من غير صورة بأن يقطع من كرباج قطعة مثل دائرة كالقوارة ويجعل في وسطها قطعة ملفوفة كالبندقة، ويجمع أطرافها وتشد البندقة بخيط فيصير ما فوق العقدة كرأس إنسان وما تحت جسده من غير يد ورجل ثم يجعل عليه خمار. وعلى فرض كونها مصورة فيحتمل أن يكون ذلك قبل التحريم. وكذا العلم بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، فإن ذلك كان في بدء الأمر حين بنى النبي ﷺ بعائشة،
стр. 172
قسم ناقص
ذلك يطعنون على أهل الحق ما أعمى الله تعالى بصائرهم عن حقيته، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
التاسعة والستون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون في الصحيح عن النبي ﷺ ما ينبئ عن قلة الغيرة ورداءة الطوية، من ذلك ما رووه عن عائشة أنها قالت: "رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد"، فإن هذا الأمر لا يرضى به من له أدنى غيره وأقل حمية، ومع ذلك إن اللعب من الأمور المنكرة ولا سيما إذا كان في المسجد، فكيف يرضى رسول الله ﷺ بذلك وهو أغير الناس وأشدهم نهيا عن المنكر.
وهذه مكيدة عظيمة ربما اغتر بها بعض القاصرين ومن كان في قلبه مرض وصد
стр. 173
عن إدراك اليقين، وأما من نظر بعين بصيرته وجانب الهوى وشبهته فلا يلتفت إلى مزخرفات الأقوال ولا ينخدع بشبه أهل الضلال. فإن عائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن حينئذ مكلفة، ووجوب منع الغير مكلفة عن أمثال هذه الأمور ممنوع. وكان رسول الله ﷺ يذهب ببعض نسائه في الغزوات، وكان النساء ينظرن إلى الرجال ولا يتحجبن عنهم قبل نزول آية الحجاب. ونزولها كان بعد أن نكح النبي ﷺ زينب بنت جحش كما رواه أبو داود والدارمي وغيرهما. ولعب الحبشة كان بالحراب، واللعب به كالرمي من عدد الحرب، فصار بالقصد عبادة. وزجر عمر رضي الله تعالى عنه من لعب به لظنه أنه من جملة اللعب الحرام، وذلك قبل أن يرى النبي ﷺ ، فلما رآه سكت. ولا نسلم أن تقريره غير البالغة على النظر قبل النهي ينافي الغيرة، والنهي عن النظر إنما ورد بعد الأمر بغض الأبصار، وكان ذلك بعد مدة من تلك الواقعة. وقد ثبت عند هؤلاء الفرقة الضالة ما يروونه عن أبي عبد الله لصحبه أن "خدمة جوارينا لنا وفروجهن لكم". وهذا ينافي الغيرة ولا يرضى به السوقة الأوباش، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.
السبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يفترون على النبي ﷺ -
стр. 174
ويقولون إنه قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات"، مع أن الأنبياء معصومون عن الكذب بالاتفاق.
وهذا القول باطل، لأن المراد بالكذب التعريض وليس المراد حقيقته، فسماه كذبا لأن المعاريض شبيهة بالكذب في إرادة ما ليس بمطابق للواقع، أو المراد به الكذب بحسب الظاهر، والمعنى لم يتكلم بما هو كذب بحسب الظاهر إلا ثلاث كلمات. فقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إما مجاز بالمشاركة وإما مرض لا يبدو أثره في الظاهر. وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ بزعمكم، فإن قومه كانوا صابئين. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ تهكم. ولأنه قد ثبت عندهم أن قوله إني سقيم كان كذبا، وإنما قال ذلك تقية. فإذا جاز كونه كذبا جاز أن يكون كلا القولين الآخرين كذبا لمصلحة دينية،
стр. 175
كإفحام عبدة الكواكب وإبطال عقيدتهم الزائفة، وإبداء فساد مذهبهم بأبلغ وجه. هذا وفي مرويات هؤلاء الفرقة ما ينص على [اعتذار] بعض الرسل عما أوحى الله تعالى إليه واتصافه بالحسد وارتكاب بعضهم ذنبا كان الموت عليه هلاكا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في مباحث النبوة. فالطعن على أهل السنة بما هو معتقدهم وقاحة وصلافة ظاهرة. نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
الحادية والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يفضلون عمر على الانبياء، حيث ثبت في الكتب الصحيحة عندهم عن النبي ﷺ إنه قال: "إن الشيطان يفر من ظل عمر"، مع أنه لم يفر من آدم وهو في الجنة محفوف بالملائكة، ولا من موسى حيث قتل القبطي وقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ولا من أيوب حتى مسه ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، ولا من الأنبياء والرسل حتى ألقى في أمنيتهم إذا تمنوا.
وهذه مكيدة عظيمة تزل بها أقدام الجهلة ومن ليس له رسوخ في العقائد الدينية. وأما من له أدنى حظ معرفة العلم ويعرف أن المراد من الحديث ليس للشيطان عليه سلطان، لكنه ﷺ كنى ذلك بما قال لأن الكناية أبلغ من التصريح، ولأن كثيرا ما يعبر عن شدة الخوف بالفرار. قال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. والشيطان يخاف من الأنبياء أيضا.
стр. 176
وهو لم يوسوس لآدم ابتداء، وإنما وسوس لحواء وحواء وسوست لآدم؛ وإنما نسبت الوسوسة للشيطان لأنه السبب، أو لأن الله تعالى شجعه على ذلك وأزال الخوف عنه ومكنه من دخول الجنة ونهى الخزنة عن منعه من دخول الجنة لحكم ومصالح يعرفها من يعرفها، وإن كان الأصلح أضداد ذلك، فإنه يجوز ترك الأصلح لمصلحة، صرح به صاحب الكشاف من المعتزلة والمقداد وغيره من الإمامية. وقول موسى ﵇ إنه ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ لا يدل على ذلك، لأن المشار إليه استصراخ الإسرائيلي المهيج لغضبه، أو عمل القبطي المقتول من عمل الشيطان، وهو ظلمه للقبطي وإيذاؤه له أو كفره وخلافه لله تعالى بذلك عن استحقاقه للقتل. وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ إنما هو على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير في أداء حقوق خدمته وشكر نعمته وإن لم يكن هناك ذنب. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أراد به تقصيري في حقوق نعمتك. ولأن قتل القبطي كان قبل بعثته وهو [لا] يعلم أنه يبعث نبيا. وأن من يبعث نبيا لا يمكن للشيطان منه. وأما قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فالمراد أن الشيطان يستفزه ويوقعه في الألم، وذلك لأنه يوسوس إلى قومه أن يبعدوه ويجنبوه لما كان عليه الأمراض المؤلمة فأخرجوه من البلد فزاد مرضه ونصبه، واللعين لم يزل يوسوس لزوجته بأن تبعد عنه ولا تباشره، وكانت تخدم قومه وتأخذ الأجرة منهم وتهيئ به مأكل زوجها ومشربه، ويوسوس أيضا لقومه أن لا يخدموا زوجته فإنها تباشر قروحه وتمس جلده، فهذه مضار ظاهرة، فأضاف إلى الشيطان ما فعل من الوسوسة.
стр. 177
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، فالمراد من الأمنية القراءة، والمعنى: وما من برسول ولا نبي إذا قرأ كتاب الله تعالى [إلا] ألقى الشيطان في قراءته ودس في كلامه محاكيا صوته ما يوافق عقيدة الكفرة ويسمعهم، ولا يقرب النبي بل يدنو من الكفار. وأيضا فإن الشيعة قد اعترفت بان الآيات المذكورة على ظاهرها فلا مطعن فيها حينئذ. والكلام عل هذه الآية طويل ألف فيه رسائل مفصلة، وأحسن من كتب في ذلك تقي الدين ابن تيمية ﵀.
الثانية والسبعون: إنهم يطعنون على أهل السنة بما يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: دخلت الجنة فسمعت حس نعلي بلال مولى أبي بكر، ويقولون: إن هذا الكلام يدل على تفضيل مولى أبي بكر على النبي ﷺ لأن السابق أفضل من المسبوق.
وهذه مكيدة لا يخفى بطلانها على أحد فضلا عمن جد في العلم واجتهد، فإن السابق كثيرا ما يكون مفضولا. ألا ترى أن العبد يسبق مولاه إلى الرياض والقصور التي
стр. 178
بناها لسكناه. والسبق الموجب للفضل هو الدخول في دار الثواب للجزاء يوم القيامة، فإن الملائكة كانوا يدخلونها قبل الرسل، ودخلها إدريس قبل أولي العزم من الرسل، وكان إبليس يدخلها قبل خلق الرسل وقبل خلق آدم. ولأن الفضل لمن دخل الجنة في اليقظة بجسده دون من دخل بروحه، فإن الذين قتلوا في سبيل الله دخلوا الجنة ورزقوا من نعيمها قبل من هو أفضل منهم من غير نكير. لأن الحق كما يدل عليه سياق الأخبار أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ صورا مثالية من أمته ممن خلق ومن لم يخلق في الجنة ليعلم درجاتهم ومنازلهم فيها، فأراه مرة منزلة بلال وغيره من فقراء أمته وأغنيائهم. فقد أخرج الطبراني عن أبي إمامة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت حركة أمامي فنظرت فإذا بلال ونظرت إلى أعلاها فإذا فقراء أمتي وأولادهم، ونظرت في أسفلها فإذا فيهم الأغنياء". وأراه مرة أخرى منازل بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم.
الثالثة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون عن النبي ﷺ أنه نظر عشية يوم عرفة فتبسم وقال: "إن الله ﵎ باهى بعباده عامة وباهى بعمر خاصة"، (١) وهو يوجب التفضيل. وذلك يدل على أنه تعالى كان يباهي بعمر ويدع نبيه ﷺ ، فيكون عمر في الخاصة والنبي في العامة.
والجواب أنه ليس في الخبر ما يدل على أنه ﷺ كان في العامة،
стр. 179
وعدم ذكر المباهاة به خاصة لا يدل على نفيها، لأن المراد بالعباد أصحابه ﷺ ، والغرض من ذكرها بيان فضلهم واختصاص عمر لفضيلة استحق بها المباهاة خاصة. والاختصاص بفضيلة لا يوجب التفضيل. ولأنه يحتمل أنه تعالى باهى به ﷺ خاصة إلا أنه لم يذكره. ولأن الغرض من المباهاة إبداء فضل من أراد من المؤمنين للملأ الأعلى، وكان ﷺ مستغن عن ذلك فإنهم كانوا يعرفونه بأنه كان أفضل الخليقة وأكرمهم عند الله تعالى.
وأقول: قد تقرر في الأصول أن المتكلم يكون خارجا عن عموم كلامه، وإلا لزم كونه تعالى مقدورا ومخلوقا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، تعالى الله عن ذلك. على أن المباهاة به مرجعها إلى المباهاة بالنبي ﷺ ، حيث إنه من أصحابه وأحد اتباعه.
الرابعة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة ينسبون إلى النبي ﷺ ما يخل بعلو قدره، من ذلك ما رووا في كتبهم الصحيحة أن النبي ﷺ : "أتى سباطة قوم فبال واقفا وتوضأ".
نقول نعم إنه ﷺ فعل ذلك لضرورة دعته إليه، فقد أخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: "إنما بال قائما لجرح كان في مأبضه". ولأن كل ما يفعله فهو تشريع لجوازه. ولا قبح في البول قائما لا عقلا ولا عرفا.
стр. 180
ويا للعجب من هؤلاء الفرقة الضالة كيف يطعنون على أهل السنة بما لا طعن فيه عند أولي الأبصار، ومع ذلك ينسبون إلى الرسل ما لا تتقبله عقول الأخيار. وقد ذكر المرتضى وغيره من علماء الإمامية أن الخبر متى وجد له محمل صحيح لا يرد. فالحكم ببطلان الحديث بمثل هذه الشبهات مع أن له محملا صحيحا طعن في الدين واتباع للملحدين.
الخامسة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون اللعب بالشطرنج والغناء.
وهذه المكيدة كذب وافتراء وزور على علماء أهل السنة الأمناء. أما اللعب بالشطرنج فإنه حرام عند أبي حنيفة ومالك وأحمد على الصحيح. وورد في حرمته أحاديث وأثار صحيحة. وعند الإمام الشافعي مكروه في القول القديم، بشرط عدم إخراج الصلاة عن وقتها وعدم الإخلال بحفظ الواجبات بواسطة الاشتغال به وأن يخلو عن القمار وأن لا يصير سببا للنزاع والكذب وأن لا تكون آلاته بصورة بصورة الحيوانات، فإن فقد من هذه الشروط صار حراما وبالإصرار يصير كبيرة؛ كذا في الإحباء. وقد صح عن الإمام الشافعي أنه رجع إلى قول الأئمة الثلاثة، نص عليه