وهو لم يوسوس لآدم ابتداء، وإنما وسوس لحواء وحواء وسوست لآدم؛ وإنما نسبت الوسوسة للشيطان لأنه السبب، أو لأن الله تعالى شجعه على ذلك وأزال الخوف عنه ومكنه من دخول الجنة ونهى الخزنة عن منعه من دخول الجنة لحكم ومصالح يعرفها من يعرفها، وإن كان الأصلح أضداد ذلك، فإنه يجوز ترك الأصلح لمصلحة، صرح به صاحب الكشاف من المعتزلة والمقداد وغيره من الإمامية. وقول موسى ﵇ إنه ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ لا يدل على ذلك، لأن المشار إليه استصراخ الإسرائيلي المهيج لغضبه، أو عمل القبطي المقتول من عمل الشيطان، وهو ظلمه للقبطي وإيذاؤه له أو كفره وخلافه لله تعالى بذلك عن استحقاقه للقتل. وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ إنما هو على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير في أداء حقوق خدمته وشكر نعمته وإن لم يكن هناك ذنب. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أراد به تقصيري في حقوق نعمتك. ولأن قتل القبطي كان قبل بعثته وهو [لا] يعلم أنه يبعث نبيا. وأن من يبعث نبيا لا يمكن للشيطان منه. وأما قول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فالمراد أن الشيطان يستفزه ويوقعه في الألم، وذلك لأنه يوسوس إلى قومه أن يبعدوه ويجنبوه لما كان عليه الأمراض المؤلمة فأخرجوه من البلد فزاد مرضه ونصبه، واللعين لم يزل يوسوس لزوجته بأن تبعد عنه ولا تباشره، وكانت تخدم قومه وتأخذ الأجرة منهم وتهيئ به مأكل زوجها ومشربه، ويوسوس أيضا لقومه أن لا يخدموا زوجته فإنها تباشر قروحه وتمس جلده، فهذه مضار ظاهرة، فأضاف إلى الشيطان ما فعل من الوسوسة.
стр. 177
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، فالمراد من الأمنية القراءة، والمعنى: وما من برسول ولا نبي إذا قرأ كتاب الله تعالى [إلا] ألقى الشيطان في قراءته ودس في كلامه محاكيا صوته ما يوافق عقيدة الكفرة ويسمعهم، ولا يقرب النبي بل يدنو من الكفار. وأيضا فإن الشيعة قد اعترفت بان الآيات المذكورة على ظاهرها فلا مطعن فيها حينئذ. والكلام عل هذه الآية طويل ألف فيه رسائل مفصلة، وأحسن من كتب في ذلك تقي الدين ابن تيمية ﵀.
الثانية والسبعون: إنهم يطعنون على أهل السنة بما يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: دخلت الجنة فسمعت حس نعلي بلال مولى أبي بكر، ويقولون: إن هذا الكلام يدل على تفضيل مولى أبي بكر على النبي ﷺ لأن السابق أفضل من المسبوق.
وهذه مكيدة لا يخفى بطلانها على أحد فضلا عمن جد في العلم واجتهد، فإن السابق كثيرا ما يكون مفضولا. ألا ترى أن العبد يسبق مولاه إلى الرياض والقصور التي
стр. 178
بناها لسكناه. والسبق الموجب للفضل هو الدخول في دار الثواب للجزاء يوم القيامة، فإن الملائكة كانوا يدخلونها قبل الرسل، ودخلها إدريس قبل أولي العزم من الرسل، وكان إبليس يدخلها قبل خلق الرسل وقبل خلق آدم. ولأن الفضل لمن دخل الجنة في اليقظة بجسده دون من دخل بروحه، فإن الذين قتلوا في سبيل الله دخلوا الجنة ورزقوا من نعيمها قبل من هو أفضل منهم من غير نكير. لأن الحق كما يدل عليه سياق الأخبار أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ صورا مثالية من أمته ممن خلق ومن لم يخلق في الجنة ليعلم درجاتهم ومنازلهم فيها، فأراه مرة منزلة بلال وغيره من فقراء أمته وأغنيائهم. فقد أخرج الطبراني عن أبي إمامة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت حركة أمامي فنظرت فإذا بلال ونظرت إلى أعلاها فإذا فقراء أمتي وأولادهم، ونظرت في أسفلها فإذا فيهم الأغنياء". وأراه مرة أخرى منازل بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم.
الثالثة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يروون عن النبي ﷺ أنه نظر عشية يوم عرفة فتبسم وقال: "إن الله ﵎ باهى بعباده عامة وباهى بعمر خاصة"، (١) وهو يوجب التفضيل. وذلك يدل على أنه تعالى كان يباهي بعمر ويدع نبيه ﷺ ، فيكون عمر في الخاصة والنبي في العامة.
والجواب أنه ليس في الخبر ما يدل على أنه ﷺ كان في العامة،
стр. 179
وعدم ذكر المباهاة به خاصة لا يدل على نفيها، لأن المراد بالعباد أصحابه ﷺ ، والغرض من ذكرها بيان فضلهم واختصاص عمر لفضيلة استحق بها المباهاة خاصة. والاختصاص بفضيلة لا يوجب التفضيل. ولأنه يحتمل أنه تعالى باهى به ﷺ خاصة إلا أنه لم يذكره. ولأن الغرض من المباهاة إبداء فضل من أراد من المؤمنين للملأ الأعلى، وكان ﷺ مستغن عن ذلك فإنهم كانوا يعرفونه بأنه كان أفضل الخليقة وأكرمهم عند الله تعالى.
وأقول: قد تقرر في الأصول أن المتكلم يكون خارجا عن عموم كلامه، وإلا لزم كونه تعالى مقدورا ومخلوقا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، تعالى الله عن ذلك. على أن المباهاة به مرجعها إلى المباهاة بالنبي ﷺ ، حيث إنه من أصحابه وأحد اتباعه.
الرابعة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة ينسبون إلى النبي ﷺ ما يخل بعلو قدره، من ذلك ما رووا في كتبهم الصحيحة أن النبي ﷺ : "أتى سباطة قوم فبال واقفا وتوضأ".
نقول نعم إنه ﷺ فعل ذلك لضرورة دعته إليه، فقد أخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: "إنما بال قائما لجرح كان في مأبضه". ولأن كل ما يفعله فهو تشريع لجوازه. ولا قبح في البول قائما لا عقلا ولا عرفا.
стр. 180
ويا للعجب من هؤلاء الفرقة الضالة كيف يطعنون على أهل السنة بما لا طعن فيه عند أولي الأبصار، ومع ذلك ينسبون إلى الرسل ما لا تتقبله عقول الأخيار. وقد ذكر المرتضى وغيره من علماء الإمامية أن الخبر متى وجد له محمل صحيح لا يرد. فالحكم ببطلان الحديث بمثل هذه الشبهات مع أن له محملا صحيحا طعن في الدين واتباع للملحدين.
الخامسة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون اللعب بالشطرنج والغناء.
وهذه المكيدة كذب وافتراء وزور على علماء أهل السنة الأمناء. أما اللعب بالشطرنج فإنه حرام عند أبي حنيفة ومالك وأحمد على الصحيح. وورد في حرمته أحاديث وأثار صحيحة. وعند الإمام الشافعي مكروه في القول القديم، بشرط عدم إخراج الصلاة عن وقتها وعدم الإخلال بحفظ الواجبات بواسطة الاشتغال به وأن يخلو عن القمار وأن لا يصير سببا للنزاع والكذب وأن لا تكون آلاته بصورة بصورة الحيوانات، فإن فقد من هذه الشروط صار حراما وبالإصرار يصير كبيرة؛ كذا في الإحباء. وقد صح عن الإمام الشافعي أنه رجع إلى قول الأئمة الثلاثة، نص عليه
стр. 181
الإمام أبو حامد الغزالي. واللعب مطلقا حرام عند أهل السنة، إلا ملاعبة الرجل أهله وتمرين فرسه والرمي بالقوس. والإمامية يجوزون اللعب في المذاكير في الصلاة التي هي موطن المناجاة مع باري النسمات، كما ذكر الطوسي فيه التهذيب وغيره من علماء الإمامية.
وأما الغناء فهو حرام عند الأئمة الأربعة. وأساطين المشايخ وأهل الله لم يسمعوا الغناء ولا رغبوا إليه. قال سيد الطائفة الجنيد البغدادي قدس سره: الغناء بطالة. وقال الشيخ أحمد الشهير برزون: السماع حرام كالميتة. وإنما كانوا يسمعون من الإنشاد في بعض الأحيان عند القبور برفع الصوت والترنم والحداء من غير تلحين وأنغام موسيقية، فإن سماع الأشعار بحسن الصوت لم يرو منعه، بل هو جائز بشرط أن لا يكون من أمرد يخشى النظر إليه الفتنة أو امرأة غير محرم، وأن لا يكون في شيء من اللهو واللعب. وأما أن تكون الأشعار في ذكر الجنة والنار والتشويق إلى دار القرار وذكر العبادات والتشويق في الخيرات، أو يكون فيه من ذكر والهجر والوصل مما يقرب حمله على أمور الحق سبحانه من تلون أحوال المريدين ودخول الآفات على الطالبين. وإن أردت الوقوف على تفصيل هذا المقام فارجع إلى كتاب الغنية للشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وكتاب كف
стр. 182
الرعاع عن محرمات اللهو والسماعة للعلامة ابن حجر (عليه الرحمة). وقد ذكر شيخ الرافضة الشهير بالشيخ المقتول في كتابه الدروس أنه يجوز الغناء في العرس بشروط، فلا مطعن لمن جوزه لما سنح له من دلائل إباحته، والشروط هي أن يكون المسمع امرأة وأن لا يكون رجلا وأن لا يكون الشعر في الهجاء وأن لا يكون كذبا، كذا في شرح القواعد. مع أن السماع من المرأة أقبح. فانظر إلى هذه المناقضات وما أبدوا من فاسد الاعتراضات.
السادسة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون الوضوء بالنبيذ وهو ماء مقيد، والقرآن ينص على الماء المطلق، قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
والجواب أن الوضوء بالنبيذ وهو الماء الذي فيه تمرات مخدوشة حتى يأخذ الماء حلاوتها لا يجوز عند مالك والشافعي وأحمد. واختلفت الروايات عن أبي حنيفة، ففي رواية يتوضأ به ولا يتيمم إذا لم يجد المصلي [إلا] نبيذ التمر وكان رقيقا كالماء ولم يشتد ولم يكن
стр. 183
مسكرا، فإذا صار لا يجوز به الوضوء اتفاقا، ولا مطبوخا، فإن الوضوء بالمطبوخ منه مطلقا لا يجوز، لأن النار غيرته لحديث ليلة الجن. وعن أحمد والترمذي وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي وعبد الرزاق في جامعه وغيرهم عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال ليلة الجن: "هل لك من وضوء؟ قلت: لا، قال: فما في إداوتك؟ قلت: نبيذ تمر، قال: تمرة حلوة وماء طيب. فتوضأ وتيمم". وهو قول محمد. وروى نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة أنه يتيمم ولا يتوضأ، وهو قول أبي يوسف وفي خزانة المفتين، وهو الأصح وعليه الفتوى للآية. وقد جوز جمع من الشيعة الوضوء من ماء الورد مع أنه ماء مقيدا. فيا للعجب أنهم
стр. 184
جوزوا الوضوء من ماء كر بال فيه الكلب واستنجى به جمع ولو ظهرت فيه أجزاء النجاسة وزادت على أجزاء الماء، وكذا أباحوا الشرب منه، ومع ذلك يطعنون على أهل الحق بسبب الوضوء بالنبيذ عند فقد الماء المطلق، مع صحة وروده عن النبي ﷺ ، ولقد أحسن من قال فيما يناسب هذا الحال:
ألا أيها اللائمي في خليقتي ... هل النفس فيما كان منك تلوم
فكيف ترى في عين صاحبك القذى ... وتنسى قذى عينيك وهو عظيم
السابعة والسبعون: إنهم يقولون إن أهل السنة أباحوا اللواطة بالعبيد وأسقطوا الحد عن اللائط مع أن اللواطة أفحش من الزنا وأقبح منه.
وهذه المكيدة محض افتراء على أهل السنة. أما اللواطة بالعبيد فقد أجمعوا على حرمتها ورووا أحاديث كثيرة عن ذلك. منها ما رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط.
стр. 185
وما روى الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها"، قال المنذري هو صحيح الإسناد. وما روى الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وابن حبان في صحيحه والنسائي والبيهقي عن ابن عباس أن رسول ﷺ قال: "ملعون من عمل عمل قوم لوط" ثلاثا. إلى غير ذلك من الأحاديث. وأما الحد فقد اختلف الفقهاء في موجبه، فذهب الشافعي ومن تبعه إلى أن اللواطة زنا فيحد اللائط حد الزنا، وذهب أبو حنيفة ومن تبعه إلى أن اللواطة ليست بزنا لأنها لم يعهد لها حد ولم يثبت من أهل اللغة إطلاق الزنا على اللواطة وشاع الفرق بينهما في العرف، يقال هذا زنا، وليس بلواطة، ولواطة ليس بزنا، وهو لوطي ليس بزان، وزان
стр. 186
ليس بلائط. قال أبو نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطي وزناء
وقال أحمد بن أبي نعيم:
قاض يرى الحد في الزنا ... ولا يرى على من يلوط من بأس
فإذا كان الأمر كذلك لا يثبت فيه حد الزنا. ولذا اختلف الصحابة في موجبه، فقال بعضهم: أرى أن يحرق بالنار. وقال ابن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى منه منكسا ثم يرمى بالحجارة. وقال [ابن الزبير]: إنهما يحبسان في أنتن المواضع حتى يموتا نتنا. فلو كانت اللواطة زنا لم يختلفوا في موجبها، فإنهم أهل اللسان فصحاء.
стр. 187
وظاهر الكتاب يدل على أن موجب اللواطة غير الحد، قال تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، فإن المراد بالفاحشة اللواطة لتثنية الضمير وتبيينهما بمن المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والإعراض وهو مخصوص بالرجال. وحكم النساء الحبس كما في الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. والفاحشة لا تختص بالزنا حتى يكون إطلاقها على اللواطة ناصا على أنه الزنا، فإن الفاحشة هي الفعلة المتناهية في القبح. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، وكون اللواطة أفحش من الزنا ممنوع، بل كلاهما فاحشة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.
الثامنة والسبعون: إن أسلافهم كانوا يكثرون التردد إلى أئمة أهل البيت ويأخذون عنهم الفقه والحديث ليغتر بهم من يراهم، فيزيدون في الدين وينقصون افتراءً على الأئمة الأطهار، قصدا إلى إضلال الناس. ومن أشدهم كيدا وأعظمهم فتنة وأكثرهم سعيا في تلبيس الحق بالباطل: هشام بن الحكم الأحول وهشام بن سالم الأحول الملقب بشيطان الطاق وزيد بن جهم الهلالي ومرارة بن أعين والحكم بن عتيبة و [ابن] عروة التميمي، الذين
стр. 188
يدعون الرواية عن الإمام السجاد وابنه الباقر وحفيده الصادق، وعمن أتى بعدهم إلى آخر حياة أبي محمد بن الحسن، فإنهم أظهروا للمسلمين فرط محبتهم لأهل البيت وأكثروا التردد إليهم وواظبوا على خدمتهم وصحبتهم، فرووا حينئذ الأكاذيب المموهة والأحاديث المزخرفة في الأحكام الشرعية الأصولية والفروعية، ونسبوا إلى الأئمة بغض الصحابة وأمهات المؤمنين، ورووا عنهم في مدح الشيعة ما يضيق عنه نطاق الحصر، مع أن الأئمة الأطهار رضي الله تعالى عنهم كانوا يظهرون البراءة من هؤلاء الرواة ويقدحون في عقائدهم الزائغة، كما رواه الكليني وغيره من الإمامية عن أئمة الهدى، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وكان الإمام الأجل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم يقول لهشام الأحول: "ألا تستحي فيما تقول عن أبي ما هو بريء منه"، حتى قال الأحول له يوما: إنك لست بإمام وإنما الإمام بعد أبيك أخوك محمد، فقال: "يا أحول إن أبي يعلمك مسائل الدين ولا يعلمني وهو يحبني حبا شديدا حتى كان يبرد الطعام ويجعله في في لئلا أتأذى من حره، فكيف يرضى أن أدخل النار، هذا لا يكون
стр. 189
أبدا". رواه الكليني وغيره من الإمامية. وكان من هؤلاء القوم جمع من الزنادقة الذين كان قصارى بغيتهم وغاية مطلبهم إلقاء العداوة بين المسلمين.
وكان من أخبث الزنادقة الذين يدعون الناس إلى مذهب الرافضة في زمن موسى بن جعفر وخلافة الرشيد إسحاق بن إبراهيم الملقب بديك الجن الشاعر، وكان لا يثبت صانعا ولا يقر ببعث ولا نبوة ويقع في الإسلام وأهله، ومع ذلك يظهر الإسلام ويؤيد مذهب الرافضة، وكانت الرافضة يعدونه من نقبائهم، كما ذكره شيخهم محمد بن محمد بن النعمان الملقب عندهم بالمفيد شيخ أبي جعفر الطوسي والمرتضى وتلميذ ابن بابويه القمي في كتاب المثالب والمناقب. وآخر هؤلاء القوم جماعة ادعوا السفارة بين محمد بن الحسن وشيعته، وأول من ادعى صحبة الأئمة من هؤلاء الغواة والرواية عنهم: هشام الأحول وهشام بن سالم وشيطان الطاق، وهؤلاء ومن نحا نحوهم كأبناء أعين وغيرهم من المنافقين الذين كانت قصارى أمنيتهم إيقاع ثلمة في الدين يفترون على أهل البيت ما هم براء عنه، كما سيجيء إن شاء الله تعالى في الفصل الآتي.
стр. 190
هامش
الفصل السابع في بيان أسلاف الرافضة
اعلم أن أسلاف الرافضة طبقات متعددة.
الطبقة الأولى: المنافقون، ومقتداهم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أخفى اليهودية وأظهر الإسلام، وقد كفّر الصحابة من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ودعا الناس إلى الرفض، ثم إلى الوصية لعلي بن أبي طالب، كما سبق أول الكتاب. فهو قدوة جميع الرافضة وأسوتهم. ولذا كثرت فيهم خصال اليهود، من الكذب والافتراء وكثرة البهتان وسب العلماء ولعن الصلحاء وفرط العداوة لأهل الحق والنفاق.
أما الكذب: فإن كل يهودي أكذب من مسيلمة، وكذلك الرافضة فإن فيهم من
стр. 191
الكذب ما ليس في غيرهم من الفرق الهالكة. وكان المرتضى الذي لقبوه بعلم الهدى أكثرهم كذبا، وقد سبق أنه ألف بعض الكتب ونسبه إلى امرأة تارة، وإلى يهودي مرة أخرى. وكان شيخه صاحب الرقعة المزورة أكذب منه، ولم يستح هو ولا ابن بابويه من الافتراء على الله تعالى ورسوله ﷺ .
وأما الافتراء: فإن اليهود أكثر الناس افتراء، وقد افتروا على عيسى بن مريم وأمه وحواريه ما هم براء عنه.
وأما كثرة البهتان: فإن اليهود أكثر الباهتين. والرافضة توازيهم فيه، فإنهم يفترون على أهل الحق ما لا يحيط به نطاق الحصر.
وأما سب العلماء ولعن الصالحين: فإن اليهود يسبون عيسى روح الله ورسوله وأمه الصديقة وأصحابه البررة ويلعنونهم. وكذا الرافضة يسبون أمهات المؤمنين، والمهاجرين والأنصار من الصحابة الأنصار، وأمير المؤمنين وأولاده الأخيار -كما يجيء إن شاء الله تعالى- ويلعنون بعض كبراء أولاد الأئمة ممن يفترون عليه أنه ادعى الإمامة ولم يكن إماما، وكان الإمام أخاه، كجعفر بن موسى بن جعفر الصادق، الذي لقبوه بالكذاب، وكان من الأولياء الأمجاد ومن كبار علماء أهل البيت، وقد أخذ عنه الطريقة أبو زيد
стр. 192
البسطامي، بعد أن خدمه أكثر من عشرة أعوام. وما اشتهر بين الناس أنه أخذ عن جعفر الصادق فغلط، والصواب ما قدمنا. وكجعفر بن الحسن العسكري، وكان أيضا من عباد الله الصالحين.
وأما فرط العداوة لأهل الحق: فإن اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا. وكذلك الرافضة أشد الناس عداوة للصحابة ولأكثر أمهات المؤمنين وأهل البيت ولجميع أهل السنة.
وأما الأضغان والحقد: فإن اليهود أشد أعداء الله حقدا على المسيح عيسى ابن مريم ﵇ وأمه وحواريه، وعلى خاتم الرسل ﵊ وأصحابه الأعلام وسائر المسلمين الكرام. وكذلك الروافض، فإنهم أكثر الفرق الهالكة حقدا على أهل الحق وأسلافهم السادة الأمجاد، القامعين بألسنتهم وأسنتهم أهل الزيغ والفساد.
وأما النفاق وإبطان الباطل وإظهار الحق: فإن جمعا من اليهود قبل الإسلام كانوا يبطنون اليهودية ويظهرون النصرانية، ولما ظهر الإسلام كانوا يخفون اليهودية ويظهرون الإسلام، وأكثرهم يظهر من العقائد خلاف ما يبطن. وكذلك الرافضة، فإنهم يبطنون الرفض ويظهرون الحق، فإن التقية عندهم واجبة، وقولهم إن التقية إخفاء الحق وإظهار الباطل، فمنشؤه عمى بصائرهم، ودون
стр. 193
إثباته خرط القتاد. فإن كل منافق يزعم ذلك.
الثانية: القائلون بالحلول، كبنان بن سمعان، وكان من علماء الإمامية.
الثالثة: المجسمة الذين يقولون إن الله تعالى جسم، كالهشامين، وشيطان الطاق، والميثمي، وجماعة أخرى من علماء الإمامية، كما رواه الكليني في الكافي. وكان من هؤلاء القوم من يظهر التشيع ويبطن الكفر كما سبق.
الرابعة: الذين يقولون: إن الله تعالى صورة، كالحكم وابن السالم وصاحب الطاق والميثمي، وغيرهم.
الخامسة: الذين يقولون: إن الله تعالى أجوف إلى السرة والباقي مصمت، كابن
стр. 194
سالم والميثمي.
السادسة: الذين أثبتوا الجهل له تعالى في الأزل، كزرارة بن أعين وبكير بن أعين وابن الحكم وشيطان الطاق وسليمان الجعفري ومحمد بن مسلم، وغيرهم.
السابعة: الذين يقولون: إن صفاته تعالى مخلوقة، كابن أعين وأخيه بكير وجماعة.
الثامنة: الذين يزعمون أن له تعالى مكانا، كالهشامين وصاحب الطاق.
التاسعة: الذين يزعمون أنه تعالى في جهة، كالأحولين وشيطان الطاق والميثمي.
العاشرة: الذين يقولون: إنه تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد تكونها، كزرارة وشيطان الطاق وجماعة.
الحادية عشرة: الذين كانوا يدعون أنهم من خيار شيعة أمير المؤمنين وخلص أحبته ومع ذلك يعصونه ولا يسمعون قوله ولا يجيبون دعوته ويخالفون أمره، وكان أمير المؤمنين لا يصدق قولهم ويشتكي منهم كثيرا، كما يدل عليه كلامه.
فمن ذلك ما كتبه إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر: "أما بعد: فإن مصر قد
стр. 195
فتحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحسبه ولدا ناصحا وعاملا كادحا وسيفا قاطعا وركنا رافعا، وقد كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا، فمنهم الآتي كارها ومنهم المعتل كاذبا ومنهم القاعد خاذلا، أسأل الله تعالى أن يجعل منهم فرجا عاجلا، فوالله لولا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية، لأحببت ألا ألقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا ألتقي بهم أبدا".
ومن ذلك قوله في خطبة خطبها حين بلغه أن سفيان بن عوف -من أمراء معاوية- وردت خيله الأنبار وقابل من كان هناك من رعيته: "والله يميت القلب ويجلب الهم ما نرى من اجتماع هؤلاء على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا، حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم، وتفرون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر، قلتم هذه كحمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قلتم هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر،
стр. 196
يا أشباه الرجال ولا رجال، لكم حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم وأعرفكم معرفة".
ومن هذه الخطبة أيضا، "قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا، فأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم! وهل أحد أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذرفت على الستين، لكن لا رأي لمن لا يطاع".
ومن ذلك قوله في خطبة أخرى: "أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء، يقولون في المجالس: كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، دفاع ذي الدين المطول".
ومن ذلك قوله في هذه الخطبة أيضا، "المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الباخس، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل، وأصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، وما أوعد العدو بكم".
стр. 197
ومن ذلك قوله في خطبة أخرى له في استنفار الناس إلى أهل الشام: "أف لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا عن الآخرة عوضا؟ ومن الذل عن العز خلفا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد أعدائكم دارت أعينكم كأنكم، من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة، يرتج عليكم حواري فتعمهون وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، ما أنتم بركن يمال بكم، ولا زوافر عز يفتقر إليكم، ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر، بئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم، تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تمتغضون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون".
ومن ذلك قوله في خطبة أخرى له: "منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لكم، ما تنتصرون بنصركم ربكم، لا دين يجمعكم، ولا حمية تحميكم، أقوم فيكم مستصرخا، وأناديكم متغوثا، فلا تسمعون إلي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثار، ولا، يبلغ منكم مرام، دعوتكم إلى نصر إخوانكم، فجرجرتم جرجرة الجمل الأشر وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر، ثم خرج منكم جنيد متذائب ضعيف، كأنما. يساقون إلى
стр. 198
الموت وهم ينظرون".
ومن ذلك قوله في ذم أصحابه أيضا: "كم أداريكم كما تدارى البكار العمدة، والثياب المتداعية، إن حيصت من جانب تهتكت من جانب آخر، وكلما أطل عليكم منسر من مناسير الشام أغلق كل رجل منكم بابه، وانحجر انحجار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها".
ومن ذلك قوله أيضا: "من رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصل، إنكم والله لكثير في الباجات، قليل تحت الرايات".
وقد ذكر هذه الخطب صاحب نهج البلاغة في النهج، وكذا غيره من الإمامية وغيرهم.
وقال علي بن موسى بن طاوس سبط محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة: "إن عليا كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة فما أجابه إلا رجل أو رجلان، فتنفس الصعداء وقال: أين يقعان؟ "، ثم قال ابن طاوس: "هؤلاء خذلوه مع اعتقادهم فرض طاعته وأنه صاحب الحق وأن الذين ينازعونه على الباطل، وكان رضي الله تعالى عنه يداريهم ولكن لم تجده المداراة نفعا".
وقد سمع قوما من هؤلاء في مسجد الكوفة ينالون منه ويستخفون به، فأخذ بعضادتي الباب وأنشد قول كثير متمثلا به:
стр. 199
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
يئس منهم حينئذ ودعا عليهم.
الثانية عشرة: الذين دعا عليهم أمير المؤمنين بقوله: "قاتلكم الله".
الثالثة عشرة: الذين ينكرون ما هو الحق عند جماهيرهم في تعيين الإمام وعدد الأئمة، كالناؤسية وغيرهم ممن تقدم ذكرهم.
الرابعة عشرة: الذين نهى الصادق وغيره من الأئمة عن متابعتهم ودعا عليهم وأظهر التبري منهم، كهشام بن الحكم وهشام بن سالم وصاحب الطاق وزرارة، كما رواه الكليني عن غير واحد من الأئمة.
الخامسة عشرة: الكذابون من رواة الآثار، كابن عياش الذي اعترفوا بأنه كذاب، وابن بابويه صاحب الرقعة من المتقدمين، والمرتضى من المتأخرين.
السادسة عشرة: الذين آذوا سبط المصطفى وابن البتول -صلى الله تعالى
стр. 200
على جده وعلى أمه وعليه- بالقول والفعل، وخرجوا عليه، وأخذوا المصلى من تحته، وجنحوا إلى معاوية ونصروه، وحملوه على المحاربة والاستعداد لها، طمعا في الدنيا، وكانوا هؤلاء شيعته وشيعة أبيه، كما ذكر ذلك المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة، وكتب رؤساؤهم إلى معاوية سرا، وحثوه على سرعة المسير نحوهم، وتعهدوا له بالتسليم عند دنوه منهم والفتك بالإمام، كما ذكر في الفصول من كتب الإمامية.
السابعة عشرة: الذين كاتبوا السبط الشهيد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه وهم أكثر أهل الكوفة، فقد كتبوا إليه كتبا عديدة في توجهه إلى طرفهم، فلما قرب من ديارهم مع الأهل والأقارب والأصحاب وأخذت الأعداء تؤجج نيران الحرب في مقابلته وآل الأمر إلى القتال خانه هؤلاء الفئة الضالة ولم ينصره أحد منهم مع كثرتهم، بل رجع أكثرهم مع الأعداء خوفا وطمعا، وكانوا سببا لشهادته وشهادة كثير ممن معه، وآذوه أكثر ممن آذى الأنبياء من الكفار، حتى مات الأطفال والصبيان الرضع عطشا، وأطافوا أهل البيت النبوي وذوات الخدر من الطاهرات العابدات القانتات في البلاد والقرى والفلوات، إلى غير ذلك من الأمور التي منها السماء تمور والقبائح التي تنكسر أسنان القلم عند ذكرها ويسود وجه القرطاس لدى سطرها.
стр. 201
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه والصور في نشر الخلائق تنفخ لابد أن ترد القيامة فاطم وقميصها بدم الحسين ملطخ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
الثامنة عشرة: من لا يثبت صانعا ولا يقر بنبوة ولا حشر ولا نشر، ويقع في الإسلام وأهله، كديك الجن ومن تبعه.
التاسعة عشرة: من يظهر الإسلام وهو من النصارى، كزكريا بن إبراهيم النصراني وغيره.
العشرون: من كذبه الصادق، وقال: "إنه يفتري علينا أهل البيت ويروي عنا الأكاذيب" كبيان المكنى بأبي أحمد، وغيره ممن تبعه.
الحادية والعشرون: من لم يوحد الله تعالى، وخالف الأئمة في العقيدة، كهشام بن سالم والميثمي وصاحب الطاق وغيرهم ممن ادعى أنه من خلص أصحاب الأئمة. روى الكليني عن إبراهيم بن محمد الخراز ومحمد بن حسين قالا: دخلنا على أبي الحسن الرضا
стр. 202
وقلنا: إن هشام بن سالم وصاحب الطاق والميثمي يقولون: "إن الله تعالى أجوف إلى السرة والباقي صمد"، فخر لله ساجدا ثم قال: "سبحانك ما عرفوك ولا وحدوك، فمن أجل ذلك وصفوك".
الثانية والعشرون: من يروي عن الأئمة في التوحيد ما هم براء عنه، كهشام بن الحكم، يروي عن الباقر والصادق أنه تعالى جسم. روى الكليني عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله: "سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم، أن الله تعالى جسم صمدي نوري، معرفته ضرورية، يمن بها على من يشاء من خلقه، فقال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو! ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يحس ولا يجس ولا يحيط به شيء، وليس بجسم ولا بذي صورة، ولا به تخطيط ولا تحديد".
ومنهم من كذب بعض الأئمة في دعوى الإمامة، كبعض أصحاب الكاظم والرضا. ومنهم غير من ذكرنا مما يطول الكلام باستيفائهم.
فهؤلاء القوم أسلاف الرافضة الذين أخذوا عنهم المذهب. ولم يأخذوه ممن أثنى عليهم الكتاب، وبشرهم ربهم بجزيل الثواب، جنات تجري من تحتها الأنهار، ومقعد صدق في دار القرار، ومدحهم أمير المؤمنين، وقاتلوا معه أعداءه المارقين. فكيف يفلح قوم اتبعوا أرذل الأراذل واقتدوا بالأسافل! فالحذر الحذر ممن ابتدع وكفر! وهؤلاء كلهم أعداء الدين، وإخوان الشياطين، قد انتحلوا الضلال واستحقوا من الله العذاب والنكال، ليسوا بشيعة أهل البيت المطهرين عن الأرجاس، المبرئين عن وصمة الأدناس؛ بل هم جند إبليس اللعين، وخلفاء المفسدين الماردين. وشيعة أهل البيت إنما هم أهل الحق واليقين، الذين نصروا أمير المؤمنين، وأخذوا العلم منه ومن أولاده، أئمة الهدى والكاشفين الردى، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ورزقنا جل ثناؤه في جنات النعيم رؤياهم، بمنه وكرمه وإحسانه ونعمه.
стр. 203
الفصل الثامن في بيان أنه لا يمكن إثبات الدين المحمدي على أصول الرافضة
اعلم أن إثبات الأحكام الشرعية الأصولية والفروعية لا يمكن من أصول الرافضة ورواياتهم، بل ولا إثبات الملائكة ونبي من الأنبياء، ولا حشر ولا نشر، ولا عقاب ولا جزاء؛ لأن معتقدهم أن جميع الصحابة قد ارتدوا -والعياذ بالله تعالى- بزعمهم الفاسد واعتقادهم الكاسد.
روى سليم بن قيس الهلالي في كتاب وفاة النبي ﷺ عن ابن عباس عن أمير المؤمنين، وروى أيضا جمع عن الصادق أن الصحابة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ إلا أربعة أنفس، وفي رواية عن الصادق: إلا ستة.
ولا يثبت مثل هذه الأمور برواية أربعة أو ستة، وإنما يثبت بالخبر المتواتر، ومن شرطه بلوغ جميع
стр. 204
طبقاته حدا يمنع تواطئهم على الكذب.
وما رواه سائر الصحابة في ادعاء الرسالة وإظهار المعجزة على وفق الدعوى وإنزال الله تعالى القرآن لا يفيد شيئا؛ لأنه خبر جمع أجمعوا على نبذ وصية النبي ﷺ وعلى مخالفة أوامره ونواهيه، وعدم قبول خلافة من استخلفه عليهم، واتفقوا على قرآن محرف، قد نقص كثير من آياته وسوره، وتواطؤا على الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، كغسل الرجلين في الوضوء ومسح الخفين، وحكمهم بصحة خلافة من لم يستخلفه الرسول، واعتقادهم سنية ما ابتدعه وأحدثه خلفاؤهم، كصلاة التراويح وحرمة المتعة، وغير ذلك مما اعتقده أهل الزيغ في أصحاب رسول الله ﷺ ، لا يحتج به لجواز أن يكون اتفاقهم على أمر النبوة مثل اتفاقهم على تلك الأمور. فإنه إذا أخبر جمع غير محصورين، بما يجوز توافقهم على الكذب فيه لغرض من الأغراض لا يكون ذلك الخبر متواترا من غير نكير، ولأنه يجوز أن يكون الراوي لإظهار المعجزة ونزول القرآن جمع مخصوص لا كل من رآه وآمن به، وخبر غيرهم بذلك موافقة لهم؛ لأنهم كانوا لا يبالون من الكذب، أو أن يكون اتفاقهم على ذلك لمصلحة دنيوية، فإن هؤلاء القوم زعموا أن قريشا سمعوا من الكهنة أن رجلا من قريش من أولاد هاشم بن عبد مناف، اسمه محمد واسم أبيه عبد الله، يدعي النبوة ويحارب من يخالفه ويغلب عليهم ويملك بلاد العرب وتدين له العرب وتخاف منه العجم، وأصحابه يغزون الروم وفارس ويغلبون عليهم فيملكون بلادهم وأموالهم ويسبون ذراريهم
стр. 205
وأزواجهم ويفتح بعدهم أتباعهم بلاد الترك وبلاد الهند والسند، وكانت العرب تصدق الكهنة فيما يقولون، وقد سمعوا أيضا من اليهود أنهم يقولون: سيظهر رجل من قريش، يدعي النبوة، وليس من النبوة في شيء، ويستفحل أمره شيئا فشيئا، حتى تدين له العرب والعجم، ويستكينون له. فلما ظهر وادعى النبوة، تبعته جماعة، وأبت أخرى.
ولما شاهدوا ما شاهدوا من استفحال أمره تبعه من أبى اتباعه أولا، ثم اتبعه بعض من لم يسمع من الفريقين بظهوره، حفظا لنفسه وصيانة لأمواله، ثم اتبعه من حاربه في مواطن كثيرة ولم يظفر عليه اضطرارا، ثم تبعه غير العرب من اليهود والنصارى ومنكري الشرائع والنبوات وعبدة الأوثان ونحوهم مداراة له، بناء على ما قيل في المثل السائر: "إذا كنت في قوم فاحلب في إنائهم" ولله در من قال:
ودارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما كنت في أرضهم
وكذلك توافقهم على أن القرآن تحدي به فلم يأت أحد من فحول الخطباء ومصاقع البلغاء بما يدانيه، فضلا عما يوازيه. إذ يجوز أن يكون أحد البلغاء من العرب العرباء قد أتى بمثله ولكنهم أخفوا ذلك لتلك المصلحة، وأوصى بعضهم بعضا بالاجتماع والاتفاق وترك الخلاف والشقاق. وأيضا يجوز أن يكون سماع الطبقة الثانية
стр. 206
عن شرذمة قليلة أمكن تواطؤهم على الكذب، ولكنهم عزوا ما سمعوه من البعض إلى الكل لعدم التهمة، وروى عنهم جمع لا يحصى، وهكذا إلى المنتهى، إذ لم يعزو إليهم، ولكن ذاع ذلك الخبر في الطبقة الثالثة، وروى عنهم الطبقة الرابعة، وهلم جرا إلى زماننا هذا، فيكون هذا التواطؤ كتواطئ اليهود في روايتهم عن موسى أنه قال: "هذه شريعة مؤبدة ما دامت السماوات والأرض"، وتواطىء النصارى عن عيسى ﵇ أن رسالة ابن البشر قد ختمت قبل وأنه ابن الله.
وقول الرافضة: إنه لا يشترط العدد في التواتر، بل يحصل العلم بخبر أربعة إذا كان محفوفا بالقرائن، باطل. فإنه وإن لم يشترط العدد في التواتر على الأصح، لكنه اشترط أن يكون الرواة في كل طبقة جمعا يستحيل تواطؤهم على الكذب، وعدد الأربعة ونحوه يجوز تواطؤهم على الكذب، والقرائن الظنية لا يعول عليها ولا يحصل منها العلم بصدق الخبر، فإن من كان مريضا في دار، فأخبر أربعة أشخاص بموته إنسانا، ثم سمع من تلك الدار صوت البكاء، لا يحصل العلم بموته، لاحتمال أن يكون البكاء لاشتداد مرضه وإغمائه، أو موت بعض أهل الدار فجأة، أو بسبب التردي، أو نحو ذلك. وقد تفردت الرافضة بهذا القول، مع أنه لم يقل به أحد من أولي النهى، وذلك دعوى ليس لهم دليل عليه.
فقد تبين بما ذكر أن هؤلاء الفئة الضالة، ليسوا على شيء، وقد بنوا مذهبهم على شفا جرف هار.
(الأدلة عند الشيعة)
وأقول زيادة على ما ذكر المؤلف ملخصا ذلك من ترجمة التحفة الاثني عشرية:
стр. 207
اعلم أن الأدلة عند الشيعة كتاب وخبر وإجماع وعقل.
أما الكتاب الذي يعتمد عليه في الاستدلال، فهو المأخوذ من الأئمة المعصومين، ولم يوجد عندهم. وأما الذي في الأيدي، فزعموا فيه التحريف والإسقاط -والعياذ بالله- كما في الكافي وغيره، فلا اعتماد على الاستدلال به لجواز النسخ بما سقط وتخصيص العام، ونحو ذلك. ونقلته عندهم كنقلة التوراة والإنجيل، فسقة فجرة منافقين مداهنين - معاذ الله تعالى من ذلك.
وأما الخبر فلا بد له من ناقل، فهو إما من الشيعة أو من غيرهم. ولا عبرة بغيرهم لأن الصدر الأول منهم ارتدوا، والعياذ بالله تعالى. وأما الشيعة فلهم اختلاف فاحش فيما بينهم في أصل الإمامة وتعيين الإمام، ولا يمكن إثبات قول من أقوالهم إلا بالخبر، لأن الكتاب ساكت عن المقصود بحيث يفحم المخالف. وأيضا قد عرفت حال
стр. 208
الكتاب، فلم يبق إلا الخبر. فلو توقف ثبوت الخبر وحجيته على ثبوت ذلك القول لزم الدور. وأيضا كون الخبر حجة، إما لأنه قول المعصوم، أو وصل بواسطة المعصوم من المعصوم الآخر؛ وعصمة أحد بعينه لا تثبت إلا بخبر، والكتاب حاله معلوم عندهم، والعقل عاجز، والمعجزة على تقدير الصدور أيضا موقوفة على الخبر، لأن مشاهدة التحدي ورؤية المعجزة لم تتيسر لكل. والإجماع أيضا إنما يكون حجة بدخول المعصوم فيه، ومع هذا في نقل إجماع الغائبين لا بد من الخبر. وفي إثبات عصمة رجل بعينه بخبره، أو بخبر المعصوم الآخر الذي وصل الخبر بواسطته دور صريح. وأيضا كون الخبر حجة موقوف على نبوة نبي وإمامة إمام، وإذا لم يثبت بعد أصله كيف يثبت فرعه. والتواتر عندهم ساقط عن حيز الاعتبار، لأن كتمان الحق والزور قد وقع من عدد التواتر، وخبر الآحاد غير معتبر في مثل هذه المطالب بالإجماع، فالاستدلال بالخبر مطلقا غير ممكن.
وأما الإجماع فبطلانه ظاهر؛ لأن ثبوت الإجماع فرع ثبوت النبوة والإمامة، ولو لم يثبتا كيف يثبت؟ وأيضا كون الإجماع حجة ليس بالأصالة، بل لكون قول المعصوم في ضمنه، فمدار حجيته على قول المعصوم، وقد علمت ما علمت. وأيضا دخول المعصوم في الإجماع وموافقة قوله لأقوال سائر الأئمة لا يثبت إلا بالخبر، واللازم لازم، فتأمل.
وأما العقل فالتمسك به إما في الشرعيات أو غيرها. أما في الشرعيات فلا يمكن الاستدلال به عندهم، لأنهم منكرون أصل القياس، ولا يعلمونه حجة. وأما في غير الشرعيات فيتوقفون على تجريده عن شوائب الوهم والإلف والعادة والاحتراز عن الخطأ في الترتيب. وهذه من الأمور التي لا تحصل إلا بإرشاد الإمام المعصوم، إذ قد كثر التخالف والتزاحم
стр. 209
في العقول وترجيحاتها، فلابد من ترجيح معصوم، ولا يكون إلا نبيا أو إماما. وإذا لم يثبت هذا لم يثبت ذاك. مع أن الكلام في الدلائل الشرعية والأمور الدينية، فإثباتها بالعقل الصرف لا يمكن لأن العقل عاجز عن معرفتها تفصيلا بالإجماع. نعم، يمكن معرفتها للعقل إذا كان مستمدا من الشريعة وقد كان أصل الحكم قد أخذ من الشارع، فحينئذ يقيس شيئا آخر على ذلك الأصل. ولكن لما كان القياس عندهم باطل لم يبق للعقل مطلقا في الأمور الشرعية دخل، لا سيما في قواعد الشرع وكلياته، فإن للعقل فيها ترددا واضطرابا. وإذا كان حال العقل كذلك، ففي أي دليل يستدل؟ انتهى.
وأما أهل السنة فلا يرد عليهم ما ورد على الشيعة على ما لا يخفى، لأن الصحابة عندهم كلهم عدول، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 210
الفصل التاسع في بيان من يدعي كل فرقة من الرافضة أخذ المذهب عنه وإبطاله
اعلم أن جميع فرق الرافضة سوى الغلاة يدعون أنهم يروون أصول الدين وأحكام الشريعة عن أهل البيت:
أما الكيسانية فيزعمون أنهم يروون عن علي وبنيه السبطين ومحمد بن الحنفية، وعن أبي هاشم بن محمد بن علي، أو عن علي وابنه محمد وولده.
وأما الزيدية فيزعمون أنهم يروون عن علي وولديه السبطين، وعن زين العابدين السجاد وعن ابنه زيد ويحيى بن زيد.
وأما الباقرية فيزعمون أنهم يروون عن خمسة: علي وولديه والسجاد والباقر.
وأما الناوسية فيزعمون أنهم يروون عن ستة: الخمسة المذكورة وجعفر بن محمد الصادق.
وأما المباركية من الإسماعيلية فيزعمون أنهم يروون عن سبعة: الستة المذكورة وإسماعيل.
وأما القرمطية فيزعمون أنهم يروون عن ثمانية: السبعة المذكورة ومحمد بن إسماعيل.
وأما السمطية فيزعمون أنهم يروون عن اثني عشر: عن الثمانية
стр. 211
المذكورة ومحمد وموسى الكاظم وعبد الله وإسحاق أبناء الصادق.
وأما المهدوية فيزعمون أنهم يروون عن اثنين وعشرين رجلا. وقد تقدم ذكرهم في الفصل الثاني. وهؤلاء يزعمون أن أئمتهم معصومون. قال أبو محمد نجم الدين عمارة بن علي بن زيد المدحجي الشاعر المشهور في قصيدته الميمية التي يمدح بها الفائز بن الظافر ووزيره [الطلائع] بن زرنك:
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا فوز النجاة فاجر البر في القسم
وأئمتهم يدعون أيضا أنهم معصومون، ويدعون علم الغيب والعلوم الغريبة من الكيمياء وغيرها.
وأما النزارية من المهدوية فيزعمون أنهم يروون عن ثمانية عشر رجلا: أولهم أمير المؤمنين وآخرهم المستنصر.
وأما الأفطحية فيزعمون أنهم يروون عن سبعة: علي وولديه والسجاد والباقر والصادق وابنه عبد الله.
وأما الممطورية فيزعمون أنهم يروون عن سبعة أيضا: الستة المذكورة، وهم أولاد موسى بن جعفر، والكاظم.
وأما الفاطمية والقطعية أيضا فيزعمون أنهم يروون عن هؤلاء السبعة.
وأما الاثنا عشرية من الإمامية فيزعمون أنهم يروون عن اثني عشر رجلا: الستة المذكورة وعلي بن موسى الرضا وابنه محمد التقي وولده علي النقي وابنه الحسن العسكري وولده المهدي.
стр. 212
وأما النصيرية فيزعمون أنهم يروون عن ثلاثة عشر رجلا: هؤلاء المذكورون وزيد بن علي أخي الباقر.
ولا دليل لهم على ما ادعوه، بل كله باطل، لأن صدق كل فرقة يقتضي كذب الأخرى، فلا يحصل من أخبارهم يقين ولا ظن.
أما اليقين فلأن كل فرقة من الفرق الرافضة لم تبلغ حد الكثرة في العصر الأول، بل وفي أكثر العصور المتأخرة، فضلا عن أن تبلغ حد التواتر. ولو تواتر لم ينكر [زيد] على الأحول، ولم ينكر بعض أصحاب الأئمة إمامة صاحبه، ولم تختلف الإمامية في عدد الأئمة، لأن كل فرقة تدعي التواتر.
وأما عدم حصول الظن فلكثرة الاختلاف وتكذيب بعضهم بعضا، ولأن رواة أخبارهم جماعة لا تقبل روايتهم؛ لأن منهم مرتكب الكبيرة، وهم
стр. 213
الذين اشتكى منهم أمير المؤمنين لأنهم لا يطيعون أمره ولا يسمعون قوله. ومنهم الفاسق بعمل الجوارح. ومنهم فاسد المذهب، ومنهم الوضاع الكذاب، ومنهم الجهلة الضعفاء، ومنهم من اختلف في توثيقه، ومنهم من تعارضت الأخبار في جرحه وتعديله ولا مرجح لأحد الخبرين على الآخر، وهم الأكثرون -كما سيجيء إن شاء الله تعالى- ومنهم المجسمة، ومنهم الراوي عن الخطوط والرقاع المزورة، وكل من هؤلاء لا تقبل روايته.
أما أخبار غير من روى عن الخطوط فظاهر أنها لا تقبل. وأما الراوي عن الخطوط، فلأن الخط يشبه الخط بحيث لا يفرق بينهما، وربما يقلد الماهر في فن الكتابة خط كاتب آخر فيكتب مثل خطه بحيث لا يتميز الخطان.
وأما الرقاع فلا يرتاب عاقل أنها مزورة، ولا يصدق بها إلا الأحمق. والعجب من الرافضة أنهم سموا صاحب الرقاع بالصدوق! اللهم إلا أن يكون من تسمية الشيء باسم ضده. وهو وإن كان يظهر الإسلام غير أنه كان كافرا في نفس
стр. 214
الأمر، وكان يزعم أنه كان يكتب مسألة في رقعة، فيضعها في ثقب شجرة ليلا، فيكتب الجواب عنها المهدي صاحب الزمان. وهذه الرقاع عند الشيعة لها محل عظيم وموقع جسيم. فتبًّا لقوم أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحلال والحرام من نظائر هذه الخزعبلات. كلا إنها لا تروج إلا على من أعمى الله تعالى بصيرته وطبع على قلبه وأباد فطنته. ومع ذلك فهم لا يصغون للحق ولا يعون. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 215
الفصل العاشر في بيان اختلاف الرافضة في الإمامة وتعيين الأئمة
اعلم أن الرافضة اختلفوا في الإمامة وتعيين الأئمة:
أما الإمامية فذهبت الغلاة منهم إلى أن الإمامة هي الحكومة وإجراء الأحكام من الأوامر والنواهي.
وذهب غيرهم من الفرق إلى أن خلافة النبي في أمر الدين والدنيا.
وأما تعيين الأئمة:
فذهبت فرقة من الغلاة إلى أن الآلهة هم الأئمة، واختلفوا في تعيينهم.
فذهبت فرقة منهم إلى أن أولهم علي، أو محمد ثم علي، ثم الحسن ثم الحسين، ثم من صلح من أولاد الحسين إلى جعفر بن محمد، وهو الإله الأصغر، ونوابهم من صلح من أبنائه.
وذهبت فرقة إلى أن الإمام في هذه الأمة محمد وعلي، وهما إلهان، ونوابهما من صلح من أولاد علي.
وذهبت السبائية والذمية إلى أن الإمام هو علي، وهو إله، ثم الإمام بعد عروجه إلى السماء ولداه، ثم من صلح من أولاد الحسين.
وذهبت الحلولية منهم إلى أن الإمام من حل الله تعالى فيه. وقد تقدم ذكر اختلافهم في تعيينهم.
واختلف باقي الفرق في تعيين الأئمة اختلافا كثيرا:
فذهبت فرقة من الكيسانية إلى أن الإمام بعد النبي علي ثم ولده محمد.
وقالت فرقة منهم: إن الإمام بعده الحسن ثم الحسين ثم محمد.
وروى كل فرقة عمن زعمه إماما أخبارا في أحكام الشريعة وادعوا التواتر لها.
وروت الفرقة الأولى أن محمدا ادعى الإمامة بعد أبيه وأن أباه قد نص على إمامته بعده.
وروت الفرقة الثانية أن أباه نص على إمامة الحسن ثم الحسين ثم محمد، وزعموا أن محمدا فقد الإمامة بعد شهادة أخيه الحسين وأظهر الخوارق على وفق دعواه.
وروت الإمامية أيضا أنه ادعى الإمامة لكنه رجع عن دعواه، واعترف بإمامة ابن أخيه علي بن الحسين.
روى الراوندي في معجزات السجاد عن حسين بن أبي العلاء وأبو المعز حميد بن