← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96337

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محمود شكري الألوسي

Полный текст (641 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المذكورة ومحمد وموسى الكاظم وعبد الله وإسحاق أبناء الصادق. وأما المهدوية فيزعمون أنهم يروون عن اثنين وعشرين رجلا. وقد تقدم ذكرهم في الفصل الثاني. وهؤلاء يزعمون أن أئمتهم معصومون. قال أبو محمد نجم الدين عمارة بن علي بن زيد المدحجي الشاعر المشهور في قصيدته الميمية التي يمدح بها الفائز بن الظافر ووزيره [الطلائع] بن زرنك: أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا فوز النجاة فاجر البر في القسم وأئمتهم يدعون أيضا أنهم معصومون، ويدعون علم الغيب والعلوم الغريبة من الكيمياء وغيرها. وأما النزارية من المهدوية فيزعمون أنهم يروون عن ثمانية عشر رجلا: أولهم أمير المؤمنين وآخرهم المستنصر. وأما الأفطحية فيزعمون أنهم يروون عن سبعة: علي وولديه والسجاد والباقر والصادق وابنه عبد الله. وأما الممطورية فيزعمون أنهم يروون عن سبعة أيضا: الستة المذكورة، وهم أولاد موسى بن جعفر، والكاظم. وأما الفاطمية والقطعية أيضا فيزعمون أنهم يروون عن هؤلاء السبعة. وأما الاثنا عشرية من الإمامية فيزعمون أنهم يروون عن اثني عشر رجلا: الستة المذكورة وعلي بن موسى الرضا وابنه محمد التقي وولده علي النقي وابنه الحسن العسكري وولده المهدي.

стр. 212

وأما النصيرية فيزعمون أنهم يروون عن ثلاثة عشر رجلا: هؤلاء المذكورون وزيد بن علي أخي الباقر. ولا دليل لهم على ما ادعوه، بل كله باطل، لأن صدق كل فرقة يقتضي كذب الأخرى، فلا يحصل من أخبارهم يقين ولا ظن. أما اليقين فلأن كل فرقة من الفرق الرافضة لم تبلغ حد الكثرة في العصر الأول، بل وفي أكثر العصور المتأخرة، فضلا عن أن تبلغ حد التواتر. ولو تواتر لم ينكر [زيد] على الأحول، ولم ينكر بعض أصحاب الأئمة إمامة صاحبه، ولم تختلف الإمامية في عدد الأئمة، لأن كل فرقة تدعي التواتر. وأما عدم حصول الظن فلكثرة الاختلاف وتكذيب بعضهم بعضا، ولأن رواة أخبارهم جماعة لا تقبل روايتهم؛ لأن منهم مرتكب الكبيرة، وهم

стр. 213

الذين اشتكى منهم أمير المؤمنين لأنهم لا يطيعون أمره ولا يسمعون قوله. ومنهم الفاسق بعمل الجوارح. ومنهم فاسد المذهب، ومنهم الوضاع الكذاب، ومنهم الجهلة الضعفاء، ومنهم من اختلف في توثيقه، ومنهم من تعارضت الأخبار في جرحه وتعديله ولا مرجح لأحد الخبرين على الآخر، وهم الأكثرون -كما سيجيء إن شاء الله تعالى- ومنهم المجسمة، ومنهم الراوي عن الخطوط والرقاع المزورة، وكل من هؤلاء لا تقبل روايته. أما أخبار غير من روى عن الخطوط فظاهر أنها لا تقبل. وأما الراوي عن الخطوط، فلأن الخط يشبه الخط بحيث لا يفرق بينهما، وربما يقلد الماهر في فن الكتابة خط كاتب آخر فيكتب مثل خطه بحيث لا يتميز الخطان. وأما الرقاع فلا يرتاب عاقل أنها مزورة، ولا يصدق بها إلا الأحمق. والعجب من الرافضة أنهم سموا صاحب الرقاع بالصدوق! اللهم إلا أن يكون من تسمية الشيء باسم ضده. وهو وإن كان يظهر الإسلام غير أنه كان كافرا في نفس

стр. 214

الأمر، وكان يزعم أنه كان يكتب مسألة في رقعة، فيضعها في ثقب شجرة ليلا، فيكتب الجواب عنها المهدي صاحب الزمان. وهذه الرقاع عند الشيعة لها محل عظيم وموقع جسيم. فتبًّا لقوم أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحلال والحرام من نظائر هذه الخزعبلات. كلا إنها لا تروج إلا على من أعمى الله تعالى بصيرته وطبع على قلبه وأباد فطنته. ومع ذلك فهم لا يصغون للحق ولا يعون. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 215

الفصل العاشر في بيان اختلاف الرافضة في الإمامة وتعيين الأئمة اعلم أن الرافضة اختلفوا في الإمامة وتعيين الأئمة: أما الإمامية فذهبت الغلاة منهم إلى أن الإمامة هي الحكومة وإجراء الأحكام من الأوامر والنواهي. وذهب غيرهم من الفرق إلى أن خلافة النبي في أمر الدين والدنيا. وأما تعيين الأئمة: فذهبت فرقة من الغلاة إلى أن الآلهة هم الأئمة، واختلفوا في تعيينهم. فذهبت فرقة منهم إلى أن أولهم علي، أو محمد ثم علي، ثم الحسن ثم الحسين، ثم من صلح من أولاد الحسين إلى جعفر بن محمد، وهو الإله الأصغر، ونوابهم من صلح من أبنائه. وذهبت فرقة إلى أن الإمام في هذه الأمة محمد وعلي، وهما إلهان، ونوابهما من صلح من أولاد علي. وذهبت السبائية والذمية إلى أن الإمام هو علي، وهو إله، ثم الإمام بعد عروجه إلى السماء ولداه، ثم من صلح من أولاد الحسين. وذهبت الحلولية منهم إلى أن الإمام من حل الله تعالى فيه. وقد تقدم ذكر اختلافهم في تعيينهم. واختلف باقي الفرق في تعيين الأئمة اختلافا كثيرا: فذهبت فرقة من الكيسانية إلى أن الإمام بعد النبي علي ثم ولده محمد. وقالت فرقة منهم: إن الإمام بعده الحسن ثم الحسين ثم محمد. وروى كل فرقة عمن زعمه إماما أخبارا في أحكام الشريعة وادعوا التواتر لها. وروت الفرقة الأولى أن محمدا ادعى الإمامة بعد أبيه وأن أباه قد نص على إمامته بعده. وروت الفرقة الثانية أن أباه نص على إمامة الحسن ثم الحسين ثم محمد، وزعموا أن محمدا فقد الإمامة بعد شهادة أخيه الحسين وأظهر الخوارق على وفق دعواه. وروت الإمامية أيضا أنه ادعى الإمامة لكنه رجع عن دعواه، واعترف بإمامة ابن أخيه علي بن الحسين. روى الراوندي في معجزات السجاد عن حسين بن أبي العلاء وأبو المعز حميد بن

стр. 216

المثنى جميعا عن أبي نصير عن أبي عبد الله قال: جاء محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين قال: يا علي، ألست تقر أني إمام عليك؟ فقال: يا عم، لو علمت ذلك ما خالفتك، وأن طاعتي عليك وعلى الخلق مفروضة، يا عم، أما علمت أني وصي وابن وصي؟ وتشاجرا ساعة، فقال علي بن الحسين: بمن ترضى حتى يكون بيننا حكما؟ فقال محمد: بمن شئت، فقال: أترضى أن يكون بيننا الحجر الأسود؟ فقال: سبحان الله أدعوك إلى الناس وتدعونني إلى حجر لا يتكلم! قال علي: بلى يتكلم، أما علمت أنه يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن أتاه بالموافاة؟ فندنو أنا وأنت، فندعو الله أن ينطقه لنا أينا حجة الله على خلقه؟ فانطلقا وصليا عند مقام إبراهيم، ودنوا من الحجر الأسود، وقد كان ابن الحنفية قال: لئن لم يجبك إلى ما دعوتني إليه إنك إذا لمن الظالمين، فقال علي لمحمد: تقدم يا عم إليه فإنك أسن مني، فقال محمد للحجر: أسألك بحرمة الله تعالى وبحرمة رسوله ﷺ وبحرمة كل مؤمن إن كنت تعلم أني حجة الله على علي بن الحسين، إلا نطقت بالحق وبين لنا ذلك، فلم يجبه، ثم قال محمد لعلي: تقدم فاسأله، فتقدم علي فتكلم بكلام خفي لا يفهم، ثم قال: أسألك بحرمة الله تعالى وبحرمة رسوله ﷺ وبحرمة علي أمير المؤمنين وبحرمة الحسن وبحرمة الحسين وفاطمة بنت محمد، إن كنت تعلم أني حجة الله على عمي إلا نطقت بذلك وبينه لنا حتى يرجع عن رأيه، فقال الحجر بلسان عربي مبين: يا محمد بن علي، اسمع وأطع لعلي بن الحسين، فإنه حجة الله تعالى على خلقه، فقال ابن الحنفية عند ذلك: سمعت وأطعت وسلمت. انتهى. والكيسانية يصدقون الدعوى وينكرون الشهادة ويزعمون أن الأمر بالعكس. ويروون عن محمد من الخوارق ما لا يكاد يضبط. وقالوا: الإمام بعد محمد ولده أبو هاشم، واختلف بعده كما سبق. وذهبت الزيدية إلى أن الإمام بعد الحسين زيد بن علي

стр. 217

بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهم- وروى عنه وعن أبيه وجده أخبارا. وادعوا في بعض تلك الأخبار التواتر، كمسح الرجلين في الوضوء. وأنكر الإمام زيد معتقدات سائر الإمامية في الإمام، كما في رواية الزيدية عنه. وروت الإمامية بعض تلك الأخبار أيضا. من ذلك ما رواه الكليني عن هشام بن الحكم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وذهبت الباقرية إلى أن الإمام بعد علي ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين، ثم ولده علي، ثم محمد بن علي الباقر، وهو حي لكنه مختف. وذهبت الناوسية إلى أن الإمام بعد الباقر ولده عبد الله بن جعفر الصادق وأنه لم يمت، ولا يموتون مدى الدهر حتى يظهر أمره، وهو القائم المنتظر والمهدي الموعود، ورووا عن الصادق فيه أخبارا وادعوا تواترها، منها: "لو رأيتم رأسي هدهد عليكم من هذا الجبل فلا تصدقوا، فإني صاحبكم صاحب السنين". وذهبت المهدوية من الإسماعيلية إلى أن الإمام بعد الصادق ولده إسماعيل بنص الصادق عليه، ثم أولاده من غير تعيين عدد. وذهبت المباركية منهم إلى أن إسماعيل بن جعفر هو القائم المنتظر والمهدي الموعود. وذهبت القرمطية منهم إلى أن الإمام بعد إسماعيل ولده محمد، وهو المهدي. وذهبت السمطية إلى أن الإمام بعد إسماعيل أخوه محمد، ثم أخوه موسى، ثم أخوه عبد الله، ثم أخوه إسحاق، ثم الإمامة في ولدهم. وزعمت الأفطحية أن الإمام بعد الصادق عبد الله بن جعفر، أخو إسماعيل من أبيه وأمه، وكانت أمهما فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنه مات، ولكنه سيرجع بعد موته إلى الدنيا. وذهبت الموسوية إلى أن الإمام بعد الصادق ولده موسى، بنص الصادق عليه، وهو

стр. 218

خاتم الأئمة. وذهبت الرجعية منهم إلى أنه مات، ولكنه يرجع بعد موته. وذهبت الممطورية منهم إلى أنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر أمره، وهو القائم المنتظر، ورووا عن الصادق أنه قال: "سابعكم قائمكم، وهو سمي صاحب التوراة". وقالت الاثنا عشرية: الإمام بعد موسى ابنه الرضا، ثم ابنه محمد التقي، ثم ولده علي النقي، [ثم ابنه الحسن العسكري]، ثم ابنه محمد بن الحسن العسكري، وهو المهدي الموعود. وزعموا أنه حي مختف من خوف الأعداء، فإنه يخرج من السرداب بسر من رأى. وذهب بعضهم إلى أن الإمام بعد الحسن جعفر بن علي أخو الحسن بن علي العسكري، وقالوا: لا عقب للعسكري، وقال بعضهم: كان له ولد، ولكنه مات صغيرا في حياة أبيه. روى الكليني عن زرارة بن أعين عن أبي عبد الله قال: "لا بد للغلام من غيبة، قلت: ولم؟ قال: يخاف، قلت: وما يخاف؟ فأومأ بيده إلى بطنه. فهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته: فمنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: مات أبوه ولم يخلف، ومنهم من يقول: ولد قبل موت أبيه بسنتين". وكل ذلك من أكاذيبهم، كيف وقد روى الكليني وغيره بطرق متنوعة أن الأئمة لا يموتون إلا باختيارهم، وأنهم يعلمون علم ما كان وما يكون. وكل

стр. 219

من هؤلاء الفرق رووا عن أئمتهم أخبارا لإثبات مذهبهم في عدد الأئمة وتعيينهم. فيزعم كل فرقة منهم أن إمامهم ادعى الإمامة وأظهر المعجزة على وفق دعواه. ويدعون التواتر في أخبارهم عن الإمامة. وكل ذلك كذب. ولو تواتر خبر فرقة منهم، لم ينكر محمد [بن] علي إمامة ابن أخيه علي بن الحسين، ولم ينكر زيد أصل الإمامة، ولم يشدد النكير على الأحول هذا. وهذه الاختلافات مع عدم مرجح تدل دلالة ظاهرة على أن مذهب الكل باطل، وليس لهم على من ادعاه كل سلطان. وذلك ظاهر. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 220

الفصل الحادي عشر في بيان كثرة اختلاف الشيعة في أعداد الأئمة وشروط الإمامة اعلم أن الشيعة اختلفت اختلافا كثيرا في تعداد الأئمة وشروط الإمامة من العصمة والنص وتفضيلهم على الأنبياء. أما اختلافهم في العد: فذهبت الزيدية والكيسانية والإسماعيلية غير المباركية منهم والقرمطية والسبعية إلى أن الأئمة غير محصورين في عدد معين. فذهبت المباركية والسبعية إلى أنهم سبعة. والقرمطية إلى أنهم ستة. وذهبت الإمامية إلى أن الأئمة محصورون، كالفرق الثلاثة من الإسماعيلية، ولكنهم اختلفوا في العدد: فمنهم من قال: خمسة. ومنهم من قال: سبعة. ومنهم من قال: ثمانية. ومنهم من قال: اثنا عشر. ومنهم من قال: ثلاثة عشر، كما مر غير مرة. وأما اختلافهم في الشروط: فذهبت الزيدية إلى أن العصمة ليست بشرط في الإمامة. وذهبت الإسماعيلية غير النزارية إلى الاشتراط. وأما النزارية فلا يثبتونها ولا ينفون، ويزعمون أن الإمام غير مكلف بالفروع، وكل ما يفعله الإمام من المعاصي فهو جائز له ولا يسأل عما يفعل، والأحكام الشرعية مفوضة إليه، فإن شاء أسقط التكاليف عن المكلفين، وإن شاء كلفهم بها، ولا جناح عليه فيما يفعله. وكان إظهار سلفهم العبادة والورع مكيدة منهم على الناس ليوقعوهم في مهاوي الردى. وأما اختلافهم في النص: فالكيسانية والإسماعيلية والبترية من الزيدية يشترطون

стр. 221

النص، لكن الكيسانية لم يشترطوا معه شيئا آخر، والبترية يشترطون معه الدعوة وإخبار رجلين أو أكثر من خيار المسلمين. وذهبت الإمامية إلى أن شرط الإمامة أحد الأمرين: النص أو دعوى الإمامة، مع إظهار المعجزة الدالة على صدق دعواه. وذهبت الصالحية من الزيدية إلى أنه يشترط في تعيين الإمام أحد الأمرين: إما النص من الله تعالى ورسوله ﷺ والإمام السابق، أو اختبار أهل الحل والعقد من الأمة وبيعتهم من يصلح للإمامة. وهو مذهب أهل السنة والمعتزلة. والذي يصلح للإمامة من كان فاطميا أو قرشيا عند غيرهم مجتهدا في الفروع والأصول ذا رأي وتدبير في أمر الحروب وسد الثغور شجاعا عدلا. وذهبت الجارودية منهم إلى أنه يشترط في المتغلب كونه فاطميا شجاعا عالما بأمور الدين. وأما اختلافهم في التفضيل: فذهبت الزيدية والكيسانية والإسماعيلية إلى عدم التفضيل، كما هو مذهب سائر فرق الإسلامية. والإمامية اختلفوا بعد اتفاقهم على أن الأئمة أفضل من الرسل غير أولي العزم. وأهل البيت ينكرون ذلك.

стр. 222

الفصل الثاني عشر في بيان اختلاف الشيعة فيما رووه عن أهل البيت اعلم أن الكيسانية رووا عن أئمتهم ما يخالف ما رواه الآخرون في الفروع، مع أن ما رووه عن محمد بن علي بن أبي طالب وولده أبي هاشم أكثرها كذب باتفاق سائر فرق الشيعة. وأن الزيدية يروون عن الأئمة الأربعة: علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين كثيرا من الأحكام، بخلاف ما يرويه غيرهم من الشيعة عنهم، كالقياس؛ فإنهم رووا جوازه، وروى سائر فرق الشيعة إلا النصيرية عدمه. وأن الإسماعيلية غير النزارية اختلفوا في الرواية اختلاف سائر فرق الإمامية. أما النزارية فقد درسوا الأحكام الشرعية وأسقطوا التكاليف وأباحوا المحرمات، فهم كالأنعام أو أضل سبيلا. وأما الإمامية فقد اختلفوا في روايتهم اختلافا كثيرا. وقد صرح شيخ الطائفة محمد بن الحسن في تهذيب الأحكام بكثرة اختلاف رؤساء القوم فقال: لا يوجد خبر إلا وفي مقابلته خبر آخر يضاده في الحكم. ثم قال: وقد اتفق القوم أن هذا لا يجوز أن يتعبد به العاقل ولا أن يعمل به اللبيب. ولذا قد رجع خلق كثير وجم غفير من العقلاء عن مذهب الإمامية بعد الاطلاع على ذلك. وقد حكى أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن شيخه أبي عبد الله محمد بن النعمان البغدادي - المشهور عندهم بالمفيد - أن أبا الحسن الهاروني كان يعتقد مذهب الشيعة ويدين بطريق الإمامية، فرجع عنه لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره. والمذهب الذي أسس على الأخبار الكاذبة باطل من غير نكير. انظر إلى الاختلاف الجاري بين

стр. 223

الفرقة الاثني عشرية: فقد روى جمع منهم بإسناد صحيح عندهم أن خروج المذي ينقض الوضوء، وروى آخرون بإسناد صحيح أيضا أنه لا ينقض الوضوء. وروى جمع أنه يجب سجدتا السهو في الصلاة، وأن الأئمة كانوا يسجدون للسهو، وروى آخرون أنه لا يجوز السجود للسهو. وروى بعضهم أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، وروى آخرون أنه لا ينقض. وروى بعضهم عدم جواز عبث المصلي

стр. 224

ببعض أجزاء بدنه، وروى آخرون جوازه حتى بالمذاكير. إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا يحيط بها الإحصاء. وقد تصدى محمد بن الحسن الطوسي للجمع بين الأخبار المتعارضة في التهذيب والاستبصار، فخبط خبط عشواء وركب متن عمياء، فأتى بالتكلفات البعيدة والتعسفات الغير السديدة، كحمل ماء الورد على الماء الذي فيه الورد. واضطر في التوفيق بين كثير من الأخبار المتضادة إلى التقية، التي هي عكاز أعمى وأوهى من نسج العنكبوت. ومن العجيب أنه حمل بعض الأخبار على التقية، مع أن المخالف لم يذهب إلى ما دلت عليه أو ذهب إليه جماعة شاذة! وأعجب منه أنه حمل جزء الخبر على التقية، وأهمل الجزء الآخر منه مع أنه أيضا يخالف مذهب أهل السنة! كما حمل تخليل أصابع الرجلين فقط على التقية في أمره ﷺ بغسل الوجه مرتين وبتخليل أصابع الرجلين حين غسلهما، مع أن غسل الوجه مرتين مخالف أيضا

стр. 225

لمذهب أهل السنة. وسيجيء إن شاء الله إبطال التقية بدلائل يقينية، بحيث لا تبقي للخصم كلاما، وتوجه عليه من الطعن سهاما. وقد حملوا بعض الأدعية الصادرة عن أهل البيت على معان لا يقصدها الفصيح ومقاصد غير قابلة للتصحيح، من ذلك: ما حملوا قول السجاد رضي الله تعالى عنه: "إلهي ظلمت وعصيت فتوانيت" على معنى: إلهي إن شيعتنا ظلموا وعصوا وتوانوا، لكنهم رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فنحن نضيفهم في الدعاء إلى أنفسنا لأنهم منا وهم موالينا. وإنما اضطروا إلى هذا التأويل للقول بعصمة الأئمة؛ لأن هذا الكلام على تقدير صدقه وكذبه ينافي العصمة، مع أنه تأويل يبعد أن يقصده مثل هؤلاء

стр. 226

الأئمة الأعلام والفصحاء الكرام، فقد حمل فيه ياء المتكلم الواحد على الجمع، والتكلم على الغيبة، وإضافة فعل المتكلم إلى الغير. على أنا لو فرضنا صحة هذا التأويل الذي ليس له دليل؛ فما الذي أوجب ترك التصريح والمعنى الصحيح؟ وأي ضرر لو قال: إلهي إن شيعتنا وموالينا وأحب الخلق إلينا قد ظلموا أنفسهم، فاغفر لهم وارحمهم، وارفع درجتهم في الجنة، ونحو ذلك؟ مع أن التكلم بمثل ذلك الكلام موجب لإضلال الأنام؛ لأنه من أوضح الدلائل على عدم عصمة القائل. والتأويل المذكور بعيد عن الأذهان، لا يتبادر إلى أفهام ذوي العرفان. نسأل الله تعالى الهداية والعصمة من الضلالة والغواية.

стр. 227

الفصل الثالث عشر في أقسام أخبار الشيعة اعلم أن أقسام الخبر عند الشيعة أربعة: الصحيح والحسن والموثق والضعيف. فالصحيح هو ما اتصلت روايته إلى المعصوم بعدل إمامي. فيدخل فيه ما اعتراه إرسال وقطع. وزاد بعض المتأخرين أن يكون الاتصال بالعدل المذكور في جميع الطبقات. ولكن اعترف بإطلاق الصحيح على ما كان رجال طريقه عدولا إمامية، فإنهم يقولون كثيرا: روى ابن عمير في الصحيح كذا، وفي صحيح ابن عمير كذا، مع كون الرواية المنقولة كذلك مرسلة. ووقع لهم في المقطوع مثل ذلك كثيرا. ويطلقون الصحيح أيضا على ما كان بعض رجاله من لا يعلم حاله، كالحسين بن الحسن بن أبان. نص عليه الحلي في

стр. 228

المنتهى. قال ابن أبي داود في الخلاصة: إن طريق الفقيه إلى معاوية بن ميسرة وإلى عابد الأخمسي وإلى خالد بن النجيح وإلى عبد الأعلى صحيحة. مع أن الثلاثة من الأربعة لم

стр. 229

ينص عليهم بتوثيق ولا غيره، والرابع لم يوثق. ويطلقون الصحيح أيضا على ما رواه من يكذّب بعض الأئمة في دعوى الإمامة، كالحسن بن سماعة، ومن ينكر إمامة الإمام الحق ويقول بإمامة غيره، مثل أبان بن عثمان وعلي بن فضالة وعبد الله بن بكير؛ فإنه قد وقع الإجماع على تصحيح ما يصح عن أبان بن عثمان مع كونه أفطحيا. ويطلقونه أيضا على ما صح عن علي بن فضالة وعبد الله بن بكير، وقد وثقهما علماء الشيعة غاية التوثيق.

стр. 230

قال ابن المطهر في خلاصة الأقوال: "إن عليا بن فضالة كان فقيها بالكوفة عارفا بالحديث، مع أنه كان فاسد المذهب"، ويقتضي أن يكون مثل هذا الخبر من الموثق حسبما تقتضيه قواعدهم، فإدخاله في الصحيح ليس بصحيح. ويطلقون الصحيح أيضا على خبر من دعا عليه المعصوم بالشر لفساد عقيدته، أو شهد عليه ببطلان مذهبه، أو أظهر البراءة منه، وعلى خبر من اشتهر بالكذب واعترف به، أو لم ينته عما نهاه عنه إمامه، أو خالف الأئمة في العقيدة. فإن الكليني وغيره روى عن الأحولين وصاحب الطاق وابن سالم وزرارة أخبارا كثيرة يعتمد عليها. ويطلقونه أيضا على ما في الرقاع التي أظهرها ابن بابويه القمي، وعلى ما في الخطوط التي

стр. 231

يزعمون أنها خطوط الأئمة؛ بل إنهم يرجحون هذا القسم على ما روي بالإسناد الصحيح عندهم، كما نص عليه ابن بابويه، وعلى ما رواه من ضعفوه، كمحمد بن سنان، فإنهم ضعفوه واعتمدوا على خبره، وعلى ما رواه اثنا عشري عمن يدعي السفارة بين الشيعة والحجة، بإسناد رجاله رجال الصحيح عندهم. إلى غير ذلك. والحسن: ما اتصلت روايته إلى معصوم بإمامي ممدوح، من غير نص على عدالته، سواء أكان جميع رواة طريقه ممدوحا أو بعضها، بأن كان أحدهم إماميا ممدوحا، والباقي من الطريق رجاله رجال الصحيح. وهذا التعريف أيضا غير مانع؛ لأنه صادق على ما لحقه إرسال أو قطع، وزاد فيه بعض المتأخرين منهم ما زاد في الصحيح، ولكنه اعترف بإطلاق الحسن على المرسل والمقطوع، فزيادة هذا القيد في التعريفين مما لا طائل تحتها، بل إن هذا القيد مضر، حيث صار التعريف بسببه غير جامع. وقد ذكر جماعة من فقهاء

стр. 232

الشيعة أن رواية زرارة في مفسد الحج إذا قضاه من الحسن، مع أنها مقطوعة. ومثلها كثير في أخبارهم كما لا يخفى على من تصفح كتبهم المؤلفة في الأخبار. ويطلقون الحسن أيضا على ما كان بعض رجاله من المستورين ولم يعرف بقادح ولا مادح. قال ابن المطهر: طريق الفقيه إلى منذر حسن، مع أنه لم يعرف حاله. ومثله طريق أبي إدريس بن زيد. وعلى ما كان بعض رجاله فاسد المذهب، مثل سماعة بن مهران، مع أنه واقفي. والموثق ويقال له القوي: وهو ما دخل في طريقه من نص على توثيقه مع فساد عقيدته، ولم يشتمل باقي الطريق على ضعف. وقد أطلقوا الموثق على الضعيف، كالخبر الذي رواه السكوني عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين - كما سيأتي - فإن

стр. 233

السكوني ضعيف عندهم. وقد يطلق القوي على ما رواه إمامي غير ممدوح ولا مذموم، كنوح بن دراج وابن عمارة وأحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري وغيرهم، وهم كثيرون. والضعيف: هو ما اشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه أو مجهول الحال. وأجمع على العمل بالصحيح من جواز العمل بخبر الآحاد من غير نكير، وربما أجمعوا على ترك العمل به، وحكموا بشذوذه مع أنه يؤيده أخبار أخر. مثل ما رواه سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن الكاظم قال: سألته عن بنات ابن وجدة فقال:

стр. 234

للجدة السدس، والباقي لبنات الابن. فإنه صحيح عندهم، وقد رواه غير واحد منهم من طرق أخر، منها ما رواه علي بن الحسين بن رفاط رفعه إلى أبي عبد الله قال: "الجدة لها السدس مع ابنتها ومع ابنها". ومنها ما رواه زرارة عن أبي جعفر قال: "إن رسول الله ﷺ أطعم الجدة السدس، ولم يفرض الله تعالى لها شيئا"، وهذا الخبر موثق. ومنها ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله في أبوين وجدة لأم قال: "للأم السدس، وللجدة السدس، وما بقي وهو الثلثان للأب".

стр. 235

واختلفوا في العمل بالحسن: فمنهم من عمل به مطلقا كالصحيح، منهم شيخ الطائفة؛ ومنهم من منعه، وهم الأكثرون؛ ومنهم من فصل، فجوزوا العمل به وبالموثق وبالضعيف أيضا إذا كان العمل بمضمونه مشتهرا بين أصحابهم، وقدموه على الصحيح الذي لا يكون العمل بمضمونه مشتهرا، وإلا فلا يجوز. وإليه ذهب فخر الدين بن جمال بن المطهر الحلي كما ذكره في المعتبر وتلميذه شيخهم المقتول محمد بن مكي كما ذكره في الذكرى. واختلفوا في العمل بالموثق: فذهب الأكثر إلى منع جواز العمل به مطلقا، مع الحكم بالموثق الذي في طريقه، مثل ابن بكير وابن فضال كما سبق أنه من الصحيح. وجوزه الآخرون، منهم فخر الدين وتلميذه. وجوز المتأخرون العمل بالضعيف إذا اعتضد بالشهرة. وجوز شيخ الطائفة العمل بالخبر الذي اشتمل طريقه على فاسق، سواء اعتضد بالشهرة أو لا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وجوز الكليني رواية من يعدونه من صحب بعض الأئمة ولم يعترف بالإمامة، مع أنهم يكفرون المنكر.

стр. 236

الفصل الرابع عشر في بيان احتجاج الرافضة بالأخبار التي لا يجوز الاحتجاج بها اعلم أن جميع فرق الرافضة كانوا يعملون بما رواه أصحابهم من تحقيق أحوال رجال الإسناد، واستمر ذلك بينهم، ولم يكن لهم كتاب في أحوال الرجال وذكر الجرح والتعديل، حتى ألف الكشي من الاثني عشرية في المائة الرابعة كتابا في ذلك في غاية الاختصار، ليس فيه فائدة. وقد أورد فيه ما تعارضت الأخبار في الجرح والتعديل من غير ترجيح أحد الخبرين على الآخر، فاشتبه حالهم، وقد وقع ذلك لكثير من أكابر رواة القوم. ثم صنف من جاء بعده في الضعفاء كابن الغضائري، وفي الجرح والتعديل كالنجاشي وأبي جعفر الطوسي وجمال الدين أحمد بن طاوس وابن المطهر وتقي الدين بن داود. ولكنهم أهملوا كثيرا من ذلك وأغفلوا عن توجيه ما ورد في الجرح والتعديل، ولا سيما عند تعارض الأخبار فيهما. واختلفوا في ترجيح أحد الخبرين على الآخر اختلافا كثيرا. ولهذا منع صاحب الدراية تعليلهم. وكثيرا ما يتفق لهم التعديل بما لا يصلح تعديلا، كما لا يخفى على من طالع كتبهم، ولا سيما "خلاصة الأقوال"، التي هي الخلاصة في علم الرجال. وقد صحف علماء الرجال منهم كثيرا من الأسماء، فاشتبه أمر الخبر، وذلك كتصحيف أبي نصير بالنون بأبي بصير بالباء الموحدة، ومراجم بالراء المهملة والجيم

стр. 237

بمزاحم بالزاء المعجمة والحاء المهملة. فلا يتميز من تقبل روايته ممن لا تقبل. وقد صحف ابن المطهر في كتب الرجال كثيرا من الأسماء، ومن أراد الإطلاع عليها فليراجع الخلاصة لابن المطهر وإيضاح الاشتباه، لينظر ما بينهما من الاختلاف. وقد نبه ابن داود على كثير من ذلك. ومع هذا لا يرتفع الاشتباه بما ذكره لاحتمال خطأ المخطّئ، كيف لا ولم يأت بحجة قاطعة؟ وتساهل الأخباريون منهم في الإسناد، فلم يلتفتوا إلى تعيين المتفق والمفترق، فرووا عن رجل اتفق اسمه واسم أبيه فصاعد مع اسم راو آخر واسم أبيه كذلك، فلا يتميز حينئذ الثقة من غيره. فقد رووا عن محمد بن قيس؛ وهو مشترك بين أربعة: اثنان منهم ثقتان عندهم، وهما محمد بن قيس الأسدي المكنى بأبي [عبد الله مولى لبني] نصر ومحمد بن قيس البجلي المكنى بأبي عبد الله، وواحد منهم ممدوح من غير توثيق، وهو محمد بن قيس الأسدي المكنى بأبي أحمد، وقد روى عنه ابن بابويه كثيرا وأطلق الرواية، وواحد منهم غير ممدوح. وقد عمل أكثر الشيعة برواية غير العدل لأمر عارض، وهو الشهرة؛ مع أن عدالة الراوي شرط في العمل بالخبر، ومن العجيب أنهم يعملون بالضعيف ولا يعملون بالموثق مع أنه دونه! ويعللون ترك العمل ببعض الأخبار بأنه موثق. مثل ما رواه السكوني عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين: بعثني رسول الله ﷺ فقال: "يا علي، لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وايم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه

стр. 238

الشمس وغربت، ولك ولاءه يا علي"، فإنه موثق ولم يعملوا به لكونه موثقا. ويعملون برواية من خالفهم في الاعتقاد من الرافضة. ويعملون بمراسيل ابن عمير، ويدعون العلم بكونه لا يروي إلا عن ثقة، وهذا ادعاء محض وهو بعيد عن الحق بمعزل؛ لأن مستند العلم إما الاستقراء لمراسيله، حيث تتبعوها فوجدوا المحذوف ثقة، أو حسن الظن في أنه لا يرسل إلا عن ثقة، وعلى كل تقدير لا يصير حجة كمراسيل غيره؛ أما على الأول فلأن الاستقراء ممنوع، ولم يذكروا ما استقرؤا من مراسيله، ولو سلم فهو غير تام، والمدعي مطالب بالبرهان، وظاهر كلام القوم في قبول مراسيل ابن أبي عمير هذا المعنى، ودون إثباته خرط القتاد. وقد نازعهم صاحب البشرى منهم ومنع الدعوى، وكذا بعض المحققين من المتأخرين ومن تبعه. ومع ذلك فلا وجه له في الإرسال وقد نهى عنه الإمام أبو عبد الله وسمى المرسل كائنا من كان كاذبا، كما رواه الكليني - كما سيجيء إن شاء الله تعالى - والكاذب لا تقبل روايته من غير نكير. وأما على الثاني فلأنه غير كاف شرعا في

стр. 239

الاعتماد عليه، نص عليه صاحب الدراية في شرحها. وأما الثالث فلأن مرجعه إلى شهادته بعدالة الراوي المجهول، وإثباته صعب، ولم يرو أحد منهم أنه سئل عنه فأجاب بذلك، ولو سلم فلا يكفي ذلك في العمل بروايته، لأنه لا بد له من تعيينه وتسميته، لينظر في أمره، هل أطلق علماء الرجال عليه التعديل أو تعارض كلامهم فيه أو لم يذكروا فيه شيئا من الجرح والتعديل، لأنه لا بد من البحث عن حال الرواة على وجه يظهر عدم الأربعة: من الجرح والتعديل وتعارض الأمرين والسكوت عنهما، فلا حجة في الإرسال، وارتكابه منهي عنه، ومرتكب المنهي عنه فاسق، وقد شهد الصادق بأنه كاذب، فابن أبي عمير الذي يرسل كثيرا فاسق كاذب مصر على الكذب والفسق، فلا تقبل روايته. وعملوا أيضا بمراسيل النضيري وعبد الله بن مغيرة. وكان المتقدمون منهم يعملون بالخبر الضعيف مطلقا من غير تعرض لبيان ضعفه، والمتأخرون منهم عملوا به اقتداء بمتقدميهم، وذلك مثل الخبر الذي رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله أنه سئل عن الصبي تزوج الصبية هل يتوارثان؟ فقال: "إن كان أبوهما زوجاهما نعم". فإن في طريقه القاسم بن سلمان، وهو مجهول العدالة،

стр. 240

ومع ذلك فقد عملوا به لعمل أصحابهم المتقدمين به. قال أبو جعفر الطوسي شيخ الطائفة: إن خبر الفاسق بعمل الجوارح يعمل بحديثه، والمجهول دونه. وتبعه على ذلك من جاء بعده. وهذا باطل لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ والشهرة لا تكفي في الخبر الضعيف، وقد نص عليه سديد الدين محمود الحمصي، ورضي الدين طاووس وزين الدين صاحب الدراية. وجوز الأكثرون منهم العمل بالخبر الضعيف في القصص وبكثير من الأخبار، من

стр. 241

غير التفات إلى الصحة وعدمها، إذا تلقته الإمامية بالقبول، كخبر عمرو بن حنظلة في المتخاصمين من أصحابهم وأمرهما بالرجوع إلى رجل منهم، وهو خبر ضعيف جدا لأن في طريقه محمد بن عيسى وداود بن حصين، وهما ضعيفان، وعمرو بن حنظلة مسكوت عنه، وقد قبلوا خبره وعملوا بموجبه وسموا هذا النوع من الخبر مقبولا. وكثير في كتبهم مثل ذلك، وقد اعترف به المقتول في شرح الدراية. وعمل شيخ الطائفة ومن تبعه بالخبر المضطرب، وهو ما يرويه الرواة بوجهين مختلفين، من غير ترجيح أحد الوجهين على الآخر، مع اعترافهم بأن الاضطراب يمنع من العمل بمضمون الخبر. والعجب من الشيعة حيث إنهم بالغوا في ضبط الكليني وامتيازه على من عداه، مع أنه كان يخبط خبط عشواء ويعمل بما دعاه إليه هواه على ما لا يخفى على المتتبع. وقد جوزت الإمامية الكذب لنصرة مذهبهم ورواجه، وقد ألف المرتضى الذي

стр. 242

لقبوه بعلم الهدى كتابا لإثبات مذهبه وإبطال مذهب أهل السنة، مشحونة بالأكاذيب؛ وقد عزا بعضها إلى ذمي وبعضها إلى جارية. وألف بعضهم كتابا في وفيات الأعيان وحكى فيه حكايات افتراها على أكابر أهل السنة تنبئ بأنهم كانوا شيعة، وهي محض كذب، وقد اعترف بذلك بعض علماء الشيعة. وكذا ألف مثل ذلك ابن بابويه وابن المطهر وابنه وغيرهم. وجوزت الخطابية من الروافض وضع الحديث لنصرة المذهب، وقد وضع بعض علماء الغلاة كأبي خطاب ويونس بن طيبان ويزيد بن الصايغ أخبارا كثيرة، صرح بذلك صاحب تحفة القاصدين في اصطلاح المحدثين. ومن الغلاة الوضاعين بيان النهدي الذي كان من شيوخ الإمامية ومجتهديهم وزنادقتهم، ومغيرة بن سعيد وكان شيخا من مشايخ الروافض بالكوفة؛ وقد قتلهما خالد بن عبد الله القسري وأحرقهما في النار. فتبا لقوم أخذوا مذاهبهم من أناس ارتدوا بلباس الفسوق والأرجاس، لا يستحون من الكذب والافتراء، ولا يبالون من الكلمة العوراء. فيا ويلهم من الله الذي لا يفوته شيء ولا يخفاه.

стр. 243

الفصل الخامس عشر في بيان روايات الشيعة إلا الحميرية عن أهل البيت اعلم أن غالب روايات الشيعة عن أهل البيت، ولم يرووا عن النبي ﷺ إلا نادرا. ولنذكر ما يقبل من رواياتهم عند أهل السنة وما لا يقبل. أما الشيعة الأولى فأخبار ثقاتهم مقبولة، وهم كما عرفت من أهل السنة، وقد افترقوا حين بويع للأمير كرم الله تعالى وجهه بالخلافة: ففرقة شايعوه، وفرقة خرجوا عليه وهم البغاة، وفرقة اعتزلوا ولم يحاربوا مع أحد ثم ندموا على ترك نصرته، مع اعتقاد أنه على الحق وأن مخالفيه بغاة حين الاعتزال. وأما الشيعة التفضيلية فأخبارهم أيضا مقبولة إذا كان الراوي عدلا ضابطا، وقد روى عنهم أهل السنة والإمامية. وأما غير هاتين الفرقتين فأخبارهم كلها مردودة لأنها كذب مفتراة، إلا ما وافقت رواية أهل الحق؛ وذلك لأن فرق الغلاة كلهم كفرة، وكذا المجسمة من الإمامية كالحكمية والسالمية والسلطانية وغيرهم. وأما الكيسانية فليس لهم رواية إلا في تعيين الإمام، وهو باطل من غير نكير. وأما الزيدية الأولى من الذين جاهدوا الفجرة مع الإمام ونصروه، فأخبار ثقاتهم مقبولة، لأنهم من الشيعة الأولى. وأما الذين تفرقوا عن الإمام زيد وابنه يحيى فأخبارهم مردودة. وأما فرق الإمامية فلا تقبل روايتهم أصلا لفقد العدالة وكثرة اختلافهم ولتكذيب بعضهم بعضا، وأكثر رواتهم زنادقة منافقون يظهرون حب أهل البيت ويروون الأحاديث عن أهل البيت التي لا أصل لها. وأما النزارية من الإسماعيلية فليس لهم شيء من الأخبار، لأنهم لا يحتاجون إلى

стр. 244

وضع الخبر، لأن مناط مذهب متأخريهم من الحسن إلى حديد الدولة ترك العمل بالشرائع. وكذا الباطنية من الإسماعيلية لأن من أصولهم أنه يجب العمل بباطن الكتاب والخبر دون ظاهرهما، واعترفوا بصحة كل خبر سمعوه، وأولوه كما شاءوا.

стр. 245

الفصل السادس عشر في ذكر علماء كل فرقة من فرق الشيعة اعلم أن لكل فرقة من فرق الشيعة علماء: أما الغلاة فأعلم علمائهم عبد الله بن سبأ الصنعاني وأبو كامل وبنان ومغيرة العجلي، وهما اللذان كذبهما الصادق وقال: "إنهما يفتريان علينا أهل البيت، ويرويان عنا الأكاذيب"، وأبو الخطاب الأخدع ونصير وإسحاق وعلباء ورزام والمفضل الصيرفي وسريع وبريع ومحمد بن يعفور وغيرهم. وأقوال هؤلاء محض هذيان لا دليل عليها ولا برهان. وأما الكيسانية فأعلم علمائهم كيسان، وقد تتلمذ على محمد بن علي بن أبي طالب ولم يكن بعده عالم يوازيه من هذه الفرقة، وهو أول من قال بإمامة محمد بن علي بعد أبيه، وأبو كريب الضرير وإسحاق بن عمر وعبد الله بن حرب وغيرهم. وأما الزيدية المخلصون فأعلم علمائهم يحيى بن زيد بن علي الحسين بن علي بن أبي طالب وأكابر أصحاب زيد، ولهم روايات عن أئمة أهل البيت، كأمير المؤمنين والسبطين والسجاد وزيد ويحيى بن زيد. ومن أئمتهم الناصر. ومن علمائهم جماعة يقال لهم الزيدية، نسبوا إلى زيد بن علي نسبا ومذهبا، وهم من ثقاة المحدثين، وقد روى عنهم أهل السنة والجماعة. وأما الذين اختلفوا وافترقوا فأعلم علمائهم جارود وأحمد بن محمد بن سعيد السبعي الهمداني وابن عقدة وسليمان والبتر التومي وخلف بن عبد الصمد ونعيم بن

стр. 246

اليمان ويعقوب وحسين بن الصالح. ومن علمائهم بعد الثمانين والمائتين الهادي وابنه المرتضى من الشرفاء الحسنية. وأكثر الزيدية غير الفرقة الأولى يتبعون المعتزلة في الأصول إلا في مسائل معدودة كمسألة الإمامة وأن صاحب الكبيرة كافر نعمة فاسق، ويوافقون أبا حنيفة في الفروع، وبعضهم يتبعون الشافعي فيها إلا في بعض مسائل يروونها عن أئمتهم. وأما الإسماعيلية فمن علمائهم المبارك وعبد الله بن ميمون القداح وغياث صاحب كتاب البيان ومحمد بن علي البرقعي والمقنع. وأما المهدوية منهم فلم يكن لهم أول الأمر عالم يقتدى به، ولما قدم محمد بن عبد الله بن عبيد الله الملقب بالمهدي بلاد المغرب، وكان إسماعيليا دعا أهله إلى مذهب الإسماعيلية فأجاب أكثرهم دعوته وتمذهبوا بمذهبه، فلما رأى أن أمره مطاع ادعى أنه من نسل إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق وسمت نفسه إلى الخلافة فجمع من أطاعه وحرضهم على قتال من خالفهم، فحاربوا عمال المقتدر العباسي وولاته، فغلبوا عليهم، فكثرت حينئذ أتباعه ودعاته ولقبوه بالمهدي ودعوا الناس إلى إمامته. ولم يكن دعاته أول الأمر من أهل العلم، كانوا يدعون الناس إلى مذهبه بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وكان أهل الحجاز والعراق ومصر والشام لا يصدقونه في دعواه هذا النسب. وقد صعد العزيز أحد أولاد المهدي المنبر يوم الجمعة، فوجد فوق المنبر رقعة قد كتب فيها هذه الأبيات: إنا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدعي صادقا ... فاذكر أبا بعد الأب الرابع وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع أو لا دع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع

стр. 247

فإن أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع لأن هذه القصة جرت في خلافة الطائع العباسي وكان نسبه مشهورا لا يرتاب فيه أحد، وأما المهدي فكان لا يعرف نسبه أحد، وأجمع أهل الحجاز والمدينة والعراق والشام ومصر على أنه كذاب أفاك. وإنما قال الشاعر: "فاذكر أبا بعد الأب الرابع"؛ لأن أباه الرابع إنما هو أبو المهدي عبد الله بن عبيد الله، ولهذا يقال لبنيه العبيديون، والمهدي غير اسم أبيه وسماه عبد الله، فإن اسمه كما تقدم أحمد، لأنه يزعم أنه هو المهدي الموعود، وكان قد سمع من الأخبار المشهورة أن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله، ويدعي أنه ابن عبد الله بن عبيد الله بن قاسم بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق، ولم يخلف محمد ولدا. ولما استولى على بلاد المغرب، وأولاده على مصر والشام والحجاز واليمن، وانتشروا في البلاد، وآثر الناس مذهبهم، نشأ فيهم العلماء، ورجع بعض علماء أهل السنة إلى مذهبه، فممن نشأ فيهم أبو الحسن علي بن نعمان وأبو عبد الله محمد بن نعمان، وذلك في أيام المعز والعزيز، وأبو القاسم عبد العزيز في زمن

стр. 248

الحاكم، وعامر بن عبد الله الرواحي وعلي بن محمد بن علي الصليحي زمن المستنصر. ومن الذين انتقلوا من مذهب أهل السنة إلى مذهب الإسماعيلية أبو حنيفة بن أبي عبد الله ومحمد بن منصور صاحب الثغر وقاضيه، وكان مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإسماعيلية لطلب المال والجاه، ولم يكن في دولة العبيدية مثله، فإنه كان عالما فاضلا، وكان ينتصر لمذهب الرافضة، وكان ملازما لصحبة المعز، ولم يزل عنده معززا مبجلا، وقد تبعه جمع من الناس. إن الفقيه إذا غوى وأطاعه ... قوم غووا معه فضاع وضيعا مثل السفينة إذا هوت في لجة ... غرقت وأغرق ما هنالك أجمعا ومن علماء أولاد المهدي جمع منهم: العزيز ابنه، فإنه كان أديبا فاضلا وعالما كاملا. ومنهم المعز والحاكم بن المعز. والحاكم هذا يدعي أنه يناجي ربه في الطور كما كان موسى ﵇ يناجيه، وكان يعلم شيئا من علم الكيمياء وله كتاب سماه التعويذ، وهو مشهور بين أرباب هذا الفن، وكذا كتاب الهياكل. وكان الملوك من أولاد عبيد كلهم يدعون معرفة المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة. وصعد العزيز يوما المنبر فرأى في رقعة: بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة إن كنت أُعطيت علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقة

стр. 249

وكان الحاكم هذا من المغالين في الرفض، وهو الذي بعث رجالا إلى المدينة سرا لاستخراج جسد الشيخين الثاويين جوار سيد الثقلين -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فلما قدموا المدينة خدعوا بعض العلوية ممن كان مجاورا للمسجد الشريف النبوي والروضة المطهرة، فآواهم في داره، وكانوا يشتغلون بالحفر ليلا، فلما بلغوا قرب الروضة المطهرة أظلمت المدينة وثار بها غبار واشتد هبوب الرياح والرعد والبرق حتى استيقن الناس بالهلاك، فقام العلويون وأخبروا أمير المدينة بما جرى، فأرسل إليهم وأحضرهم بين يديه وأمر بقتلهم، فانكشفت الظلمة وزالت الصواعق وسكنت الرياح. كذا ذكره القاضي أبو عبد الله منصور السمناني في كتاب الاستبصار. وأما النزارية فعلماؤهم شرذمة قليلة، وكان أعلمهم الحسن بن الصباح الحميري وأبو الحسن [سنان بن] سليمان بن محمد الملقب براشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية، وله رسائل بديعة، منها ما كتب إلى السلطان نور الدين محمود الشهيد بن علاء الدين زنكي ملك الشام، وهو الذي سير بعض أمرائه، وهو صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى مصر في عهد العاضد، ومات العاضد بعد قدومه، فاستولى على

стр. 250

مصر من غير منازع. لما كتب إليه السلطان كتابا يهدده فيه فقال: "يا للرجال لأمر هال مفظعه ... ما مر قط على سمعي توقعه يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لا قام قائم جنبي حين تصرعه قام الحمام إلى البازي يهدده ... وشمرت لقراع الأسد أضبعه أضحى يسد فم الأفعى بأصبعه ... يكفيه ماذا يلاقي منه أصبعه وقفنا بتفصيله وجمله، وأعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله، فيا لله العجب من ذبابة تطن في أذن فيل! وبعوضة تعد في التماثيل! وقد قالها قبلك قوم آخرون فدمرناهم، وما كان لهم ناصرون، أوللحق تدحضون؟ أم للباطل تنصرون؟ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، أما ما صدرت به قولك من قطع رأسي وقلعك لقلاعي في الجبال الرواسي؛ فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض، كم بين قوي وضعيف ودني وشريف! وإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات، فلنا أسوة برسول الله ﷺ في قوله: "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت به"، وقد علمتم ما جرى في عترته وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال، والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى، إذ نحن مظلومون للظالمين، ومغبوطون للغابطين، وإذا جاء الحق زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وقد علمتم ظاهر حالنا، وكيف قتال رجالنا، وما
следующие страницы →