Полный текст (641 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فليتبوأ مقعده من النار» نص عليه المقتول في البداية. وكذا القدر المشترك بينها، إذ لم يتواتر مدلولها أيضا، إذ ليس في كتبهم خبر رواه جمع بلفظ واحد أو ألفاظ متقاربة يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، ولا معنى واحد لأنه هو القدر المشترك بين الأخبار. وذلك ظاهر لمن تصفح كتبهم.
وأعجب من ذلك أنه ادعى أن ما رواه الإمامي وروته أصحابه يوجب العلم، مع أن فيهم من طعنوا فيه. والمتقدمون منهم أيضا كانوا يزعمون ذلك لأنهم كانوا يعملون بما رواه أصحابهم من غير التفات إلى المعلول والمردود والصحيح وغيره. وابن بابويه حكم بوضع بعض ما رواه الكليني بإسناد صحيح عندهم، كالأخبار التي رواها في تحريف القرآن وإسقاط بعض آيات منه. والحلي أيضا حكم بوضع بعض أخبار رواها الكليني أيضا، وكذا أبو جعفر الطوسي، كخبر ليلة
стр. 282
التعريس وخبر ذي اليدين. وبالغ المرتضى في وضع ما رواه شيخ شيخه ابن بابويه والصفار من خبر المساق؛ مع أن إسناد كل منهما صحيح عندهم.
стр. 283
الفصل التاسع عشر في أن معتقدات الرافضة وهميات
اعلم أنما اعتقدته الرافضة من الإله والرسول والأئمة ليس له وجود في الأعيان:
أما معبودهم: فهو عند بعضهم رجل واحد، أو اثنان، أو خمسة، وكل منهم يأكل ويشرب وينكح ويلد ويولد، ويغلب عليه عباده؛ أو أنه روح حل في رجل يصح ويمرض ويأكل ويشرب. وعند بعضهم أنه جسد له طول وعرض وعمق وشكل وصورة ورائحة، ونصفه الأعلى أجوف ونصفه الأسفل صمد. وعند بعضهم أنه جسم على صورة إنسان، وهو في مكان وجهة. وبعضهم يعتقده أنه لم يكن في الأزل عالما ولا سميعا ولا بصيرا؛ وبعضهم يجوز عليه الجهل في الأزل، وأنه لا يعلم الأشياء قبل كونها وإنما يعلمها بعد كونها. وعند بعضهم أنه لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها. وعند بعضهم أنه أوجب عليه أمورا، وإن ترك بعض ما يجب عليه استحق الذم. وعند بعضهم أنه لا يحصل أكثر مراداته في الدنيا، وكثيرا ما يقع مراد من يعاديه كإبليس وجنوده وسائر الكفرة. وعند بعضهم أنه يرضى لعباده الضلال، وأن له شريكا في الخلق - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ولا شك أن ما وصفوه بما وصفوه ليس هو الإله الحق، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع العليم.
وأما الرسول الذي يقتدونه: فهو رجل من العرب لم يبلغ بعض رسالات ربه، وليس هو أفضل الخلق، بل من ليس بنبي يساويه، وأنه رد الوحي مرتين، وأنه لم يبلغ رسالة ربه في آخر حياته خوفا من ضرر أصحابه، وأنه حلل ما شاء وحرم ما أراد، وأنه أمر خيار أهل بيته أن يكذبوا على الله ورسوله ما داموا أحياء، وأن يفتوا في الدين بخلاف ما أنزل الله تعالى، وأن يحللوا فروج فتياتهم لشيعتهم، وأن يكرهوهن على البغاء إن أردن تحصنا،
стр. 284
وأن يأمروا شيعتهم بإخراج أمهات أولادهم وسائر جواريهم لأهل مذهبهم، وأن يقرءوا في الصلاة بعض كلمات ليست من القرآن، وألا يقرءوا فيها بعض ما هو القرآن، وأن يأمروا شيعتهم أن يرضوا من خالفهم في المذهب بما لا يرضى الله تعالى لهم من الإضلال، وأن لا يعلموهم أصول دينهم، إلى غير ذلك مما ثبت عند الشيعة من العقائد الفاسدة والأحكام الكاسدة،
ولا شك أن النبي الموصوف بهذه الصفات ليس هو محمد ﷺ ، بل لم يرسل الله تعالى مثل هذا النبي الذي وصفوه الشيعة بما وصفوه.
وأما إمامهم في كل عصر: فهو رجل كثير الخوف، يخشى من صفير الصافر. وعندهم أن جميع أئمتهم أذلاء مغلوبون، يفترون على الله الكذب، ولا يمكنهم إظهار الحق، ويخشون من محبيهم الذين يصلون عليهم في صلواتهم، ويرخصون المؤمنات أن يصلين حالة الجنابة، وينصرون الباطل طول أعمارهم، ويقرؤون في صلواتهم ما يجزمون بأنه ليس من القرآن، وينهون شيعتهم عن أن يحدثوا النساء بعض ما وجب عليهن. وخاتمهم كما زعموا أشدهم جبنا، وقد اختفى لما خوّفه في صباه بعض الناس، ولا يظهر من شدة الخوف على أحد، لا على أعدائه ولا على أحبائه، خوفا أن ينتشر بسببهم خبره، وذلك غاية الجبن. وقد طالت مدة غيبته، فتعطل بسببه الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، وسائر الحدود الشرعية، وأن بعض الشيعة يزعم أن إمامه لا يجب عليه شيء، وله أن يفعل ما يشاء، وله إسقاط التكاليف الشرعية. وبعضهم يزعم أن إمامه يعلم المغيبات وأنه يناجي ربه.
فلا شك أن مثل هؤلاء الأئمة لم يوجد في زمان قط إلا في أوهامهم، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 285
الفصل العشرون في بيان غلو الرافضة في مذاهبهم الباطلة
اعلم أن أشد الفرق الهالكة غلوا في مذهبهم الرافضة، فإنهم يغلون في دينهم أشد المغالاة ويقولون على الله ما لا يعلمون. وهم أشبه الناس باليهود كما سبق.
وقد اتفق جميع فرقهم على الغلو في أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه حتى فضلوه على الأنبياء، وفي تكفير بعض أمهات المؤمنين والمهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله تعالى في كتابه وأخبر بأنه رضي عنهم ورضوا عنه وأنهم أصحاب الجنة. وقد بالغت الرافضة في تتبع مثالبهم والاستدلال على مطاعنهم بالأخبار الموضوعة والأخبار التي لا توجب علما، مع أن لها محامل صحيحة. وقد ورد في القرآن ما يدل بظاهره على صدور الذنب عن بعض الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ وسيجيء ما يتعلق بهذا في مباحث النبوة إن شاء الله تعالى. وقد روي عن الأمير من الأفعال والأقوال ما يدل بظاهره على صدور الذنب، كما ذكره المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة. وقد جعلت الرافضة الآيات الواردة في فضائلهم من المتشابهات، كما ذكره ابن شهر آشوب في مثالبه، وجعلت الأحاديث الصحيحة فيها من الموضوعات.
وأما ما تفردت به كل فرقة من الغلو فهو في الدعاوى الكاذبة والعقائد الزائغة.
أما الغلاة فغلوهم ظاهر، حيث اتخذوا ابن البشر إلها، وقالوا بتعدد الآلهة والحلول من غير دليل.
وأما الكيسانية فغلوهم في إمامة محمد بن علي بعد أبيه من غير برهان، مع وجود السبطين، ودعوى كونه معصوما دونهما، وأنه حي في جبل رضوى، مع أربعين رجلا من أصحابه، عنده ماء وعسل، وأنه صاحب الزمان، وأنه يظهر بعد حين، وأن الله تعالى يوحي إلى الأئمة ونوابهم، وأن من خالفهم كافر.
وأما المختارية منهم فغلوهم في المختار بن أبي عبيد الثقفي حتى قالوا إنه يوحى إليه، وقد ادعى ذلك لنفسه. وهو الكذاب الذي أخبر عنه النبي ﷺ فقال: «إن في
стр. 286
ثقيف لمبيرا وكذابا»، والمبير هو حجاج بن يوسف الثقفي.
وأما الكندية منهم فغلوهم فيما تقدم، وفي دعواهم إمامة ابن حرب الكندي الذي كان جهولا كذوبا، مع وجود كثرة العلماء من أهل البيت وقريش والكبراء والسادات.
وأما المنصورية منهم فغلوهم فيما تقدم، وفي دعواهم إمامة المنصور الدوانيقي، مع وجود من سبق، وفي اعتقاد كون الإمام معصوما، وكونه أفضل من رعيته، مع أن المنصور لم يكن من أهل العصمة.
وأما الزيدية غير الأولى منهم فغلوهم في تكذيب ما في القرآن من كون المهاجرين والأنصار من أهل الجنة، وفي أن صاحب الزمان حي مختف، سيظهر أمره بعد حين، وأن المنتظر من قتل أو مات، وفي تضليل مخالفيهم. ولكن بعض فرقهم أقل غلوا من سائر فرق الشيعة.
وأما الإمامية فغلوهم في إنكار بعض كلمات القرآن، وفي نبذ ما ورد فيه من
стр. 287
فضائل المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة الأخيار، وفي تكفير الصحابة كلهم إلا أربعة أو ستة، وفي لعن أكابر الصحابة وبعض أمهات المؤمنين، وفي اعتقاد وجوب لعنهم، وفي ادعاء أن عليا أفضل من الملائكة والرسل إلا محمد فإنه يساويه، وأن لعلي حقا على الله تعالى ورسوله ﷺ . وأن المراد من الرب في أكثر القرآن علي بن أبي طالب، كما نص عليه علي بن موسى بن طاووس، وأن رقية وأم كلثوم لم
стр. 288
تكونا من بنات النبي ﷺ . وأن الله تعالى خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له لأنه سبحانه أودع في صلبه عليا وأولاده، وأن الرسل بعثوا على ولاية علي، وأنهم يسألون الله تعالى أن يجعلهم من شيعة علي. وأن درجة الرسل دون درجة علي في الجنة، وأن شيعته لا تسأل عن ذنوبهم، وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان من شيعة علي، وأنهم لا يعذبون في النار، وأنهم
стр. 289
يدخلون الجنة بغير حساب. وأن في القرآن تحريفا ونقصا، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى من الخرافات.
وأما الإسماعيلية فغلوهم في صفات الله تعالى بما يوجب ارتفاع النقيضين مع أشياء أخر تقدم ذكرها.
وأما القرامطة فغلوهم في أنهم كفروا بآيات الله تعالى وفي تحليل ما حرم الله سبحانه.
وأما النزارية فغلوهم في ترك العمل بالظواهر وتأويل النصوص بما هو أوهن من نسج العنكبوت.
وأما الغلاة منهم فغلوهم في إسقاط أحكام الشريعة رأسا، وكانوا يعيشون مثل البهائم لا يحللون حلالا ولا يحرمون حراما، فهم كالأنعام أو أضل سبيلا.
стр. 290
الفصل الحادي والعشرون في بيان من لقب هذه الفرقة بالرافضة
اعلم أن أول من لقّب هذه الفرق الضالة بالرافضة هو الإمام الأجل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ووجه تلقيبهم بهذا اللقب هو أن الإمام زيد رضي الله تعالى عنه لما خرج على هشام بن عبد الملك تبعه خلق كثير من العلماء والقراء وجم غفير من شيعة الكوفة وغيرهم، وكان رضي الله تعالى عنه من الطبقة الثالثة من التابعين ومن كبار أهل البيت الطاهرين، وقد حث الإمام أبو حنيفة الناس على متابعته ومبايعته ونصرته وأفتى بصحة خلافته ووجوب نصرته، وأرسل له اثني عشر ألف دينارا من ماله واعتذر من عدم الحضور بنفسه بأن عنده ودائع الناس. فحاربه أمير العراقين يوسف بن عمر الثقفي، الذي يضرب به المثل في الحمق، ووقع بينهما محاربات كثيرة، وأرسل إليه الثقفي جموعا عظيمة فحاربوه، ولما حمي الوطيس حث الإمام زيد رضي الله تعالى عنه الناس على محاربتهم، فجاء إليه أهل الكوفة - وكانوا خمسة عشر ألفا - وقالوا له: إن تبرأت من أبي بكر وعمر أعناك وحاربنا معك الأعداء، وإلا رفضناك، فقال زيد رضي الله تعالى عنهما: لا أتبرأ منهما أبدا بل أتولاهما، فإن أبي كان
стр. 291
يتولاهما ولا يذكرهما إلا بخير سرا وعلانية، فقالوا له: إذن نرفضك، فقال لهم: اذهبوا فأنتم الرافضة، فولوا على أدبارهم ورفضوه، فقاتل مع من بقي من المسلمين المخلصين أشد قتال، وهو يتمثل بقوله:
ذل الحياة وعز الممات وكلًّا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بد من واحد فسيري إلى الموت سيرا جميلا
وحال المساء بين الفريقين، فانصرف زيد وقد أصابه سهم في جبهته، فطلبوا من ينزع النصل، فأتي بحجام من بعض القرى، فاستكتموا أمره، فاخرج النصل، فمات رضي الله تعالى عنه من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء، وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأجروا الماء على ذلك، وحضر الحجام مواراته، فعرف الموضع، فلما أصبح دخل على يوسف فدله على موضع قبره. فاستخرجه يوسف، وبعث رأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام أن يصلبه عريانا، فصلبه يوسف كذلك.
وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه وجماعة من المحدثين أنه لما صلبه عريانا في سنة إحدى وعشرين ومائة نسجت العنكبوت على عورته من يومه. وذكر أبو بكر
стр. 292
بن عياش وجماعة من الأخباريين أن زيدا رضي الله تعالى عنه بقي مصلوبا خمس سنين عريانا فلم ير أحد عورته سترا من الله تعالى له، وذلك بالكيا من الكوفة، ولم يذكروا نسج العنكبوت. وهذا يدل بظاهره على أنه تعالى أعشى أبصار الخلق عن رؤيتها، وهذا أعجب من الأول. وهو من أعظم كراماته وخوارق عاداته، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولما مات هشام أمر من استخلف بعده - وهو ذو اليدين - أن يدفن، وقيل: أمر بحرقه ونسفه في اليم نسفا، وقيل: أمر هشام بذلك بعد أن صلب عريانا. وروى غير واحد عن جمع من الصالحين أنهم رأوا النبي ﷺ وهو مستند إلى الجذع الذي صلب عليه الإمام يقول للناس: "هكذا تفعلون بولدي؟ "
أقول: وقد رأيت في بعض المواضع أن سبب خروج الإمام زيد رضي الله تعالى عنه أنه كان يدخل على هشام بن عبد الملك بن مروان من فجار بني أمية وظلمتهم، فكان يقع بينهما محاورات، فيفحمه زيد رضي الله تعالى عنه حتى يخجل بين جنده وأعيان مملكته، ومن ذلك أنه قال له يوما: أنت زيد المؤمل للخلافة؟ وما أنت وذاك؟ وأنت ابن أمة، فقال له زيد رضي الله تعالى عنه: إن الأمة لو قصرت بولدها عن بلوغ المعالي لما بعث الله تعالى نبيا هو ابن أمة وجعله أبا للعرب وأبا لخير النبيين، وهو إسماعيل -على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأكمل السلام- وكانت أمه مع أم إسحاق كأمي مع أمك، وما تعييرك
стр. 293
برجل أبوه رسول الله ﷺ وجده علي بن أبي طالب. فلما خرج قال هشام لجلسائه: ألستم زعمتم أن أهل هذا البيت قد انقرضوا؟ ألا لعمر الله ما انقرض قوم هذا خلفهم. ودخل عليه مرة أخرى فرأى عنده يهوديا يسب، قيل: كان يسب النبي ﷺ وقيل: كان يسب أبا زيد، فانتهره زيد وقال له: يا كافر، أما والله لئن تمكنت منك لقتلتك، فقال هشام: مه يا زيد، لا تؤذي جليسنا، فخرج قائلا: من استشعر حب البقاء استدثر الذل إلى الفناء.
هذا وقد أخبر النبي ﷺ عليا كرم الله تعالى وجهه بتسمية هذه الفئة الضالة بالرافضة، وأخبره بعلاماتهم. وقد شاع إطلاق هذا اللقب عليهم سنة ثلاث وعشرين ومائة إلى زماننا هذا. خذلهم الله تعالى وأخزاهم.
стр. 294
المقصد الثاني في الإلهيات
وفيه مطالب.
стр. 295
المطلب الأول في بيان أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا
ذهبت الإمامية إلى أن النظر في معرفة الله تعالى واجب بحكم العقل، بناء على أنه لا حاكم بالحسن والقبح سوى العقل، ولا حكم لله تعالى فيهما، بل إن الله تعالى تابع في أفعاله لحكم العقل، ولا يجوز أن يخالفه.
وهذا القول باطل، لأن مبناه على تحكيم العقل، وامتناع العرفان بغيره، وكلاهما ممنوع، وما هو إلا من بعض الظن، ودون إثباته خرط القتاد.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا لقوله تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها﴾، وقوله تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض﴾، وقوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾، ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها"،
стр. 296
وقوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت﴾ وأن الحاكم في الحسن والقبح هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿يفعل ما يشاء﴾ و ﴿يحكم ما يريد﴾ وقال تعالى: ﴿لا معقب لحكمه﴾ وقال تعالى: ﴿له الحكم﴾ فإن اللام للاستغراق، وتقديم الخبر يدل على الحصر. وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ وقال تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ وقال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ نفى الوجوب قبل البعثة لنفي لازمه.
ولما رواه محمد بن يعقوب الكليني في الكافي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنه قال: "ليس لله على خلقه أن يعرفوه، وللخلق على الله أن يعرفهم"، فإنه لو كان العقل حاكما لزم أن يكون الله تعالى في أفعاله محكوما لبعض مخلوقاته بحيث لا يجوز له أن يخالفه قط، وكفى به نقصا.
واحتجت الشيعة على مدعاهم بأن شكر الله تعالى ودفع الخوف واجبان عقلا: أما الأول فلأن من ترك شكر النعم ذمته العقول واستحسنت سلبها عنه. وأما الثاني فلاحتمال أن المنعم قد أراد الشكر من المنعم عليه على النعمة، وأنه إذا لم يشكر سلبها عنه
стр. 297
وعاقبه، فيحصل له خوف العقاب وزوال النعمة عنه، وهو قادر على دفعه، ومن لم يدفعه ذمه العقلاء، وهما متوقفان على المعرفة، وهي متوقفة على النظر لا تتم إلا به، وما لا يتم الواجب المطلق المقدور عقلا إلا به فهو واجب عقلا.
وهو باطل؛ لأن الوجوب المتنازع فيه هو ما ترك عليه الثواب والعقاب عند الله تعالى، لا المدح والذم عند العقلاء، ولأن وجوب شكر المنعم عقلا ممنوع، ولأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا كان عبثا، وهو قبيح، ولا فائدة فيه لله تعالى لاستغنائه عنها، ولا للعبد في الدنيا، لأنه متعب ولا حظ للنفس فيه، ولا في الآخرة إذ لا مجال للعقل في الأمور الآخرة.
وما يقال: إن الفائدة هي الأمن من احتمال العقاب في الترك الذي هو لازم الحضور على قلب كل ذي لب أو استحقاق الزيادة فباطل؛ لأن اللزوم ممنوع، بل عدمه معلوم في الأكثر، ولو سلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر، واستحقاق المدح معارض لاستحقاق الذم بارتكاب ما يحتمل خوف العقاب، وجلبه للزيادة لا يعلم بالعقل، ولأن الشكر قد يتضمن خوف العقاب؛ لاحتمال أن لا يقع لائقا. ودعوى القطع بعدم العقاب على شكر النعمة مكابرة، أو أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وادعاء كون هذا التصرف حسنا ممنوع، فإن من بنى مسجدا من مال الغير أو أعطاه مسكينا ذمته العقول، أو لأنه كالاستهزاء كصعلوك شكر ملكا عظيما على كسرة خبز ولقمة طعام قد أخذها بيده بمحضر من أولي الألباب، فإن هذا الشكر يعد استهزاء منه على الملك، فإن ما أعطاه إياه حقير لدى الفقير وغيره، وما أعطاء الله تعالى العبد أحقر عنده من الكسرة واللقمة عند الملك، وكذلك الشكر على نعمة كانت عظيمة لدى المنعم عليه حقيرة لدى المنعم. والعرفان لا يدفع الخوف لقيام احتمال الخطأ، ولا يدفعه اعتقاد أنه مصيب، لأن كل من يأتي بالنظر لا يقطع بعدم احتمال فساده، وربما لعبت به الشكوك.
واحتجت الشيعة أيضا بأنه لو وجب النظر شرعا لزم إفحام الرسل، لأن المكلف يقول: لا يجب علي حتى يثبت الشرع، ولا يثبت حتى أنظر، وأنا لا أنظر. وهو أيضا باطل،
стр. 298
لأن الإفحام مشترك، فإنه غير ضروري والمدعى مكابر، فللمكلف أن يقول ذلك بعينه، ولأن النبي يقول له: قد أخبرتك بما إن أذعنت أجداك، وإلا ضرك، وإن كنت في ريب مما أخبرتك به فالتفت إلى معجزتي فإنك إن التفت إليها عرفت صدقي، وإلا هلكت، ولا ضرر علي إن هلكت وهلك سائر الناس أجمعين، وإنما علي البلاغ المبين.
وهذا القول يضاهي قول من قال للواقف في واد من الأودية: إن وراءك يا من هو في غفلة أسد، فإن لم تتزحزح عن هذا الموضع افترسك، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي، فقال: لا يثبت صدقك ما لم التفت، ولا أنظر ورائي ما لم يثبت صدقك. فإنه يدل على فرط جهالة الواقف وأنه استهدف نفسه للبلاء والردى. كذا قاله حجة الإسلام الغزالي في الإحياء.
واحتجت أيضا بأنه لو وجب النظر شرعا لزم تكليف العاقل. وهو أيضا باطل، لأنه ليس منه في شيء؛ لأنه يفهم الخطاب، ويتصور التكليف، وإن لم يصدق به.
стр. 299
المطلب الثاني في أن الله تعالى موجود حي عالم سميع بصير قادر
وذهبت الإسماعيلية من الرافضة إلى أنه تعالى ليس بموجود ولا معدوم، ولا واحد ولا متعدد، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا سميع ولا أصم، ولا بصير ولا أعمى، ولا حي ولا ميت. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية من أنه تعالى موجود، واحد، حي، عالم، قادر، سميع، بصير؛ كما نطقت به النصوص، كقوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾ فإن الإله إما اسم جنس أو لا، وعلى الأول فالخبر إما محذوف أو لا، والمحذوف إما أن يكون من الأمور الخاصة؛ مثل لنا، أو للخلق، أو مستحق للعبودية، أو غير ذلك مما يناسب المقام، أو من الأمور العامة؛ وهو إما واحد أو متعدد؛ فإن كان واحدا فهو إما موجود؛ ولا حاجة إلى نفي الإمكان للإجماع على أن غير الموجود لا يكون إلها، ولأنه رد لمن يقول بتعدد الآلهة، ولأن الموجود أعم من الموجود بالفعل أو بالقوة، وأما كون وجوده تعالى ممكنا؛ فيعلم من لفظ الله؛ فإنه اسم للذات المستجمعة لجميع الصفات، ومن تلك الصفات الوجود، وإن كان من الأمور الخاصة؛ فالدال عليه لفظ الله أيضا، وإن كان متعددا فهو موجود ممكن، فيفيد وجوده تعالى بالفعل، وعدم إمكان غيره، وأما على تقدير عدم حذف الخبر بناء على لغة بني تميم فإنهم لا يثبتون الخبر لا لفظا ولا تقديرا، فلا بمعنى انتهى اسم فعل، وإلا بمعنى غير صفة الإله، فيفيد أن الله تعالى موجود بصفة العبودية، وغيره ليس بإله. وقد جوز سيبويه وكثير من المتقدمين وقوع إلا صفة مع صحة الاستثناء من غير ضعف، قال سيبويه: "يجوز في قولك لا رآني أحد إلا زيد أن يكون إلا زيد صفة"، وعليه أكثر المتأخرين من النحويين، وعليه قول الشاعر:
стр. 300
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقال صاحب الكشاف: "لا حاجة في هذا المقام إلى هذا الخبر، فإن إلا الله مبتدأ، ولا إله خبره، وأصل التركيب الله إله؛ أي مستحق للعبادة، وأدخل أداة الحصر فقيل: لا إله إلا الله".
وأما دليل باقي الصفات فقوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد﴾، ﴿عالم الغيب والشهادة﴾، ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾، ﴿وهو السميع البصير﴾ فنفي هذه الصفات عنه تعالى يخالف النصوص، فهو كفر لقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ولأنه يلزم ارتفاع النقيضين من نفي تلك الصفات وأضدادها، وهو باطل.
стр. 301
المطلب الثالث في بيان أن الإله واحد
ذهبت الخطابية والاثنينية والخمسية والمقنعية إلى أن الإله متعدد. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه جمهور المليين، وغيرهم من العقلاء كالفلاسفة والبراهمة، من أن الله تعالى واحد؛ لإجماع الأنبياء ﵈ على الدعوة إلى التوحيد، ونفي الشريك في الألوهية، ولنصوص الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾، ﴿لا إله إلا هو﴾، ﴿وإلهكم إله واحد﴾ وغير ذلك. وأما السنة فقوله ﵊: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، «لا إله إلا الله»، «لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك»، وغير ذلك، ولما صح عن علي وأولاده من طريق أهل السنة والشيعة الإمامية والزيدية والكيسانية والإسماعيلية من أنهم كانوا يبرؤون ممن يقول بتعدد الآلهة. ولأنه لو تعدد الإله فإما أن يكون كل واحد منهما علة مستقلة تامة لوجود العالم، فيلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد بالشخص وهو محال، وإلا يلزم عجز
стр. 302
الآخر، والعجز نقص. ولأن المعلول لا بد له من فاعل، والواحد كاف، وما زاد عليه عدد ليس أولى من الآخر، فيفضي ذلك إلى أعداد غير متناهية، وهو محال.
ولأنه لو كانا موجودان واجبا الوجود فلا يخلو إما أن يكونا متوافقين في الماهية، أو متباينين فيها، وعلى كلا التقديرين يلزم تركيب كل منهما، أما على التقدير الأول فلتركيب كل منهما في الوجوب والتمايز في الماهية، لأنه لو كان واجبا الوجود متفقين لكان بينهما تمايز، وما به المشاركة بين الشيئين مغاير لما به امتياز كل واحد منهما عن الآخر، فيلزم تركيب كل منهما من جزئين، ثم إن ذينك الجزئين إما أن يكونا واجبين أو لا، فعلى الأول يلزم اشتراكهما في الوجوب والتباين في الماهية، فيكون كل منهما مركبا من جزئين آخرين؛ فيلزم التسلسل وعلى الثاني يلزم أن يكون أحدهما أو كلاهما ممكنا، وقد فرضنا واجبين، هذا خلف، ولأنه لو تعدد الواجب فإما أن يقع تخالف بينهما أو لا، وعلى الأول إما أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فيلزم كون الآخر عاجزا، أو يحصل مراد كليهما فيلزم اجتماع النقيضين، وعلى الثاني إما أن يكون قدرة كل منهما وإرادته كافية في وجود العالم؛ فيلزم اجتماع العلتين التامتين على معلول واحد بالشخص، وهو باطل، أو لا شيء منهما كاف، فيلزم أن يكون كل منهما عاجزا، وأن لا يكون خالقا، فلا يكون إلها. ولأنه لو وجد إلهان متصف كل منهما بالعلم والقدرة والإرادة، فوجود مقدور معين، كحركة جسم معين في زمان معين فوقوعه إما أن يكون بهما، فيلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد بالشخص، وإما أن يكون بأحدهما، فيلزم الترجيح بلا مرجح.
ولأنه لو وجد إلهان كل منهما جامع لصفات الألوهية، فإذا أراد أحدهما أمرا كحركة جسم مثلا فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده أو لا، وكلاهما محال لاستلزامه اجتماع الضدين، أو لا يقع مراد واحد منهما، وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين المفروضين بكمال القدرة، ولاستلزامه ارتفاع الضدين المفروض امتناع خلو المحل عنهما، كحركة جسم وسكونه في زمان معين، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، وهو محال لاستلزامه الترجيح بلا مرجح وعجز من فرض قادرا حيث لم يقدر على ما هو ممكن في نفسه، أعني إرادة الصدور، ولا شك في امتناع احتمال الإرادتين، وهو لا ينافي الإمكان، ولأنه لو تعدد الإله لا يكون العالم، لأن
стр. 303
تكونه إما بمجموع القدرتين، وهو باطل لأن من شأن الإله كمال القدرة، وإما بكل منهما على الإنفراد فيلزم عجز الآخر، وهذا البرهان يسمى برهان التمانع، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهتان إلا الله لفسدتا﴾ والمراد بالفساد عدم التكون، فالبرهان قطعي، وأما إذا أريد به الخروج عما هو عليه من النظام فإقناعي، وتقريره أنه لو كان إلهان لأمكن وقوع التنازع بينهما والتغالب وذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض بحكم اللزوم العادي، فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام المحسوس، واختل النظام الذي به بقاء الأنواع، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
стр. 304
المطلب الرابع في بيان أن الله تعالى متفرد بالقدم
ذهبت الكاملية والعجلية والرزامية والقرامطة والنزارية إلى أنه تعالى غير متفرد بالقدم، فإن العالم أيضا قديم عندهم. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الفرق الإسلامية والمليون وغيرهم من العقلاء من أن القديم ذات واحدة والعالم حادث، للنصوص كقوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾، ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾، ﴿والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها﴾، ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولأن العالم ممكن، لأنه إما مركب من الهيولى والصورة كما هو مذهب الفلاسفة، أو من الجواهر الفردة كما هو رأي المتكلمين، وواجب الوجود ليس بمركب، فالعالم ليس بواجب الوجود، فهو ممكن الوجود، وكل ممكن محدث، لأن الممكن الموجود لا بد له من مؤثر وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، فالمؤثر في العالم إما أن يكون موجبا بالذات فيلزم قدم الحادث اليومي أو التسلسل، لأن علته إن كانت قديمة لزم قدمه، وإن كانت محدثة لزم التسلسل، وإما أن يكون مختارا وجميع آثار المختار حادثة، لأن المختار إنما يفعل بالقصد إلى الفعل، وهو لا يتوجه إلى شيء حاصل، وإنما يتوجه نحو أمر معدوم، وإلا لزم تحصيل الحاصل.
واحتج من قال بقدم العالم بأن العلة التامة المستجمعة لشروط التأثير إن كانت قديمة لزم قدم العالم، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى، وتلك العلة الأخرى إما قديمة فيلزم قدم الحادث، ومحدثة فيلزم ما لزم وهكذا، فإما أن يدور أو يتسلسل.
والجواب أن الباري -عز اسمه- قادر مختار، ولا يلزم من وجود القادر المختار وجود أثره معه،
стр. 305
لأنه يجوز أن يكون تخصصه بوقت دون وقت لا لأمر، والضرورة قاضية بالفرق بين القادر وبين الموجب بهذا المعنى.
стр. 306
المطلب الخامس في أن الله تعالى أبدي لا يصح عليه الفناء لا يشارك في ذلك
ذهبت المنصورية والكاملية والمعمرية والجناحية والرزامية والقرامطة والنزارية إلى أن الله تعالى ليس بمتفرد في الأبدية وعدم الفناء، فإن العالم يشاركه في ذلك، فإنه لا يصح عليه الفناء بل يستحيل عدمه. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الفرق الإسلامية وجميع المليين أنه تعالى متفرد بعدم صحة الفناء، للنصوص من الآيات والأخبار الصحيحة المتواترة الدالة على وجود الدنيا والآخرة وفناء السماوات والأرض وما فيهما، ولأن العالم ممكن، والممكن يجوز عدمه.
واحتجوا على ذلك بأن العالم فعل الواجب وأثره، فيلزم بدوامه دوامه، وهو باطل لما سيجيء - إن شاء الله تعالى - من أن الواجب قادر مختار.
واحتجوا أيضا بأن الزمان يستحيل عدمه، وإلا لكان عدمه بعد وجوده بعدية بالزمان، فيكون الزمان موجودا حال فرضه معدوما، هذا خلف، فالحركة تستحيل، فإن الزمان مقدار الحركة، فالجسم يستحيل لأن الحركة عرض يستحيل وجودها بدون الجسم.
والجواب أنا لا نسلم أن التقدم يفتقر إلى زمان، فإن أجزاء الزمان يتقدم بعضها على بعض من غير افتقار إلى زمان.
стр. 307
المطلب السادس في أن لله تعالى صفات ثبوتية أزلية
ذهبت الرافضة إلى أن ليس لله تعالى صفة، فلا حياة له ولا قدرة ولا علم ولا سمع ولا بصر، بل هو حي لا حياة له، وقادر لا قدرة له، وعالم لا علم له، وسميع لا سمع له، وبصير لا بصر له. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن له سبحانه صفات أزلية ثبوتية، وهي العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام، وزادت الحنفية التكوين، والأشعرية البقاء. فإن النصوص دالة على وجود العلم والقدرة لقوله سبحانه: ﴿أنزله بعلمه﴾، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، ﴿إنما أنزل بعلم الله﴾، ﴿أن القوة لله﴾، ﴿هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ ولأن كل من هو عالم فله علم، إذ لا يعقل من العالم إلا ذلك، وكذا القادر وغيره.
واحتجت الرافضة على مدعاهم بأنه لو كان له صفة فلا يخلو إما أن تكون قديمة أو حادثة؛ فعلى الأول يلزم تعدد القدماء، وهو ينافي التوحيد، وقد كفرت النصارى القائلين بتعدد القدماء، وعلى الثاني يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى، وخلوه في الأزل من صفات الكمال. والجواب أن تعدد القدماء إنما ينافي التوحيد لو كانت ذواتا قديمة مستقلة بالألوهية، وله صفات وقدمها لقدم الذات، فلا ينافي التوحيد. وإن ما كفرت النصارى لأنهم افترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: إن الله هو المسيح بن مريم، وقالت فرقة: الآلهة ثلاثة، وقالت فرقة: الإله اثنان، كما نص عليه الكتاب العزيز، ثم بعد ظهور الملة الحنيفية اتفقوا على أن الله تعالى هو جوهر واحد له أقانيم ثلاثة، يعنون بها الصفات، وهي الوجود والعلم والحياة، المعبر عنها بالأب والابن وروح القدس، ومثلوه بالسراج، وأن أقنوم العلم اتحد بجسد عيسى، وتدرعت بناسوته، ثم افترقوا على
стр. 308
ثلاث فرق: الملكانية والنسطورية واليعقوبية. فقالت النسطورية: تدرعت بطريق الإشراق كما تشرق الشمس من الكوة على شيء. وقالت الملكانية: تدرعت بطريق الامتزاج كالراح والماء. وقالت اليعقوبية: بطريق الانقلاب حتى صار الإله هو المسيح بن مريم، ومن هؤلاء من زعم أنه تركب اللاهوت والناسوت كالنفس من البدن، واتفقوا على أن كل أقنوم أزلي قائم بنفسه، وقد ينتقل وينزل. وقد استدلوا على ذلك بما في الإصحاح الخامس من إنجيل متى والأول من
стр. 309
إنجيل مرقص والتاسع من إنجيل لوقا والثامن من إنجيل يوحنا أن يوحنا بن دخرما قال: "إن روح القدس بصورة الحمامة نزل من السماء وحل في اليسوع". وكل ذلك كفر صريح، ولأن التعدد إنما يلزم لو تغاير الذات مع الصفات، والصفات بعضها مع بعض آخر؛ وليس كذلك، فإن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها، وكذا الصفات بعضها من بعض. وليس هذا رفع للنقيضين لأن المراد بها أنها ليست عين الذات بحسب المفهوم، ولا غيرها بحسب الوجود، كما في سائر المحمولات، ولا يختص هذا بالمشتقات المحمولة على الذوات، بل يوجد في مباديها أيضا، فإن الوجود ليس عين الماهية فهو ما ولا غيرها ذاتا.
стр. 310
المطلب السابع في أن صفات الله تعالى قديمة
ذهبت الزرارية وبكير بن أعين وسليمان الجعفري ومحمد بن مسلم من عيون الإمامية ورواة شطر من أخبارهم وغيرهم إلى أن علمه تعالى وسمعه وبصره حادث. قال زرارة بن أعين: "لم يكن الله تعالى عالما في الأزل ولا سميعا ولا بصيرا حتى خلق لنفسه علما وسمعا وبصرا". وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وغيرهم من الفرق الإسلامية من أن صفاته تعالى كلها أزلية، لأن كل ما يتصف به سبحانه يلزم أن يكون صفة كمال، لامتناع اتصافه تعالى بصفة النقص بالاتفاق، فلو كانت حادثة لكان سبحانه خاليا عنها في الأزل، والخلو عن صفة الكمال مع جواز الاتصاف بها نقص، ولا يجوز الاتصاف حال الخلو بكمال يكون زواله شرطا لحدوث هذا الكمال بأن يتصف دائما بنوع كمال تتعاقب أفراده من غير بداية ولا نهاية، لأنه على هذا لا يخلو الواجب عن الحادث في الأزل فيكون ناقصا، ولأن الحوادث المتعاقبة في الوجود الغير المتناهية ممتنعة، كما يدل عليه برهان التطبيق، ولأنه لا يخلو إما أن يكون كل من الصفات عين ذاته تعالى، أو مغايرة، أو لا عينه ولا غيره، فعلى الأول يلزم قدمها لقدم ذاته، وعلى الثاني والثالث فلا يخلو إما أن تكون واجبة لذاتها، أو ممكنة لذاتها، فإن كان الأول لزم قدمها لوجوب قدم الواجب، وإن كان الثاني فلابد لها من مؤثر، والمؤثر إما ذاته تعالى، أو غيره، والثاني محال لاستحالة احتياج الواجب إلى الغير، وإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكون الله تعالى مؤثرا فيها بلا شرط، فيلزم قدمها لأنها عند قدم العلة التامة يلزم قدم المعلول، وإما أن يكون مؤثرا فيها بشرط قديم أو حادث، فعلى الأول يلزم قدم الصفة، وعلى الثاني يلزم التسلسل، وهو باطل؛ فثبت المطلوب. ولأنه روى الكليني عن أبي جعفر أنه قال: "كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل عالما"،
стр. 311
وروى هو وجمع آخرون من الإمامية عن الأئمة بطرق متنوعة أنهم كانوا يقولون: إن الله سبحانه لم يزل عالما سميعا بصيرا. وما ذكره زرارة وأصحابه ومن حذا حذوه من الإمامية ضروري البطلان، فإن خلق العلم بدون العلم ممتنع، وكذا خلق القدرة بدون القدرة، ولأنه يلزم أن يكون الله تعالى محتاجا إلى مخلوق في صفاته.
واحتجوا على مدعاهم بأنه لا يتصور العالم والسميع والبصير إلا بوجود المعلوم والمسموع والمبصر، وهي حادثة، فوجب حدوث هذه الصفات القائمة بذاته.
والجواب أن عدم التصور ممنوع، ولأن الآثار المروية عن الأئمة ناصة على وجود العلم قبل وجود المعلوم، ولأن الحادث تعلق ما ذكر من الصفات، وأنه إضافة فيجوز تجددها وتغيرها.
стр. 312
المطلب الثامن أن الله تعالى فاعل بالاختيار
ذهبت الإسماعيلية من الإمامية تبعا للفلاسفة والبراهمة أن الله تعالى موجب بالذات، بمعنى أن تأثيره في وجود العالم بالإيجاب، على معنى أن العالم لازم لذاته، كتأثير الشمس بالإضاءة، وتأثير النار بالإحراق، فإن الإضاءة لازمة لذات الشمس، والإحراق لازم لذات النار. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه جماهير فرق الإسلام وجميع المليين من أنه تعالى قادر، وهو الذي يجوز أن يصدر منه الفعل وأن لا يصدر، وهذه الصحة هي القدرة، وإنما يرجح أحد الطرفين بانضمام وجود الإرادة أو عدمها إلى القدرة، فإنه لو كان موجبا يلزم أن يكون الممكنات قديمة، لأن الموجب لا يتأخر عنه فعله، واللازم باطل فالملزوم مثله، ولأن العالم محدث لأن كل جسم لا يخلو عن الحوادث مثل: الحركة والسكون، وهما حادثان لأنهما مسبوقان بالغير، وما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث بالضرورة، ولأن النصوص الدالة على اتصافه بالقدرة أكثر من أن يحصى، كقوله تعالى: ﴿وهو على كل شيء قدير﴾، ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾، ﴿قل إن الله قادر على أن ينزل آية﴾، ﴿بل قادرين على أن نسوي بنانه﴾، ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
واحتجوا على أن الله تعالى موجب بأن القادر لا بد له في فعله من الإرادة، والإرادة هي المحبة، والمحب للفعل محتاج إليه، والاحتياج من سمات النقص، ولأن المحبة من الكيفيات النفسانية، والواجب منزه عنها.
والجواب أنا لا نسلم أن الإرادة بمعنى المحبة، وإنما هي القصد إلى الشيء، والفاعل للفعل يريده، ويقصد إليه، سواء رضيه أو لا، وأن الإمامية روت عن الصادق أنه تعالى يريد ولا يحب، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
стр. 313
المطلب التاسع في أن الله تعالى قادر على كل مقدور
ذهب المرتضى وأبو جعفر الطوسي وطائفة أخرى من الإمامية إلى أنه تعالى غير قادر على كل مقدور العبد. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وأكثر الفرق الإسلامية من أنه تعالى قادر على كل مقدور، للنصوص الدالة على شمول قدرته، كقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾، ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾.
وما ذكره شيخ الطائفة الضالة في التبيان في تفسير القرآن: أن الآية خرجت مخرج المبالغة، لأن أفعال العباد لا توصف بالقدرة، فبطلانه ظاهر، لأنه تخصيص من غير مخصص، ولأن المقتضي للقدرة هو الذات، وعلة صحة التعلق هي الإمكان، ونسبة الذات إلى الكل على السوية.
واحتجوا على مدعاهم بأنه تعالى لو أراد الفعل وأراد العبد عدمه فلا يخلو إما أن يقع مرادهما، فيلزم اجتماع النقيضين، أو لا يقع مراد كل منهما، فيلزم ارتفاعهما، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، فيلزم عدم قدرة الآخر على مراده، وهو خلاف المقدور.
والجواب أن قدرة الله تعالى فيه تمنع تأثير قدرة العبد، فإنه سبحانه أقدر على الفعل من العبد، ولأن العبد لا يشاء إلا ما يشاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾.
стр. 314
المطلب العاشر في أنه تعالى عالم بما كان وما يكون
ذهبت الشيطانية إلى أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل كونها. وذهبت الزرارية وطائفة أخرى من الإمامية إلى أنه تعالى لم يعلم الأشياء في الأزل، وإنما علمها [بعد] أن خلق لنفسه علما. وذهبت الحكمية وطائفة ممن تبعهم من الاثني عشرية كمقداد صاحب كنز العرفان وغيره إلى أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها. وهذا الكلام كله باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل الحق وجماهير الفرق الإسلامية والمليون من أنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها، وأن علمه تعالى يعم الممكنات؛ لقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، ﴿عالم الغيب والشهادة﴾، ﴿قد أحاط بكل شيء علما﴾، ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم﴾ فإن جعله سبحانه الكعبة والشهر الحرام والقلائد قياما للناس لجلب المصالح لهم ودفع المضار قبل وقوعها دليل على علمه تعالى بالشيء قبل كونه، إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر بها قبل وقوعها، مثل غلبة الروم على فارس بعد غلبهم في بضع سنين، وكلام أهل الجنة لأهل النار، ونحو ذلك. ولأن مصحف فاطمة مشحون بالأخبار عن الأشياء قبل وقوعها بإجماع الإمامية.
стр. 315
ولأنه تواتر عن أهل البيت من طريق أهل السنة والشيعة أن علمه تعالى بالشيء قبل كونه كعلمه تعالى بعد كونه. وروى الفريقان عن أمير المؤمنين أنه قال: "والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها". وروى علي بن إبراهيم القمي من الفرقة الاثني عشرية عن منصور بن حازم قال: "سألت أبا عبد الله هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله، قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله بالأمس؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق"، إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة. ولأن الجهل بالبعض نقص، والنقص على الله تعالى محال.
واحتج من أنكر شمول علمه تعالى بقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ وأمثاله، وبأنه لو علم سبحانه الأشياء قبل كونها لزم أن لا يقدر على شيء، وهو ينافي الربوبية، وذلك لأن ما علم الله تعالى وقوعه فهو واجب، وما علم الله تعالى عدمه فهو ممتنع، ولا قدرة على الواجب والممتنع.
والجواب عن الآية أن المراد علم ظهور ومشاهدة، وعن الدليل العقلي أن الفعل لا يمكن أن يوجد بغير فاعل موجد من غير نكير، ولأنه تعالى يعلم وقوعه بقدرته، ومثل هذا لا ينافي المقدورية قبل تحققها، وذلك ظاهر.
واحتجوا أيضا بأنه لو علمها لزم تغير علمه تعالى، وهذا على الواجب تعالى محال، لأنه لو علم أن زيدا يأكل السفرجل غدا، فإذا أكل في الغد، فإن بقي العلم بحالته فهو جهل، لكونه غير مطابق للواقع، وإن زال وحصل العلم [بأنه أكل] تغير الأول من الوجود إلى العدم، والثاني بالعكس.
والجواب أن العلم صفة يتجلى بها المعلومات، بمنزلة المرآة يكشف بها الصور، فلا يتغير بتغير المعلومات كما لا تتغير المرآة.
стр. 316
المطلب الحادي عشر في أنه تعالى يتكلم والكلام صفة من صفاته
ذهبت الكيسانية والزيدية والإمامية إلى أن كلامه تعالى مخلوق، لأنه كلام منتظم من الحروف المسموعة التي خلقها في جبريل أو النبي أو اللوح المحفوظ. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أنه صفة أزلية قائمة بذاته تعالى غير مخلوقة، كسائر الصفات الثبوتية، منافية للسكوت والآفة والخرس وغير ذلك، وليست من جنس الحروف، والأصوات، والله تعالى متكلم بها، وهو كلام نفساني، وهذه العبارات دالة عليه، وتسمى العبارات كلامه أيضا على معنى أنها عبارات عن كلامه، وهو يتأدى بها، والاختلاف على العبارات دون المسمى على ما ذهب إليه الأشعرية، لأن معنى المتكلم لغة وعرفا من قام به الكلام، لا من أوجده، للقطع بأن موجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركا، وقد أجمع المليون على أنه تعالى متكلم. والكلام القائم بذاته تعالى لا يكون هو اللفظي، على ما ذهبت إليه الأشعرية، فتعين أنه معنوي، وذلك ظاهر. ومن أنكر تعقل النفساني فهو من آفته. ولأنه إذا ثبت أنه تعالى متكلم لزم أن يكون الكلام صفة له، لأنه لا يشتق الفاعل لشيء باعتبار فعل غيره بالاستقراء.
واحتج من خالف أهل الحق بأنه قد علم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام منتظم مؤلف من حروف مسموعة مفتتح بالتسمية مختتم بالاستعاذة، ولقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾، ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾، ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ والمسموع هو الكلام المؤلف من الحروف.
والجواب أن لفظ القرآن يطلق بطريق الاشتراك على المؤلف الحادث، وهو المتعارف
стр. 317
عند القراء والفقهاء والأصوليين، وعلى مدلوله الذي هو القديم.
وأقول: إن مسألة الكلام قد حيرت الأفهام وزلت فيها أقدام، وليس مثل هذا الكتاب محلا لبسطها، ولا يسع المقام لتحريرها وسطرها. وإن أردت الحق الحقيق بالقبول الذي تقبله الأذهان وتذعن له العقول فارجع إلى فوائد تفسير روح المعاني لجدنا المرحوم الجامع للعجب العجاب من المنطوق والمفهوم.
стр. 318
المطلب الثاني عشر أن القرآن كلام الله تعالى ليس فيه تحريف ولا نقصان
ذهبت الاثنا عشرية وغيرهم من الإمامية إلى أن القرآن المكتوب بين دفتي المصاحف الموجود عند المسلمين الموجود عندهم ليس كله كلام الله، فإن فيه ما ليس منه، وليس فيه جميع القرآن المنزل الذي أمر الأمة بتلاوته، فإن فيه تحريفات كثيرة، وقد سقط منه آيات وسور جمة.
روى الكليني عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله: أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية.
وروى عن محمد بن [أبي] نصر عنه أنه قال: "كان في ﴿لم يكن﴾ اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم".
وروى عن سالم بن سلمة قال: "قرأ رجل على أبي عبد الله وأنا أسمعه حروفا من القرآن ليس ما يقرأه الناس، فقال أبو عبد الله: مه اكفف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله على حده".
وروى هو وغيره عن الحكم بن عتبة أنه قال: "قرأ علي بن الحسين قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث، وقال: وكان علي بن أبي طالب محدثا". وروى عن مزيد عن أبي عبد الله أنه قال: "الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي يرى في منامه، والمحدث الذي يسمع الصوت".
وروى عن محمد بن الجهم الهلالي وغيره عن أبي عبد الله أنه قال: ﴿أن تكون
стр. 319
أمة هي أربى من أمة﴾ ليس كلام الله، بل حُرف عن موضعه والمنزل: أئمة هي أزكى من أئمتكم".
قالوا: ومما أسقط منه سورة الولاية، وكانت سورة الأحزاب [مثل] سورة الأنعام فأسقط منها ما كان في فضل أهل البيت والأحكام، و [لفظة] من قوله تعالى: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ كما ذكر ذلك ابن شهراشوب السروي في مثالبه. وقالوا: سقط من قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ لفظ عن ولاية علي؛ ومن قوله تعالى: ﴿خير من ألف شهر﴾ لفظ وملك بني أمية، وكان بعد لفظ ألف؛ ومن قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ لفظ بعلي بن أبي طالب، وكان بعد لفظ القتال؛ ومن قوله تعالى: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ لفظ "آل محمد"، وكان بعد لفظ الذين ظلموا؛ ومن قوله تعالى ﴿ولكل قوم هاد﴾ لفظ علي، وكان بعد هاد؛ ومن قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ لفظ وعلي صهرك، وكان بعد صدرك، فأسقطه عثمان حسدا، إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
стр. 320
وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية أنه ليس في القرآن تحريف ولا نقصان، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وإذا كان الله تعالى الحافظ له كيف يتمكن أحد من تحريفه؟ ولأن تبليغ القرآن كما أنزل كان واجبا على الرسول ﵊ إلى كافة الناس بنفسه أو بمن تبعه، قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ فانتصب ﷺ لتعليمه فأمر بذلك من حضر وبعث إلى من ليس بحضرته، حتى انتشر في الأقطار التي دخلها الإسلام واشتهر في المواضع التي حل فيها الإيمان، ولم يزل المسلمون يتعبدون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ويرون ذلك من أفضل الطاعات والأعمال من زمن النبي ﵊ إلى زماننا هذا، وكل ما هذا شأنه لا يمكن تغييره ولا إسقاط شيء منه. ولأنه لو كان فيه تحريف بتغيير أو نقصان لم يبق وثوق بالأحكام. ولأنه لو كان الأمر كما ذكر لرواه جميع فرق الشيعة عن أهل البيت.
وقد شدد النكير سائر فرقهم على القائل بالتحريف والإسقاط وحكموا بتكفيره، لا سيما الزيدية، ورووا عن أهل البيت أنهم كانوا يقرأون هذا القرآن، ويتمسكون بعامه وخاصه، ويستشهدون به. والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري إنما هو لهذا القرآن. وقد علموه أولادهم وخدامهم وسائر أهل بيتهم، وكانوا يأمرون بتلاوته في الصلاة. ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في كتاب اعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها.
следующие страницы →