Полный текст (641 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المطلب الحادي عشر في أنه تعالى يتكلم والكلام صفة من صفاته
ذهبت الكيسانية والزيدية والإمامية إلى أن كلامه تعالى مخلوق، لأنه كلام منتظم من الحروف المسموعة التي خلقها في جبريل أو النبي أو اللوح المحفوظ. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أنه صفة أزلية قائمة بذاته تعالى غير مخلوقة، كسائر الصفات الثبوتية، منافية للسكوت والآفة والخرس وغير ذلك، وليست من جنس الحروف، والأصوات، والله تعالى متكلم بها، وهو كلام نفساني، وهذه العبارات دالة عليه، وتسمى العبارات كلامه أيضا على معنى أنها عبارات عن كلامه، وهو يتأدى بها، والاختلاف على العبارات دون المسمى على ما ذهب إليه الأشعرية، لأن معنى المتكلم لغة وعرفا من قام به الكلام، لا من أوجده، للقطع بأن موجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركا، وقد أجمع المليون على أنه تعالى متكلم. والكلام القائم بذاته تعالى لا يكون هو اللفظي، على ما ذهبت إليه الأشعرية، فتعين أنه معنوي، وذلك ظاهر. ومن أنكر تعقل النفساني فهو من آفته. ولأنه إذا ثبت أنه تعالى متكلم لزم أن يكون الكلام صفة له، لأنه لا يشتق الفاعل لشيء باعتبار فعل غيره بالاستقراء.
واحتج من خالف أهل الحق بأنه قد علم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام منتظم مؤلف من حروف مسموعة مفتتح بالتسمية مختتم بالاستعاذة، ولقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾، ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾، ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ والمسموع هو الكلام المؤلف من الحروف.
والجواب أن لفظ القرآن يطلق بطريق الاشتراك على المؤلف الحادث، وهو المتعارف
стр. 317
عند القراء والفقهاء والأصوليين، وعلى مدلوله الذي هو القديم.
وأقول: إن مسألة الكلام قد حيرت الأفهام وزلت فيها أقدام، وليس مثل هذا الكتاب محلا لبسطها، ولا يسع المقام لتحريرها وسطرها. وإن أردت الحق الحقيق بالقبول الذي تقبله الأذهان وتذعن له العقول فارجع إلى فوائد تفسير روح المعاني لجدنا المرحوم الجامع للعجب العجاب من المنطوق والمفهوم.
стр. 318
المطلب الثاني عشر أن القرآن كلام الله تعالى ليس فيه تحريف ولا نقصان
ذهبت الاثنا عشرية وغيرهم من الإمامية إلى أن القرآن المكتوب بين دفتي المصاحف الموجود عند المسلمين الموجود عندهم ليس كله كلام الله، فإن فيه ما ليس منه، وليس فيه جميع القرآن المنزل الذي أمر الأمة بتلاوته، فإن فيه تحريفات كثيرة، وقد سقط منه آيات وسور جمة.
روى الكليني عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله: أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية.
وروى عن محمد بن [أبي] نصر عنه أنه قال: "كان في ﴿لم يكن﴾ اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم".
وروى عن سالم بن سلمة قال: "قرأ رجل على أبي عبد الله وأنا أسمعه حروفا من القرآن ليس ما يقرأه الناس، فقال أبو عبد الله: مه اكفف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله على حده".
وروى هو وغيره عن الحكم بن عتبة أنه قال: "قرأ علي بن الحسين قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث، وقال: وكان علي بن أبي طالب محدثا". وروى عن مزيد عن أبي عبد الله أنه قال: "الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي يرى في منامه، والمحدث الذي يسمع الصوت".
وروى عن محمد بن الجهم الهلالي وغيره عن أبي عبد الله أنه قال: ﴿أن تكون
стр. 319
أمة هي أربى من أمة﴾ ليس كلام الله، بل حُرف عن موضعه والمنزل: أئمة هي أزكى من أئمتكم".
قالوا: ومما أسقط منه سورة الولاية، وكانت سورة الأحزاب [مثل] سورة الأنعام فأسقط منها ما كان في فضل أهل البيت والأحكام، و [لفظة] من قوله تعالى: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ كما ذكر ذلك ابن شهراشوب السروي في مثالبه. وقالوا: سقط من قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ لفظ عن ولاية علي؛ ومن قوله تعالى: ﴿خير من ألف شهر﴾ لفظ وملك بني أمية، وكان بعد لفظ ألف؛ ومن قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ لفظ بعلي بن أبي طالب، وكان بعد لفظ القتال؛ ومن قوله تعالى: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ لفظ "آل محمد"، وكان بعد لفظ الذين ظلموا؛ ومن قوله تعالى ﴿ولكل قوم هاد﴾ لفظ علي، وكان بعد هاد؛ ومن قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ لفظ وعلي صهرك، وكان بعد صدرك، فأسقطه عثمان حسدا، إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
стр. 320
وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية أنه ليس في القرآن تحريف ولا نقصان، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وإذا كان الله تعالى الحافظ له كيف يتمكن أحد من تحريفه؟ ولأن تبليغ القرآن كما أنزل كان واجبا على الرسول ﵊ إلى كافة الناس بنفسه أو بمن تبعه، قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ فانتصب ﷺ لتعليمه فأمر بذلك من حضر وبعث إلى من ليس بحضرته، حتى انتشر في الأقطار التي دخلها الإسلام واشتهر في المواضع التي حل فيها الإيمان، ولم يزل المسلمون يتعبدون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ويرون ذلك من أفضل الطاعات والأعمال من زمن النبي ﵊ إلى زماننا هذا، وكل ما هذا شأنه لا يمكن تغييره ولا إسقاط شيء منه. ولأنه لو كان فيه تحريف بتغيير أو نقصان لم يبق وثوق بالأحكام. ولأنه لو كان الأمر كما ذكر لرواه جميع فرق الشيعة عن أهل البيت.
وقد شدد النكير سائر فرقهم على القائل بالتحريف والإسقاط وحكموا بتكفيره، لا سيما الزيدية، ورووا عن أهل البيت أنهم كانوا يقرأون هذا القرآن، ويتمسكون بعامه وخاصه، ويستشهدون به. والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري إنما هو لهذا القرآن. وقد علموه أولادهم وخدامهم وسائر أهل بيتهم، وكانوا يأمرون بتلاوته في الصلاة. ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في كتاب اعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها.
стр. 321
المطلب الثالث عشر أن الله تعالى مريد
ذهبت الإسماعيلية إلى أنه تعالى لا يتصف بالإرادة، لأنه تعالى موجب، ولا إرادة للموجب، فإن كل ما يصدر عنه لازم لذاته، ولأن الإرادة فعل من أفعاله، وكل فعل مسبوق بالإرادة، فيلزم أن تكون الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى وهلم جرا، فيلزم التسلسل، وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وغيرهم من الفرق الإسلامية وسائر المليين من أنه تعالى مريد لأنه قادر، وفعل القادر مسبوق بالإرادة، والإرادة صفة قديمة لا تحتاج إلى إرادة أخرى فلا يلزم التسلسل، ولأن النصوص الدالة على اتصاف الواجب سبحانه بهذه الصفة كثيرة جدا بحيث لا تكاد تحصى، قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ و ﴿يحكم ما يريد﴾، ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾، وغير ذلك من الآيات.
стр. 322
المطلب الرابع عشر أن إرادة الله تعالى متعلقة بكل كائن
ذهبت الفرق الثمانية من الزيدية والإمامية كلهم، إلا الإسماعيلية النافين للإرادة، إلى أنه تعالى غير مريد لجميع الكائنات، فإنه لا يريد الشر والكفر والمعصية، وقعت أو لم تقع. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن تبعهم من أنه سبحانه مريد للكائنات، من الخير والشر، والنفع والضر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية. قال تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾، ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾، ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾، ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾، ﴿ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾، ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه﴾، ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه﴾، ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾، ﴿أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾، ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾، ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾، ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾
стр. 323
وغير ذلك من الآيات.
وروى الكليني عن محمد بن [أبي] نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا: "إن لبعض أصحابنا القول بالجبر، وبعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال علي بن الحسين: قال الله تعالى: يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت" إلى آخر الحديث. ولأنه تعالى أخبر أن الذين حرفوا التوراة من أحبار اليهود لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فلو أراد إيمانهم لزم التناقض. ولأنه قد ثبت عن النبي ﷺ في الخبر المتفق عليه أنه قال: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". وروى الكليني وصاحب المحاسن عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى يقول: "لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى"، وروى جمع عن غيره من الأئمة بمعناه. وروى الكليني أيضا عن سليمان بن جلد عن أبي عبد الله قال: "إن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده،
стр. 324
وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله"، ثم تلا هذه الآية: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾. ولأنه سبحانه أمر إبليس أن يسجد لآدم وهو يعلم أنه لا يسجد، فإن أراد منه الطاعة فقد أراد
стр. 325
الممتنع، وأن يقلب علمه جهلا. وروى الكليني أيضا عن ثابت بن عبد الله عن أبي عبد الله ما ينص على أنه تعالى يريد ضلال بعض عباده إرادة حتم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ولأنه سبحانه لو أراد الإيمان من الكافر وأراد الكفر من الكافر، وأراد الطاعة من العاصي وأراد منه العصيان، وقد صدر الكفر من الكافر والعصيان من العاصي؛ لزم أن لا يحصل مراد الله تعالى، ويحصل مراد الكافر والعاصي؛ فيلزم أن يكون كل منهما غالبا والله تعالى مغلوب، وهو ضروري البطلان. فقد روى الكليني عن الفتح بن زيد الجرجاني عن أبي الحسن ما ينص على أن إرادة العبد لا تغلب إرادة الله تعالى، سواء كانت إرادة عزم أو إرادة حتم. وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ما هو ناص على أنه تعالى يريد المعصية من العبد إرادة حتم، فإنه أراد أن يأكل آدم من الشجرة، وأن لا يسجد له إبليس.
وروى عن ثابت بن سعيد ما هو على ذلك أيضا. ولأنه تعالى خلق للعاصي الإرادة والقدرة على خلق أفعاله وجعل له التمكن، كما ذكره المرتضى في درره، فلو أراد بها نفعه وهو يعلم أنه لا ينفعه بل يضره، فذلك عبث وسفه، والله تعالى منزه عن ذلك. ولأن إرادة الممتنع قبيح. ولأنه تعالى أقسم أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلو أراد إيمان من يعلم أنه من أصحاب الجحيم فقد أراد أن لا يبر قسمه. ولأنه تعالى لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس، ولم ينظره إلى يوم الوقت المعلوم، ولم يمكنه من الإضلال.
واحتج من خالف أهل الحق بقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ والرضا هو الإرادة.
والجواب أنا لا نسلم أن الرضا هو الإرادة، ولو كان كذلك لكان الله تعالى راضيا بكفر جماعة أخبر بأنه يريد ألا يجعل لهم حظا في الآخرة وأنه يريد أن لا يطهر قلوبهم، وهو باطل بالاتفاق؛ ولأن الإرادة تنفك عن الرضا، كإرادة من إرادته تابعة لإرادة غيره وهو يكره المراد، وإرادة الله تعالى تابعة لإرادة العبد، وإن كانت متقدمة عليها، فأحسن التدبر.
واحتجوا أيضا بأنه لو كانت المعصية مرادة لله تعالى لكان الكافر العاصي مطيعا بكفره ومعصيته، لأن الإطاعة تحصيل مراد المطاع.
والجواب أن الإطاعة تحصيل ما أمر به المطاع، لا تحصيل ما أراد سواء كان مرضيا عنده أو لا. ألا ترى أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود لآدم ولم يرد، وأمر إبراهيم بذبح ولده ولم يشأ.
واحتجوا أيضا بأن إرادة القبيح قبيح، وكذا ترك إرادة الحسن.
والجواب أن كون كل منهما قبيحا ممنوع، فإنه لا قبح منه تعالى، كما تقدم. وترك إرادة الحسن إذا علم عدم وقوعه حسن، وإرادته قبيح، لأنها عبث.
стр. 326
المطلب الخامس عشر في أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد
ذهبت فرق من الشيعة إلى أن الأمر لازم للإرادة وجودا وعدما.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد؛ لأن الأمر لا يستلزم الإرادة، والنهي لا يستلزم الكراهة، إذ قد ينفك أحدهما عن الآخر، كالآمر للاختبار. وما يقال إنه ليس بأمر حقيقة ممنوع، فإنه ادعاء ومكابرة. ولأن الله تعالى كره خروج جماعة إلى الجهاد، وقد أمرهم بالخروج، قال تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ وقال تعالى حكاية عن شعيب: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون﴾ وقال تعالى: ﴿قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ فإنها ناصة على أن العود في الكفر يكون بمشيئة الله تعالى. وقال تعالى: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة﴾ وقد أمرهم سبحانه بالإيمان. وقال تعالى: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ وقال تعالى: ﴿أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا﴾ فهذه الآيات تدل على أن الله تعالى لم يرد إيمان الكل، ولو شاء لآمنوا ولم يشركوا، مع أنه أمرهم بالإيمان، وإنما كذب الله تعالى الكفار في قولهم: لو شاء الله ما عبدناهم، لقوله
стр. 327
سبحانه: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون﴾ فإنهم زعموا أن المشيئة هي الرضا، وأن عبادتهم إياهم برضائه تعالى، وهو كذب، فإن الإرادة صفة توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع، ويرادفها المحبة، فمعنى الأولين أعم من معنى الآخرين، والأعم غير الأخص. وما روي عن أبي حنيفة أن الإرادة والرضا متحدان، فهو مكذوب عليه.
ولأنه تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، وقد رواه الإمامية عن الأئمة أيضا، وتواتر عنهم من طريقهم أيضا، كما ذكره شارح العدة وغيره. وروى البرقي في المحاسن والكليني في الكافي عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: "لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد". وروى الكليني عن الحسن بن عبد الرحمن الحمالي عن أبي الحسن موسى بن جعفر أنه قال: "إنما تكون الأشياء بإرادته تعالى ومشيئته". وروى الكليني وغيره عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله أنه قال: "أمر الله ولم يشاء، وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، ولو شاء سجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل، ولو لم
стр. 328
يشأ لم يأكل"، إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة.
واحتج من خالف أهل الحق بأن الأمر بما لا يراد سفه، وكذا النهي عما يراد، والله سبحانه منزه عنه.
والجواب أن ذلك ممنوع، لأن الغرض من الأمر ليس بمنحصر في إيقاع المأمور به، والغرض من النهي ليس بمنحصر في إيقاع المنهي عنه، فإنه يصح وجود الأمر بدون الإرادة، كما يكون مع الإرادة وجود النهي، ولا يكون سفها. ألا ترى أن السيد إذا أراد إظهار عصيان العبد للحاضرين يأمره بشيء ولا يريده منه، وينهاه عن شيء ويريده، ولأن إرادة وقوع ما لم يعلم أنه لا يقع سفه وعبث، وهو سبحانه منزه عنهما. ولأنه روى الكليني عن فتح بن يزيد الجرجاني: أن لله تعالى إرادتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أوما رأيت أنه نهى آدم وحوا أن يأكلا من الشجرة، وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى.
واحتجوا أيضا بأنه سبحانه يكره المعاصي، فكيف يريدها؟
والجواب أنه ربما تجتمع الإرادة والكراهة، كمن أراد أمرا لأمر ما وهو يكرهه، وأفعاله تعالى لا تخلو عن الحكمة والمصلحة. ولأن الكتاب العزيز قد نص على ذلك كما سبق. وفي خاتمة الزبور: "هل تدري يا داود أي المؤمنين أحب إلي؟ الذي إذا قال: لا إله إلا الله اقشعر جلده، وإني أكره له الموت كما يكره الوالد لولده، ولابد له منه، إني أريد أن أسره في دار سوى هذه، فإن نعيمها فيها بلاء، ورجاءها فيها شدة، ومن أجل ذلك عجلت أوليائي إلى الجنة". فهذا أيضا ناص على أنه سبحانه قد يريد شيئا ويكرهه، فإنه يريد موت المؤمن الموصوف بتلك الصفة ويكرهه.
وقد تركت بعض المطالب هنا لكون ما سبق يغني عنها.
стр. 329
المطلب السادس عشر في بيان أنه لا يجوز البداء على الله
ذهبت الزرارية والبدائية والسالمية وجمع من الإمامية، كمالك الجهني ودارم بن الحكيم وزبان بن الصلت وغيرهم، إلى أنه يجوز البَدَاء على الله تعالى، وهو أن يريد شيئا ثم يبدو له ما لم يكن ظاهرا له. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير المسلمين وغيرهم من المليين وسائر العقلاء من أنه لا يجوز البداء على الله تعالى، للنصوص المتقدمة في شمول علمه تعالى كل شيء، ولأنه يلزم أن يكون الله تعالى جاهلا بعواقب الأمور، والجهل عليه سبحانه محال، لأنه نقص.
واحتج من خالف أهل الحق بقوله تعالى: ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، وبما رواه الكليني عن زرارة بن أعين عن أحدهما قال: "ما عبد الله بمثل البداء". وعن هشام بن سالم عنه قال: "ما عظم الله بمثل البداء".
стр. 330
وبأن النسخ جائز بالاتفاق، وهو إما أن يكون لمصلحة ظهرت له تعالى لم تكن ظاهرة قبل أو لا، والثاني باطل لأنه عبث والله تعالى منزه عنه، فتعين الأول وهو البداء.
والجواب أن جميع ما استدلوا به باطل. أما الاستدلال بالآية فلأنها لا تدل على المدعى، لأن المحو والإثبات لا يوجبان الجهل، والمعنى ينسخ ما شاء نسخه من الأحكام لمصلحة تجددت بحسب اقتضاء الزمان، كقوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث وجدتموهم﴾، فإن الزمان الأول اقتضت المصلحة فيه المتاركة، والزمان الثاني اقتضت المصلحة فيه المقاتلة، ويثبت بدله ما يشاء، أو يتركه غير منسوخ، أو يمحو الفاسدات، ويثبت الكائنات، أو يمحو ظلمة الليل، ويثبت ضوء النهار، ونحو ذلك. وأما الاستدلال بالآثار فهو فاسد، لأنها موضوعة مفتراة، وآثار الوضع عليها ظاهر، ولا ظهور الشمس، لأن وصفه تعالى بما يدل صراحة على أنه جاهل بعواقب الأمور لا يكون عبادة، بل معصية وكفرا وإلحادا وزندقة، ولا يكون تعظيما بل تحقيرا.
وأما الاستدلال بالنسخ فباطل أيضا، لأن النسخ بالنسبة إلى الشارع بيان محض لانتهاء الحكم الأول، لأنه تعالى عالم بأن ذلك مؤقت إلى وقت معلوم، وبالنسبة إلى العباد رفع للحكم، لجهلهم بكونه مؤقتا، ولأن النسخ لمصلحة تجددت لم تكن موجودة قبل، فإن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، كمنفعة شرب الدواء في وقت ومضرته في وقت آخر. فلا يتم الترديد على ما لا يخفى.
стр. 331
المطلب السابع عشر في أنه لا يجب على الله تعالى شيء
ذهبت الشيعة قاطبة إلى أنه يجب على الله تعالى بعض الأمور، واختلفوا في معنى الواجب فقالت طائفة منهم: الواجب ما يستحق تاركه الذم عقلا، وقالت جماعة أخرى: الواجب ما قدره الله تعالى على نفسه أن يعطيه ولا يتركه. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه الفرقة الناجية وغيرهم من الفرق الإسلامية من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، فإنه المتفضل بالتوفيق والخلق والرزق والثواب على الطاعة وغير ذلك، وليس شيء منها واجبا عليه سبحانه، وإنما هو فضل منه؛ إذ الألوهية تنافي الوجوب، والعبد المملوك لا يستحق أجرا ورعاية مصلحة، فإن أعطى فبفضله، وإن منع فبعدله، وهو محمود في كل فعاله.
وبطلان القولين في تفسير الواجب أظهر من الشمس. أما الأول فلأنه لا معنى للوجوب إلا عدم التمكن من الترك، وهو ينافي الاختيار. ولأنه لو وجب عليه شيء لزم أن يكون ناقصا لذاته، مستكملا بفعله، لأنه يستوجب الذم بتركه. ولأنه لو وجب عقلا لزم أن يكون بعض مخلوقاته حاكما عليه، وهو باطل. ولأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون بالاتفاق، فحينئذ لا يخلو إما أن يفعل ما يعلم أو لا، والثاني باطل لأنه ينقلب العلم جهلا، فتعين الأول فلا حاجة إلى القول بإيجاب الفعل له بعض الأشياء. ولأن الفعل إما واجب أو ممتنع غير مقدور عليه، وتاركه لا يستحق الذم، والواجب يقع البتة. ولأن ترك الواجب ممتنع كفعل الممتنع. وأما بطلان المذهب الثاني فلأن تقدير بعض الأشياء على نفسه عبث محض، والله سبحانه منزه عنه. ولأن ترك ما قدره على نفسه أن يفعله إن كان جائزا فات معنى الوجوب، وإن لم يكن جائزا بناءً على أن تركه مستلزم للذم عقلا فيرجع إلى المعنى الأول، وقد تقدم بطلانه آنفا، ولأن الوجوب على كلا المعنيين يدل على أن ترك الزجر عن القبائح وفعل القبيح والبخل والسفه والظلم كان جائزا له تعالى قبل الإيجاب وخلق
стр. 332
الفعل كما لا يخفى.
واستدل من فسر الواجب بما يستحق تاركه الذم عقلا بأن من الأفعال ما يستحق فاعله الذم عقلا، ومنها ما يستحق تاركه الذم عقلا، وكل ما كان كذلك فهو واجب الفعل والترك عقلا.
والجواب أن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى - على ما سبق بيانه في أول مطالب هذا المقصد - ولأن الواجب يقع والممتنع لا يقع من غير أن يحكم العقل شيئا فيهما؛ فجعل الله تعالى محكوما لبعض خليقته ضلال وزندقة. ولا حجة لهم بقوله تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم﴾ قوله تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ قوله تعالى: ﴿كان على ربك حتما مقضيا﴾ لأن المراد من الآية الأولى تأكيد الحكم دون الإيجاب، والمعنى وعد بالرحمة وعدا مؤكدا وهو منجز البتة، ولاستحالة تطرق الخلف إلى وعده أجراه مجرى الواجب وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط. و ﴿على﴾ في الآية الأولى لتأكيد المحاسبة والمجازاة، وفي الثانية لتأكيد التفضل لا للإيجاب، وفي الثالثة لتأكيد ورود كل أحد النار. ومعنى ﴿حتما﴾ أمر مبرم، فإن الحتم إبرام الأمر وإحكامه، وقوله تعالى: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ معناه: وكان ثابتا محققا بمقتضى الوعد، و ﴿على﴾ للتأكيد.
وأقول: لما كان هذا المقام مما تزل فيه الأقدام، لا بأس علينا أن نزيده بيانا ونورد له حجة وبرهانا، فإن حمل هذه الآيات على ما سمعت غير مرضي لدى المحققين، ومنتقد عند أرباب البصائر واليقين. وأحسن ما رأيته ما كتبه الأواه عمدة المحدثين وأحد الحفاظ المتقنين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بالحافظ ابن القيم ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثواه- في كتابه بدائع الفوائد، الذي هو في الحقيقة درر وفرائد، فقال بعد كلام له في هذا الباب:
стр. 333
فإن لم يتسع لهذا ذهنك، فسأزيدك إيضاحا وبيانا، وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا إيجاب منه على نفسه، فهو الموجب، وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه. وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح وكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: «لما قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «سبقت غضبي». فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتابة، وصفة اليد، ومحل الكتابة، وأنه كتاب، وذكر مستقر الكتاب وأنه عنده فوق العرش؛ فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد، وهو إيجاب منه على نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ فهذا حق أحقه على نفسه، فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ ﴿الحق﴾ ولفظة ﴿على﴾. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لمعاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار». ومنه قوله ﷺ -
стр. 334
في غير حديث: من فعل كذا وكذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد. فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه. ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك"، فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه، لا أنهم أوجبوه ولا أنهم أحقوه، بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله، كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده، فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما، لا السائلون ولا العابدون، فإنه:
ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عُذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع
ومنه قوله تعالى: ﴿وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه. ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه، نحو قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ وقوله: ﴿لنهلكن الظالمين﴾ وقوله: ﴿قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ وقوله: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وقوله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ إلى أمثال ذلك مما أخبر أنه يفعله إخبارا مؤكدا بالقسم. والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع، بخلاف القسم على ما فعله تعالى، مثل قوله: ﴿يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين﴾ والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون فإنه توكيد للخبر، وهو من باب القسم المتضمن للتصديق، ولهذا يقول الفقهاء: النهي ما اقتضى حضا أو منعا، والخبر ما اقتضى تصديقا أو
стр. 335
تكذيبا، فالقسم الذي يقتضي الحض أو المنع، وهو من باب الطلب، لأن الحض والمنع طلب. ومن هذا ما أخبر به أنه لا بد أن يفعله لسبق كلماته به، لقوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون﴾ وقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ وقوله تعالى: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ فهذا إخبار عما يفعله أو يتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير. ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه، لقوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله ﷺ : «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم»، فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب.
ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة، التي لا يجزم الناظر في سياق هذه المواضع ومقصودها بالمراد منها، كقول بعضهم: إن معنى الإيجاب والكتابة في ذلك كله هو إخباره به، ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه، وقوله: «حرمت الظلم على نفسي» أي أخبرت أنه لا يكون، ونحو ذلك مما يتيقن أن المراد به ليس هو المراد بالتحريم، بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه، فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب، ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر، فإنه يتضمن إبطال الخبر. ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صوما، فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه، فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم، كان ذلك إلغاء وإبطالا لمقصود الخبر فتأمله. وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه؟ وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله، فإن محبته لفعله تقتضي وقوعه منه، وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، فإن محبته ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا
стр. 336
تمنع وقوعه. ففرق بين فعله سبحانه وبين فعل عباده الذي هو مفعوله، فإن فعل عباده يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به، بخلاف فعله سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع. فتدبر هذا الموضع الذي هو مزلة أقدام الأولين والآخرين، إلا من عصمه الله تعالى بعصمته وهداه إلى صراط مستقيم.
انتهى كلامه المقصود نقله. ولولا ضيق المقام لنقلناه بأسره، فإني لا أظنك تجده في كتاب غيره، وإن أردت استيفاء البحث فارجع إلى ذلك الكتاب لتحظى بالصواب وترى العجب العجاب.
стр. 337
المطلب الثامن عشر في بيان أن التكليف لا يجب على الله تعالى
ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن التكليف واجب على الله تعالى.
والحق ما ذهب إليه [أهل] السنة من أن التكليف لا يجب عليه تعالى، بل هو تفضل على الأبرار، وعدل بالنسبة إلى الفجار؛ لأنه لا يجب على الله تعالى شيء، كما سبق. ولأنه لو وجب عقلا بالنسبة إلى من يعلم الله بأنه يؤمن، دون الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن؛ فإن التكليف قبيح، لأنه إضرار له، لأنه إلزام أفعال شاقة لا يترتب عليه نفع في الدنيا، ويستحق عليه عذابا شديدا في الآخرة لا انقطاع له وإن كان سببا عن سوء اختياره، ولا سيما من يعلم أنه يؤمن ويعبد الله سنين ويموت كافرا، كبلعم بن باعور وبرصيصا الزاهد وأمية بن الصلت
стр. 338
وأبو عمرو وأضرابهم حيث جمع لهم إلزام المشاق في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة، وهذا قبيح عقلا، والقبيح لا يكون واجبا. ولأن تكليف من علم الله أنه لا يؤمن ويموت كافرا عبث، لأنه لا ينزجر عن القبائح. ولأنه لو وجب لوجب أن يبعث في كل قرية رسلا تترا من غير فترة، أو إماما غير جبان لا يخاف الأعداء بمجرد من الأضرار، ويؤيده بالمعجزات الباهرة الدالة على صدق دعواه، ويمكنه من الدعوة، ولم يفعل ذلك كله؛ فإنه قد وقعت فترة بين الرسل، ولم يبعث في كل قرية رسولا، ولم يبعث إلى قطّان شواهق الجبال المشمخرة نبيا، وكثير منهم لم يبلغه دعوة نبي قط، ولم يتول الإمامة بعد محمد ﷺ إلا رجال لا يتمكنون من إظهار ما هم عليه من أحكام الشريعة خوفا من المخالفين، حتى غاب خاتمهم منذ مدة مديدة خوفا من الأعداء على ما زعمه القوم، مع كثرة شيعته وأنصاره وأوليائه وتبعته. ولأن تكليف سفهاء الأحلام الذين لا يكادون يفقهون حديثا ولا يميزون بين المعجزة والسحر ولا يهتدون إلى طرق الاستدلال سبيلا، تكليف بما لا يطاق.
واحتج من خالف أهل الحق على وجوب التكليف بأن التكليف زاجر عن القبائح، لأن الإنسان بمقتضى طبعه يميل إلى الشهوات، فإن علم أنها حرام انزجر عنها، فالزجر عن القبائح بالنسبة إليه تعالى واجب.
والجواب أن وجوب الزجر عن القبائح بالنسبة إليه تعالى ممنوع، لأن المنزجر عن
стр. 339
القبائح في العالم قليل جدا، فإن أكثر الناس لا ينزجرون عن القبائح مع العلم بقبحها، والتكليف بالنسبة إليهم عبث، وفعل العبث لا يكون واجبا من غير نكير. ولأن من يعلم الله تعالى أنه لا ينزجر بعد التكليف فزجره عبث، وكذا تكليفه. ولأن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى دون العقل كما تقدم.
стр. 340
المطلب التاسع عشر في أن اللطف لا يجب على الله تعالى
ذهبت الكيسانية والزيدية غير المخلصين والإمامية إلى أن اللطف واجب؛ واللطف ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من فرق المسلمين من أنه لا يجب عليه شيء؛ لأنه هو المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، ولا حاكم عليه، ولا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل. ولأنه لو وجب اللطف عليه تعالى لوجب عليه سبحانه أن يريد إيمان كل مكلف، والنصوص تدل على خلاف ذلك، فإنها ناصة على أن انتفاء إيمان الكل مبني على انتفاء مشيئته سبحانه، قال تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ وقال تعالى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ إلى غير ذلك من النصوص، وتخصيص الإرادة بإرادة العزم باطل؛ لأن إرادة العزم للممتنع كإرادة جزمه، وكلاهما سفه، وكذا إرادة انقلاب العلم جهلا، ولأنه لو وجب عليه اللطف لم يشأ ضده وقد شاء، قال تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه﴾ وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ فإنه إذا لم يشأ عدم الفعل فقد شاء الفعل لعدم القائل بالفصل. ولأنه لو وجب اللطف على الله تعالى لوجب عليه أن يريد لعبده خيرا، ولم ينكت في قلبه نكتة سوداء ولم
стр. 341
يسد مسامع قلبه ولم يوكل به شيطانا يضله، وقد فعل ذلك كله بكثير من عباده. ولأنه تعالى قال: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ فلو كان اللطف واجبا لأخل بالواجب، وفعل ما هو عبث وسفه، تعالى الله عن ذلك. ولأنه لو وجب اللطف على الله تعالى لبعث في كل عصر نبيا وولى على كل بلد معصوما يدعو المكلف إلى الحق ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. ولأنه لو وجب عليه سبحانه اللطف لم يخلق للعاصي إرادة المعاصي.
واحتج من خالف أهل الحق بأن اللطف يحصل به غرض المكلف، وهو الإتيان بالمأمور به، فيكون واجبا، وإلا لزم نقض الغرض وهو قبيح.
والجواب أنا لا نسلم أن الغرض هو الإتيان بالمأمور به، وإلا لزم أن يكون الله تعالى معللا فعله بغرض ممتنع إذا أمر من يمتنع إيمانه بالإيمان، وهو سفه وعبث، ولأن الله تعالى قال: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ وإذا حق القول منه بذلك فلا بد أن يكون جمع من المكلفين عصاة، فتكليفهم بالطاعة عبث، والعبث لا يكون واجبا، فاللطف منتف عنهم، فلو وجب لزم إخلاله تعالى به، ولأنه لو وجب ذلك لم ينظر إبليس إلى النفخة الأولى ولم يقل له: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم﴾ الآية، حين قال: ﴿لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا﴾. ولأن الغرض يحصل بإلجاء المكلف على قبول المأمور به أيضا، بل هو أشد وأقوى من اللطف في حصول الغرض، ولا قبح فيه فيكون واجبا، كما فعل ذلك بقوم موسى ﵊ حيث رفع فوقهم الطور وألجأهم على الامتثال لما أمروا به، قال تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون﴾ وقال تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، ولأن تمكن العاصي من المعاصي نقض للغرض، فإن عدمه لطف، ولم يفعل.
стр. 342
ولأنه لو كان اللطف واجبا لما ذكر لم يخلق في العبد قدرة على خلق القبائح، فإنه نقض للغرض. ولأنه قد ثبت من طريق الإمامية عن أئمة أهل البيت أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود ولم يرد منه ذلك كما سلف فتذكر.
стр. 343
المطلب العشرون في بيان أن الأصلح لا يجب عليه تعالى
ذهبت الكيسانية والزيدية الغير المخلصين إلى أنه يجب على الله تعالى ما هو الأصلح الأنفع لعباده في الدين. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من أنه لا يجب على الله تعالى شيء لما سبق غير مرة. ولأن الفعل إما واجب الوقوع أو ممتنع، والممتنع لا يقع بالاتفاق، فتعين الواجب، ولا فرق بين الأصلح وغيره من الفعل، ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لم يجر على يد كثير من عباده الشر، وقد أجراه على أيديهم. ولأن الله تعالى يعلم من الناس من لو أمكنه في الأرض أشاع البدع وسفك الدماء وظلم الناس، ومع ذلك مكنه وجعله سلطانا عليهم، فلو كان الأصلح واجبا عليه لم يمكنه. ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لم يمل للذين كفروا ليزدادوا إثما، وقد أملاهم، قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾. ولأنه تعالى لو وجب عليه الأصلح لم يجعل صدر من يريد أن يضله ضيقا حرجا، بل وجب أن يشرحه للإسلام. ولأنه تعالى لو وجب عليه الأصلح لم يسلط على ابن آدم عدوا يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم. ولأنه لو وجب عليه الأصلح لم يخلق في العبد قوة على خلق المعاصي وإرادتها ولم يجعل له ضروب التمكن، فإن الأصلح أضداد تلك الأمور. ولأنه لو وجب عليه الأصلح لزم أن يكون الواجب تعالى تاركا بعض الواجبات، فإن الأصلح لقوم موسى ﵊ أن لا يرى السامري الرسول ولم يعلمه خاصية أثره حتى لا يقبض قبضة من أثر الرسول فيجعل ما يضل به الناس. ولأن الأصلح بحال الكافر المسكين المبتلى بأنواع البلايا أن لا يخلقه أو يميته في صغره قبل أن يرتكب ما يوجب الخلود في النار. ولأن الأصلح لمن يعلم سبحانه أنه لا يمتثل لأوامره ولا ينتهي
стр. 344
عما نهاه عنه أن لا يأمره ولا ينهاه. ولأن الأصلح لأصحاب النبي ﷺ أن ينص على خلافة أبي بكر دون علي. ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لزم أن لا يستوجب الله تعالى على فعله شكرا، لكونه مؤديا لما وجب عليه، فكان كمن أدى دينا لازما، فالأمر بالشكر على ما يستوجبه قبح.
ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لما كان له منة على العباد في إفاضة الخيرات ودفع البليات، لكونها أداء للواجب، وكان الأمر بالشكر عليها سفها وعبثا، ولكان قوله تعالى: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ لغوا. ولعمري إن مفاسد هذا الأصل أكثر من أن تحصى.
أقول: وقد ذكر في ترجمة التحفة ما نصه: "اعترض على الشيعة القائلين بوجوب الأصلح بأن تقوية الفاسقين على قتل الأنبياء وأبناء الأنبياء في غاية القبح عقلا، وقد وقع، كقتل يحيى والحسين؛ فإن أجابوا بأن مصائب مثل هؤلاء الكرام لما كانت مجازاة بالثواب الجزيل في دار الجزاء كانت تلك الأمور حسنة وصلاحا، لا قبحا وفسادا؛ قلنا: فالأنبياء الآخرون مثلا الذين لم تصبهم مثل هذه المصائب، هل يجزون بهذا الثواب الجزيل من غير ابتلاء أم لا؟ فعلى الأول لزم ترك الأصلح وصدور القبيح في حق يحيى والحسين مثلا، وعلى الثاني يلزم تركه في حق أولئك الكرام، لأنهم لم يفوزوا بالثواب الجزيل" انتهى، وهو إلزام حسن على ما لا يخفى.
واحتج من خالف أهل الحق أن ترك الأصلح المقدور الغير مضر بخل وسفه، والله تعالى منزه عن ذلك.
والجواب أن كون ترك الأصلح بخلا وسفها ممنوع، لأنه سبحانه حكيم عالم بعواقب الأمور، وكل ما يفعله الحكيم العالم بعواقب الأمور لا يخلو عن الحكمة والمصلحة.
стр. 345
المطلب الحادي والعشرون في بيان أن العوض لا يجب على الله تعالى
ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أنه يجب على الله تعالى العوض، وهو نفع مستحق خال من تعظيم الإله، في مقابلة ما أصاب العبد من الآلام. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من الفرق الإسلامية من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، لا عوض ولا غيره كما سبق؛ ولأن العوض إنما يجب على من تصرف في ملك الغير، فإنه ظلم، ولا ملك لغيره تعالى.
وقول من زعم إنه لو اعتبر هذا لكان خيرات العباد أيضا ظلما باطل، فإن الفرق بين التصرف في ملك الغير بأمره ورضاه ظاهر لكل أحد. ولأنه لو وجب لوجب لمن ليس عليه حق لله تعالى، وله سبحانه على خلقه نعم لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. ولو عبد الله شخص من أول عمره إلى آخره بأنواع العبادات لم يؤد شكر أقل نعمة. روى ابن بابويه القمي في الأمالي من طريق صحيح عن علي بن الحسين أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "إلهي، وعزتك وجلالك وعظمتك لو أني منذ بدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الأبد بتحميد الخلائق وشكرهم أجمعين لكنت مقصرا في بلوغ أداء شكر أخفى نعمة من نعمك، ولو أني كربت معادن حديد الدنيا بأنيابي وحرشت أرضها بأشفار عيني وبكيت من
стр. 346
خشيتك مثل بحور السماوات والأرضين دما وصديدا لكان ذلك قليلا من كثير ما يجب من وفي حقك علي، ولو أنك إلهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين وعظمت للنار خلقي وجسمي وملأت جهنم وأطباقها مني حتى لا يكون في النار معذب غيري ولا يكون لجهنم حطب سواي لكان هذا لك علي قليلا من كثير ما استوجب من عقوبتك". وفي نهج البلاغة: "لا يأمن خير هذه الأمة من عذاب الله".
واحتج من خالف أهل الحق بأن ترك العوض قبيح، لأنه ظلم، فيجب فعله.
والجواب أن كون ترك العوض ظلما ممنوع، لأن الظلم لا يمكن صدوره منه تعالى؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، بالتصرف في ملك الغير بغير رضاه، أو مجاوزة الحد، وكلاهما في حقه تعالى محال، إذ لا مالك سواه، وليس لأحد عليه حق. بل هو الذي خلق الخلق، وتفضل على عباده بما تفضل، وحد عليهم الحدود، وحلل الحلال وحرم الحرام، ولا يسأل عما يفعل. ويؤيده ما روي عن السجاد من الدعاء الذي ذكر قريبا، وكذا ما في النهج. ولأنه لو وجب العوض لوجب عليه تعالى إنزال الآلام على البهائم عوضا، ولم يقل به أحد. ولأنه لا قبح منه تعالى لما تقدم، ولا يمكن وقوع الظلم منه سبحانه. والاستدلال على إمكان وقوعه بأنه سبحانه قد تمدح بنفي الظلم عنه فقال: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ وقال: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ والتمدح بما لا يصح من الممدوح لغو، كقول من يمدح الأعمى: بأنه لا ينظر إلى المحرمات، والعنين: بأنه لا يزني؛ فاسد؛ لأن المراد من الظلم في الآيات والأخبار نقص أجر العمل الصالح للعبد على ما قدره الله تعالى له ووعده، أو تركه رأسا، وتعذيب العبد من غير جرم، أو زيادة تعذيبه على القدر الذي قدره الله تعالى له، فتفضل سبحانه على عباده فجعل الأجر حقهم، وملكا ملكهم، فسمى التصرف فيه ظلما، وإن كان ذلك ليس بظلم في الحقيقة.
стр. 347
وأيضا لا نسلم أن نفي الظلم في الآيات للتمدح، بل هو رد على من زعم ذلك، أو إخبار لمن يعلم أنه لا يصح منه الظلم، كقوله تعالى: ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ وقوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ فإنه إخبار منه تعالى بأنه لا يبدل القول لديه سبحانه لمن يعلم ذلك. ولو سلم أن النفي للتمدح فالمعنى لو أمكن منه الظلم فهو لا يظلم، وليس المقصود نفي إمكانه، بل زجر عباده عن الظلم، فهو على حد قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ وقوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين﴾، وهذا أسلوب من أساليب البلاغة، وشتان ما بينه وما بين الأعمى والعنين بذلك.
стр. 348
المطلب الثاني والعشرون في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى
ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن العبد خالق لأفعاله بقدرته، حتى البهائم والطيور وغيرها من الحيوانات وما ليس له شعور من الأعضاء وغيرها. روى المرتضى في الدرر والغرر عن التوزي عن أبي عبيدة قال: اختصم رؤبة وذو الرمة عند بلال بن أبي بردة، فقال رؤبة: والله ما فحص طائر فحوصا ولا تقرمص سبع قرموصا (أي اتخذ قرموصا وهو الموضع الذي يأوي إليه) إلا بقضاء من الله وقدره، فقال له ذو الرمة: والله ما قدر الله على الذئب أن يأكل حلوبة عيائل (جمع عيل، وهو ذو العيال) ضرائك (جمع ضريك، وهو الفقير)، فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب على الذئب ثان، قال ذو الرمة: الكذب على الذئب خير من الكذب على رب الذئب. قال المرتضى: هذا الخبر صريح في قوله بالعدل واحتجاجه عليه وبصيرته فيه. هذا كلامه، ولا
стр. 349
يتفوه به من له مسكة من العقل.
قل للذي يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
ثم روى عن الأصمعي عن إسحاق بن سويد قال: أنشدني ذو الرمة:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما يفعل الخمر
فقلت له: فعولين خبر لكونا، فقال لي: لو سبحت لربحت، وإنما قلت: وعينان فعولان فوصفتهما بذلك، قال المرتضى: "وإنما تحرز ذو الرمة بهذا الكلام من القول بخلاف العدل". اهـ.
وهو باطل؛ لأنه وصفهما بذلك للمبالغة، إذ لا يقول ذو لب أن الخمر تخلق الإسكار، ولو أراد ما ذكره المرتضى لم يفد سوى أنه ما لا علم له ولا إرادة ولا قدرة، كالعين والخمر، شريك الله من خلقه، وهذا قول بطلانه أظهر من الشمس. وقد تبع هؤلاء الضلال المعتزلة، وكلا الفريقين وافقوا المجوسز وزعموا أن القول بخلاف ذلك يستلزم الظلم، وسموا هذا القول عدلا، وسموا أنفسهم عدلية، وأرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه، وأثبتوا له شركاء من خلقه. وقد ظنوا أن أمر الخلق هين حتى زعموا أن مثل الذرة وما دونها خالق لأفعاله.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى مكسوبة للعبد. وما زعمه المخالفون باطل، لأنه يستلزم أن يكون الكافر الذي علم الله تعالى أنه يختار الكفر ويموت عليه قادرا على أن يخلق فيه الإيمان، وليس كذلك، وإلا لزم أن ينقلب العلم جهلا، هذا خلف. ولأن العبد حال الفعل إن لم يتمكن من الترك كان مجبورا لا مختارا، وإن تمكن فلا بد له من مرجح لوجوب الفعل، ولم يمكن منه، وإلا لزم
стр. 350
الترجيح من غير مرجح. ولأنه لو ناقض مراد الله مراد العبد: فإما أن يقع مرادهما جميعا، أو لا يقع، وكلاهما محال، أو يقع مراد أحدهما، فيلزم الترجيح بلا مرجح. ولأنه أجمعت الأمة على وجوب شكر الله تعالى على نعمته الآن، فلو كان بإيجاد العبد لزم شكر الغير على فعل نفسه، ولا معنى له، وأما الشكر على المقدمات فأمر آخر. ولأن المليين أجمعوا على صحة تضرع العبد إلى الله تعالى بطلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فلو كان بخلق العبد دون خلق الله تعالى لما صح ذلك.
ولنصوص الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو خالق كل شيء﴾،
стр. 351
﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله﴾، ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن﴾ مع أن وقوف الطير فعل اختياري من الحيوان.
وأما السنة فقوله ﵊: "إن الله صانع كل صانع وصنعه"، أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد والبيهقي فيه والحاكم في المستدرك عن حذيفة بن اليمان مرفوعا.
وروت الإمامية عن الأئمة أيضا: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، كما ذكره شارح العدة وغيره؛ وفسروا الخلق بالتقدير، والتقدير بالتدبير، وهو أن يفعل ما يفعل المتحري للصواب الناظر في عواقب الأمور. ولا حجة لهم في ذلك لا من اللغة، ولا من كلام الأئمة. ولا يجوز أن يكون الخلق بمعنى التقدير لقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾. وما ذهب إليه أهل الحق هو مذهب المتقدمين من المليين والحكماء الإلهيين ومن بعدهم من الفلاسفة، فإنهم قالوا: المبدأ الأول فاعل الحوادث كلها، وإنه هو المؤثر في الحقيقة، ولا مؤثر سواه، فإن الوسائط بمنزلة الشرائط والآلات. نص عليه الشيخ في الشفاء وتلميذه في التحصيل، وصنف صاحبه الحكيم عمر بن الخيام في ذلك رسالة مفردة، وصرح بذلك صاحب التجريد من الإمامية في شرح الإشارات.
стр. 352
واحتج من خالف أهل الحق بأنه لو كان الله تعالى موجدا لأفعال العباد لكان فاعلا، والفاعل يتصف بالفعل، إذ لا معنى للعاصي إلا فاعل العصيان، فيلزم أن يكون سبحانه كافرا، تعالى الله.
والجواب أن الفاعل يطلق على من قام به الفعل، لا على من أوجده.
واحتجوا أيضا بأنه لو كان خالقا لأفعال العباد لكان أظلم الظالمين، حيث خلق في العبد المعصية ثم عذبه عليها.
والجواب أن الله تعالى أوجد في العبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وصفةً من شأنها ترجيح أحد المقدورين بالوقوع، وهي الإرادة، وأخرى من شأنها الميل إلى الشهوات الموجبة لهلاكها والنفور عن التكاليف الموجبة لسعادتها، وهي النفس، ولما تعلقت الإرادة بالفعل تعلقت القدرة به بسبب تعلقها به، وهو ليس بمخلوق لله تعالى لما مر آنفا، وتعلق إرادة العبد بالفعل الكسب، والترجيح مع ميل النفس في المعصية، وبدونه في الطاعة الاختيار، فالعذاب بسبب سوء الاختيار والكسب. ولأن الله تعالى يعلم ما كانوا يفعلون لو فوض إليهم الأمر، فيخلق فيهم ذلك، فيعذب منهم الفجار، كما علم من أطفال الكفار ما كانوا يعملون، فيدخلهم مدخل آبائهم.
روى محمد بن بابويه عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عن أطفال المشركين يموتون قبيل أن يبلغوا الحنث، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم". وروى عن وهب بن وهب عنه عن أبيه أنه قال: "أولاد الكفار في النار". وروى الكليني وابن بابويه وآخرون عن الأئمة: أن الله تعالى خلق بعض عباده سعيدا وبعض عباده شقيا.
стр. 353
وروى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله أنه قال: "إن الله تعالى خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل سوءا أبغض عمله ولم يبغضه، وإن خلق شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل صالحا أحب عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحب الله شيئا لم يبغضه أبدا، وإذا أبغضه لم يحبه أبدا". وروى الكليني وغيره من الإمامية عن أبي نصير أنه قال: كنت بين يدي أبي عبد الله جالسا وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله، من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبدا لله: أيها السائل، علم الله لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على طاعته ووضع ثقل العمل تحقيقا لما هم أهله، ووضع لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه".
واحتجوا أيضا بأنه لو كان الله تعالى خالقا لفعل العبد لزم إفحام الأنبياء؛ لأنه إذا قال النبي للكافر: آمن بي، يقول الكافر: قل للذي بعثك يخلق في الإيمان حتى أؤمن، وقد خلق في الكفر، وأنا لا أتمكن من مقابلته، فيفحم النبي ولا يتمكن من جوابه.
والجواب أن النبي يقول له: إن الله تعالى أمرني بالتبليغ، وبيده الرد والقبول، وليس لي من الأمر شيء. أو يقول: دعوتي قد تكون داعية لك إلى الفعل واختياره، فيخلق الله تعالى فعل القبول عقبها. ولأن هذا يرد أيضا على تقدير كون العبد خالقا لأفعاله، لأن العبد إذا قال للنبي: إن الله تعالى أجرى بيدي، وأنا لا أتمكن من مقابلته وقهره، أو قال: إنه منعني من إطاقة القبول ووهب لي قوة على خلق المعصية دون الطاعة، فكيف يكلفني بالإطاقة؟، أو قال: إن الله تعالى أراد لي السوء ونكت في قلبي نكتة سوداء وسد مسامع قلبي ووكل بي شيطانا يضلني، فقل له: يريد بي الخير وينكت في قلبي نكتة من نور ويفتح مسامع قلبي ويوكل بي ملكا يسددني حتى أؤمن بك، فيفحم النبي أيضا.
стр. 354
واحتجوا أيضا بكثير من الآيات الدالة على استناد الفعل لفاعله، نحو: ﴿يؤمنون به﴾، ﴿يكفرون بآيات الله﴾ وبكثير من الآيات الدالة على المدح نحو: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ وفي الذم نحو: ﴿وكيف تكفرون بالله وأنتم تتلى عليكم آيات الله﴾ والوعد نحو: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ والوعيد نحو: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾ وبالآيات الدالة على أن فعل العبد بمشيئته، نحو: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾.
والجواب أن الفعل يستند حقيقة إلى من قام به، لا إلى من أوجده، فإن الأحمر مثلا الجسم، وإن كانت الحمرة بخلقه تعالى، وكذلك الأكل والشرب والنوم واليقظة وغيرها. وأما المدح والذم والوعد والوعيد فلاختيار العبد وكسبه إياه. وأما المشيئة فلأن أفعال العباد بإرادة الله تعالى، لكنها على وفق إرادة العبد، فإنه سبحانه لما كان عالما بما يريده العبد أراده، فإن الكتاب والسنة وآثار الأئمة ناصة على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾ لا يفيد الخصم شيئا، فإنه تعالى لم يذم الكفرة على قولهم: إن الكفر بمشيئة الله تعالى، وإنما ذمهم لأنهم قصدوا بمقالتهم تكذيب النبي ﷺ ، ولم يذمهم على تفويض الكائنات إلى مشيئة الله تعالى. وقوله تعالى فيما بعد: ﴿فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ يصرم دجى هذا الوهم. وجميع شبههم في هذا الباب أوهى من بيت العنكبوت.
стр. 355
المطلب الثالث والعشرون في أن الله لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد
ذهبت المفوضة إلى أن الله تعالى فوض خلق الدنيا إلى محمد ﷺ وهو الخالق للدنيا وجميع ما فيها. وقالت جماعة منهم: إن الله تعالى فوض خلقها إلى محمد وعلي، فهما الخالقان لها. وقالت فرقة أخرى منهم: إن الله تعالى فوض خلقها وما فيها لعلي بن أبي طالب. والكل باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الملة الإسلامية والمليون وغيرهم من العقلاء من أنه تعالى لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد، لقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، ﴿خالق السموات والأرض وما بينهما﴾، ﴿هل من خالق غير الله﴾، ﴿الله خالق كل شيء﴾ إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة التي في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولا دليل لهذه الفرقة الضالة على هذه الدعوى الكاذبة.
следующие страницы →