Полный текст (641 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله﴾، ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن﴾ مع أن وقوف الطير فعل اختياري من الحيوان.
وأما السنة فقوله ﵊: "إن الله صانع كل صانع وصنعه"، أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد والبيهقي فيه والحاكم في المستدرك عن حذيفة بن اليمان مرفوعا.
وروت الإمامية عن الأئمة أيضا: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، كما ذكره شارح العدة وغيره؛ وفسروا الخلق بالتقدير، والتقدير بالتدبير، وهو أن يفعل ما يفعل المتحري للصواب الناظر في عواقب الأمور. ولا حجة لهم في ذلك لا من اللغة، ولا من كلام الأئمة. ولا يجوز أن يكون الخلق بمعنى التقدير لقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾. وما ذهب إليه أهل الحق هو مذهب المتقدمين من المليين والحكماء الإلهيين ومن بعدهم من الفلاسفة، فإنهم قالوا: المبدأ الأول فاعل الحوادث كلها، وإنه هو المؤثر في الحقيقة، ولا مؤثر سواه، فإن الوسائط بمنزلة الشرائط والآلات. نص عليه الشيخ في الشفاء وتلميذه في التحصيل، وصنف صاحبه الحكيم عمر بن الخيام في ذلك رسالة مفردة، وصرح بذلك صاحب التجريد من الإمامية في شرح الإشارات.
стр. 352
واحتج من خالف أهل الحق بأنه لو كان الله تعالى موجدا لأفعال العباد لكان فاعلا، والفاعل يتصف بالفعل، إذ لا معنى للعاصي إلا فاعل العصيان، فيلزم أن يكون سبحانه كافرا، تعالى الله.
والجواب أن الفاعل يطلق على من قام به الفعل، لا على من أوجده.
واحتجوا أيضا بأنه لو كان خالقا لأفعال العباد لكان أظلم الظالمين، حيث خلق في العبد المعصية ثم عذبه عليها.
والجواب أن الله تعالى أوجد في العبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وصفةً من شأنها ترجيح أحد المقدورين بالوقوع، وهي الإرادة، وأخرى من شأنها الميل إلى الشهوات الموجبة لهلاكها والنفور عن التكاليف الموجبة لسعادتها، وهي النفس، ولما تعلقت الإرادة بالفعل تعلقت القدرة به بسبب تعلقها به، وهو ليس بمخلوق لله تعالى لما مر آنفا، وتعلق إرادة العبد بالفعل الكسب، والترجيح مع ميل النفس في المعصية، وبدونه في الطاعة الاختيار، فالعذاب بسبب سوء الاختيار والكسب. ولأن الله تعالى يعلم ما كانوا يفعلون لو فوض إليهم الأمر، فيخلق فيهم ذلك، فيعذب منهم الفجار، كما علم من أطفال الكفار ما كانوا يعملون، فيدخلهم مدخل آبائهم.
روى محمد بن بابويه عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عن أطفال المشركين يموتون قبيل أن يبلغوا الحنث، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم". وروى عن وهب بن وهب عنه عن أبيه أنه قال: "أولاد الكفار في النار". وروى الكليني وابن بابويه وآخرون عن الأئمة: أن الله تعالى خلق بعض عباده سعيدا وبعض عباده شقيا.
стр. 353
وروى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله أنه قال: "إن الله تعالى خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل سوءا أبغض عمله ولم يبغضه، وإن خلق شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل صالحا أحب عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحب الله شيئا لم يبغضه أبدا، وإذا أبغضه لم يحبه أبدا". وروى الكليني وغيره من الإمامية عن أبي نصير أنه قال: كنت بين يدي أبي عبد الله جالسا وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله، من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبدا لله: أيها السائل، علم الله لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على طاعته ووضع ثقل العمل تحقيقا لما هم أهله، ووضع لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه".
واحتجوا أيضا بأنه لو كان الله تعالى خالقا لفعل العبد لزم إفحام الأنبياء؛ لأنه إذا قال النبي للكافر: آمن بي، يقول الكافر: قل للذي بعثك يخلق في الإيمان حتى أؤمن، وقد خلق في الكفر، وأنا لا أتمكن من مقابلته، فيفحم النبي ولا يتمكن من جوابه.
والجواب أن النبي يقول له: إن الله تعالى أمرني بالتبليغ، وبيده الرد والقبول، وليس لي من الأمر شيء. أو يقول: دعوتي قد تكون داعية لك إلى الفعل واختياره، فيخلق الله تعالى فعل القبول عقبها. ولأن هذا يرد أيضا على تقدير كون العبد خالقا لأفعاله، لأن العبد إذا قال للنبي: إن الله تعالى أجرى بيدي، وأنا لا أتمكن من مقابلته وقهره، أو قال: إنه منعني من إطاقة القبول ووهب لي قوة على خلق المعصية دون الطاعة، فكيف يكلفني بالإطاقة؟، أو قال: إن الله تعالى أراد لي السوء ونكت في قلبي نكتة سوداء وسد مسامع قلبي ووكل بي شيطانا يضلني، فقل له: يريد بي الخير وينكت في قلبي نكتة من نور ويفتح مسامع قلبي ويوكل بي ملكا يسددني حتى أؤمن بك، فيفحم النبي أيضا.
стр. 354
واحتجوا أيضا بكثير من الآيات الدالة على استناد الفعل لفاعله، نحو: ﴿يؤمنون به﴾، ﴿يكفرون بآيات الله﴾ وبكثير من الآيات الدالة على المدح نحو: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ وفي الذم نحو: ﴿وكيف تكفرون بالله وأنتم تتلى عليكم آيات الله﴾ والوعد نحو: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ والوعيد نحو: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾ وبالآيات الدالة على أن فعل العبد بمشيئته، نحو: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾.
والجواب أن الفعل يستند حقيقة إلى من قام به، لا إلى من أوجده، فإن الأحمر مثلا الجسم، وإن كانت الحمرة بخلقه تعالى، وكذلك الأكل والشرب والنوم واليقظة وغيرها. وأما المدح والذم والوعد والوعيد فلاختيار العبد وكسبه إياه. وأما المشيئة فلأن أفعال العباد بإرادة الله تعالى، لكنها على وفق إرادة العبد، فإنه سبحانه لما كان عالما بما يريده العبد أراده، فإن الكتاب والسنة وآثار الأئمة ناصة على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾ لا يفيد الخصم شيئا، فإنه تعالى لم يذم الكفرة على قولهم: إن الكفر بمشيئة الله تعالى، وإنما ذمهم لأنهم قصدوا بمقالتهم تكذيب النبي ﷺ ، ولم يذمهم على تفويض الكائنات إلى مشيئة الله تعالى. وقوله تعالى فيما بعد: ﴿فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ يصرم دجى هذا الوهم. وجميع شبههم في هذا الباب أوهى من بيت العنكبوت.
стр. 355
المطلب الثالث والعشرون في أن الله لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد
ذهبت المفوضة إلى أن الله تعالى فوض خلق الدنيا إلى محمد ﷺ وهو الخالق للدنيا وجميع ما فيها. وقالت جماعة منهم: إن الله تعالى فوض خلقها إلى محمد وعلي، فهما الخالقان لها. وقالت فرقة أخرى منهم: إن الله تعالى فوض خلقها وما فيها لعلي بن أبي طالب. والكل باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الملة الإسلامية والمليون وغيرهم من العقلاء من أنه تعالى لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد، لقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، ﴿خالق السموات والأرض وما بينهما﴾، ﴿هل من خالق غير الله﴾، ﴿الله خالق كل شيء﴾ إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة التي في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولا دليل لهذه الفرقة الضالة على هذه الدعوى الكاذبة.
стр. 356
المطلب الرابع والعشرون في أن الله تعالى خالق الخير والشر
ذهبت الكيسانية والزيدية غير المخلصين والإمامية إلى أنه تعالى خالق الخير وليس بخالق الشر، بل خالق الشر إبليس وعصاة الثقلين. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أنه تعالى خالق كل شيء، لقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو خالق كل شيء﴾، ﴿كل شيء خلقناه بقدر﴾، ﴿خلقكم وما تعملون﴾. ولما أخرجه ابن ماجه وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ عن ربه ﵎: "أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدر على يده الخير، وويل لمن قدر على يده الشر".
ولما رواه محمد بن يعقوب الكليني وغيره عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله أنه كان يقول: "مما أوحى الله إلى موسى وأنزل عليه في التوراة: أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يد من أحبه، فطوبى لمن أجريته على يده". وروى أيضا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إن في بعض ما أنزل الله في كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يد من أردته، فويل لمن أجريته على يديه". وروى أيضا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إن في بعض ما أنزل الله في كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير وخلقت الشر، فطوبى لمن أجريت
стр. 357
على يديه الخير، وويل لمن أجريت على يديه الشر". وروى علي بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي صاحب التفسير عن عبد المؤمن بن قاسم الأنصاري عن أبي عبد الله قال: "قال ربنا أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر". إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة.
ولقد سلك علماء الرافضة في تأويل هذه الأخبار كل واد. فقال بعض المحققين منهم: "المراد من الخير ما يلائم الطبع، ومن الشر ما ينافره"، وهذا لا يجديه نفعا على ما لا يخفى. ولأن ما ذهبوا إليه يستلزم إثبات الشركاء لله تعالى الذي له الخلق والأمر، ولذا سماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة، فقال ﵊: «القدرية مجوس هذه الأمة»، وذلك لأنهم زعموا أن للعالم إلهين: أحدهما خالق الخير وهو يزدان، والثاني خالق الشر وهو أهرمن.
واحتج من خالف أهل الحق بأنه تعالى لو كان خالق كل شيء لكان خالق أفعال العباد، واللازم باطل، لأنه لو خلق الكفر والمعصية في العبد ثم عذبه بذلك لكان ظالما، فالملزوم مثله.
والجواب أن الظلم مستحيل في حقه تعالى؛ لأنه إما تجاوز الحد، أو التصرف في ملك الغير، وكلاهما محال على الله تعالى كما سبق؛ ولأن الله تعالى يخلق للعبد إرادة وقوة، فإذا أراد أن يفعل فعلا خلق الله تعالى ذلك الفعل فيه والقدرة عليه، والتفصيل في كتب الكلام، وهذا هو الأمر المتوسط بين الجبر والتفويض، وهو الصراط المستقيم، والمروي عن أئمة أهل البيت.
стр. 358
روي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "قلت للإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق: يا ابن رسول الله، هل فوض الله تعالى الأمر إلى العباد؟ فقال: الله تعالى أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد، فقلت: هل جبرهم على ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك، فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الأمر بين بين، لا جبر ولا تفويض، ولا كره ولا تسليط". وروى الكليني عنه أنه قال: "لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين". وروى الكليني عن أبي الحسن محمد بن الرضا نحوه وروى عن إبراهيم أنه قال: "سأل الرضا رجل: أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك، قال: أفيقدرون على فعل كما يريدون؟ فقال: هم أعجز من ذلك"، كذا في الفصول وفي نثر الدرر. وسأل الفضل بن سهل علي بن موسى الرضا في مجلس المأمون قال: "يا أبا الحسن، الخلق يجبرون؟ قال: الله أعدل أن يجبر ثم يعذب، قال: فمطلقون؟ فقال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه". ولأن القدرة والإرادة مخلوقتان لله تعالى بالاتفاق، نص عليه نصير الدين الطوسي في قواعد العقائد وغيره، ولا فرق بين خلق الفعل في العبد وخلق قدرة خلقه فيه.
стр. 359
المطلب الخامس والعشرون في أن جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره
ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن ليس جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره. والقضاء إثبات ما هو كائن إلى الأبد على وفق ما تعلق به علمه تعالى أزلا في اللوح المحفوظ إجمالا، والقدر تفصيل قضاء الله السابق باتحادهما في المواد الخارجية. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، لقوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. ولما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»، ومثل ذلك كثير في الكتب الصحيحة.
وروى محمد بن بابويه القمي في كتاب التوحيد بإسناد صحيح عندهم عن أبي عبد الله أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ ". وروى محمد بن بابويه القمي أيضا في حديث المعراج عن ابن عباس أن النبي ﷺ دعا الله فقال: "إلهي اجمع أمتي على ولاية علي بن أبي طالب
стр. 360
ليردوا جميعا على حوضي يوم القيامة، فأوحى الله إليه أني قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم، وقضائي ماض فيهم، لأهلكن من أشاء، وأهدي به من أشاء". وروى الكليني عن أبي نصير قال: "قلت لأبي عبد الله: شاء من أراد وقدر وقضى؟ قال: نعم، قلت: وأحب؟ قال: لا". وغير ذلك من رواياتهم الصحيحة عندهم.
واحتج من خالف أهل الحق أنه لو كانت المعاصي بقضاء الله وقدره لزم أن يكون الله ظالما، لأنه إذا قضى وقدر المعصية ثم عذب عليها كان ذلك ظلما.
والجواب أن القضاء على ما ذكرنا ليس من الظلم في شيء، لأنه إثبات ما تعلق به العلم في اللوح. وأما القدر فكذلك، لأن إيجاد الفعل عقب صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كما تقدم، فالعذاب بسبب سوء اختيار العبد المعصية وميل نفسه إليها وكسبه، ولو وكله الله تعالى إلى نفسه وفوض الأمر إليه يصدر منه المعصية بقدرته، ولأن القول بعدم التقدير إخراج الله تعالى عن سلطانه كما نطق به الصادق، ولأنه قد سبق أن الظلم لا يتصور في حقه تعالى.
стр. 361
المطلب السادس والعشرون في أن قرب العبد إلى ربه ليس بقرب مكان
ذهبت الحكمية والسالمية والشيطانية والميثمية وغيرهم من الإمامية إلى أن قرب العبد إلى ربه قرب مكان. روى ابن بابويه في كتاب المعراج عن حمران بن أعين عن أبي جعفر أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى﴾: "أدنى الله نبيه، فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ، فيه فراش يتلألأ من ذهب، فأراه صورة؛ فقيل: يا محمد، أتعرف هذه الصورة؟ قال: نعم، هذه صورة علي بن أبي طالب". وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم، أن قرب العبد إلى الله تعالى إنما هو بالدرجة والمنزلة والرضوان، وليس قربه منه سبحانه قرب مكان، لأن الله تعالى منزه عن المكان. والأثر من موضوعاتهم، فإن أمارات الوضع لائحة عليه، لأنه مخالف للأخبار الصحيحة، ولأنه يدل على أن صورة علي أقرب إلى الله تعالى من محمد، وبطلانه ظاهر.
стр. 362
المقصد الثالث في مباحث النبوة
стр. 363
الفصل الأول في أن البعثة لطف من الله تعالى
ذهبت الكيسانية والزيدية الغير المخلصين والإمامية إلى أنه يجب على الله تعالى بعث الأنبياء. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم أن بعث الأنبياء لطف من الله تعالى ورحمة لما فيه من الحكم والمصالح التي لا تحصى، كمعاضدة العقل فيما يستقل بمعرفته، مثل وجوب الواجب وعلمه وقدرته وإرادته واستفادة ما لا يستقل به كالمعاد الجسماني وتكميل النفوس الإنسانية بحسب استعداداتهم المختلفة في العلميات والعمليات وتعليم الأخلاق الفاضلة الراجعة إلى الأشخاص والصناعات الكاملة كالمنازل والمدن والإخبار بتفاصيل ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تحصى.
واحتج من خالف أهل الحق بأن نظام العالم المؤدي إلى صلاح العباد وعلى العموم في المعاش والمعاد لا يكمل إلا ببعثة الأنبياء، فيكون واجبا.
والجواب أنه لا يجب عليه شيء كما سبق غير مرة.
стр. 364
الفصل الثاني في جواز خلو الزمان عن نبي ووصي
ذهبت السبعية من الإسماعيلية إلى أنه يجب أن يكون في كل عصر نبي أو وصي، ولا يجوز خلوه عن أحدهما، وكذا الإمامية والمفضلية والعجلية والإسحاقية، غير أن الفرق الثلاثة الأخيرة ذهبوا إلى أنه لا يخلو زمان عن نبي. والكل باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور المسلمين من أنه لا يجب ذلك لما سبق، ولأن الكتاب ناص على وجود زمن الفترة.
واحتجت الإسماعيلية على مذهبهم بأنه لما كان العالم العلوي مشتملا على عقل كامل كلي ونفس ناقصة كلية يصدر عنها الكائنات، وجب أن يكون في العالم السفلي عقل كامل كلي ونفس ناقصة كلية نسبتها إلى الرسول الهادي إلى سواء السبيل نسبة النفس الأولى إلى العقل الأول فيما يعود إلى الإيجاد، وهذه النفس هي الإمام والوصي للرسول. ولما كان تحرك الأفلاك بتحريك العقل كان تحرك النفس الإنسانية إلى النجاة بتحريك الرسول، فعلى هذا لا يخلو الزمان عن أحدهما.
والجواب أن هذا استدلال بما تتوهمه الأوهام ولا تقبله العقول والأفهام، ولا نسلم أن العالم العلوي مشتمل على عقل ونفس، ولو سلم فلا نسلم أن العالم السفلي مشتمل عليهما أيضا، بل هذا ادعاء محض.
واحتجت الإمامية بأن وجود أحدهما لطف، واللطف واجب عليه سبحانه.
والجواب أنه لا يجب عليه سبحانه اللطف كما برهنا عليه سابقا، ولا حجة للمفضلية والعجلية على ما زعموه. والكتاب ناص على أن النبوة قد ختمت. وكذا الأخبار الصحيحة والآثار المروية عن أهل البيت.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من
стр. 365
الرسل﴾، ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾.
وأما الأخبار الصحيحة: فمنها ما رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين". ومثله في صحيح مسلم والترمذي. وقال ﵊: «لا نبي بعدي» إلى غير ذلك.
وأما الآثار المروية عن أهل البيت؛ فمنها ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقول في صلاته على النبي ﷺ : "اللهم داحي
стр. 366
المدحوات ورافع المسموكات، اجعل شرائف صلواتك ونواحي بركاتك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق والفاتح لما أغلق"، وقال في بعض خطبه: "أرسله على فترة من الرسل وطول الحجة من الأمم"، وقال أيضا: "أمين وحيه وخاتم رسله وبشير رحمته ونذير نقمته"، إلى غير ذلك.
стр. 367
الفصل الثالث في أن الرسول أفضل الخلق ولا يكون غيره أفضل منه
ذهبت الإمامية وكثير من فرق الشيعة إلى أن عليا أفضل من الرسل إلا محمدا ﷺ فإنه يساويه في الفضل، وكذا الأئمة من ولده. وقالت فرقة منهم: هو أفضل من جميع الرسل إلا أولي العزم، فإنه يساويهم في الفضل، وكذا الأئمة من ولده. وتوقف بعضهم في الأفضلية على أولي العزم، منهم ابن المطهر الحلي. والكل باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم أن غير النبي لا يكون أفضل من النبي، لإجماع المسلمين في القرون الثلاثة على ذلك، وهذا الإجماع حجة بالاتفاق، لأن فيهم أئمة. وقد روى أهل السنة والزيدية عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه كان يضلل القائل بالتفضيل على الأنبياء. ولكون رتبة الأنبياء أرفع قدموا في الذكر قال تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ وقال ﷺ : "الأنبياء والرسل سادة أهل الجنة".
واحتج من خالف أهل الحق بما رواه الراوندي عن أبي عبد الله قال: "إن الله فضل أولي العزم من الرسل على الأنبياء بالعلم وورثنا علمهم وفضلنا عليهم، وعلم رسول الله ﷺ ما لا يعلمون، وعلمنا علم رسول الله ﷺ "، وتلا قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾.
стр. 368
وما رواه حسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر النبي ﷺ إلى علي بن أبي طالب وقال: "هذا خير الأولين وخير الآخرين من أهل السموات والأرض". وما رواه عن أبي وائل عن عبد الله بن عباس قال: حدثني رسول الله ﷺ قال: قال لي جبريل: "علي خير البشر، ومن أبى فقد كفر". ومما رواه ابن بابويه وغيره من الإمامية عن أبي عبد الله أن النبي ﷺ قال لعلي: "يا علي، ما عرف الله إلا أنا وأنت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا".
والجواب أن هذه الأخبار كلها موضوعة مكذوبة على أهل البيت، وقد تفرد بها الإمامية. ولا يجوز الاحتجاج بها عندهم لأنها معارضة بمثلها. فقد روى الكليني وغيره عن هشام الأحول أنه قال: "سألت زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: الأنبياء أفضل أم الأئمة؟ فقال: الأنبياء أفضل". ولو كانت الأئمة أفضل لأخبره بذلك أبوه، ولو أخبره لما خالفه. وروت الزيدية عن الأئمة الثلاثة أن من قال إن إماما من الأئمة أفضل من نبي فهو هالك.
стр. 369
وروى محمد بن بابويه القمي في الأمالي عن الصادق عن آبائه في خبر تزويج فاطمة لعلي أن الله تعالى قال لسكان الجنة من الملائكة وأرواح الرسل ومن فيها: "ألا إني زوجت أحب النساء إلي أحب الرجال إلي بعد النبيين"، والأحب أفضل. ولأن تلك الأخبار على فرض صحتها لا تفيد في باب العقائد لأنها أخبار آحاد وهي تفيد الظن، ولأنها ليست بحجة مطلقا عند المحققين من الإمامية، كابن زهرة وابن إدريس وابن السراج والمرتضى وجمع من المتقدمين والمتأخرين. ولأن الزيادة في العلم لا توجب الأفضلية بمعنى كثرة الثواب، وإلا لزم كون خضر أفضل من موسى لكونه أعلم، على ما نص عليه الكتاب، ولا قائل به. روى ابن الشريفة الواسطي عن ميثم الهاشمي عن أمير المؤمنين: "أن موسى بن عمران أنزل الله عليه فظن أن لا أحد أعلم منه، فأخبر أن في خلقه من هو أعلم منه، فدعا ربه أن يرشده إلى العالم، فجمع الله تعالى بينه وبين خضر". والمراد بالعلم في قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ العلم النافع في الدين، الذي هو مناط الاعتقاد والعمل. وأما غيره من العلوم فلا يوجب التفضيل، ولم يكن نبي من الأنبياء غير عارف بشيء منه. ومن ادعا مساواة أحد من الأئمة لنبي من الأنبياء فليس له دليل عليه.
وزاد في الغلو الإمامية فقالوا: لولا علي لم يخلق الله الجنة ولا الأنبياء ولا الملائكة. وتمسكوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان -شيخ المرتضى وأبي جعفر الملقب عندهم بالمفيد- عن محمد بن الحنفية قال: قال أمير المؤمنين: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا سيد الأنبياء وأنت سيد الأوصياء،
стр. 370
لولانا لم يخلق الجنة يا علي ولا الأنبياء ولا الملائكة". وهذا أيضا من مفترياتهم، إذ هذه المرتبة لم تثبت لغير رسول الله ﷺ .
стр. 371
الفصل الرابع في أن النبي لا يحتاج إلى غير النبي لا يوم القيامة ولا في الدنيا
ذهبت الإمامية إلى أن كل نبي مرسل وملك مقرب محتاج إلى علي بن أبي طالب يوم القيامة.
واحتجوا على ذلك بما رواه ابن بابويه عن سماعة قال: قال أبو الحسن: "إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان إلا وهو محتاج إلى محمد وعلي في ذلك اليوم". وروى ابن بابويه أنه وجد بخط محمد بن الحسن بن علي العسكري ما نصه: "أعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب ونسوا رب الأرباب والنبي وساقي الكوثر في يوم الحساب ولظى الطامة الكبرى ونعيم دار المتقين، فنحن السنام الأعظم، وفينا النبوة والولاية والكرم، نحن منار الهدى والعروة الوثقى، فالأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا، ويقتفون آثارنا، وسيظهر حجة الله على الخلق، والسيف المسلول لإظهار الحق".
والجواب أن هذه محض كذب وبهتان، ليس لهم على ذلك حجة ولا برهان. والناس إنما يحتاجون إلى سيد الكونين ورسول الثقلين ﷺ ، فإنه صاحب الشفاعة العظمى والحوض المورود والمقام المحمود، الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، وبيده لواء الحمد، وآدم ومن دونه تحت لوائه. وابن بابويه نفسه قد نص في بعض كتبه على وضع ما وجد بخط محمد. ألا لعنة الله على الكاذبين.
стр. 372
الفصل الخامس في أن الأنبياء ﵈ كانوا عارفين بما يجب من اعتقادات
زعمت الإمامية أن بعض الرسل كانوا غير عارفين بكل ما يجب على المكلف معرفته.
واحتجوا على ذلك بما روى محمد بن بابويه القمي في أخبار الرضا وكتاب التوحيد عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب، ومحمد بن يعقوب الكليني في الكافي عن أبي جعفر: أن موسى بن عمران سأل ربه فقال: "يا رب، أبعيد أنت مني فأناديك أم قريب فأناجيك؟ " وروى الكليني عن أبي عبد الله: أن يونس كان يقول في سجوده: "أتراك معذبي فقد عفرت لك بالتراب وجهي، أتراك معذبي وقد أظمأت لك هواجري، أتراك معذبي وقد أسهرت لك ليلي، أتراك معذبي وقد اجتنبت لك المعاصي، قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك"، فقال: إن قلت: لا أعذبك ثم عذبتني؟ قال: "فإني غير معذبك، إني إذا وعدت وعدا وفيت".
والجواب أن هذين الخبرين من الأخبار الموضوعة، بناءً على ما تقرر من أنه إذا أوهم الخبر باطلا ولم يقبل تأويلا قطع بكذبه. ولا شك أن هذين الخبرين من هذا القبيل على ما لا يخفى.
стр. 373
الفصل السادس في أن الأنبياء لم يصدر عنهم ذنب كان الموت عليه هلاكا
ذهبت الإمامية إلى أن بعض الرسل أذنب بعد البعثة ذنبا كان الموت عليه هلاكا.
واحتجوا بما رواه الكليني في الكافي عن ابن يعفور قال: سمعت أبا عبد الله يقول وهو رافع يده إلى السماء: "رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا ولا أقل من ذلك"، فما كان بأسرع من أن تحدر الدمع من جوانب لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا ابن يعفور، يونس بن متى وكله الله إلى نفسه أقل من طرفة عين فأحدث ذلك الذنب، قلت: فبلغ به كفرا أصلحك الله؟ فقال: لا، ولكن الموت على تلك الحالة هلاك".
والجواب أن يونس ﵇ لم يحدث قط ذنبا، وقوله تعالى: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ لا يدل على أنه أذنب ذنبا، لأن غضبه كان لله على قوم كفروا به، فخرج منهم بغير وحي من الله تعالى، وهو ليس بذنب، ونقدر من القدر، وهو الضيق كما في قوله تعالى: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ والمعنى فظن أن لن نضيق عليه؛ وأما اعترافه بالظلم فهو هضم للنفس واستعظام لما صدر عنه من ترك الأولى، وهو الخروج بغير وحي. وقد روي مثل ذلك عن كثير من الرسل والأنبياء وأوصياء الأمة الذين هم عند الإمامية أفضل من الأنبياء.
стр. 374
الفصل السابع في أن الأنبياء ﵈ كانوا منزهين عن الخصال الذميمة
زعمت الإمامية أن بعض النبيين كان يحسد بعض الرسل وخيار عباد الله الصالحين على ما آتاهم الله من فضله.
واحتجوا على ذلك بما رواه محمد بن بابويه القمي في أعيان أخبار الرضا ومعاني الأخبار عن ابن موسى الرضا: أن آدم لما أكرمه الله تعالى بسجود الملائكة له، وإدخاله الجنة قال في نفسه: أنا أكرم الخلق، فناداه الله ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد فيه مكتوبا لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم: يا رب، من هؤلاء؟ فقال : هؤلاء من ذريتك، وهم خير أمتك من جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض، فإنك إن تنظر إليهم بعين الحسد أخرجتك من جواري، فنظر إليهم بعين الحسد، فسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى الله عنها. وروى ابن بابويه أيضا في معاني الأخبار عن الفضل بن عمر عن أبي عبد الله قال: لما أسكن الله آدم وزوجه الجنة قال لهما: ﴿وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم، فوجداها أشرف منازل أهل الجنة، فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله ﷻ ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي، فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار ﷻ ، فقالا: يا ربنا ما أكرم هذه المنزلة عليك وما أحبهم إليك وما أشرفهم لديك! فقال الله ﷻ لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سري، إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي ومحلهم من كرامتي، فتدخلا من ذلك في نهيي وعصياني، فتكونا من الظالمين، فوسوس
стр. 375
إليهما الشيطان فدلاهما بغرور وحملهما على تمني منزلتهم، فنظرا إليهما بعين الحسد فخذلا لذلك".
والجواب أن هذا الخبر أيضا من مفترياتهم وكذبهم. وقد ذم الله تعالى اليهود لحسدهم فقال تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾. وقد وردت أحاديث صحيحة عند الفريقين في ذم الحسد. والمذموم من الحسد أحد الكبائر، فكيف يتصف به آدم ﵇؟ والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن المعصية قبل النبوة وبعدها.
وفي كتابي مختصر التحفة في هذا المقام ما يشفي العليل.
стр. 376
الفصل الثامن في أن الأنبياء ﵈ أقروا جميعا يوم الميثاق بما خاطبهم الله تعالى
ذهبت الاثنا عشرية وجمع من الإمامية إلى أن آدم أبا البشر لما أخرج الله تعالى ذريته من صلبه وخاطبهم سبحانه بقوله: ألست بربكم؟ وهذا محمد رسول الله؟ وعلي أمير المؤمنين؟ وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي؟ وأن المهدي أنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها؟ قالوا: أقررنا وشهدنا، وآدم لم يقر ولم يكن له عزم على الإقرار به. واحتجوا على ذلك بما رواه محمد بن الحسن الصفار عن أبي جعفر في خبر الميثاق أنه قال: "قال الله لآدم وذريته التي أخرجها من صلبه: ألست بربكم؟ وهذا محمد رسول الله؟ إلى قوله: وآدم لم يقر".
والجواب أن هذا أيضا من موضوعاتهم ومفترياتهم، كيف لا وهو يوجب تكفير رسول خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه واصطفاه وأمر الملائكة بالسجود له، ومن كفر نبيا فهو كافر كما هو ظاهر. وقد بالغ المرتضى في عدم صحة هذا الأثر وأنكر الميثاق في كتابه المسمى بالدرر والغرر.
стр. 377
الفصل التاسع في أن نبيا من الأنبياء لم يعتذر عن الرسالة ولم يستعف منها
ذهبت الإمامية إلى أن بعض الرسل من أولي العزم استعفا عن الرسالة واعتذر عنها.
واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ فهذه الآية تدل على الاعتذار والاستعفاء.
والجواب أن هذه الآية لا تدل مدعاهم؛ لأن قوله: ﴿ويضيق صدري﴾ لم يكن اعتذارا عن الامتثال، بل إنه تمهيد لطلب المعين على تنفيذ الأمر وأداء الرسالة، ولم يرد أن يكون المرسل أخاه دونه، بل استدعى ضمه إليه واشتراكه في أمره، والمعنى فأرسل جبريل إلى هارون أخي واجعله نبيا يعينني على الرسالة. يدل عليه قوله تعالى: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري﴾ الآية، وقوله: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني﴾. وقوله: ﴿فأخاف أن يقتلون﴾ ليس تعللا بل هو استدفاع البلية المتوقعة، كما أن قوله: ﴿أخاف أن يكذبون﴾ استمداد استظهار في أمر الدعوة. وأيضا خاف أن يقتل قبل أداء الرسالة، لأن فرعون أمر قومه أن يقتلوه حيث وجدوه قبل قتل القبطي والفرار منهم، فكيف يكون تعللا؟ فقد ظهر لك بطلان ما ذهبوا إليه.
стр. 378
الفصل العاشر في أن المبعوث هو محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه
ذهبت الغرابية إلى أن الله تعالى لم يبعث محمدا نبيا ولم يرسل إليه جبريل بالرسالة، ولكنه أرسله إلى علي بن أبي طالب، وكان محمد أشبه بعلي من الغراب بالغراب والذباب بالذباب، وقد بعث الله جبريل إلى علي فغلط جبريل في تبليغ الرسالة إلى علي بن أبي طالب، فبلغها إلى محمد بن عبد الله. قال شاعرهم: "غلط الأمين فحادها عن حيدره"، ويلعنون صاحب الريش، ويعنون به جبريل ﵇.
وهذا باطل عند أهل الحق ومن وافقهم من الفرق، لقوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾، ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾، ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾.
وفي التوراة في السفر الأول منها، قال الله تعالى لإبراهيم: "إن هاجر تلد ويكون من ولدها من يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع". وفي السفر الخامس منها: "يا موسى إني مقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم وأجري قولي في فيه ويقول لهم ما آمره به، والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا أنتقم منه". وفي السفر الخامس أيضا: "أن الرب جاء من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلى من جبال فاران، ومعه عن يمينه ربوات جيش القديسين إلى الشعوب،
стр. 379
ودعا لجميع قديسيه بالبركة". فمجيء الرب تعالى من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى، وإشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى، لأنه سكن في ساعير أرض الخليل في قرية ناصرة، واستعلاؤه من جبال فاران إنزال القرآن على محمد ﷺ ، وفاران هي جبال مكة على قول الجميع.
وفي الإنجيل: قال المسيح للحواريين: "أنا ذاهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له، وهو يشهد علي، وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به". وفي نقل يوحنا عنه: "أن الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا، ولكنه مما يسمع به يكلمكم، ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب". وفي نقل آخر عنه: "إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله باسمي هو يعلمكم كل شيء". وفي نقل آخر عنه: "أن البشير ذاهب، والفارقليط بعده يجيء لكم، ويقسم لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإني لأجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل". والفارقليط بلغتهم لفظ من الحمد: أحمد أو محمود أو محمد.
وفي الزبور: "يا أحمد، فاضت الرحمة على شفتيك، من أجل ذلك أبارك عليك، فتقلد السيف، فإنه بهاؤك وحمدك الغالب، وبوركت كلمة الحق، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، سهامك مسنونة، والأمم يجبرون، تحتك كتاب حق، جاء الله من اليمن، والتقديس من جبل فاران، فامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملك الأرض ورقاب الأمم". وفي موضع آخر منه: "لقد انكسفت السماء من بهاء أحمد، وامتلأت الأرض من حمده". وفيه: "سبحان الذي هيكله الصالحون، يفرح إسرائيل بخالقه، وبيوت صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته، وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منه بالكرامة، يسبحونه
стр. 380
على مضاجعهم، ويكبرون الله تعالى بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين، لينتقموا من الأمم الذين لا يعبدونه، يوثقون ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بالأغلال". ومعلوم أن سيوف العرب هي ذوات الشفرتين، ومحمد ﷺ هو المنتقم بها من الأمم. وفيه: "أن الله أظهر من صيفون إكليلا محمودا"، وصيفون العرب، والإكليل النبوة، ومحمود هو محمد ﷺ . وفي مزمور آخر منه: "أنه يجوز من بحر إلى بحر، ومن أنهار إلى أنهار، إلى منقطع الأرض، وأن تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، وتلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين، وتسجد وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص الضطهد البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالضعفاء والمساكين، وأنه يعطي من ذهب بلاد شتى، ويصلي عليه في كل وقت، ويبارك عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد". ومعلوم أنه لم يكن هذا إلا لمحمد ﷺ ، إلى غير ذلك من البشائر التي لا تحصيها الدفاتر، وكلها تدل صراحة على أن النبي محمد لا علي. وقد اعترفت العيسوية من اليهود وكثير من النصارى بنبوته ﷺ ، غير أنهم يزعمون أنه مبعوث للعرب خاصة.
وقد ثبت عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لدى الفريقين أنه كان يقول: "وأشهد أن محمدا عبده المصطفى وأمينه المرتضى، أرسله لوجوب الحجج وظهور الفلج وإيضاح المنهج، فبلغ الرسالة صادعا بها، وحمل على الحجة دالا عليها". وكان يقول أيضا: "أقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء"، ولأنه لما ادعى محمد ﷺ النبوة بادر علي إلى تصديقه، فآمن به ونصره وقاتل معه من أنكر نبوته.
والحاصل أن هذا كلام مما لا ينبغي أن يلتفت إليه
стр. 381
ولا يستوجب أن يعرج عليه، فإن بطلانه غير خفي على أحد، وفساده لا ينكر ولا يجحد. والله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته ويودع من شاء حكمته ونبوته. والله يهدي من يشاء على صراط مستقيم.
стр. 382
الفصل الحادي عشر في أن محمدا ﷺ خاتم النبيين
ذهبت الخطابية والمعمرية والمفضلية والإسحاقية والمنصورية والسبعية إلى أن محمدا ﷺ ليس بخاتم النبيين. فزعمت الخطابية أن الأئمة أنبياء، وأن أبا الخطاب نبي. وأبو الخطاب هذا كان يتردد إلى جعفر بن محمد الصادق فلما علم منه غلوه فيه تبرأ منه، فلما اعتزل عنه ادعى الأمر لنفسه، فزعم أنه نبي، والأنبياء ﵈ فرضوا على الناس طاعته. والمعمرية زعمت أن جعفر بن محمد نبي، وبعده أبو الخطاب، وبعده معمر. وزعمت العجلية والمفضلية والمنصورية أن الرسل لا تنقطع أبدا، وأن أبا منصور نبي. وكان أبو منصور رجلا من بني عجل، وكان أبوه من عجل، سما نفسه إلى الصادق، فلما رأى سوء اعتقاده تبرأ منه وطرده. وزعم أنه رأى الله ومسح رأسه بيده وقال: "يا بني، اذهب فبلغ عني"، ثم أنزله إلى الأرض، وكان يقول: أنا الكسف في قوله تعالى: ﴿وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم﴾. وزعمت السبعية أن خاتم الرسل هو المهدي. وزعمت الإسحاقية أن الأرض لا تخلو من نبي. وكل ذلك باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من المسلمين من أن محمدا خاتم النبيين، لقوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث والآثار وأخبار الكتب السماوية. ولا حجة لهؤلاء الغواة على ما زعموه. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.
стр. 383
الفصل الثاني عشر في أن الله تعالى لم يفوض أمر الدين إلى أحد من الرسل والأئمة
ذهبت الإمامية إلى أن الله تعالى فوض أمر الدين إلى رسول الله ﷺ فيحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ثم من بعده إلى الأئمة من أهل بيته.
وشبهتهم في ذلك: ما رواه حسين بن محمد بن جمهور القمي في النوادر عن محمد بن سنان قال: "كنت عند أبي جعفر، فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يزل منفردا بالوحدانية، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين، فمكثوا ألف سنة، فخلق الأشياء وأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورهم إليهم، يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون". وما رواه الكليني عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله قال: "إن الله تعالى أدب نبيه ﷺ فإذا انتهى إلى ما أراد قال له: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وفوض إليه أمر دينه". وما رواه أيضا عن محمد بن الحسن الميثمي عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: "إن الله تعالى أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه دينه فقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فما فوضه الله إلى رسوله ﷺ فقد فوضه إلينا".
стр. 384
والجواب أن هذه الأخبار كلها موضوعة. والحسين بن محمد روى عن الضعفاء، وكثيرا ما اعتمد على المراسيل، قال النجاشي: "ذكره أصحابنا بذلك"، والميثمي من المجسمة.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أن الله تعالى لم يفوض أمر الدين إلى أحد، قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾. ولو فوض الله تعالى أمر دينه إلى النبي ﷺ والأئمة لجاز العمل بكل ما روي عنهم، لأن كلا من هؤلاء صاحب شرع، فلا حاجة إلى التوفيق بين الروايات المتعارضة وارتكاب التكلفات في ذلك، أو لم يجز العمل بشيء منها، لأن كلا منهم راعى مصلحة في الأمر والنهي، وهي مستورة، فيلزم التعطيل. ولأنه لو فوض سبحانه أمر دينه إلى رسوله ﷺ لم يعاتبه على كثير من الأمور، [كالإذن بالتخلف] عن غزوة تبوك وإنجاز الأسرى يوم بدر وتحريم مارية القبطية على نفسه وغيرها، والمخصص يطالب بالبرهان. والقول بأن العتاب بسبب التعجيل وترك التأمل قول لا طائل تحته، لأن من فوض الله إليه دينه وكان مأمونا من الخطأ معصوما عن الزلل كيف يصدر عنه ما يوجب العتاب؟ ولأنه ﷺ أجل من أن يأمر وينهى ويتكلم فيما يتعلق بأمر الدين من غير روية، وقد أدبه ربه فأحسن أدبه حتى انتهى إلى ما أراد. ولأن من كان معه الروح الأمين يقومه ويسدده -على ما زعموا- كيف يصدر عنه ما يوجب العتاب؟ ولأن التأمل في الحكم ليظهر الأولى اجتهاد، وقد أجمعت الإمامية على عدم جواز الاجتهاد على المعصوم، ولو جاز تفويض الأحكام له لجاز أن يجتهد، ليظهر له ترجيح أحد الأمرين. ولأن الأئمة يروون الحلال والحرام عن آبائهم عن النبي ﷺ ، ولم يرو أحد من الشيعة أنهم حللوا شيئا حرمه رسول الله ﷺ أو حرموا شيئا حلله. فعزو هذا القول إليهم كذب وافتراء. وقد شددت الزيدية النكير على القائل بالتفويض، وكذبوا من عزاه إلى أهل البيت. والحق أحق بالاتباع.
стр. 385
الفصل الثالث عشر في أن المعراج لرسول الله ﷺ حق
ذهبت الإسماعيلية والمعمرية والذمية إلى أن المعراج باطل وخبره كذب. وشبهتهم في ذلك أن الحركة البالغة إلى هذا الحد من السرعة ممتنعة.
والجواب أنها ممكنة في نفسها، كما هو المعلوم من طلوع قرص الشمس، فإنه يحصل في زمان لطيف في غاية السرعة. وقد ثبت في الهندسة أن قرصها يساوي كرة الأرض مئة وستين مرة، وذلك يدل على أن بلوغ الجسم في الحركة إلى ما ذكرنا أمر ممكن في نفسه، ولأن النص دل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى الشام في مقدار لمح البصر، وقد ثبت بالدلائل القاطعة أن خالق العالم قادر على جميع الممكنات. ومن شبههم أيضا أن صعود الثقيل إلى العلو محال فإنه يميل إلى المركز دائما. والجواب أنا لا نسلم أنه محال، بل هو ممكن كما هو مشاهد من صعود الطيور العظام، وقد تقف في الجو عند قبض أجنحتها وبسطها: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾، والمغناطيس إذا حاذى الحديد وهو فوقه يجذبه إلى العلو مع ثقله.
ومن شبههم أن العروج يستلزم خرق الأفلاك، وهو مستحيل.
والجواب أن الاستحالة ممنوعة، وذلك لأن الأجسام متماثلة، فيصح على كل جسم ما يصح على الآخر، والنص يدل على وقوعه، قال تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾، ﴿إذا السماء انفظرت﴾ وغير ذلك. ودلائل الفلاسفة على الاستحالة مردودة في كتب الكلام.
وذهبت طائفة أخرى من الشيعة، وهم المنصورية، إلى أن المعراج لم يكن مخصوصا بمحمد ﷺ ، فإن أبا منصور العجلي قد عرج بجسده إلى السماء في اليقظة.
وذهبت الإمامية إلى أن عليا رأى ما رآه النبي ﷺ ليلة أسري
стр. 386
به. ويحتجون بما رواه ابن بابويه في كتاب المعراج من خبر طويل أن عليا كان ليلة المعراج في الأرض، ولكنه رأى من ملكوت السماء ما رآه النبي ﷺ . وقد رووا ما يعارض هذا من أن عليا كان على نوق من نياق الحبشة وبيده لواء الحمد وحوله شيعته ومحبيه.
وجميع هذه الأقوال مما لا ينبغي أن يلتفت إليها، لأنها أشبه شيء بهذيان المحموم. فما ذهب إليه أهل السنة من أن المعراج، وهو الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السماوات السبع فما فوقها بجسده في اليقظة مختصا به، هو الحق الحقيق بالقبول، لقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾، ﴿ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾. والأخبار الصحيحة في ذلك كثيرة في كتب الفريقين.
стр. 387
الفصل الرابع عشر في أن ما ورد من النصوص محمولة على ظواهرها
ذهبت السبعية من الإسماعيلية والمنصورية والخطابية والمعمرية والباطنية والقرامطة والرزامية إلى أن ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة وغيرها ليست على ظواهرها، بل كلها مؤولة.
فزعمت السبعية من الإسماعيلية أن الوضوء عبارة عن موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الحجة، والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول، بدليل قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾، والزكاة عبارة عن تزكية النفس، والكعبة عبارة عن النبي، وكذا الصفا، والباب عبارة عن علي، وكذا المروة، والميقات والتلبية عبارة عن إجابة دعوة الإمام، والطواف بالبيت سبعا عبارة عن الأئمة السبعة، وهم الذين بين النطقاء إلى الأنبياء، والسلام عبارة عن إفشاء سر من أسرارهم إلى من ليس من أهله، والغسل عبارة عن تجديد العهد، والجنة عبارة عن راحة الأبدان عن التكليف، والنار عبارة عن تعبها بمزاولة التكاليف.
والباطنية من الإسماعيلية أولوها مثل السبعية إلا أنهم أولوا الطواف سبعا بموالاة الأئمة السبعة، الذين هم علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وإسماعيل بن جعفر، وهو آخر الأئمة عندهم.
والقرامطة منهم أولوا الجنة بالنعم، والنار بالسقم. وهم الذين فعلوا ما فعلوا بالحجاج في البيت المكرم وأباحوا المحرمات وقلعوا الحجر كما سبق.
والبرقعية منهم أنكروا كثيرا من النبيين.
وزعمت الباطنية أن الأحكام من الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك مما ابتدعه الخلفاء، والصوم شهرا ابتدعه عمر.
وقالت الخطابية والمنصورية والمعمرية والجناحية: الفرائض المذكورة في الشريعة أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، والمحرمات أسماء رجال أمرنا بمعاداتهم.
وقالت المنصورية والرزامية: الجنة رجل أمرنا بمبايعته وهو الإمام، والنار رجل أمرنا ببغضه وهو خصم الإمام، كأبي بكر وعمر.
وقالت المعمرية: الجنة نعيم الدنيا، والنار آلامها، فالدنيا لا تفنى. إلى
стр. 388
غير ذلك من الخرافات والأكاذيب.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم أن ما ورد في الكتاب والسنة محمول على ظاهره غير مؤول. فإن النبي ﷺ فسر ذلك للأمة ونقل إلينا متواترا. ولا حجة للمخالفين على ما زعموا من التأويلات الباطلة.
وقد أباح هؤلاء الفجرة وطء البنات والأمهات والعمات والخالات وغيرهن من المحارم، وسيرون ماذا يلاقون من غضب الله وسيصلون جهنم وساءت مصيرا.
стр. 389
الفصل الخامس عشر في أنه تعالى لم يرسل بعد خاتم الأنبياء ملكا إلى أحد بالوحي
ذهبت الإمامية إلى أن الله تعالى أرسل جبريل بعد خاتم النبيين ﷺ إلى علي بن أبي طالب يبلغه رسالات ربه، لكنه يسمع صوته ولا يراه. واستدلوا على ذلك بما رواه الكليني في الكافي عن السجاد أنه قال: "إن علي بن أبي طالب كان محدثا، وهو الذي يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا يرى الصورة".
والجواب أن هذه الرواية كذب، مع أنه يناقضها الروايات الأخر الثابتة عندهم عن الأئمة. منها أن النبي ﷺ قال: "أيها الناس، لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات". ومنها ما ثبت عندهم: أن الله تعالى أنزل كتابا مختوما بخواتيم الذهب إلى النبي ﷺ وهو أوصله إلى الأمير، والأمير أوصله إلى الإمام الحسن، وهكذا إلى المهدي، وكان السابق يوصي اللاحق أن يفك خاتما واحدا من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه. فلا حاجة حينئذ إلى إرسال الملك والإيحاء. ولأنهم زعموا أن الله تعالى فوض أمر الدين إلى الأئمة، فلهم أن يفعلوا ما يشاءون.
وذهبت طائفة من الإمامية إلى أن سيدة النساء فاطمة رضي الله تعالى عنها كان يوحى إليها بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد جمع ذلك الوحي بعضهم وسماه مصحف فاطمة، ويزعمون أن أكثر الوقائع المستقبلة والفتن والملاحم مذكورة فيه،
стр. 390
والأئمة إنما كانوا يخبرون الناس بأخبار الغيب من ذلك المصحف. سبحانك هذا بهتان عظيم. وكيف ساغ لهم التلفظ بمثل هذا الكلام وهم يتلون قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾.
следующие страницы →