← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96337

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محمود شكري الألوسي

Полный текст (641 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

به. ويحتجون بما رواه ابن بابويه في كتاب المعراج من خبر طويل أن عليا كان ليلة المعراج في الأرض، ولكنه رأى من ملكوت السماء ما رآه النبي ﷺ . وقد رووا ما يعارض هذا من أن عليا كان على نوق من نياق الحبشة وبيده لواء الحمد وحوله شيعته ومحبيه. وجميع هذه الأقوال مما لا ينبغي أن يلتفت إليها، لأنها أشبه شيء بهذيان المحموم. فما ذهب إليه أهل السنة من أن المعراج، وهو الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السماوات السبع فما فوقها بجسده في اليقظة مختصا به، هو الحق الحقيق بالقبول، لقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾، ﴿ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾. والأخبار الصحيحة في ذلك كثيرة في كتب الفريقين.

стр. 387

الفصل الرابع عشر في أن ما ورد من النصوص محمولة على ظواهرها ذهبت السبعية من الإسماعيلية والمنصورية والخطابية والمعمرية والباطنية والقرامطة والرزامية إلى أن ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة وغيرها ليست على ظواهرها، بل كلها مؤولة. فزعمت السبعية من الإسماعيلية أن الوضوء عبارة عن موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الحجة، والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول، بدليل قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾، والزكاة عبارة عن تزكية النفس، والكعبة عبارة عن النبي، وكذا الصفا، والباب عبارة عن علي، وكذا المروة، والميقات والتلبية عبارة عن إجابة دعوة الإمام، والطواف بالبيت سبعا عبارة عن الأئمة السبعة، وهم الذين بين النطقاء إلى الأنبياء، والسلام عبارة عن إفشاء سر من أسرارهم إلى من ليس من أهله، والغسل عبارة عن تجديد العهد، والجنة عبارة عن راحة الأبدان عن التكليف، والنار عبارة عن تعبها بمزاولة التكاليف. والباطنية من الإسماعيلية أولوها مثل السبعية إلا أنهم أولوا الطواف سبعا بموالاة الأئمة السبعة، الذين هم علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وإسماعيل بن جعفر، وهو آخر الأئمة عندهم. والقرامطة منهم أولوا الجنة بالنعم، والنار بالسقم. وهم الذين فعلوا ما فعلوا بالحجاج في البيت المكرم وأباحوا المحرمات وقلعوا الحجر كما سبق. والبرقعية منهم أنكروا كثيرا من النبيين. وزعمت الباطنية أن الأحكام من الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك مما ابتدعه الخلفاء، والصوم شهرا ابتدعه عمر. وقالت الخطابية والمنصورية والمعمرية والجناحية: الفرائض المذكورة في الشريعة أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، والمحرمات أسماء رجال أمرنا بمعاداتهم. وقالت المنصورية والرزامية: الجنة رجل أمرنا بمبايعته وهو الإمام، والنار رجل أمرنا ببغضه وهو خصم الإمام، كأبي بكر وعمر. وقالت المعمرية: الجنة نعيم الدنيا، والنار آلامها، فالدنيا لا تفنى. إلى

стр. 388

غير ذلك من الخرافات والأكاذيب. والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم أن ما ورد في الكتاب والسنة محمول على ظاهره غير مؤول. فإن النبي ﷺ فسر ذلك للأمة ونقل إلينا متواترا. ولا حجة للمخالفين على ما زعموا من التأويلات الباطلة. وقد أباح هؤلاء الفجرة وطء البنات والأمهات والعمات والخالات وغيرهن من المحارم، وسيرون ماذا يلاقون من غضب الله وسيصلون جهنم وساءت مصيرا.

стр. 389

الفصل الخامس عشر في أنه تعالى لم يرسل بعد خاتم الأنبياء ملكا إلى أحد بالوحي ذهبت الإمامية إلى أن الله تعالى أرسل جبريل بعد خاتم النبيين ﷺ إلى علي بن أبي طالب يبلغه رسالات ربه، لكنه يسمع صوته ولا يراه. واستدلوا على ذلك بما رواه الكليني في الكافي عن السجاد أنه قال: "إن علي بن أبي طالب كان محدثا، وهو الذي يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا يرى الصورة". والجواب أن هذه الرواية كذب، مع أنه يناقضها الروايات الأخر الثابتة عندهم عن الأئمة. منها أن النبي ﷺ قال: "أيها الناس، لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات". ومنها ما ثبت عندهم: أن الله تعالى أنزل كتابا مختوما بخواتيم الذهب إلى النبي ﷺ وهو أوصله إلى الأمير، والأمير أوصله إلى الإمام الحسن، وهكذا إلى المهدي، وكان السابق يوصي اللاحق أن يفك خاتما واحدا من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه. فلا حاجة حينئذ إلى إرسال الملك والإيحاء. ولأنهم زعموا أن الله تعالى فوض أمر الدين إلى الأئمة، فلهم أن يفعلوا ما يشاءون. وذهبت طائفة من الإمامية إلى أن سيدة النساء فاطمة رضي الله تعالى عنها كان يوحى إليها بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد جمع ذلك الوحي بعضهم وسماه مصحف فاطمة، ويزعمون أن أكثر الوقائع المستقبلة والفتن والملاحم مذكورة فيه،

стр. 390

والأئمة إنما كانوا يخبرون الناس بأخبار الغيب من ذلك المصحف. سبحانك هذا بهتان عظيم. وكيف ساغ لهم التلفظ بمثل هذا الكلام وهم يتلون قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾.

стр. 391

الفصل السادس عشر في أن النسخ من وظائف الشارع ذهبت الاثنا عشرية وجمهور الإمامية إلى أن بعض الأحكام ينسخه خاتم الأئمة. وذهبت الحميرية إلى أن الإمام يجوز له أن ينسخ الأحكام كلها. واحتجوا على ذلك بما رواه محمد بن بابويه القمي عن أبي عبد الله أنه قال: "إن الله ﵎ آخى بين الأرواح في الأزل قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام، فلو قد قام قائم أهل البيت ورث الأخ من الذين آخى بينهما في الأزل ولم يورث الأخ من الولادة". والجواب أن هذه الرواية كذب وافتراء. ومما يدل على ذلك أن التكاليف الشرعية لما كانت لازمة لعامة الناس لا بد أن تكون منوطة بالعلامة الظاهرة والأمور الجلية، كالتوالد والقرابة ونحوهما مما يدركه البشر، والمؤاخاة الأزلية لا يدركها العقل. ونص الإمام لا يمكن في كل فرد فرد. والحاصل أن قولهم هذا مخالف لظاهر العقل، لأن الإمام خليفة النبي في ترويج الشريعة وتعليمها، فإن كان له دخل في تبديل الأحكام وتغييرها فقد خالفه مع أنه ليس بشارع، وكذا النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ فالناسخ هو الله تعالى، ولا يجوز لنبي ولا رسول أن ينسخ حكما فضلا عن الإمام. ونسأل الله تعالى التوفيق، نعم المولى ونعم الرفيق.

стр. 392

المقصد الرابع في الإمامة

стр. 393

المطلب الأول في أن نصب الإمام ليس بواجب عليه تعالى ذهبت الإمامية إلى أن نصب الإمام واجب على الله تعالى. وهو باطل. والحق الحقيق بالقبول ما ذهب إليه أهل السنة من أن نصب الإمام واجب على العباد لا على الله تعالى، حيث أن الفطرة شاهدة له، إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا من بينهم. وكذا الشرع أيضا، إذا الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلا. وأيضا لا معنى للوجوب عليه تعالى، بل هو مناف للألوهية والربوبية كما برهنا عليه سابقا. وأيضا كل ما يتعلق بوجود الرئيس العام من أمور المكلفين من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش وغير ذلك واجب عليهم، فلا بد أن يكون النصب أيضا واجبا عليهم، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجب عليه. ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة لا عليه تعالى، وهو ظاهر. وأيضا أن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري يتضمن مفاسد كثيرة، لأن آراء العالم مختلفة وأهواء نفوسهم متفاوتة، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن وجرّ لأمر الإمامة إلى التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء، كما وقع للجماعة الذين اعتقدوا الشيعة إمامتهم. ومع هذا قولهم نصب

стр. 394

الإمام لطف في غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين و [الاستتار]، فإذا لم يكن التأييد في البين، لم يكن النصب لطفا كما يظهر لذي عينين. وما أجاب عنه بعض الإمامية -بأن وجود الإمام لطف، وتصرفه وتمكينه لطف آخر، وعدم تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة العناد، فإنهم خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الإمامة، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة في كونه واجبا عليه تعالى، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء، فقد اختفى ﷺ في الغار خوفا من الكفار- ففيه غفلة عن المقدمات المأخوذة في الاعتراض، إذ المعترض يقول الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف، وبدونه متضمن لمفاسد. فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد، ولم يتعرض له كما لا يخفى. وأيضا يرد على القائل بكونه لطفا آخر ترك الواجب عليه تعالى، وهذا أقبح من ترك النصب. وأيضا يقال عليه: هذا اللطف الآخر إما من لوازم النصب أو لا، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لأن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم. وعلى الثاني لم يبق النصب لطفا للزوم المفاسد الكثيرة، بل يكون سفها وعبثا تعالى الله عن ذلك. وأيضا ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم، وهذه كتب التواريخ المعتبرة في البين. وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي وبوّب له. وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلا بإذن، فلو كان الاختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء، فلا لطف بلا امتراء.

стр. 395

وأيضا إن كان واجبا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك، كزكريا ويحيى والحسين. وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان أمر الله تعالى مختلفا بأن كان في حق التاركين بالندب مثلا وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين، وهو باطل. ولا يمكن أن يقال الأصلح في حق كل ما فعل، لأنا نقول إن الإمام بوصف الإمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة، لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف الملزومات، فيلزم أن لا يكون أحد الفريقين إماما فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين وإلا لزم اجتماع النقيضين، كما أن الموضوع إذا كان مأخوذا بالوصف العنواني فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازما ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى. وأيضا نقول: الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم. وإن كان من خوف الإيذاء البدني يلزم أن الأئمة فروا من عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى، وهذا بعيد عنهم. ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه سيملك الأرض بحذافيرها، فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لا يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعلها سيد الشهداء؟ وما قاله المرتضي في كتابه تنزيه الأنبياء والأئمة من أنه فرق بين صاحب الزمان وبين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم، فله مخافة لا تكون لغيره؛ فكلام لا لب فيه، لأن خوف القتل نفسه قد علمته لأن الإمام عندهم عالم بما كان ويكون كما هو مسطور في كتبهم، ومع هذا معلوم له باليقين أن أحدا لن يقتله أبدا.

стр. 396

وأيضا ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب، وأنه يظهر في مكة لا في سر من رأى، ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولة ولا في الشيخوخة. على أن السيد محمد الجنفوري في الهند ادعى المهدوية ولم يقتل ولم يخوف. وأيضا قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية أكثر من رمل الصحارى والحصى، فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة، فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر، وهلا كان كالقوم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾. ثم ما حكى أولا من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار، فكلام واقع في غير موقعه، لأن استتاره ﵊ لم يكن لإخفاء

стр. 397

دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه، وهذا أيضا كان ثلاثة أيام، فقياس ما نحن فيه عليه غاية حماقة ووقاحة. ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان. فالأول تلوح مياه الهمة من أسرته وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته، بخلاف الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده. فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه؟ ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل المدينة المنورة دار المؤمنين قم ودار الإيمان كاشان وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق قائلا بأني في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط. وأنى ذلك. فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة.

стр. 398

وقد ترك الشيخ مقداد صاحب كنز العرفان من المتأخرين طريق القدماء وقال: كان الاختفاء لحكمة استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده. ويرد عليه أن هذا ادعاء مجرد يمكن أن يقال مثله في كل أمر يكون مناقضا للطف، فلا يثبت [اللطف في] شيء! وبه يفسد كلام الشيعة كله، لأن مبنى أدلتهم عليه؛ يقولون إن أمر كذا لطف واللطف واجب عليه تعالى! فليتأمل. والله يحق الحق وهو يهدي السبيل. تتمة اعلم أن قول الله تعالى: ﴿ابعث لما ملكا نقاتل في سبيل الله﴾ وقوله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله تعالى. والعقل يحكم بذلك. وقد قال أمير المؤمنين: «لا بد للناس من أمير برٍ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ فيها الأجل وتأمن فيها السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر» كذا في نهج البلاغة. ولا يمكن حمله على التقية، لما ذكره في نهج البلاغة من أنه رضي الله تعالى عنه قاله لما سمع قول

стр. 399

الخوارج: «لا إمارة» فلا محل للتقية في مقابلتهم، فتأمل في هذا الكلام وتفكر في هذا المقام، تر الفلاح أوضح من الصباح، وأن الحق عند أصحاب الجنة وأهل السنة. والله تعالى أعلم.

стр. 400

المطلب الثاني في أن الإمام بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وذلك بإجماع المسلمين. وقد تفردت الشيعة بإنكار ذلك، وقالوا الإمامة كذلك لعلي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه، وعند أهل الحق له بعد الثلاثة، ثم لابنه الحسن رضي الله تعالى عنه، والصلح لمصالح رآها وهو اللائق بذاته الكريمة، لا لخوف من جند كما افترى [المفترون]. إذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة يقول فيها: «إنما فعلت ما فعلت إشفاقا عليكم» وقد ثبت في أخرى أوردها المرتضى وصاحب الفصول أنه قال لما انبرم الصلح بينه وبين معاوية، وصلح الحسن وقع سنة إحدى وأربعين في نصف جمادى الأولى: «إن معاوية قد نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة. وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم». وما ذكره صاحب الفصول وغيره أنه كتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية سرا وضمنوا تسليم الحسن إليه فهو من مفتريات الشيعة. وأيضا ذكر صاحب الفصول وغيره عن أبي مخنف أنه كان يقول الحسين في

стр. 401

صلح أخيه الحسن مع معاوية: «لو جزّ أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي». أننسى أن الضرورات تبيح المحظورات. ثم إظهار الكراهة لخلاف المصلحة المعقولة للكاره لا تكون قبيحة. وأيضا الاختلاف بين أكابر الدين في المصالح المنجر إلى عدم الرضا لا يقدح في أحد الجانبين. فليحفظ وليفهم. ثم لا يغتر بما تقوله أهل الزور على أهل السنة من أنهم يقولون بخلافة معاوية بعد الشهيد، حاشا وكلا. بل هم يقولون بصحة خلافته بعد صلح الحسن، إلا أنه غير راشد. والراشدون هم الخمسة، بل قالوا إنه باغ. فإن قلت إذا ثبت بغيه لم لا يجوز لعنه؟ جوابه: إن أهل السنة لا يجوزون لعن مرتكب الكبيرة مطلقا، فعلى هذا لا تخصيص بالباغي لأنه مرتكب كبيرة أيضا، ومرتكب الكبيرة مؤمن لدى الفريقين، على أنه إذا كان باغيا بلا دليل. وأما كان بغيه بالاجتهاد ولو فاسد فلا إثم عليه فضلا عن الكبيرة. ويشهد لهم قوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. والأمر بالشيء نهي عن ضده عند الإمامية، فالنهي عن اللعن واضح. نعم ورد اللعن في الوصف في حق أهل الكبائر، مثل قوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وقوله تعالى: ﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ لكن هذا اللعن بالحقيقة على الوصف لا على صاحبه. ولو فرض عليه يكون وجود الإيمان مانعا والمانع مقدم [كما هو] عند الشيعة. وأيضا وجود العلة مع المانع لا يكون مقتضيا، فاللعن لا يكون مترتبا على وجود

стр. 402

الصفة حتى يرتفع الإيمان المانع. وقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا إنك رءوف رحيم﴾ نص في طلب المغفرة وترك العداوة بحيث جعل مرتبا على الإيمان من غير تقييد. ويشهد لهم ما تواتر عن الأمير من نهي لعن أهل الشام. قالت الشيعة: النهي لتهذيب الأخلاق وتحسين الكلام كما يدل قوله في هذا المقام: «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين». وأهل السنة يقولون هو مكروه للإمام فينبغي كراهته لنا وعدم محبوبيته وجعله قربة وإن لم نعلم وجه الكراهة. وأيضا روي في نهج البلاغة عنه رضي الله تعالى عنه ما يدل صراحة على المقصود، وهو أنه لما سمع لعن أهل الشام خطب وقال: «إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل». فإذا صحت الروايتان في كتب الإمامية حملنا أن الأولى في حق من كان يلعنهم بالوصف وهو جائز لا مطلقا بل لمن يبلغ الشريعة كالأنبياء، إذ قد يستعمل لبيان قباحة تلك الصفات، وأما الغير في حقه مكروه، لأنه لو اعتاده لخشي في حق من ليس أهلا له؛ وأن الثانية في حق من كان يلعن أهل الشام بتعيين الأشخاص غافلا عن منع الإيمان، فأعملنا الروايتين لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال. وقال بعض علماء الشيعة: البغي غير موجب للعن على قاعدتنا، لأن الباغي آثم، لكن هذا الحكم مخصوص بغير المحارب للأمير، وأما هو فكافر عندنا بدليل حديث متفق عليه عند الفريقين أنه ﷺ قال للأمير: «حربك حربي» وأنه قال لأهل العباء: «أنا سلم لمن سالمتم حرب لمن حاربتم» وحرب الرسول كفر بلا شبهة،

стр. 403

فكذا حرب الأئمة. قال أهل السنة: هذا مجاز للتهديد والتغليط، بدليل ما حكم الأمير من بقاء إيمان أهل الشام وأخوتهم في الإسلام. على أن قوله «حرب الرسول كفر» ممنوع، إذ قد حكم على آكل الربا بحرب الله ورسوله معا. قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وعلى قطاع الطريق كذلك قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية، فلم لم تحكم الشيعة بكفر هؤلاء؟ (الأدلة القرآنية على خلافة الثلاثة) هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه، ولنورد عدة آيات قرآنية وأخبار عترية تدل على المرام وتوضح المقام وتفسد أصل الشيعة وتبطل هذه القاعدة الشنيعة. وبالله تعالى الاستعانة والتوفيق، ومنه يرجى الوصول إلى سواء الطريق. فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت النزول بالاستخلاف والتصرف، كما جعل داود ﵇ الوارد في

стр. 404

حقه: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ وغيره من الأنبياء، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، بأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين المرتضى بأن يروجه ويشيعه كما ينبغي. ولم يقع هذا المجموع إلا زمن الخلفاء الثلاثة، لأن المهدي ما كان موجودا وقت النزول، والأمير وإن كان حاضرا لكن لم يحصل له رواج الدين كما هو حقه بزعم الشيعة، بل صار أسوأ وأقبح من عهد الكفار كما صرح به المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة، مع أن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائما. وأيضا الأمير فرد من الجماعة، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق، والأئمة الآخرون لم يوجد فيهم مع عدم حضورهم تلك الأمور كما لا يخفى، وخلف الوعد ممتنع اتفاقا، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله تعالى بالاستخلاف وأخويه، وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة. وقال الملا عبد الله المشهدي في إظهار الحق بعد الفحص الشديد: يحتمل أن يكون «الخليفة» بالمعنى اللغوي و «الاستخلاف» الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد في حق بني إسرائيل: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض﴾ والمعنى الخاص مستحدث بعد الرحلة. جوابه: أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام بالمعنى اللغوي، والقاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي أن تحمل على المعاني الاصطلاحية الشرعية حتى الإمكان، لا على المعاني اللغوية، وإلا فالشرعية كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى. وأيضا كيف يصح تمسكهم بحديث: «أنت مني» الخ المنضم إليه

стр. 405

﴿اخلفني في قومي﴾ وكيف التمسك بحديثهم: «يا علي أنت خليفتي من بعدي»؟ ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الآية وتوجيهها. وأحسن الأجوبة عندهم اثنان: الأول أن «من» للبيان لا للتعبيض، و «الاستخلاف» الاستيطان. قلنا: حمل «من» الداخلة على الضمير على البيان مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية، وإن قال به البعض بناء على قول البيضاوي، وورد البيان في آخر سورة الفتح فتدبر. سلمنا، لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم، إلا أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار المنافع. وأيضا قيد ﴿وعملوا الصالحات﴾ وكذا «الإيمان» يكون عبثا، إذ الاستيطان يحصل للفاسق وكذا الكافر أيضا وحاشا القرآن من العبث. الثاني أن المراد الأمير فقط وصيغة الجمع للتعظيم أو مع أولاده بخوف. قلنا يلزم تخلف الوعد كما لا يخفى، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف، والناس شاهدة على ذلك.

стр. 406

وانظر أيها المنصف الحصيف واللوذعي الشريف إلى ما قاله الإمام مما ينحسم فيه الإشكال في هذا المقام. ذكر في نهج البلاغة الذي هو أصح الكتب عندهم أن عمر بن الخطاب لما استشار الأمير عند انطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال أجابه: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأيده، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عز اسمه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا﴾ وتلا الآية، والله تعالى منجز وعده وناصر جنده. ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز، فإن انقطع النظام تفرق، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. وقد كان أن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما

стр. 407

يكرهه. وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة» انتهى بلفظه المقدس. فتدبر منصفا، فاندفع الإشكال واتضح الحال. والحمد لله رب العالمين. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ المخاطب بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول ﷺ في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد. وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك، ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام، فتعين الغير. والداعي ليس جناب الرسول ﷺ لا محالة، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم، كما في عهد الخليفة الأول لمانعي الزكاة أولا وأهل الروم آخرا، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع. فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد ورتب كلا على الإطاعة والمعصية. فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماما؟ المنصف يعرف ذلك. وقد تخبط ابن المطهر الحلي وقال: «يجوز أن يكون الداعي الرسول ﵊ في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال ولم ينقل لنا». وإذ فتح هذا الباب يقال: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه ولم ينقل لنا. فانظر وتعجب. وقال بعضهم: الداعي هو الأمير، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وفيه:

стр. 408

إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لانتظام أحوال الإمام، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام إسلام ولمخالفته كفر. ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي ﷺ في حق الأمير أنه قال: "إنك يا علي تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله". وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله، وذلك لا يعقل بدون الإسلام، بل هو عينه، فلا يمكن المقاتلة على التأويل مع المقاتلة على الإسلام. وهو ظاهر. ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قاتلوا المرتدين بأكمل الصفات وأعلى المبرات، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع، لأن ثلاث فرق قد ارتدوا في آخر عهده ﵇. الأولى بنو مدلج قوم أسود العنسي ذي الخمار الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل

стр. 409

على يد فيروز الديلمي. الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب المقتول في أيام خلافة الصديق على يد وحشي. الثالثة بنو أسد قوم طليحة بني خويلد المتنبئ، ولكنه آمن بعد أن أرسل النبي ﷺ خالدا وهرب منه إلى الشام. وقد ارتد في خلافة الصديق سبع فرق: بنو فرازة قوم عيينة بن حصين، وبنو غطفان قوم قرة بن سلمة، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني

стр. 410

تميم قوم سجاح بنت المنذر، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر في البحرين. وارتدت فرقة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه [والتحقت بالنصارى إلى الروم]. وقد استأصل الصديق رضي الله تعالى عنه كل فرقة وأزعجهم واستردهم إلى الإسلام كما أجمع عليه المؤرخون كافة. ولم يقع للأمير ذلك، بل كان متحسرا، وكم قال: ابتليت بقتال أهل القبلة، كما رواه الإمامية. وتسمية منكري الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث. على أن المنكر للنص غير كافر، كما قال الكاشي وصاحب الكافي. وانظر إلى ما قال الملا عبد الله صاحب إظهار الحق ما نصه: «فإن قيل فإن لم يكن النص الصريح ثابتا كما في باب خلافة الأمير فالإمامية كاذبون، وإن كان لزم أن يكون جماعة الصحابة مرتدين والعياذ بالله تعالى، أجيب أن إنكار النص الذي هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد أن الأمر المنصوص باطل، وأن كذبوا في ذلك التنصيص رسول الله ﷺ ، حاشا. أما لو تركوا الحق مع علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا غير» ثم قال: «فالذين اتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا إن النبي ﷺ -

стр. 411

نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها، معاذ الله، بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص، وأوّل بعضهم كلام الرسول ﵊ تأويلا بعيدا» انتهى كلامه. وأيضا قال الأمير في بعض خطبه المروية عنه عندهم: «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل». وأيضا قد منع السب كما تقدم، وسب المرتد غير منهي عنه. قطعنا وسلمنا أن الأمير قاتل المرتدين، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول شريك في المدح أيضا، وإلا لزم الخلف لعموم من في الشرط والجزاء كما تقرر في الأصول. والمقاتل هو وأنصاره لا الأمير، إذ لم يدافع أحدا منهم ولا عساكره، إذ هم غير موصوفين بما ذكر، فلكم شكا منهم الإمام وأعلن بعدم الرضاء عنهم. ودونك ما في نهج البلاغة في خطابه لهم: «أنبئتُ أن بُسرا قد اطلع اليمن، وإني لأظن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى أصحابهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته. اللهم إني قد مللنهم وملوني وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني. اللهم مِثْ قلوبهم كما يماث الملح بالماء. لوددت والله لو أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم:

стр. 412

هنالك لو دعوت أتاك منهم ... فوارس مثل أرمية الحميم» والنهج مملوء من أمثال هذه الكلمات، ومحشو من مثل هذه الشكايات. فانظر هل يمكن تطبيق الأوصاف القرآنية على هؤلاء الأقوام وهل يجتمع النقيضان. أو كلام الله كاذب، أو كلام الإمام؟ وأيضا يستفاد من سياق الآية وسباقها أن فتنة المرتدين تدفع بسعي القوم الموصوفين ويتحقق صلاح الدين، إذ الآية سيقت لتسلية قلوب المؤمنين وتقويهم، ولإزالة خوفهم من المرتدين وفتنتهم، ولم تنته مقاتلات الأمير إلا إلى الضد كما لا يخفى. (أخبار عترية في خلافة الخلفاء) وأما أقوال العترة فهي كثيرة أيضا. فمنها ما أورده المرتضى في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين من كتابه الذي كتبه إلى معاوية وهو: «أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك وأنت بالشام، فإنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا». ومنتهى ما أجاب الشيعة عن أمثال هذا أنه من مجاراة الخصم ودليل إلزامي. وهو تحريف لا ينبغي لعاقل ولا يليق بفاضل، إذ فيه غفلة وإغماض عن أطراف الكلام الزائدة على قدر الإلزام، إذ يكفي فيه بيعة أهل الحل والعقد كما لا يخفى.

стр. 413

وأيضا الدليل الإلزامي مسلم عند الخصم، ومعاوية لا يسلم ما ذكر. ويرشدك إلى ذلك كتبه إلى الأمير كما هو مذكور عند الإمامية وغيرهم، فمذهبه كما يظهر منها أن كل مسلم قرشي مطلقا إذا كان قادرا على تنفيذ الأحكام وإمضاء الجهاد وحماية حوزة الإسلام وحفظ الثغور ودفع الشرور وبايعه جماعة من المسلمين من أهل العراق أو من أهل الشام أو من المدينة المنورة فهو الإمام. وإنما لم يتبع الأمير لاتهامه له بقتلة عثمان وحفظ أهل الجور والعصيان، وما كان يعتقده قادرا على تنفيذ الأحكام وأخذ القصاص الذي هو من عمدة أمور شريعة سيد الأنام، وذاك بزعمه ومقتضى فهمه. ومن أجلى البديهات أن بيعة المهاجرين والأنصار التي لم تكن خافية على معاوية قط لو حسبها معتدا بها لم يذكر في مجالسه ومكاتيبه قوادح الأمير، بل خطأ تلك البيعة أيضا بالصراحة كما هو معروف من مذهبه على ما لا يخفى على الخبير. فما ذكر في مقابلته من بيعة المهاجرين والأنصار دليل تحقيقي مركب من المقدمات الحقة فيثبت المطلوب. ومنها ما في النهج أيضا عن الأمير أنه قال: «لله بلاء أبي بكر، لقد قوم الأود، وداوَى العلل، وأقام السنة، وخلّف البدعة، وذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طريق متشعبة لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي». وقد حذف الشريف صاحب النهج حفظا لمذهبه "أبا بكر" وأثبت بدله "فلان"، وتأبى الأوصاف إلا أبا بكر. ولهذا الإبهام اختلف الشراح، فقال البعض هو أبو بكر وبعض هو عمر. ورجح الأكثرون الأول وهو الأظهر. فقد وصفه المعصوم من الصفات بأعلى مراتبها، فناهيك به وناهيك بها. وغاية ما

стр. 414

أجابوا أن مثل هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم بالشيخين أشد الاعتقاد. ولا يخفى على منصف أن فيه نسبة الكذب إلى معصوم لغرض دنيوي مظنون الحصول، بل كان اليأس منه حاصلا قطعا، وفيه تضييع غرض الدين بالمرة، فحاشا لمثل الإمام أن يمدح مثل هؤلاء. وفي الحديث الصحيح «إذا مدح الفاسق غضب الرب». وأيضا أية ضرورة تلجئه إلى هذه التأكيدات والمبالغات؟ وكان يكفيه أن يقول: لله بلاء فلان قد جاهد الكفرة المرتدين، وشاع بسعيه الإسلام، وقام عماد المسلمين، ووضع الجزية، وبنى المساجد، ولم تقع في خلافته فتنة ولا بقي فيها معاند، ونحو ذلك. وفرق بين هذا والسلوك في هاتيك المسالك. وأيضا في هذا المدح العظيم الكامل تضليل الأمة وترويج للباطل، وذاك محال من المعصوم، بل كان الواجب عليه بيان الحال لمن بين يديه بموجب الحديث الصحيح: «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس» فانظر وأنصف. وأجاب بعض الإمامية أن المراد من فلان رجل من الصحابة مات في عهد النبي ﷺ . واختار هذا القول الراوندي. وانظر هل يمكن لغيره ﷺ في زمنه الشريف تقويم الأود ومداواة العلل وإقامة السنة وغيرها؟ وهل يعقل أن رجلا مات وترك الناس فيما ترك والنبي ﷺ موجود بنفسه النفيسة وذاته الأنيسة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وزور جسيم. وقال البعض: غرض الإمام من هذه العبارة توبيخ عثمان والتعريض به، فإنه لم يذهب على سيرة الشيخين. وفيه نظر من وجوه: أما أولا فالتوبيخ يحصل بدون هذه الكذبات فما الحاجة إليها؟ وأما ثانيا فسيرة الشيخين إن كانت محمودة فقد ثبتت

стр. 415

إمامتهما وإلا فالتوبيخ على عثمان بتركها لا ينبغي. وأما ثالثا فهذه من خطب الكوفة، فما الموجب لعدم الصراحة بالتوبيخ: «أنا الغريق فما أخشى من البلل». ومنها ما نقله علي بن عيسى الإربلي الاثنا عشري في كتابه كشف الغمة في معرفة الأئمة أنه: «سُئل الإمام أبو جعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: نعم، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة. فقال الراوي: أتقول هكذا؟ فوثب الإمام عن مكانه فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة» ومن الثابت أن مرتبة الصديقية بعد النبوة، ويشهد لها القرآن، والآيات كثيرة. ولا أقل من كونها صفة مدح فوق الصالح، وإذا قال المعصوم في رجل صالح ارتفع عنه احتمال الجور والفسق والظلم والغضب، وإلا لزم الكذب وهو محال. فكيف يعتقد فيه غصب الإمامة وتضييع حق الأمة؟ والمعتقد داخل في عموم هذا الدعاء، ويكفيه جزاء. وغاية ما أجابوا أنه تقية. وأنت تعلم أن وضع السؤال يعلم منه أن السائل شيعي، فلم التقية منه وهذا التأكيد. وبعضهم أنكر هذا الكلام، والنسخ شاهدة لنا، وإن لم يوجد في البعض فالبعض الآخر كاف. والنسخ كثيرة والروايات في هذا الباب أكثر. والله تعالى أعلم وأبصر.

стр. 416

ومنها ما رواه الدراقطني عن سالم بن أبي حفصة قال: «دخلت على أبي جعفر فقال: اللهم إني أتولى أبا بكر وعمر، اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا نالتني شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة، قال سالم: أراه قال ذلك من أجلي». ومنها ما رواه عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عن أبيه الباقر: «أن رجلا جاء إلى أبيه زين العابدين السجاد قال: أخبرني عن أبي بكر وعمر، فقال: عن الصديق؟ قال: تسميه الصديق؟ قال: ثكلتك أمك، قد سماه الصديق رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار، ومن لم يسمه صديقا فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة، اذهب فأحب أبا بكر وعمر». تتمة في ذكر بعض الأدلة المأخوذة من الكتاب وأقوال العترة الأنجاب مما يوصل إلى المطلوب بأدنى تأمل الأول أن الله تعالى ذكر جماعة الصحابة الذين كانوا حاضرين حين انعقاد خلافة أبي بكر الصديق وممدين وناصرين له في أمور الخلافة ملقبا لهم بعدة ألقاب في مواضع من تنزيله. قال تعالى: ﴿أولئك هم الفائزون﴾ وقال تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ وقال تعالى: ﴿حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ فإجماع مثل هؤلاء الأقوام على منشأ الجور والآثام محال، وإلا لزم الكذب وهو كما ترى.

стр. 417

الثاني أن قوما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقتلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأقاربهم ولم يراعوا حقهم نصرة لله تعالى ورسوله وقد حضروا هذه البيعة ولم يخالفوا، أفيليق بهم ما نسب. العاقل لا يقول به. الثالث: أن جما غفيرا من الصحابة قد وقع اتفاقهم على خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكل ما يكون متفقا عليه لجماعة الأمة فهو حق وخلافه باطل بما ذكره في نهج البلاغة مرويا عن الأمير في كلام له: «الزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب». الرابع أن أمير المؤمنين لما سئل عن أحوال الصحابة الماضين وصفهم بلوازم الولاية وقال كما في نهج البلاغة: «كانوا إذا ذكروا الله هملت أعينهم حتى تبل جباههم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب». فالإنكار من هؤلاء والإصرار على مخالفة الله والرسول ﷺ من المحالات. الخامس: ما ذكر في الصحيفة الكاملة للسجاد من الدعاء لهم ومدح متابعيهم، ولا احتمال للتقية في الخلوات وبين يدي رب البريات. ونصه: «اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو أثرهم والائتمام بهداية منارهم يدينون بدينهم على شاكلتهم، لم يأتهم ريب في قصدهم ولم يختلج شك في صدورهم» إلى آخر ما قال.

стр. 418

فالإصرار من هؤلاء الأخيار على كتمان الحق وتجويز الظلم والجور على عترة سيد الخلق ﷺ لا يقول به عاقل ولا يفوه به كامل. والكتب ملأى من أمثال هذه العبارات والأدلة القطعيات. وفيما ذكر كفاية لمن حلت بقلبه الهداية. والسلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى.

стр. 419

المطلب الثالث في إبطال ما استدل به الرافضة على كون الخلافة للأمير بلا فصل اعلم أن الشيعة استدلوا على مطلوبهم بالكتاب والسنة وأقوال العترة والأدلة العقلية وبالمطاعن في الخلفاء الثلاثة. (الأدلة القرآنية) أما الكتاب فهي آيات أوردتها أهل السنة في رد الخوارج والنواصب فأخذوها وحرفوا بعض المقدمات وأوردوها فيما أوردوها: فمنها قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون﴾، تقرير الاستدلال أن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير إذ أعطى السائل خاتمه في حالة الركوع، فكلمة ﴿إنما﴾ مفيدة للحصر، والولي المتصرف في الأمور، وظاهر أن المراد ههنا التصرف العام المرادف للإمامة بقرينة العطف [على ولاية الله ورسوله] فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره للحصر وهو المطلوب. الجواب: الحصر أيضا ينفي خلافة باقي الأئمة، ولا يمكن أن يكون إضافيا بالنسبة إلى من تقدمه، لأنا نقول إن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا [إذا كان] حقيقيا، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر. وإن أجابوا بأن المراد حصر الولاية في جنابه في بعض الأوقات -وهو وقت إمامته لا وقت إمامة الباقي- فمرحبا بالوفاق، فإنا كذلك نقول هي محصورة فيه وقت إمامته لا قبله أيضا. ودونك هذا التفصيل. فنقول أولا ما ذكر من إجماع المفسرين ممنوع. فقد روى أبو بكر النقاش صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر: أنها نزلت في المهاجرين

стр. 420

والأنصار. وقال قائل: سمعنا [أنها نزلت] في علي، قال الإمام: هو منهم. وهذه الرواية بصيغ الجمع. وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر. ويؤيده الآية السابقة الواردة في قتال المرتدين. وأورد صاحب لباب التفسير أنها نزلت في شأن عبادة بن الصامت إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هودا على رغم عبد الله بن أُبي فإنه لم يتبرأ منهم. وهذا القول أنسب بسياق الآية، وهو قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾. وقال جماعة من المفسرين إن عبد الله بن سلام لما أسلم هجرته قبيلته فشكى ذلك وقال: يا رسول الله إن قومنا هجرونا، فنزلت هذه الآية. وهذا القول باعتبار فن الحديث أصح الأقوال. وأما القول الذي ذكروه فإنما هو للثعلبي فقط، وقد قالوا فيه حاطب ليل هذا. وثانيا إن لفظ «الولي» مشترك بين المحب والناصر والصديق والمتصرف في الأمور، فالحمل على أحدها بدون قرينة لا يجوز. والسباق لكونه في تقوية قلوب المؤمنين

стр. 421

وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين، والسياق من قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين﴾ الآية، لأن أحدا لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه، وهم ما اتخذ بعضهم بعضا إماما أيضا؛ قرينتان على إرادة الناصر والمحب كما لا يخفى. وكلمة «إنما» تقتضي هذا المعنى أيضا لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان، ولم يكن بالإجماع وقت النزول تردد ونزاع في الإمامة والولاية، بل كان في النصرة والمحبة. وثالثا إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كما هو عند الجميع. واللفظ عام ولا ضرورة إلى التخصيص. وكون التصدق في حالة الركوع [وقع له] ولم يقع لغيره غير داع له، إذ القصة غير مذكورة في الآية بحيث يكون مانعا من حمل الموصول وصلاته على العموم، بل جملة ﴿وهم راكعون﴾ عطف على السابق وصلة للموصول أو حال من ضمير ﴿يقيمون﴾. وعلى كل الركوع الخشوع. وقد ورد كقوله تعالى: ﴿واركعي مع الراكعين﴾ ولم يكن ركوع اصطلاحي في صلاة من قبلنا بالإجماع. وقوله تعالى: ﴿وخر راكعا﴾ وليس في الاصطلاحي خرور بل انحناء. إلى غير ذلك من الآيات، فهو معنى متعارف أيضا فيصح الحمل عليه كما هو مقرر في محله. وأيضا حمل ﴿الزكاة﴾ على التصدق [بالخاتم] كحمل لفظ الركوع على الخشوع، فالجواب هو الجواب. بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا لئلا يلزم التكرار، وذكر الزكاة بعدها مضر لكم، إذ في عرف القرآن يكون المراد بها الزكاة مفروضة لا الصدقة المندوبة. ولو حملنا الركوع على المشهور وجعلت الجملة حالا من ضمير ﴿يقيمون﴾ لعمت المؤمنين أيضا، لأنه احتراز عن صلاة اليهود الخالية عن الركوع، وفي هذا التوجيه غاية لصوق بالنهي عن

стр. 422

موالاة اليهود الوارد بعد. وأيضا لو كان حالا من ضمير ﴿يؤتون﴾ لم يكن فيه كثير مدح، إذ الصلاة إنما تمدح إذا خلت عن الحركات المقلقة بالغير وقطع صاحبها العلائق عما سوى الخالق المتوجه إليه الواقف بين يديه. ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طردا ولا عكسا في صحة الإمامة، فالتعليق به لغو ينزه الباري تعالى عنه. على أنها معارضة بما تقدم فافهم. وتكلف صاحب إظهار الحق غاية التكلف وتعسف نهاية التعسف في تصحيح هذا الاستدلال وتنميق هذا المقال، فلم يأت إلا بقشور لا لب وكلمات لا يرتضيها ذو عقل ولب. فمن جملة ما قال: إن الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم لا محالة، فكذا الأمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة أيضا يكون بطريق الوجوب، إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متحدا أو متعددا أو متعاطفا لا يمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين، فبهذا المقتضى تصير مودة المؤمنين واجبة وثالثة لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة، فلو أخذ أن المراد بالمؤمنين كافة المسلمين باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح، لأن معرفة كل منهم متعذرة لكل واحد من المكلفين فضلا عن مودتهم. وأيضا قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل واجبة. فالمراد به البعض وهو المرتضى. انتهى كلامه. وهو كلام الوقاحة منه تفور والجهالة تروي عنه، إذ مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وإذا تعذر العام كيف يتعين الأمير وهو المتنازع فيه؟ واستنتاج المتعين من المطلق وقاحة وجهل محض كما لا يخفى. ثم نقول: لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة المؤمنين من جهة الإيمان عام بلا قيد ولا جهة، وهي موالاة لإيمانهم في الحقيقة، والعداوة لسبب غير ضار في الموالاة من جهة الإيمان. ثم ماذا يقول في قوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم

стр. 423

أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾. ولو كانت الموالاة الإيمانية عامة لجميع المؤمنين فأية استحالة تلزمها؟ والملاحظة الإجمالية للكثرة بعنوان الوحدة لا شك في إمكانها. ألا ترى أنهم يقولون كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه، وكذا يقولون كل حيوان حساس، والكثرة فيهما ظاهرة. وليت شعري ما جوابه عن معاداة الكفار، وكيف الأمر فيها وهي هي كما لا يخفى. نعم المحذور كون [أنواع] الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة كافيا، وليس فليس، إذ الأول أصل والثاني تبع والثالث تبع له، فالمحمول مختلف والموضوع كذلك، لأن الولاية العامة، وكالعوارض المشككة، والعطف موجب للتشكيك في الحكم لا في جهته، فالباري وما سواه موجود في الخارج والوجوب والإمكان ملاحظ، وهذا قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ مع أن الدعوة واجبة على الرسول ﷺ مندوبة في غيره، وعليه الأصوليون. وإن تنزلنا عن هذا أيضا فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب [المحبة] ليس محذورا بل المحذور الاتحاد في المرتبة والأصالة وهو غير لازم. فتدبر. ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من حضرة النبي ﷺ الاستخلاف كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة قال: «قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه» رواه الترمذي.

стр. 424

وهكذا استفسروا منه ﷺ من يكون حريا بالإمامة. أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم» رواه أحمد، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره ﷺ عند نزول الآية فلم يبطل مدلول «إنما». انتهى. وفيه أن محض الاستفسار لا يقتضي وقوع التردد. نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر وخالفوا ونازعوا بعضهم بعضا بعد ما سمعوا من النبي ﷺ تحقق المدلول [لإنما]، وليس فليس. ومجرد السؤال غير مقتض لـ"إنما" على ما في كتب المعاني. وأيضا سلمنا التردد لكن لم يعلم أنه بعد الآية أو قبلها متصلا أو منفصلا سببا للنزل أو اتفاقيا، فلا بد من إثبات القبلية والاتصال والسببية وأنى ذلك. والاحتمال غير كاف في الاستدلال فلا تغفل. وليعلم أن الحديث الثاني ينافي الحصر صريحا، لأنه ﷺ في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين فكيف الحصر؟ فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول القرآن أو بالعكس لزم التكذيب. والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما تقرر. ومع هذا تقدُّم كلًّ مجهولٌ فسقط العمل. وإن قيل الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في الإمامة، قلنا وكذلك لا يصح في مقام إثبات التردد الاستدلال به، وأيضا الاستدلال بالآية موقوف عليه فافهم. وأيضا الحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركَه، كما يفهم من الآية تركُه. ومنها قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

стр. 425

تطهيرا﴾، تقرير الاستدلال أن المفسرين أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم، وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما. ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها: أما الأولى فلكون الإجماع ممنوعا. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في نساء النبي ﷺ . وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في الأسواق أن قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله﴾ الآية نزلت في نساء النبي ﷺ . والسباق والسياق يشهدان له. على أن ذكر حال الغير في أثناء خطاب الأزواج بهذه الصورة مناف للبلاغة. وأيضا إضافة البيوت إلى الأزواج في ﴿بيوتكن﴾ يدل على أن المراد بأهل البيت إنما هن الأزواج المطهرات، إذ بيته ﷺ لا يمكن أن يكون غير ما سكن فيه أزواجه. وقال عبد الله المشهدي [الشيعي]: إن كون البيوت جمعا في ﴿بيوتكن﴾ وإفراد البيت في أهل البيت يدل على الغيرية. وفساد هذا ظاهر لأن "بيتا" اسم جنس يطلق على القليل
следующие страницы →