← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96337

السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة

محمود شكري الألوسي

Полный текст (641 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين، والسياق من قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين﴾ الآية، لأن أحدا لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه، وهم ما اتخذ بعضهم بعضا إماما أيضا؛ قرينتان على إرادة الناصر والمحب كما لا يخفى. وكلمة «إنما» تقتضي هذا المعنى أيضا لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان، ولم يكن بالإجماع وقت النزول تردد ونزاع في الإمامة والولاية، بل كان في النصرة والمحبة. وثالثا إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كما هو عند الجميع. واللفظ عام ولا ضرورة إلى التخصيص. وكون التصدق في حالة الركوع [وقع له] ولم يقع لغيره غير داع له، إذ القصة غير مذكورة في الآية بحيث يكون مانعا من حمل الموصول وصلاته على العموم، بل جملة ﴿وهم راكعون﴾ عطف على السابق وصلة للموصول أو حال من ضمير ﴿يقيمون﴾. وعلى كل الركوع الخشوع. وقد ورد كقوله تعالى: ﴿واركعي مع الراكعين﴾ ولم يكن ركوع اصطلاحي في صلاة من قبلنا بالإجماع. وقوله تعالى: ﴿وخر راكعا﴾ وليس في الاصطلاحي خرور بل انحناء. إلى غير ذلك من الآيات، فهو معنى متعارف أيضا فيصح الحمل عليه كما هو مقرر في محله. وأيضا حمل ﴿الزكاة﴾ على التصدق [بالخاتم] كحمل لفظ الركوع على الخشوع، فالجواب هو الجواب. بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا لئلا يلزم التكرار، وذكر الزكاة بعدها مضر لكم، إذ في عرف القرآن يكون المراد بها الزكاة مفروضة لا الصدقة المندوبة. ولو حملنا الركوع على المشهور وجعلت الجملة حالا من ضمير ﴿يقيمون﴾ لعمت المؤمنين أيضا، لأنه احتراز عن صلاة اليهود الخالية عن الركوع، وفي هذا التوجيه غاية لصوق بالنهي عن

стр. 422

موالاة اليهود الوارد بعد. وأيضا لو كان حالا من ضمير ﴿يؤتون﴾ لم يكن فيه كثير مدح، إذ الصلاة إنما تمدح إذا خلت عن الحركات المقلقة بالغير وقطع صاحبها العلائق عما سوى الخالق المتوجه إليه الواقف بين يديه. ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طردا ولا عكسا في صحة الإمامة، فالتعليق به لغو ينزه الباري تعالى عنه. على أنها معارضة بما تقدم فافهم. وتكلف صاحب إظهار الحق غاية التكلف وتعسف نهاية التعسف في تصحيح هذا الاستدلال وتنميق هذا المقال، فلم يأت إلا بقشور لا لب وكلمات لا يرتضيها ذو عقل ولب. فمن جملة ما قال: إن الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم لا محالة، فكذا الأمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة أيضا يكون بطريق الوجوب، إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متحدا أو متعددا أو متعاطفا لا يمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين، فبهذا المقتضى تصير مودة المؤمنين واجبة وثالثة لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة، فلو أخذ أن المراد بالمؤمنين كافة المسلمين باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح، لأن معرفة كل منهم متعذرة لكل واحد من المكلفين فضلا عن مودتهم. وأيضا قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل واجبة. فالمراد به البعض وهو المرتضى. انتهى كلامه. وهو كلام الوقاحة منه تفور والجهالة تروي عنه، إذ مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وإذا تعذر العام كيف يتعين الأمير وهو المتنازع فيه؟ واستنتاج المتعين من المطلق وقاحة وجهل محض كما لا يخفى. ثم نقول: لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة المؤمنين من جهة الإيمان عام بلا قيد ولا جهة، وهي موالاة لإيمانهم في الحقيقة، والعداوة لسبب غير ضار في الموالاة من جهة الإيمان. ثم ماذا يقول في قوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم

стр. 423

أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله﴾. ولو كانت الموالاة الإيمانية عامة لجميع المؤمنين فأية استحالة تلزمها؟ والملاحظة الإجمالية للكثرة بعنوان الوحدة لا شك في إمكانها. ألا ترى أنهم يقولون كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه، وكذا يقولون كل حيوان حساس، والكثرة فيهما ظاهرة. وليت شعري ما جوابه عن معاداة الكفار، وكيف الأمر فيها وهي هي كما لا يخفى. نعم المحذور كون [أنواع] الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة كافيا، وليس فليس، إذ الأول أصل والثاني تبع والثالث تبع له، فالمحمول مختلف والموضوع كذلك، لأن الولاية العامة، وكالعوارض المشككة، والعطف موجب للتشكيك في الحكم لا في جهته، فالباري وما سواه موجود في الخارج والوجوب والإمكان ملاحظ، وهذا قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾ مع أن الدعوة واجبة على الرسول ﷺ مندوبة في غيره، وعليه الأصوليون. وإن تنزلنا عن هذا أيضا فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب [المحبة] ليس محذورا بل المحذور الاتحاد في المرتبة والأصالة وهو غير لازم. فتدبر. ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من حضرة النبي ﷺ الاستخلاف كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة قال: «قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه» رواه الترمذي.

стр. 424

وهكذا استفسروا منه ﷺ من يكون حريا بالإمامة. أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم» رواه أحمد، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره ﷺ عند نزول الآية فلم يبطل مدلول «إنما». انتهى. وفيه أن محض الاستفسار لا يقتضي وقوع التردد. نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر وخالفوا ونازعوا بعضهم بعضا بعد ما سمعوا من النبي ﷺ تحقق المدلول [لإنما]، وليس فليس. ومجرد السؤال غير مقتض لـ"إنما" على ما في كتب المعاني. وأيضا سلمنا التردد لكن لم يعلم أنه بعد الآية أو قبلها متصلا أو منفصلا سببا للنزل أو اتفاقيا، فلا بد من إثبات القبلية والاتصال والسببية وأنى ذلك. والاحتمال غير كاف في الاستدلال فلا تغفل. وليعلم أن الحديث الثاني ينافي الحصر صريحا، لأنه ﷺ في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين فكيف الحصر؟ فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول القرآن أو بالعكس لزم التكذيب. والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما تقرر. ومع هذا تقدُّم كلًّ مجهولٌ فسقط العمل. وإن قيل الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في الإمامة، قلنا وكذلك لا يصح في مقام إثبات التردد الاستدلال به، وأيضا الاستدلال بالآية موقوف عليه فافهم. وأيضا الحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركَه، كما يفهم من الآية تركُه. ومنها قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم

стр. 425

تطهيرا﴾، تقرير الاستدلال أن المفسرين أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم، وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما. ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها: أما الأولى فلكون الإجماع ممنوعا. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في نساء النبي ﷺ . وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في الأسواق أن قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله﴾ الآية نزلت في نساء النبي ﷺ . والسباق والسياق يشهدان له. على أن ذكر حال الغير في أثناء خطاب الأزواج بهذه الصورة مناف للبلاغة. وأيضا إضافة البيوت إلى الأزواج في ﴿بيوتكن﴾ يدل على أن المراد بأهل البيت إنما هن الأزواج المطهرات، إذ بيته ﷺ لا يمكن أن يكون غير ما سكن فيه أزواجه. وقال عبد الله المشهدي [الشيعي]: إن كون البيوت جمعا في ﴿بيوتكن﴾ وإفراد البيت في أهل البيت يدل على الغيرية. وفساد هذا ظاهر لأن "بيتا" اسم جنس يطلق على القليل

стр. 426

والكثير، والإفراد باعتبار الإضافة إلى النبي ﷺ ، فالبيوت بهذا الاعتبار بيت، والجمع في ﴿بيوتكن﴾ باعتبار الإضافة إلى الأزواج. ثم قال: لا يبعد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال كما وقع قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل﴾ ثم قال بعد تمام هذه الآية ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قال المفسرون: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ عطف على ﴿أطيعوا﴾ انتهى. وفيه غفلة عن محل النزاع، إذ الكلام في الفصل بالأجنبي باعتبار الموارد وهو المنافي للبلاغة، لا الأجنبي من حيث الإعراب. على أن في عطف على وأطيعوا بحثا، لأنه وقع ﴿وأطيعوا﴾ أيضا بعد ﴿أقيموا﴾، فيلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه، ولا احتمال للتوكيد لوجود حرف العطف. ثم قال كلاما لا ينبغي ذكره. وأما إيراد ضمير جمع المذكر في ﴿عنكم﴾ فبملاحظة لفظ الأهل، كقوله تعالى خطابا لسارة امرأة الخليل: ﴿قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ وكذا قوله ﴿لأهله امكثوا﴾ الآية خطابا من موسى ﷺ لامرأته. وما روي في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن رسول الله ﷺ دعا هؤلاء الأربعة ودعا لهم: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: أشركني فيهم أيضا، قال: «أنت على خير وأنت على مكانك». فهو دليل صريح على نزولها في حق الأزواج فقط، فقد أدخل النبي ﷺ هؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم أيضا بدعائه المبارك في تلك الكرامة، ولو كان نزولها في حقهم لكان تحصيلا للحاصل. كذا قالوا. ولكن ذهب محققو أهل السنة إلى أن هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات

стр. 427

ولكن بحكم «العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب» دخل في بشارتها الجميع، واختيار الأربعة هربا من توهم الاختصاص بالأزواج بمعونة القرائن كالسباق واللحاق. وما قال عبد الله المشهدي: إن المراد بالبيت بيت النبوة، ولا شك أن أهل البيت لغة شامل للخدام من الإماء اللاتي يسكن البيوت أيضا، وليس المراد هذا بالاتفاق، فالمراد أهل العباء الذين خصصهم حديث الكساء؛ ففيه أن هذه الوسعة لا تضر أهل السنة لأن العصمة بالمعنى الذي يقول به الشيعة لا يثبتونها والغير غير ضار. وأيضا عدم كون هذا مرادا من أجل أن القرائن تعين المراد. وأيضا يخصص العقل هذا اللفظ باعتبار العرف والعادة بمن كان يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال، ولم يكن التحول والتبدل جاريَين عادة فيهم كالأزواج والأولاد دون العبيد والخدام الذين هم في معرض التبدل والتحول من ملك إلى ملك بالهبة والبيع وغير ذلك، وإنما يدل التخصيص بالكساء على كون هؤلاء المذكورين مخصصين لو لم يكن للتخصيص فائدة، وهي ظاهرة. وقيل الإرادة لا تستلزم الفعل عند الشيعة، فافهم وتدبر. وأما الثانية فلأن دلالة هذه الآية على العصمة مبنية على عدة أبحاث: أحدها كون كلمة ﴿ليذهب عنكم الرجس﴾ أي محل لها [من الأعراب] مفعول له ليريد أو به. الثاني معنى «أهل البيت». الثالث أي مراد من «الرجس». وفي هذه المباحث كلام كثير يطلب من الكتب المبسوطة في التفسير.

стр. 428

وبعد اللتيا والتي لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما البدريين قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم تارة: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ وتارة: ﴿ليطهركم به وليذهب عنكم رجز الشيطان﴾ وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا إتمام أدل على عصمتهم، لأن [إتمام] النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان. فليتأمل فيه تأملا صادقا لتظهر حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدم. أما الثالثة فلأن «غير المعصوم لا يكون إماما» مقدمة باطلة وكلمة عاطلة، يدرأها الكتاب وكلام رب العزة المستطاب. فتذكر ولا تغفل وتبصر. ومنها قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ فإنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما. رضي الله تعالى عنهم. فأهل البيت واجبو المحبة، وكل من كان كذلك فهو واجب الإطاعة، فعلي واجب الإطاعة وهو معنى الإمام. وغير علي

стр. 429

لا تجب محبته فلا تجب إطاعته. وأجيب أولا بأن المفسرين اختلفوا في هذه الآية. فالطبراني والإمام أحمد رويا عن ابن عباس هكذا، ولكن ضعف ذلك الجمهور فإن السورة بتمامها مكية، ولم يكن هنالك الإمامان [الحسن والحسين]، وما كانت فاطمة رضي الله تعالى عنها متزوجة بعلي رضي الله تعالى عنه. وروي أن القربى من بينه وبين النبي ﷺ قرابة. وجزم قتادة والسدي الكبير وسعيد بن جبير بأن معنى الآية: إني لا أسألكم على الدعوة والتبليغ من أجر إلا المودة والمحبة لأجل قرابتي بكم. وهذه الرواية موجودة في صحيح البخاري عن ابن عباس: "وما بطن من قريش إلا وقد كان للنبي ﷺ قرابة بهم، فيذكرهم تلك القرابة" لأداء الحقوق، فالاستثناء منقطع. وهذا المعنى هو المناسب لشأن النبوة، لأن الأغراض الدنيوية ليست من شيم الأنبياء. قال تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾ وقال تعالى: ﴿وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ والآيات كثيرة. وثانيا لا نسلم الكبرى وهي «كل واجب المحبة فهو واجب الإطاعة»، وكذا لا نسلم هذه «كل واجب الإطاعة صاحب الإمامة والرئاسة العامة». أما الأول فلأنه لو كان وجوب المحبة مستلزما لوجوب الإطاعة لكان العلويون كذلك لوجوب محبتهم كما ذكر ابن بابويه في كتاب الاعتقادات، ولكانت الزهراء إماما، بل لكان الأربعة أئمة في عهد

стр. 430

الرسول ﷺ ، واللوازم باطلة. وأما الثاني فلأنه يلزم أن يكون كل نبي في زمنه صاحب الرئاسة الكبرى، كأشموئيل وغيره، وهو ظاهر البطلان. وثالثا لا نسلم انحصار وجوب المحبة في [الأربعة] المذكورين عندنا، بل أبو بكر وعمر وعثمان كذلك بالروايات الصحيحة. والدليل إلزامي فلا بد من ملاحظة جميع روايات أهل السنة ولا تكفي الواحدة. وإن ألحوا فقوله ﴿يحبهم ويحبونه﴾ يشهد لنا، لأنه في حق المقاتلين وهؤلاء رؤساؤهم، والمحبوب واجب المحبة. هذا ثم لا يخفى أن التقريب غير تام لأن النتيجة شيء والمدعى شيء آخر. وأين العام من الخاص، وهذا المطلوب لا ذاك. فتدبر. ومنها قوله تعالى: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ الآية، فإنه لما نزلت خرج النبي ﷺ من منزله آخذا بيده الشريفة أهل العباء وهو يقول: إذا دعوت فأمّنوا. فعلم أن المراد بالأبناء الحسن والحسين وبالنساء فاطمة وبالنفس الأمير، وظاهر استحالة الحقيقة، فالمراد المساواة، فمن كان مساويا للأفضل فهو أولى بالتصرف بالضرورة فهو الإمام لا غيره. وهذا أحسن تقريرهم في الآية كما لا يخفى على المتتبع. وللنواصب فيه كلام كثير ليس هذا محله. وفي هذا الدليل نظر من وجوه: أما أولا فلا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير، بل نفسه الشريفة ﷺ . والإمام داخل في الأبناء حكما كالحسنين، والعرف يعد الختن ابنا من غير ريبة، والمنع مكابرة. والاعتراض بأن الشخص لا يدعو نفسه في غاية الضعف، فقد شاع وذاع قديما وحديثا [أن يقال] دعته نفسه، ودعوت نفسي، ﴿فطوعت له نفسه

стр. 431

قتل أخيه﴾، وشاورت نفسي، إلى غير ذلك. وأيضا لو قررنا الأمير من قبل النبي لمصداق ﴿أنفسنا﴾ فمن نقرره من قبل الكفار لمصداق ﴿أنفسكم﴾ مع الاشتراك في ﴿ندعو﴾ إذ لا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله ﴿تعالوا﴾. وأيضا قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين، كقوله تعالى: ﴿يخرجون أنفسهم من ديارهم﴾ أي أهل دينهم، ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾، ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾ فللقرب والألفة عبر بالنفس، فلا يلزم المساواة كما [لا يلزم] في الآيات. وأما ثانيا فلزوم المساواة في جميع الصفات بديهي البطلان، لأن التابع دون المتبوع. وفي البعض لا تفيد المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف [بأن] تجعل من هي له أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة، فليتدبر. ومنها قوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قالوا: ورد في الخبر المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا المنذر وعلي الهادي». ولا يخفى ضعفه لأنه من رواية الثعلبي، ولا اعتبار لمروياته في التفسير.

стр. 432

وقد أوردها أهل السنة في مقابلة النواصب. والضعيف يُتمسك به في الفضائل. وأيضا لا دلالة لها على إمامة الأمير ونفيها عن غيره أصلا، لأن كون رجل هاديا لا يستلزم أن يكون إماما. نعم الإمامة بمعنى القدوة مرادة وليست محل النزاع. قال الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾، ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ الآية. ومنها قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ قالوا: روى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا قال: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ عن ولاية علي بن أبي طالب. ولا يخفى أن نحو هذا النحو من التمسك بالروايات لا بالآيات، وفي هذه الروايات كلام قوي لا سيما هذه إذ فيها المجاهيل والضعفاء. على أن نظم القرآن مكذب لها، لأن هذا الحكم في حق المشتركين بدليل ﴿وما كانوا يعبدون * من دون الله﴾. وما هي وعلي؟

стр. 433

وأيضا النظم يدل على أن السؤال عن مضمون الجملة الاستفهامية وهي ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ فقط، ولهذا أجمعوا على ترك الوقف على ﴿مسئولون﴾. ولئن سلمنا لكان المراد بالولاية المحبة، بدليل رواية الواحدي في تفسيره عن ولاية علي وأهل البيت. وظاهر أن جميع أهل البيت لم يكونوا أئمة. سلمنا أنها الزعامة الكبرى، لكن المفاد اعتقادها في وقت من الأوقات، وهذا مذهبنا لا مذهبكم. فأين التقريب. ومنها قوله تعالى: ﴿السابقون السابقون * أولئك المقربون﴾ قالوا: روي عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: السابقون ثلاثة، فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد ﷺ علي بن أبي طالب. ولا يخفى أن هذا أيضا تمسك بالحديث، ومدار إسناده على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف بالإجماع. قال العقيلي: هو شيعي متروك الحديث. فالحديث منكر بل موضوع،

стр. 434

وأمارات الوضع عليه لائحة، لأن صاحب ياسين لم يكن أول من آمن بعيسى بل برسله كما دل عليه النص، وكل حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص فهو موضوع كما هو مقرر في محله. وأيضا انحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول، فلكل نبي سابق لا محالة. وأيضا أية ضرورة أن يكون كل سابق إماما؟ وأيضا لو صحت الرواية لناقضت قوله تعالى في حق السابقين: ﴿ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين﴾ والثلة الجمع الكثير، ولا يمكن إطلاق الجمع الكثير على اثنين ولا القليل على الواحد أيضا، فعلم أن المراد بالسبق من الآية عرفي أو إضافي شامل للجماعة الكثيرة لا حقيقي بدليل [آية]: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ والقرآن يفسر بعضه بعضا. وأيضا الثابت بإجماع الفريقين أن أول من آمن حقيقة خديجة رضي الله تعالى عنه. فلو كان مجرد السبق كافيا لصحة الإمامة لزم إمامتها وهو باطل. فإن قلت قد تحقق المانع فيها وهو الأنوثة، قلت المانع متحقق وهو وجود الثلاثة الذين كانوا أصلح للرئاسة من جنابه عند الجمهور من أهل السنة. فانظر أيها المنصف الرشيد والفطن اللوذعي المجيد إلى حال هؤلاء جند الأهواء قد نسجت غشاوة التصعب على أبصارهم فهم عمون وحلت غواية الشيطان قلوبهم فهم في بيداء الضلالة يهرعون، استدلوا بما استدلوا ولم يعقلوا، وحلوا عقال التثبت بلاقع الزيغ ولم يعقلوا. فدونك أدلة سموم البطلان يهب من أرجائها ورسومها وخلب البروق يلوح في خلال غمومها وغيومها، مع أنها أقوى دلائلهم في هذا المقام وأعلى وأغلى تحريراتهم في صنوف الكلام. وقد كفيت شرها وأمنت حرها. والحمد لله على ما أولاه.

стр. 435

(الأدلة الحديثية) منها حديث الغدير: إذ أخذ بيد الأمير وقال: يا معشر المسلمين ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قالوا: إن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وهذا عين الإمامة. فنقول أولا: لم يثبت كون المولى بمعنى الأولى. بل لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل أبدا. إلا أن أبا زيد اللغوي جوزه متمسكا بقول أبي عبيدة في تفسير ﴿هي مولاكم﴾ أي أولى بكم. وقد خطأوه قائلين: لو صح لزم أن يقال مكان فلان أولى منك مولى منك، وهو باطل منكر إجماعا. والتفسير بيان حاصل المعنى وهو النار مقركم ومصيركم. وثانيا لو كان المولى كما ذكروا فمن أي لغة ينقل أن صلته بالتصرف؟ أفلا يحتمل [أن يكون المراد] بالمودة والتعظيم؟ وأية ضرورة في كل ما نسمي الأولى [أن] نحمله على ذلك؟ قال تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ وظاهر أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى بالتصرف.

стр. 436

وثالثا إن القرينة البعدية تدل على أن المراد الأولى بالمحبة، وهي قوله: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، وإلا لقال: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك، ولما ذكر المحبة والعداوة. والرسول أعلم الناس وأفصحهم، وقد بين لهم الواجبات أتم تبيين، وهذه المسألة عماد الدين، فلمَ لم يفصح بالمراد وإرشاد العباد ويقول: "يا أيها الناس علي ولي أمري والقائم عليكم بعدي"، ومثل هذا نُقل عن السبط الأكبر. وأما وجه تخصيص الإمام بالذكر فلما علمه ﷺ من وقوع الفساد والبغي في خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته. وقد تمسك بعض علماء الشيعة على إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع في صدر الحديث، وهو قوله: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم". وهذا هو الكلام القديم وعين الدعوى، فأية حاجة إلى هذا الحمل، بل هو ههنا أيضا بمعنى الأولى بالمحبة. وحاصل المعنى: يا معشر المسلمين، إنكم تحبوني أزيد من أنفسكم، كذلك أحبوا عليا، اللهم أحب من يحبه وعاد من يعاديه. وهذا الكلام بمقام من الانتظام. وهذا اللفظ قد وقع في غير موضع بحيث لا يناسب معنى الأولى بالتصرف، كقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ والسوق شاهد كما لا يخفى. ولو فرضنا كون الأول في صدر الحديث بمعنى الأولى بالتصرف أيضا، لا يكون حمل المولى على ذلك مناسبا، إذ يحتمل أن يراد تنبيه المخاطبين بهذه العبارة ليستمعوا بآذان

стр. 437

واعية وقلوب غير لاهية وليعلموا أنه أمر إرشادي واجب الطاعة، كما أن الأب يقول لأولاده في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم، فافعلوا كذا. فالمعنى ألست رسول الله إليكم أو ألست نبيكم، والربط حاصل بهذه العبارة كما هو ظاهر. ومن العجب أن بعض المدققين منهم أوردوا دليلا على نفي المحبة، وهو أن محبة الأمير أمر مفاد حيث كان ثابتا في ضمن آية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا. ولا يخفى فساده، إذ فرق بيّن بين بيان وجوب محبة أحد في ضمن عموم وبين إيجاب محبته بخصوصه. مثلا لو آمن أحد بجميع الأنبياء والرسل ولم يتعرض لاسم محمد ﷺ في الذكر لم يكن إسلامه معتبرا. على أن وظيفة النبي توكيد مضامين القرآن، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وعلى ما قيل يلزم أن تكون التأكيدات من النبي في باب الصلاة والزكاة مثلا لغوا والعياذ بالله تعالى. وبالغوا أيضا التأكيد في التنصيص على إمامة الأمير، وقد قالوا به. وسبب الخطبة على ما ذكره المؤرخون يدل صراحة على أن المراد المحبة، وذلك أن جماعة كانوا مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، فلما رجعوا شكوا عليا ولم يحمدوا سيرته ولم يحسنوا سريرته، فلما أحس النبي ﷺ خطب هذه الخطبة.

стр. 438

ومنها ما روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه ﵊ لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء والبنات، قال الأمير: يا رسول الله أتخلِفني في النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». قالوا: المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثنى مرتبة النبوة ثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها صحة الإمامة وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى، لأن ذلك له في عهد موسى، فلو انقطعت بعده لزم العزل، وهو محال للزومه الإهانة المستحيلة، فثبتت هذه المنزلة للأمير أيضا وهي الإمامة. هذا واعترضه النواصب. قالوا: هذا لا يدل إلا على استخلاف خاص لأهل البيت، وإلا لما قرر النبي ﷺ محمد بن سلمة عاملا على المدينة وسباع بن عرفطة عساسا فيها وابن أم مكتوم إماما للصلاة في مسجده بإجماع أهل السير. ويرد بما لا أظنه يخفى على أحد، فتدبر. وهو مع جوابه في المطولات.

стр. 439

ونحن نقول فيه اختلاف من وجوه: أما أولا فلأن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، بل هم صرحوا بأنه في نحو "غلام زيد" للعهد، وكيف يمكن العموم في نحو "ركبت فرس زيد" وليس غاية الأمر الإطلاق. وللعهد هنا قرينة "أتخلفني" إلخ. فالاستخلاف كالاستخلاف، فينقطع لانقطاعه، ولا إهانة، وهو واضح. والاستثناء لا يكون دليل العموم إلا متصلا، وهنا منقطع لفظا للجملية. ومعنى للعدم وهو ليس من المنازل. وأيضا بالعموم والاتصال يلزم كذب المعصوم، إذ من المنازل ما لا شك في انتفائه كالأسنيّة والأفطحية والشراكة في النبوة والأخوة النسبية، وأين هذا من الأمير. وأما ثانيا فلأنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هارون، لأنه كان نبيا مستقلا، ولو عاش لبقي كذلك. وأين النبوة من الخلافة، وهل هذا الاستدلال إلا من السخافة. وأما ثالثا فلأن ما قالوا من أنه لو زالت هذه المرتبة من هارون لزم العزل باطل. إذ لا يقال لانقطاع العمل عزل لغة وعرفا، ولا يفهم أحد من مثله إهانة كما لا يخفى على المنصف. وأيضا تشبيه الأمير بها دون المستخلف في الغيبة الثابت خلافة ما سواه كيوشع بن نون وكالب بن يوقنا بعد الوفاة يقتضي بموجب التشبيه الكامل عدم خلافة الأمير بعد الوفاة. فتدبر. ولو تنزلنا عن هذا كله قلنا أين الدلالة على نفي إمامة الثلاثة ليثبت المدعى؟ غاية ما يثبته الحديث الاستحقاق ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة،

стр. 440

فالتقريب غير تام. والله تعالى أعلم. ومنها ما رواه بريدة مرفوعا أنه قال: «إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي» نقول هذا الحديث باطل، لأن في إسناده أجلح، وهو شيعي متهم في روايته. على أنه غير مفيد إذ البعدية تحتمل الاتصال والانفصال وهي غير مطلقة، فلا يثبت المدعى فافهم.

стр. 441

ومنها ما رواه أنس بن مالك أنه كان عند النبي ﷺ طائر [قيل إنه سهام وقيل حبارى وقيل حجل] قد طبخ له وأهدي إليه فقال ﷺ : «اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي» فجاءه علي. نقول: قد حكم أكثر المحدثين بوضع هذا الحديث. وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزريي، وشمس الدين الذهبي في تلخيصه. ومع هذا فهو غير مفيد للمدعى أيضا، لأن القرينة تدل على أن المراد بأحب الناس الأحب في الأكل. ولا شك أن الأمير كان أحبهم إلى الله في هذا الوصف، لأن أكل الولد ومن حكمه مع الأب موجب لتضاعف اللذة كما لا يخفى على من له ذوق. ولو سلمنا الإطلاق فلا نسلم كون أحب الخلق إلى الله تعالى هو صاحب الرئاسة العامة، وهذا زكريا ويحيى يشهدان لنا، وكذا أشموئيل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رئاسة عامة بالنص ينادي بهذا. وأيضا يحتمل أن يكون المراد بمن هو أحب الناس إليك بطريق التبعيض، وهو كثير كقولهم فلان أعقل الناس وأعلمهم. وأيضا يحتمل غيبة أبي بكر إذ ذاك. وسؤال الخارق إنما هو عند التحدي

стр. 442

لا غير، وإلا لما احتاجوا في الحرب والقتال إلى سلاح ورجال، فتدبر. وأيضا لا يقاوم مثل حديث: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر». ومنها ما رواه جابر عن النبي ﷺ : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» نقول: هذا الحديث أيضا مطعون [فيه]. قال يحيى بن معين: لا أصل له. وقال البخاري: إنه منكر وليس له وجه صحيح. وقال الترمذي: إنه منكر غريب. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: هذا الحديث لم يثبتوه. وقال الشيخ محيي الدين النووي والحافظ شمس الدين الذهبي والشيخ شمس الدين الجزري إنه موضوع. فالتمسك بالأحاديث الموضوعة التي أخرجها أهل

стр. 443

السنة عن حيز الاحتجاج والتمسك بها في مقام إلزامهم دليل صريح على قلة فقه الشيعة. ومع هذا غير مفيد لمدعاهم، إذ لا يلزم أن من كان باب مدينة العلم فهو صاحب الرئاسة العامة بلا فصل، غايته أن شرطا من شروط الإمامة قد تحقق فيه بوجه ولا يلزم من تحقق شرط تحقق المشروط بالشروط الكثيرة، مع أن هذا الشرط كان ثابتا في غيره أيضا أزيد منه برواية أهل السنة مثل: «ما صب الله شيئا في صدري إلا وقد صببته في صدر أبي بكر» ونحو: «لو كان بعدي نبي لكان عمر» فلا بد من ملاحظة جميع الروايات ليحصل الإلزام، ولا يكفي الرواية الواحدة كما لا يخفى. ومنها ما رواه الإمامية مرفوعا أنه ﷺ قال: «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في بطشه وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب». وجه التمسك به أن مساواة الأمير للأنبياء العظام في صفاتهم الجليلة قد علمت به، والأنبياء أفضل من غيرهم، والمساوي للأفضل أفضل، فيكون علي أفضل من غيره، والأفضل متعين للإمامة. وفيه أما أولا، فإن هذا الحديث ليس من أحاديث أهل السنة بل أورده الحلي في كتبه

стр. 444

ونسبه تارة للبيهقي وتارة للبغوي أخرى وليس في كتبهما أثر منه. أفبالافتراء يحصل الإلزام وبالبهتان ينال المرام؟ وقد أوجب أهل السنة لقبول الحديث في غير الكتب الصحاح التنصيص من الثقة على صحته. فبمثل هذا لا يلزمون وينحوه لا يعبأون. وأما ثانيا فهو محض تشبيه بلا شك ولا تمويه، كقوله: لا تعجبوا من بلى غلالته ... وقد زر أزراره على القمر وقال المتنبي: نشرتْ ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا وأقل ما يلزم مما لا بد منه الاستعارة، ومبناها على التشبيه وفهم المساواة منه كمال الحماقة. أفيدعي عاقل مساواة الكف للبرق في قوله: أرى بارِقاً بالأبرقِ الفَرْدِ يومِضُ ... يُذَهِّبُ ما بَيْنَ الدُّجى وَيُفَضِّضُ كَأَنَّ سُلَيْمى مِنْ أَعاليهِ أَشْرَفَتْ ... تَمدُّ لنا كفّاً خَضيباً وتَقْبِضُ على أنه قد روي عند أهل السنة تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وموسى. رواه الحاكم عن ابن مسعود وصححه في قصة مشاروة النبي ﷺ لهما في أسارى بدر، فإنه قال: "إن هؤلاء كانوا مثل إخوة لكم كانوا من قبلهم، قال

стр. 445

نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وقال موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وقال إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ " وأما ثالثا فلأن مساواة الأفضل في صفة لا تكون موجبة لأفضلية المساوي، لأن ذلك الأفضل له صفات أخر قد صار بسببها أفضل. وأما رابعا فلأن الأفضلية ليست موجبة للزعامة الكبرى كما مر غير مرة. وأما خامسا فكتب العلم ملأى من مثل هذه الأحاديث في حق الشيخين، فلا يثبت التفضيل، فتصفح والله تعالى الهادي. ومنها ما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال «من ناصب عليا في الخلافة فهو كافر». نقول لا أثر لهذا الأثر في كتب أهل السنة، بل نسب ابن المطهر الحلي روايته إلى الأخطب الخوارزمي. والحلي خوّان في النقل. والأخطب من غلاة الزيدية. ومع هذا لم يرد في كتابه المؤلف في مناقب الأمير. وعلى التسليم فلا اعتبار به لمخالفته للأحاديث الصحيحة المروية في كتب الإمامية، من نحو قول الأمير في نهج البلاغة: «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج». ولئن اعتبر فمضمونه لا يتحقق إلا إذا طلب الأمير الخلافة وانتزعت عن يده،

стр. 446

وهو لم يطلبها في زمن الثلاثة، لأنه كان مأمورا بالسكوت والتقية كما هو محرر في كتب الإمامية. وأيضا قد سمى الله تعالى في كتابه منكر خلافة الثلاثة في آية الاستخلاف كافرا، قال تعالى: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ والمعنى من أنكر خلافة أولئك بعد استماع هذه الآية والعلم باستخلافهم فأولئك هم الكاملون في الفسق، والكامل فيه هو الكافر كما لا يخفى. فتدبر. ومنها ما رواه الشيعة أن الرسول ﷺ قال: «كنت أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين: فجزء أنا، وجزء علي بن أبي طالب». وهذا الحديث موضوع بإجماع أهل السنة، وفي إسناده محمد بن خلف المروزي. قال يحيى بن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك ولم يختلف أحد في كذبه. ويروى من طريق آخر وفيه جعفر بن أحمد، وكان رافضيا غاليا كذابا وضاعا. والحديث

стр. 447

معارض بحديث: «أول من خلق الله نوري» و «أنا من نور الله وكل شيء من نوري». (١) وأيضا قد ثبت اشتراك الخلفاء مع علي في رواية أحسن من هذه. وهي ما رواه الإمام الشافعي بإسناده عنه ﷺ أنه قال: «كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما خلق أسكننا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة حتى نقلني إلى صلب عبد الله ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ونقل عمر إلى صلب الخطاب ونقل عثمان إلى صلب عفان ونقل عليا إلى صلب أبي طالب». وبعد اللتيا والتي لا يدل على المدعى أصلا، لأن اشتراك الأمير في نور النبي لا يستلزم وجوب إمامته بلا فصل فليبينوا ودونه خرط القتاد. ولا بحث لنا في قرب النسب وإنما الكلام في أن ذلك القرب موجب للإمامة بلا فصل أم لا. فلو كان مجرد القرب من النسب موجبا للتقدم في الإمامة لكان العباس أولى بالإمامة كما لا يخفى. فإن قالوا العباس لحرمانه من النور لم يحصل له لياقة للإمامة، قلنا: إن كان مدار التقدم في الإمامة على قوة النور وكثرته فالحسنان حينئذ أولى من الإمام. أما القوة فلأن النور حصة النبي ﷺ وصلت إليهما ولا شك في قوتها. وأما الكثرة فلأنهما كانا جامعين لنوري النبي ﷺ والأمير، وهو ظاهر. ومنها ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه»

стр. 448

وهذا الحديث على الرأس والعين. لكن أين الملازمة بين المحبة والإمامة بلا فصل؟ وأيضا هذا الإثبات له لا ينفي عما عداه. كيف وقد قال تعالى في الصديق ورفقائه: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ وفي أهل بدر: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾، ومحبوب الله تعالى محبوب الرسول ﷺ . وفي أهل قباء: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين﴾ وقال النبي ﷺ لمعاذ: «إني أحبك». ولما سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة» قيل: ومن الرجال؟ قال: «أبوها». ولما كان كلامهم إلزاميا كان للاستدلال بالمذكور محال فلا تغفل، والتخصيص هنا باعتبار المجموع، لأن الفتح في الأزل على يد الأمير، أو دفعا لشبهة أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، أو للتمهيد بالمشترك كما تقول العرب: فلان رجل عاقل، مع أن المقصود إثبات العقل دون الرجولية، فافهم.

стр. 449

ومنها: «رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار» هذا مسلم أيضا لكن أين الإمامة بلا فصل. وقد جاء في حق عمار بن ياسر: «الحق مع عمار حيث دار» وفي حق عمر أيضا: «الحق بعدي مع عمر حيث كان»، والتفاوت بيّن، سيما عند الشيعة من أن الدعاء منه ﷺ غير لازم الإجابة، فقد دعا ربه بجمع أصحابه على محبة علي فلم يحصل كما روى ابن بابويه القمي. على أن البعض قد استدل بهذا الحديث على صحة خلافة الثلاثة بقياس المساواة، وهو الحق مع علي وعلي مع الثلاثة فالحق معهم. ودليل الكبرى صلاته معهم، وقد ثبت القضاء ومبايعته لهم ونصحه في أمور الرئاسة، فقد ذكر في النهج أن الأمير قال لعمر حين استشاره في غزوة الروم: «متى تسير إلى هذا العدو بنفسك فتكسر وتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، وليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فأرسل إليهم رجلا مجربا وأحضر معه البلاغة والنصيحة، فإن أظهره الله تعالى فذلك ما تحمد، وإن تكن

стр. 450

الأخرى كنت أنت درء الناس ومثابا للمسلمين». وقد مرت نصيحة أخرى حين أراد أن يخرج عمر رضي الله تعالى عنه إلى دفع فتنة نهاوند، حيث قال له الأمير كرم الله تعالى وجهه: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة .. » إلخ. والعجب من الشيعة [أنهم] يقولون هذا ونحوه لقلة الأعوان والأنصار، ثم يروون ما يناقضه، كما روى أبان بن عياش عن سليم بن قيس الهلالي وغيره أن عمر قال لعلي: «لئن لم تبايع أبا بكر لنقتلنك، قال له علي: لولا عهد عهده إلى خليلي لست أخونه لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا». فهذه الرواية تدل بالصراحة على كثرة الأعوان وأن السكوت لما سمعه من النبي ﷺ بصحة إمامة الصديق. والدليل العقلي يؤيده، لأن النبي ﷺ لا يليق بمقامه أمر مثل الإمام بتعطيل أمر الله وحرمان الأمة من لطفه واتباع أهل الباطل. كيف وقد قال الله تعالى في زمان الكلفة والمشقة وقبل تمام الدين: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ أفيأمر أسد الله بعد تمام الدين بالجبن والخوف وإفساد أمر المسلمين وترك تبليغ الأحكام واتباع الفساق والظلام: ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ حاشاه ثم حاشاه، أولئك مبرؤون مما يقولون. وقال ابن طاوس سبط أبي جعفر الطوسي إن ترك منازعة الإمام وإظهار الرضى في الأحكام كان اقتداء بأفعال الله تعالى، وهي إمهال الجاني والتأني في المؤاخذة، والتأني محمود والعجول لا يسود. وقد ارتضى هذا الجم الغفير ممن يدعي أنه شيعة الأمير. وهو مما يضحك المغبون ويتعجب منه العاقل والمجنون، كيف والاقتداء بأفعال الله تعالى فيما نهى عنه الشرع غير جائز فضلا عن أن يكون واجبا، إذ الباري قد ينصر الكفرة ويعين الفجرة ويخذل الصلحاء ويقدر الرزق على العلماء، أفيجوز الاقتداء بهذه

стр. 451

الأفعال؟ سبحانك ربنا هذا الداء العضال. وأما ما قيل: «تخلقوا بأخلاق الله» (١) فبابه المكارم دون الأحكام، وإلا فمن لم يصل ولم يصم ولم يفعل الطاعات أينجو يوم القيامة؟ ثم ما قاله من التأني المحمود فهو في غير طاعة الملك المعبود. قال تعالى في مدح المتعجلين: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ وفي غيرهم: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾. والإمام له منصب الهداية والإرشاد فكيف يجوز له التأني وبه تفوت كثير من الواجبات. ولو قالوا: تأني الأمير كان بالأمر فلا يلزم ترك الواجبات، قلنا: إذًا إمامته غير متحققة، وإلا فالنصب والأمر [له بالتأني] غير معقول كما لا يخفى. وأيضا إذا كان الأمير مأمورا من الله تعالى بالتأني وإخفاء الإمامة وترك دعواها يكون المكلفون في ترك مبايعته وإطاعة الآخر معذورين، فلو خالفوا ونصبوا غيره لحفظ دينهم ودنياهم وتمشية مهماتهم في هذه المدة لا يكون للعتاب والعقاب لهم محل أصلا، فتدبر. ومنها ما رواه زيد بن أرقم عن النبي ﷺ أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي» هذا مسلم أيضا لكن لا مساس له بالمطلوب. سلمنا، ولكن قد صح أيضا: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» و «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». سلمنا، ولكن العترة في لغة العرب الأقارب، فلو دل على الإمامة لزم إمامة الجميع، وهو

стр. 452

باطل لا سيما إمامة عبد الله بن عباس وابن الحنفية وزيد بن علي وإسحاق بن جعفر الصادق وأمثالهم من أهل البيت، فتدبر. مطلب الأدلة العقلية أما الأدلة العقلية فهي حبائل خيالية ووسوسة شيطانية. منها أن الأمام يجب أن يكون معصوما، وغير الأمير من الصحابة لم يكن معصوما، فكان هو إماما لا غيره. وفي هذا الترتيب نظر يظهر لذي نظر، وفيه بعدُ منع. أما الصغرى فلأن الأمير نص بقوله: «إنما الشورى للمهاجرين والأنصار» على أن الشورى لهم فقط، وبديهي عدم العصمة فيهم. ولمّا سمع قول الخوارج: «لا إمرة» قال: «لا بد للناس من أمير بر أو فاجر» كذا في نهج اليلاغة. وأيضا طريق العلم بالعصمة لغير النبي ﷺ مسدود، إذ أسباب العلم ثلاثة: الحواس السليمة، والعقل، وخبر الصادق. ولا سبيل لأحد منها إلى تحصيله. أما الأول فظاهر إذ العصمة ملكة نفسانية تمنع من صدور القبائح وهي غير محسوسة. وأما الثاني فلأن العقل لا يدرك الملكة إلا بطريق الاستدلال بالآثار والأفعال، وأين الاستقراء التام في المقام، سيما مكنونات الضمائر من العقائد الفاسدة والحسد والبغض والعجب والرياء ونحوها. ولو فرضنا الاطلاع على عدم الصدور فأين عدم إمكانه وهو المقصود. وأما الثالث فلأن خبر الصادق إما متواتر أو خبر الله ورسوله. وظاهر أن التواتر لا دخل له هنا، إذ يشترط انتهاؤه إلى المحسوس في إفادة العلم ولا انتهاء إذ لا محسوس. وخبر الله والرسول لا يكون موجبا للعلم هنا على أصول الشيعة لإمكان البداء عندهم.

стр. 453

وأيضا وصول الخبر إلى المكلفين إما بواسطة معصوم أو بواسطة تواتر، ففي الأول يلزم الدور، وفي الثاني يلزم خلاف الواقع، لأن كل تواتر ليس مفيدا للعلم القطعي عند الشيعة، كتواتر المسح على الخف، وغسل الرجلين في الوضوء، و ﴿أمة هي أربى من أمة﴾، وصيغة التحيات ونحو ذلك. فلا بد من التعيين، وذلك غير مفيد، إذ حصول العلم القطعي من التواتر يكون بناء على كثرة الناقلين وبلوغهم ذلك المبلغ، ولما كذب الناقلون في مادة أو مادتين ارتفع الاعتماد عن اقسامه. ولا يرد هذا في الأنبياء للمعجزة وبتميزهم على غيرهم. وفرق بين التابع والمتبوع فافهم. وأما الكبرى فلأن الأمير قال لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنني لست بفوق أن أخطئ ولا آمن من ذلك في فِعلي» كذا في النهج. وهذا لا يصدر من معصوم، لا سيما وبعده: «إلا أن يلقي الله في نفسي ما هو أملك به مني» والمعصوم يملكه الله تعالى نفسه. وأيضا روي في دعاء الأمير: «اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي» كذا في النهج أيضا، فليتدبر حق التدبر. ومنها أن الإمام لا بد من أن لا يرتكب الكفر قط، لقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ والكافر ظالم لقوله تعالى: ﴿والكافرون هو الظالمون﴾، وغير الأمير من الصحابة عبدوا الأصنام في الجاهلية، فيكون هو إماما دون غيره. وفيه ما في الأول. والنقض بابن عباس. لا يقال اشتراط العصمة تدفعه لأنا نقول بعد التسليم، فالدليل ذاك لا هذا كما لا يخفى. وأيضا من تاب وآمن وعمل صالحا لا يصدق عليه الظلم، إذ تقرر أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفي غيره بشرط الاطراد

стр. 454

والتعارف مجاز، فلا يقال للشيخ صبي وللنائم مستيقظ وللحي ميت. وأيضا قد روى الزاهدي من الحنفية في معالي العشر في حديث طويل أن أبا بكر قال للنبي ﷺ بمحضر من المهاجرين والأنصار: «وعيشك يا رسول الله إني لم أسجد للصنم قط، فنزل جبريل ﵇ وقال: صدق أبو بكر» وكذا نقل أهل السير والتواريخ، فصحت إمامته بملاحظة هذا الشرط، ولله تعالى الحمد. ومنها أنه ادعى الإمامة وأظهر المعجزة كدحي باب خيبر والقصة معلومة وحمل الصخرة في صفين إذ عطش القوم وحفروا بئرا فصادفوا صخرة عظيمة في الأثناء وعجزوا عن قلعها فقلعها الإمام، ومحاربة الجن في غزوة بني المصطلق ورد الشمس وهي مشهورة، فيكون إماما. وفيه أما أولا فلأن إظهار المعجزة خاص بالأنبياء عند دعوى النبوة، إذ لا سبيل للعلم بها إلا به، وفي الغير لا تثبت دعوى رجل على آخر بإثبات خارق على آخر بإثبات خارق دون شهود. [ولما كانت] الإمامة متعلقة بتعيين النبي ﷺ أو أمته من يصلح لذلك، فلا تكون معجزة دليلا هنا.

стр. 455

وأما ثانيا فلأن الإظهار لم يكن من عند الدعوى، ودعوى ذلك محض كذب، فالرد والدحي والمحاربة في زمن النبي ﷺ ، ولا دعوى بالإجماع. على أن ذلك من معجزاته ﷺ لا من معجزاته رضي الله تعالى عنه. وحمل الصخرة على تقدير تسليمه لم ينقل مقارنته للدعوى، وعلى تقدير النقل فالإمامة إذ ذلك حق له دون غيره عندنا أيضا وليس محل النزاع. ومحاربة الجن لا أثر لها في كتب أهل السنة أيضا. ومنها أن الأمير كان متظلما ومتشكيا من الخلفاء الثلاثة دائما في حياته، وبيّن أنه مظلوم ومقهور، وما ذاك إلا لغصب الإمامة منه، فتكون الإمامة حقه دون غيره، إذ الأمير صادق بالإجماع. وأنت تعلم أن هذا الدليل غير مذكور بتمامه، فإن كبراه مطوية وهي «وكل من كان كذلك فهو إمام» فيلزم من بعد تسليمه أن يكون كل من أوذي منهم بحد أو قصاص ونحو ذلك إماما، وهو باطل. واعتبار القيود الأخر يبطل التعدد ويجعله حشوا. وأجيب عن هذا الدليل بمنع صحة تلك الروايات، لأن أهل السنة لم يثبت عندهم إلا روايات الموافقة والمناصحة والثناء والذكر الجميل ونحو ذلك. وأكثر روايات الإمامية في هذا الباب موافقة لروايات أهل السنة كما تقدم نقله عن الأمير في نهج البلاغة في قصة عمر، ومن ثنائه عليهم وذكرهم بالخير في حياتهم وبعد مماتهم. وروايات أهل السنة في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها رواية واحدة رواها الحافظ أبو سعيد بن السمان في كتابه الموافقة وغيره من المحدثين عن محمد بن عقيل بن أبي طالب: أنه لما قبض أبو بكر الصديق وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله ﷺ ، فجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول: «اليوم انقطعت خلافة النبوة» فوقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال: «رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستروحه وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول قومه

стр. 456

إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله ، وأحوطهم على رسول الله وأشفقهم عليه، وأحدبهم على الإسلام، وأمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله ﷺ هديا وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا، وأشرفهم عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا. كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدّقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ فالذي جاء بالصدق محمد ﷺ ، والذي صدق به أبو بكر. وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة، ثاني اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله . أحسنت الخلافة حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي. نهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله ﷺ في أصحابه إذ كنت خليفته حقا، ولم تنازع ولم تدفع برغم المنافقين وكيد الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين وزيغ الباغين. قمت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين تعتعوا ومضيت نفوذا إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قوة وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا. كنت والله للدين يعسوبا حين نفر الناس عنه وآخرا حين فشلوا. كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار ما طلبوا ورجوا. أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا وجليت عنهم فأبصروا. كنت على

стр. 457

الكافرين عذابا صبا وللمؤمنين رحمة وأنسا وحصنا، فطرت والله بعبابها وفزت بجنابها وذهت بفضائلها وأدركت سوابقها، لم تقلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك، كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله ﷺ أمن الناس عليه في صحبتك وذات بلدك، وكما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق. والقريب والبعيد عندك سواء. أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له. شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم، فبلغت والله بهم نهج السبيل وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا، فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك وهدت مصيبتك الأنام. فإنا لله وإنا إليه راجعون».

стр. 458

المطلب الرابع في بيان صاحب الزمان ذهبت جماهير الإمامية والكيسانية كلهم إلى أن المنتظر وهو المهدي وهو حي موجود إلا أنه مختف من خوف الأعداء. واختلفت الإمامية فيه اختلافا كثيرا، وافترقوا إلى نيف وعشرين فرقة. والاثنا عشرية والثلاث عشرية منهم يقولون إنه محمد بن الحسن العسكري وإنه مختف وسيخرج من سرداب بسر من رأى وقد اختفى فيه وكان عمره حينئذ أربع وقيل خمس. وأنكر غيرهم ذلك وقالوا لم يخلّف العسكري ولدا، ولذا أخذ ميراثه أخوه جعفر وانتقلت الإمامة إليه. ومنهم من يقول مات أبوه وهو في بطن أمه. ومنهم من يقول ولد قبل موت أبيه بسنتين لكنه مات. وافترقوا عشرين فرقة. وذهبت الكيسانية إلى أنه محمد بن الحنفية. وذهبت فرقة من الإسماعيلية إلى أنه إسماعيل بن جعفر. ووزعمت جماعة منهم أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر. وذهبت فرقة من الإمامية إلى أن المهدي محمد بن علي الباقر. وذهبت فرقة إلى أنه جعفر بن محمد الصادق. وذهبت فرقة إلى أنه موسى بن جعفر الكاظم. وزعمت جماعة أن المهدي هو

стр. 459

محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وذهبت فرقة إلى أنه أبو القاسم محمد بن علي الحسن السبط، وهو الذي حبسه المعتصم فبقي سنة في الحبس وأخرجوه وذهبوا به فلم يعرف له خبر. وذهبت فرقة إلى أنه محمد بن عبد الله بن الحسين. وقالت فرقة إنه يحيى بن عمر من أحفاد زيد بن علي بن الحسين. وزعمت فرقة من الإسماعيلية أنه إسماعيل بن جعفر الصادق. وأخرى أنه محمد بن إسماعيل. وجميع هذه الأقوال محض وهم وخيال. والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن المهدي هو رجل من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. أخرج أحمد والماوردي أنه ﷺ قال: "المهدي من عترتي يخرج في اختلاف الناس وزلزالهم فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ويرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض". وفي رواية أبي داود والترمذي: "اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ويقسم المال صحاحا بالسوية ويملأ قلوب أمتي غني ويسعهم عدله". وفي رواية للحاكم: "يحل في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه لا يجد الرجل ملجأ .. فيبعث الله رجلا من عترتي وأهل بيتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يحبه ساكن الأرض وساكن السماء ويرسل قطرها وتخرج الأرض نباتها لا يمسك منهم

стр. 460

شيئا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع". وروى الطبراني والبزار نحوه. وفي رواية للطبراني: "عشرين سنة". وروى أبو نعيم أنه قال ﷺ : "ليبعثن الله من عترتي رجلا أقرن الثنايا أجلح الجبهة" وفي وراية الطبراني والروياني: "وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي" إلى غير ذلك من الروايات. وما ذهب إليه الشيعة من تعيين اسمه وأنه ولد واختفى فما أنزل به من سلطان. كيف والاختفاء ينافي الغرض المقصود من نصب الإمام من إقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ النظام وحماية الإسلام وزجر الأنام عن القبائح والآثام. وقد صح عن أمير المؤمنين أنه قال: "لا بد للناس من إمام بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ فيها الأمن ويأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر". وهو ناص على أن الإمام يجب أن يكون ظاهرا. وقد سبق في أول هذا المقصد تتمة لهذا الكلام. وعلى الله التوكل وبه الاعتصام.
следующие страницы →