إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله ، وأحوطهم على رسول الله وأشفقهم عليه، وأحدبهم على الإسلام، وأمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله ﷺ هديا وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا، وأشرفهم عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا. كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدّقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ فالذي جاء بالصدق محمد ﷺ ، والذي صدق به أبو بكر. وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة، ثاني اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله . أحسنت الخلافة حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي. نهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله ﷺ في أصحابه إذ كنت خليفته حقا، ولم تنازع ولم تدفع برغم المنافقين وكيد الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين وزيغ الباغين. قمت بالأمر حين فشلوا ونطقت حين تعتعوا ومضيت نفوذا إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قوة وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا. كنت والله للدين يعسوبا حين نفر الناس عنه وآخرا حين فشلوا.
كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار ما طلبوا ورجوا. أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا وجليت عنهم فأبصروا. كنت على
стр. 457
الكافرين عذابا صبا وللمؤمنين رحمة وأنسا وحصنا، فطرت والله بعبابها وفزت بجنابها وذهت بفضائلها وأدركت سوابقها، لم تقلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك، كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله ﷺ أمن الناس عليه في صحبتك وذات بلدك، وكما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق. والقريب والبعيد عندك سواء. أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له. شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم، فبلغت والله بهم نهج السبيل وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا، فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك وهدت مصيبتك الأنام. فإنا لله وإنا إليه راجعون».
стр. 458
المطلب الرابع في بيان صاحب الزمان
ذهبت جماهير الإمامية والكيسانية كلهم إلى أن المنتظر وهو المهدي وهو حي موجود إلا أنه مختف من خوف الأعداء. واختلفت الإمامية فيه اختلافا كثيرا، وافترقوا إلى نيف وعشرين فرقة. والاثنا عشرية والثلاث عشرية منهم يقولون إنه محمد بن الحسن العسكري وإنه مختف وسيخرج من سرداب بسر من رأى وقد اختفى فيه وكان عمره حينئذ أربع وقيل خمس. وأنكر غيرهم ذلك وقالوا لم يخلّف العسكري ولدا، ولذا أخذ ميراثه أخوه جعفر وانتقلت الإمامة إليه. ومنهم من يقول مات أبوه وهو في بطن أمه. ومنهم من يقول ولد قبل موت أبيه بسنتين لكنه مات.
وافترقوا عشرين فرقة. وذهبت الكيسانية إلى أنه محمد بن الحنفية. وذهبت فرقة من الإسماعيلية إلى أنه إسماعيل بن جعفر. ووزعمت جماعة منهم أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر. وذهبت فرقة من الإمامية إلى أن المهدي محمد بن علي الباقر. وذهبت فرقة إلى أنه جعفر بن محمد الصادق. وذهبت فرقة إلى أنه موسى بن جعفر الكاظم. وزعمت جماعة أن المهدي هو
стр. 459
محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وذهبت فرقة إلى أنه أبو القاسم محمد بن علي الحسن السبط، وهو الذي حبسه المعتصم فبقي سنة في الحبس وأخرجوه وذهبوا به فلم يعرف له خبر. وذهبت فرقة إلى أنه محمد بن عبد الله بن الحسين. وقالت فرقة إنه يحيى بن عمر من أحفاد زيد بن علي بن الحسين. وزعمت فرقة من الإسماعيلية أنه إسماعيل بن جعفر الصادق. وأخرى أنه محمد بن إسماعيل. وجميع هذه الأقوال محض وهم وخيال.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن المهدي هو رجل من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. أخرج أحمد والماوردي أنه ﷺ قال: "المهدي من عترتي يخرج في اختلاف الناس وزلزالهم فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ويرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض". وفي رواية أبي داود والترمذي: "اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ويقسم المال صحاحا بالسوية ويملأ قلوب أمتي غني ويسعهم عدله". وفي رواية للحاكم: "يحل في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه لا يجد الرجل ملجأ .. فيبعث الله رجلا من عترتي وأهل بيتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يحبه ساكن الأرض وساكن السماء ويرسل قطرها وتخرج الأرض نباتها لا يمسك منهم
стр. 460
شيئا، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع". وروى الطبراني والبزار نحوه. وفي رواية للطبراني: "عشرين سنة". وروى أبو نعيم أنه قال ﷺ : "ليبعثن الله من عترتي رجلا أقرن الثنايا أجلح الجبهة" وفي وراية الطبراني والروياني: "وجهه كالكوكب الدري اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي" إلى غير ذلك من الروايات.
وما ذهب إليه الشيعة من تعيين اسمه وأنه ولد واختفى فما أنزل به من سلطان. كيف والاختفاء ينافي الغرض المقصود من نصب الإمام من إقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ النظام وحماية الإسلام وزجر الأنام عن القبائح والآثام.
وقد صح عن أمير المؤمنين أنه قال: "لا بد للناس من إمام بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ فيها الأمن ويأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر". وهو ناص على أن الإمام يجب أن يكون ظاهرا. وقد سبق في أول هذا المقصد تتمة لهذا الكلام. وعلى الله التوكل وبه الاعتصام.
стр. 461
المطلب الخامس في أن العدالة شرط في الإمامة لا العصمة
ذهبت الشيعة سيما الإمامية والإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون مصتفا بالعصمة، بمعنى امتناع صدور الذنب كما في الأنبياء.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة، لقوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ فكان واجب الطاعة بالوحي ولم يكن معصوما بالإجماع. وقوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فكان قبل النبوة إماما وخليفة وصدر منه ما صدر، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فعصى آدم ربه فغوى﴾ وقوله ﴿ثم اجتباه ربه﴾ والاجتباء في قوله تعالى في حق يونس: ﴿فاجتباه ربه فجعله من الصالحين﴾ والاصطفاء للدعاء ورده إليه لا الاستنباء، إذ قد ثبت بقوله: ﴿وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون﴾ بخلاف ما [نحن] فيه، كذا قيل، فليتأمل.
وروى الكليني في الكافي ما قال الأمير لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ» والحمل على المشورة الدنيوية يأباه الصدر كما لا يخفى.
وأيضا روى صاحب الفصول عن أبي مخنف أنه قال: "كان الحسين يبدي الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول: لو جز أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي". وإذا خطّأ أحد المعصومين الآخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة لامتناع اجتماع النقيضين.
وأيضا في الصحيفة الكاملة للسجاد: «قد ملك الشيطان عناني في سوء الظن
стр. 462
وضعف اليقين، وإني أشكو سوء مجاورته لي وطاعة نفسي له» وظاهر أنه على الصدق. والكذب مناف للعصمة.
وقد أسلفنا قول الأمير: «لا بد للناس» الخ.
ومن أدلة الشيعة على العصمة أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل. بيان الملازمة أن المحوج للنصب هو جواز الخطأ للأمة، فلو جاز الخطأ عليه أيضا لافتقر إلى آخر وهكذا، فيتسلسل.
ويجاب بمنع أن المحوج ما ذكر، بل المحوج تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد وحفظ بيضة الأسلام مثلا، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة، بل الاجتهاد والعدالة كافيان. ولما لم يكن إثم على التابع إذ ذاك استوى جواز الخطأ وعدمه. سلمنا، لكن التسوية ممتنعة بل تنتهي السلسلة إلى النبي. سلمنا، لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة عند الإمامية، وليس بمعصوم إجماعا، فيلزم ما لزم، والجواب هو الجواب.
ومن أدلتهم أنه حافظ للشريعة، فكيف الخطأ؟
ويجاب بالمنع، بل هو مروِّج، والحفظ بالعلماء لقوله تعالى: ﴿والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ وقوله تعالى: ﴿كونوا ربانيين بما كنتم تدرسون﴾. وأيضا إذا كان الحفظ بالعلماء زمن الفترة وفي الغيبة على ما في كشكول الكرامة للحلي ففي الحضور كذلك. سلمنا، لكن الحفظ بالكتاب والسنة والإجماع، لا بنفسه، ويمتنع الخطأ في هذه الثلاثة، والآراء لا دخل لها في صلب الشريعة، فلا ضرورة في حفظها. سلمنا، ولكن ذلك منقوض بالنائب.
وقد يقال بأن وجود المعصوم لو كان ضروريا للأمن من الخطأ لوجب أن يكون في كل قطر بل في كل بلدة، إذ الواحد لا يكفي للجميع بل هو مستحيل بداهة لانتشار المكلفين في الأقطار، والحضور مستحيل عادة، ونصب نائب لا يفيد لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك سيما في الغيبة الكبرى والوقائع اليومية، والإطلاق ممنوع، وعلى تسليمه الإعلام إما برسول ولا عصمة، أو بكتاب والتلبيس جائز. على أن الفهم إنما هو باستعمال قواعد الرأي وضوابط القياس، والكل مظنة الخطأ، فلا يحصل المقصود إلا بنصب معصوم في كل قطر وهو محال.
стр. 463
المطلب السادس في أن الإمامة لا تنحصر في عدد معين
ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة اثنا عشر رجلا. وزعمت النصيرية أن الأئمة ثلاثة عشر. واستدل كل حزب منهم على مدعاه بشبه واهية ودلائل باطلة.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة من عدم الانحصار في عدد معين وأن الشارع لم يعينهم.
وما رواه البخاري بإسناده إلى جابر بن سمرة قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: يكون بعدي اثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، وقال أبي إنه قال: كلهم من قريش" وما رواه أيضا في صحيحه بإسناده إلى ابن عتبة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا. ثم تكلم بكلمة خفيت علي فسألت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ ، قال: قال كلهم من قريش". (١) وروى ذلك مسلم في صحيحه برواية سماك يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "لا يزال أمر الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم يفهمها الرواي فسأل عنها من سمع الحديث فقال: كلهم من قريش" - فلا تفيد الرافضة شيئا، إذ لا يصح حمل الخلفاء على أهل البيت الاثني عشر لتصريح
стр. 464
النبي ﷺ فيها بأن أمر الإسلام يكون عزيزا في أيامهم، ومعلوم عند كل أحد أن أهل البيت -ما عدا علي بن أبي طالب- زعم الرافضة أنهم لم يزالوا خائفين، وكذلك أتباعهم في أيامهم. فأين عزة الإسلام كانت في وقتهم حتى يكونوا هم الخلفاء؟ كيف وقد أطبق الرافضة على أن أمر الإسلام كان في أيامهم خفيا وأن الأئمة أنفسهم كانوا يستترون في أمور دينهم بالتقية. نعم، عزة الإسلام كانت في أيام من ذكره أهل السنة على ما سيجيء، إذ من المعلوم لكل أحد أنهم كانوا يقيمون الحدود ويصلون الجمع والجماعات ويجاهدون الكفار لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ولا يخافون في ذلك لومة لائم ولا قتال مقاتل.
والأحاديث المذكورة لا تدل عند أهل السنة على انحصار الأئمة في عدد معين، بل قالوا إنها دلت على أن قوة الدين وعزة الإسلام والنصرة على الأعداء واستقامة أمور الأئمة يكون في زمان اثني عشر خليفة موصوفين بوصفين، أحدهما كونهم من قريش وثانيهما كونهم تجتمع عليهم الأمة كلهم. ثم اختلفوا في عددهم. فقال بعضهم: هم الخلفاء الأربعة بدليل أن أبا بكر عد منهم، فقد روى أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون خلفي اثنا عشر خليفة أبو بكر لا يلبث إلا قليلا .. " الخ.
стр. 465
فهذا الحديث يدل على أن أول الاثني عشر هو أبو بكر. ثم معاوية فإنه قرشي وقد اجتمعت عليه الأمة عندما نزل له الحسن عن الخلافة. ثم عبد الله بن الزبير فإنه اجتمع عليه الناس بعد موت يزيد إلا بعض بني أمية، حتى إن مروان بن الحكم همّ بالقدوم عليه ليبايعه فمنعه أقاربه وبايعوه. ثم عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير اجتمع عليه الناس. ثم أولاده الأربعة، وتخلل بينهم عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء أحد عشر. ثم ولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك لما مات عمه هشام نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه. ثم لم تتفق الكلمة إلى يومنا هذا لوقوع الفتن بين من بقي من بني أمية وبني العباس، حتى خرج المغرب الأقصى عن طاعة بني العباس بتغلب المروانيين على الأندلس إلى أن تسمّوا بالخلافة. ثم استولى العبيديون على المغرب ومصر. واختلت كلمة بني العباس واستضعفوا، ولم يبق من الخلافة إلا الاسم. ثم كثرت الملوك في الأقطار كما هو مشتهر الآن اشتهار الشمس في رابعة النهار. والثاني عشر المهدي الموعود. وهذا الوجه هو الذي ارتضاه المحققون من محدثي أهل السنة والجماعة. وقال بعضهم غير ذلك.
стр. 466
المقصد الخامس في رد مطاعن الخلفاء الثلاثة وأم المؤمنين وسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم
стр. 467
اعلم أن الشيعة أوقدوا نار الحرب بأسنة الشبه أمام كل لاحب، فعشى إليها كل أعشى غرّه قياس الشبهة ولم يعلم أنه نار الحباحب، وسلكوا كل طرق من طريق الضلال وتمسكوا بما وسوست إليهم شياطينهم من الأفعال والأقوال، حتى أطالوا لسانهم على أصحاب سيد الكونين ورسول الثقلين وحور عين العماء وتورد وجنة النبوة وآدم ﵇ بين الطين والماء، ولم يعلموا أن الله تعالى أخرجه من قشر الإمكان لبابا واختاره من بين أعيان الأعيان واختار له أصحابا فبدو في سماء الدين نجوما وغدوا لشياطين الكفرة الملحدين رجوما.
أرخصوا في الوغي نفوس ملوك ... حاربوها أسلابها إغلاء
كلهم في أحكامه ذو اجتهاد ... وصواب وكلهم أكفاء
رضي الله عنهم ورضوا عنه ... فأنى يخطو إليهم خطاء
ويكفي الرافضة خزيا معاداتهم لمثل هؤلاء الرجال الذين بذلوا أنفسهم ونفيسهم لتشييد الدين الدين ومحو الكفر الضلال، فتفوهوا في حقهم بما لا يخفى بطلانه على صغار المتعلمين فضلا عن الراسخين من العلم من المسلمين. فدونك فانظر فيها وتأمل بظواهرها وخوافيها.
стр. 468
المطاعن الأولى في الصديق الأجل رضي الله تعالى عنه منها أنه صعد يوما على منبر رسول الله ﷺ ليخطب فقال له السبطان: انزل عن منبر جدنا. فعلم أن ليس له لياقة الإمامة.
والجواب بعد التسليم أن السبطين كانا إذ ذاك صغيرين، فإن الحسن ولد في الثالثة من الهجرة في رمضان والحسين في الرابعة منها في شعبان، والخلافة في أول الحادية عشرة، فأفعالهما إن اعتبرت بحيث يترتب عليها الأحكام لزم ترك التقية الواجبة، وإلا فلا نقص ولا عيب، فمن دأب الأطفال أنهم إذا رأوا أحدا في مقام محبوبهم ولو برضائه يزاحمونه ويقولون قم عن هذا المقام. فلا يعتبر في العقلاء هذا الكلام. وهم وإن ميزوا عن غيرهم لكن للصبي أحكام. ولهذا اشترط في الاقتداء البلوغ إلى حد الكمال. ألا ترى أن الأنبياء لم يبعثوا إلا على رأس الأربعين إلا نادرا كعيسى، والنادر كالمعدوم.
ومنها أنه درأ الحد عن خالد بن الوليد أمير الأمراء عنده ولم يقتص منه أيضا. ولهذا أنكر عليه عمر لأنه قتل مالك بن نويرة مع إسلامه ونكح امرأته في تلك الليلة ولم تمض عدة الوفاة.
стр. 469
وجوابه أن في قتله شبهة، إذ قد شهد عنده أن مالك وأهله أظهروا السرور فضربوا بالدف وشتموا أهل الإسلام عند وفاة النبي ﷺ ، بل وقد قال في حضور خالد في حق النبي ﷺ قال: رجلكم أو صاحبكم، وهذا التعبير إذ ذاك من شعار الكفار المرتدين. وثبت عنه أيضا أنه قال لما سمع بالوفاة فردّ صدقات قومه عليهم: "قد نجوتم من مؤنة هذا الرجل". فلما حكي هذا للصديق لم يوجب عليه القصاص ولا الحد إذ لا موجب لهما. فليتدبر. هذا ثم إن الصديق حكم في درء القصاص حكم رسول الله ﷺ ، إذ قد ثبت في التواريخ أن خالدا هذا أغار على قوم مسلمين فجرى على لسانهم: "صبأنا صبأنا" أي صرنا بلا دين، وكان مرادهم أنا تبنا عن ديننا القديم ودخلنا في الصراط المستقيم، فقتلهم خالد حتى غضب عبد الله بن عمر فأخبر النبي ﷺ فأسف وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، ولم يقتص منه ولم يودهم. فالفعل هو الفعل، على أن الصديق أودى.
стр. 470
ويجاب أيضا أنه لو كان توقف الصديق في القصاص طعنا لكان توقف الأمير في قتلة عثمان أطعن، وليس فليس. وأيضا استيفاء القصاص إنما يكون واجبا لو طلبه الورثة، وليس فليس. بل ثبت أن أخاه متمم بن نويرة اعترف بارتداده في حضور عمر مع عشقه له، ومحبته فيه تضرب بها الأمثال، وكان يقول:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ثم إن عمر ندم على ما كان من إنكاره زمن الصديق، فلذا لم يقتص من خالد. والله ولي التوفيق.
ومنها أنه تخلف عن جيش أسامة المجهز للروم مع أنه ﷺ أكد التأكيد الشديد حتى قال: "جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف".
وجوابه إن كان الطعن من جهة عدم التجهز فهذا افتراء صريح، لأنه جهز وهيأ؛ وإن كان من جهة التخلف فله عدة أجوبة. الأول أن الرئيس إذا عين رجلا مع جيش ثم أمره بخدمة من خدمات حضوره فقد استثناه وعزله، والصديق لأمره بالصلاة كذلك، فالذهاب إما ترك الأمر أو ترك الأهم وهو محافظة المدينة المنورة من الأعراب. الثاني أن الصديق قد انقلب له المنصب، لأنه كان آحاد المؤمنين فصار خليفة
стр. 471
النبي ﷺ فانقلبت الأحكام. ألا ترى كيف انقلبت أحكام الصبي إذا بلغ والمجنون إذا عقل والمسافر إذا أقام والمقيم إذا سافر إلى غير ذلك. والنبي ﷺ لما ذهب فالخليفة لكونه قائما مقامه يكون كذلك. الثالث أن الأمر عند الشيعة ليس مختصا بالوجوب، كما نص عليه المرتضى في الدرر والغرر، فلا ضرر في المخالفة. وجملة "لعن الله من تخلف" لم تثبت في كتب أهل السنة. الرابع أن مخالفة آدم ويونس لحكم الله تعالى بلا واسطة عند الشيعة، فالإمام لو خالف أمرا واحدا فلا ضير، فتدبر. الخامس أن الأمر عام يشمل جميع الصحابة، وكان علي منهم، والجواب هو الجواب.
ومنها أن النبي ﷺ لم يؤمّر أبا بكر قط على أمر مما يتعلق بالدين، فلم يكن حريا بالإمامة.
الجواب أن هذا كذب محض. يشهد على ذلك كتب السير والتواريخ. فقد ثبت تأميره لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد، وتأميره أيضا في غزوة بني فزارة كما رواه الحاكم عن سلمة بن الأكوع، وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضا ويعلمهم الأحكام من الحلال
стр. 472
والحرام، وتأميره أيضا بالصلاة قبل الوفاة، إلى غير ذلك مما يطول. ويجاب أيضا على تقدير التسليم بأن عدم الجعل ليس لعدم اللياقة، بل لكونه وزيرا ومشيرا على ما هو العادة. روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني أريد أن أرسل الناس إلى الأقطار البعيدة الممتدة لتعليم الدين والفرائض كما كان عيسى أرسل الحواريين" قال من الحضار: يا رسول الله مثل هؤلاء الناس موجودون فينا كأبي بكر وعمر، قال: "لا غنى لي عنهما إنهما من الدين كالسمع والبصر". وأيضا قال ﷺ : "أعطاني الله أربعة وزراء، وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وأيضا لو كان عدم
стр. 473
الإرسال موجبا لسلب اللياقة يلزم عدم لياقة الحسنين، معاذ الله من ذلك.
ومنها أن أبا بكر ولّى عمر أمور المسلمين مع أن النبي ﷺ ولاه على أخذ الصدقات سنة ثم عزله، فالتولية مخالفة.
ويجاب بأن هذا محض جهالة. أفيقال لانقطاع العمل عزل؟ وعلى تقدير العزل فأين النهي عن توليته كي يلزم المخالفة بالتولية؟ فافهم.
ومنها أن النبي ﷺ جعله وعمر تابعين لعمرو بن العاص وأسامة أيضا، ولو كانا لائقين لأمّرهما.
ويجاب بأن ذلك لا يدل على الأفضلية ونفي اللياقة، إذ المصلحة ربما اقتضت ذلك. فإن عمرا ذا خديعة ومكر وحيل عارفا بمكائد الأعداء، ولم يكن غيره فيها كذلك، كما يولّى مثل هذا لأخذ السارقين وعسس الليل ونحوهما مما لا يولى عليه الأكابر. وأسامة استشهد أبوه على أيدي كفار الشام والروم، فكان ذلك تسلية له وتشفية. وأيضا مقصود النبي ﷺ من ذلك إطلاعهما على حال التابع والمتبوع كما هو شأن تربية الحكيم خادمه، فلا تغفل.
ومنها أن أبا بكر استخلف والنبي ﷺ لم يستخلف، فقد خالف.
ويجاب بأنه ﷺ أشار بالاستخلاف، والإشارة إذ ذاك كالعبارة. وفي زمن الصديق كثر المسلمون من العرب والعجم وهم حديثو عهد بالإسلام وأهله، فلا معرفة لهم بالرموز والإشارات، فلا بد من التنصيص والعبارات حتى لا تقع المنازعات والمشاجرات. وفي كل زمان رجال، ولكل مقام مقال. وأيضا عدم استخلاف النبي ﷺ إنما كان لعلمه بالوحي بخلافة الصديق كما ثبت في صحيح مسلم، ولا كذلك الصديق إذ لا يوحى إليه ولم تساعده قرائن فعمل بالأصلح للأمة. ونعم ما عمل فقد فتح البلاد ورفع ذوي الرشاد وأباد الكفار وأعاذ الأبرار.
ومنها أن أبا بكر كان يقول: "إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني وإن
стр. 474
زغت فقوموني"، ومن هذا حاله لا يليق بالإمامة.
ويجاب بأن هذا غير ثابت عندنا. بل الثابت أنه أوصى عمر قبل الوفاة وقال: "والله ما نمت فحلمت وما شبهت فتوهمت، وإني لعلى السبيل ما زغت ولم آل جهدا، وإني أوصيك بتقوى الله تعالى" الخ. نعم أول خطبة خطبها على ما في مسند الإمام أحمد: "يا أصحاب الرسول، أنا خليفة الرسول، فلا تطلبوا الأمرين الخاصين بالنبي ﷺ الوحي والعصمة من الشيطان" وفي آخرها: "إني لست معصوما، فإطاعتي فرض عليكم فيما وافق سنة الرسول وشريعة الله تعالى من أمور الدين، ولو أمرتكم فرضا بخلافها لا تقبلوه مني ونبهوني". وهذا عين الإنصاف. ولما كان الناس معتادين عند المشكلات الرجوع إلى وحي إلهي وإطاعة النبي المعصوم ﷺ كان لازما على الخليفة التنبيه على الاختصاص بالجناب الكريم. وأيضا روى الكليني في رواية صحيحة عن جعفر الصادق: "إن لكل مؤمن شيطانا يقصد إغواءه". وفي الحديث ما يؤيد هذا أيضا، ومن جملته: "حتى أنت يا رسول الله؟ قال: نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم". فأين الطعن فيما ذكروه. والمؤمن يعتريه الشيطان بالوسوسة فينتبه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. نعم النقصان
стр. 475
الاتباع، وهو بمعزل عنه.
ومنها ما روي عن عمر أنه كان يقول: "كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المؤمنين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه"، وهو صريح في أن خلافته لم تبن على أصل.
والجواب أن هذا لا يدل على طعن في خلافة الصديق، فإن هذا الكلام من عمر ليس محمولا على الذم. وكيف يتصور منه ذلك وقد كانت إمامته بعهد أبي بكر إليه، والقدح في إمامة أبي بكر قدح في إمامته. بل هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول في زمانه: "إن مات عمر أبايع فلانا وأجعله خليفة"، لأن واحدا أو اثنين كانا بايعا أبا بكر أولا فلتة وقد صارت بيعة في آخر الأمر متمكنة حتى تبعه المهاجرون والأنصار كلهم. فمعنى كلام عمر أنها بيعة واحد أو اثنين وإن كانت بلا تأمل ومراجعة، ولكن وصل الحق إلى أهله ولم يقع في غيره موقعه لأجل ما تبين من أدلة خلافته من إمامة الصلاة والقرائن الحالية والمقالية الواقعة من النبي ﷺ في حقه فقط، وقد سبق شيء منها.
стр. 476
وفي صحيح البخاري من فضائل الصديق قال: أتت [امرأة] النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول الموت، قال ﷺ : "إن لم تجديني فأتي أبا بكر". وغير ذلك. ولتحقق أفضليته على سائر الصحابة فلا يقاس عليه غيره. بل إن بايع أحد غيره كذلك فاقتلوه، فإنه ترك ما وجب عليه من التأمل والاجتهاد واجتماع أهل الحل والعقد وصار باعثا للفتنة والفساد بين أهل الإسلام. ويصرح بذلك ما ذكره عمر في آخر كلامه هذا: "وأيكم مثل أبي بكر" في الأفضلية والخيرية وعدم الاحتياج إلى المشورة والتأمل في حقه؟ فعلى هذا يكون معنى قول عمر: "وقى الله شرها" أن خلافة أبي بكر وإن وقعت عاجلة في سقيفة بني ساعدة لكن بفضل الله تعالى الحق استقر مركزه لما ذكرنا. وليس مراد عمر أن بيعة أبي بكر ما كانت صحيحة، لأن عمر وأبا عبيدة بايعاه أولا ثم الآخرون، وقال كل منهما في حقه: "أنت خيرنا وأفضلنا"، فلم ينكر عليهما أحد من المهاجرين والأنصار بل سلموه، فثبت أن كون أبي بكر أفضل عند جميع الصحابة مسلّم الثبوت، ولم يناقش الأنصار في ذلك بل ناقشوه في أن يكون خليفة منهم.
وقد بايعه سعد بن عبادة بعد هذه المناقشة كما ثبت في الروايات الصحيحة. وبايعه بعد ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام واعتذرا عن التخلف بما اعتذرا.
ومنها أنه كان يقول: "أقيلوني أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم"، فإن ذلك
стр. 477
منافٍ لإمامته مع صدقه، وكذا مع كذبه لقبح الكذب من سائر العباد، فكيف من الأئمة المطلوب منهم الهداية إلى جادة السداد والرشاد.
والجواب أن هذا الكلام ليس بثابت عن أبي بكر عند أهل السنة بل هو من مفتريات الرافضة. وعلى تقدير صحته فليس بوارد على أهل السنة أصلا، لأنه لا يلزم تفضيل علي عليه، لأنه إنما نفى خيريته على جميع الصحابة وعلي فيهم، ولا يلزم من نفي ذلك نفي المساواة، فاللازم من كلامه مساواته لهم وعلي فيهم، ولا يلزم من مساواته للجميع مساواته لكل فرد فرد منهم، بل اللازم خيريته على كل فرد فرد بطريق الانفراد ومساواته لجميعهم بطريق الاجتماع. ولو سلمنا أن اللازم من كلامه مساواته لعلي يكون ذلك من تواضعه وهضم نفسه لقيام الأدلة على تفضيله على علي، فيكون هذا الكلام منه على قول النبي ﷺ : "لا تفضلوني" وفي رواية: "لا تخيروني على الأنبياء" وقوله: "من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، مع أنه ﷺ أفضل المخلوقين كلهم الأنبياء وغيرهم بشهادة قوله ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة" رواه البخاري، وقوله:
стр. 478
"أنا سيد العالمين" رواه البيهقي، وغير ذلك من الأحاديث.
وإن أرادوا الطعن بقوله: "أقيلوني" الخ فإنه استعفاء عن الإمامة وهو يدل على عدم اللياقة فعجيب ذلك منهم، لأن الاستعفاء عند الرافضة لا بأس به حتى جوزوه على الأنبياء على ما سبق في مقصد النبوة. وأيضا قد ورد عن علي بن أبي طالب مثل ذلك. فقد ذكر في نهج البلاغة أنه قال للناس بعد قتل عثمان: "دعوني والتمسوا غيري فأنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا"، وقال لهم: "اتركوني فأنا كأحدكم بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم"، فأبوا عليه وبايعوه. وأيضا روي في الصحيفة الكاملة عن السجاد أنه كان يقول في دعائه: "أنا الذي أفنيت في الذنوب عمري"، فإنه إن كان صادقا لا يليق بالإمامة وإن كان كذبا فكذلك لكذبه.
ومنها أن النبي ﷺ أرسله لأداء سورة براءة للناس بمكة ثم عزله عن ذلك ونصب عليا مكانه، ومن لا يصلح لأداء سورة أو بعضها كيف يصلح للإمامة المتضمنة أداء الأحكام لجميع الناس.
والجواب أن هذا الكلام كذب وافتراء لإجماع المحدثين أن النبي ﷺ ولّى أبا بكر إمارة الحج وأن عليا تولى أمر القراءة فقط وأنهما ذهبا جميعا إلى مكة، وكان علي يقتدي بأبي بكر في ذلك السفر ويصلي خلفه ويتابعه في مناسك الحج. وقد صح في كتب الأحاديث والسير أن عليا لما خرج من المدينة مسرعا ووصل قرب أبي بكر وسمع أبو بكر حفيف ناقة رسول الله ﷺ -
стр. 479
اضطرب وظن أن الرسول جاء بنفسه لأداء الحج فأمر الجيش كلهم بالوقوف، فإذا علي طلع عليهم فاستفسر منه بعد ما لاقاه: "أمير أنت أم مأمور؟ " فقال علي: "بل أنا مأمور"، فذهب أبو بكر مع عسكره وخطب قبل التروية وأخذ يبين مناسك الحج على طبق طريق الإسلام. وتولية علي رضي الله تعالى عنه على القراءة يدل على اعتناء النبي ﷺ بالصديق رضي الله تعالى عنه لأن قراءة سورة براءة في هذا الجم الغفير وتبليغها لكل منهم تحتاج إلى التردد الكثير والكلفة الشديدة وإلى رفع الصوت، ولا يمكن لأمير الحج لشغله بتفحص أعمال الحج وحفظ الناس من الفتنة والفساد وما يفسد الإحرام وغير ذلك، فأحب النبي ﷺ أن يؤدي هذا الأمر معه رجل عظيم القدر. ولأن عادة العرب في أخذ العهد ونبذه أن يتولاه الرجل بنفسه أو رجل من خاصة أهله، فأرسل عليا أميرا على القراءة وأبا بكر أميرا على الحج. وأيضا في ذلك مصلحة أخرى، وهي أن يتبين للناس أن العهد والميثاق معتنى بشأنه أشد اعتناء، لذا عيّن له شخصا ولم يجعله من توابع الحج. ولو سلمنا أنه عزل فعزله لم يكن لعدم أهليته لذلك لأنهم أجمعوا على عدم عزله عن إمارة الحج وكفى بها فضيلة، وإذا لم ينعزل عنها ثبت له اللياقة المتضمنة لإصلاح عبادات ألوف مؤلفة من المسلمين المستلزمة لأداء أحكام كثيرة وتعليم مسائل لا تحصى، فكيف لا يكون أهلا لقراءة آيات معدودة بصوت؟ على أن عليا لم ينفرد بذلك.
فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد هذا العام
стр. 480
مشرك ولا يطوف بالبيت عريان"، قال [حميد] بن عبد الرحمن: "ولى ﷺ أبا بكر الحج ثم أردف علي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان". وأيضا عزل عدلٍ يصلح للإمامة قد يكون لمصلحة فلا طعن فيها. وقد عزل الأمير كرم الله تعالى وجهه عمر بن أبي سلمة المخزومي عن ولاية البحرين وكان من خيار شيعته وكتب له: "إني استعملت النعمان بن عجلان [الزرقي] على البحرين ونزعت يدك بلا ذم لك ولا تثريب عليك فقد أحسنت الولاية وأديت الأمانة، فأقبل غير ضنين ولا ملوم ولا متهم ولا [مأثوم] " الخ، مع أن عمر كان أفضل من [الزرقي] حسبا ونسبا.
ومنها أنه منع فاطمة رضي الله تعالى عنه إرثها فقالت له: "يا ابن أبي قحافة ترث أباك ولا أرث أبي"، واحتج بخبر واحد تفرد به وقال إن رسول الله ﷺ -
стр. 481
قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، مع أنه يخالف قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإنه عام يشمل النبي وغيره، وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ فإنه نص على أن الأنبياء يرثون ويورثون.
والجواب أن أبا بكر إنما منع ورثة النبي ﷺ عن الميراث للنص ولم ينفرد هو برواية الحديث. فإن حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبو الدرداء وأبو هريرة أيضا رووه. وأخرج البخاري في صحيحه عن مالك بن أوس البصري أن عمر بن الخطاب قال بمحضر من الصحابة وفيهم علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص: "أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة، يريد بذلك نفسه؟ قالوا: نعم، ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله
стр. 482
هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: نعم". فهذا الخبر مساوٍ للآية القطعية، ولا يخالفها لأنها من العموميات، وتخصيص الكتاب بالسنة جائز من غير نكير. ولأن الإمامية قد روت حديث الميراث في صحاحهم. فقد روى محمد بن يعقوب الرازي في الكافي عن أبي البحتري عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر". وآخره ينص على ذلك أيضا لأن كلمة "إنما" موضوعة للحصر عند الفريقين. ولأن تخصيص الكتاب بخبر الآحاد جائز عند الفريقين. ولأن الآية عام مخصوص البعض كالقاتل والكافر، ودلالته ظنية فهي في الدلالة كخبر الآحاد. ولأن الخطاب للأمة والخبر مبين له. والآية الثانية لا تدل على التعميم فلا تنافي في التخصيص لأن المراد ورثة العلم والنبوة دون المال لما روى الكليني عن أبي عبد الله: "أن سليمان قد ورث داود وأن محمدا ورث سليمان". وأيضا لو كان المراد ميراث المال لم يخصّ سليمان بالإرث فإنه كان له عدة أولاد كما رواه الكليني عنه. وأيضا ما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ
стр. 483
الطَّيْرِ﴾ يدل على ذلك. وقد وقعت هذه الوراثة بهذا المعنى في غير آية من القرآن.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾، وقال تعالى حكاية عن زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ فإنه لما خاف بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل أن يغيروا الدين طلب من الله وليا من صلبه يخلفه في إحياء الدين كما يدل عليه قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾. وأيضا منصب النبوة يأبى طلب ولد يرث ماله، فإن القصد بقاء ذكر الوالد والدعاء له وتكثير سواد الأمة، فمن رامه لغيرها كان معلوما مذموما. وإقرار أمهات المؤمنين في الحجرات لأنها كانت في ملكهن لأنه ﷺ ملكهنّ في حياته. وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ دال على اختصاصهن بها. وإنما دفع سيفه وبغلته ﵊ لعلي لأنه ﷺ أوصى بذلك، ولم يكن علي وراثه. فلا منافاة بين قول أبي بكر وفعله كما زعموه.
ومنها أنه منع فاطمة فدكا، وقد ادعت أنه ﷺ وهبها إياها فلم يصدقها مع عصمتها، فجاءت بعلي وأم أيمن فرد شهادتهما فغضبت عند ذلك، وقد قال ﷺ :
стр. 484
"فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني".
والجواب أن الموهوب لا يصير ملكا للموهوب له إلا بعد التصرف، وكان في يده ﵊ يتصرف فيه كما يشاء إلى أن قضى نحبه. ولم يرد أبو بكر شهادة علي وأم أيمن بل طلب امرأة أخرى ليتم نصاب الشهادة، فلو حكم لكان مخالفا للنص. وعصمة المدعي لا توجب الحكم على وفق دعواه من غير بينة لعموم النص. ولا يقدح فيه غضبها، فإن الوعيد في إغضابها، والضابط في الإغضاب أن يقول الإنسان قولا أو فعلا يقصد بذلك أذى شخص فيغضب به. ولم يقصد أبو بكر أذاها، حاشاه ثم حاشاه عن ذلك، ولكنه حكم حكما شرعيا فغضبت منه. وفاطمة رضي الله تعالى عنها مع نزاهة باطنها وطهارة قلبها كانت من البشر وكان لها نفس، وللنفس صفات تظهرها. وقد غضب موسى غضبا شديدا على أخيه حتى أخذ برأسه يجره إليه وألقى الألواح التي فيها كلام الله، وكان رسولا من أولي العزم وكان هارون أكبر منه. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. والقول بأنه لم يغضب ولكنه أظهر الغضب رجم بالغيب ودعوى بلا دليل.
ولأنه قد وقع منها الغضب مرارا على علي بن أبي طالب كما هو مشهور بين الفريقين. فمن ذلك أنها غضبت عليه لما أراد أن يخطب بنت أبي جهل وجاءت بين يدي أبيها ﷺ باكية وأن النبي ﷺ قال لذلك: "ألا إن
стр. 485
فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما أرابها، فمن أغضبها أغضبني". ومنها أن عليا ناقشها يوما وخرج من البيت ونام على أرض المسجد بلا فراش، فاطلع رسول الله ﷺ على ذلك فجاء فاطمة فسأل: أين ابن عمك؟ قالت: غاضبني فخرج.
ولأنه قد روى البيهقي في كتاب الاعتقاد أن أبا بكر دخل على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه. وروى بسنده عن الشعبي أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاه أبو بكر الصديق فاستأذن عليا فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت. والحمد لله.
وروى صاحب محجاج السالكين وغيره من علماء الشيعة أن هذا الأمر شق
стр. 486
على أبي بكر فحضر على باب بيتها واستشفع من علي حتى رضيت فاطمة عنه. وروى عنه أيضا أن أبا بكر لما رأى فاطمة غضبت وهجرته ولم تتكلم بعد في أمر فذلك ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال لها: "يا ابنة رسول الله أنت محقة فيما ادعيت لكني رأيت رسول الله ﷺ يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يعطي منها قوتكم، فقالت: افعل فيها كما كان يفعل أبي رسول الله ﷺ ، فقال: ولك الله علي أن أفعل فيها ما كان يفعل أبوك، فقالت: والله لتفعلن ذلك؟ فقال: اللهم اشهد، فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه، وكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل". ولأن ابن المطهر الحلي ذكر في كتابه منهاج الكرامة أنه لما وعظت فاطمة أبا بكر في فدك كتب لها كتابا وردها عليها. فلا طعن بعدما ثبت عندهم هذا المقال، ولا قيل ولا قال.
ومنها أنه قطع يد السارق ولم يعلم أن القطع لليمنى.
والجواب أنه قطع يسار السارق للسرقة الثالثة، كما أخرج النسائي عن الحارث بن حاطب اللخمي والطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقطع مرة يسرى سارق أقطع اليد والرجل كما أخرج مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن
стр. 487
أبيه. ولم يثبت عند أهل السنة أنها قطعت للسرقة الأولى. ولو سلمنا ذلك فأبو بكر من أهل الاجتهاد، فيحتمل أنه كان يرى بقاء الآية على إطلاقها، فإن الآية شاملة لكلا الأمرين، وأن قطعه ﵇ يمين السارق في السرقة الأولى ليس على الحتم بل الإمام مخير في ذلك. وإنما وقع الإجماع على قطع الرجل في السرقة الثانية بعد أبي بكر.
ومنها أنه أحرق من أتى رجلا في دبره، وقد نهى النبي ﷺ عن التعذيب بالنار.
والجواب أن هذا الخبر لم يثبت بإسناد يحتج به، وإنما رواه البعض عن أبي ذر بإسناد ضعيف. وعلى فرض صحته لا يدل على أنه أحرقه حيا. وقد روى سويد بن غفلة أنه أمر به فضربت عنقه ثم أمر به فأحرق. واعترف به المرتضى. ولأن ترك العمل بخبر الواحد لا يوجب الطعن لأنه يحتمل أن يكون ذلك لما عنده من مخصص أو ناسخ أو ما يحمل الأمر به على الندب والنهي على التنزيه أو لم يثبت الخبر عنده. ولأنه ذكر المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة أن عليا أحرق رجلا أتى غلاما في
стр. 488
دبره، وهو بظاهره يدل على أنه أحرقه حيا. ولأنه لو ثبت أنه أحرقه حيا فإنما فعل ذلك بأمر علي، فقد أخرج البيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا بإسناد جيد عن محمد بن المنكدر والواقدي في كتاب الردة في آخر ردة بني سليم أن أبا بكر لما استشار الصحابة في عذاب اللوطي قال علي: أرى أن يحرق بالنار، واجتمع رأي الصحابة على ذلك، فأمر به أبو بكر فأحرق بالنار. وما ذكره بعضهم أن الفجاءة وهو رجل من بين سليم كان يقطع الطريق في خلافة أبي بكر فأتوا به مع رجل من بني أسد يقال له شجاع بن زرقاء ينكح في دبره نكاح المرأة، فتقدم أبو بكر فأمر أن يؤجج لهما نار عظيمة ثم زج الفجاءة فذهب فيها مشدودا فكلما مسته النار سال فيها وصار فحمة ثم زج شجاعا فيها غير مشدود فلما اشتعلت النار في بدنه خرج منها وأحرق بعد زمان فقال الناس في المدينة: "أوحى من عقوبة الفجاءة" فذهبت مثلا؛ فلم يصح. والصحيح إحراق ابن الزرقاء. وعلى فرض صحته فلا مطعن فيه لموافقة علي في ذلك. والمثل لا يدل على أن تلك العقوبة كانت بالإحراق.
ومنها أنه لم يعرف ميراث الجدة وحكم الكلالة.
والجواب أن عدم العلم ببعض المسائل لا يقدح في الإمامة. روى عبد الله بن بشر
стр. 489
أن علي بن أبي طالب سئل عن مسألة فقال: "لا علم لي بها" ثم قال: "وأبردها على كبدي إن سئلت عما لا أعلم فأقول: لا علم لي بها" رواه سعدان بن نصير. ولأن داود ﵇ لم يعرف ما هو الحق من الحكم ﴿فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، ولأن يونس ﵇ لم يعلم أن الله لا يخلف الميعاد كما زعمت الشيعة على ما سبق. وروى صاحب قرب الإسناد من الإمامية عن إسماعيل بن جابر أنه قال: قلت لأبي عبد الله في طعام أهل الكتاب فقال: لا تأكله، ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تنزها، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير"، فإن نهيه عن أكل الطعام ثم سكوته ثم أمره آخرا بالتنزه يدل على تردده فيه. ولأن صاحب الزعامة لا يلزم أن يكون عالما بجميع المسائل، فإن طالوت قد آتاه الله الملك مع أنه كان لا يعرف كثيرا من الأحكام الشرعية، وقوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ المراد منه علم الحروب، مع أنه لا يدل على أنه عالم بجميع الأحكام بحيث لا يشذ عن علمه حكم، وإنه لم يكن أعلم من نبي زمانه، بل كان داود ﵇ أعلم منه. والله الموفق للسداد وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
стр. 490
المطاعن الثانية في حق الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه منها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما طلب قرطاسا ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده منع عمر قول النبي ﷺ ورد الوحي لأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ورد الوحي كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
والجواب أنا لا نسلم أن جميع ما ينطق به النبي ﷺ عن وحي، لأنه لو كان كذلك لكان كل ما ينطق به مما علمه شديد القوى، وليس بالاتفاق. والآية لا تدل على ذلك، فإن الظاهر أن الضمير عائد إلى القرآن، وإرجاعه إلى كل ما ينطق تعسف، مع أن مجرد الاحتمال يبطل الاستدلال. ولأن الحق الذي اتفق عليه الفرق الإسلامية حتى الإمامية خلاف ذلك كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ولأنه لو كان ينطق به عن وحي لم يعاتب على إذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك واتخاذ الأسرى وتحريم ما أحل الله. ولأن قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ناصّ على أن ليس كل ما ينطق عن وحي، فإنه لو كان الإذن عن وحي لم يقل له ﴿لِمَ أَذِنْتَ﴾. ولأنهم يعتقدون أن الله تعالى فوّض أمر دينه إليه فحلل ما شاء وحرم ما شاء كما قدمنا ذلك في
стр. 491
مقصد النبوة، فكيف يكون جميع ما يصدر عنه عن وحي؟
روى محمد بن الحنفية عن أبيه قال: قد كان كثر على مارية القبطية أم إبراهيم ﷺ في ابن عم لها قبطي كان يزورها ويختلف إليها، فقال النبي ﷺ : "خذ هذا السيف وانطلق فإن وجدته عندها فاقتله" فلما أقبلت نحوه علم أني أريده وأتى نخلة فرقى إليها ثم رمى بنفسه على قفاه وشعر برجليه فإذا به أجب أمسح ما له ما للرجال لا قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "الحمد لله الذي صرف عنا الرجس أهل البيت". كذا ذكره المرتضى في كتاب الدرر والغرر. فلو كان كل ما ينطق به النبي ﷺ عن وحي لكان أمره عليا بقتل القبطي عن وحي، ولا يقول به ذو لب. ولأن عليا خالف أمره ﷺ ، فقد روى محمد بن بابويه في الأمالي والديلمي في إرشاد القلوب: أن رسول الله ﷺ أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال لها أعطيها عليا ومريه أن يشتري لأهل بيته طعاما، وقد غلبهم الجوع، فأعطتها عليا وقالت إن رسول الله ﷺ أمرك أن تبتاع لنا طعاما، فأخذها علي وخرج من بيته ليبتاع طعاما لأهل بيته فسمع رجلا يقول: من يقرض الله الملي الوفي، فأعطاه الدراهم". فقد خالف أمر الرسول وتصرف في مال الغير. ولأن الشريف المرتضى ذكر في الدرر والغرر أن مجرد أمر الرسول لا يقتضي الوجوب. فلذلك راجع النبي ﷺ مراجعة خفيفة في ذلك حيث قال لمن اختلف من أهل البيت وتنازع في الأمر: حسبكم كتاب الله، ولم يخاطب النبي ﷺ بشيء قصدا للتخفيف عليه عند شدة الوجع وقرب الوفاة مع ما غشيه من الكرب من بعد التكلم. وليست المراجعة حكما بخلاف ما أنزل الله.
стр. 492
وقد راجع النبي ﷺ ربه تسع مرات بإشارة موسى الكليم ﵇ كما ذكر ابن بابويه في كتاب المعراج.
وراجع موسى ربه: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ حيث قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، فلم تكن المراجعة ردا للوحي. ولأن خبر القرطاس كما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس هو أنه اشتد برسول الله ﷺ جدا فتنازعوا فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه، فذهبوا يروون عنه فقال: "دعوني ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال نسيتها". وفي رواية: وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب قال: غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله. وهو يدل على أن أهل البيت اختلفوا في الأمر، وإنما رجح عمر قول من ذهب إلى عدم الاحتياج لما عرف أن الأمر لم يكن جزما منه لأنه لم يبالغ فيه ولم يقل أولا ولا آخرا إن الله أمرني أن أكتب كتابا، فكأنه ﵊ أمر بالكتابة حين بدى له مصلحة ثم ظهر له أن المصلحة تركه فلم يكرر القول ولم يبالغ فيه ولم ينكر على من رأى أن المصلحة ترك الكتابة، فسكت عنها وأوصاهم بالأمور الثلاثة.
стр. 493
ولأن النبي ﷺ كان مأمورا باستشارة الصحابة لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وكان عظماؤهم إذا أمرهم بأمر يراجعونه، فإن كان المأمور به جزما ما أمرهم به ولا تركه برأيهم. وقد راجعه علي حين استخلفه على المدينة فقال: "أتخلفني في النساء والصبيان". ولأنه تعالى قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، فإنه ناص على أنه قد يوافقهم في بعض من الأمر. ولأنه لو كان مأمورا بها من عند الله لأمضاه ولم يلتفت إلى قول من خالفه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. ولأن سكوته ﷺ دال على أنه رضي بما أشار به عمر.
ولأن الإمامية روت أنه ﷺ رد ما أوحي إليه في غدير خم ولم يأتمر بما أمره ربه، وقد سبق ذلك في مباحث النبوة. ولأنهم رووا عن الأئمة أنهم حكموا بخلاف ما أنزل الله في كثير من الأحكام، وذلك مثل وطئ أمة الغير بإذنه، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وليس المحلَّلة زوجة ولا ملك يمين، وكجواز الصلاة مع الثوب المطلخ بدم الجروح والقروح، وقد قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وكروايتهم عن الصادق النهي عن تعليم المرأة مسائل الاحتلام، وكروايتهم عن الكاظم النهي عن تعليم الخلق أصول دينهم، وقد أمر الله بذلك.
هذا وأقول إن لهذا الكلام تتمة لم يذكرها المؤلف، فإن أحببت الوقوف عليها فارجع إلى ترجمة التحفة أو مختصرها.
стр. 494
ومنها أنه قصد إحراق بيت فاطمة.
والجواب أن هذا كذب محض. وقد اختلفت كلمتهم في ذلك فالأكثرون منهم على أنه أحرقه، والآخرون قالوا إنه قصد إحراقه ولم يفعل. وكلا القولين باطل. على أن ذلك لو صح لأفسد عليهم أساس دينهم -أعني التقية- لأنهم زعموا أن ذلك كان بسبب إباء علي عن البيعة، مع أن الواجب عليه بمقتضى ما ذهبوا إليه إظهار البيعة تقية.
ومنها أنه أنكر موته ﷺ وحلف أنه لم يمت، ولم يدر أن الموت يجوز عليه حتى تلا أبو بكر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
стр. 495
والجواب أن إنكار موت شخص في وقت معين لا يستلزم إنكار موته مطلقا. وقوله لما تلا أبو بكر هذه الآية المذكورة كأني لم أسمع هذه الآية لا يدل على عدم علمه بها بل على عدم حضوره، ولأن البشر عند تفاقم أمواج الكرب والأحزام قد يجري على لسانه ما لا يعتقده. ولأن عدم العلم بجواز الموت على النبي ﷺ ليس بأعظم من عدم العلم بأنه تعالى يعلم السر وأخفى وأنه منزه عن المكان. وقد صح عند هؤلاء القوم أن موسى كليم الله لا يعلم ذلك.
ومنها أنه كان لا يعلم المسائل الشرعية، فأمر برجم امرأة حاملة فقال له أمير المؤمنين: إن كان عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها من سبيل، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. وأراد أن يرجم مجنونة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يبرأ ويعقل وعن الطفل حتى يحتلم". ولم يعلم أن الميت لا يحد فإنه غير مكلف، وقد ضرب ابنه أبا شحمة حد الزنا ولم يتم مائة جلدة حتى مات فضربه ما بقي بعد موته. ولم يعلم حد