Полный текст (641 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
مقصد النبوة، فكيف يكون جميع ما يصدر عنه عن وحي؟
روى محمد بن الحنفية عن أبيه قال: قد كان كثر على مارية القبطية أم إبراهيم ﷺ في ابن عم لها قبطي كان يزورها ويختلف إليها، فقال النبي ﷺ : "خذ هذا السيف وانطلق فإن وجدته عندها فاقتله" فلما أقبلت نحوه علم أني أريده وأتى نخلة فرقى إليها ثم رمى بنفسه على قفاه وشعر برجليه فإذا به أجب أمسح ما له ما للرجال لا قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "الحمد لله الذي صرف عنا الرجس أهل البيت". كذا ذكره المرتضى في كتاب الدرر والغرر. فلو كان كل ما ينطق به النبي ﷺ عن وحي لكان أمره عليا بقتل القبطي عن وحي، ولا يقول به ذو لب. ولأن عليا خالف أمره ﷺ ، فقد روى محمد بن بابويه في الأمالي والديلمي في إرشاد القلوب: أن رسول الله ﷺ أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال لها أعطيها عليا ومريه أن يشتري لأهل بيته طعاما، وقد غلبهم الجوع، فأعطتها عليا وقالت إن رسول الله ﷺ أمرك أن تبتاع لنا طعاما، فأخذها علي وخرج من بيته ليبتاع طعاما لأهل بيته فسمع رجلا يقول: من يقرض الله الملي الوفي، فأعطاه الدراهم". فقد خالف أمر الرسول وتصرف في مال الغير. ولأن الشريف المرتضى ذكر في الدرر والغرر أن مجرد أمر الرسول لا يقتضي الوجوب. فلذلك راجع النبي ﷺ مراجعة خفيفة في ذلك حيث قال لمن اختلف من أهل البيت وتنازع في الأمر: حسبكم كتاب الله، ولم يخاطب النبي ﷺ بشيء قصدا للتخفيف عليه عند شدة الوجع وقرب الوفاة مع ما غشيه من الكرب من بعد التكلم. وليست المراجعة حكما بخلاف ما أنزل الله.
стр. 492
وقد راجع النبي ﷺ ربه تسع مرات بإشارة موسى الكليم ﵇ كما ذكر ابن بابويه في كتاب المعراج.
وراجع موسى ربه: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ حيث قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، فلم تكن المراجعة ردا للوحي. ولأن خبر القرطاس كما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس هو أنه اشتد برسول الله ﷺ جدا فتنازعوا فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه، فذهبوا يروون عنه فقال: "دعوني ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال نسيتها". وفي رواية: وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب قال: غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله. وهو يدل على أن أهل البيت اختلفوا في الأمر، وإنما رجح عمر قول من ذهب إلى عدم الاحتياج لما عرف أن الأمر لم يكن جزما منه لأنه لم يبالغ فيه ولم يقل أولا ولا آخرا إن الله أمرني أن أكتب كتابا، فكأنه ﵊ أمر بالكتابة حين بدى له مصلحة ثم ظهر له أن المصلحة تركه فلم يكرر القول ولم يبالغ فيه ولم ينكر على من رأى أن المصلحة ترك الكتابة، فسكت عنها وأوصاهم بالأمور الثلاثة.
стр. 493
ولأن النبي ﷺ كان مأمورا باستشارة الصحابة لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وكان عظماؤهم إذا أمرهم بأمر يراجعونه، فإن كان المأمور به جزما ما أمرهم به ولا تركه برأيهم. وقد راجعه علي حين استخلفه على المدينة فقال: "أتخلفني في النساء والصبيان". ولأنه تعالى قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، فإنه ناص على أنه قد يوافقهم في بعض من الأمر. ولأنه لو كان مأمورا بها من عند الله لأمضاه ولم يلتفت إلى قول من خالفه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. ولأن سكوته ﷺ دال على أنه رضي بما أشار به عمر.
ولأن الإمامية روت أنه ﷺ رد ما أوحي إليه في غدير خم ولم يأتمر بما أمره ربه، وقد سبق ذلك في مباحث النبوة. ولأنهم رووا عن الأئمة أنهم حكموا بخلاف ما أنزل الله في كثير من الأحكام، وذلك مثل وطئ أمة الغير بإذنه، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وليس المحلَّلة زوجة ولا ملك يمين، وكجواز الصلاة مع الثوب المطلخ بدم الجروح والقروح، وقد قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وكروايتهم عن الصادق النهي عن تعليم المرأة مسائل الاحتلام، وكروايتهم عن الكاظم النهي عن تعليم الخلق أصول دينهم، وقد أمر الله بذلك.
هذا وأقول إن لهذا الكلام تتمة لم يذكرها المؤلف، فإن أحببت الوقوف عليها فارجع إلى ترجمة التحفة أو مختصرها.
стр. 494
ومنها أنه قصد إحراق بيت فاطمة.
والجواب أن هذا كذب محض. وقد اختلفت كلمتهم في ذلك فالأكثرون منهم على أنه أحرقه، والآخرون قالوا إنه قصد إحراقه ولم يفعل. وكلا القولين باطل. على أن ذلك لو صح لأفسد عليهم أساس دينهم -أعني التقية- لأنهم زعموا أن ذلك كان بسبب إباء علي عن البيعة، مع أن الواجب عليه بمقتضى ما ذهبوا إليه إظهار البيعة تقية.
ومنها أنه أنكر موته ﷺ وحلف أنه لم يمت، ولم يدر أن الموت يجوز عليه حتى تلا أبو بكر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
стр. 495
والجواب أن إنكار موت شخص في وقت معين لا يستلزم إنكار موته مطلقا. وقوله لما تلا أبو بكر هذه الآية المذكورة كأني لم أسمع هذه الآية لا يدل على عدم علمه بها بل على عدم حضوره، ولأن البشر عند تفاقم أمواج الكرب والأحزام قد يجري على لسانه ما لا يعتقده. ولأن عدم العلم بجواز الموت على النبي ﷺ ليس بأعظم من عدم العلم بأنه تعالى يعلم السر وأخفى وأنه منزه عن المكان. وقد صح عند هؤلاء القوم أن موسى كليم الله لا يعلم ذلك.
ومنها أنه كان لا يعلم المسائل الشرعية، فأمر برجم امرأة حاملة فقال له أمير المؤمنين: إن كان عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها من سبيل، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. وأراد أن يرجم مجنونة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يبرأ ويعقل وعن الطفل حتى يحتلم". ولم يعلم أن الميت لا يحد فإنه غير مكلف، وقد ضرب ابنه أبا شحمة حد الزنا ولم يتم مائة جلدة حتى مات فضربه ما بقي بعد موته. ولم يعلم حد
стр. 496
شرب الخمر. وأنه لقن الشهود. فهذه كلها تدل على قلة معرفته.
والجواب عن رجم الحاملة أنه لم يثبت، وعلى ثبوته فلعله لم يعلم بالحمل. وهو وإن كان محتاطا في الأحكام يمكن أن يطرأ عليه ذهول أو نسيان، وقد نسي آدم وموسى وفتاه كما نطق به الكتاب، ونسي النبي ﷺ كما رواه الكليني وأبو جعفر الطوسي عن أبي عبد الله كما تقدم، وكذا الأئمة كما رواه الطوسي عن [عبيد الله] الحلبي: "أن الإمام أبا عبد الله كان يسهو في صلاته ويقول في سجدة السهو: بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وعلى آل محمد". وقوله: "لولا علي لهلك عمر" أراد به ما يعتريه من الحزن والغم بعد العلم بكونها حامل. وقد أمر النبي ﷺ بقتل القبطي بمجرد التهمة من غير جرم واحتياط منه في القتل. أو إن عمر علم بالحمل لكنه لم يعلم أنه نفخ فيه الروح، وإذا كان الحمل مضغة أو علقة يجب الحد لعدم الحياة ولا حجة للمنكر. ولأنه روي عن النبي ﷺ أنه أمر عليا بإقامة الحد على امرأة حديثة بنفاس فلم يقمه خشية أن تموت، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال:
стр. 497
أحسنت دعها حتى ينقطع دمها ثم أقم عليها الحد.
وأما إرادة رجم المجنونة فلم يثبت عند أهل السنة. وعلى فرض ثبوته فلعله لم يعلم بجنونها، كما لم يعلم النبي ﷺ بنفاس المرأة، وذلك لسكوتها وفقد أمارات الجنون. وعلى فرض علمه بجنونها يحتمل أن جنونها لم يبلغ إلى درجة المنع من الحد، فلما روى علي الحديث عمل بإطلاقه أو علم أن عليا كان أعلم بها منه. ولأن ابن بابويه القمي روى في فقيه من لا يحضره الفقيه أن عليا كان يأمر بإقامة حد السرقة على الصبي قبل أن يحتلم. وهذا يدل دلالة صريحة بأنه لم يعمل بما رواه وخالف رسول الله ﷺ . فعمر أراد إقامة الحد على من رفع عنه القلم مرة واحدة مع احتمال الذهول وعدم العلم بالمانع، وعلي أمر بإقامة حد السرقة على كل صبي يسرق وحكم به حكما جازما ومؤبدا مع علمه بكونه لم يحتلم. فلا يسوغ لهم الطعن على عمر في ذلك.
وأما حد الميت فهو أيضا من مفترياتهم. والصحيح أنه ضربه مائة جلدة ومات بعد حين من الحد.
وأما حد شرب الخمر فإنه لم يقدّر في زمن رسول الله ﷺ لشرب الخمر حد، وكان رسول الله ﷺ يحد شارب الخمر بضرب الجريد
стр. 498
والنعال، وضرب مرة شارب خرم بجريدتين نحو أربعين كما رواه مسلم في صحيحه. ثم جلد أبو بكر أربعين. ثم لما أفضت الخلافة إلى عمر استشار الصحابة في حد الخمر فقال له علي: "أرى أن تجلد ثمانين جلدة"، واتفق على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ . وقد صح ذلك عن الإمامية كما ذكره الحلي في منهاج الكرامة.
وأما تلقين الشاهد فكذب أيضا. والصحيح ما ذكره ابن جرير الطبري والإمام البخاري والحافظ عماد الدين بن الأثير والحافظ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي والشيخ شمس الدين المظفر سبط ابن الجوزي في تواريخهم هو: أن المغيرة بن شعبة كان أمير البصرة وكان الناس يلقونه فكتبوا إلى عمر أنه زنى بامرأة يقال لها أم جميل وعليه شهود، فأمر أن يقدموا عليه جميعا المغيرة والشهود، فلما قدموا مجلس عمر فدعا بالمغيرة والشهود فتقدم واحد منهم فقال: رأيته بين فخذيها، فقال عمر: لا والله حتى
стр. 499
تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، فقال: نعم أشهد على ذلك، ثم دعا شاهدا آخر فقال: علام تشهد؟ فقال: على شهادة الأول، فقال: هلا تشهد أنه يولج فيها ولوج المرود في المكحلة؟ قال: نعم حتى بلغ قدره، ثم دعا الشاهد الثالث فقال له: علام تشهد؟ فقال: على شهادة صاحبيّ، ثم دعا الرابع وكان غائبا، فلما حضر قال: ما عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين رأيته جالسا ونفسا حسيسا وانتهازا، ورأيته مستبطنها ورجلين كأنهما أذنا حمار، فقال عمر: رأيته كالميل في المكحلة؟ فقال: لا، فأمر عمر أن يضرب كل من الشهود ثمانين سوطا. وقد روى ابن بابويه القمي في الفقيه أنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين وأقر بالسرقة إقرارا تقطع به يده فلم يقطعها.
ومنها أنه منع عن المغالاة في المهر. فقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن عمر بن الخطاب أمر على المنبر أن لا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره، فذكّرته امرأة من جانب المسجد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ
стр. 500
وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر.
والجواب أنه ليس فيما ذكر طعن على عمر أصلا. وأما تسليمه للمرأة فلم يكن عجزا عن جوابها وإنما كان لمزيد أدبه مع كلام الله تعالى، إذ لا يليق بحال أهل الإيمان أن يصرفوا بإزائه فنون العلم وتوجيهات الجرح وأن يتكلموا بلم، بل لا يستقيم لهم إلا التسليم لظاهر الكلمات. وليس مقصود المرأة من تلاوة هذه الآية إثبات رضاء الله تعالى بمغالاة المهور، وإلا لكان ذلك مخالفا لفهم النبي ﷺ معاني الكتاب، لأن النهي عن ذلك وارد عن النبي ﷺ . فقد روى الخطابي في غريب الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "تياسروا في الصداق فإن الرجل يعطي المرأة حتى يبقى في نفسه حسيكة". وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من خير النساء أيسرهن صداقا". وعن عائشة عنه ﷺ -
стр. 501
أنه قال: "يمن المرأة تسهيل أمرها في صداقها". وروى أحمد والبيهقي مرفوعا بإسناد جيد: "أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا". وغاية ما يثبت من الآية جواز المغالاة ولو مع الكراهة، مع ذلك إن الآية ليست نصا في أن هذا القنطار مهر، إذ يحتمل أن يكون عطاء الحلي وغيره لا بطريق المهر، فإن الزوج لا يصح له الرجوع عن هبة زوجته خصوصا إذا أوحشها بالطلاق، والنهي عما يجوز لمصلحة هي نصيحة للمؤمنين في حفظ أموالهم من الإضاعة والإسراف لا شك في جوازه. فقد نهى النبي ﷺ زيدا عن طلاق زينب مع أن الطلاق جائز بلا شبهة. وقد نهى علي أهل الكوفة عن تزويج الحسن مع أن التزويج جائز بلا شبهة حيث قال: "يا أهل الكوفة لا تجوزوا الحسن فإنه مطلاق للنساء".
وأما قوله: "كل أحد أعلم من عمر" فإنه من باب التواضع وحسن الخلق، فإنه لو أبطل استنادها بالتوجيهات الحقة لم ترغب بعد ذلك في استنباط المعاني من كتاب الله، فأظهر ذلك استحسانا لها واعترافا بالقصور على نفسه على زعمها ليكون بعد ذلك لها ولغيرها تحريض على تتبع معاني القرآن واستنباط الدقائق منه. وهذه منقبة عظيمة لعمر مخصوصة به. وإلا فأي رئيس ذي اقتدار يرضى أن يكون مغلوبا لامرأة يحضور الأعيان والأكابر؟ فالطعن عليه بهذه القصة من عدم الإنصاف. ولو فرضنا أن عمر لم يتأت له ارتجالا جوابا ما لكنه كان يمكنه أن يقول: اقتلوا هذه المرأة فإني أذكر سنة النبي وهذه الجاهلة تقابلها بالكتاب، ألم يفهم النبي معاني الكتاب كما هي وتفهم هذه المرأة أحسن منه؟
стр. 502
وقد صدر من علي هذه القصة، فقد أخرج ابن جرير وابن عبد البر عن محمد بن كعب قال: سأل رجل عليا عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، قال علي: أصبت وأخطأنا، وفوق كل ذي علم عليم.
وينبغي أن يعلم أن عمر لو لم يعلم المسألة وفهمها غيره بأحسن وجه لا يسلب لياقة الإمامة كما في قصة داود وسليمان ﵉. فقد روى ابن بابويه في الفقيه عن أحمد بن عمر الحلبي قال: سألت أبا الحسن عن قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ قال: حكم داود برقاب الغنم، وفهّم الله سليمان الحكم لصاحب الحرث لينتفع بمنافعها من اللبن والصوف ويدفع الأرض إلى صاحب الغنم ليبذر ويزرع له، فإذا بلغ الحرث كهيئة يوم أكل يدفعه إلى أهله ويأخذ غنمه". ولو فرضنا أن الله تعالى فهم امرأة حكم مسألة واحدة ولم يفهمه عمر لا يضر عمر ذلك كما لم يضر داود في مثل هذه الواقعة.
ومنها أنه منع أهل البيت خمسهم الذي هو سهم ذوي القربى لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
والجواب أن الأئمة ليسوا بنص المدعى لاحتمال أنهم مصارفه لا على سبيل الاستحقاق، فجاز الاقتصار على صنف واحد. وقد ذهب الإمامية إلى أنه يجوز أن يخص بالخمس طائفة، نص عليه أبو القاسم الملقب عندهم بالمحقق صاحب الشرائع والأحكام وغيره، ومستنده ما روي عن الأئمة الكرام. ولأن أمير المؤمنين لم يخالفه في قسمة
стр. 503
الخمس. وقد ثبت أنه خالف عمر وغيره من الخلفاء في مسائل توافق رأيه. وقد أخرج الطحاوي والدارقطني عن محمد بن إسحاق أنه قال: "سألت أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أن علي بن أبي طالب لما ولي أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك به والله مسلك أبي بكر وعمر". وزاد الطحاوي: "فقلت فكيف أنتم تقولون ما تقولون؟ فقال: والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه". ولأن رواية المنع معارضة برواية الإعطاء. فقد أخرج أبو داود عن [عبد الرحمن] بن أبي ليلى عن علي: "أن أبا بكر وعمر قسما سهما لذوي القربى". وأخرج أبو داود أيضا عن جرير بن مطعم: "أن عمر كان يعطي ذوي القربى خمسهم". ولأنه لم يرو أحد أن عمر منع جميع ذوي القربى حقهم، فلعله منع من له
стр. 504
ثروة وصرفه إلى من هو دونهم. ولا محذور في ذلك.
ومنها أنه أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة التراويح.
والجواب أن صلاة التراويح لم تكن محدثة، فقد صلاها النبي ﷺ في ثلاث ليال من رمضان جماعة، ولم يجرها مجرى سائر النوافل كما رواه أبو داود والترمذي وصححه وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي ذر، ولكن لم يواظب عليها، وبيّن العذر في تركه المواظبة على ذلك بقوله: "إني خشيت أن تفرض عليكم" لما أخرج البخاري ومسلم عن عائشة أنه ﷺ "صلى في المسجد وصلى بصلاته ناس، ثم صلى ﷺ من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي [صنعتم] فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت [أن تفرض] عليكم»، وذلك في رمضان". وقد نبه على العلة لتشعر بثبوت الحكم عند ارتفاعها، فهي سنة وليست ببدعة. وقول عمر: "نعمت البدعة هي" فإنما أراد بها معناها اللغوي، وهو المحدث، لأنها اسم من الابتداع بمعنى الإحداث كالرفعة من الارتفاع، وعنى بها المواظبة على الجماعة. ولأن البدعة هي ما أحدث في الدين وليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 505
وسنة الخلفاء الراشدين ليست من البدعة في شيء لقوله ﵊: «من عيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» أخرجه الترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية. فإنه ناص على أن فعل الخلفاء ليس من البدعة. وكذا إجماع الأمة لقوله ﷺ : "لا تجتمع على ضلالة". وقد سبق أن الأئمة أحدثوا صلاة الغدير وصلاة النيروز وصلاة يوم وفاة عمر، وغير ذلك مما هو مذكور في كتبهم. فكيف يطعنون على عمر في ذلك؟
стр. 506
ومنها أنه قضى في الجد مائة قضية.
والجواب أن هذا لا أصل له، بل هو من مفترياتهم. وعلى فرض التسليم إنا لا نسلم أن الحد الذي قضى فيه قد قدّر له عدد معين في عهد رسول الله ﷺ . والمدعي مطالب بالدليل. وقد ذكر غير واحد من الإمامية أنه قضى في حد الخمر، فلا طعن حينئذ، لأن حده لم يكن مقدرا في زمن الرسول ﵊ كما سبق، ولأنه يحتمل أن تكون الزيادة على الثمانين لأمر آخر كما زاد على الثمانين حين أتي بالنجاشي الحارثي الشاعر قد شرب الخمر في رمضان، كما رواه محمد بن بابويه القمي في فقه من لا يحضره الفقيه.
стр. 507
ومنها أنه نهى عن متعة النساء ومتعة الحج، وقد كانتا في عهد النبي ﷺ ، فنسخ حكم الله وحرم ما أحل الله.
والجواب أن نهيه عن متعة النساء لنهي النبي ﷺ عنها نهيا مؤبدا يوم أوطاس. فقد أخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه قال: "رخص رسول الله ﷺ المتعة [عام] أوطاس ثلاثا ثم نهى عنها". وإنما رخص للمضطرين من العسكر لا جميع المسلمين، كما رخص للزبير لبس الحرير لدفع تولد القمل، ثم نهاهم نهيا مؤبدا. وأخرج أيضا أنه ﷺ قال: «قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا». وروى مالك وجماعة من المحدثين عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أنه قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي بالنهي عن المتعة". وتحريمها بعد أن كان أمر بها، فمن بلغه النهي انتهى عنها، ومن لم يبلغه النهي كان يقول
стр. 508
بالإباحة، فلما علم ذلك عمر في إبان خلافته نهى عنها وبالغ في النهي. ولأن الله تعالى لم يحل للرجال من النساء إلا الزوجة والسرية. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، وهذه الآية نص على حرمة المتعة لأن المرأة التي في عقد المتعة ليست من الأزواج لما رواه أبو بصير عن الصادق: أنه سئل عن المتعة أهي من الأربع؟ قال: "لا ولا من السبعين". ولانتفاء أحكام الزوجة عنها من العدة والإيلاء والظهار والإحصان واللعان والإرث، ولا هي من ملك اليمين، وهو ظاهر. ولأن الاستمتاع بالنساء إنما يحل إذا صار الزوج محصنا لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ والمتمتع ليس بمحصن.
واستدلوا على إباحة المتعة بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وذلك من وجهين: الأول أنه لو لم تحمل عليها لزم أن لا يجب شيء من المهر على من لا ينتفع من الزوجة الدائمة لأنه تعالى علق إيتاء الأجر بالاستمتاع فلا يجب بدونه، وهو خلاف الإجماع فإن الإجماع على أنه لو طلقها قبل أن يمسها يلزم نصف المهر وإلا لزم المهر. الثاني أن المتعة بمعنى العقد المؤقت حقيقة شرعية وفي غيره مجاز، فلو حمل على غير المتعة لزم المجاز ولا يصار إليه من غير ضرورة.
والجواب عن الأول أن الآية إذا دلت على عدم لزوم شيء من المهر فيما ذكر لا يضر لأن
стр. 509
النصف إنما ثبت بالسنة والإجماع ولأنه سبحانه علق إيتاء الأجر بالاستمتاع، والنصف ليس بأجر لأن الأجر بأداء العمل. وعن الثاني أنا لا نسلم أن المتعة حقيقة شرعية فيما ذكر لاحتمال أن تكون حقيقة لغوية أو عرفية، وإنما يثبت ذلك لو ثبت أن هذا العقد لم يكن في الجاهلية أو كان ولم يكن مسمى بهذا اللفظ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد. ولأن المراد بالنساء الزوجات، ومن التمتع التمتع بالوطئ بالنكاح، فإن [ذلك] مسوق لبيان ما أحل من النساء وإيتاء ما فرض لهن من مهورهن أو بملك اليمين وما حرم منهن، ولأن قوله تعالى: ﴿مِنْهُنَّ﴾ نص على أن المراد بالاستمتاع الوطئ بالنكاح دون المتعة، فإن المتمتع ليس بمحصن. قال البهائي في كتابه المسمى بوسائل الشيعة: "إن من تمتع لا يكون محصنا ومن تزوج أو وطأ بملك اليمين يكون محصنا". واستدل على ذلك برواياته عن أهل البيت وأطال الكلام في ذلك، فلا يجوز أن يستدلوا على الإباحة ولا يجوز حمل الإحصان على التعفف لأن الإحصان لفظ شرعي معناه تحصين النفس عن الوقوع في الزنا.
واستدلوا على الإباحة أيضا بما في مصحف مسعود: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ "إلى أجل مسمى". وكان ابن عباس يقرأ كذلك وكذا أبي بن كعب.
والجواب أن هذه القراءة غير ثابتة عند أهل السنة. ولو سلمنا ثبوتها فهي قراءة منسوخة وهي لا تستعمل في إثبات الأحكام مع كون القراءة المشهورة بل المتواترة تخالفها. ولو سلمنا ذلك لا نسلم دلالتها على المتعة أيضا لأن لفظ "إلى أجل مسمى" متعلق بالاستمتاع لا بنفس العقد، والمدة المتعينة في المتعة إنما تكون بنفس العقد لا بالاستمتاع.
стр. 510
وأما ما يحكى عن عبد الله بن عباس في المتعة من إباحتها عند الاضطرار فقد رجع عنه كما ورد في روايات صحيحة منها ما رواه ابن النحاس عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس: "إنك رجل تائه، إن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة". وكان هذا هو السبب لرجوع ابن عباس عن القول بإباحتها إلى القول بأنها منسوخة. وأخرج الطبراني والطيالسي عن سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: لا أفتي بحل المتعة، أتدري ما صنعت ربما أفتيت فسارت بفتياك الركبان وقالت فيها الشعراء، قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:
قد قال لي الشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت منها إلا ما أحله الله من الميتة والدم ولحم الخنزير. وأخرج البيهقي من طريق ابن شهاب الزهري قال: "ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفتيا". وروى الترمذي عن ابن عباس قال: "إنما المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلد ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى إذا نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال ابن عباس: كل فرج سواهما فهو حرام.
стр. 511
هذا والمتعة التي تزعم الرافضة إباحتها هي أن يقول الرجل للمرأة: متعيني بنفسك مدة كذا بكذا، وتقول المرأة: قبلت، من غير حضور شهود. وهي التي أباحها النبي ﷺ لأصحابه عند الضرورة ثم نهى عنها نهيا مؤبدا مؤكدا. ولو قال لها متعيني بنفسك بكذا وذكر قدرا من المال بحضور الشهود وقبلت المرأة ثم قال: إذا مضت مدة كذا فأنت علي حرام أو أنت طالق، صح عند أبي حنيفة وغيره من الفقهاء. وكذا لو وكلته امرأة بأن يزوجها من نفسه بمحضر من الشهود: وكلتني فلانة بأن أزوجها من نفسي فزوجتها من نفسي على صداق كذا وإذا مضى شهر فهي علي حرام وكان كفؤا له صح النكاح عند الحنفية خلافا لزفر، وإذا مضى الشهر حرمت المرأة عليه. وكذا لو قال زوجت نفسي من موكلتي وجعلت أمرها بيدي صح عند الحاكم الشهيد، كما ذكره في المنتقى، وكذا عند الخصاف. قال شمس الأئمة الحلواني: لا يجوز عند مشائخنا ومشائخ بلخ ما لم يذكر اسمها.
وأما متعة الحج، أعني تأدية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته، فعمر لم يمنعها قط. ورواية منعها عنه افتراء صريح. نعم إنه كان يرى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعهما في إحرام واحد وهو القِران، أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وغيرهم لقوله
стр. 512
تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فأوجب سبحانه الهدي على المتمتع لا على المفرد لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج إذا حصل فيه قصور ونقص. ولأنه ﷺ حج في حجة الوداع مفردا، واعتمر في عمرة القضاء وعمرة الجعرانة كذلك ولم يحج فيها، بل رجع إلى المدينة مع وجود المهلة.
وأما ما رووا من قول عمر: "وأنا أنهى عنهما" فمعناه أن الفسقة وعوام الناس لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ إلا أن يحكم عليهم الحاكم أو السلطان ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه، فلذلك أضاف النهي إلى نفسه، فالإضافة إضافة مجاز والمراد أنا أظهر النهي، كما يقال نهى الشافعي عن شرب كل مسكر قليلا كان أو كثيرا. والإضافة لأدنى ملابسة شائعة. على أنه صح عند الإمامية أن الأئمة أباحوا التحليل ففسخوا حكم الله وحللوا ما أحل الله.
стр. 513
المطاعن الثالثة في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه منها أنه ولى أمر المسلمين من ظهر منه الخيانة.
والجواب أنا لا نسلم ذلك، بل إنه ولى من كان له حسن الظن به ولم يعلم الغيب، والمرؤ إنما يعرف بالمعاملة، ومن ظهر منه الخيانة عزله. ولأن أمير المؤمنين ولّى غير واحد ممن ظهر منه الخيانة، منه بعض بني أعمامه كما يدل عليه كتابه الذي في نهج البلاغة، وهو هذا: "أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجل في أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الأمة قد فنكت (أي بعدت) وشغرت (اشتدت) قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمك آسيت ولا الأمانة أديت، وكأنك لم تكن على بينة من ربك وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتبتغي غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة واختطفت ما قدرت عليه من الحملة أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه كأنك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك، فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد؟ أوَما تخاف نقاش الحساب؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما
стр. 514
وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد، فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار" الخ.
ومنهم المنذر بن الجارود العبدي، وقد كتب له هذا الكتاب وهو في النهج أيضا: "أما بعد، فإن صلاح أبيك غرني وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله، فإذا أنت فيما رتي (أي رفع) لي عنك لا تدع لهواك انقيادا ولا تبقي لآخرتك عتادا، تعمر دنياك بخراب آخرتك وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك ومن كان بصفتك، فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة أو يؤمن على جباية، فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله". مع أن عليا يعلم أحوال من يوليه لأن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة بإجماع الإمامية، فقد روى محمد بن يعقوب الكليني وغيره بأسانيدهم ما ينص على ذلك. وقد ولّى زيادا المتجسم من محض الفساد، بل هو بشهادته على نفسه وشهرة ذلك بين أبناء جنسه. ولو ذكرنا نبذة من قبيح أفعاله وشيئا من فحش أقواله لاسود وجه
стр. 515
القرطاس وهان فعل إبليس بالنسبة إلى فعله لدى الناس. ومن طالع مكاتبات الأمير كرم الله تعالى وجهه المذكورة في النهج تبين له حال عماله بأوضح حجج. ومع ذلك لم يتفوه أحد بالاعتراض على الأمير، وأنى يتسنى لأحد التصدي لمثل هذا الأمر الخطير. ولكن الرافضة قاتلهم الله تعالى يخبطون خبط عشواء ولا يستحون من الكلمة العوراء.
ومنها أنه أدخل الحكم أبا المروان ابن أبي العاص المدينة، وقد طرده النبي ﷺ وأبعده عن المدينة وامتنع أبو بكر وعمر عن رده.
والجواب أن رسول الله ﷺ إنما أخرجه لحبه المنافقين وتهييجه الفتن بين المسلمين ومعاونته الكفار وميله إلى الفجار، ولما زال الكفر والنفاق بعد وفاته ﵊ وقوي الإسلام في خلافة الشيخين لم يبق محذور من إرجاعه إليها. وقد تقرر لدى الفريقين أن الحكم إذا علل بعلة ثم زالت زال، وقد سبق ذلك. وعدم إرجاع الشيخين إياه لما حصل عندهما من ظن بقائه على ما كان عليه في زمن الرسول ﵊، وقد ارتفع ذلك عن عثمان زمن خلافته لأن الحكم كان ابن أخيه. على أن عثمان قال لما اعترضوا عليه بذلك إني كنت أخذت الإذن من رسول الله ﷺ في مرض موته على دخول الحكم المدينة. وعدم قبول الشيخين ذلك لعدم كفاية شاهد واحد. فلما آلت الخلافة إلى عثمان عمل بما علم.
стр. 516
ومنها أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال ويقدمهم على غيرهم من الرجال.
والجواب على فرض التسليم أن عثمان بذل ذلك من ماله وكان كثير المال ثريا قبل أن يكون خليفة، حتى أنه رضي الله تعالى عنه كان يعتق في كل جمعة رقبة وكان يضيف المهاجرين والأنصار كل يوم. وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: "إني شهدت على منادي عثمان ينادي: يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم، فيغدون فيأخذونها وافية، حتى والله سمعته يقول: اغدوا على كسوتكم فيأخذون الحلل". ومن راجع كتب السير علم درجة كرمه. وهكذا شأن أصحاب رسول الله ﷺ .
ومنها أنه حمى الحمى عن المسلمين مع أن النبي ﷺ جعلهم سواء في الماء والكلأ.
والجواب أنا لا نسلم أن الأرض التي حماها مما لا يجوز حميها لأنه على ما روي أنه
стр. 517
حمى أرضا كانت ملكا له قد تركها للمسلمين ثم حماها لما سنح له، ولأنه حماها لأجل خيل المجاهدين سنة الجدب.
ومنها أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسرت أضلاعه، وقدم على عمار بن ياسر بالضرب حتى حدث به فتق، وأنه ضرب أبا ذر ونفاه إلى الربذة.
والجواب أن ضرب عبد الله بن مسعود لم يثبت في كتب أهل السنة. وأما ضرب عمار فبغير علم عثمان، بل إنما ضربه بعض غلمانه حيث لم يعرفوا جلالة قدره ونباهة شأنه، حتى لما أخبر عثمان بذلك اعتذر منه حتى رضي رضي الله تعالى عنه، وحدوث الفتق من مفتريات الشيعة. وأما ضرب أبي ذر ونفيه إلى الربذة فلم يصح، وإنما خرج إلى الربذة باختياره، فقد ذكر الطبري وابن الجوزي وابن عبد البر أنه خرج بعد وفاة أبي بكر من المدينة إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي عثمان فكتب معاوية إليه يشكو أبا ذر لأنه كان قوالا بالحق وكان يغلظ في القول فكتب إليه عثمان يطلبه إلى المدينة فلما نصحه عثمان بحسن العشرة فقال أبو ذر أستاذن منك أن ألحق بفلاة من الأرض، فخرج من المدينة حاجا أو معتمرا فلما قضى نسكه رجع وسكن في الربذة غير منفي ومات بها.
стр. 518
ومنها أن الصحابة تبرؤا منه ولم يدفنوه بعد موته ثلاثة أيام ولم ينكروا على من أجلب عليه من الأمصار بل سلموه ولم يدافعوا عنه.
والجواب أن هذا كذب صريح، لأن الصحابة لم يقصروا في الذب عنه، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وقد جاءوا إلى عثمان وفيهم عبد الله وزيد بن ثابت وكل منهما متقلد سيفه فقال له زيد: "إن الأنصار يقولون إن شئت كنا أنصار الله، مرتين، قال: لا حاجة لي في ذلك". وكان معه في الدار الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وكل منهم شاكي السلاح، فعزم عليهم في وضع أسلحتهم وخروجهم ولزومهم بيوتهم فخرجوا وقال: "لئن أقتل قبل الدماء أحب إلي من أن أقتل بعد الدماء". ولما خرجوا من داره بعث أمير المؤمنين بنيه وأولاد أخيه جعفر ومولاه قنبر وكل منهم شاكي سلاحه، وبعث الزبير وطلحة وكثير من الصحابة
стр. 519
أبناءهم وعبيدهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، فقاموا على بابه حتى خضب الحسين بالدماء حين رمى عليه الناس بالسهام وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر، فلم يقدر أحد ممن أراد قتله أن يدخل عليه من باب داره فتسوروا من دار بعض الأنصار. وقد ثبت عن الفريقين أن أمير المؤمنين قال: "والله قد دفعت عنه" كما في نهج البلاغة. وذكر غير واحد من الشارحين أنه بالغ في الذب عنه وأنه كان يضرب محاصري عثمان ويغلظ عليهم في الشتم. وكان عبد الله بن سلام يدخل عليهم ويقول لا تقتلوه. وكان حذيفة يحذرهم من قتله. ذكر ذلك القرطبي في التذكرة. أما ترك الدفن فقد ذكر المحققون من أهل السنة ومنهم صاحب التحفة أنه لم يتأخر الدفن بل دفن بثيابه الملطخة بالدم ليلا، وقد شيع جنازته جمع من الصحابة والتابعين. فما نقل صاحب الأصل عن القرطبي من أنه رضي الله تعالى عنه ألقي على المزبلة فأقام فيها ثلاثة أيام لا يصح، وقد شنع عليه أكثر من واحد في إيراد ذلك.
ومنها أنه ترك القود الواجب على عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان ملك الأهواز، وكان مسلما.
والجواب أن الثقاة من المؤرخين ذكروا أن عمر لما قتله أبو لؤلؤة مولى المغيرة بن شعبة أُخبر عبيد الله ابنه أنه فعل ذلك بإشارة ملك الأهواز هرمزان، فلما رجع من
стр. 520
دفن أبيه دخل دار الهرمزان فقتله، فلما آل أمر الخلافة إلى عثمان استرضى أهله. وأقر ذلك الطبري وغيره من مؤرخي المحدثين. ولأن جميع ورثته لم يكونوا في المدينة. وقد ثبت أنه كان للهرمزان جماعة في فارس لم يقدموا عليه خوفا، نص عليه المرتضى وغيره من علماء الفريقين: ولأنه لم يكن عند قتله من يشهد عليه. ولأن عليا ترك القود الواجب على قتلة عثمان مع كثرة المطالبين به من الورثة وغيرهم حتى هاجت بسبب ذلك فتن كثيرة.
ومنها أنه غير الشريعة وخالف فعل النبي ﷺ حيث صلى الظهر والعصر بمنى أربعا أربعا، وكان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين.
والجواب أن عائشة أم المؤمنين روت عن النبي ﷺ كلا من الإتمام والقصر. ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وقد صحح الدراقطني الإتمام عن النبي ﷺ ، وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين كمالك بن أنس والشافعي وأحمد والطحاوي وابن أبي شيبة وأبو عمر بن عبد البر. وروي أن عثمان لما صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه فقال: "يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 521
من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم". وقد كان قبل يصلي ركعتين كما أخرج الشيخان عن حفص بن عاصم. والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 522
المطاعن الرابعة في أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها منها أنها خرجت إلى البصرة وقد نهاها الله تعالى عن الخروج وأمرها بالاستقرار في منزلها، فقال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فهتكت حجاب الله تعالى ورسوله ﷺ وتبرجت في محفل يزيد على ستة عشر ألفا.
والجواب أن الأمر بالاستقرار في البيوت والنهي عن الخروج ليس بمطلق. ولو كان مطلقا لما أخرجهن رسول الله ﷺ بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة والغزوات ولا رخص لهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. واللازم باطل فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب بأن لا يدرن ولا يحمن في الطرق والأسواق كنساء العوام. ولا منافاة بين الخروج وبين التستر والحجاب. ألا ترى أن المخدرات من نساء الأمراء والملوك يخرجن من بلد إلى بلد ومعهن جمع من الخدم والأتباع. ولا سيما إذا كان السفر متضمنا لمصلحة دينية أو دنيوية كالجهاد والحج والعمرة. وسفر أم المؤمنين كان من هذا القبيل، لأنها خرجت لإصلاح ذات البين وأخذ القصاص من قتلة عثمان المقتول ظلما وعدوانا، وذلك لا يعد تبرجا.
ويجاب أيضا بأن ما طعنوا به أم المؤمنين وجد في فاطمة أيضا لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير قد أركب فاطمة على مطية وطاف بها محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبا منهم الإعانة على ما غصب من حقها زمن خلافة الصديق.
стр. 523
ويجاب أيضا بأن جميع رجال المؤمنين أبناء لأزواج النبي ﷺ بالاتفاق، وجميع من كان مع الصديقة في سفرها فهم أبناؤها. ولذا طلبت القصاص من القتلة، فلا إشكال في الطلب أيضا.
ومنها أنها خالفت أمر الله ورسوله ﷺ ، فقد روى نعيم في كتاب الفتن وابن مسكويه في تجارب الأمم وابن قتيبة في كتاب السياسة: أنه لما انتهى عسكر عائشة إلى ماء الحوأب نبحها كلابه، فقالت لمحمد بن طلحة: أي ماء هذا؟ قال: ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلا راجعة، قال: ولم؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول لنسائه: كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب، فإياك أن تكوني أنت يا حميراء. فإنها مع تذكر قوله ﷺ أصرت على ذلك ولم ترجع.
стр. 524
والجواب أن الثابت عندنا أنها لما علمت ذلك وتحققته من محمد بن طلحة همّت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه، ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم على ثمانين رجلا من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس بحوأب. على أن "إياك أن تكوني يا حميراء" ليس موجودا في الكتب المعول عليها عند أهل السنة، ولا في الكتب الثلاثة. فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد، [على أنه] لو كان فلا يرد محذور أيضا لأنها اجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، وحيث علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة. وليس في الحديث بعد هذا النهي أمر بشيء لتفعله، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ذات البين المأمورة به بلا شبهة. والحوأب كجعفر منزل بين البصرة ومكة.
ومنها أنها كانت تظهر العداوة لعلي وقد فرض الله تعالى عليها محبته، وهي التي حرضت الناس على قتل عثمان.
والجواب أنا لا نسلم أن عائشة كانت كذلك مع علي، فإنها كانت تروي أحاديث عديدة في فضائله عن النبي ﷺ . منها ما أخرجه الديلمي عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : حب علي عبادة. ولم تخرج عليه
стр. 525
لتقاتله بل لإصلاح ذات البين كما سبق. والتحريض على قتل عثمان من المفتريات، فإنها تعترف بأنه إمام مفترض الطاعة. فقد أخرج الترمذي وابن ماجه عنها أنها قالت: قال النبي ﷺ لعثمان: "يا عثمان لعل الله يقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم"، وفي رواية: "لا تخلعه" ثلاثا.
وما ذكره ابن قتيبة: "أن عائشة أتاها خبر بيعة علي وكانت خارجة من المدينة فقيل لها: قتل عثمان وبايع الناس عليا، فقالت: ما أبالي أن تقع السماء على الأرض قتل والله مظلوما وأنا مطالبة بدمه، فقال عبيد: أول من دس عليه وأطمع الناس فيه لأنت وقد قلت اقتلوا نعثلا فقد فجر، قالت عائشة: والله قد قلت وقال الناس، فقال عبد:
منك البداء ومنك الغير ... ومنك الريح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد فجر
стр. 526
ولما أتاها أن أهل الشام ردوا بيعة علي أمرت أن يعمل لها هودج من حديد، فخرجت ومعها طلحة والزبير وابناهما" - فهو كذب لا أصل له. وأكثر ما يذكره ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي في كتبهم من هذا القبيل، فلا يعتمد عليه.
ومنها أن عسكرها لما خرجوا من مكة نهبوا بيت مال المسلمين وقتلوا جمعا من عمال علي وأخرجوا عامله عثمان بن حنيف الأنصاري مهانا، مع أنه من أصحاب رسول الله ﷺ .
والجواب أن ذلك لم يثبت بروايات صحيحة لأنها خرجت لإصلاح ذات البين ولم تأمر أحدا بذلك. فإن وقع شيء فإنه وقع بغير رضاها من بعض جهلة العسكر ولم تعلم به، حتى
стр. 527
قيل إنها لما علمت ما جرى بعثمان بن حنيف اعتذرت له واسترضته. ولأن مثل هذا وقع لعسكر الأمير مع أبي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا الكوفة، ومنهم مالك بن الأشتر.
ومنها أنها أفشت سر النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾.
والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة لا غير بإجماع المفسرين، وذلك أنها رأت
стр. 528
النبي ﷺ مع مارية في فراشها من ثقب الباب، وقال لها: إني حرمت مارية على نفسي فاكتميه ولا تفشيه، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك. ومن مزيد فرحها اشتبه عليها الأمر فظنت أن الذي أمرت بكتمانه هو ما رأته من الشق لا التحريم. وقد عد ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها. وما ذكرناه ثابت أيضا في تفسير مجمع البيان للطبرسي أحد علماء الإمامية.
ومنها أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله ﷺ يكثر ذكرها.
والجواب أن الغيرة أمر طبيعي في النساء، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية. نعم لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة تتوجه الملامة. وفي الحديث الصحيح أن بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين أرسلت إلى رسول الله ﷺ -
стр. 529
طعاما لذيذا وكان النبي ﷺ إذ ذاك في بيت من تغار، فأخذت الطبق من يد خادمتها فضربت به على الأرض حتى انكسر الإناء وانصب الطعام، فقام رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام بنفسه فاجتباه وجمعه من الأرض وقال: «قد غارت أمكم» ولم يعاتبها ولم يوبخها. فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا أمهات المؤمنين هدفا لسهام مطاعنهم؟ نسأل الله تعالى العصمة من الزلل.
ومنها أن النبي ﷺ قال: ههنا الفتنة ثلاثا من [هنا] يطلع قرن الشيطان، وأشار نحو مسكن عائشة.
والجواب أنه ﷺ أشار إلى ناحية المشرق وكانت حجرة عائشة في ناحية المشرق. ويؤيده قوله: "من حيث يطلع قرن الشيطان". فإنه صح أنه ﷺ قال إن الشمس حين تطلع "تطلع بين قرني الشيطان". وقد رواه الشيعة بأسانيد صحيحة عندهم. وقد جاء في رواية أنه أشار إلى الشرق وقال ذلك.
стр. 530
وفي رواية عن ابن عمر أنه ﷺ خرج من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان. ولأنه لو كانت عائشة فتنة لوجب على الله تعالى أن لا ينهى نبيه عن تبديلها فإن ذلك أصلح. والصحيح أن الفتنة كما جاء في الأخبار الدجال، فإنه يخرج في بعض الجزائر الشرقية التي سكن فيها ملك التتار ورؤساء أهل البدعة، لأنها نبعت من العراق، فالرافضة من الكوفة والمعتزلة من البصرة والقرامطة من سواد الكوفة والخوارج من النهروان. ولأنها لما دفن عمر في الروضة خرجت عائشة منها وسكنت موضعا آخر من الدار. ولأنها خرجت منها إلى مكة زادها الله تعالى شرفا. ولأن [في] الحجرة كان رأس الإيمان ومحل السكينة ومهبط الوحي وسكن خير الرسل حيا وميتا ﷺ .
ومنها أنها زينت يوما جارية كانت عندها وقالت: لعلنا نصطاد بها شابا من شباب قريش.
والجواب أن هذه الرواية وردت عن وكيع بن الجراح عن العلاء بن عبد الكريم عن عمار بن عمران عن امرأة من غنم، وعمار والامرأة مجهولان، فلا تقبل هذه الرواية بمقتضى قواعد الفريقين. والله الهادي إلى سواء السبيل.
следующие страницы →