Полный текст (641 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ولما أتاها أن أهل الشام ردوا بيعة علي أمرت أن يعمل لها هودج من حديد، فخرجت ومعها طلحة والزبير وابناهما" - فهو كذب لا أصل له. وأكثر ما يذكره ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي في كتبهم من هذا القبيل، فلا يعتمد عليه.
ومنها أن عسكرها لما خرجوا من مكة نهبوا بيت مال المسلمين وقتلوا جمعا من عمال علي وأخرجوا عامله عثمان بن حنيف الأنصاري مهانا، مع أنه من أصحاب رسول الله ﷺ .
والجواب أن ذلك لم يثبت بروايات صحيحة لأنها خرجت لإصلاح ذات البين ولم تأمر أحدا بذلك. فإن وقع شيء فإنه وقع بغير رضاها من بعض جهلة العسكر ولم تعلم به، حتى
стр. 527
قيل إنها لما علمت ما جرى بعثمان بن حنيف اعتذرت له واسترضته. ولأن مثل هذا وقع لعسكر الأمير مع أبي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا الكوفة، ومنهم مالك بن الأشتر.
ومنها أنها أفشت سر النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾.
والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة لا غير بإجماع المفسرين، وذلك أنها رأت
стр. 528
النبي ﷺ مع مارية في فراشها من ثقب الباب، وقال لها: إني حرمت مارية على نفسي فاكتميه ولا تفشيه، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك. ومن مزيد فرحها اشتبه عليها الأمر فظنت أن الذي أمرت بكتمانه هو ما رأته من الشق لا التحريم. وقد عد ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها. وما ذكرناه ثابت أيضا في تفسير مجمع البيان للطبرسي أحد علماء الإمامية.
ومنها أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله ﷺ يكثر ذكرها.
والجواب أن الغيرة أمر طبيعي في النساء، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية. نعم لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة تتوجه الملامة. وفي الحديث الصحيح أن بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين أرسلت إلى رسول الله ﷺ -
стр. 529
طعاما لذيذا وكان النبي ﷺ إذ ذاك في بيت من تغار، فأخذت الطبق من يد خادمتها فضربت به على الأرض حتى انكسر الإناء وانصب الطعام، فقام رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام بنفسه فاجتباه وجمعه من الأرض وقال: «قد غارت أمكم» ولم يعاتبها ولم يوبخها. فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا أمهات المؤمنين هدفا لسهام مطاعنهم؟ نسأل الله تعالى العصمة من الزلل.
ومنها أن النبي ﷺ قال: ههنا الفتنة ثلاثا من [هنا] يطلع قرن الشيطان، وأشار نحو مسكن عائشة.
والجواب أنه ﷺ أشار إلى ناحية المشرق وكانت حجرة عائشة في ناحية المشرق. ويؤيده قوله: "من حيث يطلع قرن الشيطان". فإنه صح أنه ﷺ قال إن الشمس حين تطلع "تطلع بين قرني الشيطان". وقد رواه الشيعة بأسانيد صحيحة عندهم. وقد جاء في رواية أنه أشار إلى الشرق وقال ذلك.
стр. 530
وفي رواية عن ابن عمر أنه ﷺ خرج من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان. ولأنه لو كانت عائشة فتنة لوجب على الله تعالى أن لا ينهى نبيه عن تبديلها فإن ذلك أصلح. والصحيح أن الفتنة كما جاء في الأخبار الدجال، فإنه يخرج في بعض الجزائر الشرقية التي سكن فيها ملك التتار ورؤساء أهل البدعة، لأنها نبعت من العراق، فالرافضة من الكوفة والمعتزلة من البصرة والقرامطة من سواد الكوفة والخوارج من النهروان. ولأنها لما دفن عمر في الروضة خرجت عائشة منها وسكنت موضعا آخر من الدار. ولأنها خرجت منها إلى مكة زادها الله تعالى شرفا. ولأن [في] الحجرة كان رأس الإيمان ومحل السكينة ومهبط الوحي وسكن خير الرسل حيا وميتا ﷺ .
ومنها أنها زينت يوما جارية كانت عندها وقالت: لعلنا نصطاد بها شابا من شباب قريش.
والجواب أن هذه الرواية وردت عن وكيع بن الجراح عن العلاء بن عبد الكريم عن عمار بن عمران عن امرأة من غنم، وعمار والامرأة مجهولان، فلا تقبل هذه الرواية بمقتضى قواعد الفريقين. والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 531
المطاعن الخامسة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين منها أنهم فروا عن الزحف مرتين، مرة يوم أحد وأخرى يوم حنين، والفرار عن الزحف كبيرة.
والجواب أن الفرار عن الزحف يوم أحد كان قبل النهي عنه، ولأنه تعالى قد عفى عنهم لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وأما الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فرارا في الحقيقة معاتبا عليه لم يصر عليه المخلصون بل انقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. ولأن الإمامية رووا عن الرسل ما هو أعظم من ذلك على ما مر غير مرة.
ومنها ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
стр. 532
والجواب أن تلك القصة إنما كانت في أول زمان الهجرة قبل التأدب بآداب الشريعة، فما وقع حينئذ كانوا معذورين فيه، ولهذا لم يتوعدهم عليه ولم يعاتبهم رسول الله ﷺ به. والآية خارجة مخرج العتاب بطريق الوعظ والنصيحة. على أنه قد أعقب ذلك الفعل أنواع من الطاعات والاستغفار، و ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
ومنها أنه ورد فيهم ما روي عن أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان مرفوعا: "ليردن علي أناس من أصحابي حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". وفي رواية: "فأقول: سحقا سحقا".
والجواب عنه أولا بأنا لا نسلم بأن المراد بأصحابي الصحابة بالمعنى المتعارف، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به ﷺ المتبعين له. وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة ولمقلدي الشافعي [أصحاب الشافعي] وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكما يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب أصحابنا، مع
стр. 533
بينه وبينهم عدة سنين. وعبارات الفقهاء ملأى من ذلك كما لا يخفى على المتتبع. وأيده بعضهم بأنه وقع في بعض الروايات: "أمتي"، وعلى هذا فالمراد من هؤلاء الأناس عصاة من المؤمنين. ومعرفته ﷺ أنهم من أمته من أمارات تلوح عليهم، فقد جاء في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة عن عصاة غيرهم، كما أن طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم. وجذبهم وردهم عن الحوض كان تأديبا لهم وعقابا على معاصيهم. ويلحق بذلك دعاؤه ﷺ بقوله: "سحقا سحقا"، وجعله بعضهم من قبيل قوله ﵊ لصفية رضي الله تعالى عنها: "عقرى حلقى"، وليس بشيء.
стр. 534
وثانيا بأنا سلمنا أن المراد بالأصحاب الصحابة بالمعنى المتعارف، إلا أن المراد من أولئك الأناس الذين يختلجون ويؤخذون قهرا ويردون عن ورود الحوض الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق رضي الله تعالى عنه. وقوله ﷺ : "أصحابي" لظن أنهم لم يرتدوا كما يؤذن عنه ما قيل في جوابه من أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وهذا الجواب أولى من الجواب المنعي كما لا يخفى. ولا يفيد ذلك الشيعة شيئا، لأنا لا ننكر ارتداد أحد من الصحابة وإنما ننكر ارتداد الخلفاء الثلاثة ومن تابعهم وارتداد من حضر وقعتي الجمل وصفين منهم كما هو زعم الشيعة؛ والحديث لا يدل على ذلك أصلا.
فإن قيل إن أناسا في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكر من مرتدي الأعراب يحتمل أن يراد منه ما زعمته الشيعة، فما الدليل على ما أردت؟
أجيب بأن ما جاء عن الله تعالى والنبي ﷺ من مدحهم والثناء عليهم وكذا ما جاء عن الأئمة المعصومين عند الشيعة مما علمت ومما ستعلم إن شاء الله تعالى مانع من إرادة ما زعمته الشيعة. وحينئذ يتعين ما أردنا حذرا من إلغاء الحديث.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال إن رسول الله ﷺ قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ : كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض» فإن هذا صريح في وقوع التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة. وذلك ينافي العدالة.
والجواب أن الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم وهو
стр. 535
لا يستدعي أن يكون منهم. ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون أو أنصار، والحديث صريح في أن أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين، والواقع ينفي كونهم من الأنصار لأنهم ما حملوا المهاجرين على التحارب، فتعين أنهم من التابعين، وقد وقع ذلك منهم، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر وأضرابه، ولا كلام لنا فيهم.
ومنها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند عائشة من عدة طرق أن النبي ﷺ قال: "يا عائشة، لولا قومك حديثو عهد بالجاهلية -وفي رواية: بالشرك- وأخاف أن تنكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين شرقيا وغربيا فبلغت به أساس إبراهيم". وقوم عائشة قريش، وهذا يدل على فساد بواطنهم في قبول قوله.
والجواب أن هذا الحديث ليس فيه مطعن أصلا، لأنه إن كان المراد بقوم عائشة قريشا كما زعموا فهم إما جميعهم أو بعضهم؛ فإن أريد الأول يلزم منه دخول علي بن أبي طالب وغيره من بني هاشم أيضا فيهم لأنهم من قريش؛ وإن أريد الثاني فلا يكون مفيدا للمدعى، إذ يجوز أن يكون الخوف من المؤلفة قلوبهم وحديثي الإسلام بعد الفتح الذين لم يتأدبوا بعد بآداب الشريعة ولم يكمل إيمانهم، والمهاجرون ومن تبعهم بإحسان ليسوا منهم. على أن الواقع في الحديث هو الخوف من وقوع أمر بسبب لا يستلزم وقوعه. فتبين أن إيراد هذا الخبر في مطاعن الصحابة دليل على جهل الرافضة وعدم فهمهم لنصوص الشرع.
ومنها أنهم خالفوا أمر رسول الله ﷺ ، فقد طلب ﷺ في مرض موته إداوة وقرطاسا ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده فأبوا أن يأتوه بذلك حتى قال عمر ما قال وكثر اللغط، فقال رسول الله ﷺ : "اخرجوا عني"، والله
стр. 536
تعالى يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
والجواب أن الأمر منه ﵊ لم يكن إلا من باب الاستحباب وهو أمر إرشاد وإصلاح ولم يكن لأمر ضروري وإلا لفعله ﷺ بعد مع خاصة أهل بيته كالأمير كرم الله تعالى وجهه، فإنه بقي ﵊ حيا بعد ذلك خمسة أيام. ويؤيد ذلك كما قال غير واحد قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو ظاهر. والتخلف عن الامتثال ناشئ عن محض المحبة والوداد دون الشقاق والعناد لما رأوا من شدة مرضه ﵊، ومثل هذه المخالفة لا تعد فسقا وإلا لزم فسق جميع الحاضرين ومنهم علي كرم الله تعالى وجهه، ولا قال به بالإجماع. وقد وقع للأمير رضي الله تعالى عنه مثل هذه المخالفة عام الحديبية، فإنه كتب الصلح: "هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله"، فلم يرض المشركون بهذا العنوان وقالوا: لو كنا نعلم أنه رسول الله ما حاربناه، فأمر ﵊ عليا أن يمحو ذلك وبالغ فيه فلم يفعل حتى محاه ﵊ بيده الشريفة. بل وقع منه كرم الله تعالى وجهه ما يرى أنه أشد من ذلك، فقد صح من طرق متعددة أن النبي ﷺ ذهب إلى بيت الأمير والبتول رضي الله تعالى عنهما ليلة وأيقظهما لصلاة التهجد وأمرهما بها، فقال الأمير: "والله لا نصلي إلا ما كتب الله لنا، وإنما أنفسنا بيد الله لو وفقنا لصلينا"، فرجع ﵊ وهو يضرب فخذيه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. وقد رواه البخاري أيضا في صحيحه. وأمره ﷺ بالخروج لمن في الحجرة لم يكن إلا لما فيه من المرض.
стр. 537
وكلام عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن إلا لغلبة الحال عليه الناشئة من كمال المحبة. وقد سبق الكلام على هذا الحديث في رد مطاعن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه.
ومنها ما رواه البخاري بسنده أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي [بأخذ القرون قبلها] شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك". وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ".
والجواب أنا لا نسلم أن المراد الصحابة، وكيف يصح حصر جميع الأمة بالصحابة؟ ومن تدبر ألفاظ الحديث يهزأ بعقل الرافضة ويحكم بجهلهم، إذ الواقع في الحديث لفظ الأمة لا لفظ الصحابة. وإن أكثر أمته ﷺ شبها الروافض، فإنهم هم الذين شابهوا كفار فارس والروم في أكثر العقائد والأعمال والأخلاق والأعياد والرسوم، فإن الروم زعموا تعدد الآلهة وكذلك الغلاة من الشيعة زعموا أن الآلهة خمسة، وإنهم قالوا بحشر الأرواح دون الأجساد وكذلك جمع من الشيعة على ما سبق، وإنهم أثبتوا لله ابنا وكذلك قال بعض الفرق زعموا أن الأئمة أبناء الله، وإنهم يصلون مع نجاسة ثيابهم وكذلك الإمامية، وإنهم افتروا على الله ورسوله الكذب وكذلك الرافضة، وإنهم يكفرون أهل الحق وكذلك الرافضة. وأما الفرس فيزعمون أن الخالق غير واحد وكذلك بعض فرق الروافض، وإنهم ينكرون القدر وكذلك الروافض، وإنهم يزعمون أنه قد يقع مراد غير الله ولا يقع مراد الله تعالى وكذلك يزعم بعض فرق الرافضة، وإنهم لا غيرة لهم في النساء وكذلك الرافضة. إلى غير ذلك مما
стр. 538
هو مشاهد في العيان لا يحتاج إلى دليل أو برهان. وسيجيء إن شاء الله تعالى وجه شبههم بجميع الكفار.
ومنها أنهم آذوا عليا وحاربوه وقاتلوه وهو ابن عم رسول الله ﷺ وصهره وربيبه، فكيف ساغ لهم ذلك والسلوك في هاتيك المسالك، مع أن من صدر منه دون ذلك ينتفي عنه اسم العدالة.
والجواب أن ذلك محض كذب وافتراء، فإن الصحابة كلهم كانوا يعظمون عليا ويحبونه. قال عبد الرحمن بن أبزى: "شهدنا صفين مع علي في ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منهم ثلاث وستون منهم عمار بن ياسر". واستشهد أيضا خمسة عشر من المهاجرين والأنصار. وكتبه تشهد بذلك، وله عبارات كثيرة في النهج تؤيد ما هنالك. وكان الصديق رضي الله تعالى عنه يحبه ويمدحه ويذكر فضائله ويحث الناس على حبه. روى الدارقطني عن الشعبي أنه قال: "بينا أبو بكر الصديق جالس إذ طلع علي، فلما رآه قال: من سره أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة وأقربهم قرابة وأفضلهم تبعا له وأكثرهم غنى عند رسول الله ﷺ فلينظر إلى هذا الطالع". وكان عمر يعظمه ويوقره ويفتخر به ويقبل قوله. وروى الدارقطني عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: "اعلموا أنه لا يتم شرف إلا بولاية علي". ولما اختلف الصحابة في الموؤدة وقال لهم علي: إنها لا تكون موؤدة حتى يأتي عليها التارات السبع، قال له عمر: صدقت أطال الله بقاءك. قال
стр. 539
أبو القاسم الحريري في درة الغواص في أوهام الخواص: كان عمر أول من نطق بهذا الدعاء. وكان ابنه عبد الله يتأسف في تخلفه عن حروبه.
وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد حسن عن ابن عمر أنه: "لما بلغه توجه الحسين إلى العراق لحقه مسيرة ثلاثة أيام فقال له: أين تريد؟ فقال: العراق، فإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تنظر إلى كتبهم ولا تأتهم، فأبى، فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة رسول الله ﷺ ، والله لا يليها أحد منكم أبدا وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل". وروى البزار نحوه بإسناد حسن.
وأكثر ما ذكر المؤرخون من الوقائع والحروب لا يوثق به إذ ليس له إسناد. والحق أن ما وقع من الحروب لم يكن عن عداوة، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وإنما هاجت الفتن بسبب آخر؛ وهو أنه لما بويع لعلي بالخلافة لم يتعرض لقتلة عثمان لما سيجيء إن شاء الله تعالى، وكانوا يزعمون أنهم على الحق وعثمان على الباطل وأنهم مصيبون في قتله ويفتخرون بذلك. وكانت جماعة من كبار الصحابة كطلحة والزبير بن العوام ونعمان بن بشير ومحمد بن مسلمة وكعب بن عجرة وغيرهم يتلهفون على عثمان ويقولون إنه كان على الحق ومقاتلوه على الباطل وإنه قتل مظلوما. وسمع ذلك قتلة عثمان فغضبوا وأردوا بهم كيدا،
стр. 540
فلما أحسوا بذلك هرب كل منهم إلى ناحية، فهرب طلحة والزبير إلى مكة، فلما قدما إليها وجدا فيها أم المؤمنين، وكانت حاجّة في السنة التي قتل فيها عثمان، فقالت: ما وراؤكما؟ فقالا: إنا تحملنا هربا من المدينة من غوغاء الأعراب، ثم قالا مع جمع آخر لها عسى أن تخرجي رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم وهي تمتنع عليهم ويحتجون عليها بقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، فأجابتهم عائشة. وأرادوا موضعا يأمنون به من شر البغاة فإنهم علموا أن قتلة عثمان يقصدونهم فاستقام رأيهم على التوجه إلى البصرة. ولما سمع أمير المؤمنين أنهم خرجوا إلى البصرة سار متوجها إليها، فلما بلغتها أرسل الأمير إلى طلحة والزبير قعقاعا وكان من أصحاب النبي ﷺ وقال: ادعهما إلى الإلفة والجماعة وعظّم عليهما الفرقة والمباينة، فخرج قعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة وسلم عليها فقال: يا أم ما أشخصك وأقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس، ثم بعث إلى طلحة والزبير فحضرا فقال القعقاع: أخبراني ما وجه الإصلاح؟ قالا: قتلة عثمان، قال: هذا لا يكون إلا بعد اتفاق كلمة المسلمين وتسكين الفتنة في هذه الساعة والمسالمة، فقالا: قد أصبت وأحسنت.
فرجع القعقاع إلى علي وأخبره بذلك فسر به وأعجب، وأشرف القوم على الصلح وأقاموا ثلاثة أيام لا يشكون في الصلح. وأرسل الأمير كرم الله تعالى وجهه عشية اليوم الثالث إلى طلحة والزبير بالسلام وأرسلا إليه بالسلام وترددت الرسل بينهما بالصلح. وفرح الناس بذلك، وحزن قتلة عثمان وباتوا يتشاورون طول ليلهم، فقال رئيسهم عبد الله بن سبأ: يا قوم إن عزكم في مخالطة القوم فالزموا عليا ولا تتركوه، فإذا كان الغد والتقى الناس
стр. 541
للمصالحة فأفشوا القتال، فاجتمع رأيهم على ذلك. فلما غشي الليل أنشبوا نار الحرب ووقع ما وقع. فهذا الحرب لم يكن عن عزيمة من الفريقين كما ذكر القرطبي وجماهير من أهل العلم. وهذا هو الصحيح المشهور.
وكان معاوية يومئذ بالشام ولا يريد المحاربة مع الأمير، غير أنه التمس منه أن يسلمه قتلة عثمان أو يخرجهم من عنده، وكان الأمير يأبى ذلك. ولما فرغ من حرب الجمل استقر رأي الناس إلى المسير إلى معاوية فبلغه ذلك فاضطر إلى الخروج إلى الشام. ولما تهيأ كل منهم إلى القتال أرسل الأمير كرم الله تعالى وجهه جمعا من أصحابه إلى معاوية، منهم بشر بن عمرو بن محصن الأنصاري، ليدعوه إلى الطاعة، فقال بشر: إني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها، فقال معاوية: ما يطلب من علي إلا قتلة عثمان فإنهم شرار الخلق، فانصرفوا وأخبروه بذلك. وامتنع الأمير أن يسلمهم وأبى معاوية إلا تسليم القتلة، ورأى القتال معهم واجبا لأنهم كانوا بغاة وكذلك من يعاونهم، وأخطأ هو ومن معه من الصحابة وهم رجال معدودون وقد رجع أكثرهم عن ذلك، ولكنهم صاحبوا معاوية خوفا من قتلة عثمان وحضر بعضهم ولم يقاتل. ومع ذلك لم يبدأ معاوية بالقتال وإنما بدأ الأمير كرم الله تعالى وجهه لعدم طاعة معاوية للخليفة، فكان هو ومن معه من البغاة، ويجب على الأمير أن يحاربهم حتى يرجعوا عما هم عليه من البغي. وقد صح عن الأمير أنه قال: "أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل" كذا في نهج البلاغة. وإنما امتنع الأمير من تسليم القتلة لشوكتهم وشدة شكيمتهم وكثرتهم واختلاطهم مع العسكر، فرأى تأخير التسليم أصوب إلى أن يرسخ القدم في الخلافة وتتفق كلمة المسلمين
стр. 542
[فتعود] قوتهم، فإن المبادرة بالتسليم حينئذ تؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة وتفاقم الفتنة. وقد قال له بعض أصحابه: لو عاقبت قوما أجلبوا على عثمان؟ فقال: "يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي [بقوة والقوم] المجلبون على شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم والتفت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا". كذا في نهج البلاغة.
والحاصل أن أصحاب رسول الله ﷺ منزهون عما يشينهم من ذميم الأخلاق مبرؤون عن وصمة الفسق على الإطلاق، ولم يتوف رسول الله ﷺ حتى ماز الله الخبيث من الطيب. والآيات التي يوردها الشيعة بعد تسليم أن معانيها كما زعموا ليس مورادها كما فهموا، بل هي واردة في حق إخوانهم المنافقين لا في حق الصحابة الصادقين، بل أولئك الذين اختارهم الله لصحبة نبيهم ﷺ ومات وهو راض عنهم؛ هم الذين فتحوا البلاد بالسيوف وسقوا الأعاجم سم الحتوف ومهدوا قواعد الدين وهدموا أساس المشركين. وهيهات أن يصدر من أولئك الأكابر كبيرة أو يصر أحدهم على صغيرة، وإن وقع منهم حيث لا عصمة ما يقتضي التفسيق فيأبى الله تعالى أن يموتوا عليه وأن يقوموا يوم القيامة من غير توبة بين يديه، حيث أشرقت أنوار النبوة على صفائح قوالب قوابل قلوبهم وكرّه الله إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فحاشا أن يكون من مرغوبهم.
وماذا علينا إذا قلنا: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وماذا يلزمنا إذا حملنا أمر أصحاب نبينا ﷺ الذين آمنوا به وصدقوه وجاهدوا معه ونصروه على الصلاح، وأي ضرر يعترينا لو قلنا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 543
المقصد السادس في المعاد
стр. 544
المطلب الأول في أن المعاد واقع
ذهبت الرزامية والكاملية والمنصورية والحميرية والباطنية والقرمطية والجنابية والخطابية والميمونية والمقنعية والخليفية والجبائية والمعمورية إلى أنه لا معاد للأبدان مطلقا ولا للأرواح في غير هذا العالم، بل قالوا بتناسخ الأرواح وانتقالها من بدن إلى آخر. واستدلوا على ذلك بأنه لو وجد عالم آخر لكان كريّا مثل هذا العالم، ولا يمكن وجود كرتين متماثلتين إلا بتحقق فاصل بينهما، فيلزم الخلاء بين العالمين وهو محال.
والجواب أن الخلاء إنما يلزم لو كانت إحدى الكرتين فوق الأخرى أو تحتها أو بأحد جانبيها وليس كذلك، إذ يجود أن يكون منهما مركوزا في ثخن كرة عظيمة يساوي ثخنها قطرها أو يزيد عليها، كما أن التدوير في ثخن الأفلاك. وهذه العقيدة مخالفة لجميع المليين ولنصوص القرآن. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين النفختين أربعون سنة ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل" وقال: "ليس شيء إلا ويبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه تركب الخلق" إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
стр. 545
المطلب الثاني في أنه لا يجب على الله تعالى أن يبعث الخلق
ذهبت الإمامية إلى أنه يجب على الله تعالى أن يبعث الخلق، لأنه كلف الخلق بما كلف فيجب عليه أن يثيب المطيع ويعذب العاصي، فيجب وإلا كان ظالما.
والجواب أن ترك الإثابة ليس بظلم، فإن الرجل إذا أعطى عبده جميع ما يحتاج إليه من أمر المعاش ثم كلفه أمرا يطيقه ففعل ذلك ولم يعطه أجرا على عمله لا يعزى الظلم إلى المالك. وكذا ترك عقاب العاصي، وإلا لكان العفو والمغفرة ظلما تعالى الله عن ذلك. فما ذهب إليه أهل السنة من أنه لا يجب عليه إلا ما أوجبه على نفسه هو الحقيق بالقبول.
стр. 546
المطلب الثالث في أن عذاب القبر حق
ذهبت المنصورية والحميرية والقرامطة والجناحية والكاملية والباطنية والخطابية والرزامية والمعمرية إلى أن عذاب القبر غير واقع.
وهو باطل. والحق ما ذهب إليه أهل السنة لقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ فإنه يدل على أن دخول النار بعد الغرق في البحر بلا تراخ لمكان الفاء هو عذاب القبر لقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فإنه تعالى عطف عذاب القيامة على عرض النار عليها غدوا وعشيا، فهو لا محالة غيره وقبل يوم القيامة فهو إذا في القبر.
ولما رواه الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "عذاب القبر حق". وأخرجا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وهو ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. وأما الكافر والمنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين".
وأما نعيم القبر فثابت أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
стр. 547
وقوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ فإن حبيب النجار لما قتل قيل له ذلك. وقوله ﵊: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار"، وقوله ﷺ : "إن المؤمن يفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها". رواه أحمد وأبو داود عن البراء بن عازب. إلى غير ذلك.
واحتج المنكرون بالنقل والعقل.
أما النقل فقوله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ فلو كان في القبر حياة أخرى وموت آخر لذاقوا موتين.
والجواب أنه ليس في القبر إحياء وإماتة، بل يخلق الله تعالى نوع حياة يدرك به اللذة والألم بسبب انعكاس الروح على الجسد. وأما قول الكفار: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ فالمراد بالإماتتين إماتة الدنيا والصعقة التي تكون بين النفخة الأولى ونفخة الصعقة، ويكون الموت بين النفختين كالإغماء ولا يسمى ذلك موتا حقيقة ولا مجازا. والمراد بالإحيائين الإحياء في الدنيا والآخرة، ولأن المراد به الجنس لا العدد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ والجنس يتناول المتعدد. وليس في الآية نفي التعدد.
وأما العقل فإن إدراك اللذة والألم والتكلم لا يتصور بدون الحياة والعلم، ولا حياة مع فساد البنية وبطلان المزاج. ولو سلم فإنا نرى الملقى في الأرض والمصلوب يبقى مدة
стр. 548
إلى أن يبلى ولا يشاهد فيه إحياء ولا حركة ولا سكون ولا أثر عذاب أو نعيم، بل لو وضع على صدره كف من خردل يرى ولو بعد حين باقيا على حاله.
والجواب أن ذلك كله من الأمور الممكنة، وقد أخبر به الصادق. وأمثال ما ذكروه من الاستبعادات لا ينفي الإمكان. ولأن الله تعالى يخلق للميت نوع حياة يدرك بها اللذة ويفهم المسالة ويقدر على الجواب، ولكنها تخفى على الأحياء من الثقلين، كالنائم يرى أنه يأكل ويشرب ويجامع ويلتذ حتى يرى الأثر على جسده كالمني ويرى أنه وقع في النار واحترقت أعضاؤه ويدرك ألم الحرق ويخفى ذلك على المستيقظين. والله سبحانه قادر على إبقاء الخردل بحالها على صدر الميت وهو على كل شيء قدير. وقد رأى بعض الصلحاء أثر الحريق في بعض القبور. وروي أن مجوسيا جاء إلى عمر بن الخطاب ومعه ثلاث رؤوس فقال: يا عمر إن نبيكم كان يقول إن من خرج من الدنيا على غير الإسلام فهو يحرق بالنار، وتلا قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ فقال عمر: بلى، فأخرج العلج الرؤوس: إن هذا رأس أبي وهذا رأس أمي وهذا رأس أخي وأنا أضع يدي على هذه الرؤوس فلا أرى فيها أثر الحريق، فاستحضر عليا فلما حضر قال للمجوسي: أعد السؤال، فأعاد فقال علي: ائتوني بحدر وحديد، فأتي به فقال للمجوسي: ضع يدك عليهما فقال: هل تجد أثر الحر؟ فقال: لا أجد بل هما باردان، فقال: اضرب الحديد على الحجر، فضرب فخرجت النار من بينهما، فقال للمجوسي: أفتنكر أن يكون وسط هذه الرؤوس نار وأنت لا تجد حرها؟ والله تعالى قادر أن يجعل بين أعضاء الميت وترابه نارا وأنت تجد حرها كما جعل في الحجر والحديد. وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 549
المطلب الرابع في أن الجنة والنار حق
ذهبت المنصورية والصاحبية والقرامطة والجناحية والكاملية والخطابية والذمية والرزامية والخلفية والميمونية والمقنعية والحقانية إلى أنه لا جنة ولا نار. وما ورد في السمعيات فهو مؤول.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أنهما حق مخلوقتان موجودتان الآن لأنها من الأمور الممكنة التي أخبر بها الصادق ﵊. وفي ذلك من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة ما يضيق عنها المقام. ولا ضرورة تلجئنا إلى حملها على غير ظاهرها كما لا يخفى على من له عقل سليم.
стр. 550
المطلب الخامس لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت
وقالت الإمامية بها للنبي ﷺ ووصيه وسبطيه وأعدائهم من الخلفاء والأمراء، وكذا الأئمة الآخرين وقاتليهم يحيون بعد ظهور المهدي ويعذبون ويقتص منهم ثم يماتون ويحيون يوم القيامة.
وهذا مخالف لصريح الآيات. منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ومنها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ومنها: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إلى غير ذلك.
قال المرتضى في المسائل الناصرية إن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي قيل خضراء فتيبس ويرتد كثيرون، وقيل بالعكس فيهتدي كثيرون. وقال
стр. 551
جابر الجعفي: "إن الأمير سيرجع والدابة في القرآن رمز إليه". نستغفر الله تعالى من سوء الأدب. وجعفر هذا أول من قال بالرجعة ووافقه بعد ذلك جماعته، وهو شهير بالكذب. روى الشافعي عن سفيان بن عيينة: "كنا في منزل جابر الجعفي فتكلم بشيء فخرجنا خوفا أن يقع علينا السقف" وقال أبو حنيفة: "ما لقيت أحدا أكذب من جابر ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح".
والدليل العقلي على أصولهم يبطل هذا الاعتقاد، لإنهم إن عذبوا بسوء أعمالهم في الدنيا ثم عذبوا في الآخرة كان ظلما، أو لم يعذبوا حصل التخفيف الأبدي وهو مناف لعظم الجناية. وأيضا لو كان المقصود من إحيائهم تعذيبهم في الدنيا فقط فذلك حاصل في عالم القبر فيكون عبثا، وننزه الله تعالى عنه، أو إظهار جنايتهم فالأولى بذلك الإظهار لمن كانوا معتقدين بحقية خلافتهم وممدين وناصرين. وأيضا في هذا التأخير ترك الأصلح، إذ قد مضى أكثر الأمة على الضلالة. وأيضا يلزم على هذا التقدير أن النبي والوصي والأئمة لا بد لهم أن يذوقوا موتا آخر زائدا على سائر الناس، وظاهر أن الموت شديد، فلا ينبغي إذاقته للمحبوب عبثا. وأيضا
стр. 552
يلزم مذلة الأمير والسبطين حيث لم يأخذوا الثأر بعد مضي هذه المدة إلا بواسطة المهدي ولم ينتقم الله من أعدائهم إلا حينئذ. وبالجملة المفاسد في هذا كثيرة والاعتراضات غزيرة.
стр. 553
المطلب السادس في أن الله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء
قالت الإمامية إن أحدنا لا يعذب بصغير ولا كبير لا في القيامة ولا في القبر، وحب علي كاف في الخلاص إذ لات حين مناص.
ونقول تبا لهم، أوَلا يفقهون أن حب الله ورسوله بلا إيمان غير كاف، وهذا غير خاف. وهذه العقيدة في الأصل مأخوذة من اليهود حيث: ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وعمدة ما يتمسكون به مفتريات وضعها الضالون المضلون وتلقتها الحمقاء الجاهلون. منها ما رواه ابن بابويه القمي في علل الشرائع عن المفضل بن عمر قال: "قلت لأبي عبد الله: لم صار علي قسيم الجنة والنار؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر، لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا يدخل النار إلا باغضوه". ويدل على الوضع المخالفة للكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وكل رواية تخالف قواطع النصوص فهي موضوعة جزما.
وأيضا حب الأمير ليس كل الإيمان، وإلا لبطلت التكاليف ولا تمام المشترك، لأن التوحيد والنبوة أصل أقوى وأهم، فهو جزء من أجزاء الإيمان فلا يكفي وحده لدخول الجنة. وأيضا "لا يدخل النار إلا مبغضوه" يدل على أن لا يدخل النار أحد من الكافرين غير الباغضين كفرعون وهامان لأنهم لم يعرفوا فلم يبغضوا، سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 554
سلمنا ما يريدون، لكن لا يثبت المطلوب أيضا لأن الحاصل لا يدخل الجنة إلا محبوه أن لا يدخل الجنة من لا يحب عليا لا أن كل من يحبه يدخلها، والمدعى هذا لا ذلك والفرق واضح. فلهذا روى ابن بابويه رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "جائني جبريل وهو مستبشر فقال: إن الله الأعلى يقرئك السلام وقال: محمد نبيي وعلي حجتي لا أعذب من والاه وإن عصاني ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني". ويدل على وضعها لزوم التفضيل، كيف ولا خوف على العاصي ولو منكرا للرسول بحب علي، ولا منفعة للمطيع ولو مؤمنا ببغضه. وهي مخالفة للنصوص كما سبق. على أن التكاليف تكون عبثا ولم يبق إلا الحب والبغض، وفيه الإغراء للنفوس وإمداد الشيطان ومفاسد شتى. على أنه لم يذكر ذلك في القرآن. وانظر مرويات لهم أخر تعارض ما سبق وتعارضه، لكن الكذاب كما قيل لا حافظة له.
ومنها ما رواه سيدهم وسندهم حسن بن كبش عن أبي ذر قال: "نظر النبي ﷺ إلى علي فقال: هذا خير الأولين من أهل السماوات وأهل الأرض، هذا سيد الصديقين، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، إذا كان يوم القيامة جاء على ناقة من نوق الجنة أضائت عرصة القيامة من ضوئها على رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت، فتقول الملائكة: هذا ملك مقرب، ويقول النبيون: هذا نبي مرسل، فينادي مناد من تحت بطنان العرش: هذا الصديق الأكبر هذا وصي حبيب الله تعالى علي بن أبي طالب، فيقف على متن جهنم فيخرج منها من يحب ويدخل فيها من يبغض، ويأتي أبواب الجنة فيدخل فيها من يشاء بغير حساب".
ولا يخفى أن هذه الرواية ناصّة على أن بعض العصاة ممن يحب الأمير يدخلون النار ثم يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة، فإن كانوا محبيه فلمَ دخلوا؟ وإن لم يكونوا فلمَ خرجوا؟ وأيضا تدل على كذب الحصر السابق في قوله تعالى: لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا
стр. 555
يدخل النار إلا مبغضوه. فالرواية باطلة.
ومنها ما رواه ابن بابويه القمي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عبدا مكث في النار سبعين خريفا، كل خريف سبعون سنة، ثم إنه سأل الله تعالى بحق محمد وآله أن يرحمه فأخرجه من النار وغفر له" انتهى.
فإن كان هذا محبا فلمَ يعذب؟ وإلا فلمَ يدخل الجنة؟ فلينظر في كلامهم وليتأمل. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 556
المطلب السابع أن غير الفرقة الناجية من الفرق لا تخلد في النار
وقالت الاثنا عشرية إن جميع فرق المسلمين في النار إلا الاثني عشرية. قال ابن المطهر الحلي في شرح التجريد: اختلف هؤلاء على أقوال ثلاثة، أحدها أنهم مخلدون في النار، ثانيها أنهم يخرجون منها ويدخلون الجنة، ثالثها الوقف. ثم قال: وذكر جماعة من علمائنا أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود، ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب، بل في الأعراف.
وذكر صاحب التقويم أن الشيعة افترقت اثنتين وسبعين فرقة، والناجية منها الاثنا عشرية، وسائر فرق الشيعة يعذبون في النار ثم يخرجون منها إلى الجنة، وسائر الفرق الإسلامية كلهم مخلدون في النار.
وهذا باطل. والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن الفرق الغير الناجية من المسلمين لا يخلدون في النار، بل يعذبون فيها على قدر بدعتهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
стр. 557
وروى ابن بابويه عن النبي ﷺ قال: "والذي بعثني بالحق لا يعذب الله بالنار موحدا أبدا".
وروى الطبرسي في احتجاجه عن الحسين بن علي أنه قال: "من أخذ ما جرى عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف وردّ علم ما اختلف فيه إلى الله سلم ونجا من النار ودخل الجنة".
وروى الكليني بإسناد صحيح عن زرارة عن أبي عبد الله قلت: أصلحك الله أرأيت من صام وصلى واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا ينصب؟ قال: إن الله يدخله الجنة برحمته.
فإن هذه الأخبار الثلاثة [تثبت] قول الجمهور.
стр. 558
المقصد السابع في بيان ما يدل على بطلان مذهب الشيعة
стр. 559
وهي إما دلائل نقلية أو عقلية.
أما النقلية فآيات وأحاديث وآثار عن الأئمة
(الأدلة القرآنية)
وأما الآيات؛
فمنها قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح ٢٩]، قال العلماء: هذه الآية ناصة على أن الرافضة كفرة لأنهم يكرهونهم بل يكفرونهم. والعياذ بالله تعالى.
ومنها قوله تعالى: ﴿[لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠] وهم الصحابة وأمهات المؤمنين ومن تبعهم بإحسان. ومن كان في قلبه غل فهو خاسر مثبور. ومن صفا قلبه من شوائب الغل فهو فائز مسرور.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]، والمؤمنون قوت نزول الآية هم الصحابة. والرافضة اتبعوا غير سبيل المؤمنين ووافقوا هوى أنفسهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور ٥٥]، وهؤلاء هم الصحابة كما سبق ذلك في مباحث
стр. 560
الإمامة، فمن خالفهم وعاداهم فهو في ضلال. وفي هذه الآية دلالة أيضا على أن الشيعة ليسوا من أتباع الأمير كرم الله تعالى وجهه، فإنه كان من الذين وعدهم الله تعالى بما ذكر في الآية. والشيعة يزعمون أن الأئمة كانوا خائفين منافقين.
ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، فالمخاطب بهذه هم الصحابة ومن اقتدى بهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، والرافضة قد حكموا بغير ما أنزل الله حيث ضللوا الصحابة وكفروهم، وقد حكم الله تعالى بفوزهم برضائه عنهم وأنه ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح ٢٦].
ومنها قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح ٢٦]، والمراد بهم الصحابة، فمن زاغ عنهم ومال عن طريقهم هلك. والرافضة يعتقدون أن مخالفتهم عبادة ومضاددتهم عين تقواهم.
(الأحاديث النبوية)
وأما الأحاديث؛
فمنها ما أخرجه الدارقطني عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: "قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك ففي الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه يمرقون منه كما يمرق السهم من كبد القوس، لهم نبز يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشروكون".
ومنها ما أخرجه أيضا عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي ﷺ أنه قال: "سيأتي بعدي قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم
стр. 561
مشركون". وفي رواية: "قلت: يا رسول الله ما العلامة فيهم؟ قال: يفرطونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف". ومن طريق آخر زاد فيه: "وينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك، وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر".
ومنها ما أخرجه الطبراني والبغوي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: "قال لي رسول الله ﷺ : يا علي عمل إذا فعلته كنت من أهل الجنة، سيكون بعدي أقوام يقال لهم الرافضة إذا أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون، قال علي: ما علامة ذلك؟ قال: إنهم يسبون أبا بكر وعمر".
ومنها ما أخرجه الطبراني والحاكم والمحاملي عن عويم بن ساعدة قال: "قال رسول الله ﷺ : إن الله اختارني واختار لي أصحابا وجعل فيهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا".
стр. 562
ومنها ما أخرجه العقيلي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "إن الله اختارني واختار لي أصحابي وأصهاري، وسيأتي قوم يسبونهم وينتقصونهم فلا تجالسوهم ولا تشاربهوه ولا تواكلوهم ولا تناكحوهم". وزاد الشريف الجيلي: "ولا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة".
ومنها قوله ﷺ : "من آذى أصحابي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله".
فهذه الأحاديث إن كانت الشيعة تنكرها فلا يمكن إنكار الآيات السابقة.
(الآثار المروية عن أهل البيت)
وأما الآثار المروية عن أهل البيت فهي أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها المتفق عليه عند
стр. 563
الفريقين.
منها ما روي عن أمير المؤمنين في كتاب كتبه إلى معاوية جوابا عن كتابه قال بعد ذكر أبي بكر وعمر: "ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم وإن المصاب لهما لجرح في الإسلام شديد، يرحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا". وهذا الكتاب أورده شارحو نهج البلاغة.
ومنها أنه قال في كلام له في النهج: "الزموا السواد الأعظم، فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب". والروافض كالخوارج رفضوا السواد الأعظم.
ومنها ما في النهج أيضا أن الأمير كتب إلى معاوية: "إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان لله رضى، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإذا أبى قاتلوه على اتباع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". وقد اجتمع المهاجرون على أربع من الصحابة وسموا كلا منهم إماما، فهم أئمة ومتبعوهم على الحق ومخالفوهم على الباطل، وهم الروافض والنواصب.
ومنها ما صرح به شراح النهج أن أمير المؤمنين كتب إلى معاوية: "ألا إن للناس جماعة يد الله معها وغضب الله على من خالفها" الخ. ولا شك أن الشيعة لم يكونوا مع الجماعة.
ومنها ما صرح به الشرّاح أيضا أن الأمير كتب إلى معاوية: "ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وصدرت كما صدروا، وما كان الله ليجمعهم على الضلال".
стр. 564
ومنها ما روى يحيى بن حمزة الزيدي في آخر كتاب طوق الحمامة في مباحث الإمامة عن سويد بن غفلة أنه قال: قلت لعلي: "إني مررت بقوم من الشيعة يذكرون أبا بكر وعمر وينتقصونهما، ولولا أنهم يرون أنك تضمر ما هم عليه لم يجترؤا على ذلك. فقال: أعوذ بالله أن أضمر لهما شيئا إلا الحسن الجميل، ثم نهض باكيا وأخذ بيدي وأدخلني المسجد وصعد المنبر، ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت دموعه تتحادر عليها وجعل ينظر للبقاء حتى اجتمع الناس، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون وعليه معاقب، صحبا رسول الله ﷺ بالجد والوفاء والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان لله، لا يرى رسول الله كرأيهما رأيا ولا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض رسول الله وهو عنهما راض والمسلمون راضون، فما تجازوا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله ﷺ وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق. ثم أرسل ابن سبأ إلى المدائن لأنه أحد الطاعنين".
وهذا مما يفت بأعضاد هذه الفرقة -أعني الشيعة السبية- لو ينصفون.
стр. 565
ومنها ما روي عن السجاد رضي الله تعالى عنه في الصحيفة أنه كان يقول في دعائه لأتباع الرسل بعد دعائه لأصحاب محمد ﷺ خاصة: "اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذي يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم"، ودعائه لأصحاب محمد ﷺ هذا: "اللهم وأصحاب محمد ﷺ خاصة الذين أحسنوا الصحبة وأبلوا البلاء الحسن وأسرعوا في نصره وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته"، إلى أن قال: "فلا تنس اللهم ما تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسلك دعاة لك واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم من سعة العيش إلى ضيقه".
ومنها ما رواه صاحب الفصول المهمة أحد كبار علماء الإمامية عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر أنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان: "أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية".
следующие страницы →