Полный текст (641 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
مشركون". وفي رواية: "قلت: يا رسول الله ما العلامة فيهم؟ قال: يفرطونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف". ومن طريق آخر زاد فيه: "وينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك، وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر".
ومنها ما أخرجه الطبراني والبغوي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: "قال لي رسول الله ﷺ : يا علي عمل إذا فعلته كنت من أهل الجنة، سيكون بعدي أقوام يقال لهم الرافضة إذا أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون، قال علي: ما علامة ذلك؟ قال: إنهم يسبون أبا بكر وعمر".
ومنها ما أخرجه الطبراني والحاكم والمحاملي عن عويم بن ساعدة قال: "قال رسول الله ﷺ : إن الله اختارني واختار لي أصحابا وجعل فيهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا".
стр. 562
ومنها ما أخرجه العقيلي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "إن الله اختارني واختار لي أصحابي وأصهاري، وسيأتي قوم يسبونهم وينتقصونهم فلا تجالسوهم ولا تشاربهوه ولا تواكلوهم ولا تناكحوهم". وزاد الشريف الجيلي: "ولا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة".
ومنها قوله ﷺ : "من آذى أصحابي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله".
فهذه الأحاديث إن كانت الشيعة تنكرها فلا يمكن إنكار الآيات السابقة.
(الآثار المروية عن أهل البيت)
وأما الآثار المروية عن أهل البيت فهي أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها المتفق عليه عند
стр. 563
الفريقين.
منها ما روي عن أمير المؤمنين في كتاب كتبه إلى معاوية جوابا عن كتابه قال بعد ذكر أبي بكر وعمر: "ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم وإن المصاب لهما لجرح في الإسلام شديد، يرحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا". وهذا الكتاب أورده شارحو نهج البلاغة.
ومنها أنه قال في كلام له في النهج: "الزموا السواد الأعظم، فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب". والروافض كالخوارج رفضوا السواد الأعظم.
ومنها ما في النهج أيضا أن الأمير كتب إلى معاوية: "إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان لله رضى، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإذا أبى قاتلوه على اتباع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". وقد اجتمع المهاجرون على أربع من الصحابة وسموا كلا منهم إماما، فهم أئمة ومتبعوهم على الحق ومخالفوهم على الباطل، وهم الروافض والنواصب.
ومنها ما صرح به شراح النهج أن أمير المؤمنين كتب إلى معاوية: "ألا إن للناس جماعة يد الله معها وغضب الله على من خالفها" الخ. ولا شك أن الشيعة لم يكونوا مع الجماعة.
ومنها ما صرح به الشرّاح أيضا أن الأمير كتب إلى معاوية: "ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وصدرت كما صدروا، وما كان الله ليجمعهم على الضلال".
стр. 564
ومنها ما روى يحيى بن حمزة الزيدي في آخر كتاب طوق الحمامة في مباحث الإمامة عن سويد بن غفلة أنه قال: قلت لعلي: "إني مررت بقوم من الشيعة يذكرون أبا بكر وعمر وينتقصونهما، ولولا أنهم يرون أنك تضمر ما هم عليه لم يجترؤا على ذلك. فقال: أعوذ بالله أن أضمر لهما شيئا إلا الحسن الجميل، ثم نهض باكيا وأخذ بيدي وأدخلني المسجد وصعد المنبر، ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت دموعه تتحادر عليها وجعل ينظر للبقاء حتى اجتمع الناس، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون وعليه معاقب، صحبا رسول الله ﷺ بالجد والوفاء والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان لله، لا يرى رسول الله كرأيهما رأيا ولا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض رسول الله وهو عنهما راض والمسلمون راضون، فما تجازوا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله ﷺ وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق. ثم أرسل ابن سبأ إلى المدائن لأنه أحد الطاعنين".
وهذا مما يفت بأعضاد هذه الفرقة -أعني الشيعة السبية- لو ينصفون.
стр. 565
ومنها ما روي عن السجاد رضي الله تعالى عنه في الصحيفة أنه كان يقول في دعائه لأتباع الرسل بعد دعائه لأصحاب محمد ﷺ خاصة: "اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذي يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم"، ودعائه لأصحاب محمد ﷺ هذا: "اللهم وأصحاب محمد ﷺ خاصة الذين أحسنوا الصحبة وأبلوا البلاء الحسن وأسرعوا في نصره وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته"، إلى أن قال: "فلا تنس اللهم ما تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسلك دعاة لك واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم من سعة العيش إلى ضيقه".
ومنها ما رواه صاحب الفصول المهمة أحد كبار علماء الإمامية عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر أنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان: "أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية".
стр. 566
ومنها ما في التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد بن حسن العسكري: "إن الله تعالى قال لموسى: يا موسى، أما علمت أن فضل أصحاب محمد على جميع أصحاب المرسلين كفضل آل محمد على آل جميع المرسلين".
ومنها ما في التفسير المذكور أيضا أن آدم لما صدر منه ما صدر قال: بمحمد وآله الطيبين وخيار أصحابه المنتجبين أن تغفر لي، قال الله تعالى: قد قبلت توبتك، ثم أوحى إليه كلاما في فضل سيد المرسلين وآله الطيبين وصحابته المنتجبين، وأخبره أن من بغضهم أو واحدا منهم يعذبه الله عذابا لو قسم على مثل خلق الله لأهلكهم أجمعين.
فهذه الروايات كلها تدل على أن الشيعة من الهالكين وأنهم من المغضوب عليهم والضالين.
(الدلائل العقلية)
وأما الدلائل العقلية فهي كثيرة جدا أيضا.
منها أن مذهب الرافضة لو كان حقا لزم الخلف في وعده سبحانه وهو محال؛ وذلك لأن عليا وأولاده لم يمكّن الله لهم دينهم الذي ارتضى، فإنهم كما زعمت الرافضة لم يزالوا خائفين من الأعداء كاتمين دينهم حتى أيام الخلافة، كما نص عليه المرتضى في كتابه تنزيه الأنبياء والأئمة. وكذا من يدعي اتباعهم يكتمون مذهبهم تقية. وقد حملوا كثيرا من أقوال الأئمة وأفعالهم على التقية. ويتلون القرآن الذي حرَّفه الخلفاء الثلاثة بزعمهم في الصلاة وخارجها، ولم يتمكن أمير المؤمنين مدة حياته إظهار القرآن الذي جمعه كما نزل، وكذا ولده.
стр. 567
ومنها أن جماهير الرافضة يوافقون الفرق الهالكة كالمعتزلة والخوارج في العقائد، ومن كان كذلك فهو ضال، نص عليه الحلي في المنهج. وأما سائرهم -كالغلاة- فكفرهم في الدين متفق عليه.
ومنها أن الشيعة آمنون من مكر الله، فإنهم جازمون بنجاتهم من النار ودخولهم دار القرار: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ومن كان خاسرا فهو ضال ومذهبه باطل.
ومنها أن كل فرقة منهم تخالف الأخرى في الأصول والفروع، وادعى كل منهم أن ما اعتقده هو مذهب الأئمة، ولا دليل على ما ادعوه، وكل دعوى بلا دليل باطلة، بل إن التعارض يوجب التساقط.
ومنها أن الأئمة كانوا يظهرون للناس ما كانوا يخالف ما عليه الشيعة، فمذهبهم باطل. ودعوى أنهم كانوا يخفون عن الناس ما يبدون لا دليل عليها، ودون إثباتها خرط القتاد.
(تشريع فرق الشيعة ما لم يأذن به الله)
ومنها أن كل فرقة من فرق الشيعة شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وهو مما يدل على بطلان مذهبهم. أما الغلاة فقد شرعوا ترك العمل بالأحكام وأوّلوا النصوص.
وأما الكيسانية، فالمختارية منهم تابعوا المختار فيما شرع من الأحكام ما أراد لادعائه أنه يوحى إليه، وعد أكثرهم من الغلاة، وقد قتل مع المختار أكثر من تبعه، ورجع من بقي إلى مذهب الروافض كالإمامية والزيدية وغيرهم.
стр. 568
وأما الزيدية فقد سبق شيء مما شرعوه، والمتأخرون منهم وافقوا أهل السنة في كثير من الفروع.
وأما الإسماعيلية فقد شرعوا بعض الأحكام ووافقوا فرق الإمامية قبل خروج العبيدي وشرعوا بعض الأحكام بعده. والقرامطة والباطنية منهم أظهروا ما كان يخفيه أسلافهم فشرعوا ترك العمل بالظواهر وألحدوا في آيات الله. والحسينية والنزارية منهم أسقطوا التكاليف الشرعية.
وأما الإمامية فقد شرع كل منهم في الأصول أشياء تقدم ذكر شيء منها، ولنذكر في هذا المقام شيئا يسيرا من الفروع إذ استيعابه يحتاج إلى أسفار. فنقول:
(مسائل الأعياد)
إنهم أوجبوا لعن الصحابة من المهاجرين والأنصار وعائشة وحفصة عقب الصلوات المكتوبة. والكتاب ناص على أنهم من أهل الجنة كما سبق.
وإنهم أحدثوا عيد الغدير، وهو الثامن عشر من ذي الحجة، وفضلوه على عيد الفطر والأضحى، وسموه بالعيد الكبير. وهو لا أصل له في الشريعة ولم يروَ عن أحد من الأئمة.
стр. 569
وأحدثوا عيد قتل عمر، وهو التاسع من شهر ربيع الأول كما زعموا، روى علي بن مظاهر الواسطي عن أحمد بن إسحاق أنه قال: «هذا اليوم يوم العيد الأكبر ويوم المفاخرة ويوم التبجيل ويوم الزكاة العظمى ويوم البركة ويوم التسلية»، وكان أحمد هذا أول من أحدث هذا العيد، وتبعه بعد ذلك من تبعه من أصحابه. ونسبةُ هذا العيد إلى الأئمة كذب وافتراء، ولا سند لهم في ذلك.
وإنهم أوجبوا تعظيم النيروز. قال ابن فهد في المهذب: «إنه أعظم الأيام»، وهو كذب.
стр. 570
وليس له أصل في الدين. وقد صح عن الأمير لما جاءه في هذا اليوم شخص بحلوى فسأله عن الموجب فقال: «اليوم يوم النيروز، فقال: نيروزنا كل يوم».
وأنهم يجوزون [السجود] إلى السلاطين الظلمة، مع أن السجود لغير الله تعالى لا يجوز.
(مسائل الطهارة)
وإنهم يحكمون بطهارة الماء الذي استنجي به ولم يطهر المحل وانتشرت أجزاء النجاسة بالماء حتى زاد وزن الماء بذلك. قال ابن المطهر في المنتهى: «إن طهارة ماء الاستنجاء وجواز استعماله مرة أخرى من إجماعيات الفرقة»، مع أن هذا مخالف لنص القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ أي أكلها وأخذها واستعمالها، ولا شك في كون هذا الماء نجسا خبيثا. ومخالف أيضا لروايات الأئمة، فقد روى صاحب قرب الإسناد وصاحب كتاب المسائل عن علي بن جعفر أنه قال: «سألت أخي موسى بن جعفر عن جرة فيها ألف رطل من ماء وقع فيه أوقية بول هل يصح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا النجس لا يجوز استعماله».
стр. 571
ومن العجب أن مذهب الاثني عشرية أن الماء إذا كان أقلّ من كرٍّ ينجس بوقوع النجاسة فيه، فمقتضى هذا أن يكون نجاسة ماء الاستنجاء أولى.
وإنهم حكموا بطهارة الخمر كما نص عليه ابن بابويه والجعفي وابن عقيل، وهذا الحكم مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ والرجس في اللغة أشد النجاسة، ولنصوص الأئمة الموجودة في كتب الشيعة، فقد روى صاحب قرب الإسناد وصاحب كتاب المسائل وأبو جعفر الطوسي عن أبي عبد الله أنه قال: «لا تصل في الثوب قد أصابه الخمر».
وإنهم حكموا بطهارة المذي، وهو مخالف للحديث الصحيح المتفق عليه. روى
стр. 572
الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي أنه قال: «سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: يغسل طرف ذكره»، وقد أورد أبو جعفر الطوسي أيضا روايات صريحة في نجاسة المذي، ولكن ليس له العمل والفتوى على ذلك.
وإنهم يقولون بعدم انتقاض الوضوء بخروج المذي، مع أنهم يروون عن الأئمة خلاف ذلك. روى الطوسي عن بن يقطين عن أبي الحسن أنه قال: «المذي منه الوضوء» وروى الراوندي
стр. 573
عن علي قال: «قلت لأبي ذر: سل النبي ﷺ عن المذي، فسأله فقال: يتوضأ منه وضوءه للصلاة».
وإنهم يقولون بطهارة الودي وهو بول غليظ جزما بإجماع الشرائع، وأنهم يحكمون بعدم انتقاض الوضوء من خروج الودي مع أنه مخالف لرواية الأئمة. روى الراوندي عن علي مرفوعا: «الودي فيه الوضوء»، وروى غيره عن أبي عبد الله مثل ذلك.
وإنهم يحكمون بأنَّ تحريك الذكر ثلاث مرات استبراء له بعد البول، فما خرج منه بعد ذلك فهو طاهر غير ناقض للوضوء أيضا. وهذا الحكم مخالف لصريح الشرع إذ الخارج من السبيلين نجسٌ وناقضٌ للوضوء مطلقا. والاستبراءُ السابق لا دخل له في الطهارة اللاحقة، وعدم انتقاض الوضوء وأي تأثير في ذلك؟ وهو مخالف أيضا لروايات الأئمة. روى الصفار عن محمد بن عيسى عن أبي جعفر: «أنه كتب إليه رجل: هل يجب الوضوء إذا خرج من الذكر شيء بعد الاستبراء؟ قال: نعم».
وإنهم حكموا بطهارة خرء الدجاجة، مع أن نجاسته ثبتت بنصوص الأئمة في كتبهم المعتبرة. روى محمد بن حسن الطوسي عن فارس: «أنه كتب رجل إلى صاحب العسكر يسأله عن ذرق الدجاج تجوز الصلاة فيه؟ فكتب: لا»، وهذا مخالف لقاعدتهم في الكلية
стр. 574
وهي: «أن ذرق الحلال من الحيوان نجس»، نص عليه الحلي في المنتهى.
صفة الوضوء والغسل والتيمم
قالوا غسل بعض الوجه في الوضوء كاف، مع أن نص الكتاب يدل على وجوب غسله كله. قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه ما يواجه به، وهو من منبت قصاص الجبهة غالبا إلى آخر الذقن، ومن إحدى شحمتي الأذن إلى الأخرى. وهم قدروا الفرض في غسل الوجه ما يدخل بين الإبهام والوسطى إذا انجرت اليد من الجبهة إلى الأسفل. وليس لهذا التقدير أصل في الشرع أصلا، ولا فيه رواية عن الأئمة. والدليل على بطلانه أن الإبهام والوسطى لو جررناهما ممتدين من الأعلى إلى الأسفل، فإذا اتصلتا إلى الذقن لا بد أن تحيطا من الحلق ببعضه من الطرفين، فيلزم أن يكون غسل ذلك القدر من الحلق فرضا أيضا، مع أن الحلق لم يعدّه أحدٌ داخلا في الوجه؛ ولو بسطنا الإصبعين المذكورتين بمحاذاة الجبهة وقبضناهما بالتدريج، فحدُّ القبض لا يعلم أصلا. والتقديرات الشرعية تكون لإعلام المكلفين لا للإبهام عليهم.
وقالوا: إن الوضوء مع غسل الجنابة حرام. وهذا مخالف لما كان عليه النبي ﷺ ، فإنه كان يتوضأ في غسل الجنابة ابتداء ثم يصب الماء على البدن في كل غسل. ومخالف لما عليه الأئمة أيضا، روى الكليني عن محمد بن مبشر عن أبي عبد الله
стр. 575
والحسن بن [سعيد] عن الحضرمي، عن أبي جعفر أنهما قالا: «حين سألهما شخصٌ عن كيفية غسل الجنابة: تتوضأ ثم تغسل».
وقالوا: إن غسل النيروز سنة كما صرح بذلك ابن فهد. وهذا الحكم محض ابتداع في الدين، إذ لم ينقل في كتبهم أيضا عن النبي ﷺ ولا عن الأئمة أنهم اغتسلوا يوم النيروز. بل لم تكن العرب تعرف ذلك اليوم لأنه من الأعياد الخاصة بالمجوس.
وقالوا إن من وجب عليه القتل حدا أو قصاصا إذا اغتسل قبل القتل لا يعاد عليه الغسل بعده بل يجزئ اغتساله، كما نص عليه بهاء الدين العاملي في جامعه. وأنت خبير بأن علة الحكم قبل القتل غير متحققة البتة، فكيف يترتب الحكم
стр. 576
وإذا وجدت كيف لا يترتب؟ فحينئذ يلزم الانفكاك بينهما. والحال أن العلل الشرعية كالعقلية في ترتب ما يتوقف عليها ويحتاج إليها وجودا وعدما.
وقالوا: يكفي للتيمم ضربة واحدة، مع أن روايات الأئمة ناطقة بخلاف هذا الحكم. روى العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال: «سألته عن التيمم فقال: ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين». وروى ليث المرادي عن أبي عبد الله نحوه. وروى إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا مثل ذلك. وزادوا في التيمم مسح الجبهة، ولا أصل له في الشرع أيضا.
وقالوا: إن الخف والقلنسوة والجورب والنطاق والعمامة والتكة وكل ما يكون على بدن المصلي مما لا يمكن الصلاة فيه وحده يجوز الصلاة بها وإن كانت متلطخة
стр. 577
بعذرة الإنسان وغيرها من النجاسات المغلظة. وهذا الحكم مخالف لصريح الكتاب، أعني قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ولا شك أن هذه الأشياء يطلق عليها لفظ الثياب شرعا وعرفا، ولهذا تدخل في يمين تنعقد بلفظ الثياب نفيا وإثباتا.
وقالوا: إن ثياب بدن المصلي -كالأزرار والقميص والسراويل- يجوز الصلاة بها وإن تلطخت بدم الجروح والقروح، مع أن الدم والصديد ونحوهما -سواء كانت من جرحه أو جرح غيره- نجسة بلا شبهة. وهذا في حق غير المبتلى بهما، وأما في حقه فمعفو عنه لتعسر الاحتراز عن ذلك حينئذ.
مسائل الصلاة
قالوا: يجوز استقبال غير القبلة في صلاة النافلة قائما كان المصلي أو قاعدا، وكذا في سجدة التلاوة. وهذا ابتداع في الدين، وأمر لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ . وأما حالة الركوب في السفر فمخصوصة البتة من عموم وجوب استقبال القبلة بروايات الرسول ﷺ والأئمة كما بيّن في محله. وإذا انتفى هذا العذر
стр. 578
لا يصح استقبال غير القبلة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ولقد أنصف هذه المسألة شيخهم المقداد في كنز العرفان وحكم بمخالفة هذا الحكم لصريح القرآن.
وقالوا: إنَّ مَن صلى في مكان فيه نجاسة -كبراز الإنسان يابسة لا تلتصق ليبسها ببدنه وثوبه في السجود والقعود- جازت صلاته، مع أن وجوب طهارة مكان الصلاة ضروري الثبوت في جميع الشرائع.
وقالوا: إنَّ مَن غمس قدميه إلى الركبة ويديه إلى المرفقين في صهاريج بيت الخلاء الممتلئة بعذرة الإنسان وبوله ثم أزال عين ما التصق به بعد اليبس بالفرك والدلك من غير غسل وصلى صحت صلاته. وكذلك إن انغمس جميع بدنه في بالوعة مملوءة من البول والعذرة -وليس على بدنه جرم النجاسة- صحت صلاته أيضا بلا غسل. مع أن التطهير في هذه الحالات من غير غسل لا يتحقق، كما هو معلوم لكل أحد من العقلاء.
وقالوا: لو وجد المصلي بعد الفراغ من الصلاة في ثوبه براز الإنسان أو الكلب أو الهرة اليابس أو المني أو الدم صحت صلاته ولا تجب عليه إعادتها، كما ذكره الطوسي في التهذيب وغيره. مع أن طهارة الثوب من شرائط الصلاة، والجهل والنسيان في الحكم الوضعي ليس بعذر.
стр. 579
وقالوا: إنَّ مَن صلى عاريا وقد ستر ذكره وانثييه بطين قليل -ولو من غير ضرورة- صحت صلاته. مع أن ستر العورة واجبٌ على القادر شرعا، ولا سيما في حالة الصلاة. ولهذا خالف جماعة من الإمامية جمهورهم في هذه المسألة مستدلين بالآثار المروية عن أهل البيت.
وقالوا: إنَّ مَن لطخ لحيته وشاربه وبدنه وثوبه بذرق الدجاج أو أصاب لحيته وشاربه ووجهه وخده قطرات من بوله بعد ما استبرأ ثلاث مرّات تصح صلاته بلا غسل.
وقالوا: يجوز المشي للمصلي في صلاته لوضع عجينة في محل لا يصل إليه كلب أو هرة، ولو كان ذلك المحل بعيدا عن مصلاه لمسافة عشرة أذرع شرعية. مع أن العمل الكثير ولا سيما إذا لم يكن مما يتعلق بالصلاة مبطل لها، لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 580
وقالوا: من قرأ في الصلاة "وتعالى جدك" تفسد صلاته. مع أن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ في سورة [الجن] يصح قرأتها في الصلاة. وقالوا تفسد الصلاة بقراءة بعض السور من القرآن كحم تنزيل السجدة وثلاث سور أخرى، مع أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ يدل بمنطوقه على العموم. وهؤلاء الفرقة هم يروون عن الأئمة أن الصلاة تصح بقراءة كل سورة من القرآن، ومن العجيب أنهم يحكمون بجواز الصلاة بقراءة ما يعلمه المصلي أنه ليس من القرآن المنزل، بل هو محرّف عثمان وأصحابه، مثل أن تكون: ﴿أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾.
وقالوا: يجوز الأكل والشرب في الصلاة، كما صرح به فقيههم المعتبر صاحب شرائع الأحكام في كتابه هذا، مع أن الأخبار المتفق عليها تدل على المنع من الأكل والشرب في الصلاة. وشرب الماء في صلاة الوتر لمن يريد أن يصوم غدا وعطش في تلك
стр. 581
الصلاة مجمع على جوازه عندهم.
وقالوا: لو باشر المصلي امرأة حسناء مباشرة فاحشة وضمها إلى نفسه وألصق رأس ذكره بما يحاذي قبلها وسال المذي الكثير ولو إلى الساق جازت صلاته، كذا ذكره الطوسي وأبو جعفر وغيره من مجتهديهم. ولا يخفى أن هذه الحركات مخالفة بالبداهة لمقاصد الشرع ومنافية لحالة المناجاة.
وقالوا: إنَّ المصلي لو لعب بذكره وخصيتيه بحيث سال منه المذي لا تفسد صلاته.
وقال بعضهم: تجوز الصلاة إلى جهة قبور الأئمة بنية مزيد الثواب. مع أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
стр. 582
مساجد».
وقالوا: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير عذر وسفر. وذلك مخالف لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
وقالوا: يجوز أن تصلى الصلوات الأربع -أعني الظهر والعصر والمغرب والعشاء- متصلا بعضها ببعض لانتظار خروج المهدي. مع أن الله تعالى جعل لكل صلاة وقتا.
وقالوا: لا يجوز قصر الصلاة في سفر التجارة دون إفطار الصوم. مع أنه لا فرق بين الصلاة والصوم شرعا. وقد نص على الفرق ابن إدريس وابن المعلم والطوسي وغيرهم. وروايات الأئمة تدل على عدم الفرق، ففي كتبهم الصحيحة روى معاوية بن وهب عن أبي عبد الله أنه قال: «وإذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت».
وقالوا مَن كان في سفره أكثر من إقامته -كالمكاري والملاح والتاجر الذي يتردد [بفحص الأسواق]- فله أن يقصر صلاة النهار ويتم صلاة الليل، ولو أقام خمسة أيام
стр. 583
في أثناء سفره أيضا. نص عليه القاضي ابن البراج وابن زهرة وأبو جعفر الطوسي في النهاية والمبسوط. مع أن روايات الأئمة التي وصلت إليهم تدل على خلاف ذلك، ولم تفرق بين الليل والنهار. روى محمد بن بابويه في الصحيح عن أحدهما أنه قال: «المكاري والملاح إذا جدّ بهما سفر فليقصرا»، وروى [محمد] بن مسلم عن الصادق نحوه.
وقالوا: إن القصر في صلاة السفر مخصوص بالسفر إلى المسجد الحرام والمدينة المنورة وكوفة وكربلاء، وهذا عند جمهورهم. وأما المختار لجمع منهم المرتضى فهو أن جميع مشاهد الأئمة لها هذا الحكم. مع أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ الآية يدل على جواز القصر مطلقا. وقد كان الأمير كرم الله تعالى وجهه يقصر صلاته في جميع أسفاره. ورواية ابن بابويه السابقة دالة أيضا على الإطلاق.
وقالوا: إنَّ صلاة الجمعة في غيبة الإمام لا تجب، بل زعم أهل أخبارهم أنها حرام. وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
стр. 584
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية من غير تقييد بحضور الإمام.
مسائل الصوم والاعتكاف
قالوا: إن الصائم إذا ارتمس في الماء فسد صومه، مع أن مفسداته إنما هي الأكل والشرب والجماع بالإجماع. ولهذا رجع عن هذه المسألة جمع منهم واختاروا عدم الفساد لصحة الآثار بخلافها.
ومن العجيب أن الصوم لا يفسد بالإيلاج على ما ذهب إليه أكثرهم، وقد رأيت في كتاب الشرائع الذي هو أحد كتبهم المعتبرة ما نصه: «ويجب الإمساك عن تسعة: الأكل والشرب والجماع قبلا ودبرا على الأشهر، وفي فساد الصوم بوطئ الغلام تردد وإن حرم»، ثم ذكر بعد أسطر في فصل (ما يجب به الكفارة والقضاء): «تجب فيه الكفارة والقضاء على من كذب على الله ورسوله والأئمة، وفي الارتماس قولان: والأشبه أنه يجب القضاء لا الكفارة ... » الخ. فانظر هل من له عقل
стр. 585
يرضى بمثل هذا الكلام؟ الذي هو بعيد عن الحق بمسيرة ألف عام، وقد روى عن الأئمة خلافه، وأجمع الأمة على أن كل ما يوجب الإنزال فهو مفسد للصوم سواءٌ كان الوطئ في قبل أو دبر.
وقالوا: إنَّ أكل جلد الحيوان لا يفسد الصوم، ولكن عند بعضهم. وعند بعض آخر منهم إن أكل أوراق الأشجار لا يفسد الصوم أيضا. وعند بعضهم لا يفسد الصوم أكل ما لا يعتاد أكله. ومع هذا لو انغمس في الماء يجب عليه القضاء والكفارة معا عند هذا البعض وإن لم يدخل شيء من الماء في حلقه وأنفه.
وقالوا: يستحب صوم يوم عاشوراء من الصبح إلى العصر، مع أن الصوم لا يتجزأ في شريعة أصلا، بل يفسد بفساد جزء منه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وقالوا: إن صيام اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة مؤكّدة، مع أن النبي ﷺ وجميع الأئمة لم يصوموا هذا اليوم بالخصوص ولم يبينوا ثوابه.
стр. 586
وقالوا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد أقام فيه النبي ﷺ أو الأئمة الجمعة. وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وقالوا: يحرم استعمال الطيب للمعتكف مع أنه مسنون لمن يدخل المساجد بالإجماع.
مسائل الزكاة
قالوا: لا تجب الزكاة في التبر من الذهب والفضة.
وقالوا: لو كان عند رجل في ملكه نقود كثيرة مسكوكة واتخذ منها الحلي أو آلات اللهو سقط عنه زكاتها، وإن احتال بهذا قبل يوم من حولان الحول. كذلك تسقط زكاة تلك النقود إذا كسد رواجها في تلك المدة وراجت نقود أخر مكانها. وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنزونَ
стр. 587
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وحيثما ذكر وجوب الزكاة في كلام النبي ﷺ أو الأئمة جاء بلفظ الذهب والفضة لا بلفظ الدراهم والدنانير الرائجة الوقت.
وقالوا: لا تجب الزكاة في أموال التجارة ما لم تصر نقدين بعد التبدل والتحول.
وقالوا: لا تجب الزكاة في مال رجل أو امرأة ملكه وجعله أثاثا لنفسه أو اشترى به متاعا بنيّة الاكتساب أو الزينة أو بالعكس. وقد قال ﷺ : «أدوا زكاة أموالكم»، ولا شبهة في كون هذه الأشياء مالا.
وقالوا: يجوز للمزكي أن يسترد مال الزكاة عن المستحق إذا زال فقره بعد ما تملكه وتصرف فيه، مع أن الصدقات لا تسترد ولا يصح الرجوع فيها بعد القبض. وأخذ مال الغير بدون إجازته لا يجوز في الشريعة أصلا، والاستحقاق وقت الزكاة شرط في وقت الأخذ لا في تمام عمره.
مسائل الحج
قالوا: لو ملك رجلا مالا يكفي لزاده وراحلته ونفقة عياله ذهابا وإيابا ولكن إذا ظن أنه بعد الرجوع من الحج لا يبقى عنده ما يكفيه لنفقة أكثر من شهر، لا يجب عليه الحج، نص عليه أبو القاسم في الشرائع وغيره. وقد أوجب الشارع الحج على
стр. 588
من استطاع إليه سبيلا، أي بالزاد والراحلة ونفقة العيال ذهابا وإيابا وصحة البدن وأمن الطريق لا غير. فانصرام النفقة بعد المجيء لا يوجب نقصا في معنى الاستطاعة.
وقالوا: لا يجب سترة العورة في الحج، لكن هذا عند بعضهم. وقد قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ والروايات الصريحة عن الأئمة ناصة على خلاف ذلك.
وقالوا: يجوز للحاج أن يطوفوا عراة كالجاهلية ولكن بشرط تطيين السوأتين بحيث لا يظهر لون البشرة، مع أن هذا ليس من شعائر الإسلام.
ومن العجيب أن الزنا عند طائفة منهم لو وقع بعد الإحرام بالحج لا يفسده، وهذه ثمرة كشف العورة فيه. وكيف يجوز ذلك والله تعالى يقول: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ولا رفث فوق الزنا في العالم.
وقالوا: لو أصطاد أحد في الإحرام مرّة متعمدا تجب عليه الكفارة، وإذا فعل ذلك مرة أخرى لا تجب، مع أن الجناية إذا تكررت تكون أعظم. ونص
стр. 589
الكتاب قاضٍ بالكفارة على العامد مطلقا، قال تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُمُ مُّتَعَمِّدا فَجَزَاءٌ .. ﴾ الآية.
مسائل الجهاد
قالوا: الجهاد خاص بمن كان مع النبي ﷺ أو في زمن خلافة الأمير أو الإمام الحسن قبل صلحه مع معاوية أو مع الإمام الحسين أو من سيكون مع الإمام المهدي. ولا يجوز الجهاد عندهم في غير هذه الأوقات الخمسة، مع أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والآيات الدالة على وجوب الجهاد غير مقيدة بزمان، بل تدل على أن الجهاد وفي جميع الأوقات عبادة، ومستوجب للأجر العظيم، مثل قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. ﴾ الآية فإنها نزلت في حق الخليفة الأول، وقوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ .. ﴾ الآية، فإنها نزلت في حق رفقاء الخليفة الثاني.
وما وقع عندهم من الجهاد في غير الأوقات المذكورة، فهو فاسد [عندهم]، فيلزم على هذا أن تكون الغنائم في الجهاد الفاسد ليس بمشروعة القسمة، ولا تكون الجواري المأسورة [مملوكة] لأحد ولا يصح التمتع بهن. وقد استخرجوا فتوى عجيبة لتسهيل
стр. 590
هذا العسير ونسبها صاحب الرقاع المزورة ابن بابويه إلى صاحب الزمان: أن تلك الجواري كلها مملوكة للإمام، وقد حلل الأئمة جواريهم لشيعتهم، فبهذه الحيلة يجوز التسري بهن، وإن كانت مأسورة في الجهاد الفاسد.
وما يوجب العجب، بل يضحك المغبون أنك لو سألتهم وقلت: كيف تسرى [علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه] بخولة بنت جعفر اليمامية الحنفية التي جاء بها خالد بن الوليد مأسورة في عهد الخليفة الأول وولد منها محمد بن الحنفية، مع أن ذلك الجهاد كان بزعمهم الفاسد فاسدا؛ أجابوك بأنه قد صح عندنا أن الأمير أعتقها أولا ثم تزوجها. أولا يفقهون أن الإعتاق لا يتصور بدون الملك، فيلزم أن يملكها أولا ثم يعتقها، مع أن الإعتاق نوع من التصرف، وبه يثبت المدعى.
مسائل النكاح والبيع
قالوا: لا يجوز النكاح والبيع إلا بلغة العرب، مع أن اعتبار اللغات في المعاملات
стр. 591
الدنيوية لم يأتِ في شريعة أصلا، ولا أن الأمير كلف أهل خراسان وفارس في عهد خلافته بأن يعقدوا معاملاتهم بلسان العرب، بل نفذ أنكحتهم وبيوعهم المنعقدة بلغتهم. وأي دخل للسان العرب في صحة العقود والمعاملات، كالنكاح والبيع والإجارة والطلاق، إذ المقصود بها إظهار ما في الضمير، وهو معين لكل قوم بلغتهم.
وقالوا: إن الجد مختار في بيع مال الصغير وله الولاية عليه مع وجود الأب. وقد تقرر في الشرع عدم دخول الولي الأبعد عند وجود الأقرب في كل باب، وسقوط المدلي عن المدلى به في الولاية والميراث.
مسائل التجارة
قالوا: إن أخذ الربح من المؤمن في التجارة مكروه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وقال تعالى: ﴿إلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾، ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. والمؤمن وغيره سيان في هذا الباب، إذ مبنى التجارة والبيع على تحصيل النفع. وما توارثه جميع الأمة في كل الأعصار والأمصار على خلاف هذه المسألة. فلو اتجر مؤمن في دار الإسلام تجارة بالمؤمنين لا تجوز له فتصير ديار كثيرة محرومة من هذه الفائدة. وقد قرر الأنبياء والأئمة المؤمنين على تجارتهم فيما بينهم مع أخذ الربح.
مسائل الرهن والدين
قالوا: يجوز الرهن من غير قبض المرتهن المرهون، وقد جعل القبض في الشرع من لوازم الرهن، قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ولا تتحقق الفائدة المقصودة من الرهن بدون القبض، لأن المرتهن لا حق له في رقبة المرهون ولا يجوز الانتفاع بمنافعه بلا إذن الراهن، وليس له إلا القبض حتى يحصل دينه من المرهون لدى
стр. 592
الحاجة، فإذا لم يكن هذا أيضا [فلا] فائدة فيه للمرتهن. ومع هذا قد خالفوا في هذه المسألة الروايات الصحيحة عن الأئمة، روى محمد بن قيس عن الباقر والصادق أنهما قالا: «لا رهن إلا مقبوض».
وقالوا: يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون، وهو ربا محض.
وقالوا: إنْ أرتهن أحد أمة آخر يجوز له وطؤها، وهو زنا.
وقالوا: إنَّ رهن أحد أم ولده جاز، وإن إذن للمرتهن وطأها قبلا ودبرا جاز أيضا. ولا يخفى شناعة هذه المسألة ومخالفتها لقواعد الشرع.
وقالوا: لو أحال رجل دينه على آخر وهو لا يقبل، لزمت الحوالة. نص عليه أبو جعفر الطوسي وشيخه ابن النعمان. وفي هذا الحكم غاية غرابة، ولم يأتِ في باب [من أبواب] الشريعة أن يلزم دين أحد آخر بلا التزامه. ولو جرى العمل على هذه المسألة لحصل فساد عظيم، إذ يمكن لكل فقير أن يحيل دينه على الأغنياء والتجار في كل بلدة ويبرئ ذمته.
مسائل الغصب والوديعة
قالوا: لو غصب رجل مال غيره وأودعه غيره يجب على المودع إنكار الوديعة بعد موت المودع، مع أن الله تعالى شدد الوعيد في إنكار الأمانة، وإن كان ذلك المودع غاصبا فعليه ذنبه، ولكن كيف يجوز لهذا الأمين إنكار أمانته والحلف بالكذب؟
وقالوا: إن لم يظهر مالك ذلك المغصوب بعد التفحص سنة واحدة يتصدق به على الفقراء، مع أن التصدق من مال الغير بلا إذنه لا يجوز في الشرع لقوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال النبي ﷺ : «أدِ الأمانة
стр. 593
إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، وهو خبر صحيح نص عليه ابن المطهر الحلي.
وقالوا: إن غصب أحد مال غيره وخلطه بماله بحيث لا يمكن الامتياز بينهما -كاللبن المخلوط باللبن والسمن بالسمن والبر بالبر ونحوها- يرد الحاكم ذلك المال إلى المغصوب منه. وهذا الحكم ظلم صريح لأن المغصوب منه لا حق له في مال الغاصب، ولا يعالج الظلم بالظلم.
وقالوا: إن أودع رجل أمته عند آخر وأجاز له وطأها متى شاء [جاز] للأمين أن يطأها متى شاء.
مسائل العارية
قالوا: لو قال رجل لآخر حللت لك جميع منافع هذه الأمة، يكون وطؤها له حلالا طيبا. وإعارة فروج النساء بالخصوص أو في ضمن جميع المنافع جائزة عندهم، وكذا إعارة أم الولد للوطئ. وهذه الأحكام كلها مخالفة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ﴾.
مسائل اللقيطة
قالوا: إن وجد رجلٌ طفلا مميزا ضل عن ورثته لا يجوز له التقاطه ولا حفظه ببيته. ولا شبهة في أن ترك التقاطه موجب لهلاكه، لأنه لصغره عاجز عن دفع المؤذين عن نفسه غير قادر على كسب نفقته. فالتقاطه أوكد من التقاط الحيوانات.
стр. 594
مسائل الإجارة والهبة والصدقة والوقف
قالوا: لا تنعقد الإجارة بغير لسان العرب.
وقالوا: من استؤجر لجهاد الكفار ولحراسة الطريق والشوارع من قطاع الطريق في زمن غيبة الإمام المهدي لا يكون الأجير مستحقا للأجرة، لأن الجهاد في زمن غيبة الإمام فاسد فلا تصح إجارته.
وقالوا: إن جعل شيعي أم ولده أجيرا لخدمة رجل ولتدبير البيت وأحل فرجها لآخر، يكون خدمتها للأول ووطؤها للثاني.
وقالوا: لا تصح الهبة بغير اللغة العربية، فلو قال رجل ألف مرة باللسان الفارسي مثلا: "بخشيدم بخشيدم" لا تكون هبة.
وقالوا: إن هبة وطئ مملوكته فقط صحيحة، ويكون الفرج عارية.
وقالوا: يجوز الرجوع عن الصدقة، وقد قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه».
وقالوا: يجوز وقف الهرّة، مع أنه لا فائدة في وقفها.
وقالوا: إن وقف فرج الأمة صحيح، فتلك الأمة تخرج [إلى الناس] ليستمتعوا بها وأجرة هذه المتعة حلال طيب لمن وقفت له. فلم يبقَ فرق بين الشريعة وبين أسلوب الكفار الذين لا دين لهم.
مسائل النكاح
قالوا: يستحب ترك النكاح مع التوقان وخوف الفتنة، مع أنه خلاف سنة الأنبياء والأوصياء. نعم لم يكن الأنبياء والأوصياء يعلمون أن شبق الجماع يمكن أن يدفع بالمتعة
стр. 595
وبالفروج المعارة.
وقالوا: النكاح مكروه إذا كان القمر في العقرب، أو تحت الشعاع وفي المحاق. وهذا مخالف لمقاصد الشرع الذي جاء لإبطال النجوم.
وقالوا: إن وطأ جارية لم يكمل لها تسع سنين حرام، وإن كانت ضخمة تطيق الجماع. ولا أصل لهذا الحكم في الشرع.
وقالوا: يجوز في النكاح المباح أن يشرط النكاح مرات الجماع في زمان معين، ويكون لكل منهما مطالبة الآخر على وفق الشروط، وقد قال الله تعالى: ﴿ولاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾.
وقالوا: يجوز وطأ المنكوحة أو المملوكة أو الأمة المعارة أو الموقوفة أو المودعة أو المستمتع بها دبرا، مع أن الله تعالى قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وإذا حرم الله تعالى الفرج لنجاسة الحيض،
стр. 596
فكيف لا يكون الدبر الذي هو معدن النجاسة حراما لتلك العلّة؟ وثانيا لو كان الوطء من الدبر جائزا لما قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ لا في محل الحيض هو الفرج خاصة، وقال ﷺ : «ملعون من أتى امرأة في دبرها»، وقالوا: «اتقوا محاش النساء» أي أدبارهن، وهو خبر صحيح متفق عليه نص عليه المقداد.
مسائل المتعة
زعموا أن متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويروون في فضائلها أخبارا موضوعة مفتراة وهي أنواع:
قالوا: يجوز متعة الخلية بالإجماع، ومتعة المشركة والمجوسية، سواء كانت خليّة أو محصنة، إذا تحركت ألسنتهن بقول لا إله إلا الله، وإن لم يكن في قلبهن من معناها شيء.
وقالوا: تجوز المتعة الدورية -وإن كان الاثنا عشرية ينكرون هذا التجويز- ولكن المحققين منهم لم ينكروها وذكروا أنها ثابتة في كتبهم. صورتها أن يستمتع جماعة من امرأة واحدة ويقرروا الدور والنوبة لكل منهم، فيجامعها من له النوبة من تلك الجماعة في نوبته، مع أن خلط المائين في الرحم لا يجوز في شريعة من الشرائع، إذ لا يثبت حينئذ نسب العلوق لأحد منهم، مع أن حفظ الأنساب هو الفارق بين الإنسان والحيوان.
стр. 597
وإذا تأمل العاقل في أصل المتعة يجد فيها مفاسد مكنونة كلها تدافع الشرع.
منها تضييع الأولاد، فإن أولاد الرجل إذا كانوا منتشرين في كل بلدة ولا يكونون عنده فلا يمكن أن يقوم بتربيتهم، فيعيشون من غير تربية كأولاد الزنا. ولو فرضنا أن أولئك الأولاد كانوا إناثا يكون المحذور أزيد والخزي أعظم، لأن نكاحهن لا يمكن أن يكون من كفوٍء أصلا.
ومنها احتمال وطئ موطوءة الأب للابن نكاحا أو متعة أو بالعكس، بل يحتمل أن يطأ الرجل بنته أو بنت ابنه أو أخته أو غيرهن من المحارم في بعض الصور خصوصا في مدة طويلة، وهو من أشد المحذورات.
ومنها عدم تقسيم ميراث من ارتكب المتعة كثيرا، إذ لا يكون ورثته معلومين لا عددهم ولا أسمائهم ولا أمكنتهم، فلزم تعطيل أمر الميراث، وكذلك لزم تعطيل ميراث من ولد بالمتعة، فإن آبائهم واخولَّهم مجهولون، ولا يمكن تقسيم الميراث ما لم يعلم حصر الورثة في العدد، ويمتنع تعيين سهم من الأسهم ما لم يدر صفات الورثة من الذكورة والأنوثة والحجب والحرمان.
بالجملة فالمفاسد الكثيرة المترتبة على المتعة مضرة جدا، ولا سيما في الأمور الشرعية كالنكاح والميراث، فلهذا حصر سبحانه أسباب حل الوطئ في شيئين: النكاح الصحيح وملك اليمين، ليحفظ الولد ويعلم الإرث.
مسائل الرضاع والطلاق
قالوا: إن شرب الطفل اللبن خمسة عشرة مرة متوالية يشبع الطفل بكل منها يثبت الحرمة، وإن لم تكن متوالية لا يثبت الحرمة وإن شبع الطفل بكلّ. مع أن الحكم كان
стр. 598
في الابتداء عشر رضعات يحرمن، ثم نسخ وثبت ذلك بإجماع الأمة. وأما قيد التوالي وزيادة الخمس على العشرة، فلم يكن في كلام الله تعالى أصلا، بل هي من مخترعاتهم. وإبقاء الحكم المنسوخ تشريع من عند أنفسهم. مع أنهم يروون عن الأئمة أن شرب اللبن مطلقا موجب للحرمة، لأن المقام مقام احتياط. وصرح شيخهم المقداد في كنز العرفان في بحث كفارة اليمين بوجوب العمل بالأحوط في أمثال هذه المواضع.
وقالوا: لا يقع الطلاق بغير اللغة العربية. وهو باطل لما قدمنا من أنه لا دخل اللغات في العقود.
وقالوا: إن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق، أو طلاق، لا يقع، ولو قال ذلك ألف مرة، وإنما يقع إذا قال: طلقتك. مع أن الشارع قد عدّ هذه الصيغ من الطلاق الصريح، وإن كان أصل وضعها للإخبار، وهم قائلون بوقوع الطلاق فيما إذا سأل رجلٌ آخرَ: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، مع أن الصريح فيه الإخبار، وإلا فكيف يقع في جواب الاستفهام؟.
وقالوا: لا يصح الطلاق إلا بحضور شاهدين كالنكاح، مع أن المعلوم قطعا من الشرع أن
стр. 599
الإشهاد في الرجعة والطلاق مستحب قطعا، للنزاع المتوقع، لا أن حضور الشاهدين شرط في الطلاق أو الرجعة كما في النكاح، وهو ما عليه النبي ﷺ والأئمة.
وقالوا: لا يقع الطلاق بالكنايات إن كان الزوج حاضرا، مع أنه لا فرق بين حضوره وغيبته، بل هو خلاف قاعدة الشرع، فإن الشارع لم يعتبر في إيقاع الطلاق حضور الزوج وغيبته قط.
وقالوا: إن نكح المجبوب -وهو مقطوع الذكر فقط- امرأة، ثم طلقها بعد الخلوة الصحيحة لا تجب العدة عليها، مع أنهم قائلون بثبوت نسب الولد من هذا الرجل إن ولد منها. فاحتمال العلوق من هذا الرجل ثبت أيضا عندهم، فكيف لا يجب عليها عدة؟
وقالوا: لا يقع الظهار إذا أراد الزوج بإيقاعه إضرار زوجته بترك الوطئ، مع أن الشارع قصد سد باب الإضرار بإيجاب الكفارة على المظاهر. فلو لم يقع الظهار ولم يجب شيء في الإضرار لزم المناقضة في مقصود الشارع. ومع ذلك فقولهم مخالف لنص الكتاب والأحاديث والآثار، فإنها وردت بلا تقييد، وهي ثابتة في كتبهم الصحيحة.
وقالوا: إن عجز المظاهر عن أداء خصال الكفارة -من تحرير رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا- فليصم ثمانية عشر يوما، وهذا القدر من الصوم يكفيه؟ ولا يخفى أن هذا قول من تلقاء أنفسهم، وحكم لم ينزله الله تعالى.
стр. 600
وقالوا: يشترط في اللعان كون المرأة مدخولا بها، مع أن لحوق العار بتهمة الزنا أكثر من غير المدخول بها، وقد تقرر أن اللعان لدفع التهمة، وأنه أيضا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ الآية فقد ورد بغير تقييد بالدخول.
مسائل الإعتاق والأيمان
قالوا: لا يقع العتق بلفظ العتق. ولعمري إن هذا لشيء عجاب، فأي لفظ أدل على هذا المعنى من هذا اللفظ.
وقالوا لا يقع العتق بلفظ فك الرقبة أيضا، مع أنه قد وقع في عدة مواضع من القرآن التعبير بهذا اللفظ عن العتق وصار حقيقة شرعية فيه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾.
وقالوا: لا يصح عتق عبد أو أمة اعتقد مذهب أهل السنة أو غيرهم ممن خالف الاثني عشرية. مع أنه لا دليل لهم على هذا لا من كتاب ولا من سنة. وما ذاك إلا محض عناد وجهل بالمراد، ألا ترى أن عتق العبد الكافر صحي، فضلا عن أن يكون له مذهب. وقد ثبت إيمان أهل السنة في كتبهم.
وقالوا: لو صار العبد مجذوما أو أعمى أو زمنا يعتق نفسه من غير إعتاق. وهذا
следующие страницы →