فكيف لا يكون الدبر الذي هو معدن النجاسة حراما لتلك العلّة؟ وثانيا لو كان الوطء من الدبر جائزا لما قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ لا في محل الحيض هو الفرج خاصة، وقال ﷺ : «ملعون من أتى امرأة في دبرها»، وقالوا: «اتقوا محاش النساء» أي أدبارهن، وهو خبر صحيح متفق عليه نص عليه المقداد.
مسائل المتعة
زعموا أن متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويروون في فضائلها أخبارا موضوعة مفتراة وهي أنواع:
قالوا: يجوز متعة الخلية بالإجماع، ومتعة المشركة والمجوسية، سواء كانت خليّة أو محصنة، إذا تحركت ألسنتهن بقول لا إله إلا الله، وإن لم يكن في قلبهن من معناها شيء.
وقالوا: تجوز المتعة الدورية -وإن كان الاثنا عشرية ينكرون هذا التجويز- ولكن المحققين منهم لم ينكروها وذكروا أنها ثابتة في كتبهم. صورتها أن يستمتع جماعة من امرأة واحدة ويقرروا الدور والنوبة لكل منهم، فيجامعها من له النوبة من تلك الجماعة في نوبته، مع أن خلط المائين في الرحم لا يجوز في شريعة من الشرائع، إذ لا يثبت حينئذ نسب العلوق لأحد منهم، مع أن حفظ الأنساب هو الفارق بين الإنسان والحيوان.
стр. 597
وإذا تأمل العاقل في أصل المتعة يجد فيها مفاسد مكنونة كلها تدافع الشرع.
منها تضييع الأولاد، فإن أولاد الرجل إذا كانوا منتشرين في كل بلدة ولا يكونون عنده فلا يمكن أن يقوم بتربيتهم، فيعيشون من غير تربية كأولاد الزنا. ولو فرضنا أن أولئك الأولاد كانوا إناثا يكون المحذور أزيد والخزي أعظم، لأن نكاحهن لا يمكن أن يكون من كفوٍء أصلا.
ومنها احتمال وطئ موطوءة الأب للابن نكاحا أو متعة أو بالعكس، بل يحتمل أن يطأ الرجل بنته أو بنت ابنه أو أخته أو غيرهن من المحارم في بعض الصور خصوصا في مدة طويلة، وهو من أشد المحذورات.
ومنها عدم تقسيم ميراث من ارتكب المتعة كثيرا، إذ لا يكون ورثته معلومين لا عددهم ولا أسمائهم ولا أمكنتهم، فلزم تعطيل أمر الميراث، وكذلك لزم تعطيل ميراث من ولد بالمتعة، فإن آبائهم واخولَّهم مجهولون، ولا يمكن تقسيم الميراث ما لم يعلم حصر الورثة في العدد، ويمتنع تعيين سهم من الأسهم ما لم يدر صفات الورثة من الذكورة والأنوثة والحجب والحرمان.
بالجملة فالمفاسد الكثيرة المترتبة على المتعة مضرة جدا، ولا سيما في الأمور الشرعية كالنكاح والميراث، فلهذا حصر سبحانه أسباب حل الوطئ في شيئين: النكاح الصحيح وملك اليمين، ليحفظ الولد ويعلم الإرث.
مسائل الرضاع والطلاق
قالوا: إن شرب الطفل اللبن خمسة عشرة مرة متوالية يشبع الطفل بكل منها يثبت الحرمة، وإن لم تكن متوالية لا يثبت الحرمة وإن شبع الطفل بكلّ. مع أن الحكم كان
стр. 598
في الابتداء عشر رضعات يحرمن، ثم نسخ وثبت ذلك بإجماع الأمة. وأما قيد التوالي وزيادة الخمس على العشرة، فلم يكن في كلام الله تعالى أصلا، بل هي من مخترعاتهم. وإبقاء الحكم المنسوخ تشريع من عند أنفسهم. مع أنهم يروون عن الأئمة أن شرب اللبن مطلقا موجب للحرمة، لأن المقام مقام احتياط. وصرح شيخهم المقداد في كنز العرفان في بحث كفارة اليمين بوجوب العمل بالأحوط في أمثال هذه المواضع.
وقالوا: لا يقع الطلاق بغير اللغة العربية. وهو باطل لما قدمنا من أنه لا دخل اللغات في العقود.
وقالوا: إن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق، أو طلاق، لا يقع، ولو قال ذلك ألف مرة، وإنما يقع إذا قال: طلقتك. مع أن الشارع قد عدّ هذه الصيغ من الطلاق الصريح، وإن كان أصل وضعها للإخبار، وهم قائلون بوقوع الطلاق فيما إذا سأل رجلٌ آخرَ: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم، مع أن الصريح فيه الإخبار، وإلا فكيف يقع في جواب الاستفهام؟.
وقالوا: لا يصح الطلاق إلا بحضور شاهدين كالنكاح، مع أن المعلوم قطعا من الشرع أن
стр. 599
الإشهاد في الرجعة والطلاق مستحب قطعا، للنزاع المتوقع، لا أن حضور الشاهدين شرط في الطلاق أو الرجعة كما في النكاح، وهو ما عليه النبي ﷺ والأئمة.
وقالوا: لا يقع الطلاق بالكنايات إن كان الزوج حاضرا، مع أنه لا فرق بين حضوره وغيبته، بل هو خلاف قاعدة الشرع، فإن الشارع لم يعتبر في إيقاع الطلاق حضور الزوج وغيبته قط.
وقالوا: إن نكح المجبوب -وهو مقطوع الذكر فقط- امرأة، ثم طلقها بعد الخلوة الصحيحة لا تجب العدة عليها، مع أنهم قائلون بثبوت نسب الولد من هذا الرجل إن ولد منها. فاحتمال العلوق من هذا الرجل ثبت أيضا عندهم، فكيف لا يجب عليها عدة؟
وقالوا: لا يقع الظهار إذا أراد الزوج بإيقاعه إضرار زوجته بترك الوطئ، مع أن الشارع قصد سد باب الإضرار بإيجاب الكفارة على المظاهر. فلو لم يقع الظهار ولم يجب شيء في الإضرار لزم المناقضة في مقصود الشارع. ومع ذلك فقولهم مخالف لنص الكتاب والأحاديث والآثار، فإنها وردت بلا تقييد، وهي ثابتة في كتبهم الصحيحة.
وقالوا: إن عجز المظاهر عن أداء خصال الكفارة -من تحرير رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا- فليصم ثمانية عشر يوما، وهذا القدر من الصوم يكفيه؟ ولا يخفى أن هذا قول من تلقاء أنفسهم، وحكم لم ينزله الله تعالى.
стр. 600
وقالوا: يشترط في اللعان كون المرأة مدخولا بها، مع أن لحوق العار بتهمة الزنا أكثر من غير المدخول بها، وقد تقرر أن اللعان لدفع التهمة، وأنه أيضا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ الآية فقد ورد بغير تقييد بالدخول.
مسائل الإعتاق والأيمان
قالوا: لا يقع العتق بلفظ العتق. ولعمري إن هذا لشيء عجاب، فأي لفظ أدل على هذا المعنى من هذا اللفظ.
وقالوا لا يقع العتق بلفظ فك الرقبة أيضا، مع أنه قد وقع في عدة مواضع من القرآن التعبير بهذا اللفظ عن العتق وصار حقيقة شرعية فيه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾.
وقالوا: لا يصح عتق عبد أو أمة اعتقد مذهب أهل السنة أو غيرهم ممن خالف الاثني عشرية. مع أنه لا دليل لهم على هذا لا من كتاب ولا من سنة. وما ذاك إلا محض عناد وجهل بالمراد، ألا ترى أن عتق العبد الكافر صحي، فضلا عن أن يكون له مذهب. وقد ثبت إيمان أهل السنة في كتبهم.
وقالوا: لو صار العبد مجذوما أو أعمى أو زمنا يعتق نفسه من غير إعتاق. وهذا
стр. 601
خلاف ما تقتضيه قواعد الشرع، إذ لا يخرج مال أحد عن ملكه بنفسه بعيب، لأن سبب مشروعية العتق هو نفع العبد، وقد صار ههنا لمحض ضرره وهلاكه، لأنه حينئذ لا اقتدار له على الكسب ولا نفقة له على سيده. فإن قالوا للعبد نفع بذلك بسبب استراحته من الخدمة، قلنا لا يجوز على المالك تكليف مثل هؤلاء.
وقالوا: إن خرجت نطفة السيد من بطن الأمة صارت أم ولد، فعلى هذا يلزم صيرورة كلّ جارية موطوءة أم ولد لأن عادة النساء كذلك.
وقالوا: لو رهن رجل أمته، ووطأها المرتهن وجاءت بولد منه صارت أم ولد له. مع أن وطأ المرتهن محض زنا، إذ لا ملك له ولا تحليل، بل إن التحليل أيضا لا يوجب كونها أم ولد عندهم.
وقالوا: لا ينعقد يمين الولد بغير إذن الوالد في غير فعل الواجب وترك القبيح، وكذلك يمين المرأة بغير إذن الزوج فيهما. مع أن ذلك مخالف لقوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾.
قالوا: إن نذر أحد أن يمشي إلى الكعبة راجلا يسقط عنه هذا النذر، نص عليه أبو جعفر الطوسي. مع أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
وقالوا: يلزم النذر بقصد القلب من غير أن يتلفظ بلفظ النذر سرا وجهرا، ويسمونه نذر الضمير، مع أنه لا يلزم في الشرع شيء بقصد القلب، من جنس ما لا بد فيه القول، كاليمين والنذر والنكاح والطلاق والعتاق والرجعة والبيع والإجارة والهبة والصدقة وغيرها.
стр. 602
مسائل القضاء
قالوا: لا ينفذ قضاء القاضي في الحدود، بل لا بد فيها من الإمام المعصوم. فيلزم تعطيل الحدود في زمن غيبة الإمام، أو عدم تسلّط الأئمة كما كانت في الأزمنة الماضية. كذلك ولو كان موجودا في محل فمن يقيم الحدود في محل آخر. مع أن ليس في جميع العبادات والمعاملات والكفارات موقوفا على حضور الإمام، فلتكن إقامة الحدود أيضا من ذلك.
وقالوا: يشترط في القضاء علم الكتابة، مع أنه لا دليل عليه. بل إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام كان له منصب القضاء بلا ريب، لقوله تعالى: ﴿أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يتصف بالكتابة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك.
مسائل الدعوى
قالوا: تقبل دعوى امرأة ماتت ابنتها [بأنها تركت عند ابنتها المتوفاة متاعا أو خادما بالأمانة وذلك] من غير بينة ولا شهود، نص عليه ابن بابويه. مع أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾، ولقوله ﵊: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وأيضا لو قبلت الدعاوى من غير بينة لفسد الدين واختل نظام المسلمين.
وقالوا: لو ادعى أحد على عدوه بالزنا وليس عنده شهود على إثبات هذه الدعوى يحلّف ولا يحد بالقذف. نص عليه شيخهم المقتول في المبسوط. مع أن الحلف لا
стр. 603
اعتبار له في الحدود. ويجب حد القذف على مدعيه إذا عجز عن إقامة البينة. وكيف لا ننظر إلى العداوة التي هي سبب ظاهر للاتهام والكذب.
مسائل الشهادة والصيد والطعام
قالوا: تقبل شهادة الصبي الغير بالغ في القصاص، مع أن الطفل ليس له أهلية الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ولا سيما باب القصاص الذي فيه إتلاف النفس.
وقالوا: صيد أهل الكتاب حرام، وذبيحة أهل السنة ميتة، وكذا ذبيحة من لم يستقبل القبلة عند الذبح. وكل ذلك مخالف لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقالوا: لو اصطاد أحد بغير المعتاد من الآلة لا يصير الصيد مملوكا، مع أنه لا فرق بين الآلة المعتادة وغيرها.
وقالوا: لبن الميتة وما لا يؤكل من الحيوان حلال.
وقالوا: إن الخبز الذي عجن دقيقه
стр. 604
بماء نجس طاهر، كما ذكره الحلي في التذكرة.
وقالوا: إن الطعام الذي وقع فيه ذرق الدجاج واضمحل فيه طاهر جائز أكله. وكذا لو طبخ المرق أو نحوه بماء الاستنجاء أو وقع فيه شيء من خرء الدجاج. وكذا ماء الغدير الذي استنجى فيه كثير من الناس ووقع فيه دم حيض ونفاس ومذي وودي وبال فيه كلب، فإنه طاهر يجوز استعماله لشرب وطبخ. وكذا الماء الذي كان قدر نصفه دم مسفوح أو بول حمار أو فرس. مع أن ذلك مخالف لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾.
وقالوا: إن من كان جائعا ولو غنيا فنهب طعاما من مالكه الذي يطلب عليه أزيد من الثمن المتعارف فأكله جاز له ذلك.
مسائل الفرائض والوصايا
قالوا: إن ابن الابن لا يرث مع وجود الأبوين. مع أن هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ وولد الابن داخل في الأولاد بلا شبهة لقوله تعالى: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ﴾، ومخالف أيضا لما ثبت عندهم
стр. 605
من الأخبار الصحيحة.
وقالوا: لا يرث أولاد الأم من دية المقتول، وكذا لا ترث الزوجة من العقار. مع أن النصوص عامة.
وقالوا: إن أكبر أولاد الميت يخصص من تركة أبيه بالسيف والمصحف والخاتم ولباسه من غير عوض. مع أن ذلك مخالف لنص الكتاب. وبعضهم يجعل الجدات والأعمام وأبنائهم محرومين من الإرث.
وقالوا في مسائل الوصايا: إن المظروف تابع للظرف، فلو أوصى أحد لآخر بصندوق يدخل في الوصية ما فيه من النقود والمتاع.
وقالوا: تصحّ الوصية بتحليل فرج الأمة لرجل إلى سنة أو سنتين.
مسائل الحدود والجنايات
قالوا: يجب الحد على المجنون حتى لو زنى بامرأة عاقلة. وهذا مخالف لما ثبت
стр. 606
عند الفريقين: «رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق .. » الحديث.
وقالوا: يجب الرجم على امرأة جامعها زوجها ثم ساحقت تلك المرأة بكرا وحملت تلك البكر، وتحد البكر مائة جلدة، مع أن السحاق لم يقل أحد إنه زنا.
وقالوا: يجب حد القذف على مسلم قال لآخر: يا ابن الزانية، وكانت أم المقذوف كافرة. مع أن نص القرآن يخصص حد القذف بالمحصنات، والكافرة ليست بمحصنة، بل يجب تعزيره لحرمة ولدها المسلم.
وقالوا: لو قتل الأعمى مسلما معصوما لا يقتص منه، مع أن القصاص عام للأعمى وغيره.
وقالوا: لو جاع شخص وعند آخر طعام لا يعطيه للجائع يجوز للجائع أن يقتله ويأخذ طعامه، ولا يجب عليه شيء من القصاص والدية. مع أن عدم إطعام الجائع لا يسوغ القتل في شريعة من الشرائع.
وقالوا: لو قتل ذمي مسلما يعطى ورثة المقتول مال القاتل كله، والورثة مخيّرون في جعل الذمي عبدا لهم وفي قتله. وكذا إن كان للذمي أولاد صغار يجوز لورثة المقتول أن
стр. 607
يتخذوهم عبيدا وإماء. مع أن الآية تدل على القصاص فقط، ولا يجوز الجمع بين القصاص والدية، فضلا عن أن يصير القاتل عبدا أو ورثته. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ولنكتفِ بهذا المقدار، إذ فيه كفاية لأولي الأبصار. ولو تتبعنا هفواتهم في هذا الباب لما وسعه أمثال هذا الكتاب.
стр. 608
المقصد الثامن في ذكر شيء من تعصباتهم ونبذ من هفواتهم
стр. 609
المطلب الأول في ذكر شيء من تعصباتهم
وهي كثيرة، ويعلم مما سبق كثير منها. ويذكر شيء منها ههنا.
فمنها [أنهم] أنكروا كون رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ حقيقة، قالوا وإنما هما ابنتا أخت خديجة، مات أبوهما وهما طفلتان عند خالتهما خديجة فرباهما رسول الله ﷺ في حجره بعد دخوله بخديجة، ونسبوا إليه عادة العرب يومئذ أن من ربى يتيما نسب إليه، كما في قصة زيد التي حكاها الله تعالى في كتابه. ثم قالوا: على تسليم أنهما ابنتاه ﷺ حقيقة لا فضيلة لعثمان في تزويج الرسول ﷺ له بهما وقد زوجهما قبله كافرين، لأن رقية كانت تحت عتبة بن أبي لهب وأختها تحت أخيه عتيبة.
стр. 610
وقولهم هذا مردود أن كونهما ابنتيه ﵊ حقيقة مقطوع به لصريح نص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾؛ ولما ذكر في نهج البلاغة أن عليا قال لعثمان بطريق العتاب على تغييره سيرة الشيخين: "قد بلغت من صهره ما لم ينالا" يعني أبا بكر وعمر؛ ولما روى أبو جعفر في التهذيب عن جعفر الصادق أنه كان يقول في دعائه: "اللهم صلِّ على رقية بنت نبيك، اللهم صل على أم كلثوم بنت نبيك"؛ ولما روى الكليني أن رسول الله ﷺ "تزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة، فولد منها قبل مبعثه القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم، وبعد المبعث الطيب والطاهر .. "، إلى غير ذلك من النصوص. وكتب التواريخ المعتبرة صارحة بذلك.
ثم [ما] ذكروا من أنه بعد التسليم لا فضيلة في ذلك فيه مردود، لأن الفضيلة أظهر من أن تنكر، كيف لا وقد صار ختن النبي ﷺ بأمر الله مرتين كما نطقت بذلك الأخبار وشهدت به الآثار. وتزويجهما قبله بابني أبي لهب لا ينافي الفضيلة، لأن ذلك كان قبل المبعث، ومع ذلك لم يدخلا بهما لأنهما كانا قد عقدا عليهما وقبل أن يدخلا نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ فقال لهما أبوهما: "رأسي من رأسكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقهما ولم يكونا دخلا بهما". وكيف لا يكون في ذلك فضيلة وقد ساوى كثير من العلماء بين فاطمة وأم كلثوم رضي الله تعالى عنهما.
ومنها أنهم لم يعملوا بالخبر الموافق لما عليه أهل السنة ولو بلغ في الصحة ما بلغ. وقد
стр. 611
ذكر بعض علمائهم الشهير عندهم بشيخ الطائفة أن أكثر ما رواه الكليني وأبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب عندهم بالشيخ المفيد شيخ الكليني وشيخ شيخه علي بن بابويه القمي متروكة العمل لموافقتها ما ذهب إليه العامة، يعني أهل السنة.
ومنها أنهم يعتقدون أن من لم يقل بعصمة الأئمة وأنهم أفضل من الأنبياء وأن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ بسبب مبايعتهم أبا بكر فهو مبغض لأهل البيت. فأهل السنة عندهم هم والنواصب سواء، بل هم أنجس من اليهود والنصارى بزعمهم الفاسد. ولا يخفى أن هذا أدل دليل على جهلهم ومزيد عصبيتهم، إذ كيف يتصور ذلك وقد صرحوا في كتبهم -وهم ليسوا قائلين بالتقية- أن الله تعالى أوجب محبة أهل بيت نبيه
стр. 612
- ﷺ على جميع أمته. فقد روى البيهقي وأبو الشيخ والديلمي أنه ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من نفسه". وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عباس أنه ﷺ قال: "أحبوا أهل بيتي بحبي .. " إلى غير ذلك من الأخبار. وقالوا من ترك المودة في أهل بيت ﷺ فقد خانه. وقد أجاد من قال:
ولا تعدل بأهل البيت خلقا ... فأهل البيت هم أهل الشهادة
فبغضهم من الإنسان خسر ... حقيقي وحبهم عبادة
وأوجبوا الصلاة عليهم في صلواتهم. ولما سمع أبو حنيفة أن الأعمش يروي عن علي بن أبي طالب ما لا يليق بجلالة شأنه، "فمرض فدخل عليه ومعه ابن
стр. 613
أبي ليلى وابن شبرمة، وكان عنده شريك بن عبد الله، التفت إليه أبو حنيفة وكان أكبرهم فقال: يا أبا محمد اتق الله فإنك في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وقد سمعت أنك تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث لو سكت عنها لكان خيرا لك، فقال الأعمش: لمثلي يقال هذا؟ أسندوني، فلما أسندوه قال: حدثنا ابن المتوكل القاضي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة قال الله لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من أبغضكما، فلذلك قول الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، فقال: قوموا عني لا يجيء أطهر من هذا، فما خرجوا من الباب حتى مات الأعمش رحمه الله تعالى". وقد روى هذا الحديث بهذا الإسناد جمع، فهو إسناد صحيح. (١)
وقد صحب الإمام أبو حنيفة محمد بن علي الباقر وابنه أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق وزيدا رضي الله تعالى عنهم وأخذ عنهم العلم. وقد أخذ مشائخ أهل السنة الطريقة عن الصادق، فإنه كما كان في في فروع الشريعة نظر ثاقب كان له في
стр. 614
أصول الطريقة علامات باهرة ومقامات ظاهرة، وقد صحبه الكبراء من سادات الطريقة مثل داود بن نصير الطائي وعبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وتأدبوا بآدابه، كذا ذكره الإمام الأجل الشيخ محمد بن محمود الفارساي البخاري الحافظي في الفصول. وروي أن الإمام أبا حنيفة ذهب به أبوه ثابت وهو صغير إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه فدعا له ولذريته بالبركة.
стр. 615
وللشافعي رحمه الله تعالى أبيات تدل على مزيد محبته لأهل البيت وولائه، وقد نسبها إليه الشيعة واعترفوا بأنها له، وهذا كاف في إيرادها، منها:
يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له
ومنها:
إلام وحتى ومتى ... أعاتب في حب هذا الفتى
فهل زوجت فاطم غيره ... وفي غيره هل أتى هل أتى
ومنها:
قالوا ترفضت قلت كلا ... ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت من غير شك ... خير إمام وخير هادي
إن كان حب الوصي رفضا ... فإني أرفض العباد
ومنها:
يا رب بالقدم التي أوطأتها ... من قاب قوسين المحل الأعظما
وبحرمة القدم التي جعلت له ... كف المؤيد بالرسالة سلما
ثبت على متن الصراط تكرما ... قدمي وكن لي محسنا ومكرما
واجمعها ذخرا فمن كانا له ... أمن العذاب ولا يخاف جهنما
ومنها:
стр. 616
لو كان عبد أتى بالصالحات غدا ... وود كل نبي مرسل وولي
وصام ما صام صوام بلا ملل ... وقام ما قام قوام بلا كسل
وعاش في الناس آلاف مؤلفة ... عار عن الذنب معصوم عن الزلل
ما كان يوم البعث منتفعا ... إلا بحب أمير المؤمنين علي
ومنها:
إذا ذكروا عليا أو بينه ... وجاءوا بالروايات العلية
يقال تجاوزا يا قوم عنه ... فهذا من حديث الرافضة
برئت إلى المهمين من أناس ... يرون الرفض حب الفاطمية
ومنها:
إن فتشوا قلبي رأوا وسطه ... سطرين قد خطا بلا كاتب
العلم والتوحيد في جانب ... وحب أهل البيت في جانب
إلى غير ذلك. وقد سبق شيء منها.
ومالك بن أنس رحمه الله تعالى كان يفتخر أيضا بأخذ العلم عنهم وعمن أخذ عنهم. وكذلك أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ورضي عنه، وقد روي عنه أنه قال: "من أبغض
стр. 617
أهل البيت فهو منافق"، وما رواه أحد من أئمة أهل البيت عن أبيه عن جده سمى إسناده أئمة المحدثين سلسلة الذهب. وروى محمد في فضائلهم أحاديث جمة، وذكر في تاريخ نيسابور: "أن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى عنه دخل نيسابور وهو على بغلة وشقيق البلخي يسوقها وعليه مظلة لا يرى من ورائها، وتعرض له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه ويروي لهم حديثا عن آبائه، فاستوثق البغلة وأمر غلمانه أن يكشفوا عن الظلة وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، وكان الناس بين باك وصارخ ومتمرغ بالتراب ومقبل حافر بغلته! فصاحت العلماء معاشر الناس أنصتوا، واستملى منه الحافظان المذكوران فقال: حدثي أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب قال حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله ﷺ قال: «حدثني جبريل قال: سمعت رب العزة يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن عذابي». (١) ثم
стр. 618
أرخى الستر وسار، فعد أهل المحابر والذين يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا". وكذا أورده صاحب الفصول من الإمامية في تاريخ الأئمة. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لو قرأت هذه الأسانيد على مجنون لبرئ من حينه.
وذكر المبرد في الكامل قال: "يروى عن رجل من قريش قال: كنت عند سعيد بن المسيب يوما فأتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقلت له: يا أبا عبد الله من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب".
قال بعض الشعراء من علماء أهل السنة في أبيات:
أنا عبد لعبد عبد علي ... غير أني أحب كل الصحابة
إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى ولا يسعه قرطاس فيذكر. وقد سبق في مواضع متفرقة ثناء الصحابة على الأمير وعلى سائر أهل البيت من صغير وكبير. سوّد الله وجه الرافضة بالكذب والبهتان وعاملهم سبحانه بعدله بمزيد العذاب والخسران.
ومنها أنهم قالوا إن المخالفين لهم يستحقون اللعن. قال ابن عباد وزير السلاطين الديالمة:
حب علي بن أبي طالب ... هو الذي يهدي إلى الجنة
إن كان تفضيلي له بدعة ... فلعنة الله على السنة
стр. 619
وأنت تعلم أن السنة هي أقواله ﷺ وأفعاله، ومنها تقريراته. فانظر إلى هذا التجاسر العظيم والضلال الوخيم. نسأل الله العافية في الدين والدنيا.
ومنها أنهم يقولون إن النبي ﷺ فوّض طلاق أزواجه إلى علي، ولما قاتلته عائشة طلقها. ولا يخفى بطلان هذا على أولي النهى، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾، والتبديل إنما يكون بعد الطلاق لحرمة الزيادة على التسع عليه ﷺ ، فقد نهاه سبحانه عن الطلاق، فكيف يفوض ذلك لعلي؟ على أن الطلاق بعد الموت مما لم يقل به أحد.
стр. 620
المطلب الثاني في ذكر شيء من هفواتهم (التقية)
منها جواز التقية على الرسل عليهم الصلاة والسلام. روى الكليني عن أبي بصير قال: "قال أبو عبد الله: إن التقية من دين الله، قال: والله من دين الله، ولقد قال يوسف ﵇: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ والله ما كانوا سرقوا شيئا، ولقد قال إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ والله ما كان سقيما". وروى ابن بابويه في الأمالي: "أنه سأله أبا عبد الله هل كان رسول الله ﷺ يتاقي؟ قال: أما بعد نزول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فإنه يدل على أن النبي تجوز التقية وتجب عليه".
والجواب أن هذه الروايات لا أصل لها. ونص القرآن يدل صراحة على أنهم لم يتاقوا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. ومقتضى كلامهم أن النبي ﷺ تاقى بضعا وعشرين سنة، لأن الآية -أعني قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ - نزلت بعد الفراغ من حجة الوداع، والتقية لا تكون إلا من الخوف والجبن، فيلزم ترجيح سائر الأنبياء عليه ﵊ لأنهم لا يخشون أحدا إلا الله، مع أنه ﷺ سيد ولد آدم، بل آدم ومن دونه تحت لوائه.
стр. 621
ومنها إيجاب التقية على الأئمة الذين هم خلفاء النبي ﷺ في تبليغ أحكام الشريعة. وقد بالغوا في وجوبها عليهم وعلى أتباعهم حتى فسروا قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ بالأكثر تقية. وروى صاحب المحاسن عن أبي عمر قال: "قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق: با أبا عمر تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له". وكتبهم محشوة من مثل هذه الأخبار المفتراة على الأئمة في فضائل التقية. وقد حملوا أقوال الأئمة وأفعالهم التي توافق مذهب أهل السنة عليها. وروى الكليني وغيره عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله: "في قوله : ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة وترك التقية".
والجواب أن هذا غير ثابت عن الأئمة. وقد ثبت في نهج البلاغة عن الأمير
стр. 622
كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت، وإني من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي، وإني إلى لقاء الله وحسن الثواب لمنتظر راج". ومن كان بهذه المثابة فأي حاجة له إلى التقية حتى تجب عليه؟ على أن موت الأئمة باختيارهم كما ذكره الكليني وبوب لذلك بابا. ولأن الأمير كان يعلم قاتله ويوم موته فلأي شيء يتاقي؟ وإذا لم تجب عليه التقية فالأئمة الباقون مثله لعدم القائل بالفرق. ولأن التقية لو كانت واجة لبايع أبا بكر حين بويع له بالخلافة أول الأمر ولم يتأخر مدة تزيد على ستة أشهر كما زعموا. وروى زرارة بن أعين عن أبي بكر بن حزم قال: "توضأ رجل فمسح على خفيه فدخل المسجد فصلى فجاء علي فوطأ رقبته فقال: ويلك تصلي على غير وضوء، فقال: أمرني عمر بن الخطاب، فأخذ بيده فانتهى به إليه فقال: انظر ما يقول هذا عنك، ورفع صوته على عمر، فقال: أنا أمرته". فلو وجبت التقية لم يطأ رقبة الرجل ولم يقل له تصلي على غير وضوء ولم يرفع صوته على عمر. وروى الراوندي شارح نهج البلاغة ومعتمد الشيعة في كتاب الخرائج
стр. 623
والجرائح عن سلمان الفارسي: "أن عليا بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض طرق بساتين المدينة وفي يد علي قوس فقال: أربع على صلعتك فقال علي: إنك ههنا، ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغراً فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه، فقال عمر: اللَّهَ اللَّهَ يا أبا الحسن لا عدت بعدها في شيء، فجعل يتضرع فضرب بيده على الثعبان فعادت القوس كما كانت، فمضى عمر إلى بيته، قال سلمان: فلما كان الليل دعاني علي فقال: سر إلى عمر فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق وقد عزم أن يخبئه فقل له يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو لهم ولا تخبئه فأفضحك.
قال سلمان: فمضيت إليه وأديت الرسالة فقال: أخبرني عن أمر صاحبك من أين علم به؟ فقلت وهل يخفى عليه مثل هذا؟ فقال: يا سلمان اقبل عني ما أقول لك، ما علي إلا ساحر والصواب أن تفارقه وتصير من جملتنا، قلت: ليس كما قلت لكنه ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه وعنده أكثر من هذا، قال: ارجع إليه فقل: السمع والطاعة لأمرك، فرجعت إلى علي فقال: أحدثك عما جرى بينكما، فقلت: أنت أعلم مني، فتكلم بما جرى بيننا ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت". وفي هذه الرواية ضرب عنق التقية أيضاً إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ولا تحوجه أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر
стр. 624
خوفاً منه وتقية. وروى الإمامية بطرق متنوعة منهم الكليني في الكافي أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم وأن الأمير يعلم قاتله. ومن يعلم عاقبة أمره ولا يموت إلا باختياره لا تجب عليه التقية لأن التقية للخوف من القتل أو مما هو دونه كالضرب والشتم وغير ذلك. وقد زال الأول لعلمهم بوقت موتهم وكونه باختيارهم.
стр. 625
وأما الثاني فلأن تحمل الأذى في سبيل الله عبادة كما هو شأن دعاة الله من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. قد تواتر عن أمير المؤمنين أنه كان يقول: "علامة الإيمان إيثار الصدق على الكذب النافع".
وروى الكليني عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله أنه قال: "يا محمد هذه وصيتك إلى النجباء، فقال: ومن النجباء يا جبريل؟ فقال: عليّ بن أبي طالب وولده، وكان على الكتاب خواتم من ذهب فدفعه رسول الله ﷺ إلى علي وأمره أن يفك خاتما منه فيعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن ففك منه خاتماً فيعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن اخرج بقومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك لله تعالى ففعل، ثم دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتماً فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ففعل، ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك خاتماً فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين ولا تخافن أحدا إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك، ثم دفعه إلى جعفر الصادق ففك خاتماً فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله تعالى وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز وأمان، ففعل، ثم دفعه إلى موسى وهكذا إلى المهدي". ورواه من طريق آخر عن معاذ أيضا عن أبي عبد الله، وفي الخاتم الخامس: "وقل الحق في الأمن والخوف ولا تخش إلا الله تعالى" وهذه الرواية صريحة في أن أولئك الكرام ليس دينهم التقية كما زعمت الشيعة.
стр. 626
وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال: "لما قبض رسول الله ﷺ ومال الناس إلى أبي بكر فبايعوه حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ولم تدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقها ودعتهم إلى نصرتها، فلم يستجب لها من جميع الناس إلا أربعة: الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد". وهذه الرواية أيضا تدل على عدم وجوب التقية كما لا يخفى. وذكر سليم بن قيس في كتابه الذي رواه عنه أبان بن عياش: "أن أبا بكر بعث [قنفدا إلى] علي حين بايعه الناس ولم يبايعه علي وقال: انطلق إلى علي وقل له أجب خليفة رسول الله ﷺ . فانطلق فبلغه فقال له: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله ﷺ وارتددتم، والله ما استخلف رسول الله ﷺ غيري".
وفي هذا الكتاب أيضا: "أنه لما لم يجب علي غضب عمر وأضرب النار بباب علي وأحرقه ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله، فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب به درعها فصاحت: يا أبتاه. فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته".
وفيه أيضا أن عمر قال لعلي: "بايع أبا بكر، قال: إن لم أفعل ذلك؟ قال: إذن لأضربن عنقك. قال: كذبت والله يا ابن صهاك لا تقدر على ذلك، أنت ألأم
стр. 627
وأضعف من ذلك".
فهذه الروايات تدل صريحا أن التقية بمراحل من الإمام، إذ لا معنى لهذه المناقشة والمسابة مع وجوب التقية.
وروى محمد بن سنان أن أمير المؤمنين قال لعمر: "يا مغرور، إنى أراك في الدنيا قتيلا بجراحة عبد أم معمر، تحكم عليه جورا فيقتلك ويدخل بذلك الجنان على رغم منك". ورورى أيضا "أنه قال مرة لعمر: إن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه هتكا وصلبا، تخرجان من جوار رسول الله ﷺ فتصلبان على شجرة يابسة فتورق فيفتتن بذلك من ولاكما، ثم يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم ويأتي جرجيس ودانيال وكل نبي وصديق فتصلبان فيها فتحرقان وتصيران رمادا، ثم تأتى ريح فتنسفكما في اليم نسفا".
فانظر بالله عليك هل ينبغي لمن يروي هذه الأكاذيب عن الإمام كرم الله تعالى وجهه أن يقول بنسبة التقية إليه؟
ومما يرد قولهم أيضا أن زكريا ويحيى والحسين ينبغي أن لا يكون لهم عند الله كرامة على ما يقتضيه مذهبهم لأنهم لم يفعلوا التقية؛ وأن يكون جميع المنافقين في أعلى المراتب من الكرامة. سبحانك هذا بهتان عظيم ووبال وخيم.
وبقيت براهين أخر تدل أن من قال بوجوب التقية كفر. وفي تفسير الجد قدس الله
стр. 628
روحه ما ليس فوقه كلام، نسأل الله أن ينشر فرائد فوائده في جميع بلاد الإسلام.
(التفسير)
ومنها أنهم يقولون إن معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ اعصتموا بعلي؛ وأن المراد بالصراط المستقيم هو علي؛ وأن المراد بقوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ علي وآله لا غير؛ وأن المراد بالناس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ العشرة المبشرين بالجنة عند أهل السنة غير علي؛
стр. 629
وأن المراد بالرب في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ هو علي؛ وأن المراد بالرب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ هو علي، والكافر من غصب الخلافة؛ وأن معنى قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ لئن أشركت يا محمد في الخلافة ليحبطن عملك؛ وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ أي حتى يخرج المهدي؛ وأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ الآية صورة علي؛ وأن معنى قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ لا
стр. 630
يسأل أحد من شيعة علي [عن] ذنبه لأن الحسنات في الميزان بغير ولاية علي لا تقبل بل تكون هباء منثورا وأن السيئات مع ولاية علي لا ثبات لها لأن سر ولاية علي يحول السيئات حسنات كما ذكره ابن بابويه وابن طاووس وغيرهما؛ وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي بخروج المهدي. وهذا كله مذكور في تفاسيرهم وكتب حديثهم، ومعظمها في الكافي للكليني وشيء منها في تفسير علي بن إبراهيم وتفسير ابن بابويه الذي عزاه إلى أبي محمد الحسن العسكري وحاشاه منها، وشيء منها في كتاب تنزيه الأنبياء والأئمة. ولو تتبعت تفاسيرهم لرأيت من ذلك شيئا كثيرا لا يسع المقام لذكره، وبطلانه لا يخفى على صغار المتلعمين فضلا عن العلماء العارفين، فلذا لم نتعب القلم بردها ولم نسود وجه القرطاس بسردها.
(الكذب)
ومنها أنهم يقولون إن عمر دبرّ على قتل علي، كما ذكر ذلك علي بن مظاهر الواسطي
стр. 631
راويا له عن حذيفة. وهذا كذب فضيح وافتراء صريح، فإن عمر كان يحب عليا محبة عظيمة وكان يفتخر بمصاهرته وكان يصلي على أهل البيت في صلواته ويروي أحاديث فضائلهم. وفي نهج البلاغة أن الأمير كتب إلى أهل مصر وأرسل الكتاب مع مالك بن الأشتر لما ولاه إمارتها: "أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ نذيرا للعالمين ومهيمنا على المرسلين، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده ﷺ عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد ﷺ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب وكما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق الحق واطمأن الدين وتنهنه". فهذا الكلام يدل على أن ما كان عليه الشيخان حق، فإن عمر كان يحذو حذو أبي بكر، وعدل عمر مما لا ينكر، فقد ابتهج الإسلام بفتوحاته وانصرم دجى الكفر بصارم عزماته، ولم تزل مآثره مسطورة على صفحات الأيام، ولم تبرح كتب التواريخ والسير تتلو من جميل ذكره ما يغص به الكفرة الطغام.
(ثواب المتعة)
ومنها أنهم قالوا إن في نكاح المتعة ثوابا لا يحصى. وروى غير واحد منهم عن الأئمة: "أن من اغتسل عن جماع المتعة صارت كل قطرة تقطر من ماء الغسل ملكا يدعو
стр. 632
للمغتسل إلى يوم القيامة". ولا يخفى كذب هذا الخبر على كل من نظر وفكر. كيف لا وقد قال تعالى: ﴿[وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ] * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ وقد سبق شيء من قبائح المتعة فتذكر.
(الرقاع والتوقيعات)
ومنها أنهم يروون كثيرا من مسائل مذهبهم عن الرقاع، وهي كثيرة. منها رقعة علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، فإنه كان يظهر رقعة بخط الصاحب في جواب سؤاله، ويزعم أنه كاتب أباب القاسم بن ابي الحسين بن روح أحد السفرة على يد علي بن جعفر بن الأسود أن يوصل له رقعة إلى الصاحب فأوصلها إليه، فزعم أبو القاسم أنه أوصل رقعته إلى الصاحب وأرسل إليه رقعة زعم أنها جواب صاحب الأمر له. ومنها رقاع محمد بن عبد الله بم جعفر بن حسين بن جامع بن مالك [الحميري] أبي جعفر القمي. قال النجاشي: "أبو جعفر القمي كاتبَ صاحب الأمر وسأله مسائل في أبواب الشريعة، قال: قال لنا أحمد بن الحسين: وقفت على هذه المسائل من أصلها والتوقيعات بين السطور". ذكر
стр. 633
تلك الأجوبة محمد بن الحسن الطوسي في كتاب الغيبة وكتاب الاحتجاج.
والتوقيعات هي خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشريعة. ويرجحون التوقيع على المروي بالإسناد الصحيح لدى التعارض. قال ابن بابويه في الفقيه بعد ما ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدسة في باب الرجل يوصي إلى الرجلين: "هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد بن الحسن بن علي، وفي الكافي للكليني خلاف ذلك التوقيع عن الصادق. ثم قال: لا أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي من خط الحسن بن علي. "
ومنها رقاع أبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري القمي. ومنها رقاع أخيه الحسين ورقاع أخيه أحمد. فهؤلاء كلهم يزعمون أنهم يكاتبوه صاحب الأمر ويسألونه مسائل في أحكام الشريعة وأنه يكتب جواب أسئلتهم كما ذكره النجاشي وغيره. وأبو العباس هذا قد جمع كتابا في الأخبار المروية عنه وسماه قرب الإسناد إلى صاحب الأمر.
ومنها رقاع علي بن سليمان بم الحسين بن الجهم بن بكير بن أعين أبي الحسن
стр. 634
الرازي، فإنه كان يدعي المكاتبة أيضا ويظهر الرقاع. قال النجاشي: "كان له اتصال بصاحب الأمر وخرجت له توقيعات". إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
стр. 635
الخاتمة
اعلم أن مذهب الروافض مشابه لمذهب اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، وهم عبدة الكواكب.
أما الغلاة والباطنية والسبعية والقرامطة والنزارية من الإمامية فظاهر لأنهم كفرة من غير نكير، وقد وافقوا في أكثر الاعتقادات الفرق الأربعة من الكفار.
وأما مشابهة الكل مذهب اليهود فإنهم يقولون ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وكذلك الغلاة يقولون لأولاد علي أبناء الله. واليهود يبغضون جبريل وكذلك الغرابية. واليهود يقولون نحن أحباء الله، وكذا الغلاة. واليهود يقولون ليس محمد رسول الله، وكذلك الرزامية. واليهود لعنهم الله يذمون النبي العربي، وكذلك الذمية. واليهود ينكرون نبوته ﵊، وكذلك الغرابية.
وأما مشابهة مذهبهم لمذهب النصارى فلأن النصارى يقولون ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، وكذلك السبائية يقولون لأولاد علي أبناء الله. والنصارى يقولون بتعدد الآلهة، وكذلك الغلاة كما تقدم. والنصارى يقولون إن الله يحل في بعض أبناء البشر، وكذلك النصيرية والإسحاقية.