← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تذكركم الموت" (١). ١١ - بكى ﷺ عند سعد بن عبادة وهو مريض ، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (٢)، فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا" (٣) - وأشار إلى لسانه - "أو يرحم ... " (٤) الحديث (٥). ١٢ - بكى ﷺ عند القبر ، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى، ثم قال: "يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا" (٦). ١٣ - بكى ﷺ في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ

стр. 107

غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح (١). ١٤ - بكى ﷺ في صلاة الكسوف ، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: انكسفتِ الشمس يوماً على عهد رسول الله ﷺ ،فقام رسول الله ﷺ يُصلّي، ثم سجد، فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم" وفيه: "ربِّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم" (٢). ١٥ - بكى ﷺ لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر ، ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃: (( ... فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن علياً من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيباً لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا

стр. 108

رسول الله! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله ﷺ ، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّباً﴾ (٢)، فأحلّ الله الغنيمة لهم)) (٣). ١٦ - بكى النبيُّ ﷺ شفقة على أمته ، فعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنّ النبيَّ ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤) الآية، وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) الآية، فرفع يديه وقال: "اللهم أُمّتي أُمّتي" وبكى، فقال الله : "يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك" (٦).

стр. 109

المبحث الخامس عشر: خشوع الصحابة ﵃ في صلاتهم الصحابة ﵃ يقتدون بالنبي ﷺ في خشوعه في صلاته، ومن أمثلة ذلك الأمثلة والنماذج الآتية: ١ - خشوع أبي بكر ﵁ في صلاته ، فعن عائشة ﵂ قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ (١)، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) وفي رواية: أنه قال ﷺ : ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) قالت عائشة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) (٢). وهذا فيه من الفوائد: خشوع أبي بكر في صلاته، وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه، لكن لا يتكلَّف ذلك، ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (٣). ٢ - خشوع عمر بن الخطاب ﵁ في صلاته ، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر حين رأى نزف الدماء: قولوا لعبد الرحمن بن

стр. 110

عوف فليصلِّ بالناس، ثم غُشي على عمر ﵁، فحُمل فأدخلوه بيته، ثم صلَّى بالناس عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، ولم يزل عمر ﵁ في غشية واحدة، حتى أسفر، فلمَّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله فقال: ((أصلَّى الناس؟)) قالوا: نعم، فقال: ((لا إسلام لمن ترك الصلاة))، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلَّى، وجرحه ينزف دماً، ثم أمر بعد صلاته من يسأل عن من قتله؟ فأخبروه أنه طعنه أبو لؤلؤة، فقال عمر ﵁: ((الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط)) (١). فكان عمر بن الخطاب ﵁ حريصاً على صلاة المسلمين، وكان ذلك أعظم عنده من نفسه، فسأل بقول: ((أصلى الناس؟))، ثم أقبل على صلاته، ثم بعد أن صلَّى سأل عن من قتله ﵁؟. وكان عمر ﵁ قد رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: ((يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرِّقاب، إنّما الخشوع في القلوب)) (٢). ٣ - خشوع سعد بن معاذ ﵁ في صلاته ، فقد ذُكِرَ أنه قال: ((فيَّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّثُ نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من

стр. 111

رسول الله ﷺ حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحدِّث نفسي بغير ما تقول ويُقال لها)) (١). ٤ - خشوع عبد الله بن الزبير ﵁ في صلاته ، قد ذُكِرَ أنه ((كان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه)) (٢). وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ كثير، ولكن هذه من باب الأمثلة والله المستعان.

стр. 112

المبحث السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم التابعون من القرون المُفضَّلة، وكذلك أتباعهم ﵃، لهم مواقف في خشوعهم في صلاتهم، تدل على رغبتهم فيما عند الله تعالى، ومنها الأمثلة الآتية: ١ - خشوع عروة بن الزبير في صلاته رحمه الله تعالى (١)، كان عروة يخشع في صلاته خشوعاً عظيماً، فقد ذُكِرَ عنه أنه خرج من المدينة مُتوجِّهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وعندما كان في وادٍ قرب المدينة أصابه أكلة في رجله، ولم يصل إلى دمشق إلا وقد وصلت الأكلة إلى نصف ساقه، ودخل على الوليد، فجمع له الأطباء، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلَّها إلى وركه، وربما ترقَّت إلى الجسد، فطابت نفسه بقطعها، وقالوا له: ألا نسقيك مُرَقِّداً؟ فقال: ما ظننت أن أحداً يشرب شراباً، أو يأكل شيئاً يُذْهِبُ عقله حتى لا يعرف ربه، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحسُّ بذلك، ولا أشعر به، فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي احتياطاً حتى لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي، فما تألَّم ولا اضطرب، فلمَّا انصرف من الصلاة

стр. 113

عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً، وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذتَ فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فَلَطَالَمَا عافيت، فلك الحمد على ما أخذت، وعلى ما عافيت، وكان قد صحبه بعض أولاده ... فمات أحبهم إليه فَعَزَّوْهُ فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة، فأخذتَ منهم واحداً وأبقيتَ ستة، فلئن كنتَ قد ابتليتَ، فلطالما عافيتَ، ولئن كنتَ قد أخذتَ، فلطالما أعطيتَ، ثم رجع إلى المدينة، وما شكا ذلك إلى أحد، فلمّا دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويُعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس: لعمركَ ما أهويتُ كفِّي لريبةٍ ... ولا حَمَلَتني نحوَ فاحشةٍ رجلي ولاقادني سمعي ولابصري لها ... ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي (١) ٢ - خشوع عامر بن عبد الله بن قيس (٢) في صلاته رحمه الله تعالى كان لهذا الرجل من الأخبار في الخشوع في صلاته الأخبار الكثيرة، ومنها: * قيل له: أتحدِّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدِّثها بالوقوف بين

стр. 114

يدي الله، ومنصرفي (١) أيِّ إلى أي الدارين. * وذكروا له بعض ما يجدونه في الصلاة من أمر الضيعة، فقال: أتجدونه؟ قالوا: نعم، قال: والله لأن تختلف الأسنّة في جوفي أحبُّ إليَّ من أن يكون هذا منِّي في صلاتي (٢). * وعندما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل (٣). * وكان يُقرئ القرآن لمن يتعلَّم عنده، ثم يقوم فيصلِّي إلى الظهر، ثم يصلِّي إلى العصر، ثم يُقرئ الناس إلى المغرب، ثم يُصلّي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفاً، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحَّر رغيفاً ويخرج (٤). ٣ - خشوع علي بن الحسين في صلاته ﵀ (٥)، كان إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته، أخذته رِعدةٌ ونفضة، فقيل له في ذلك؟ فقال: ((ويحكم أتدرون إلى من أقوم،

стр. 115

ومن أريد أن أناجي؟)) (١)، وفي لفظ: ((تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟)) (٢). ٤ - خشوع مسلم بن يسار في صلاته ﵀ (٣): * قال عنه ابنه عبد الله بن مسلم: ((كان إذا صلَّى كأنه ودٌّ [أي وتد] لا يميل لا هكذا، ولا هكذا (٤). * وقيل عنه: كان مسلم بن يسار إذا صلَّى كأنه ثوب مُلقى، وكان يقول لأهله إذا دخل في الصلاة: تحدَّثوا فلست أسمع حديثكم، وذُكر أنه وقع حريق في داره وهو يصلِّي، فلما ذُكِرَ له قال: ما شعرت (٥). ٥ - خشوع حاتم الأصم ﵀ في صلاته (٦)، كان حاتم ينطق بالحكمة، ويخشع لله تعالى في صلاته، فقد مرَّ عصام بن يوسف

стр. 116

رحمه الله بحاتم الأصمّ وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تُحْسِنْ تُصَلِّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: ((أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهّد بالتمام، وأسلِّم بالسبل (١) والسنة [وفي لفظ: وأسلم بالنية] وأسلمها بالإخلاص لله ، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت)). قال: تكلَّم فأنت تُحْسِنُ تصلِّي (٢). ٦ - قال الحسن رحمه الله تعالى: ((إذا قمت إلى الصلاة قانتاً، فقم كما أمرك الله، وإيَّاك والسَّهْو، والالتفات، إيَّاك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره، وتسأل الله الجنة، وتعوّذ به من النار وقلبك ساهٍ لا تدري ما تقول بلسانك)) (٣). ٧ - قال الفضيل بن عياض: ((كان يُكره أن يُرِيَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه)) (٤).

стр. 117

٨ - خشوع الإمام البخاري ﵀ (١) في صلاته: قال مسبح بن سعيد: ((كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة (٢)، وكان ﵀ يُصلِّي ذات يوم أو ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعاً، ولم يقطع صلاته (٣). وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: ((كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمَّها)) (٤). وقال مقسم بن سعد: ((كان محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة)) (٥).

стр. 118

وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: (( ... كان أبو عبد الله يُصلِّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة)) (١). ومن شعره رحمه الله تعالى: اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة كم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٢) وقد قيل: إنه لما ألَّف الصحيح كان يُصلِّي ركعتين عند كل ترجمة (٣)، يعني يستخير الله في وضعها وعدمه.

стр. 119

المبحث السابع عشر: الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها الخشوع في تلاوة القرآن يكون في الصلاة وخارج الصلاة، والخشوع في قراءته في الصلاة أعظم وآكد، وأهل الإيمان يتأثرون بقراءة القرآن فيخشعون لله، داخل الصلاة وخارجها، وهذا التأثير يكون على النفوس والقلوب والأرواح، وهذا التأثير جاء على أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم القرآن العظيم مُؤثِّر في القلوب والنفوس والأرواح؛ لأنه كلام العليم الخبير بما يصلح هذه القلوب والنفوس في الدنيا والآخرة، ومن هذا التأثير ما يأتي: ١ - تأثيره على علماء أهل الكتاب وغيرهم من أهل العقول ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين﴾ (١). ٢ - الذين أوتوا العلم من قبله يتأثَّرون به ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٢). ٣ - الذين أنعم الله عليهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرُّوا سُجَّداً وبُكِيّاُ:

стр. 120

قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (١). ٤ - من علامات الإيمان التأثر بالقرآن وزيادة الإيمان ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ (٢). ٥ - المُؤمنون الصادقون في إيمانهم، الخائفون من ربهم تقشَعِرُّ جلودهم عند قراءة القرآن ، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادِ﴾ (٣). ٦ - الصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله ، قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون﴾ (٤). عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن بين

стр. 121

إسلامهم وبين أن أنزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين)) (٢). النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي ﷺ : وجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي ﷺ وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك ما يأتي: ١ - أَمَرَ النبيُّ ﷺ أن يُقرأ عليه القرآن فبكى، فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((اقرأ عليَّ القرآن))،قال: فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أُنزِلَ؟ فقال: ((إني أشتهي أن أسمعه من غيري))، وفي لفظ للبخاري: ((فإني أحب أن أسمعه من غيري))، فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ (٣)، وفي لفظ للبخاري: ((فقال حسبك الآن))، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل))، وفي لفظ للبخاري: ((فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)) (٤).

стр. 122

٢ - وعن أنس بن مالك ﵁:أن رسول الله ﷺ قال لأبيّ بن كعب: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك))، قال: آلله سمَّاني لك؟ قال: ((الله سمَّاك لي))، قال فجعل أُبيّ يبكي))، وفي رواية: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) قال: وسمَّاني لك؟ قال: ((نعم)) قال: فبكى (٢). ٣ - وعن عائشة ﵂ في حديث طويل ذكرت فيه صلاة النبي ﷺ بالليل، وأنه بكى مرات، قالت: ((فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؛ لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ (٣) الآية كلها (٤). ٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ

стр. 123

مِنِّي﴾ (١) الآية، وقال عيسى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٢) الآية. فرفع يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي))، وبكى فقال الله : ((يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)) (٣). ٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٤) (٥)، ولم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهةً، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملان، ويُسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه: تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمَّتِهِ وشفقة عليها، وتارة خشيةً لله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (٦) (٧).

стр. 124

النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح والنفوس كما جاء في الآثار عن السلف الصالح: ١ - ثبت عن جبير بن مطعم ﵁:أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ (١) كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي])) (٢).وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب. ٢ - ذُكِر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه صلَّى بالجماعة صلاة الصبح، فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: أنه كان في صلاة العشاء، فيدل على تكريره منه، وفي رواية أنه بكى حتى سُمِعَ بكاؤه من وراء الصفوف (٣). ٣ - وذُكِر أنه قدم أُناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق ﵁، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق ﵁: ((هكذا كنَّا، ثم قست القلوب)) (٤).

стр. 125

٤ - وذُكِرَ عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك (١) البالي من الدموع (٢). والذي جعل النبي ﷺ يبكي من خشية الله تعالى، هو علمه بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وعظمته، وعلمه بما أخبر الله به من أمور الآخرة؛ ولهذا كان أبو هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))،وفي لفظ: قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) (٤). وعن أبي ذر ﵁ في حديث طويل عن النبي ﷺ وفيه قوله ﷺ : (( ... والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُشات، ولخرجتم إلى الصُّعُداتِ تجأرون إلى الله ... )) (٥).

стр. 126

وهكذا أصحابه ﵃ وأتباعهم بإحسان: علمهم بالله تعالى وبما أخبر به عن الدار الآخرة جعلهم يخشون الله تعالى، ويخشعون في قراءتهم لكتابه، وفي صلاتهم، ويتأثرون بكلامه .

стр. 127

المبحث الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة الخشوع الكامل في الصلاة: في القراءة فيها، والأدعية، والأذكار يكون على ثلاث درجات على النحو الآتي: الدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها، وهذه الدرجة أدنى ما يُجزِئ من الخشوع الكامل، فقد ثبت أن النبي ﷺ بكى وهو يصلِّي صلاة الليل، فقال بلال ﵁: يا رسول الله لِمَ تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١)) (٢). قال عبد الرحمن بن سليمان: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلّق المتعلّق وينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنية، ثم قال: ((يقرؤهنّ وهو يعقلهنّ)) (٣). وذلك أن من لم يعقل ما يقول، وسها بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، ومما يدلّ على ذلك

стр. 128

حديث عثمان ﵁: أنه توضأ وضوءاً كاملاً ثم قال: ((رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه)) (١). وعن عقبة بن عامر ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)) (٢). ويُؤكِّد ذلك قول ابن عباس ﵄: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)) (٣). ومما يدل على حضور القلب مع القول قول النبي ﷺ : ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه)) (٤)، وفيه حديث عمر بن الخطاب ﵁ في فضل إجابة المؤذن، وفيه: (( ... إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر ... )) إلى قوله:

стр. 129

(( ... ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة)) (١)، فهذا والله تعالى أعلم: أدنى الخشوع الكامل: أن يقرأ الآيات والأذكار متفَهِّماً لمعانيها، وكذلك أذكار الصلاة: كأذكار الركوع، والرفع منه، وأذكار السجود، والجلسة بين السجدتين، وغير ذلك من أذكار الصلاة، وأدنى الخشوع في ذلك أن لا يقولها غافلاً عن معناها (٢). الدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها، ومتأثراً بمعانيها حال قراءتها، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها بوجود التأثّر من تلك المعاني، حتى يُعرف خشوعه من صوته، ويتأثَّر به من سَمِعَه، ويحسب أنه يخشى الله فيها، فيرغب في آيات الوعد، ويرهب من آيات الوعيد. الدرجة الثالثة: أن يقرأها مُتأثِّراً غاية التأثر بحقائقها تلك، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها ببلوغ التأثُّر غايته، وشهود حقائق المعاني بالقلب، حتى كأنَّها رأي عين؛ وفي حديث حنظلة ﵁ أنه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : ((وما ذاك؟)) قال: قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضّيعات - نسينا كثيراً- فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي

стр. 130

طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) ثلاث مرار، وفي لفظ: ((يا حنظلة ساعة وساعة، لو كانت تكونُ قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلّم عليكم في الطرق)) (١). ويشعر صاحب هذه الدرجة من الخشوع بتقصير، وتفريط، فيسأل الله تعالى من فضله راغباً، ويستعيذ من عذابه راهباً، يدفعه إلى ذلك تأثّره؛ ولهذا كان النبي ﷺ في صلاة الليل: ((إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ ... )) (٢). ومن أصحاب هذه الدرجة من قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة: يا رسول، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا ابنة أبي بكر))، أو ((يا بنت الصديق)) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويُصلّي، وهو يخاف أن لا يُتقبَّل منه)) (٤). وهذه الدرجات الثلاث لعلّ ابن القيم يعنيها في الأقسام الثلاثة الأخيرة من مراتب الناس الخمسة في الصلاة، فقد ذكر أن القسم الثالث من حافظ على حدود الصلاة وأركانها، وجاهد نفسه في دفع

стр. 131

الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد، ثم بيّن ﵀ أن هذا مكفّر عنه. وقال في القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها، وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئاً منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبودية ربه ﵎ فيها، ثم بيّن ﵀: أن هذا القسم: مثاب. وقال في القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك: [أي كما في القسم الرابع]، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ناظراً بقلبه إليه، مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، ... فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربّه قرير العين، ثم بيَّن ﵀: أن هذا القسم الخامس مقرّب من ربّه؛ لأن له نصيباً ممن جعلت قرّة عينه في الصلاة ... (١) فالقسم الثالث عند ابن القيم هو الدرجة الأولى من درجات الخشوع في الصلاة، وهي أدنى درجات الكمال في الخشوع. والقسم الرابع عند ابن القيم هو الدرجة الثانية من درجات الخشوع في الصلاة. والقسم الخامس عند ابن القيم هو الدرجة الثالثة من درجات الخشوع في الصلاة. والعلم عند الله تعالى.

стр. 132

وهذه الدرجات الثلاث إنما هي في الخشوع الكامل الذي يجزئ، أما أحوال الناس في صلاتهم فتتفاوت أشدّ التفاوت، والله المستعان (١).

стр. 133

المبحث التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة الخشوع في الصلاة له فوائد كثيرة منها الفوائد الآتية: أولاً: الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (١). قال العلامة السعدي ﵀: ((وإنها)) أي الصلاة ((لكبيرة)) أي شاقة ((إلا على الخاشعين)) فإنها سهلة عليهم، خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحاً صدره؛ لترقُّبه للثواب، وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك؛ فإنه لا داعي له يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه ... ؛ ولهذا قال: ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ)) أي يستيقنون ((أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)) فيجازيهم بأعمالهم ((وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون)) فهذا الذي خفف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلِّي في المصيبات، ونفّس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه)) (٢). وقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى، فعن حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى)) (٣).

стр. 134

وعن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ فيما حكاه عن نبي من الأنبياء السابقين، وفيه: أن هذا النبي استشار قومه، فقالوا: أنت نبي الله نَكِلُ ذلك إليك، فَخِرْ لنا، قال ((فقام إلى صلاته)) قال: ((وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة)) (١)، وهذا يدل على أن النبي ﷺ إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر شديد] فزع إلى الصلاة، وكان الأنبياء قبله عادتهم الاشتغال بالصلاة في الشدائد)) (٢) (٣). ثانياً: الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر: قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٤). فالله تعالى أمر بتلاوة كتابه، ومن تلاوته: اتباع ما يأمر به، والابتعاد عما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبُّر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، عُلِمَ أن

стр. 135

إقامة الدين كلّه داخلة في تلاوة كتاب الله، فيكون قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ من باب عطف الخاص على العام لفضل الصلاة، وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي ((إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ))، ووجه ذلك أن العبد المقيم لها، المتمّم لأركانها، وشروطها، وخشوعها يستنير قلبه، ويتطهَّر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتعدم رغبته في الشرّ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها (١). فالخشوع في الصلاة من الواجبات التي تجب لها، فحينئذٍ تنهى عن الفحشاء والمنكر: إذا قام بها العبد كاملة بما يجب لها. والله تعالى أعلم. وقد ثبت أنه قيل للنبي ﷺ : ((إن فلاناً يصلِّي الليل كلَّه، فإذا أصبح سرق، فقال: ((سينهاه ما تقول))، أو قال: ((ستمنعه صلاته)) (٢). فإذا صلَّى العبد المسلم الصلاة على الوجه الأكمل: بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وخشوعها، والتدبّر في قراءتها منعته من

стр. 136

الفحشاء والمنكر (١). ثالثاً: الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى: لا شك أن الخشوع الكامل في الصلاة يجلب البكاء من خشية الله تعالى، وإذا حصل هذا العمل الصالح كان من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)) (٢). وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ)) (٣). وعن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي

стр. 137

ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهِ: إِمَامٌ عاَدِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلُمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يِمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) (١). والمشروع في البكاء أن يكون الباعث عليه: التفكُّر في الذنب، أو عدد الذنوب، أو التفكُّر في تقصيره، أو خوف عذاب الله تعالى، أو الخوف من أن لا يقبل عمله؛ لفقد شرطٍ من شروط صحته، أو خوف الموت قبل الاستعداد، أو توقير الله وتعظيمه، أو خوف الفتن، أو خوف عدم الثبات على الدين، أو التذلّل لله في الدعاء، أو الطَّمع في رضوان الله والجنّة، أو الشوق إلى لقاء الله تعالى، وأعظم البكاء من خشية الله في الخلوات. رابعاً: الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي ، وهو التوجه والحضور بالقلب، والجسد بين يدي الله تعالى، والتقرُّب له بذلك. خامساً: الخشوع في الصلاة يهوِّن الوقوف على العبد يوم القيامة ؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀: ((للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هُوِّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا

стр. 138

الموقف، ولم يوفِّه حقَّه شُدِّد عليه ذلك الموقف، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ (١) (٢). سادساً: الخشوع في الصلاة يقرِّب العبد من الله ، ويستفيد منه اللذة في مناجاة الله؛ لأن اللذة تابعة للمحبَّة تقوى بقوَّتها، وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت الّلذَّة بالوصول إليه أتمّ (٣). سابعاً: الخشوع الكامل يزداد به الإيمان ، ويليِّن القلب، ويورث الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويبعث في القلب محبة الخير، والرغبة فيه، وكراهية الشرِّ والنفور منه، وبهذا تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر. ثامناً: الخشوع في الصلاة يزيل الهمَّ عن القلب، ويشرح الصدر . تاسعاً: الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حُبَّاً في الصلاة حتى تكون أحبَّ شيء إلى النفس فتصبح قُرَّة العين، وراحة النفس، كما تقدم في الأدلة. عاشراً: الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام الله تعالى ، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ

стр. 139

فُرْقَاناً﴾ (١). الحادي عشر: الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد، فيدعو الله ويتضرَّع إليه ، وكلما ازداد الخشوع كان ذلك أبلغ (٢). الثاني عشر: الخشوع في الصلاة يجعلها شفاءً من عامة الأوجاع قبل استحكامها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣). وَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٤). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَى﴾ (٥). وَفِي السّنَنِ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصّلَاةِ)) (٦). وَقَدْ ذَكَرَ الإِمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ عُمُومَ ((الِاسْتِشْفَاءِ بِالصّلَاةِ مِنْ عَامّةِ الْأَوْجَاعِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا)) (٧).

стр. 140

وَالصّلَاةُ مُجْلِبَةٌ لِلرّزْقِ، حَافِظَةٌ لِلصّحّةِ، دَافِعَةٌ لِلْأَذَى، مُطْرِدَةٌ لِلْأَدْوَاءِ، مُقَوّيَةٌ لِلْقَلْبِ، مُبَيّضَةٌ لِلْوَجْهِ، مُفْرِحَةٌ لِلنّفْسِ، مُذْهِبَةٌ لِلْكَسَلِ، مُنَشّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ، مُمِدّةٌ لِلْقُوَى، شَارِحَةٌ لِلصّدْرِ، مُغَذّيَةٌ لِلرّوحِ، مُنَوّرَةٌ لِلْقَلْبِ، حَافِظَةٌ لِلنّعْمَةِ، دَافِعَةٌ لِلنّقْمَةِ، جَالِبَةٌ لِلْبَرَكَةِ، مُبْعِدَةٌ مِنَ الشّيْطَانِ، مُقَرّبَةٌ مِنَ الرّحْمَنِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَقُوَاهُمَا، وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ عَنْهُمَا، وَمَا اُبْتُلِيَ رَجُلَانِ بِعَاهَةٍ، أَوْ دَاءٍ، أَوْ مِحْنَةٍ، أَوْ بَلِيّةٍ، إلّا كَانَ حَظّ الْمُصَلّي مِنْهُمَا أَقَلّ، وَعَاقِبَتُهُ أَسْلَمَ. وَلِلصّلَاةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ شُرُورِ الدّنْيَا، وَلَا سِيّمَا إذَا أُعْطِيَتْ حَقّهَا مِنَ التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدْفِعَتْ شرورُ الدُّنيا والآخرة، ولا استُجْلِبَت مصالِحُهُمَا بمثل الصلاة، وسِرُّ ذلك أنَّ الصلاة صِلةٌ باللهِ ، وَعَلَى قَدْرِ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبّهِ تُفْتَحُ عَلَيْهِ مِن الْخَيْرَاتِ أَبْوَابُهَا، وَتُقْطَعُ عَنْهُ مِن الشّرُورِ أَسْبَابُهَا، وَتُفِيضُ عَلَيْهِ مَوَادّ التّوْفِيقِ مِنْ رَبّهِ ، وَالْعَافِيَةُ، وَالصّحّةُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالْغِنَى، وَالرّاحَةُ وَالنّعِيمُ، وَالْأَفْرَاحُ وَالْمَسَرّاتُ، كُلّهَا مُحْضَرَةٌ لَدَيْهِ وَمُسَارِعَةٌ إلَيْهِ)) (١).

стр. 141

المبحث العشرون: الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة لا شك أن للصلاة طعماً؛ لأنها من أعظم العبادات، والعبادة لله تعالى يتلذَذ بها المسلم الصادق مع الله تعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً)) (١). ومما يدل على التلذُّذ بالعبادة قول النبيّ ﷺ : ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ)) (٢). وفي رواية للإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي: (( ... فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ)) (٣). فمن وفقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوته،

стр. 142

فيستلذُّ الطاعة، ويتحمَّل المشاق في رضى الله ورسوله ﷺ (١). والتلذذ بالصلاة يكون بأمرين: الأمر الأول: المبادرة والتبكير برغبةٍ ولذَّةٍ إلى الصلاة: كان النبي ﷺ يبادر إلى الصلاة، فقد كان يكون مع أهله، فإذا أذَّنَ المؤذِّنُ خَرَج وتَرَكَهُم (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ)) (٣). وقد كان ﷺ يحثُّ الناس ويرغِّبهم في المبادرة إلى الصلاة، وإلى الصف الأول، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ (٤) لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ (٥) وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)) (٦).

стр. 143

* وكان الصحابي عبد الله بن رواحة ﵁ (١) إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، وإذا دخل بيته صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبداً (٢). وقد مدحه النبي ﷺ بقوله: ((رَحِمَ اللهُ أخي عَبْدَاللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كانَ أَيْنَما أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ أَناخَ)) (٣). فهو ﵁ من ناحيةٍ يُحِبُّ أن يستقبل بيته ويفارقه على ذكرٍ لله ، ومن ناحية أخرى لا يُحِبُّ أن يُؤَخِّر الصلاة عن وقتها، ولو كان في شغلٍ أو على سفر، وذلك منه حباً للصلاة، واستباقاً للمناجاة. وإذا كان هذا في الصلاة، ففي سائر الطاعات كذلك. * وتسابق أبي بكر وعمر ﵄ في أبوابِ الخير مشهور، معروف (٤).

стр. 144

* قال الصحابي عدي بن حاتم ﵁ (١): ((ما جاء وقت صلاةٍ قطُّ إلا وقد أخذتُ لهَا أُهْبَتها، وما جاءت إلا وأنا إليها بالأشواق)) (٢)، فهو يستعدّ للصلاة قبل وقتها، ويتشوَّق للدخول فيها. * وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ (٣): ((مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ مُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَةٍ، إِلاَّ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ)) (٤)، فلولا أنه مشتاقٌ للقاء الله تعالى ما بادر إلى المسجد قبل الأذان منذ ثلاثين سنة. * وكان الإمام القارئ عاصم بن أبي النجود الأسدي ﵀ (٥) إذا صلَّى ينتصب كأنَّه عود، وكان يكون يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابداً خيّراً يصلي كثيراً جداً، ربما أتى حاجة، فإذا رأى مسجداً، قال: ((مِلْ بِنَا، فإن حاجتنا لا تفوت))، ثم يدخل، فيصلي (٦)، وهذا منه ﵀ شوق للصلاة، وهمٌّ بها كل وقت. * وقال محمد بن سماعة القاضي التميمي الكوفي ﵀ (٧): ((مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوماً واحداً ماتت

стр. 145

فيه أمي)) (١). وهذا أقل درجةً من سعيد بن المسيب؛ لأنه يذكر التكبيرة الأولى، لا الحضور قبل الأذان. والشيطان يحرص على أن يؤخر المؤمن عن المبادرة إلى الطاعات، فجاء في الحديث الصحيح: ((يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلاَّ أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ)) (٢). وهذا التسابق إلى الطاعات ليس داخلاً في العجلة المذمومة، بل بيَّن لنا النبي ﷺ أن ((التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ)) (٣). * وما أحسن ما وصف به يونس بن عُبيدٍ ﵀ ((أنه كان لا يحضره أمرٌ من الله إلا كان له مستعداً)) (٤)، فهو مثلاً على وضوءٍ
следующие страницы →