← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته، وفيه: ((ثمّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً)) (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أُمرتُ أن أسجدَ على سبعة أعْظُمٍ: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) (٣). السابع: الرفع من السجود؛ لقوله ﷺ : ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) (٤). الثامن: الجلسة بين السجدتين؛ لقوله ﷺ : ((حتى تطمئن جالساً)) (٥). التاسع: الطمأنينة في جميع الأركان؛ لأن النبي ﷺ لَمّا علَّمَ المسيء صلاته كان يقول له في كل ركن: ((حتى تطمئنَّ)) (٦) والطمأنينة: هي السكون بقدر الذكر الواجب، فلو لم يسكن لم يطمئن (٧).

стр. 72

العاشر: التشهد الأخير؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ وفيه: ((لا تقولوا: السلامُ على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله ... )) (١). ولفظه عند النسائي: كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تقولوا هكذا، فإنَّ اللهَ هو السلام، ولكن قولوا: التحياتُ لله ... )) (٢). الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير؛ لأن النبي ﷺ فعله جالساً، وداوم عليه، كما تقدم في الأحاديث، وقد أمرنا ﷺ بالصلاة كصلاته، فقال: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي)) (٣). الثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤)؛ ولحديث كعب بن عجرة (٥) ﵁ وفيه: ((يا رسول الله قد علمنا كيف نُسلِّمُ عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد ... )) الحديث)) (٦)؛ ولحديث عبد الله بن

стр. 73

مسعود ﵁ وفيه: ((أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : ((قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد ... )) الحديث (١). الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة؛ لأن النبي ﷺ عَلَّم المسيء صلاته مرتبة بـ ((ثُمَّ))، فقال: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأْ ما تيسَّرَ معك مِنَ القرآن، ثمَّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعاً، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٢)، وقال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستويَ قائماً)) (٣)؛ ولأن النبي ﷺ واظب على هذا الترتيب، وقال: ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي)) (٤). الرابع عشر: التسليمتان؛ لحديث علي ﵁ يرفعه: ((مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التّكْبير، وتحليلُها التسليم)) (٥)؛ولحديث عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: ((كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خدّه)) (٦).

стр. 74

الأمر الثالث: التحذير من ترك شيء من واجبات الصلاة: واجبات الصلاة ثمانية، تبطل الصلاة بتركها عمداً، وتسقط سهواً وجهلاً، وتجبر بسجود السهو، وهي على النحو الآتي: الأول: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام (١)؛ لحديث أنس ﵁ يرفعه: ((إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا)) (٢)؛ولحديث ابن عباس ﵄ قال عكرمة: رأيت رجلاً عند المقام يكبّر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس ﵄ فقال: ((أوليس تلك صلاة النبي ﷺ لا أم لك؟)) (٣). وفي رواية: ((صليت خلف شيخ بمكةَ فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سُنّة أبي القاسم ﷺ )) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم

стр. 75

يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (١). الثاني: قول: سبحان ربي العظيم في الركوع؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم)) (٢)؛ ولقول النبي ﷺ : ((وأما الركوع فعظِّمُوا فيه الربَّ )) (٣). الثالث: قول: ((سمع الله لمن حمده)) للإمام والمنفرد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((ثم يقول: سمع الله لمن حمده إذا رفع صلبه من الركوع)) (٤). الرابع: قول: ربنا ولك الحمد للكل [الإمام، والمنفرد، والمأموم] أما الإمام والمنفرد؛ فلحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد)) (٥). وأما المأموم؛ فلحديث أنس ﵁ يرفعه وفيه: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) (٦). الخامس: قول: سبحان ربي الأعلى في السجود؛ لحديث حذيفة يرفعه

стр. 76

وفيه: ((ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى)) (١). السادس: قول: ((ربِّ اغفر لي بين السجدتين))؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه وفيه: وكان يقول: ((ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي)) (٢). السابع: التشهد الأول؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمَنا رسول الله ﷺ أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (٣)؛ولحديث عبد الله بن بحينة ﵁ أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبِّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلِّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس (٤). الثامن: الجلوس للتشهد الأول؛ لحديث عبد الله بن بحينة السابق وفيه: ((قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس، قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه، مكان ما نسي من الجلوس)) (٥).

стр. 77

الأمر الرابع: التحذير من فعل شيء من مبطلات الصلاة التي تفسدها: تبطل الصلاة وتجب إعادتها بقول أو فعل مما يأتي: ١ - الكلام العمد مع الذكر؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ قال: ((كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام)) (٢)؛ ولحديث معاوية بن الحكم ﵁ وفيه: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن)) (٣)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كُنَّا نُسَلِّمُ على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا (٤) فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: ((إن في الصلاة شغلاً)) (٥). قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن من تكلم في صلاته عامداً وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة)) (٦). ٢ - الضحك بصوت يسمعه المصلي أو غيره، وهو ما يعبر عنه بالقهقهة، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن

стр. 78

الضحك يفسد الصلاة)) (١). ٣ - الأكل. ٤ - الشرب، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن من أكل أو شرب في صلاته الفرض عامداً أن عليه الإعادة)) (٢). ٥ - انكشاف العورة عمداً؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة، فإذا عدم الشرط عمداً بدون عذر بطل المشروط، وهو هنا الصلاة (٣). ٦ - الانحراف الكثير عن جهة القبلة؛ لأن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة. ٧ - العبث الكثير المتوالي لغير ضرورة [أي الحركة الكثيرة المتوالية]. ٨ - انتقاض الطهارة؛ لأنها شرط من شروط الصلاة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه وفيه: ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) (٥)،وكذلك إذا ترك المُصلِّي ركناً من أركان الصلاة، أو

стр. 79

شرطاً من شروطها، لغير عذر شرعي، وكذلك من تعمد ترك شيء من واجباتها بغير عذر.

стр. 80

المبحث الحادي عشر: الصلاة بخشوع: قرّةٌ للعين وراحةٌ للقلب لا شك أن الصلاة قرة لعين النبي ﷺ ، وراحة لقلبه وروحه؛ لحلاوة مناجاته لربِّه؛ ولخشوعه، وحضور قلبه بين يدي الله تعالى، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبِّبَ إلَيَّ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (١). وقوله ((حبب إلي النساء .. )) قيل: إنما حُبِّبَ إليه النساء لينقلن عنه من أمور الشريعة ما لا يطّلع عليه الرجال، ومن أحواله ويُستَحْيَا من ذكره، وقد جعل الله له نسوة ينقلن: أحكام الحيض، والنفاس، والغسل، والعدة، وينقلن من الشرع ما يشاهدنه من أفعاله ﷺ . وقيل: حبب إليه زيادة في الابتلاء والاختبار، والتكليف، فيكون ذلك أكثر

стр. 81

لمشاقِّه، وأعظم لأجره، وقيل غير ذلك والعلم عند الله تعالى (١). وقوله: ((والطيب)) فكأنه حُبِّبَ إليه؛ لأنه يناجي ربَّه ، ويقابل جبريل، والملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم، والعلم عند الله تعالى (٢). قوله: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) النبي ﷺ يحصل له السرور العظيم، واللذة العظيمة في صلاته؛ لأنه يستحضر عظمة الله ويناجيه، ويدعوه، فيحصل له كمال المناجاة مع الرب ﵎ (٣). قال الراغب الأصفهاني ﵀: (( ... وقرّت عينُهُ تقرُّ: سُرَّت، قال: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٤)، وقيل لمن يُسَرُّ به: قرّة عينٍ، قال: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (٥) وقوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٦) قيل: أصله من القُرِّ: أي البرد، فقرّت عينُه، قيل: معناه بردت فصحَّت، وقيل: لأن للسرور دمعة باردة قارة، وللحُزن دمعة حارة؛ ولذلك يقال لمن يُدعى عليه: أسخن الله عينه، وقيل: هو من القرار، والمعنى: أعطاه الله ما تسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره)) (٧).

стр. 82

والنبي ﷺ مهما يحصل له من السرور العظيم، وحلاوة مناجاة الله، تحصل له الراحة فيها؛ لكمال مناجاته لربه، واستحضاره لعظمته، والوقوف بين يديه؛ ولهذا قال ﷺ : ((قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاةِ))، وفي لفظ: ((يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا)) (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: (( ... الصلاة إنما تُكفِّر سيئات من أدَّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه، فهذا إذا انصرف منها وجد خِفّةً من نفسه، وأحسَّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطاً، وراحة، وروحاً، حتى يتمنَّى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قُرَّة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نُصلِّي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم، وقدوتهم، ونبيهم ﷺ : ((يَا بِلالُ أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ)) (٢)، ولم يقل: أرحنا منها، وقال ﷺ : ((جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (٣)، فمن جُعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقرّ عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟)) (٤). وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والمقصود أن ما تقرُّ به العين أعلى من مجرَّد ما يحبه، فالصلاة قُرّة عيون المحبين في هذه

стр. 83

الدنيا؛ لما فيها من مناجاة من لا تقرّ ... العيون، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره، والتَّذلُّلُ والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول النبي ﷺ : ((يا بلال أرحنا بالصلاة))، فأعلم بذلك أن راحته ﷺ في الصلاة، كما أخبر أن قرّة عينه فيها، فأين هذا من قول القائل: نصلي، ونستريح من الصلاة. فالمحبّ راحته، وقرّة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك؛ بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنَّه على الجمر، حتى يتخلّص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها، وأسرعها؛ فإنه ليس له قُرَّة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرّت عينه بشيء، واستراح قلبه به، فأشقّ ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله، والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا، أشقّ ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع تفرّغه وصحته وعدم اشتغاله)) (١).

стр. 84

المبحث الثاني عشر: مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقرّ بها العين قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقرّ بها العين، ويستريح بها القلب، هي التي تجمع ستة مشاهد)) (١)، وذكر هذه المشاهد ﵀، وهي على النحو الآتي: المشهد الأول: الإخلاص: وهو أن يكون الحامل عليها، والداعي إليها، رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودُّد إليه، وامتثال أمره؛ بحيث لا يكون الباعث له عليها حظّاً من حظوظ الدنيا البتة؛ بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى: محبةً له، وخوفاً من عذابه، ورجاء لمغفرته، وثوابه. المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح: وهو أن يُفرِّغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، وأكملها ظاهراً وباطناً؛ فإن الصلاة لها ظاهر وباطن: فظاهرها الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله والإقبال بكُليَّته على الله فيها بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك، ولهذا تُلفُّ كما يلفّ الثوب الخلق، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول ضيعك الله كما ضيعتني.

стр. 85

والصلاة التي كَمُلَ ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس، حتى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني (١). المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء: وهو أن يحرص كلّ الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي ﷺ ، ويُصلِّي كما كان يُصلِّي، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة: من الزيادة، والنقصان، والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله ﷺ شيء منها، ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخِّصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه، ولعل الأحاديث الثابتة، والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: نحن مقلِّدون لمذهب فلان، وهذا لا يُخلِّص عند الله، ولا يكون عذراً لمن تخلَّف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله، واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول، وكل أحد سوى الرسول ﷺ فمأخوذ من قوله ومتروك، وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه، ونُسلِّم تسليماً، فلا ينفعنا تحكيم غيره، والانقياد له، ولا ينجينا من عذاب الله، ولا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه سبحانه يوم القيامة: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ (٢)؛ فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك، ويطالبنا بالجواب، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ

стр. 86

الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : ((أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ بِي تُفْتنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ)) (٢)، يعني المسألة في القبر، فمن انتهت إليه سنة رسول الله ﷺ ، وتركها لقول أحد من الناس، فسيرد يوم القيامة ويعلم. المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة ، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله، وأسمائه، وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته، مستوياً على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويُدبِّر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده، ويصعد إليه، وتُعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كُلَّه بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيُّوماً، حيّاً، سميعاً، بصيراً، عزيزاً، حكيماً، آمراً، ناهياً، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ولا أقوالهم ولا بواطنهم؛ بل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كُلِّها؛ فإنه يوجب: الحياء، والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخضوع لله سبحانه، والذُّلّ له، ويقطع الوسواس وحديث ... النفس، ويجمع القلب والهمّ على الله، فحظّ العبد من القرب من

стр. 87

الله على قدر حظِّه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة، حتى [أنَّه] يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض: وقيامهما، وركوعهما، وسجودهما واحد. المشهد الخامس: مشهد المِنَّةِ: وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام، وأهَّله له، ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدون بين يدي النبي ﷺ فيقولون: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلماً، والمُصلِّي مصلِّياً كما قال الخليل ﷺ : ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢)، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (٣)، فالمنّة لله وحده في أن جعل عبده قائماً بطاعته، وكان هذا من أعظم نعمه عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٥).

стр. 88

وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلّما كان العبد أعظم توحيداً، كان حظُّه من هذا المشهد أتمَّ. وفيه من الفوائد: أنه يحول بين القلب وبين العُجْب بالعمل، ورؤيته؛ فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المانُّ به، الموفق له، الهادي إليه، شغله شهودُ ذلك عن رؤيته، والإعجاب به، وأن يصول به على الناس، فيُرفع من قلبه، فلا يعجب به، ومن لسانه، فلا يمنّ به، ولا يتكثّر به، وهذا شأن العمل المرفوع. ومن فوائده: أنه يضيف الحمد إلى وليّه، ومستحقّه، فلا يشهد لنفسه حمداً، بل يشهده كلّه لله، كما يشهد النعمة كلّها منه، والفضل كله له، والخير كله في يديه، وهذا من تمام التوحيد، فلا يستقرّ قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشهوده؛ فإذا علمه، ورسخ فيه، صار له مشهداً، وإذا صار لقلبه مشهداً، أثمر له من المحبة والأنس بالله، والشوق إلى لقائه، والتنعّم بذكره، وطاعته، ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا البتّة. وما للمرء خير في حياته، إذا كان قلبه عن هذا مصدوداً، وطريق الوصول إليه عنه مسدوداً، بل هو كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١). المشهد السادس: مشهد التقصير: وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه، فهو مقصِّر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية

стр. 89

والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم، والتعظيم، والاحترام، والتوقير، والحياء، والمهابة، والخشية، والنصح، بحيث يُفَرِّغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك، ورب السموات والأرض، أولى أن يعامل بذلك، بل بأضعاف ذلك. وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريباً من حقه، علم تقصيره، ولم يسعْه مع ذلك غير الاستغفار، والاعتذار من تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه، وأنه إلى أن يغفر له العبودية، ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثواباً، وهو لو وفَّاها حقها كما ينبغي، لكانت مستحقّة عليه بمقتضى العبودية؛ فإن عمل العبد، وخدمته لسيده، مستحقّ عليه بحكم كونه عبده ومملوكه، فلو طلب منه الأجرة على عمله، وخدمته لعدَّه الناس أحمق وأخرق، هذا وليس ... هو عبده، ولا مملوكه على الحقيقة، وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كلِّ وجه لله سبحانه، فعمله وخدمته مستحقّ عليه بحكم كونه عبده، فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنَّة وإحسان إليه، لا يستحقّه العبد عليه. ومن ههنا يُفْهَم معنى قول النبي ﷺ : ((لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُم الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ))، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ

стр. 90

اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ)) (١). وقال أنس بن مالك ﵁: ((يُخْرَجُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ: دِيوَانٌ فِيهِ حَسَنَاتُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ سَيِّئَاتُهُ، وَدِيوَان النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا؛ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى لنِعَمِه: خُذِي حَقَّكِ مِنْ حَسَنَاتِ عَبْدِي، فَيَقُوْمُ أَصْغَرُهَا فَتَسْتَنْفِدَ حَسَنَاتِهِ، ثُمَّ تَقُولُ: وَعِزَّتِك مَا اسْتَوْفَيْتُ حَقِّي بَعْدُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ عَبْدَهُ وَهَبَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ سَيِّئَاتِهِ، وَضَاعَفَ لَهُ حَسَنَاتِهِ)) (٢)، [قال الإمام ابن القيم رحمه لله]: وهذا ثابت عن أنس، وهو أدلُّ شيء على كمال علم الصحابة بربهم، وحقوقه عليهم، كما أنهم أعلم الأمة بنبيِّهم وسنَّته ودينه؛ فإنَّ في هذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يدركه إلا أولو البصائر، العارفون بالله، وأسمائه، وصفاته، وحقه، ومن هنا يُفْهَم قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود، والإمام أحمد، من حديث زيد بن ثابت، وحذيفة وغيرهما: ((إِنَّ اللَّهَ لَوْ عذَّبَ أهْلَ سَمَوَاتِهِ، وأهْلَ أرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خيْراً لَهُمْ

стр. 91

مِنْ أَعْمَالِهِمْ)) (١). وملاك هذا الشأن أربعة أمور: نيَّةٌ صحيحةٌ، وقوةٌ عاليةٌ، يقارنهما رغبةٌ، ورهبةٌ: فهذه الأربعة هي قواعد هذا الشأن، ومهما دخل على العبد من النقص في إيمانه وأحواله، وظاهره، وباطنه، فهو من نقصان هذه الأربعة، أو نقصان بعضها، فليتأمّل اللبيب هذه الأربعة الأشياء، وليجعلها سيره وسلوكه، ويبني عليها علومه وأعماله وأقواله وأحواله، فما نتج من نتج إلا منها، ولا تخلف من تخلف، إلا من فقدها)) (٢).

стр. 92

المبحث الثالث عشر: أقسام الناس في الخشوع في الصلاة الناس يختلفون في الخشوع في الصلاة على حسب حضور قلب كل إنسان، وغفلته، وإقباله على صلاته، وانصراف قلبه عن ربه، والعياذ بالله تعالى، والناس في الخشوع في الصلاة على أقسام خمسة على النحو الآتي: القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المُفرِّط: وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها. القسم الثاني: من يحافظ على مواقيتها ، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها، لكن قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار. القسم الثالث: من حافظ على حدودها، وأركانها ، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوِّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد. القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها ، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئاً منها؛ بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبوديّة ربه ﵎ فيها. القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه، ووضعه بين يدي ربه ، ناظراً بقلبه إليه، مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّت

стр. 93

تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل، وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه ، قرير العين به. فالقسم الأول معاقبٌ، والثاني محاسبٌ، والثالث مكفَّرٌ عنه، والرابع مُثابٌ، والخامس مُقَرَّبٌ من ربّه؛ لأن له نصيباً ممن جُعِلَتْ قرّة عينه في الصلاة، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرَّت عينه بقربه من ربه في الآخرة، وقرّت عينه أيضاً به في الدنيا، ومن قرَّت عينه بالله، قرّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى، تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة، واشتغاله فيها بربه إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعداً تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ (١).

стр. 94

المبحث الرابع عشر: خشوع النبي ﷺ في صلاته النبي ﷺ : هو أتقى الناس لربه، وأخشاهم، وأشدَّهم خشية وخشوعاً لله تعالى، ومن أعظم خشيته لله، ومحبَّته له، وإجلاله له، وتعظيمه: خشوعه في صلاته، ورقّة قلبه في الصلاة، وغيرها من العبادات: أولاً: خشوعه ﷺ في أفعال الصلاة وأقوالها: كان ﷺ إذا قام في الصلاة، طأطأ رأسَه، ذكره الإِمام أحمد ﵀، وكان في التشهد لا يُجاوز بَصَرُهُ إشارتَه، وقد تقدّم. وكان قد جعل الله تعالى قُرّة عينه، ونعيمَه، وسرورَه، وروحَه في الصلاة. وكان يقول النبي ﷺ : ((يا بِلاَلُ أرِحْنا بِالصلاَةِ)) (١). وكان يقول ﷺ : ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ)) (٢). ومع هذا لم يكن يشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله تعالى، وحضورِ قلبه بين يديه، واجتماعِه عليه. وكان يَدْخُلُ فِي الصّلَاةِ وَهُوَ يُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصّبِيّ

стр. 95

فَيُخَفّفُهَا، وَأَرْسَلَ مَرّةً فَارِساً طَلِيعَةً لَهُ، فَقَامَ يُصَلّي، وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى الشّعْبِ الّذِي يَجِيءُ مِنْهُ الْفَارِسُ (١)، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ حَالِ فَارِسِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يُصَلّي الْفَرْضَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنِ الرّبِيعِ ابْنَةَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ عَلَى عَاتِقِهِ، إذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ، وَضَعَهَا (٢). وكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره، فيُطيل السجدة، كَراهية أن يُلقيَه عن ظهره (٣). وكان يُصلي، فتجيء عائشةُ مِن حاجتها والبابُ مُغلَق، فيمشي،

стр. 96

فيفتح لها البابَ، ثمَّ يرجِعُ إلى الصلاة (١). وكان يَرُدُّ السلامَ بالإِشارة على من يُسلّم عليه وهو في الصلاة. وقال جابر: بعثني رسولُ الله ﷺ لحاجة، ثم أدركتُهُ وهو يُصلِّي، فسلمتُ عليه، فأشار إليَّ (٢). قال أنس ﵁: ((كان النبيُّ ﷺ يُشير في الصلاة)) (٣). وقال صُهيبٌ: ((مررتُ برسول الله ﷺ وهو يُصلي، فسلّمتُ عليه، فردَّ إشارةً))، قال الراوي: لا أعلمه، قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في ((السنن))، و ((المسند)) (٤).

стр. 97

وقال عبد الله بن عمر ﵄: ((خرج رسولُ الله ﷺ إلى قُباء يُصلِّي فيه، قال: فجاءته الأنصارُ، فسلَّموا عليه وهو في الصلاة، فقلتُ لبلال: كيف رأيتَ رسول الله ﷺ يردُّ عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق)) (١). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأومأ برأسه)) (٢). قال الإمام ابن القيم: ((وأما حديث أبي غطفان عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((مَنْ أَشَارَ فِي صَلاَتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنهُ، فَلْيُعِدْ صَلاته))، فحديث باطل، ذكره الدارقطني (٣)، وقال: قال لنا ابن

стр. 98

أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول (١)، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يُشير في صلاته. رواه أنس، وجابر وغيرهما (٢))) (٣). وكان ﷺ يُصلي وعائشة معترِضَةٌ بينَه وبين القبلة، فإذا سجد، غَمَزَهَا بيده، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما (٤). وكان يُصلي، فجاءه الشيطانُ ليقطع عليه صلاتَه، فأخذه، فخنقه حتى سَالَ لُعابُه عَلَى يَدِه (٥).

стр. 99

وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة، نزل القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرض ثم صَعِدَ عليه (١). وكان يُصلي إلى جِدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارئها، حتى لَصِقَ بطنُه بالجدار، ومرّت من ورائه (٢). يدارئها: يفاعلها، من المدارأة، وهي المدافعة. وكان يُصلّي، فجاءته جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فَنَزَعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة (٣). ولفظ أحمد فيه:

стр. 100

فأخذتا بركبتي النبي ﷺ ، فنزع بينهما، أو فرَّق بينهما، ولم يَنْصَرِفْ (١). وكان يُصلّي، فمرَّ بين يديه غلام، فقال بيده هكذا، فرجع، ومرّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلَّى رسولُ الله ﷺ ، قال: ((هُنّ أَغْلَبُ)) (٢)، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ. وَكَانَ يَنْفُخُ فِي صَلَاتِهِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ (٣). قال الإمام ابن القيم: ((وَأَمّا حَدِيثُ: ((النّفْخُ فِي الصّلَاةِ كَلَامٌ))، فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنّمَا رواه سعيد في سننه عن ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ إنْ صَحّ (٤).

стр. 101

وَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ. قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: ((كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلّي فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْته فَارِغاً أَذِنَ لِي))، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: ((كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَدْخَلَانِ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ، وَكُنْتُ إذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي، تَنَحْنَحَ (١).وَعَمِلَ بِهِ أحمد، فَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَى النّحْنَحَةَ مُبْطِلَةً لِلصّلَاةِ. وَكَانَ يُصَلّي حَافِياً تَارَةً، وَمُنْتَعِلاً أُخْرَى، كَذَلِك قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ (٢)، وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّعْلِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ (٣). وَكَانَ يُصَلّي فِي الثّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً، وَفِي الثّوْبَيْنِ تَارَةً، وَهُوَ أَكْثَرُ)) (٤).

стр. 102

ثانياً: رقة قلبه ﷺ وبُكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة: لم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا، ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته، وشفقة عليها، وتارة من خشية الله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (١). ومن الحالات التي بكى فيها النبي ﷺ ما يأتي: ١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل ، فقال بلال: يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت عليّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ " (٢) (٣). ٢ - بكاء النبي ﷺ في الصلاة من خشية الله تعالى ، فعن عبد الله بن

стр. 103

الشخِّير قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي ولصدره أَزِيزٌ كأزيز المِرجل من البكاءِ (١). ٣ - بكاء النبي ﷺ عند سماع القرآن ، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: "نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري" قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾ (٢)، فإذا عيناه تذرفان (٣). ٤ - بكاء النبي ﷺ عند فقد الأحبة ، بكى النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابن عوف! إنها رحمة ... إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (٤). ٥ - بكاء النبي ﷺ عند وفاة إحدى بناته ، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس ﵁ قال: شهدنا بنتاً للنبي ﷺ

стр. 104

قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "هل فيكم أحد لم يُقارف (١) الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها" قال: فنزل في قبرها فقَبَرها (٢). ٦ - بكى ﷺ عند موت ابنة له أيضاً ، فعن ابن عباس ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ ابنة له تقضي (٣) فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله ﷺ : "أتبكين عند رسول الله؟ " فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: "إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله " (٤). ٧ - بكى ﷺ عند وفاة أحد أحفاده ، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلَتْ بنتُ النبيِّ ﷺ (٥): إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: "إنّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرُفِعَ إلى النبي ﷺ الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، قال: كأنها شَنّ، وفي رواية: (تقعقع (٦) كأنها في

стр. 105

شنٍّ (١)، ففاضت عيناه) فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وفي رواية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ" (٢). ٨ - بكى النبي ﷺ عند موت عثمان بن مظعون ، فعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل. ولفظ الترمذي: ((أن النبي ﷺ قَبّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان)) (٣). ٩ - بكى ﷺ على شهداء مؤتة ، فعن أنسٍ ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيداً وجعفراً للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الرّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخَذَ جعفرٌ فأصيب، ثم أَخَذَ ابنُ رَواحةَ فأصيب، -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم" (٤). ١٠ - بكى عند زيارة قبر أمه ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها

стр. 106

تذكركم الموت" (١). ١١ - بكى ﷺ عند سعد بن عبادة وهو مريض ، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (٢)، فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا" (٣) - وأشار إلى لسانه - "أو يرحم ... " (٤) الحديث (٥). ١٢ - بكى ﷺ عند القبر ، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى، ثم قال: "يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا" (٦). ١٣ - بكى ﷺ في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ

стр. 107

غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح (١). ١٤ - بكى ﷺ في صلاة الكسوف ، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: انكسفتِ الشمس يوماً على عهد رسول الله ﷺ ،فقام رسول الله ﷺ يُصلّي، ثم سجد، فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم" وفيه: "ربِّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم" (٢). ١٥ - بكى ﷺ لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر ، ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃: (( ... فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن علياً من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيباً لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا

стр. 108

رسول الله! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله ﷺ ، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّباً﴾ (٢)، فأحلّ الله الغنيمة لهم)) (٣). ١٦ - بكى النبيُّ ﷺ شفقة على أمته ، فعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنّ النبيَّ ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤) الآية، وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) الآية، فرفع يديه وقال: "اللهم أُمّتي أُمّتي" وبكى، فقال الله : "يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك" (٦).

стр. 109

المبحث الخامس عشر: خشوع الصحابة ﵃ في صلاتهم الصحابة ﵃ يقتدون بالنبي ﷺ في خشوعه في صلاته، ومن أمثلة ذلك الأمثلة والنماذج الآتية: ١ - خشوع أبي بكر ﵁ في صلاته ، فعن عائشة ﵂ قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ (١)، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) وفي رواية: أنه قال ﷺ : ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) قالت عائشة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) (٢). وهذا فيه من الفوائد: خشوع أبي بكر في صلاته، وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه، لكن لا يتكلَّف ذلك، ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (٣). ٢ - خشوع عمر بن الخطاب ﵁ في صلاته ، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر حين رأى نزف الدماء: قولوا لعبد الرحمن بن

стр. 110

عوف فليصلِّ بالناس، ثم غُشي على عمر ﵁، فحُمل فأدخلوه بيته، ثم صلَّى بالناس عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، ولم يزل عمر ﵁ في غشية واحدة، حتى أسفر، فلمَّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله فقال: ((أصلَّى الناس؟)) قالوا: نعم، فقال: ((لا إسلام لمن ترك الصلاة))، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلَّى، وجرحه ينزف دماً، ثم أمر بعد صلاته من يسأل عن من قتله؟ فأخبروه أنه طعنه أبو لؤلؤة، فقال عمر ﵁: ((الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط)) (١). فكان عمر بن الخطاب ﵁ حريصاً على صلاة المسلمين، وكان ذلك أعظم عنده من نفسه، فسأل بقول: ((أصلى الناس؟))، ثم أقبل على صلاته، ثم بعد أن صلَّى سأل عن من قتله ﵁؟. وكان عمر ﵁ قد رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: ((يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرِّقاب، إنّما الخشوع في القلوب)) (٢). ٣ - خشوع سعد بن معاذ ﵁ في صلاته ، فقد ذُكِرَ أنه قال: ((فيَّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّثُ نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من
следующие страницы →