← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشيطان، والهوى، والطباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويعطي الله النصر من يشاء ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)، وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشيطان، فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله به؛ فإنَّ أسلحته هي: الشهوات، والشبهات، والخيالات، والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة فيأخذها ويصول بها على القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوِّه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإذا أَذِنَ العبدُ لعدوِّه وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومكنَّه من السلاح يقاتله به، فهو الملوم. فنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت كمداً فليس لك اعتذار (٢) وَعِلاَجُ الْقَلْبِ مِنْ جَمِيعِ أَمْرَاضِهِ قَدْ تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ (٤). وَأَمْرَاضُ الْقُلُوبِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لاَ يَتَأَلَّمُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَرَضُ الْجَهْلِ، وَالشُّبُهَاتِ وَالشُّكُوكِ، وَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ أَلَمَاً، وَلَكِنْ لِفَسَادِ الْقَلْبِ لاَ يُحِسُّ بَهَ.

стр. 177

وَنَوْعٌ: مَرَضٌ مُؤْلِمٌ فِي الْحَالِ: كَالْهَمِّ، وَالْغَمِّ، وَالْحُزْنِ، وَالْغَيْظِ، وَهَذَا الْمَرْضُ قَدْ يَزُولُ بِأَدْوِيَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بِإزِالَةِ أَسْبَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (١). وَعِلاَجُ الْقَلْبِ يَكُونُ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: الأَمْرُ الأَوَّلُ: بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ؛ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الشَّكِّ، وَيُزِيلُ مَا فِيهَا مِنَ الشِّرْكِ، وَدَنَسِ الْكُفْرِ، وَأَمْرَاضِ الشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَهُوَ هُدَىً لِمَنْ عَلِمَ بِالْحَقِّ، وَعَمِلَ بِهِ، وَرَحْمَةٌ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالآجِلِ، قال الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (٢). الأَمْرُ الثَّانِي: الْقَلْبُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلاَثَةِ أُمُورً: ١ - مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ قُوَّتَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَعَملِ أَوْرَادِ الطَّاعَاتِ. ٢ - الْحِمْيَةُ عَنِ الْمَضَارِ، وَذَلِكَ بِاجْتِنَابِ جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ. ٣ - الاسْتِفْرَاغُ مِنْ كُلِّ مَادَّةٍ مُؤْذِيَةٍ، وَذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ. الأَمْرُ الثَّالِثُ: عِلاَجُ مَرَضِ الْقَلْبِ مِنِ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلَيْهِ: لَهُ عِلاَجَانِ: مُحَاسَبَتُهَا، وَمُخَالَفَتُهَا، وَالْمُحَاسَبَةُ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الأَوَّلُ: قَبْلَ الْعَمَلِ، وَلَهُ أَرْبَعُ مَقَامَاتً: ١ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ مَقْدُورٌ لَهُ؟

стр. 178

٢ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ فِعْلُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ؟ ٣ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ؟ ٤ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ مُعَانٌ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَعْوَانٌ يُسَاعِدُونَهُ، وَيَنْصُرُونَهُ إِذَا كَانَ الْعَمَلُ يَحْتَاجُ إِلَى أَعْوَانٍ؟ فَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ مَوْجُودَاً أَقْدَمَ وَإِلاَّ لاَ يُقْدِمْ عَلَيْهِ أَبَدَاً. النَّوْعُ الثَّانِي: بَعْدَ الْعَمَلِ وَهُو ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: ١ - مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى طَاعَةِ قَصَّرَتْ فِيهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ تُوقِعْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: الإِخْلاَصُ، وَالنَّصِيحَةُ، وَالْمُتَابَعَةُ، وَشُهُودُ مَشْهَدِ الإِحْسَانِ، وَشُهُودُ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَشُهُودُ التَّقْصِيرِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ. ٢ - مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ كَانَ تَرْكُهُ خَيْرَاً لَهُ مِنْ فِعْلِهِ. ٣ - مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ، أَوْ مُعْتَادٍ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَهَلْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، فَيَكُونُ رَابِحَا؟ أَوْ أَرَادَ بِهِ الدُّنِيَا فَيَكُونَ خَاسِرَاً؟ وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ أَوَّلاً عَلَى الْفَرَائِضِ، ثُمَّ يُكَمِّلُهَا إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً، ثُمَّ يُحَاسِبُهَا عَلَى الْمَنَاهِي، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ شَيْئَاً مِنْهَا تَدَارَكَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ عَلَى مَا عَمِلَتْ بِهِ جَوَارِحُهُ، ثُمَّ عَلَى الْغَفْلَةِ (١). الأمْرُ الرَّابِعُ: عِلاجُ مَرَضِ الْقَلْبِ مِنِ اسْتِيلاَءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ: الشَّيْطَانُ عَدُوُّ الإِنْسَانِ، وَالْفِكَاكُ مِنْهُ هُوَ بِمَا شَرَعَ اللَّهُ مِنَ

стр. 179

الاسْتِعَاذَةِ، وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ، فقَالَ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ: ((قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءَاً، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ، قُلهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ)) (١). وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالإِخْلاَصُ، يَمْنَعُ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ (٢). السبب الثالث: الابتعاد عن الوسوسة ؛ فإنها أعظم موانع الخشوع في الصلاة، فإذا نجا العبد من هذا المرض الخطير فقد نجا من شرور كثيرة: * والوسواس: الشيطان، قال الله : ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (٣). والوسوسة: حديث النفس والشيطان، بما لا نفع فيه ولا خير (٤). وقال ابن الأثير: الوسوسة: هي حديث النفس والأفكار، ورجل مُوَسْوَسٌ: إذا غلبت عليه الوسوسة، وقد وسوست إليه نفسه، وسوسةً، وَوسْوَاساً ... ، والوسواس ... اسم للشيطان، ووسوسَ: إذا

стр. 180

تكلم بكلام لم يُبيِّنهُ)) (١). وفي الحديث (( ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ ... )) (٢). والفرق بين الشك والوسوسة: أن الشك: هو التَّردُّدُ في الوقوع وعدمه، فهو مستوي الطرفين، وهو اعتقاد أن تقاوم تساويهما لا مزية لأحدهما على الآخر، وأما الوسوسة فهي كما تقدم: حديث النفس والشيطان لا تُبْنَى على أصل، بخلاف الشك، فإنه يُبْنَى على أصل (٣). * أسباب الوسوسة: ١ - قِلَّةُ العلم الشرعي: أي بالكتاب والسنة، وما عليه الصحابة وأتباعهم ﵃. ٢ - ضعف الإيمان؛ لأن الشيطان يتسلّط على أهل المعاصي، بخلاف قويّ الإيمان. ٣ - الاسترسال مع الأفكار؛ فإن هذا الاسترسال يجعل للشيطان مدخلاً عليه. ٤ - الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فإن الذكر يطرد الشيطان ووساوسه. ٥ - ضعف العقل؛ فإن صاحب العقل الكامل المؤمن ينجو من الوسوسة بفضل الله تعالى.

стр. 181

٦ - عدم مخالطة أهل العلم والإيمان الكامل. ٧ - عدم اتباع الرسول ﷺ ؛ فإن الشيطان يدخل من هذا المدخل. وهذه الأسباب لها أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها (١). * مظاهر الوسوسة عند الموسوسين: ١ - التأخر في حال الاستنجاء، أو الوضوء والاغتسال، وهذه أغلب حالات الوسواس. ٢ - تكرار الوضوء، أو الطهارة، أو الصلاة، والإسراف في ماء الطهارة، وإعادة هذه العبادات؛ لأنه يظن أنها فاسدة. ٣ - تكرير الحرف في ألفاظ القراءة، أو أذكار الصلاة وغيرها، كما ذكر ابن قدامة ﵀ في ذم الموسوسين، وابن القيم في إغاثة اللهفان ﵀. ٤ - إبدال الملابس؛ لأنه يتوهَّم أنه أصابها نجاسة. ٥ - وسوستهم في العقيدة، وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ))، وفي لفظ لمسلم: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ))، وفي رواية لمسلم: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ

стр. 182

فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: ((وَرُسُلِهِ)) (١). وعن زُمَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ! قَالَ: فَقَالَ لِي أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ. قَالَ: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ ... )) الخبر، وفي آخره قال ابن عباس: ((إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئاً فَقُلْ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) (٣). وعن أبي هريرة ﵁، قال: ((جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: ((أوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ)). قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ))، وفي لفظ: ((تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ)) (٤). وقوله: ((ذاك صريح الإيمان)) معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة (٥). وعن ابن عباس ﵄، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا

стр. 183

رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ؛ لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ))، وفي لفظ: ((رَدَّ أَمْرَهُ)) (١). والوسوسة خطيرة على المسلم، وقد ذكر الوسوسة وأحكامها، وأخطارها العلماء رحمهم الله تعالى، ومن أعظم من فصَّل في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في: ((مجموع الفتاوى)) (٢)، وتلميذه الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه: ((إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان)) (٣). وعلاج الوسوسة على النحو الآتي: ١ - طلب العلم الشرعي. ٢ - تقوية الإيمان بالطاعات والنوافل. ٣ - مداومة ذكر الله تعالى على كل حال؛ فهي حصن حصين من الوسوسة، ومن كلِّ شرٍّ. ٤ - مجالسة الصاحين، ومخالطة الناس الذين يستفيد منهم. ٥ - معرفة أن الحق هو ما جاء به الرسول ﷺ . ٦ - الاعتراف بأن الوسوسة من أبطل الباطل. ٧ - الاستعاذة بالله من الشيطان كما ثبت في الأدلة. ٨ - لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق

стр. 184

حاجته؛ لأن في ذلك كشفاً للعورة بلا حاجة؛ ولأن الحشوش والمراحيض مأوى الشياطين، والنفوس الخبيثة (١). ٩ - ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة؛ لحديث الحكم بن سفيان قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا بال توضأ وينتضح)) (٢). ١٠ - إذا تَيَقَّنَ الطهارة ثم شَكَّ في الحدث فله أن يصلِّي بطهارته؛ لأنه على طهارة، وإذا تَيَقَّنَ الحدث ثم شَكَّ هل تطهَّر أم لا فليس له أن يصلي إلا بعد الطهارة؛ وإذا شكَّ بعد الانتهاء من العبادة، فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن يقيناً لا شك فيه، وإذا كثرت الشكوك فلا يلتفت إليها (٣). السبب الرابع: متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة: لا شك أن متابعة المؤذن والقول مثل ما يقول تكون من أسباب جلب الخشوع في الصلاة؛ لأن إجابة المؤذن، بـ: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي ﵀: ((قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله ... وقيل: لا حول في دفع شرٍّ، ولا قوّة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل:

стр. 185

لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوّة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود ﵁)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً، والفوز بالنعيم آجلاً، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته)) (٢). فيُسنُّ لمن سمع المؤذن والمقيم أن يتابعه سرّاً بقوله، فيقول مثله، إلا في الحيعلتين فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويقول الأذكار المشروعة بعد الأذان، ولا شك أن النبي ﷺ شرع لأمته في الذكر عند الأذان وبعده خمسة أنواع (٣) على النحو الآتي: النوع الأول: يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في لفظ: ((حي على الصلاة، وحي على الفلاح))، فيقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن)) (٤). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرُ، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال:

стр. 186

أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة)) (١). النوع الثاني: يقول عقب تشهد المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربّاً، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام ديناً (٢)، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربّاً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفِرَ له ذنبُهُ)). وفي رواية: ((من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد ... )) (٣). النوع الثالث: يُصلِّي على النبي ﷺ بعد فراغه من إجابة المؤذن؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (٤).

стр. 187

النوع الرابع: يقول بعد صلاته على النبي ﷺ ما ثبت في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة)) (١). وثبت عند البيهقي زيادة: ((إنك لا تخلف الميعاد)) (٢). النوع الخامس: يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله؛ فإنه يستجاب له، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدعوة لا ترد بين الأذان والإقامة فادعوا)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وقدس روحه - يقول: ((هذه الأنواع تقال كلها مرة واحدة مجموعة مع كل أذان)) (٤).

стр. 188

السبب الخامس: العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع: إذا عمل المسلم بالآداب المشروعة في المشي إلى الصلاة؛ فإن ذلك يكون من أسباب التوفيق للخشوع في الصلاة، ومن هذه الآداب الآداب الآتية: ١ - يتوَضأ في بيته ويسبغ الوضوء؛ لحديث عمر ﵁ يرفعه: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)) (١)، زاد الترمذي: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ)) (٢)، وفي النسائي: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)) (٣)، ثم يُصلِّي ركعتين بعد الوضوء؛ لحديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ : ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَه، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) (٤)؛ ولحديث ابن مسعود ﵁: ((ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة)) (٥).

стр. 189

٢ - يبتعد عن الروائح الكريهة؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)). وفي لفظ لمسلم: ((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس)). وفي لفظ لمسلم: ((من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم)) (١). ٣ - يأخذ زينته ويتجمل؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢)؛ ولقول النبي ﷺ : ((إن الله جميل يحب الجمال)) (٣). ٤ - يدعو دعاء الخروج من المنزل ويخرج بنية الصلاة؛ فيقول: ((بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) (٤). ((اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَ، أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ)) (٥). ((اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي سمعي

стр. 190

نوراً، وفي بصري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً، وعظِّم لي نوراً، واجعل لي نوراً، واجعلني نوراً، اللهم أعطني نوراً، واجعل في عصبي نوراً، وفي لحمي نوراً، وفي دمي نوراً، وفي شعري نوراً، وفي بشري نوراً)) (١). ٥ - لا يشبك بين أصابعه في طريقه إلى المسجد ولا في صلاته؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)) (٢). ٦ - يمشي وعليه السكينة والوقار؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). وفي لفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٣). وفي هذا الحديث الحث على إتيان الصلاة بسكينة ووقار، والنهي

стр. 191

عن إتيانها سعياً، سواء في صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أو لا، وقوله ((إذا سمعت الإقامة)) إنما ذكر الإقامة للتنبيه على ما سواها؛ لأنه إذا نُهي عن إتيانها سعياً في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكَّد ذلك ببيان العلة فقال ﷺ : ((فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة))، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكَّد ذلك تأكيداً آخر، فقال: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)). فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهَّم مُتَوَهِّمٌ أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرَّح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبيَّن ما يفعل فيما فات (١). ٧ - ينظر في نعليه قبل دخول المسجد، فإن رأى فيهما أذى مسحه بالتراب؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصلِّ فيهما)) (٢). وتطهير النعلين يكون بمسحهما بالتراب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وطئَ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور)). وفي لفظ: ((إذا وطئَ الأذى بخفيه فطهورهما التراب)) (٣). ٨ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد ويقول: ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)) (٤).

стр. 192

[بسم الله والصلاة] (١) [والسلام على رسول الله] (٢) [اللهم افتح لي أبواب رحمتك]؛ لحديث أبي حميد أو أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)) (٣). ٩ - يُسلِّم إذا دخل المسجد على من فيه بصوت يسمعه من حوله؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) (٤). وقال عمار بن ياسر ﵁: ((ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار)) (٥). ١٠ - يُصلِّي تحية المسجد، فإن كان المؤذن قد أذن بعد دخول الوقت صلى الراتبة إن كان للصلاة راتبة، فإن لم يكن لها راتبة قبلها فسنة ما بين الأذانين؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وتجزئ عن تحية المسجد، فإن دخل المسجد قبل دخول وقت الصلاة صلى ركعتين؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) (٦).

стр. 193

١١ - إذا خلع نعليه داخل المسجد وضعهما بين رجليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما)). وفي لفظ: ((إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((الصلاة في النعال سنة خلاف اليهود، لكن بعد العناية، فإن رأى فيها شيئاً أزاله بالتراب أو الحجر أو غيره، أما المساجد المفروشة فقد يحصل عليها الغبار للتساهل من بعض الناس، فيحصل تنفير الناس، فالأولى عندي والله أعلم أن يوضع لها محل)) (٢). ١٢ - يختار الجلوس في الصف الأول على يمين الإمام إن تيسر، بلا مزاحمة ولا أذىً لأحدٍ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف)) (٤).

стр. 194

١٣ - يجلس مستقبلاً القبلة يقرأ القرآن أو يذكر الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة)) (١). ١٤ - ينوي انتظار الصلاة ولا يؤذي؛ فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة، وتُصلِّي عليه الملائكة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ... )). وفي لفظ لمسلم: ((والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ، ما لم يحدث)) (٢). ١٥ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٣). ١٦ - يقدم رجله اليسرى عند الخروج من المسجد بعكس دخوله؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره، وترجُّله، وتنعُّله (٤). وكان ابن عمر ﵄ يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (٥). وقال أنس ﵁: ((من السنة إذا دخلت المسجد أن

стр. 195

تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى (١). ويقول: ((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك] (٢) [اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم])) (٣). السبب السادس: عدم الالتفات لغير حاجة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: ((هو اختلاسٌ يختلِسُه الشيطانُ من صلاةِ أحدِكم)) (٤). والالتفات نوعان: النوع الأول: التفات حِسّي، وعلاجه بالسكون في الصلاة، وعدم الحركة. النوع الثاني: التفات معنوي بالقلب، وهذا علاجه صعب شاقٌّ، إلا على من يسَّره الله عليه، ولكن من أعظم العلاج استحضار عظمة الله، والوقوف بين يديه، والاستعاذة بالله من الشيطان، والتفل عن اليسار ثلاثاً؛ لحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبِّسُها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : ((ذاك شيطان يقال له: خنزبٌ فإذا أحْسَسْتَه فتعوذْ بالله منه، واتفلْ عن يسارك ثلاثاً)) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (٥). السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء ؛ لحديث أنس ﵁ قال:

стр. 196

قال رسول الله ﷺ : ((ما بالُ أقوامٍ يرفعون أبصارَهم إلى السماء في صلاتهم))؟ فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال: ((لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخَطَفَنَّ أبصارُهم)) (١). السبب الثامن: عدم افتراش الذراعين في السجود ؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اعتدِلوا في السجود، ولا يبسطُ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب)) (٢). السبب التاسع: عدم التخصر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصِراً)) (٣)؛ ولقول عائشة ﵂ ((أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يدَه في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله)) (٤). السبب العاشر: عدم النظر إلى ما يُلهي ويُشغل ؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى في خميصة (٥) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنجبانية (٦) أبي جَهْم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي)) (٧).

стр. 197

السبب الحادي عشر: عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي ؛ لحديث أنس ﵁ قال: كان قرام (١) لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : ((أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويرُه تعرِض [لي] في صلاتي)) (٢). السبب الثاني عشر: عدم الإقعاء المذموم ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ وفيه: ((وكان ينهى عن عقبة الشيطان)) (٣)، هذا الإقعاء المكروه، وهو: أن يُلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وغيره من السباع، وهذا الإقعاء على هذه الصفة مكروه باتفاق العلماء (٤). وقد جاء نوع آخر في جواز الإقعاء بل سُنِّيَّته، فعن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: ((هي السنة)) فقلنا له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: ((بل هي سنة نبيكم ﷺ )) (٥). وقد ذكر النووي ﵀ أن العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً في الإقعاء وتفسيره، ثم قال: ((والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يُلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب ... وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي. والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: ((سنة نبيكم ﷺ )) (٦) فظهر أن الإقعاء الذي اختار ابن عباس وغيره من

стр. 198

العبادلة أنه من السنة: هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتين على الأرض (١) وهناك نوع ثالث للإقعاء وهو أن يفرش قدميه فيجعل ظهورهما نحو الأرض ويجلس (٢) على عقبيه (٣). السبب الثالث عشر: عدم عبث المصلي بجوارحه ، أو مكانه لغير حاجة؛ لحديث معيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد، قال: ((إن كنت فاعلاً فواحدة)) (٤). السبب الرابع عشر: عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة ؛ لحديث كعب بن عُجرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ وضوءَه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)) (٥). فمن كان في الصلاة فهو أولى بالنهي (٦)؛ ولقول ابن عمر ﵄ في الذي يصلي وهو مشبك بين يديه: ((تلك صلاة المغضوب عليهم)) (٧). والتشبيك بين الأصابع يكره أثناء

стр. 199

الذهاب إلى الصلاة، وفي أثناء الصلاة، أما بعد الصلاة فلا بأس به (١)؛لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((صلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ... الحديث)) (٢). السبب الخامس عشر: عدم الصلاة بحضرة الطعام ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء)) (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة)) (٤). ويشترط لذلك ثلاثة شروط: أولاً: أن يكون الطعام حاضراً، والثاني: أن تكون نفس المصلي تتوق إليه، فإذا كان شبعان لا يلتفت إليه فليصلِّ ولا كراهية، والثالث: أن يكون قادراً على تناوله حسّاً وشرعاً: فالحس كأن يكون

стр. 200

الطعام حارّاً لا يستطيع تناوله، والشرع كأن يكون المسلم صائماً ممنوعاً من الطعام شرعاً، فلا كراهة في الصلاة حينئذٍ (١). السبب السادس عشر: عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط] في الصلاة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان)) (٢). وعن أبي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: ((مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ)) (٣). السبب السابع عشر: عدم بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة ؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)) ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رَدَّ بعضه على بعض فقال: ((أو يفعل هكذا)) (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه، وفيه: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى)) (٥)؛ ولحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى

стр. 201

نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، ثم قال: ((إذا تنخمَّ أحدكم فلا يتنخَّمْ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى)) (١). وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة ﵁: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله مادام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها)) (٢). وقد جزم الإمام النووي ﵀ بالمنع من البزاق قِبَل القبلة وعن اليمين مطلقاً سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره؛ لأحاديث دلت على العموم (٣). أما إذا كان المصلي في المسجد فيتعيَّن عليه أن لا يبصق مطلقاً إلا في ثوبه أو في منديل؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) (٤). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((عرضت علَّي أعمال أمتي: حَسنُها، وسَيئُها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق،

стр. 202

ووجدتُ في مساوئ أعمالها النَّخاعة تكون في المسجد ولا تدفن)) (١). السبب الثامن عشر: عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة ؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُمٍ، ولا أكفَّ ثوباً، ولا شعراً)) (٢). السبب التاسع عشر: عدم عقص الرأس في الصلاة ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه رأى عبد الله بن الحارث يُصلِّي ورأسه معقوصٌ (٣) من ورائه، فقام فجعل يحلّه، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف)) (٤). السبب العشرون: عدم تغطية الفم في الصلاة . السبب الحادي والعشرون: عدم السدل في الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن السدل (٥) في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه)) (٦).

стр. 203

السبب الثاني والعشرون: عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائماً لغير الإمام؛ لحديث عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يُوطِّن الرجل مقامه في الصلاة كما يُوطِّن البعير)) (١). السبب الثالث والعشرون: عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده)) (٢). السبب الرابع والعشرون: عدم التثاؤب في الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)) (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل))، وفي لفظ: ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع؛ فإن الشيطان يدخل)) (٤)، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((والمشروع هنا ثلاثة أمور: ١ - يكظم ما استطاع.

стр. 204

٢ - يضع يده على فيه. ٣ - لا يقل: ها حتى لا يضحك منه الشيطان)) (١). السبب الخامس والعشرون: عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف ؛ لحديث أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تعد)) (٢). السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء السبب السادس والعشرون: عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم أو الكراث ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فلْيَعْتَزِلْنَا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)).وفي لفظ لمسلم: ((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس)). وفي لفظ لمسلم: ((من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم)) (٣). السبب السابع والعشرون: عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم ؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه)) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁

стр. 205

يرفعه: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع)) (١). السبب الثامن والعشرون: الصلاة إلى سترة والدنوِّ منها: من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة: أن يجعل المُصلِّي له سترة يصلِّي إليها إن كان إماماً أو منفرداً؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو بسهمٍ)) (٢)؛ولحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)) (٣). ويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها)) (٤)؛ ولحديث سهل ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى

стр. 206

سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا؛ لاَ يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ)) (١). ويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفوف؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: ((كان بين مُصلَّى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة)) (٢). وإذا أراد أحد أن يَمُرَّ بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان)) (٣). وفي رواية لمسلم: ((فإن معه القرين)) (٤). ولا يجوز المرور بين يدي المُصَلِّي؛ لحديث أبي جُهيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه)) قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة (٥).

стр. 207

وسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: أنه أقبل راكباً على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله ﷺ قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصفَّ مع الناس وراء رسول الله ﷺ ، ولم ينكر ذلك عليه أحد (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((قال العلماء: الحكمة في السترة: كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه ... )) (٣). السبب التاسع والعشرون: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر: من الأمور التي تجلب الخشوع وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر أثناء قيامه في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كان يضع يديه على صدره: اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر قال: ((صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره)) (٤)، وفي لفظ: ((ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى

стр. 208

والرُّسغ والساعد)) (١)، وهذا يَعمُّ القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل ﵁ في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله ﷺ ((إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)) (٢)، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع)) (٣). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)). قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ )) (٤)، وسمعت سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يحتمل أن يكون نوعاً ثانياً، ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل)) (٥). وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن المراد بوضع اليدين إحداهما على الأخرى حال القيام، فقال: ((هو ذلٌّ بين يدي

стр. 209

العزيز)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبي اللَّهِ ﷺ يقول: ((إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا بِتَعْجِيلِ فِطْرِنَا، وَتَأْخِيرِ سُحُورِنَا، وَوَضْعِ أَيْمَانِنِا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلاَةِ)) (٣). السبب الثلاثون: الإشارة بالسبابة وتحريكها في الدعاء في التشهد: الإشارة بالسبابة تجلب الخشوع، وفيها إغاظة للشيطان؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ)) يعني السبابة (٤). فالإشارة بالسبابة عند التشهد في الصلاة أشَدَّ على الشيطان من الضرب بالحديد؛ لأنها تُذَكِّر العبد بوحدانيَّة الله تعالى، والإخلاص في العبادة، وهذا أعظم شيء يكرهه الشيطان نعوذ بالله منه)) (٥).

стр. 210

فالمصلي يستحب له في الجلوس في التشهد أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)) (١). ويُحَلِّق الإبهام والوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ قد حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد)) (٢). أو يعقد ثلاثاً وخمسين ويشير بالسبابة، وصفتها أن يجعل الإبهام مفتوحة تحت المُسبِّحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو يعطف الإبهام إلى أصلها (٣)؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى (٤)، وعقد ثلاثاً

стр. 211

وخمسين (١)، وأشار بالسبابة)) (٢) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى: النوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة. النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة.

стр. 212

النوع الثالث: عقد ثلاثاً وخمسين والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: ((فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع)) (٢). ويشير بالسبابة عند ذكر الله حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة (٣) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها (٤)، ولا

стр. 213

يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة (١)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)) (٢)،ودلَّ على عدم تحريكها دائماً حديث عبد الله بن الزبير ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يُحرِّكها)) (٣)، فالجمع بين الحديثين سَهْلٌ: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٤)، وتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي ﷺ بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي

стр. 214

هريرة ﵁ أن رجلاً كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله ﷺ : ((أحِّدْ، أحِّدْ)) (١) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أدعو بأصابِعِي، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) وأشار بالسبابة (٢). والحكمة في الإشارة بالسباحة إلى أن المعبود واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد (٣)، فعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها (٤). السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة:

стр. 215

النظر إلى موضع السجود وإلى السبابة أثناء التشهد يعين على الخشوع في الصلاة؛ فإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فالسنة أن ينظر المصلي موضع سجوده، فقد ذُكر أن النبي ﷺ : ((كَانَ إذا صَلّى طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَرَمَى بِبَصَرِهِ نحْوَ الأَرْضِ)) (١). و ((عندما دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَّفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا)) (٢). وأما في الجلوس في التشهد فينظر إلى سبابة يده اليمنى، ولا يجاز بصره ذلك؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يجاز بصره إشارته)) (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه وضع يده اليمنى على فخذه، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع)) (٤).
следующие страницы →