← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وخمسين (١)، وأشار بالسبابة)) (٢) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى: النوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة. النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة.

стр. 212

النوع الثالث: عقد ثلاثاً وخمسين والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: ((فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع)) (٢). ويشير بالسبابة عند ذكر الله حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة (٣) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها (٤)، ولا

стр. 213

يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة (١)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)) (٢)،ودلَّ على عدم تحريكها دائماً حديث عبد الله بن الزبير ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يُحرِّكها)) (٣)، فالجمع بين الحديثين سَهْلٌ: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٤)، وتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي ﷺ بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي

стр. 214

هريرة ﵁ أن رجلاً كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله ﷺ : ((أحِّدْ، أحِّدْ)) (١) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أدعو بأصابِعِي، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) وأشار بالسبابة (٢). والحكمة في الإشارة بالسباحة إلى أن المعبود واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد (٣)، فعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها (٤). السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة:

стр. 215

النظر إلى موضع السجود وإلى السبابة أثناء التشهد يعين على الخشوع في الصلاة؛ فإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فالسنة أن ينظر المصلي موضع سجوده، فقد ذُكر أن النبي ﷺ : ((كَانَ إذا صَلّى طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَرَمَى بِبَصَرِهِ نحْوَ الأَرْضِ)) (١). و ((عندما دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَّفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا)) (٢). وأما في الجلوس في التشهد فينظر إلى سبابة يده اليمنى، ولا يجاز بصره ذلك؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يجاز بصره إشارته)) (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه وضع يده اليمنى على فخذه، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع)) (٤).

стр. 216

السبب الثاني والثلاثون: العلم بأنه يدعو الله ويخاطبه وأن الله يرَدّ عليه ويُجيبه: المسلم يخاطب ربه تعالى في صلاته، والله تعالى يجيبه؛ فإذا عَلِمَ ذلك، فإنه يخشع في صلاته، ويُقْبِلُ بقلبه إلى ربه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَل)) (١). وهذا حديث قدسي عظيم جليل، لو استحضره كل مصلٍّ لحصل له الخشوع الكامل في صلاته. وعن أبي هريرة ﵁ قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، نَادَى رَجُلاً كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: ((يَا فُلاَنُ، أَلاَ تَتَّقِي اللهَ، أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي، إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرُ كَيْفَ يُنَاجِيهِ)) (٢).

стр. 217

السبب الثالث والثلاثون: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: الشيطان عدوٌّ لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمُصلِّي؛ كي يذهب خشوعه، ويُلَبِّس عليه صلاته. والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره، لا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر، والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ (١). وكلما أراد العبد تَوجُّهاً إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسوسة أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: ((إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب)) (٢). وقد تقدم قول الإمام ابن القيم ﵀ في أقسام القلوب الثلاثة فقال: ((وقد مُثّل ذلك بمثالٍ حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه، وذخائره، وجواهره، وبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره، وجواهره، وليس جواهر الملك، وذخائره، وبيت خالٍ، صفر، لا شيء فيه، فجاء اللصّ يسرق من أحد البيوت، فمن أيِّها

стр. 218

يسرق؟)) (١). والعبد إذا قام في الصلاة، غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه، وأغيظه للشيطان، وأشده عليه، فهو يحرص، ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه؛ بل لا يزال به يَعِدُه، ويمنّيه، وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله، حتى يهوّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها، فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء، والحاجة، وأيس منها، فيُذكِّره إيَّاها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله ، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى، وكرامته، وقربه ما يناله المقبل على ربه الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته، مثلما دخل فيها بخطاياه، وذنوبه، وأثقاله، لم تُخَفَّفْ عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفِّر سيئات من أدَّى حقَّها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه (٢). ولمواجهة كيد الشيطان، وإذهاب وسوسته، أرشدنا النبي ﷺ إلى العلاج الآتي: عن أَبِي الْعَاصِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يَلْبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ

стр. 219

عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثاً))، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي (١). ومن كيد الشيطان للمُصلِّي: ما أخبرنا عنه ﷺ ، وعن علاجه فقال: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ)) (٢). ومن كيده كذلك ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ بقوله: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً)) (٣). بل إن كيده ليبلغ مبلغاً عجيباً كما يوضحه هذا الحديث، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سُئل عن الرجل يخيّل إليه في صلاته أنه أحدث ولم يُحدِث، فقال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ حَتَّى يَفْتَحَ مَقْعَدَتَهُ، فَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْصَرِفَنْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَ ذَلِكَ بأذنه، أَوْ يَجِدَ رِيحَ ذَلِكَ بِأَنْفِهِ)) (٤).

стр. 220

السبب الرابع والثلاثون: تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع: لا شك أن تدبُّر القرآن الكريم في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة، وهو العلاج الأعظم للقلوب، والحث على التدبر جاء على أنواع كثيرة، منها الأنواع الآتية: النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر: ١ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (١)، فقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه، وتحديد الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإنَّ تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج كل العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرِّف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال، وما ينزَّه عنه من صفات النقص، ويُعرِّف الطريق الموصل إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب، وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد: علماً، وعملاً, وبصيرة (٢). ٢ - قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٣)،فهذا الكتاب فيه خيرٌ كثيرٌ، وعِلْم غزير، فيه كل

стр. 221

هدى من ضلالة، وشفاء من كل داء، ونور يُستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وهذا كله من بركته والحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته، وفي هذه الآية: الحثُّ على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، ومن فضائل التدبر: أنَّ العَبْدَ يصل به إلى درجة اليقين، والعلم بأن القرآن كلام الله تعالى؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً ... (١). ٣ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢)، فَهلاَّ يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله ويتأمَّلونه حق التأمُّل؛ فإنهم لو تَدَبَّروه لدلَّهم على كل خير ولحذَّرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان؛ ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية ... ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي قد أُغْلِقَ على ما فيها من الشر، وأقفلت فلا يدخلها خير أبداً، هذا هو الواقع ... (٣). النوع الثاني: حض النبي ﷺ على تدبر القرآن: ما ثبت عن النبي ﷺ من ترغيب في القرآن، وبيان فضائله، وبيان فضائل حافظ القرآن، يستفاد منه الحث على تدبر القرآن. وقد جاء تدبر القرآن من فعله ﷺ أيضاً في أحاديث كثيرة ومنها: ١ - حديث حذيفة ﵁، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى يصلي، فقلت: يُصلِّي

стр. 222

بها في ركعة، فمضَى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ ... )) (١). ٢ - حديث عوف بن مالك ﵁،قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يَمُرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ ... )) (٢). ٣ - عن أبي جحيفة ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت قال: ((قد شيَّبتني هود وأخواتها)) (٣)، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: ((شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت)) (٤). وهذا يدل على كمال تدبره ﷺ للقرآن حق التدبر. ٤ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((زيّنوا القرآن بأصواتكم)) (٥).

стр. 223

النوع الثالث: حث الصحابة ﵃ على تدبر القرآن: ١ - قال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ((لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم)) (١). ٢ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله)) (٢). ٣ - وقال خبَّاب بن الأرتِّ ﵁: ((تقرَّبْ إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحبّ إليه من كلامه)) (٣). ٤ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((من أراد العلم، فليقرأ القرآن؛ فإن فيه علم الأولّين والآخرين)) (٤). ٥ - وقال الحسن بن علي ﵄: ((إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقَّدونها في النهار)) (٥). النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك: لا شك أن من أحبَّ القرآن تدبَّره، وأقبل على التلذّذ بتلاوته، وهذا دليل على محبته للمتكلِّم به سبحانه؛ ولهذا قال أبو عبيدٍ ﵀: ((لا يسأل عبدٌ نفسه إلا بالقرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله

стр. 224

ورسوله)) (١). وقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى في الحث على تدبر القرآن العظيم، ومن أبرز من حث على ذلك من الأئمة ابن القيم ﵀ في كتبه، فقد ذكر ﵀: أنّ تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءته هو المقصود والمطلوب، فبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال ﵀: ((إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وسماعه، وألقِ سمعك، واحْضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به، منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾)) (٢). فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا، وهذا هو المؤثر. وقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ القلب الحي، وهذا هو المحل القابل، كما قال الله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.

стр. 225

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائب، واستمع كتاب الله، وشاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ، وهذا إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عما يقال له، والنظر فيه، وتأمله. فإذا حصل المؤثر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، ووجد الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر، وهو: الانتفاع، والتذكر (١). فلا بد من تدبر القرآن، وتعقّله، والتفكر في معانيه؛ لأن الله أمر بذلك. قال الإمام ابن القيم ﵀: ((القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها))؛ فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ

стр. 226

بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خير من قراءة ختمةٍ بغير تَدَبُّرٍ وتفَهُّمٍ، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يُردِّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قام بآية يُردِّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١). وقد أخبر الله تعالى في القرآن: أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٢)،وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلاً (٣)، وقد كان بعض السلف الصالح، وهو عمرو بن مرة: إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه يبكي ويقول: ((لست من العالمين)) (٤)،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛ لينال هذا العلم العظيم، وقد قال يحيى بن أبي كثير: ((لا يُنال العلم براحة الجسم)) (٥)، ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة (٦).

стр. 227

ولا شك أن التأمل في القرآن هو: تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتَعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (٢). وينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنِّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب (٣). والتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله. ولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم (٤). وليحذر المسلم من هجر القرآن؛ فإن هجرهُ خمسة أنواع: النوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. النوع الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن

стр. 228

قرأه وآمن به. النوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه. النوع الرابع: هجر تدبُّره وتفهّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. النوع الخامس: هجر الاستشفاء به والتداوي به من جميع أمراض القلوب، والأجساد ... وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (١)، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض (٢). السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله: مما يجلب الخشوع في الصلاة تحسين القراءة بالقرآن، والترنم بذلك، وترتيله، ومن الأفضل والأكمل أن يستاك عند قراءة القرآن؛ لحديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهِّروا أفواهكم للقرآن)) (٣).

стр. 229

وعن علي ﵁ قال: ((إن أفواهكم طرق القرآن فطيِّبوها بالسواك)) (١). والقارئ للقرآن إذا تأدَّب بآدابه حصل له الخشوع في صلاته، وقراءته، ومن هذه الآداب الآداب الآتية: أولاً: يُحسِّن صوته بقراءة القرآن الكريم، ويترنَّم به ؛ للأحاديث الآتية: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما أَذِنَ (٢) الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيِّ أن يتغنَّى (٣) بالقرآن))، ولفظ مسلم: ((ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيِّ حَسَن الصوت يتغنّى بالقرآن))، وفي لفظ لمسلم: ((ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر به)) (٤). ٢ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال له: ((يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير (٥) آل داود))، وفي لفظٍ لمسلم: ((لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً

стр. 230

من مزامير آل داود)) (١). ٣ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((زيّنوا القرآن بأصواتكم)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث في ذلك محمولة على التحزين والتشويق)) (٣) (٤). ٤ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن)) (٥).

стр. 231

٥ - حديث أبي لبابة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))، فقيل لابن أَبِي مُليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يُحسِّن ما استطاع (١). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((والتغنِّي بالقرآن: يجهر به ويُحسّن به صوته حتى يستفيد هو ويستفيد الناس، فالمؤمن يجاهد نفسه يخشع ويُخشِّع من حوله، ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن))،وهذا يدل على الوعيد لمن لم يتغن بالقرآن، وهو مثل قوله ﷺ : ((من غشنا فليس منّا)) فيه الوعيد الشديد لمن لم يتغنَّ بالقرآن؛ لأن الله أنزل القرآن للتدبر والعمل ﴿ليدّبروا آياته﴾ (٢) ولم يقل: ليقرؤوا، فقليل بتدبر خير من كثير بلا تدبر)) (٣). ٦ - حديث البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون﴾ في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءةً))، وفي لفظ عن عديٍّ، قال: سمعت البراء يُحدِّث عن النبي ﷺ أنه كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون﴾)) (٤) (٥).

стр. 232

ثانياً: يُرتِّل القرآن ترتيلاً ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (١). والترتيل مصدر رتّل الكلام: أحسن تأليفه. وهو في الاصطلاح: قراءة القرآن على مُكثٍ، وتفهّمٍ من غير عجلةٍ، وهو الذي نزل به القرآن. فيقرأ القرآن: بِتَلَبُّثٍ في قراءتِهِ، وتمهّلٍ فيها، ويفصل الحرف عن الحرف الذي بعده، وفي ذلك عون على تدبُّرِ القرآن وتفهُّمِهِ، ومرتبة الترتيل أفضل مراتب القراءة. وعن أنس ﵁، قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي ﷺ فقال: كان يمدُّ مداًّ: ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ يمدّ ((بسم الله))، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (٢) (٣). وعن أم سلمة ﵂ أنها ذكرت قراءة رسول الله ﷺ ((بِسْمِ اللَّهِ

стр. 233

الرَّحْمَنِ الرَّحِيم * الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمنِ الرَّحِيم * مَلِكِ يَوْمِ الدِّين. يُقطِّع قراءته آية آية. قال أبو داود: ((سمعت أحمد يقول: ((القراءة القديمة مالك يوم الدين))، ولفظ الترمذي: ((الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين))، ثم يقف ((الرَّحْمنِ الرَّحِيم)) ثم يقف ... )) (١). وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّع)) (٢)، وقال: لولا أن يجتمع

стр. 234

الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع))، وفي لفظ للبخاري: ((رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة ليّنة يقرأ وهو يرجع))، وفي رواية: (( ... ثم قرأ معاوية [بن قرة] يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم، لرجَّعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي ﷺ ، فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آثلاث مرات)) (١)، وفي الحديث ملازمة النبي ﷺ للعبادة؛ لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم، وإيقاظ الغافل، ونحو ذلك (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً قرأ المفصل في ركعة، فقال له: ((هذّاً كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين من آل حم في كل ركعة (٣)، وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة))، وقال: ((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف

стр. 235

ابن مسعود آخرهن من الحواميم ((حم)) الدخان، و ((عم يتساءلون)) (١)، وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله)) (٢)، وفي لفظ لمسلم: (( ... هذاً كهذ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإنَّ أفضل الصلاة: الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن)) (٣). فيستحب للقارئ التالي لكتاب الله تعالى أن يرتل، وهذا هو الأفضل أن يُرتِّل، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ: بإسقاط بعض الحروف، أو إدغام ما لا يصح إدغامه، وهذه قراءة الحدر: وهو إدراج القراءة وسرعتها، ولابد فيه من مراعاة أحكام التجويد: من المدّ، والتشديد، والقطع، والوصل؛ وليحذر فيه من بتر حرف المد، وذهاب الغنة. فإن حصل إخلال باللفظ في هذه القراءة فهي حرام؛ لأنها تغيير للقرآن (٤). ثالثاً: إذا مرَّ بآية رحمة سأل الله من فضله ، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله تعالى، وإذا مرّ بآية فيها سؤال سأل، وهذا في النوافل لا في الفرائض؛ لحديث حذيفة ﵁، قال صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى يُصلِّي، فقلت: يصلي

стр. 236

بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ ... )) (١). رابعاً: يجهر بالقرآن ما لم يتأذَّ أحد بصوته: دلت الأحاديث في تحسين الصوت بالقرآن، وفي الترتيل والترنيم بالقرآن، والتغنِّي به على استحباب رفع الصوت والجهر بالقرآن، كما دلت أحاديث أخرى على الحث على الإسرار بالقرآن؛ فكانت الأحاديث في ذلك على نوعين: النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن: جاء في هذا النوع من الأحاديث المذكورة آنفاً في الأمر بتزيين الصوت بالقرآن وتحسينه، كقوله ﷺ : ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به)) (٢)، وقول النبي ﷺ لأبي موسى: ((لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)) (٣)،وقوله ﷺ : ((زينوا القرآن بأصواتكم)) (٤).وغير ذلك مما تقدم في الترغيب في تحسين الصوت بالقراءة، وعن أبي موسى ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف أصوات رُفقة

стр. 237

الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار ... )) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((كان لهم أصوات حسنة بالقرآن ﵃)) (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: أبطأتُ على عهد رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئتُ فقال: ((أين كنتِ؟))، قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحدٍ، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ فقال: ((هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا)) (٣). وعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله)) (٤). وفي إثبات الجهر بالقرآن أحاديث كثيرة. النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها: جاء في ذلك أحاديث منها حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ

стр. 238

بالقرآن كالمسر بالصدقة)) (١). وعن أبي سعيد ﵁، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ((ألا إن كُلَّكم مناجٍ ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة))،أو قال: ((في الصلاة)) (٢). فعلى هذا دلت الأحاديث على النوعين: فجاءت الأحاديث في النوع الأول باستحباب رفع الصوت بالقراءة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين: من أقوالهم، وأفعالهم أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر (٣). وجاء في النوع الثاني أحاديث وآثار تدل على استحباب الإسرار وخفض الصوت بالقراءة. والجمع بين هذين النوعين: أن القارئ إذا خاف الرياء، أو السمعة، أو يتأذَّى مصلون، أو نيام بجهره، أو خاف إعجاباً، أو يُلَبِّس على من يقرأ أو غير ذلك من أنواع القبائح، فالإسرار بالقراءة والإخفاء بها أفضل. أما من لم يخفْ شيئاً من ذلك فالجهر بالقراءة له أفضل، ويستحب له ذلك؛ لأن العمل في الجهر أكثر؛ ولأن فائدته تتعدَّى

стр. 239

للسامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إلى التدبر، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، ويطرد الشيطان، فإن كانت القراءة بحضور من يستمع إليه، تأكد استحباب الجهر (١). قلت: ويدل على هذا الجمع حديث عبد الله بن أبي قيس ﵀ عن عائشة ﵂ أنه سألها في حديث طويل، وفيه أنه سألها عن قراءة النبي ﷺ ، فقال: ... فقلت: كيف كانت قراءته: أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: ((كل ذلك قد كان يفعل: قد كان ربما أسر، وربما جهر))، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً ... )) (٢). وعن أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك؟))، قال: قد أسمعت من ناجيتُ يا رسول الله!، قال: ((ارفع قليلاً))، وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلِّي رافعاً صوتك؟))، قال: يا رسول الله أُوقظ الوسنان (٣)، وأطرد الشيطان! قال:

стр. 240

((اخفض قليلاً)) (١). السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة: مما يجلب الخشوع في الصلاة سجود التلاوة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار)) (٢)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه. وسجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح للتالي والمستمع (٣)؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد

стр. 241

بها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير شيخ أخذ كفَّاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته [فسجد عليه]، وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافراً [وهو أمية بن خلف]))، وفي رواية: ((أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد من خلفه ... )) الحديث (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((سجد النبي ﷺ [بالنجم]، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس)) (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه))، ولفظ مسلم: ((أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، ونسجد معه ... )) الحديث (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ

стр. 242

انشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١). وهذه الأحاديث تدل على أهمية سجود التلاوة ومشروعيته المؤكدة وعناية النبي ﷺ به، ولكن دلت الأدلة الأخرى على عدم الوجوب، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: ((يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) ولم يسجد عمر ﵁، وفي لفظ: ((إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء)) (٢). ومن أوضح الأدلة على أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: ((قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها)) (٣). ورجّح الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وابن قدامة ﵏ أن حديث زيد بن ثابت هذا محمول على بيان جواز عدم السجود، وأنه سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو بعد ذلك (٤)، وقال الحافظ ابن حجر: ((وأقوى الأدلة

стр. 243

على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب)) (١)، وتعقبه الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ -فبين ((أن أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة: قراءة زيد بن ثابت على النبي ﷺ سورة النجم، فلم يسجد فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود، ولو كان واجباً لأمره به)) (٢). وسجود المستمع إذا سجد القارئ، وإذا لم يسجد لم يسجد؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه)) (٣)، وقال ابن مسعود ﵁ لتميم بن حَذْلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: ((اسجد فأنت إمامنا فيها)) (٤)، فالمستمع الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع يسجد مع القارئ إذا سجد، وإذا لم يسجد فلا (٥). أما السامع الذي لا يقصد سماع القرآن وإنما مرَّ فسمع القراءة وسجد القارئ، فإنه لا يلزمه السجود، قيل لعمران بن حصين ﵁: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال: ((أرأيت لو قعد لها))

стр. 244

كأنه لا يوجبه عليه (١). وقال سلمان الفارسي ﵁: ((ما لهذا غدونا)) (٢)، وقال عثمان ﵁: ((إنما السجدة على من استمعها)) (٣)، وأما المستمع بقصدٍ فقال ابن بطال: ((وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد)) (٤). فقد فرَّق بعض العلماء بين السامع والمستمع بما دلت عليه هذه الآثار (٥). وعدد سجدات القرآن ومواضعها، خمس عشرة سجدة (٦) في

стр. 245

المواضع الآتية: الموضع الأول: آخر سورة الأعراف، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (١). الموضع الثاني: في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (٢). الموضع الثالث: في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣). الموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٤). الموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (٥). الموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٦). الموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧). الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ (٨).

стр. 246

الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١). الموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢). الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ (٣). الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٤). وهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك ﵀ وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٥).

стр. 247

الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم، عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (١). الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢). الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣). وسجدتا سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان ﵁ قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين)) (٤)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: ((فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (٥). وسجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت؛ لحديث أبي هريرة ﵁

стр. 248

أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)) (١). وصفة سجود التلاوة: أنَّ من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (٢)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (٣). وإذا كان سجود

стр. 249

التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (١)، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢)، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة)) (٣). والدعاء في سجود التلاوة، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً] (٤): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٥) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين])) (٦) (٧).

стр. 250

وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس ﵄: ((فرأيت النبي ﷺ قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (١). ويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (٢). والصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (٣).
следующие страницы →