← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١). الموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢). الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ (٣). الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٤). وهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك ﵀ وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٥).

стр. 247

الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم، عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (١). الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢). الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣). وسجدتا سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان ﵁ قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين)) (٤)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: ((فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (٥). وسجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت؛ لحديث أبي هريرة ﵁

стр. 248

أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)) (١). وصفة سجود التلاوة: أنَّ من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (٢)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (٣). وإذا كان سجود

стр. 249

التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (١)، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢)، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة)) (٣). والدعاء في سجود التلاوة، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً] (٤): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٥) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين])) (٦) (٧).

стр. 250

وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس ﵄: ((فرأيت النبي ﷺ قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (١). ويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (٢). والصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (٣).

стр. 251

السبب السابع والثلاثون: المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية: لا شك أن العمل بسنن الصلاة القولية والفعلية يجلب الخشوع في الصلاة، ويزيد ثوابها، ويرفع درجات صاحبها في الدنيا والآخرة، وهي سنن أقوال وأفعال، ولا تبطل الصلاة بترك شيء منها عمداً ولا سهواً، وسنن الصلاة، هي ما عدا الشروط، والأركان، والواجبات، وهي على النحو الآتي (١): ١ - رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين، مع تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ (٢)؛ ولحديث مالك بن الحويرث ﵁ (٣). ٢ - وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر؛ لحديث وائل ﵁ (٤)؛ ولحديث سهل ﵁ (٥). ٣ - النظر إلى موضع السجود في الصلاة؛ لحديث عشرة من أصحاب النبي ﷺ (٦).

стр. 252

٤ - دعاء الاستفتاح؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (١). ٥ - التعوذ بالله من الشيطان؛ للآية؛ ولحديث أبي سعيد ﵁ (٢). ٦ - البسملة؛ لحديث أنس ﵁ (٣). ٧ - قول آمين بعد قراءة الفاتحة، يجهر بها في الجهرية ويُسرُّ في السّرية؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٤). ٨ - قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، أو ما تيسَّرَ من القرآن؛ لحديث أبي قتادة ﵁ (٥). ٩ - الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية؛ لحديث جبير بن مطعم ﵁ (٦)؛ ولغيره من الأحاديث (٧). ١٠ - الإسرار في الصلاة السِّرية؛ لحديث خباب ﵁ وأنهم كانوا يعرفون قراءة النبي ﷺ في صلاة الظهر والعصر، باضطراب لحيته (٨). ١١ - السكتة اللطيفة بعد الفراغ من القراءة كلها؛ لحديث الحسن

стр. 253

عن سمرة ﵁ (١). ١٢ - وضع اليدين مفرجتي الأصابع على الركبتين كأنه قابض عليهما؛ لحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ (٢). ١٣ - مدّ الظَّهْر في الركوع حتى لو صب عليه الماء لاستقر، وجعل الرأس حيال الظهر؛ لحديث رفاعة بن رافع ﵁ (٣)؛ ولحديث وابصة بن معبد ﵁ (٤). ١٤ - مجافاة اليدين عن الجنبين في الركوع؛ لحديث أبي حميد الساعدي ﵁ (٥). ١٥ - ما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود؛ لحديث حذيفة بن اليمان ﵁ (٦). ١٦ - ما زاد على المرة الواحدة في سؤال الله المغفرة بين السجدتين؛ لحديث حذيفة ﵁ (٧). ١٧ - قول ((ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء

стр. 254

بعد)) بعد قول: ربنا لك الحمد؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١). ١٨ - وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ورفع اليدين قبل الركبتين في القيام؛ لحديث وائل بن حُجر ﵁ (٢). ١٩ - ضم أصابع اليدين في السجود؛ لحديث وائل ﵁ (٣). ٢٠ - تفريج أصابع الرجلين في السجود؛ لحديث أبي حُميد ﵁ (٤). ٢١ - استقبال القبلة بأطراف أصابع اليدين والرجلين في السجود؛ لحديث أبي حُميد الساعدي (٥). ٢٢ - مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة ﵁ (٦). ٢٣ - مجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، والتفريج بين الفخذين؛ لحديث أبي حُميد ﵁ (٧). ٢٤ - وضع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين في السجود، والسجود بينهما؛ لحديث أبي حُميد ﵁ (٨)، وحديث وائل ﵁ (٩)؛ والبراء ﵁ (١٠).

стр. 255

٢٥ - ضم القدمين والعقبين ونصبهما في السجود؛ لحديث عائشة ﵂ (١). ٢٦ - الإكثار من الدعاء في السجود؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ (٣). ٢٧ - افتراش الرجل اليسرى ونصب اليمنى في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول؛ لحديث عائشة ﵂ (٤). ٢٨ - وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى إذا جلس في الصلاة، أو وضع الكفين على الركبتين، أو وضع الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى ويُلْقِمُ كفّه اليسرى ركبته؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ (٥)؛وحديث عبد الله بن عمر ﵃ (٦). ٢٩ - وضع الذارعين على الفخذين في التشهد، وفي الجلوس بين السجدتين؛ لحديث وائل بن حُجر ﵁ (٧). ٣٠ - قبض خِنصر وبِنصر اليد اليمنى في التشهد، والتّحْليق بين الإبهام والوُسْطى، والإشارة بالسبابة وتحريكها إلى القبلة عند ذكر الله، وعند الدعاء؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ (٨). ٣١ - جلسة الاستراحة قبل القيام إلى الركعة الثانية، والركعة الرابعة؛ لحديث

стр. 256

مالك بن الحويرث ﵁ (١)؛ولحديث أبي حُميد السّاعدي ﵁ (٢)،وأبي هريرة ﵁ (٣). ٣٢ - التورُّك في التشهد الثاني؛ لحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ (٤). ٣٣ - النظر إلى السبابة عند الإشارة بها في الجلوس؛ لحديث عبد الله بن الزبير (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵃ (٦). ٣٤ - الصلاة والتبريك على محمد وآل محمد، وعلى إبراهيم وآل إبراهيم في التشهد الأول؛ لعموم الأدلة (٧). ٣٥ - الدعاء والتعوُّذ من أربع بعد التشهد الثاني؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٨). ٣٦ - الالتفات يميناً وشمالاً في التسليمتين؛ لحديث عامر بن سعد عن أبيه ﵁ (٩). ٣٧ - نيته في سلامه: الخروج من الصلاة، والسلام على الملائكة والحاضرين؛ لأدلة كثيرة (١٠)، منها حديث جابر بن سمرة ﵁ وفيه: ((علامَ تؤمِئُون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمُسٍ، إنما يكفي أحدَكم أن

стр. 257

يضعَ يدَه على فخذه ثم يسلِّم على أخيه: من على يمينه وشماله)) (١). والمحافظة على هذه السنن يزيد الخشوع في الصلاة، ويزيد في الثواب عند الله تعالى. السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة: لا شك أن من دخل في صلاته وهو يذكر الموت، ويخشى أن تكون هذه الصلاة هي أخر صلاةٍ يُصلِّيها، فإنه سيخشع في صلاته؛ ولهذا أوصى النبي ﷺ بذلك؛ فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ؟ فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَداً، وَأجْمِعِ الْيَأسَ مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ))، وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ! اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ، قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ)) (٢). وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذْكُر المَوْتَ في صَلاَتِكَ؛ فإِنَّ الرَّجُلَ إذا ذَكَرَ المَوْتَ في صَلاَتِهِ لَحَرِيٌّ أنْ يُحْسِنَ صلاتَهُ، وَصَلِّ صلاةَ رَجُلٍ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُصَلِّي صلاةً غَيْرَها، وإِيَّاكَ وكُلَّ أمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ)) (٣).

стр. 258

السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة: لا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الحذر من الغفلة؛ فإن الغفلة من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ والغفلة: تركٌ باختيار الغافل، وأما النسيان فهو: تركٌ بغير اختيار الإنسان، والسلامة منهما بالذكر، وهو التخلّص من الغفلة والنسيان (١)؛ ولعظم خطر الغفلة نهى الله تعالى رسوله عنها فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢)، والغافلون هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ فإنهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمَّن كلِّ السعادة والفوز بذكره، وعبوديَّته، وأقبلوا على من كلِّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به (٣). ومن أعظم خطر الغفلة أن من غفل عن الله عاقبه بأن يُغفله عن ذكره، ويجعله يتبع هواه، ويكون أمره ضائعاً معطلاً (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٥)، وأكثر الناس يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الله والدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *

стр. 259

يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١). السبب الأربعون: الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول بين المرء وقلبه: لا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الاستجابة لله ورسوله ﷺ مع الخوف من أن يحول الله بين العبد وقلبه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢)، فالله تعالى يأمر عباده المؤمنين بالاستجابة له ولرسوله، والانقياد والمبادرة إلى ذلك، والاجتناب لما نهى عنه الله ورسوله، والدعوة إلى ذلك؛ لأن حياة القلب والروح بعبوديته تعالى، ولزوم طاعته وطاعة رسوله ﷺ ؛ ولهذا حذّر عن عدم الاستجابة لله ولرسوله فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها كيف شاء (٣). فينبغي للعبد أن يسأل الله أن يصرِّف قلبه على طاعته؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ))، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ

стр. 260

الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) (١). وفي حديث أُمِّ سلمة ﵂ أن النبي ﷺ حينما يكون عندها- كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لأَكْثَر دُعَائِكَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ))، فَتَلَا مُعَاذٌ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢). السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة: من الأسباب العظيمة التي تجلب الخشوع في الصلاة أن يسأل العبد ربه، ويتضرع إليه بسؤاله التوفيق للخشوع الذي يحبه اللَّه سبحانه في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤). وعن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى

стр. 261

ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلِهَا))، قَالُوا: إِذاً نُكْثِرُ؟ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْثَرُ)) (١). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)) (٢). السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها: من الأسباب التي تُعينُ على الخشوع في الصلاة: أن يعلم العبد المسلم أنه ليس له من صلاته إلا ما أقبل عليه بقلبه؛ لحديث عمّار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا)) (٣). وعن كعب بن عمرو السلمي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ، حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ)) (٤).

стр. 262

وقال ابن عباس: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)) (١). السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي ﷺ في صلاته: مما يُعين على الخشوع في الصلاة ويجلبه معرفة ما كان عليه النبي ﷺ من الخشوع في الصلاة؛ وقد كانت الصلاة قرّة عينه، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (٢). وقال النبي ﷺ لبلال: ((قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاَةِ))، وفي لفظ: ((يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا)) (٣). وقد كان النَّبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض موضع السجود، وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته، هكذا ذُكِرَ عنه ﷺ (٤) (٥). السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏: المتأمل بتفكّرٍ في خشوع السلف الصالح في صلاتهم يزيده ذلك خشوعاً؛ لما يرى ويعلم من خشوعهم العظيم الذي يدل على إحسانهم في صلاتهم، وأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، وهذه هي

стр. 263

الدرجة العظمى من الإحسان في العبادة. فهذا أبو بكر ﵁ يبكي في صلاته كما ذكرت عائشة ﵂ (١). وهذا عمر الفاروق يُقتل وهو يُصلِّي، ثم أغمي عليه، وعندما أفاق قال: ((هل صلَّى الناس؟))، فسأل: عن الصلاة قبل أن يسأل عمن قتله؟ (٢). وذاك سعد بن معاذ إذا صلى لا يحدث نفسه بغير ما هو فيه من صلاته (٣). وهذا التابعي الجليل عروة بن الزبير يأمر الأطباء بقطع رجله في الصلاة؛ لأنه لا يشعر بذلك؛ لتعلق قلبه بالله ومناجاته (٤). وهذا الإمام البخاري يلسعه الزنبور في سبعة عشر موضعاً من جسده تحت ثوبه ولم ينصرف من صلاته، ولم ينظر حتى سلَّم من صلاته (٥)، وغير ذلك كثير (٦). فمن نظر في خشوع السلف الصالح في صلاتهم جلب له ذلك الخشوع إن كان قلبه سليماً.

стр. 264

السبب الخامس والأربعون: العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع: مما يُعين على الخشوع معرفة ما جاء عن النبي ﷺ من التحذير من ترك الخشوع في الصلاة وسرقتها، والعلم بما ثبت من فضائل الخشوع وفوائده، ومن ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار ما يأتي: أولاً: ثبت عن النبي ﷺ : إخباره بأن أشدّ الناس سرقة الذي يسرق صلاته ، فلا يتم ركوعها ولا سجودها (١)، وأن الله لا ينظر إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم فيها صلبه بين ركوعه وسجوده (٢)، وإن مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده مات على غير ملة محمد ﷺ (٣)، وقد يُصلِّي المرء ستين سنة، وما قَبِلَ اللَّهُ منه صلاة واحدة؛ لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع (٤). ثانياً: الخشوع في الصلاة له فضائل عظيمة ، فقد ثبت عن النبي ﷺ : أن من صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه (٥)، وأن من أحسن الوضوء ثم صلَّى ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة (٦)، وجاء في القرآن الكريم أن الفوز

стр. 265

والفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (١)، وغير ذلك من الفضائل والفوائد العظيمة (٢). السبب السادس والأربعون: فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها: لا شك أن من تدبَّر معاني أفعال الصلاة خشع في صلاته، ومن ذلك تدبّر الأفعال الآتية: أولاً: فهم وَتّدّبُّر معنى القيام في الصلاة ، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، فإذا انتصب العبد قائماً لله في صلاته بين يديه سبحانه فليشاهد بقلبه قيُّوميته تعالى (٤)، ويذكر أنه إذا أحسن هذا الوقوف في الصلاة في الدنيا سهُل عليه الوقوف أمام الله يوم القيامة، وإذا استهان بهذا الوقوف، ولم يُوفّه حقه شُدِّد عليه الوقوف يوم القيامة (٥)، ومن مقتضى هذا القيام أن يقبل على لله بقلبه وجسده، فلا يلتفت: لا بقلبه، ولا ببصره، ولا جسده (٦). ثانياً: فهم وتدبر معنى رفع الأيدي في الصلاة حذو المنكبين أو حذو الأذنين في أربعة مواضع: إذا كبّر تكبيرة الإحرام، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من الركعتين - أي من التشهد الأول - يرفعهما كما صنع عند الافتتاح، وهذا هو السنة.

стр. 266

والحكمة في ذلك: اتبّاع النبي ﷺ ، ويضاف إلى ذلك من الحكم: أن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فيه الإشارة إلى رفع حجاب الغفلة بينك وبين الله، وفي غير تكبيرة الإحرام إعظاماً لله. وقال بعضهم: إنها استسلام لله وانقياد له تعالى، كالأسير المستسلم. وقال بعضهم: نفي الكبرياء عن غير الله. وقال بعضهم: زينة للصلاة، وعلى كل حال: فهو اتبّاع للسنة الثابتة عن النبي ﷺ (١)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه)) (٢)، وفي حديث مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: ((سمع الله لمن حمده))، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: ((حتى يحاذي بهما فروع أذنيه)) (٣).

стр. 267

والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه ﷺ رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر)) (١)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ يُحدِّث به في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيه: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه، ثم يُكبِّر)) (٢). الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه ﷺ كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه ((رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا)) (٣). الوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه ﷺ رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه)) (٤). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد

стр. 268

أصاب السنة (١). وإن نوَّع بين هذه الصفات الثلاث، فتارة يفعل هذا، وتارة هذا، وتارة هذا، فلا بأس، وهذا يعين على الخشوع في الصلاة، والعلم عند الله تعالى. ثالثاً: فهم وتدبّر معنى وضع اليدين على الصدر في حال القيام في الصلاة: اليد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّسغ والساعد، وهذا فيه إظهار الذُّل، والانكسار، والخشوع لله تعالى، وقد ذُكِرَ عن الإمام أحمد ﵀ أنه سُئل عن المراد بذلك فقال: ((هو ذُلٌّ بين يدي عزيز)) (٢). رابعاً: فهم وتدبّر معنى الركوع ؛ فإنه يدل على الذُّل بظاهر الجسد؛ ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، وقد قال تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٣)، وتمام الخضوع في الركوع أن يخضع القلب لله، ويذلَّ له، فيتمّ بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله (٤). قال العلامة الأصفهاني ﵀: ((الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها)) (٥). خامساً: فهم وتدبّر معنى السجود ؛ فإنه أعظم ما يظهر فيه ذلّ العبد

стр. 269

لربِّه تعالى، حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزّها عليه، وأعلاها عليه، حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفِّراً، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه, وخشوعه لله ؛ ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقرِّبه الله إليه؛ فإن ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) (١)، كما صح عن النبي ﷺ . والسجود أيضاً مما كان يأنفه المشركون المستكبرون عن عبادة الله ، وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد فتعلوني استي، وبعضهم يأخذ كفاً من حصىً فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود، وإبليس إنما طرده الله لمّا استكبر عن السجود، لمن أمره الله بالسجود له (٢). قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((السجود: أصله التطامن والتذلّل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلّل لله وعبادته. وهو عام في الإنسان، والحيوان، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب. وسجود تسخير وهو: للإنسان، والحيوان، والنبات)) (٣). وسجود التسخير يعم كل شيء ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤).

стр. 270

وغير ذلك من فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة: كالجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد واضعاً يديه على ركبتيه، كل ذلك يدل على الخضوع والتذلل لله تعالى. السبب السابع والأربعون: فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة: لا شك أن من تدبَّر معاني أقوال الصلاة خشع قلبه في صلاته، ومن ذلك على سبيل الاختصار تدبر المعاني الآتية: أولاً: فهم وتدبّر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر: ((الله أكبر)) أي: الله تعالى أكبر من كل شيء: في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وحُذِف المفضل عليه ليتناول اللفظ كل شيء، فتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله. وأكبر من أن يُذكر بغير المدح والتمجيد والثناء الحسن. وحكمة الاستفتاح بها: ليستحضر المصلِّي عظمة من يقف بين يديه، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل بغيره؛ ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١)، والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرِّغ قلبه لها، ويشتغل بها عمَّا عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال النبي

стр. 271

- ﷺ : ((وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فَي الصَّلاَةِ)) (١). فإذا استشعر العبد بقلبه أن الله أكبر من كلِّ ما يخطر بالبال استحيا منه أن يُشغل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفياً لمعنى ((الله أكبر))، ولا مؤدِّياً لحق هذا اللفظ، فقبيح بالمُصلِّي أن يقول بلسانه: ((الله أكبر))، وقد امتلأ قلبه بغير الله، فلو قضى حق هذا اللفظ لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات (٢). ثانياً: فهم وتدبُّر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة ١ - ((سبحانك اللهم وبحمدك (٣)، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك)) (٤).

стр. 272

قوله: ((سبحانك اللهم)) تنزيه، ((وبحمدك)) إثبات؛ فهذه الجملة تتضمن التنزيه، والإثبات، ومعناها: تنزيهاً لك يا رب عن النقص في صفات الكمال: كالعلم، والحياة، وعن صفات النقص المجردة عن الكمال: كالعجز، والظلم، وعن مماثلة المخلوقات و ((اللهم)) أصله يا الله، لكن حُذفت ياء النداء، وعُوّض عنها الميم، وبقيت ((الله))، وإنما حُذفت الـ ((يا)) لكثرة الاستعمال، وعوض عنها الميم للدلالة عليها، وأخرت بعد لفظ الجلالة تيمناً، وتبركاً بالابتداء باسم الله، واختير حرف الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع، كأن الداعي يجمع قلبه على ربه ، وعلى ما يريد أن يدعوه به (١). والحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع محبته وتعظيمه: الكمال الذاتي، والكمال الفعلي، فالله ، كامل في ذاته، ومن لازم ذلك أن يكون كاملاً في صفاته، وكذلك في فعله، ففعله جل وعلا دائر بين العدل والإحسان، لا يمكن أن يظلم، إما أن يعامل عباده بالعدل، وإما أن يعاملهم بالإحسان، فالمسيء يعامله بالعدل ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢)، والمحسن يعامله بالفضل: ﴿مَنْ جَاءَ

стр. 273

بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١)، ومن كان فعله دائراً بين هذين الأمرين: العدل والفضل، فلا شك أنه محمود على أفعاله، كما هو محمود على صفاته. والواو هنا ((وبحمدك)) تفيد معنى المعية، يعني: نزهتك تنزيهاً مقروناً بالحمد. قوله: ((وتبارك اسمك)) أي: كَمُلَ، وتَعَاظَمَ، وَتَقَدَّسَ، وكثرت بركته في السموات والأرض، وإذا كان اسم المسمّى بركة، فالمسمّى أعظم بركة وأولى، وجاء بناؤها على السعة والمبالغة، فدل على كمال بركتها وعظمتها وسعتها، ولا يقال إلا له ؛ فإن ((تبارك)) من باب ((مَجَدَ))، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال والسعة، والفضل، فاسم الله نفسه كله بركة، ومثاله: إذا سمَّيت على الطعام لم يشاركك الشيطان فيه، وإن لم تسمِّ شاركك، ولو ذبحت ذبيحة بدون تسمية لكانت ميتة نجسة حراماً، ولو سمَّيت الله عليها لكانت ذكية طيبة حلالاً، وكل أمر لا يُبدأ ببسم الله فهو أبتر. قوله: ((وتعالى جدك)) تعالى: أي: ارتفع ارتفاعاً معنوياً، والجَدُّ: العظمة، والمعنى: علت عظمتك وارتفعت بحيث لا يساويها أي عظمة من عظمة المخلوق. ((ولا إله غيرك)) هذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل ﵈، ومعناها: لا معبود حق إلا الله، فيكون توحيده سبحانه بالألوهية مبنياً على كماله، فالسابق كالسبب الذي بُني عليه اللاحق، يعني أنه لكمال

стр. 274

صفاتك لا معبود حق إلا أنت (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ ، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة (٢) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ بالثلج والماء والبَرَدِ)) (٣). قوله: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)): المباعدة بين المشرق والمغرب هي غاية ما يبالغ فيه الناس، والغرض من هذا التشبيه امتناع الاقتراب من الذنوب كامتناع اقتراب المشرق من المغرب، والمعنى: باعد بيني وبين فعل الخطايا بحيث لا أفعلها، وباعد بيني وبين عقوبتها إن فعلتها. قوله: ((اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)) المراد الخطايا والذنوب التي فعلها فينقَّى منها، وهذا التشبيه لقوَّة التَّنقية، أي: اللهم طهرني من خطاياي طهارة كاملة, وأزلها عني كما يُطهَّر الثوب الأبيض من الوسخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض؛ لأن ظهور النقاء فيه أشد وأكمل لصفائه، بخلاف

стр. 275

غيره من الألوان، وبعد التنقية قال: ((اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد))، وفي لفظ: ((اللهم اغسلني من خطاياي: بالثلج، والماء، والبرد)) أي طهرني من خطاياي بأنواع مغفرتك التي هي تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ، وذكر أنواع المطهِّرات المُنَزَّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها تبياناً لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها، فبان أن المراد بالمباعدة أي: أن لا أفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها، ثم أزل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات، ترقياً عن الماء إلى أبرد منه (١). ٣ - ((الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)) (٢). ((الحمد)) هو الوصف بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والألف واللام في ((الحمد)) لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى. ((طيباً)) أي: خالصاً لوجهه تعالى. ((مباركا فيه)) أي: كثير الخير،

стр. 276

يعني كثيراً غاية الكثرة (١). ٤ - ((الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)) (٢). قوله: ((الله أكبر كبيراً)) أي: الله تعالى أكبر من كل شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، و ((كبيراً)) أي: أكبر كبيراً، أو تكبيراً كبيراً. قوله: ((والحمد لله كثيراً)) أي حمداً كثيراً. قوله: ((وسبحان الله بكرة وأصيلاً)) أي أوَّل النهار وآخره، وخص هذين الوقتين بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، أو لتنزيه الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون (٣). ٥ - ((اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) (٤). قوله: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل)) خصَّ هؤلاء الثلاثة من الملائكة بالذكر تشريفاً لهم وتعظيماً، إذْ بهم تنتظم أمور

стр. 277

العباد، فجبرائيل ﵇ كان موكَّلاً بالوحي وإنزال الكتب السماوية على الأنبياء ﵈، وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل ﵇ موكَّلٌ بجميع القطر والنبات وأرزاق بني آدم وغيرهم، وإسرافيل ﵇ موكَّلٌ باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور. قوله: ((عالم الغيب والشهادة)) أي: ما غاب عن العباد، وما شاهدوه وظهر لهم. قوله: ((فيما كانوا فيه يختلفون)): في الدنيا من أمر دينهم، فتعذب العاصي إن شئت، وتثيب الطائعين. قوله: ((اهدني لما اختُلِف فيه من الحق)) أي: دلني على الحق الذي اختلفوا فيه، ولم يقبلوه. قوله: ((بإذنك)) أي: بإرادتك وتوفيقك. قوله: ((إنك تهدي من تشاء)): هنا إشارة إلى أن الهداية والإضلال ليسا من فعل الإنسان، بل بخلق الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ (١). قوله: ((إلى صراط مستقيم)): أي طريق الحق، وسمي صراطاً؛ لأنه موصل للمقصود، كما أن الطريق الحسي كذلك (٢). ٦ - عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام

стр. 278

إلى الصلاة (١) قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)) (٢). وإن شاء قال ما ثبت عن النبي ﷺ من الأنواع الأخرى في الاستفتاح (٣).

стр. 279

قوله: ((وجهت وجهي)) أي توجَّهْتُ بذاتي، وأخلصت عبادتي لله تعالى، فالمراد بالوجه هنا الذات، ويحتمل أن يراد بوجه الإنسان هنا القلب: أي وجهت قلبي لعبادة الله تعالى، ويؤخذ منه أنه ينبغي للمصلي عند قراءة هذا الدعاء أن يكون على غاية من الحضور والإخلاص، وإلا كان كاذباً، وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية. قوله: ((للذي فطر السموات والأرض)) أي خلقهما وأوجدهما على غير مثال سابق، والمراد بالسموات ما علا فيشمل العرش، وبالأرض ما سفل، فيشمل ما تحتها، والعلم عند الله تعالى، وقدم السموات؛ لأنها أشرف من الأرض؛ لكونها مسكن الملائكة المطهرين لا غير، والأرض وإن كان فيها الأنبياء لكنها احتوت على المفسدين، وجمع السموات لاختلاف أجناسها، وأفرد الأرض وهي سبع أرضين؛ لأنها من جنس واحد. قوله: ((حنيفاً مسلماً ... )) أي وجهت وجهي حال كوني مائلاً عن كل دين باطل إلى دين الحق ثابتاً عليه، منقاداً مطيعاً لأمره تعالى ومجتنباً لنهيه، وما أنا من المشركين: أي الكافرين، فيشمل عبداً لوثن وغيره. قوله: ((إن صلاتي ونسكي)) أي عباداتي من حج وغيره، فعطف

стр. 280

النسك على الصلاة من عطف العام على الخاص [ويدخل في النسك: الذبح]. قوله: ((ومحياي ومماتي ... )) أي حياتي، وموتي وما آتيه في حياتي، وأحوز عليه من الإيمان والعمل الصالح، ((لله رب العالمين)) خالصاً لوجهه . قوله: ((لا شريك له)) أي: في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وربوبيته وألوهيته. قوله: ((وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)) أي بالتوحيد الكامل، والطاعات الخالصة، أمرت وأنا من المنقادين المستسلمين، المطيعين لله تعالى، ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الدعاء، وكل ما ورد من الأذكار والأدعية. قوله: ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت)) أي المتصرف في جميع المخلوقات بدون معارض، وأنت مربّيني على موائد كرمك، وهو تخصيص بعد تعميم. قوله: ((ظلمت نفسي)) اعتراف بالتقصير، وبما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي، أما بالنسبة لنا فظاهر، وأما بالنسبة للنبي ﷺ فهو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو قال ذلك تواضعاً وتعليماً للأمة، وقدمه على سؤال المغفرة تأدباً كما وقع لآدم وحواء في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا

стр. 281

وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). قوله: ((إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وهذا بمنزلة التعليل لطلب المغفرة، فكأنه قال: اغفر لي ذنوبي؛ لأن مغفرة الذنوب بيدك لا يتولاها غيرك، ولا يقدر عليها أحد إلا أنت. قوله: ((واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ... )) أي أرشدني لأكمل الأخلاق، ووفقني للتحلّي بها. قوله: ((واصرف عني سيئها)) أي: أبعد عني قبيح الأخلاق. قوله: ((لبيك وسعديك)) أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأسعد بإقامتي على طاعتك، وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة. قوله: ((والخير كله بيديك)) أي: جميع الخير حسياًّ ومعنوياً بيدي الله تعالى. قوله: ((والشر ليس إليك)) أي: لا يتقرّب به إليك، ولا يضاف إليك، وهذا تأدُّباً، بل يضاف إلى من فعله، والله تعالى هو خالق كل شيء، ولكن لا يأتي منه إلا الخير؛ لأن الشر يضاف إلى المفعولات، وخلق الله تعالى ذلك لا يأتي إلا بخير. قوله: ((أنا بك وإليك)) أي: أستعين بك، وألتجئ إليك، أو بك وُجدت، وإليك ينتهي أمري. وقوله: ((تباركت وتعاليت)) أي: تكاثر خيرك، وتزايد برُّك، وتنزَّهت عن النقائص، واتصفت بالكمالات المطلقة.

стр. 282

قوله: ((أستغفرك وأتوب إليك)) أي أطلب منك المغفرة لما مضى، وأرجع عن فعل الذنب فيما بقي متوجِّهاً إليك بالتوفيق والثبات إلى الممات (١). ٧ - ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ (٢) أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومَنْ فيهنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ]، [وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ] [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ] [وَلَكَ الحَمْدُ] [أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ, وقَوْلُكَ الحَقُّ, ولِقَاؤُكَ الحَقُّ, والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ] [اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آَمَنْتُ, وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإليْكَ حَاكَمْتُ. فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ، ومَا أعْلَنْتُ] [أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ] [أنْتَ إلَهِي لَا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ])) (٣). (٤).

стр. 283

قوله: ((أنت نور السموات والأرض)) أي: أنَّ كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك، وأضاف النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشو ضيائه، وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). وقد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه: ((نور السموات والأرض)) بالكتاب والسنة، وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة، وفي الحديث الصحيح (٢) الذي جاء عن أبي ذر ﵁ من غير إضافة، وذلك قوله ﷺ : ((نور أنَّى أراه)) حين سأله أبو ذر ﵁: ((هل رأيت ربك؟)). قوله ﷺ : ((نور أنَّى أراه)) معناه: حجابه نور، فكيف أراه، وقد فسر ذلك الحديث الآخر الذي قال فيه النبي ﷺ : ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور))، وفي رواية: ((النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) (٣). فاسم النور بدون إضافة يحتاج إلى دليل، أما القرآن فقد جاء مضافاً ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

стр. 284

وسألت شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هل من أسماء الله النور؟ فقال: ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قوله: ((أنت قيم السموات والأرض)) أي: الذي يقوم بحفظها ومراعاتها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، يؤتي كل شيء ما به قوامه، ويقوم على كل شيء من خلقه مما يراه من تدبيره. قوله: ((أنت رب السموات والأرض)) أي: أنت مالك السماوات والأرض ((ومن فيهن)) والرب يأتي بمعنى المالك والسيد والمطاع والمصلح. قوله: ((أنت الحق)) الحق اسم من أسماء الله - تعالى -؛ ومعناه: الموجود حقيقة، المتحقق وجوده وإلاهيته. قوله: ((ووعدك الحق)) أي: الثابت غير الباطل؛ قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١). قوله: ((وقولك الحق)) أي: غير كذب، بل هو صدق حقاً وجزماً. قوله: ((ولقاؤك الحق)) أي: واقع كائن لا محالة. ولقاء الله تعالى حق لا شك فيه، على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).

стр. 285

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير، وقال: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ... كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ (١) فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه: يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما ... )) (٢). قوله: ((والجنة حق)) أي: موجودة مُعدَّة للمؤمنين. قوله: ((والنار حق)) موجودة مُعدَّة للكافرين. قوله: ((والنبيون حق)) أي: حق في أنهم من عند الله - تعالى - وأنهم أنبياء الله تعالى وعبيده. قوله: ((ومحمد حق)) أي: حق نبوته ورسالته، وأنه عبد الله ورسوله إلى العرب والعجم [والإنس والجن، ولا نبي بعده]، وإنما أفرد نفسه بالذكر، وإن كان داخلاً في النبيين، تنبيهاً على شرفه وفضله. قوله: ((والساعة حق)) أي: واقعة كائنة لا محالة، والمراد من الساعة هو الحشر والنشر. قوله: ((اللهم لك أسلمت)) أي: انقدتُ وأطعت. قوله: ((وبك آمنت)) أي: صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت. فيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام.
следующие страницы →