← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). قوله: ((إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وهذا بمنزلة التعليل لطلب المغفرة، فكأنه قال: اغفر لي ذنوبي؛ لأن مغفرة الذنوب بيدك لا يتولاها غيرك، ولا يقدر عليها أحد إلا أنت. قوله: ((واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ... )) أي أرشدني لأكمل الأخلاق، ووفقني للتحلّي بها. قوله: ((واصرف عني سيئها)) أي: أبعد عني قبيح الأخلاق. قوله: ((لبيك وسعديك)) أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأسعد بإقامتي على طاعتك، وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة. قوله: ((والخير كله بيديك)) أي: جميع الخير حسياًّ ومعنوياً بيدي الله تعالى. قوله: ((والشر ليس إليك)) أي: لا يتقرّب به إليك، ولا يضاف إليك، وهذا تأدُّباً، بل يضاف إلى من فعله، والله تعالى هو خالق كل شيء، ولكن لا يأتي منه إلا الخير؛ لأن الشر يضاف إلى المفعولات، وخلق الله تعالى ذلك لا يأتي إلا بخير. قوله: ((أنا بك وإليك)) أي: أستعين بك، وألتجئ إليك، أو بك وُجدت، وإليك ينتهي أمري. وقوله: ((تباركت وتعاليت)) أي: تكاثر خيرك، وتزايد برُّك، وتنزَّهت عن النقائص، واتصفت بالكمالات المطلقة.

стр. 282

قوله: ((أستغفرك وأتوب إليك)) أي أطلب منك المغفرة لما مضى، وأرجع عن فعل الذنب فيما بقي متوجِّهاً إليك بالتوفيق والثبات إلى الممات (١). ٧ - ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ (٢) أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومَنْ فيهنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ]، [وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ] [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ] [وَلَكَ الحَمْدُ] [أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ, وقَوْلُكَ الحَقُّ, ولِقَاؤُكَ الحَقُّ, والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ] [اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آَمَنْتُ, وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإليْكَ حَاكَمْتُ. فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ، ومَا أعْلَنْتُ] [أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ] [أنْتَ إلَهِي لَا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ])) (٣). (٤).

стр. 283

قوله: ((أنت نور السموات والأرض)) أي: أنَّ كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك، وأضاف النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشو ضيائه، وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). وقد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه: ((نور السموات والأرض)) بالكتاب والسنة، وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة، وفي الحديث الصحيح (٢) الذي جاء عن أبي ذر ﵁ من غير إضافة، وذلك قوله ﷺ : ((نور أنَّى أراه)) حين سأله أبو ذر ﵁: ((هل رأيت ربك؟)). قوله ﷺ : ((نور أنَّى أراه)) معناه: حجابه نور، فكيف أراه، وقد فسر ذلك الحديث الآخر الذي قال فيه النبي ﷺ : ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور))، وفي رواية: ((النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) (٣). فاسم النور بدون إضافة يحتاج إلى دليل، أما القرآن فقد جاء مضافاً ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

стр. 284

وسألت شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هل من أسماء الله النور؟ فقال: ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قوله: ((أنت قيم السموات والأرض)) أي: الذي يقوم بحفظها ومراعاتها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، يؤتي كل شيء ما به قوامه، ويقوم على كل شيء من خلقه مما يراه من تدبيره. قوله: ((أنت رب السموات والأرض)) أي: أنت مالك السماوات والأرض ((ومن فيهن)) والرب يأتي بمعنى المالك والسيد والمطاع والمصلح. قوله: ((أنت الحق)) الحق اسم من أسماء الله - تعالى -؛ ومعناه: الموجود حقيقة، المتحقق وجوده وإلاهيته. قوله: ((ووعدك الحق)) أي: الثابت غير الباطل؛ قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١). قوله: ((وقولك الحق)) أي: غير كذب، بل هو صدق حقاً وجزماً. قوله: ((ولقاؤك الحق)) أي: واقع كائن لا محالة. ولقاء الله تعالى حق لا شك فيه، على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).

стр. 285

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير، وقال: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ... كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ (١) فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه: يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما ... )) (٢). قوله: ((والجنة حق)) أي: موجودة مُعدَّة للمؤمنين. قوله: ((والنار حق)) موجودة مُعدَّة للكافرين. قوله: ((والنبيون حق)) أي: حق في أنهم من عند الله - تعالى - وأنهم أنبياء الله تعالى وعبيده. قوله: ((ومحمد حق)) أي: حق نبوته ورسالته، وأنه عبد الله ورسوله إلى العرب والعجم [والإنس والجن، ولا نبي بعده]، وإنما أفرد نفسه بالذكر، وإن كان داخلاً في النبيين، تنبيهاً على شرفه وفضله. قوله: ((والساعة حق)) أي: واقعة كائنة لا محالة، والمراد من الساعة هو الحشر والنشر. قوله: ((اللهم لك أسلمت)) أي: انقدتُ وأطعت. قوله: ((وبك آمنت)) أي: صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت. فيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام.

стр. 286

قوله: ((وعليك توكلت)) أي: فوَّضت أمري إليك، واعتمدتُ في كل شأني عليك. قوله: ((وإليك أنبت)) أي: رجعت وأقبلت بهمتي وطاعتي إليك، وأعرضت عما سواك. قوله: ((وبك خاصمت)) أي: بك أحتج وأدافع، وأقاتل من عاند فيك، وكفر بك، وأقمعه بالحجة وبالسيف. قوله: ((وإليك حاكمت)) أي: رفعت محاكمتي إليك في كل من جحد الحق، وجعلتك الحكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم، من صنم وكاهن ونار وشيطان .. وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد على غيرك. قوله: ((فاغفر لي ما قدمت وما أخرت)) أي: من الذنوب. قوله: ((وما أسررت)) بها، ((وما أعلنت)) منها؛ أي: من المعاصي والذنوب (١). ثالثاً: فهم وتدبّر معاني الاستعاذة: ١ - "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" قوله: ((أعوذ بالله)) أي: ألتجئ وأعتصم به، فالله سبحانه هو الملاذ، وهو المعاذ، فاللياذ: لطلب الخير، والعياذ: للفرار من الشر. قال الشاعر:

стр. 287

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره (١) قوله: "من الشيطان": اسم: جنس يشمل الشيطان الأول الذي أُمر بالسجود لأبينا آدم ﵇ فلم يسجد، ويشمل ذريته أيضاً، وهو من "شطن" إذا بعُد، لبُعده من رحمة الله؛ فإن الله لعنه أي: طرده وأبعده عن رحمته. قوله: "الرجيم" فعيل بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم. فهو راجم، أي: يرجم غيره بالإغواء، فهو يؤز أهل المعاصي إلى المعاصي أزاً، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (٢). وهو مرجوم: بلعنة الله، وطرده، وإبعاده عن رحمته، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). وفائدة الاستعاذة هنا: ليكون الشيطان بعيداً عن قلب المرء، وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبّر القرآن، وتفهّم معانيه، والانتفاع به (٤). ومن لطائف الاستعاذة: أنها طهارة للفم، مما كان يتعاطاه: من اللّغو، والرفث، وتطييب له، وتهيّؤٌ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة

стр. 288

بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف، والعجز عن مقاومة العدو المبين، الباطني، الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، الذي يراه وهو لا يراه، فهو في مقابل ذلك يستعين بالذي يرى الشيطان، ولا يراه الشيطان، فالمسلم يلجأ إلى الله من الشيطان أن يضرَّه في دينه أو دنياه، بصدِّه عن فعل ما أُمر به، أو بحثِّه على فعل ما نُهي عنه (١). ٢ - ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)) (٢). قوله: ((من همزه)): فسَّره بعض الرواة بالمؤتة، بضم الميم، وفتح التاء: نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه عقله. قوله: ((ونفخه)): فسَّره الراوي بالكِبْر، وكان الكِبْر من نفخ الشيطان؛ لأنه ينفخ في الشخص بالوسوسة، فيعتقد عظم نفسه، وحقارة غيره. قوله: ((ونفثه)): فسَّره الراوي بالشعر، والمراد: الشعر المذموم كالهجاء (٣)؛ لقوله ﵊: ((إن من الشعر حِكَماً)) (٤).

стр. 289

رابعاً: فهم وتدبُّر معنى البسملة: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) أي: أقرأ باسم الله، ويأتي معنى ((الرحمن الرحيم)) في تفسير الفاتحة الآتي: خامساً: فهم وتدبُّر معاني الفاتحة أُمّ القرآن: قوله : ((الْحَمْدُ لِلَّهِ)) الحمد: هو الوصف بصفات الكمال، مع كمال المحبة والتعظيم، والألف واللام في ((الْحَمْدُ)): لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى. قوله : ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)): الربّ: هو الخالق، المالك، المتصرف، ولا يستعمل لغير الله إلا بالإضافة؛ كقولك: رب الدار، و ((الْعَالَمِينَ)): جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله من أصناف المخلوقات: في السموات، والبر، والبحر، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه علَم دالّ على وجود خالقه سبحانه. قوله : ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)): اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والأول أبلغ لعمومه في الدارين لجميع خلقه، أما الثاني فخاص بالمؤمنين. قوله : ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)): لا يملك مع الله سبحانه أحد في هذا اليوم حكماً كملكهم في الدنيا، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، إلا من عفا عنه سبحانه؛ قال

стр. 290

تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١)، وقال النبيّ ﷺ : ((يَقْبِضُ اللَّهُ ﵎ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟)) (٢). و ((الدين)): الجزاء والحساب لله ٠ قوله : ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)): هذان مرجع الدين، وقُدّم المفعول للاهتمام والحصر، والمعنى: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين، ونتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة؛ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتَحوَّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب؛ لأن القارئ كأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ((إياك))، وهذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة، وإرشاده لعباده أن يثنوا عليه بذلك. ((إيَّاكَ نَعْبُدُ)) أي: نُوَحِّدُ ونخاف ونرجو، ((وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) على طاعتك، وعلى أمورنا كُلِّها، وقدّم العبادة له؛ لأنها هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، وللاهتمام والحزم يقدم الأهم فالأهم. قوله : ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)): بعد تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يُعقّب بالسؤال وهو الهداية، والهداية هاهنا هي هداية الإرشاد، أي: العلم، وهداية التوفيق، أي العمل، والصراط أي الطريق الواضح المستقيم الذي لا اعوجاج

стр. 291

فيه، الذي نصبه الله لأهل نعمته، وهو العبادة، فالصراط ها هنا: المتابعة لله تعالى وللرسول ﷺ ، والمؤمن يسأل الله تعالى في كل صلاة الهداية؛ وذلك لأن العبد مفتقر كلَّ ساعةٍ، وحالةٍ إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصّره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فمعنى ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) أي. استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره. قوله : ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)): المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ (١)، أي أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين. قوله : ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)): هم اليهود، وكل من علم الحق ولم يعمل به. و ((الضَّالِّينَ)): هم النصارى، وكل من جهل الحقّ، وقُدِّم اليهود على النصارى في الذكر؛ لأنهم كانوا هم الذين يلون النبي ﷺ ، حيث كانوا جيرانه في المدينة بخلاف النصارى فإن ديارهم كانت نائية؛ ولذا نجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن أكثر من خطاب النصارى (٢).

стр. 292

* ((آمين)): بتخفيف الميم، أي: اللَّهم استجب لنا ما سألناك، قال الفقهاء: من شدّد الميم بطلت صلاته؛ لأنَّ معناها حينئذ: قاصدين، وهذا من جنس كلام المخلوقين (١). وفي التأمين فضل عظيم، فمع كونه قولاً يسيراً لا كلفة فيه، يترتب عليه المغفرة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ، وقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٣). سادساً: فَهْمُ وتدبُّر معاني أذكار الركوع: ١ - ((سبحان ربي العظيم)) (٤) [ثلاث مرات] (٥).

стр. 293

التسبيح: يعنى تنزيه الله عن مطلق النقص: كالجهل، والعجز، وعن النقص في كماله؛ فينزَّه مثلاً: عن التعب والإعياء فيما يخلقه ويفعله، وينزَّه عن مشابهة المخلوقين. و ((العظيم)): أي في ذاته وصفاته؛ فإنه سبحانه في ذاته أعظم من كل شيء (١). ٢ - ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ الملائكَةِ وَالرُّوح)) (٢). قوله: ((سُبُّوح)): صيغة مبالغة من سبحان، وهو تنزيه الله عن كل نقص. و ((قُدُّوس)): أي الطاهر من كلّ عيبٍ ونقصٍ: أي أنزهه تنزيهاً عن كل نقصٍ، و ((القدوس)): صيغة مبالغة من التقديس: وهو التطهير من العيوب. قوله: ((والروح)): قيل: مَلَكٌ عظيم، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل ﵇، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، كما لا نرى نحن الملائكة، والله أعلم (٣). ٣ - ((سبحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) (٤).

стр. 294

التسبيح: التنزيه، أي: براءة وتنزيهاً لله جل وعلا من كل نقص. قوله: ((وبحمدك)): أي: وبحمدك سبحتك، ومعناه: بتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليَّ سبحتك، لا بحولي، ولا بقوتي، ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى (١). ٤ - ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، [ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي])) (٢). قوله: ((خشع لك سمعي وبصري)): أي: خضع لك، فلا يسمع إلا ما أذنت في سماعه، وخضع بصري، فلا يُبصر إلا ما أذنت في إبصاره، وخصَّ السمع والبصر بالذكر من بين الحواس؛ لأن أكثر الآفات منهما، فإذا خشعا قلَّت الوساوس؛ ولأن تحصيل العلم النقلي والعقلي بهما. قوله: ((مخي، وعظمي، وعصبي)): المراد خضع لك جسمي باطناً، كما خضع لك ظاهراً، وكَنَّى بهذه الثلاثة عن الجسم؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كله المبالغة في الانقياد والخضوع لله جل وعلا (٣).

стр. 295

٥ - ((سبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ، والمَلَكُوتِ، والْكِبْرِياءِ، والْعَظَمَةِ)) (١). قوله: ((ذي الجبروت)): فَعَلُوت: من الجبر، وهو القهر، وهو صفة من صفات الله تعالى، ومنه الجبَّار، ومعناه: الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، وكل شيء يريده. قوله: ((والملكوت)): من الملك، ومعنى ذي الملكوت: مالك كل شيء، وصيغة الفعلوت للمبالغة: كالرحموت، والرهبوت. قوله: ((والكبرياء)): أي: سبحان ذي الكبرياء: أي العظمة، والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذّات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله (٢). سابعاً: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار الرفع من الركوع: ١ - ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) (٣). قوله: ((سمع)): أي: استجاب، والمعنى: استجاب الله دعاء من حمده، يقال: اسمع دعائي، أي: أجب؛ لأن غرض السائل الإجابة والقبول، فمن حمد الله فإنه يكون قد دعا ربه بلسان الحال؛ لأن

стр. 296

الذي يحمد الله يرجو الثواب، فإذا كان يرجو الثواب فإن الثناء على الله بالحمد والذكر والتكبير متضمن للدعاء (١). ٢ - ((ربنا لك الحمد)) (٢). أو ((اللهم ربنا لك الحمد)) (٣)، أو ((اللهم ربنا ولك الحمد)) (٤)، أو ((ربنا ولك الحمد)) (٥) [حمداً، كثيراً، طيباً، مباركاً فيه] (٦). قوله: ((ربنا)): أي: أنت الرب الملك القيُّوم، الذي بيده الأمور، ثم عطف على هذا المعنى قوله: ((ولك الحمد)) فجمع بين الدعاء والاعتراف، أي: ربنا تقبل منا، ولك الحمد على هدايتك إيّانا لما يرضيك عنَّا، والحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم، ثم أخبر عن شأن هذا الحمد بقوله: ((ملءَ السموات)) إلخ، كما سيأتي في نص آخر (٧). قوله: ((طيباً)) أي: خالصاً.

стр. 297

قوله: ((مباركاً)) أي: متزايداً كثير الخير (١). ٣ - ((ملءَ السمواتِ، وملءَ الأرض، وما بينهما، ومِلءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ)) (٢). قوله: ((ملءَ السموات، وملءِ الأرض)): الله سبحانه محمود على كل شيء؛ على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله؛ ولأن المخلوقات تملأ السموات والأرض، فيكون الحمد حينئذ مالئاً للسموات والأرض، فالمُصلِّي يستحضر بهذا الذكر أن الله محمود على كل فعل فعله، وعلى كل خلق خلقه. وقوله: ((وَمِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ)) أي: بعد السموات والأرَضين: كالكرسي، والعرش، وما تحت الأرَضين مما لا يعلمه إلا الله، ولا يحيط به سواه، والمراد الاعتناء في تكثير الحمد، وفي هذا اللفظ إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه، وأنه ﷺ حَمِدَه مِلءَ السموات والأرض، وملءَ ما بينهما، ثم ارتفع فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهى (٣).

стр. 298

قوله: ((أهلَ الثناء والمجد)): أهل الثناء: منصوب على النداء، والثناء هو الوصف الجميل والمدح. قوله: ((والمجد)) أي: العظمة، ونهاية الشرف، يقال: رجل ماجدٌ مفضال كثير الخير شريف، والمجيد فعيل للمبالغة، ومنه سُمّي الله مجيداً (١). قوله: ((الجَدّ)): المشهور فيه فتح الجيم، وهو: الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، والمعنى: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ (٢)، فبيَّن النبي ﷺ أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك، ولم يخلِّصْه من الله؛ وإنما ينجيه من عذابه إيمانُه وتقواهُ، فهاهنا أصلان عظيمان: أحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، ولا مانع لما أعطاه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يُسأل إلا هو. والثاني: توحيد الألوهية، وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأنه ليس كل من أُعطي مالاً أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعاً له عند الله، منجياً له من عذابه؛ فإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب (٣).

стр. 299

قوله: "أحق ما قال العبد" تقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت ... إلخ، واعترض بينهما: ((وكلنا لك عبد)) للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلّنا لك عبد، فينبغي لنا أن نقوله. وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نحافظ عليه، ولا نهمله؛ لأن كلنا عبد، وإنما كان أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لاحول ولاقوة إلا به، وأن الخير والشر منه، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة. قوله: ((لا مانع لما أعطيت)) أي: لا مانع لما أردت إعطاءه، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). قوله: ((ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)): أي لا ينفع صاحب الغنى من عذابك غناه , ويحتمل أن تكون ((منك)) بمعنى عندك , أي: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه, وإنما ينفعه العمل بطاعتك (٢). ٤ - ((اللهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد, اللَّهمّ طهّرني

стр. 300

من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الوسخ)) (١). قوله: ((اللَّهمّ طهّرني بالثلج والبرد والماء البارد)): استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب وغيرها. قوله: ((اللهم طهرني من الذنوب والخطايا)) الذنب: الإثم بين العبد وبين الآدمي, والخطيئة: المعصية بين العبد وبين الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً﴾ (٢). قوله: ((كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ)) معناه: نقِّني نقاء كاملاً، كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس (٣). ثامناً: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار السجود: ١ - ((سبحان ربي الأعلى)) (٤) [ثلاث مرات] (٥). أي: تنزيهاً لك يا رب عن كل نقص في الكمال، وعن مماثلة المخلوقين، و ((الأعلى)): ثناء على الله سبحانه بالعلو، فالمُصلِّي نزل للسجود، والنزول نقص، فكان الثناء على الله بالعلو أولى؛ لتنزيهه تعالى عن النقص الذي حصل للساجد، والمراد بالعلوّ: علو المكان، وعلو الصفة، فهو سبحانه عليٌّ في ذاته، وعليٌّ في صفاته،

стр. 301

بل هو أعلى من كل شيء (١)، وله سبحانه الكمال المطلق: في علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. ٢ - ((سبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والرُّوح)) (٢). ٣ - ((سبحانك اللَّهُمَّ ربّنا وبحمدك اللَّهُمَّ اغفر لي)) (٣). ٤ - ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلْقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) (٤). قوله: ((وشقَّ سمعَه)) أي: طريق سمعه؛ إذ السمع ليس في الأذنين، بل في مقعد الصماخ، ((أحسن الخالقين)) أي: أحسن المصورين والموجدين؛ فإنه سبحانه الخالق الحقيقي، المنفرد بالإيجاد والإعدام (٥). ٥ - ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) (٦). ٦ - ((اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأوَّلَهُ وآخِرَهُ،

стр. 302

وعَلانِيتَهُ وسِرَّهُ)) (١). قوله: ((دقّه وجلّه)): أي صغيره وكبيره [قليله وكثيره]، وقدم الصغير على الكبير؛ لأن الكبائر تنشأ غالباً من عدم المبالاة بالصغائر والإصرار عليها، فكأنها وسيلة، ومن حق الوسائل أن تقدم في الذكر؛ ولأن السائل يترقَّى في سؤاله من الأدنى إلى الأعلى. قوله: ((دقه وجله)) تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: ((اغفر لي ذنبي كله)) تناول جميع ذنوبه مجملاً، ثم فصَّله بقوله: ((دقه وجله))، وفائدته: أن التفصيل بعد الإجمال أوقع، وفيه علمان، والعلمان خير من علم واحد، وهو أعظم بالاعتراف والإقرار بما اقترف من الذنب. قوله: ((وأوله وآخره)): المراد ما تقدم من ذنبه، وما تأخر منه. قوله: ((علانيته وسره)): أي ظاهره وخفيه، وهو بالنسبة لغير الله تعالى؛ لأنهما عند الله سواء، والغرض من هذا كمال التواضع والإذعان من النبي ﷺ ؛ لامتثال أمر الله ، والتشريع للأمة، وإلا فهو ﷺ معصوم من الذنوب. وفي هذا اللفظ توكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه، وإن أغنى بعضه عن بعض، إلا أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإنسان إذا أحب شيئاً أحب طول مناجاته، فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء، وبسطك له دليل على محبتك لمناجاة الله ، ثم

стр. 303

إن تكثير ألفاظ الدعاء يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال، فالله الغني ونحن الفقراء، واستحضار الإنسان لذنوبه؛ لأن للذنوب أنواعاً، فإذا زيد في الدعاء استحضرت (١). ٧ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعاَفاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) (٢). قوله: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)) أي: أتحصَّن بفعلٍ يوجب رضاك من فعلٍ يوجب سخطك، وهذا من باب التوسل برضاء الله أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استجرت من الشيء بضده، فجعلت الرضاء وسيلة تتخلَّص به من السخط، والمراد: أسألك التوفيق لفعل الطاعات الموجبة لرضاك، وأسألك الحفظ من المعاصي الموجبة لسخطك. قوله: ((وبمعافاتك من عقوبتك)) المعافاة هي: أن يعافيك الله من كل بليَّة في الدين، أو في الدنيا، وضد المعافاة: العقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، وإذا استعذت بمعافاة الله من عقوبته، فإنك تستعيذ من ذنوبك حتى يعفو الله عنك، إما بمجرد فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التوبة.

стр. 304

قوله: ((وأعوذ بك منك)): لا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله إذ لا أحد يعيذك من الله إلا الله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، ومعلوم أن الله قد يريد بك سوءاً، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله وأن الإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه لا مرجع له إلا ربه ، قال الخطابي ﵀: ((في هذا الكلام معنى لطيف، وهو أنه قد استعاذ بالله تعالى، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضاء والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلمَّا صار إلى ذكر ما لا ضد له - وهو الله سبحانه - أعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه)) (١). قوله: ((لا أُحصي ثناء عليك)) أي: لا أطيقه، ولا أبلغه، ولا أصل إليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك ﵀: معناه: لا أُحصي: نعمتك، وإحسانك، والثناء بها عليك، وإن اجتهدتُ في الثناء عليك. والثناء هو: تكرار الوصف بالكمال، ففي الحديث القدسي: قال الله تعالى: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: ((حَمِدَنِي عَبْدِي))، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّه تعالى: ((أَثْنَى عَلَيَّ

стр. 305

عَبْدِي ... )) (١). فلا يمكن أن تُحصي الثناء على الله أبداً ولو بقيت أبد الآبدين؛ وذلك؛ لأن أفعال الله غير محصورة، وكل فعل من أفعاله فهو كمال، وأقواله غير محصورة، وكل قول من أقواله فهو كمال، وما يدفع عن عباده أيضاً غير محصور، فالثناء على الله لا يمكن أن يصل الإنسان منه إلى غاية ما يجب لله من الثناء مهما بلغ من الثناء على الله، وغاية الإنسان أن يعترف بالنقص والتقصير، فيقول: ((لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) أي: أنت يا ربنا كما أثنيت على نفسك، أما نحن فلا نستطيع أن نُحصي الثناء عليك، وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم. وفي قوله: ((أنت كما أثنيت على نفسك)): اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء على الله تعالى، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته وإحصائه إلا هو تعالى؛ ولهذا عدل النبيُّ ﷺ عن التفصيل والإحصاء والتعيين، ووكَّل ذلك إلى الله المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً، وكما أنه لا نهاية لصفاته كذلك لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، وكل ثناء أُثني به عليه - وإن كثر وطال وبولغ فيه - فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر وأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ (٢).

стр. 306

تاسعاً: فَهْمُ وتدبُّر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين: ١ - ((ربِّ اغْفِرْ لي، ربِّ اغْفِرْ لي)) (١). ٢ - ((اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني))، ولفظ ابن ماجه: ((ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني)) (٢). أي: يا الله امح ذنوبي، وتقصيري، وأحسن إليَّ بقبول عبادتي، وعافني من البلاء ومضلات الفتن في الدَّارَيْن، واهدني لصالح الأعمال، وثبتني على الدِّين الحقّ، وارزقني رزقاً حسناً، ودرجة عالية في الآخرة، واجبر نقصي في كل شيء (٣). قوله: ((رب اغفر لي)): سؤال الله أن يغفر لك الذنوب كلها: الصغائر والكبائر، والمغفرة هي: ستر الذنب، والعفو عنه، مأخوذة من المغفر - وهو لباس للرأس عند الحرب يتقى به السهام -، وفي المغفر ستر ووقاية، وليس ستراً فقط، فالمعنى: اغفر لي، أي: استر ذنوبي، وتجاوز عنِّي حتى أسلم من عقوبتها، ومن الفضيحة بها.

стр. 307

قوله: ((وارحمني)): طلب رحمة الله التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جمع بينهما؛ فإن الرحمة إذا قرنت بالمغفرة: فالمغفرة لما مضى، والرحمة سؤال الله تعالى السلامة من ضرر الذنوب وشرِّها في المستقبل، وأما إذا أُفرد الدعاء بالرحمة: فهو طلب المغفرة لما مضى، والتوفيق والعصمة فيما يستقبل (١). قوله: ((وعافني)): المعافاة: المراد بها المعافاة في الدين والدنيا، فتشمل الأمرين: أن يعافيك الله من أسقام الدِّين: وهي أمراض القلوب: كالغلِّ، والحسد، وسوء الظن، ومدار أمراض القلوب على: أمراض الشهوات، والشبهات، وأن يعافيك من أمراض الأبدان، وهي اعتلال صحة البدن. والإنسان محتاج إلى هذا وإلى هذا، وحاجته إلى المعافاة من مرض القلب أعظم من حاجته إلى المعافاة من مرض البدن، فإذا كنت تنظّف قلبك دائماً في معاملتك مع الله، وفي معاملتك مع الخلق حصَّلت خيراً كثيراً، وإلا فإنك سوف تغفل، وتفقد الصلة بالله، وحينئذٍ يصعب عليك التراجع، فحافظ على أن تُفَتِّش قلبك دائماً، فقد يكون فيه مرض شبهة، أو مرض شهوة، وكل شيء - ولله الحمد - له دواء، فالقرآن والسنة الصحيحة دواء للشبهات والشهوات، فالترغيب في الجنة، والتحذير من النار دواء للشهوات، وأيضاً إذا خفت أن تميل إلى الشهوات في الدنيا التي فيها المتعة،

стр. 308

فتذكر متعة الآخرة. ولهذا قال النبي ﷺ عندما كان يحفر الخندق مع المهاجرين والأنصار: ((اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلاَّ عَيْش الآخِرَةِ)) (١)، فيقول: ((اللَّهُمَّ)) من أجل أن يكبح جماح النفس حتى لا تغترّ بما شاهدتْ من متع الدنيا، فيُقبلُ على الله، ثم يوطِّن النفس ويقول: ((لا عَيْشَ إلاَّ عَيْش الآخِرَةِ))، لا عيش الدنيا، وصدق رسول الله ﷺ ، والله إن العيش عيش الآخرة؛ فإنه عيش دائم، ونعيم لا تنغيص فيه، بخلاف عيش الدنيا فإنه ناقص منغص زائل. وأما دواء القلوب من أمراض الشبهات، فالقرآن كله مملوء بالعلم والبيان الذي يزول به داء الشبهات، ومملوء بالترغيب، والترهيب الذي يزول به داء الشهوات، ولكننا في غفلة عن هذا الكتاب العزيز الذي كلَّه خير، وكذلك السنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﷺ . أما عافية الأبدان فطبّها نوعان: النوع الأول: طب جاءت به الشريعة، فهو أكمل الطب وأوثقه؛ لأنه من عند الله الذي خلق الأبدان، وعلم أمراضها وأدويتها، وهو ضربان: الضرب الأول: طبٌّ مادي: كالتداوي بالعسل، والحبة السوداء. الضرب الثاني: معنوي روحي، وذلك بالقراءة على المرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرع تأثيراً (٢).

стр. 309

النوع الثاني: طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو: ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب. قوله: ((واهدني)): يعني هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فهداية الإرشاد: التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق: التي ضدها الغي، فأنت إذا قلت: ((واهدني)) تسأل الله سبحانه الهدايتين: هداية الإرشاد، وذلك بالعلم النافع، وهداية التوفيق، وذلك بالعمل الصالح، فينبغي للإنسان أن يستحضر أنه يسأل ربه العلم النافع، والعمل الصالح، وذلك لأن الهداية التامة النافعة هي التي يجمع الله فيها للعبد بين العلم والعمل؛ لأن الهداية بدون عمل لا تنفع، بل هي ضرر؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بما علم صار علمه وبالاً عليه، ومثال الهداية العلمية بدون عمل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١)، معنى ((هَدَيْنَاهُمْ)) أي: بيَّنّا لهم الطريق، وأبلغناهم العلم، ولكنهم - والعياذ بالله - ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قوله: ((وارزقني)) طلب الرزق مما يقوم به البدن: من طعام، وشراب، ولباس، وسكن، وما يقوم به الدين: من علم، وإيمان، وعمل صالح، والإنسان ينبغي أن يُعوِّدَ نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة حتى يخرج منتفعاً، فإذا قال: ((ارزقني)) يعني: ارزقني ما به قوام الدين، وما به قوام البدن.

стр. 310

قوله: ((واجبرني)) الجَبْرُ يكون من النَّقْصِ، فالإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ حتى يعود سليماً بعد كَسْرِه من كسر العظام البدنية، كما أن الإنسان الناقص المفرِّط المُسِرف على نفسه بتجاوز الحدِّ أو القصور عنه، يحتاج إلى جبر ليعود سليماً من الكسور المعنوية؛ فالحاصل أن الإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ يَجبرُ له النَّقْصَ الذي يكون فيه (١). قوله: ((وارفعني)): أي ارفعني في الدارين: بالعلم النافع، والعمل الصالح، وارزقني درجة عالية في الجنة (٢). عاشراً: فهم وتدبُّر أذكار سجود التلاوة: ١ - ((سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾)) (٣). قوله: ((للذي خلقه وشق سمعه وبصره)) تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك. قوله: ((بحوله)) أي: بتحويله وصرفه الآفات عنها. قوله: ((وقوَّته)) أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما. ٢ - ((اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بها عِندَك أجراً، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْراً، وَاجْعَلْهَا

стр. 311

لي عِنْدَكَ ذُخْراً، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ)) (١). قوله: ((وِزْرَاً)) أي: ذنباً. قوله: ((ذخراً)) أي: كنزاً، وقيل: أجراً؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط أو مبطل. قوله: ((كما تقبَّلْتها من عبدك داود)) حين ﴿خَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ (٢). والصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، فُضِّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: ((نعم، ومن لم يسجدْهما فلا يقرأْهما)) (٣). والصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئاً من القرآن حتى يتطهَّر (٤)؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄، مع شدة اتباعه للسنة ((ينزل

стр. 312

عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد)) (١)]. الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد: ١ - ((التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ] وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) (٢). قوله: ((التحيات لله)): جمع تحية، والتحية هي التعظيم، فكل لفظ يدل على التعظيم فهو تحية، والمعنى: أن كل نوع من أنواع التحيات على سبيل العموم والكمال لا يكون إلا لله ، فنحن نُعَظِّم الله سبحانه ليس لأنه بحاجة إلى ذلك، ولكن هو أهل للتعظيم، فنعظِّمه لحاجتنا لذلك. قوله: ((والصلوات)) أي: والصلوات لله، أي: كل الصلوات: فرضها، ونفلها لله سبحانه، وجميع العبادات، وكل الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى هو مستحقها، لا أحد يستحقها، وليست حقّا لأحد سوى الله .

стр. 313

قوله: ((والطيبات)): منها: ما يتعلق بالله، ومنها ما يتعلق بأعمال العباد، فما يتعلق بالله فله من الأوصاف أطيبها، ومن الأعمال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، قال النبي ﷺ : ((إن الله طيب ... )) (١)، يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتَّصف إلا بالطيب، فالله سبحانه طيب في كل شيء: في ذاته، وصفاته، وأفعاله. وما يتعلق بأعمال العباد: القولية والفعلية، فله سبحانه منها الطيب، قال النبي ﷺ : (( ... لا يقبل إلا طيباً)) (٢)، فإن الطيب لا يليق به إلا الطيب، ولا يقدم له إلا الطيب، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ (٣)، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض، لا يصعد إلى السماء، وهو تعالى: لا يقبل إلاّ الطيب: من أقوال العباد، وأفعالهم، واعتقاداتهم. قوله: ((السلام عليك)) المراد بالسلام: اسم الله ؛ لأن النبي ﷺ قال: ((إن الله هو السلام)) (٤)، وقال الله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ (٥)، ومعنى سلام الله على الرسول، أي بالحفظ، والكلاءة، والعناية، فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتنٍ بك، حافظ لك من الآفات، وما أشبه ذلك.

стр. 314

وقيل: السلام بمعنى التسليم، أي: ندعو له بالسلامة من كل آفة، وإن قال قائل يكون هذا الدعاء في حياته ﵊ واضحاً، لكن بعد مماته، كيف يناسب أن ندعو له بالسلامة؟ والجواب ليس الدعاء بالسلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة؛ ولهذا كان دعاء الرسل أثناء عبور الناس الصراط: ((اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)) (١)، فالمرء لا ينتهي من المخاوف والآفات بمجرد موته. كما قد يكون السلام بمعنى أعم؛ وهو السلام على شرعه وسنته وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين. قوله: ((أيُّها النبي)): منادى حُذفت منه ((يا)) النداء، والأصل: يا أيها النبي، وقيل في حكمة وصفه ﷺ هنا بالنّبوّة؛ ليجتمع له الوصفان؛ فإنه وُصف بالرسالة في آخر التشهد، وإن كانت الرسالة تستلزم النبوة، فالتصريح بها أبلغ. قوله: ((ورحمة الله)) أي: ورحمة الله عليك، والرحمة إذا قُرِنت بالمغفرة، أو بالسلام، صار المراد بها: ما يحصل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعاً، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله ﷺ بالسلام، دعوت له بالرحمة؛ ليزول المرهوب، ويحصل له المطلوب. قوله: ((وبركاته)): جمع بِرْكَة: وهي الخير الكثير الثابت، فندعو

стр. 315

لرسول الله ﷺ أن يبارك فيه بكثرة أتباعه، وكثرة عمل أتباعه؛ لأن كل عمل صالح يفعله أتباع الرسول ﷺ فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة، وبهذا يُردُّ على من يُهدون ثواب القُرب إلى رسول الله ﷺ ؛ فإن هذا بدعة ضلالة. قوله: ((السلام علينا)): السلام هنا بنفس ما مضى في ((السلام عليك))، ونون الجماعة في ((علينا)) يراد بها الشخص نفسه، وجميع الأمة المحمدية، واستدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، ومنه قول نوح وإبراهيم ﵉ في القرآن. قوله: ((وعلى عباد الله الصالحين)): هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن عباد الله الصالحين هم: كل عبد صالح في السماء والأرض، حي أو ميت، من الآدميين والملائكة، والجن، وعباد الله هم الذين تعبَّدوا لله: أي تذللوا له بالطاعة امتثالاً للأمر، واجتناباً للنهي، فالعبادة مبنيَّةٌ على أمرين: الحب، والتعظيم. فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته؛ لأنك تحبه فتطلبه، وتعظمه فتخافه. وأما شرطا قبول العبادة فهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١). وعباد الله الصالحون هم الذين صلحت سرائرهم وظواهرهم بأمرين:

стр. 316

الأول: بإخلاص العبادة لله، والثاني: بمتابعة رسول الله ﷺ . وضد ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسرائر، وإما بالظواهر، فالمشرك فاسد بالسريرة، والمبتدع فاسد الظاهر؛ لأن بعض المبتدعة يريد الخير، لكنه فاسد الظاهر لم يمش على الطريق الذي رسمه رسول الله ﷺ ، والمشرك فاسد الباطن، ولو عمل عملاً ظاهره الصحة والصلاح مثل المرائي. قوله: ((أشهد أنْ لا إلهَ إلاَّ الله)): أشهد، أبلغ من قول: أُخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة لا تكون إلا عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه. وهذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل، ومعناها: لا معبود حق إلاّ الله. قوله: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)): شهادة بأن المصطفى ﷺ عبدٌ لله، لا شريك، فهو بشر مثلنا تميّز عنا بالوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة والأخلاق، وبأنه رسولٌ أرسله الله جلّ وعلا، وجعله واسطة بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه فقط (١). ٢ - ((التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ)) (٢).

стр. 317

((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)) تقديره: التحيات، والمباركات، والصلوات، والطيبات لله، ولكن حُذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة، ومعنى الحديث: إن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها لغيره (١). ٣ - ((التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) (٢). الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي ﷺ -: ١ - ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) (٣). قوله: ((اللهم)) معناها: يا الله، لكن حُذفت ((يا)) النداء، وعُوّض عنها بالميم، وجُعلت في الآخر تيمناً بالبداءة باسم الله ، وكانت ميماً، ولم تكن جيماً، ولا حاء مثلاً؛ لأن الميم أدل على الجمع؛ ولهذا

стр. 318

تجتمع الشفتان فيها، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ودعا. و ((اللهم)) ((الله)) منادى مبنيٌّ على الضّمِّ في محلّ نصب، ومعنى الله: أي: ذو الألوهية الذي يألَهُه كل من تعبّد له . ((صلِّ على محمد)) وأحسن ما قيل في معناها ما ذكره أبو العالية ﵀: أن صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند ملائكتك المقربين، وقيل: معناه عظِّمْهُ في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وما ورد بصيغة الأمر موجَّهاً من المخلوق إلى الخالق، فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق سبحانه. قوله: ((وعلى آل محمد)) أي: وصلِّ على آل محمد، وهم أتباعه على دينه، لكن لو قيل: وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه، صار المراد بآله: قرابته المؤمنون، وبأصحابه: من رآه مؤمناً به ومات على ذلك، وبأتباعه: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة. قوله: ((كما صليت على إبراهيم)): الكاف هنا للتعليل، وهنا توسل بفعل الله السابق لتحقيق الفعل اللاحق؛ يعني: كما أنك سبحانك سبق الفضل منك إلى إبراهيم ﵇ وأتباعه، فألحق الفضل منك على محمد ﷺ وأتباعه، فأتباع إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في أتباع محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﷺ ولأتباعه من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وأتباعه، وفيهم الأنبياء حصل لأتباع محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد ﷺ ، فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره (١). وقد اشتهر الخلاف والتساؤل بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: ((كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم))؛ لأن المقرر أن المشبه دون المشبه به, والواقع هنا عكسه؛ إذ أن محمداً ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ ، وقضية كونه أفضل؛ أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل. واستحسن كثير من العلماء قول من قال: ((إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء؛ حصل لآل محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد ﷺ ، فيحصل له من المزية

стр. 319

ما لا يحصل لغيره)). قال العلامة ابن القيم ﵀ مُعلِّقاً على هذا القول: ((وهذا أحسن ما قيل، وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)؛ قال ابن عباس: ((محمد من آل

стр. 320

إبراهيم))، وهذا نص [فإنه] إذا دخل (١) غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله؛ فدخول رسول الله ﷺ أولى؛ فيكون قولنا: ((كما صليت على آل إبراهيم)) متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله تعالى أن نُصلِّي عليه وعلى آله خصوصاً؛ بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ )). قال: ((ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه؛ صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله - وفيهم النبيون - ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته)) (٢). قوله: ((إنك حميد مجيد)): حميد بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول،
следующие страницы →