← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأول: بإخلاص العبادة لله، والثاني: بمتابعة رسول الله ﷺ . وضد ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسرائر، وإما بالظواهر، فالمشرك فاسد بالسريرة، والمبتدع فاسد الظاهر؛ لأن بعض المبتدعة يريد الخير، لكنه فاسد الظاهر لم يمش على الطريق الذي رسمه رسول الله ﷺ ، والمشرك فاسد الباطن، ولو عمل عملاً ظاهره الصحة والصلاح مثل المرائي. قوله: ((أشهد أنْ لا إلهَ إلاَّ الله)): أشهد، أبلغ من قول: أُخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة لا تكون إلا عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه. وهذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل، ومعناها: لا معبود حق إلاّ الله. قوله: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)): شهادة بأن المصطفى ﷺ عبدٌ لله، لا شريك، فهو بشر مثلنا تميّز عنا بالوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة والأخلاق، وبأنه رسولٌ أرسله الله جلّ وعلا، وجعله واسطة بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه فقط (١). ٢ - ((التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ)) (٢).

стр. 317

((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)) تقديره: التحيات، والمباركات، والصلوات، والطيبات لله، ولكن حُذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة، ومعنى الحديث: إن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها لغيره (١). ٣ - ((التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) (٢). الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي ﷺ -: ١ - ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) (٣). قوله: ((اللهم)) معناها: يا الله، لكن حُذفت ((يا)) النداء، وعُوّض عنها بالميم، وجُعلت في الآخر تيمناً بالبداءة باسم الله ، وكانت ميماً، ولم تكن جيماً، ولا حاء مثلاً؛ لأن الميم أدل على الجمع؛ ولهذا

стр. 318

تجتمع الشفتان فيها، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ودعا. و ((اللهم)) ((الله)) منادى مبنيٌّ على الضّمِّ في محلّ نصب، ومعنى الله: أي: ذو الألوهية الذي يألَهُه كل من تعبّد له . ((صلِّ على محمد)) وأحسن ما قيل في معناها ما ذكره أبو العالية ﵀: أن صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند ملائكتك المقربين، وقيل: معناه عظِّمْهُ في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وما ورد بصيغة الأمر موجَّهاً من المخلوق إلى الخالق، فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق سبحانه. قوله: ((وعلى آل محمد)) أي: وصلِّ على آل محمد، وهم أتباعه على دينه، لكن لو قيل: وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه، صار المراد بآله: قرابته المؤمنون، وبأصحابه: من رآه مؤمناً به ومات على ذلك، وبأتباعه: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة. قوله: ((كما صليت على إبراهيم)): الكاف هنا للتعليل، وهنا توسل بفعل الله السابق لتحقيق الفعل اللاحق؛ يعني: كما أنك سبحانك سبق الفضل منك إلى إبراهيم ﵇ وأتباعه، فألحق الفضل منك على محمد ﷺ وأتباعه، فأتباع إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في أتباع محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﷺ ولأتباعه من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وأتباعه، وفيهم الأنبياء حصل لأتباع محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد ﷺ ، فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره (١). وقد اشتهر الخلاف والتساؤل بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: ((كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم))؛ لأن المقرر أن المشبه دون المشبه به, والواقع هنا عكسه؛ إذ أن محمداً ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ ، وقضية كونه أفضل؛ أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل. واستحسن كثير من العلماء قول من قال: ((إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء؛ حصل لآل محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد ﷺ ، فيحصل له من المزية

стр. 319

ما لا يحصل لغيره)). قال العلامة ابن القيم ﵀ مُعلِّقاً على هذا القول: ((وهذا أحسن ما قيل، وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)؛ قال ابن عباس: ((محمد من آل

стр. 320

إبراهيم))، وهذا نص [فإنه] إذا دخل (١) غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله؛ فدخول رسول الله ﷺ أولى؛ فيكون قولنا: ((كما صليت على آل إبراهيم)) متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله تعالى أن نُصلِّي عليه وعلى آله خصوصاً؛ بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ )). قال: ((ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه؛ صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله - وفيهم النبيون - ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته)) (٢). قوله: ((إنك حميد مجيد)): حميد بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول،

стр. 321

فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمد على ما له من صفات الكمال في ذاته، وصفاته، وأفعاله بألسنة خلقه. وأما ((مجيد)) فهي: فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد، والمجد هو: العظمة وكمال السلطان، وهو كالتعليل لما قبله؛ لأن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه في الملأ الأعلى، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد. قوله: "اللهم بارك على محمد" أي: أنزل البركة على محمد ﷺ ، والبركة مأخوذة من البِرْكَةِ، وهو مجتمع الماء، ولا يكون إلا على وجه الكثرة، والقرار، والثبوت، وعليه: فالبركة هي كثرة الخيرات، ودوامها، واستمرارها في العمل، وفي الأثر: أما البركة في العمل: فبأن يوفق الله الإنسان لعمل لا يوفق له من نُزعت منه البركة. وأما البركة في الأثر: فبأن يكون لعمله آثارٌ جليلة نافعة ينتفع بها الناس، ولا شك أن بركة النبي ﷺ لا نظير لها؛ وذلك لأن الله جعل أمته أكثر الأمم؛ ولأن اجتهادهم في الخير أكثر من اجتهاد غيرهم، فبورك له ﷺ فيمن اتبعه، وبورك له في عمل من اتبعه. قوله: ((وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم)) توسلٌ بفعل الله السابق إلى فعله اللاحق، كأنك تقول: كما أنك يا رب قد تفضّلت على أتباع إبراهيم، وباركت عليهم، فبارك على محمد ﷺ وأتباعه (١).

стр. 322

٢ - ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) (١). ٣ - ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ؛ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ)) (٢). فائدة: لا يُشرع تلفيقُ صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، وكذلك صيغ الاستفتاحات، لا يجمع بين ذلك، بل ذلك بدعة في الدين، وإنما السنة أن يقال هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وَطَرْدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَذْكُرَ التَّشَهُّدَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَأَنْ يُقَالَ الِاسْتِفْتَاحُ بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ، بَلْ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ، فَهُوَ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ، فَاسِدٌ فِي الْعَقْلِ)) (٣). ٤ - ((اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى أزواجِهِ وذُرِّيتهِ، كمَا صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْراهيمَ، وبَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ، وَعَلَى أزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كمَا

стр. 323

بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيْمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ)) (١). الثالث عشر: فهم وتدبُّر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة: ١ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) (٢). قوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ)) أي: من العذاب الحاصل منها، وقد ورد في صفات جهنم، وصفات العذاب فيها في الكتاب والسنة ما تقشعرّ منه الجلود، نسأل الله السلامة منها، والاستعاذة هنا تشمل عذاب جهنم، ومن فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما عصمة من الذنوب، فهنا إعاذة الله من فعل السبب، وإما عفو عن الذنوب، وهنا إعاذة الله من أثر السبب. قوله: ((عذاب القبر)): أي: من عذاب البرزخ الذي بين موت الداعي، وبين قيام الساعة، فليس المراد بالقبر هنا مدفن الميت؛ لأن الإنسان حقيقة لا يدري هل يموت ويدفن؟ أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق ويكون رماداً، فالداعي يستحضر بهذا القول: العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.

стр. 324

قوله: ((ومن فتنة المحيا والممات)): أي: اختبار المرء في دينه في حياته، وفي مماته، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات، أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، وهي فتنة عظيمة وشديدة، وقلّ من يتخلَّص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين: شبهات، وشهوات. أما الشبهات - ومنشؤها الجهل - فتعرض للإنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقاً، والحق باطلاً، وإذا رأى الحق باطلاً تجنبه، وإذا رأى الباطل حقاً فعله، وهذه فتنة عظيمة؛ فما أكثر الذين يرون الربا حقاً فينتهكونه، وما أكثر الذين يرون غش الناس في البيع والشراء شطارة وجودة، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذاً وتمتعاً وحُرِّيَّة. وأما الشهوات - ومنشؤها الهوَى - فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده فله هوى مخالف لما جاء به النبي ﷺ ، فأنت تسأل الله العافية من أمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات. وأما فتنة الممات فيراد بها ما يكون عند الموت في آخر الحياة، وما يكون بعد الموت مباشرة من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيِّه، والإنسان عند موته ووداع العمل صائر إمَّا إلى سعادة، وإمَّا إلى شقاوة، ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى

стр. 325

أنه - كما قال أهل العلم - قد يعرض للإنسان الأديان اليهودية والنصرانية بصورة أبيه وأمه، والعياذ بالله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وعرض الْأَدْيَان عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَ أَمْراً عَامّاً لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا هُوَ أَيْضاً مَنْفِيّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، بَلْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا الَّتِي أَمَرَنَا الرسول ﷺ أَنْ نَسْتَعِيذَ فِي صَلَاتِنَا مِنْهَا، وَوَقْت الْمَوْتِ يَكُونُ الشَّيْطَانُ أَحْرَصَ مَا يَكُونُ عَلَى إغْوَاءِ بَنِي آدَمَ)) (١). قوله: ((ومن شر فتنة المسيح الدجال)): المسيح الدجال أعظم فتنة في الدنيا على وجه الأرض منذ خُلق آدم ﵇ إلى قيام الساعة، كما قال ذلك النبي ﷺ ؛ ولهذا ما من نبيٍّ من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم إلا أنذر قومه منه، تنويهاً بشأنه، وتحذيراً منه. وفتنة المسيح الدجال من فتن الدنيا؛ لأن الأموات قد سلموا من فتنته. وهذه الفتن الأربع هي مجامع الشرِّ كله؛ فإن الشر إما عذاب الآخرة، وإما سببه، والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ، وعذاب في الآخرة، وأسبابه: الفتنة، وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات، والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال؛ فإن المفتون فيهما لا يتداركها (٢). ٢ - ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة

стр. 326

المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) (١). قوله: ((المأثم والمغرم)): المأثم هو الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، والمغرم هو الدَّين، بدليل تمام الحديث: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله فقال: ((إن الرجل إذا غرم: حَدَّث فكذب، ووعد فأخلف))، ويُراد به ما استدين فيما يكرهه الله تعالى، أو فيما يجوز، ثم عجز عن أدائه، فأما دينٌ احتيج إليه شرعاً، ويقدر على أدائه فلا يستعاذ منه (٢). ٢ - ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)) (٣). قوله: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)): فيه أن الإنسان كثير التقصير، وإن كان صدِّيقاً؛ لأن النعم عليه كثيرة، وقوته لا تطيق بأداء أقل القليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم - أيضاً-، فيحتاج إلى شكر هو أيضاً، فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير. وقُدِّم هذا الاعتراف على سؤال المغفرة تأدُّباً، كما وقع لأبينا آدم وأُمِّنا حواء ﵉ في قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٤).

стр. 327

٤ - ((اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت)) (١). قوله: ((أنت المقدم)) أي: ما تشاء إلى رحمتك بتوفيقه إلى طاعتك. قوله: ((وأنت المؤخر)) لمن تشاء عن رحمتك بعدم توفيقه لطاعتك، كما اقتضته حكمتك (٢). ٥ - ((اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٣). قوله: ((ذكرك)) يشتمل على جميع أنواع الثناء حتى قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم الديني، وغير ذلك من أنواع الذكر المشروع. وإنما قَدَّم الذكر على الشكر؛ لأن العبد إذا لم يكن ذاكراً لم يكن شاكراً، كما تقَدَّمَ في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٤). قوله: ((وحُسنِ عبادتك)) قيد بالحسن؛ لأن العبادة الحسنة هي العبادة الخالصة، فالعبادة إذا لم تكن خالصة [صواباً على السنة] لا تقبل، ولا تنفع صاحبها (٥). ٦ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأعُوذُ

стр. 328

بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا, وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)) (١). قوله: ((البخل)) أي: منع إنفاق المال، بعد الحصول عليه، وحبه وإمساكه. قوله: ((الجبن)) أي: تَهَيُّب الإقدام على ما لا ينبغي أن يُخاف. قوله: ((أن أُردَّ إلى أرذلِ العمر)) هو البلوغ إلى حدٍّ في الهرم، يعود معه كالطفل؛ في سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة. والأرذل: هو الرَّديء من كل شيء. قوله: ((فتنة الدنيا)) ومعنى الفتنة: الاختبار، قال شعبة ﵀: ((يعني: فتنة الدَّجَّال))، وفي إطلاق الدنيا على الدجال، إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صريحاً في قول النبيّ ﷺ : ((إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال)) (٢). ومعنى ((ذرأ)): خلق. قوله: ((عذاب القبر)) فيه إثبات لعذاب القبر؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ ومَا دينك؟ ومَن نبيك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣)؛

стр. 329

فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبةٍ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين: الإنس والجن (١)، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب!! ٧ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) (٢). أي: اللهم إني أطلب منك الفوز بالجنة، وأن تجيرني من عذاب النار. ويتضمن هذا الدعاء طلب التوفيق والهداية إلى الأعمال الصالحة المبتغى بها وجه الله تعالى، التي هي سبب للفوز بالجنة، وطلب البعد عن الأعمال السيئة، التي هي سبب لعذاب النار (٣). ٨ - ((اللَّهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أحْيِني مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْراً لِي، وتَوَفَّنِي إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْراً لي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا والغَضَبِ، وأسْألُكَ القَصْدَ فِي الغِنَى والفَقْرِ، وأسْألُكَ نَعِيماً لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِيْنَةِ

стр. 330

الإيْمَانِ، واجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) (١). قوله: ((ما علمت الحياة خيراً لي)) أي: إذا كانت الحياة خيراً لي في علمك للغيب، وكذلك التقدير في قوله: ((وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)) أي: إذا كانت الوفاة خيراً لي في علمك. قوله: ((خشيتك في الغيب والشهادة)) أي: فيما غاب عني وفيما أشاهده، والمراد منه: الخشية في جميع الأحوال. قوله: ((كلمة الحق)) أي: التكلم بالحق؛ والمراد: العون والتوفيق على التكلم بالحق. قوله: ((في الرضا والغضب)) أي: في حالة الرضا وحالة الغضب، أو المعنى: عند رضاء الراضي، وعند غضب الغاضب. قوله: ((القصد)) القصد من الأمور؛ أي: المعتدل الذي لا يميل على أحد طرفي التفريط والإفراط؛ يعني: أسألك الاعتدال والوسط في الفقر والغنى، لا فقراً بالتفريط، ولا غِنَىً بالإفراط؛ لأن الفقر جداً يستدعي ترك الصبر، المؤدي إلى ارتكاب الطعن في التقدير، والتكلم بأنواع البشاعة، والغنى جداً يؤدي إلى الطغيان والفساد، وخير الأمور أوسطها. قوله: ((نعيماً لا ينفد)) أي: لا يفرغ، وهو نعيم الجنة. قوله: ((قرة عين لا تنقطع)) كناية عن السرور والفرح، يقال: قرَّتْ

стр. 331

عيناه؛ أي: سُرَّ بذلك وفرح، وقيل معناه: بلوغ الأُمنية حتى ترضى النفس، وتسكن العين، ولا تستشرف إلى غيره. قوله: ((وأسألك الرضا بعد القضاء)) أي: بعد قضائك عليَّ بشيء من الخير والشر؛ أما في الخير فيرضى به ويقنع به، ولا يتكلَّف في طلب الزيادة، ويشكر على ما أوتي به، وأما في الشر فيصبر عليه ولا يكفر. قوله: ((وأسألك برد العيش بعد الموت)) كناية عن الراحة بعد الموت. قوله: ((وأسألك لذة النظر إلى وجهك)) إنما سأل هنا لذَّة النظر ولم يكتف بسؤال النظر، مبالغة في الرؤية وكثرتها؛ لأنه فرق بين رؤية ورؤية. قوله: ((والشوق)) أي: أسألك لذة الشوق إلى لقائك؛ والشوق هو تعلق النفس بالشيء. قوله: ((في غير ضراء)) متعلّق بقوله: ((أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي)) أي: أحيني إذا أردت حياتي في غير ضراء مضرّة، ولا فتنة مضلّة، وتوفني إذا أردت وفاتي في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة عند الموت. والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء. ووصف الضراء بالمضرة، والفتنة بالمضلة للتأكيد والمبالغة. قوله: ((اللهم زينا بزينة الإيمان)) أي: بشرائعه؛ لأن الشرائع زينة الإيمان؛ يعني: وفقنا لأداء طاعتك وإقامة شرائعك، حتى تكون لنا زينة في الدنيا والآخرة. قوله: ((هداة)) جمع هادي؛ أي: اجمع لنا فينا بين الهدى

стр. 332

والاهتداء (١). ٩ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ يَا أللهُ بأنَّكَ الوَاحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ, أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)) (٢). قوله: ((بأنك)) الباء سببية؛ أي: بسبب أنك الواحد. قوله: ((الواحد الأحد)) لا فرق بين الواحد والأحد؛ أي: الفرد الذي لا نظير له، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله تعالى؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. قوله: ((الصمد)) هو الذي يُصمد إليه في الحاجات؛ أي: يُقصد لكونه قادراً على قضائها، قال الزجاج ﵀: ((الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد، فلا سيد فوقه))، وقيل: هو المستغني عن كلِّ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، وقيل: هو الذي لا جوف له؛ قال الشعبي ﵀: ((هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب)). قوله: ((الذي لم يلد ولم يولد)) أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قوله: ((كفواً)) أي: مثلاً ونداً ونظيراً (٣). ١٠ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لَا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، وَحْدَكَ

стр. 333

لا شَرِيكَ لَكَ، المَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَواتِ والأرْضِ، يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) (١). قوله: ((المنَّان)) أي: كثير العطاء، من المنَّة بمعنى النِّعمة، والمنَّة مذمومة من الخلق؛ لأنهم لا يملكون شيئاً، قال صاحب ((الصحاح)): ((مَنَّ عليه هنا؛ أي: أنعم، والمنَّان من أسماء الله تعالى)). قوله: ((يا بديع السموات والأرض)) أي: مبدعها ومخترعها لا على مثال سبق. قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)) أي: صاحب العظمة، والسلطان والإنعام، والإحسان. وجاء في نهاية الحديث؛ قوله ﷺ : ((لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعْطَى)). قال الطيبي ﵀: ((فيه دلالة على أن لله تعالى اسماً أعظم إذا دُعي به أجاب)). قال الشوكاني ﵀: ((قد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولاً)). قال ابن حجر ﵀: ((وأرجحها من حيث السند: الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً

стр. 334

أحد)). وقال الجزري ﵀: ((وعندي أن الاسم الأعظم: لا إله إلا هو الحي القيوم)). ورجح ذلك ابن القيم وغيره، والله أعلم (١). ١١ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأَنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ)) (٢). وتقدم شرحه قبل حديث واحد. ١٢ - ((السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)) (٣) (٤)، تقدّم معنى السلام في شرح كلمات التشهد، والسنة أن ينوي بالسلام الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين عن يمينه وشماله، وعلى الملائكة؛ لأدلة منها قول النبي ﷺ : (( ... ثم يسلم على أخيه: من على يمينه وشماله)) (٥).

стр. 335

الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة ١ - ((أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) (١). قوله: ((أستغفر الله)) السنة أن يستغفر المصلي بعد سلامه ثلاث مرات - والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه - تحقيراً لعمله، وتعظيماً لجناب ربه جل وعلا، وكذلك ينبغي أن يكون حال العبد، فيلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه، وعمله لديه، فيزداد تضرُّعاً واستغفاراً، كلما يزداد عملاً، وقد مدح الله تعالى أهل الاستغفار بعد القيام بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ (٢). قوله: ((اللهم أنت السلام)): السلام من أسماء الله تعالى، أي: أنت السالم مما يلحق الخلق: من المعائب، والآفات، والحوادث، والتغيّر، ومن كلّ نَقْصٍ، وقيل: المُسلِّم على الأنبياء ﵈ في الدنيا، وعلى المؤمنين في الجنة. قوله: ((ومنك السلام)): هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تعطي السلامة من الآفات الدنيوية والأخروية، ومنك يطلب السلام، ويرجى، ويستوهب، ويستفاد. قوله: ((تباركت)): من البِرْكَةِ: وهي: الكثرة، والنماء، والزيادة، والدوام: والمعنى: تعاليت، وتعاظمت، وكثرت خيراتك واتسعت، وتزايد برك.

стр. 336

قوله: ((يا ذا الجلال والإكرام)) الجلال: والعظمة، والإكرام: الإحسان، وهو المستحق لأن يهاب؛ لسلطانه، وجلاله، ويُثني عليه بما يليق بعلو شأنه، والجلال مصدر الجليل، يقال: جليل بيِّن الجلالة، والجلال: عظم القدر، فالمعنى: أن الله تعالى مستحق أن يُجَلَّ، والإكرام: مصدر أكرم يكرم، فالمعنى: أن الله مستحق أن يُجَلَّ ويُكرم فلا يُجحد، ولا يكفر به، وهو الرب المستحق للعبادة، والإجلال والإكرام (١). ٢ - ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ)) (٢). هذا الذكر مستحب لما فيه من ألفاظ التوحيد، ونسبة صفات الكمال إلى الله، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة، فأوَّله كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل ﵈، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وكلما عظُم إيمان العبد بهذه الكلمة؛ ازداد نورها في قلبه واشتد، وأحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهةً، ولا شهوةً، ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئاً فأي ذنب، أو شهوة، أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها (٣). قوله: ((له الملك، وله الحمد)): له الملك أي له سبحانه التصرف في

стр. 337

السموات والأرض، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، والحمد هو الوصف بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والألف واللام في ((الحمد)) لاستغراق جميع أجناس الحمد، وصنوفه لله تعالى. قوله: ((لا مانع لما أعطيت)) أي: لا مانع لما أردت إعطاءه، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١)، فلا أحد يقدر على منع ما أعطيت أحداً من عبادك، فإذا أراد الله أن يعطي أحداً شيئاً، واجتمع الجن والإنس على منعه، فإنهم يعجزون عن ذلك. قوله: ((ولا معطي لما منعت)) أي: ولا أحد يقدر على إعطاء ما منعت. قوله: ((ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)) بفتح الجيم في اللفظين: هو الحظ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان: أي: لا ينفع صاحب الغنى منك، ولا من عذابك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح بفضلك ورحمتك (٢). ٣ - ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)) (٣).

стр. 338

قوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)): الحول بمعنى التحوّل، أي لا تحوَّل من حال إلى حال إلا بالله جل وعلا، والقوة: أخص من القدرة، والباء في قوله ((إلا بالله)) للاستعانة، والمعنى: لا أستطيع ولا أقوى على التحوّل إلا بمعونة الله، فكل إنسان لا يستطيع أن يتحوّل من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها إلا بالله تعالى. قوله: ((ولا نعبد إلا إياه)) أي عبادتنا مقصورة على الله، غير متجاوزة عنه. قوله: ((له النعمة)):أي النعمة الظاهرة والباطنة. قوله: ((وله الفضل)): أي في كل شيء ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١): وهو الإنعام والإكرام. وقوله: ((والثناء الحسن)) أي الذكر الجميل، وهو تكرار الوصف بالكمال. والثناء الحسن: يشمل أنواع الحمد، والمدح، والشكر، ولا نُحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه. ((مخلصين له الدين)) أي: مخلصين له العبادة، لا نشرك فيها غيره شركاً أصغر، ولا أكبر، ولو كره الكافرون الإخلاص في العبادة له جل وعلا. قوله: ((ولو كره الكافرون)) أي وإن كره الكافرون، ومفعوله محذوف تقديره: ولو كرهوا كوننا مخلصين لله، وكوننا عابدين له (٢).

стр. 339

٤ - ثم يذكر الله تعالى بنوعٍ من الأنواع الآتية: النوع الأول: ((سبحان الله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الحمد لله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الله أكبر)) ثلاثاً وثلاثين، ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) مرة واحدة (١). النوع الثاني: ((سبحان الله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الحمد لله)) ثلاثاً وثلاثين، ((الله أكبر)) أربعاً وثلاثين (٢). النوع الثالث: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر)) ثلاثاً وثلاثين (٣). النوع الرابع: ((سبحان الله)) خمساً وعشرين، ((الحمد لله)) خمساً وعشرين، ((الله أكبر)) خمساً وعشرين، ((لا إله إلا الله)) خمساً وعشرين (٤). النوع الخامس: ((سبحان الله)) إحدى عشرة، ((الحمد لله)) إحدى عشرة، ((الله أكبر)) إحدى عشرة (٥). النوع السادس: ((سبحان الله)) عشر مرات، ((الحمد لله)) عشر مرات،

стр. 340

((الله أكبر)) عشر مرات (١). و ((الأولى - كما قال الحافظ ابن حجر ﵀ البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الله ، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذْ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده بجميع ذلك)) (٢). ٥ - يقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣). قوله : ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾: إخبار بأنه سبحانه المنفرد بالإلهِيَّةِ لجميع الخلائق [ولفظ الجلالة عَلَمٌ خاص بالذَّات العليَّة، فهو سبحانه الإله الحق، وما سواه من الآلهة فهو باطل، و ((إله)) بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود: حباً، وتعظيماً، وخوفاً، ورجاءً]. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: هذان اسمان من أسماء الله ﵎، وهما جامعان لكمال الأوصاف والأفعال؛ فكمال الأوصاف في ((الْحَيُّ))، وكمال الأفعال في ((الْقَيُّومُ))؛ لأن معنى الحي: ذو الحياة الكاملة التي لم تسبق

стр. 341

بعدم، ولا يلحقها زوال، فالله الحيُّ في نفسه، الذي لا يموت أبداً، ومعنى القيّوم: القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى أكل وشرب، ولا مُعين، ولا ناصر، والقائم على غيره بما كسب، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيٌّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، ومن تمام القَيُّوميَّة أن لا يعتريه سنة ولا نوم. قوله : ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقصٌ، ولا غفلةٌ، ولا ذهولٌ عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، وقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ﴾: لا تغلبه سِنَةٌ وهي الوسن والنعاس؛ ولهذا قال: ((وَلاَ نَوْمٌ))، لأنه أقوى من السِّنة. [ولم يقل: ((لا ينام)) حتى يشمل الأخذ بالغلبة، والأخذ بالاختيار، ولو قلت لا ينام، فقد يكون معناه: لا ينام اختياراً، لكن الله لا ينام لا بالغلبة، ولا بالاختيار]. قوله : ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: إخبار بأن الجميع عبيده، وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه. قوله : ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾: هذا من عظمة الله وجلاله، وكبريائه ، وأنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه ((إِلاَّ بِإِذْنِهِ))، إلا أن يأذن له في الشفاعة، حتى أعظم الناس جاهاً عند الله محمد ﷺ لا يشفع إلا بإذن الله] كما في حديث الشفاعة الطويل، عن النبي ﷺ ، وفيه: ((فأستأذن على ربي فيُؤذن لي، ويُلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخرُّ له ساجداً، فَيُقَال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تُعطَ،

стр. 342

واشفع تُشفَّع ... )) (١). قوله : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: دليل على إحاطة علمه سبحانه بجميع الكائنات: ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها. قوله : ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾: أي: لا يطَّلع أحد على شيء من علم الله إلا بما أعلمه الله جل وعلا وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته، وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمِاً﴾ (٢). قوله : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾: والصحيح أن الكرسي موضع القدمين، وأنه غير العرش، والعرش أكبر منه، قال ابن عباس ﵄: ((الكرسي موضع القدمين والعرش: لا يقدر أحد قدره)) (٣)، [وسع: بمعنى شمل وأحاط، والكرسي موضع قدمي الرب سبحانه، وهو بين يدي العرش كالمقدمة له]. قوله : ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: أي: لا يُثقله، ولا يكترثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما؛ بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو سبحانه القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة، صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعّال لما يريد، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، والحسيب لكل شيء.

стр. 343

قوله : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾: العليُّ أي: ذو العلو المطلق، والعلو: صفة من صفات الله تعالى، ومعنى العلو المطلق: علو الذات، وهو أنه تعالى مستوٍ على عرشه، استواء يليق بجلاله، وله القدر، وله علوُّ القهر. والعظيم: أي: ذو العظمة، والعظيم من كل شيء، الذي يكون بالغ الأهمية، وبالغ الصفات، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه (١). ٦ - يقرأ سورة الإخلاص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾: قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ أي: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يُطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته، وأسمائه، وأفعاله. قوله : ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في طلب حوائجهم، ومسائلهم، وهو السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، وهذه صفة لا تنبغي إلا له، وليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار. قوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد﴾ أي: ليس له ولد ولا والد، ولا صاحبة.

стр. 344

قوله : ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ يعني: ليس له نظير يساميه، أو قريب يدانيه: تعالى، وتقدَّس، وتنزَّه، قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ (٢). قال النبي ﷺ : ((قال الله : كذَّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إيّاي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد)) (٣) (٤). ٧ - يقرأ سورة الفلق: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق * مِن شَرِّ مَا خَلَق * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾ (٥).

стр. 345

قوله : ((قُلْ)) أمرٌ: أي أمرك أن تقول ... قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾: الاستعاذة هي: الالتجاء، والاعتصام، والاستجارة بالله سبحانه، أي: ألجأ، وأعتصم، وأستجير، والفلق الصبح، وذلك: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَق﴾ أي من شر جميع المخلوقات، والشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إمّا ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك الشر: بفعله، وقصده، وسعيه، فيكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين، وأدومهما وأشدهما اتصالاً بصاحبه. وإمَّا شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلَّف كالإنسان والجني، أو غير مكلَّف كالهوام، وذوات السموم، وغيرها: فتضمنت هذه الاستعاذة في هذه السورة الاستعاذة من الشرور كُلِّها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدلّه على المراد، وأعمّه استعاذةً، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه. والقسم الأول هو أعظم الشرين، وأدومهما، وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته، فإن الله إذا أنعم على عبده بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها، في نفسه: قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، فما حُفِظَتْ نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شُكْره، قال الله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ (٢)، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه؛ فإنها - أي

стр. 346

المعصية - نار النِّعم التي تعمل فيه كما تعمل النار في الحطب اليابس (١). قوله : ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب﴾ الغاسق: هو الليل إذا أقبل بظلامه، فإن الشر فيه أكثر، والتحرز من الشرور فيه أصعب، وقد أخبر النبي ﷺ أن الشمس إذا غربت، انتشرت الشياطين؛ ولهذا قال ﷺ : ((لا ترسلوا فواشيكم (٢) وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء)) (٣) قوله : ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ النفاثات: هي الأرواح والأنفس الشريرة، وهنَّ السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث: النفخ مع ريق، والعقد: جمع عقدة، وهي من خيوط كما تقدم. قوله : ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد: تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود، وهي: كراهة نعمة الله على الغير، ويدخل في معنى الحاسد: العائن؛ لأن العين لا تصدر إلا من حاسدٍ شرّير الطبع، خبيث النفس، وهذا غير حسد الغبطة: وهو أن يتمنَّى أن يرزقه الله مثل فلان من الخير، مع محبته أن تبقى النعمة ولا تزول، وهذا لا بأس به.

стр. 347

ومعنى ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ أي: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وحمله على إيقاع الشر بالمحسود (١). ٧ - يقرأ سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾. قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاس﴾ هذه ثلاث صفات من صفات الرب : الربوبية، والملك، والإلهيَّة، فهو سبحانه ربُّ كل شيء، فربوبيته تعالى: متضمنة لخلق الخلق، وتدبيرهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، وما يحتاجون إليه، ورفع الشر عنهم، وحفظهم مما يفسدهم، وهو مليك كلّ شيء: فهو مليكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكه، المدبِّر لهم كما يشاء، الذي له السلطان التام عليهم، فهو مليكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم، ومعاذهم، وملجؤهم، فلا صلاح لهم، ولا قيام إلا به وبتدبيره. وهو إله كل شيء، فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله لهم حق سواه. فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة، عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات. قوله : ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس﴾: وهو الشيطان الموكَّل بالإنسان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وَسْوَسَ، فإذا ذكر الله خنس؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيِّن له الفواحش،

стр. 348

والمعصوم من عصمه الله، قال النبي ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكّل الله به قرينه من الجن)) قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير))، وفي لفظ: ((وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)) (١). قوله : ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ أي: الموسوس، والوسوسة هي حديث النفس. قوله : ﴿الْخَنَّاس﴾ أي: كثير الخنس، والخنس: التواري والاختفاء، ووصف الشيطان بالخنَّاس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّس﴾ (٢)، يعني النجوم تبدو بالليل، وتخنس بالنهار فتختفي ولا تُرى. قوله : ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾ تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن، أي: نعوذ بالله من شياطين الجن والإنس، والجِنَّة: جمع جني. وكل شر في العالم فالشيطان سبب فيه، ولكن يمكن حصر شره في ستة أجناس، فلا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحداً منها أو أكثر: الشر الأول: شر الكفر والشرك، ومعاداة الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن يئس منه ذلك، نقله إلى: المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحبّ إليه من الفسوق والمعاصي، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبدُ ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى: المرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فإن

стр. 349

عجز الشيطان عن هذه المرتبة، نقله إلى: المرتبة الرابعة، وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، نقله إلى: المرتبة الخامسة، وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظاً لوقته، شحيحاً به، نقله إلى: المرتبة السادسة، وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليزيح عنه الفضيلة، ويفوِّته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول، وقلّ من يتنبه لهذا من الناس، فإن أعجزه العبد عن هذه المراتب الست، وأعيا عليه سلّط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى (١)، والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه ليمنع الناس من الانتفاع به (٢). السبب الثامن والأربعون: التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة: المصلِّي إذا حافظ على السنة في قراءة الاستفتاحات في الصلاة بأنواعها: فيقرأ هذا النوع تارة، والنوع الآخر تارة أخرى، والثالث تارة ثالثة، وقد سبق أن ذكرت منها في فهم وتدبر معاني الاستفتاح ثمانية أنواع، فإذا حافظ المسلم على هذه الأنواع منوِّعاً لها في صلواته حصل على الخشوع، وعلى ثواب العمل بالسنة، وعلى

стр. 350

حفظ هذه الاستفتاحات (١). وكذلك ينوِّع في قراءته للقرآن في الصلاة، فيلتزم السنة فيما يقرأ في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء كما جاءت به السنة، وكذلك قراءة سورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة سبح اسم ربك الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة تارة، والجمعة والمنافقون تارة أخرى، والجمعة والغاشية تارة ثالثة، كما ثبتت السنة بذلك عن النبي ﷺ (٢). وكذلك تنويع أذكار الرفع من الركوع بعد قوله: ((سمع الله لمن حمده))، فتارة يقول: ((ربنا لك الحمد))، وتارة يقول: ((ربنا ولك الحمد))، وتارة يقول: ((اللهم ربنا لك الحمد))، وتارة يقول: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) (٣). وكذلك تنويع الأذكار أدبار الصلوات كما جاءت بذلك سنة النبي ﷺ ، فقد ذكرت في فهم وتدبر الأذكار بعد السلام من الصلاة أنواع التسبيح، وأنها قد جاءت على ستة أنواع، فيقول المسلم كلَّ نوعٍ في دبر صلاةٍ من صلواته (٤). وكذلك ينوِّع في قراءة التشهد، فإنه جاء في السنة على أنواع (٥).

стр. 351

وأيضاً الصلاة على النبي ﷺ جاءت على أنواع (١). فإذا فعل المسلم ذلك حصل له الخشوع في صلاته بتوفيق الله تعالى. السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة: الدعاء مناجاةٌ لله تعالى، فإذا اجتهد العبد في الدعاء، والتذلُّل لله فيه، والإلحاح، والطلب منه تعالى؛ فإن هذا مما يزيد العبد محبة لربِّه، وخشوعاً، وتذلُّلاً، ورغبة فيما عنده، ورهبة من عذابه، والدعاء في الحقيقة عبادة عظيمة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((الدعاء هو العبادة، قال ربّكم: ((ادعوني أستجب لكم)) (٢)، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) (٣). وقد شرع الله تعالى الدعاء في الصلاة في مواضع ومواطن أثناء أداء المسلم للصلاة، ومن أعظم هذه المواضع: الدعاء في السجود، فينبغي أن يجتهد المسلم في الدعاء في السجود؛ لقول النبي ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) (٤)، وقوله ﷺ : (( ... وأما الركوع فعظموا فيه الربّ

стр. 352

[ ]، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (١) أن يستجاب لكم)) (٢). فحرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء في السجود، وقد شرع النبي ﷺ أدعية كثيرة للدعاء في السجود (٣)، وأذكار الركوع، والدعاء بها (٤)، وأذكار الرفع من الركوع، وبعد الاعتدال منه (٥)، وأذكار الجلسة بين السجدتين (٦)، والدعاء قبل السلام بعد التشهد الأخير (٧). فينبغي للمسلم أن يجتهد في ذلك، ويقتدي بالنبي ﷺ في ذلك، ويدعو الله وهو موقن بالإجابة، ويجمع بين الخوف من الله تعالى ورجائه، مع المحبة لله تعالى. قال العلامة ابن القيم ﵀: ((القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائرُ يطير جيداً، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى

стр. 353

فُقِدَ الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوِّي في الصحة جناح الخوف، وعند الخروج من الدنيا يقوِّي جناح الرجاء على جناح الخوف)). وقال بعض السلف: ((أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنّه وكرمه)) (١). قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٢). فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه: بالعبوديَّة، والمحبة، فقد ذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء (٣). ومع ذلك ينبغي أن يكون المسلم قبل دعائه متطهِّراً من الذنوب بالتوبة، ويكون زاهداً ورعاً: وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد والورع فقال: ((الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة)) (٤). السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله: لا شك: أن إحسان الطهارة: من الوضوء، والغسل على الوجه

стр. 354

الأكمل يعين على الخشوع في الصلاة، وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من النقص في ذلك، وتَرْك استيعاب غسل الأعضاء في الوضوء، فعن أبي هريرة ﵁، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ﷺ قال: ((ويل للأعقاب من النار))، ولفظ مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ((ويل للأعقاب من النار))، وفي لفظ لمسلم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ((ويل للعراقيب من النار)) (١). وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ صلَّى الصبح، فقرأ الروم فالْتَبَسَ عليه، فلما صلَّى قال: ((ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسنون الطُّهورَ، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك)) (٢)، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي روح الكلاعي: ((إنما يلبّسُ علينا الشيطان القراءة من أجل أقوامٍ يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء))، وفي لفظ: ((صلى الصبح فقرأ فيها الروم، فأوهم ... ))، وفي لفظ له: (( ... أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح، فقرأ بالروم فتردَّد في آية، فلما انصرف قال: ((إنه يلْبِسُ علينا القرآن: أن أقواماً منكم معنا لا يُحسنون الوُضُوءَ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن

стр. 355

الوضوء)) (١)، وأورده ابن كثير في تفسيره في آخر سورة الروم، ثم قال: ((وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتمَّ به، فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام)) (٢). وقال الإمام ابن كثير ﵀ في موضع آخر: ((فدلَّ هذا على أن إكمال الطهارة يُسهِّلُ القيام في العبادة، ويُعين على إتمامها، وإكمالها، والقيام بمشروعاتها)) (٣). وقال السندي رحمه الله تعالى عن الحديث المذكور: ((وفيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر، والله تعالى أعلم)) (٤). ومما تقدم يتضح: أن النقص في الطهارة يؤثر على المُصلِّي، ويتعدَّى تأثيره إلى الإمام إذا كان ذلك المُقصِّر في الوضوء يصلِّي في جماعة، والله المستعان (٥). السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه: أعظم الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة: أن يصلِّي المسلم الصلاة الكاملة من كل وجهٍ، وذلك: بإكمال شروطها قبل الدخول
следующие страницы →