الشرط الثالث: أن يكون مما يكال، فلا تجب في الجزر ... والتين ... ونحوها.
الشرط الرابع: أن يبلغ خمسة أوسق)) (١) والله تعالى أعلم (٢).
ثالثاً: تضم ثمرة العام الواحد لبعضها في تكميل النصاب:
فالتمر أنواع كثيرة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فمثلاً: السكري، والبرحي، والخلاص، وغير هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعضٍ في تكميل النصاب.
وكذلك الزبيب أنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. ولا يضم الجنس إلى جنس آخر: فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا الزبيب إلى التمر في تكميل النصاب؛ لاختلاف الجنس؛ وإنما يضم أنواع الجنس الواحد إلى بعضه في تكميل النصاب.
стр. 107
وكذلك ما يحمل في السنة الواحدة حملين يضم كل نوع إلى جنسه من الثمرة (١).
وتضم أنواع الحبوب إلى بعضها من كل جنس، فجنس الحنطة أنواع يضم بعضها إلى بعض، والشعير أنواع يضم بعضها إلى بعض، وهكذا لو جذّ الزرع ثم ظهر زرع آخر في نفس العام ضم بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، ولا يضم الجنس إلى جنس آخر، فلا يضم البر إلى الشعير، ولا الذرة إلى الشعير؛ لاختلاف الأجناس: وكذلك إذا كان للرجل بساتين في أماكن مختلفة، فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب (٢).
стр. 108
رابعاً: تجب الزكاة في الحبوب والثمار:
إذا اشتد الحبُّ فصار قويّاً لا ينضغط إذا ضُغِطَ، وجبت الزكاة فيه. وإذا بدا صلاح الثمر: فاحمرَّ أو اصفرَّ في ثمر النخيل، وفي العنب: أن يموّه حلواً: أي بدلاً من أن يكون قاسياً يكون ليناً متموِّهاً وبدلاً من أن يكون حامضاً يكون حلواً. فإذا اشتدَّ الحبّ وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة، وقد ثبت تفسير بدوِّ الصلاح عن النبي ﷺ من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : أنه: نَهَى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قيل: وما زَهْوَها؟ قال: ((تَحْمَارُّ وتصفارُّ)) (١) وعنه ﵁: أن النبي ﷺ ((نَهى عن بيع العنب حتى يسودَّ، وعن بيع الحبِّ حتى يشتدَّ)) (٢)، وعن ابن عمر ﵄ قال:
((نَهَى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدُوَ صلاحها، نهى البائع والمبتاع)). وفي لفظ للبخاري: كان إذا سُئل عن صلاحها قال:
((حتى تذهب عاهتها)) (٣).
стр. 109
فإذا بدا صلاح الثمرة، واشتدّ الحبّ، وجبت الزّكاة في الحبوب والثمار (١) وفائدة ذلك: أن المالك لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه؛ لأنه تصرَّف قبل الوجوب، فأشبه ما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول، إلا أن يقصد الفرار من الزكاة فتجب عليه، وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة عنه، كما لو فعل ذلك في السائمة بعد اكتمال الحول، ولا يستقر الوجوب حتى تصير الثمرة في الجرين والزرع في البيدر، ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو تفريط منه فيه فلا زكاة عليه، سواء خرصت أو لم تخرص؛ لأنّها في حكم ما لم تثبت اليد عليه، وإن تلفت بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم السائمة بعد الحول يضمنها؛ لأنه استقر الوجوب في ذمته فصارت ديناً عليه (٢).
و على هذا فيكون للثمر والزرع ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يتلف قبل وجوب الزكاة: أي قبل اشتداد الحبِّ وقبل بدوِّ صلاح الثمر، فهذا لا شيء على المالك مطلقاً سواء تلف: بتعدٍّ أو تفريط أو بغير ذلك، إلا إذا قصد بذلك الفرار من الزكاة.
الحالة الثانية: أن يتلف بعد الوجوب: أي بعد اشتداد الحبِّ وبدوّ
стр. 110
صلاح الثمر، لكن لم يجعله في البيدر أو الجرين ففي ذلك تفصيل: إن كان بِتَعَدٍّ من المالك أو تفريط؛ فإنه يضمن الزكاة، وإن كان بلا تعدٍّ ولا تفريط لم يضمن الزكاة.
الحالة الثالثة: أن يتلف بعد جعله في الجرين أو البيدر فتجب عليه الزكاة مطلقاً: سواء فرَّط أو تعدَّ أو لم يفرط ولم يتعدَّ؛ لأن الزكاة استقرت في ذمته فصارت ديناً عليه (١).
قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((والصحيح في الحالة الثالثة أنّها لا تجب الزكاة عليه ما لم يتعدَّ أو يفرط؛ لأن المال عنده بعد وضعه في الجرين أمانة؛ فإن تعدّى أو فرط: بأن أَخَّر صرف الزكاة حتى سرق المال أو ما أشبه ذلك فهو ضامن، وإن لم يتعدَّ ولم يفرط وكان مجتهداً في أن يبادر بتخليصه ولكنه تلف مع كمال التحفظ والحراسة فلا يضمن)) (٢) والله تعالى أعلم.
خامساً: قدر الزكاة في الحبوب والثمار على النحو الآتي:
١ - يجب العشر فيما سُقي بلا مؤنة: كالزرع الذي يشرب من الأمطار، والأنْهَار، والعيون التي تجري، وما يشرب بعروقه: وهو الذي يزرع ويغرس في أرضٍ ماؤها قريب من وجه الأرض فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي، وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى نهر أو ساقية، وكذلك ما يشرب من السيوح - وهي المياه الجارية على وجه الأرض: من الأنهار، والسواقي وغيرها -.
стр. 111
٢ - يجب نصف العشر فيما سُقِيَ بمؤنة: كالدّوالي - وهي الدولاب وهي الدلاء - والنّواضح - وهي الإبل، والبقر، وسائر الحيوانات -، وما يُسقى بالغروب والسواني، والمكائن، والآلات: كالرشاشات التي ترش الماء وتوزعه على الزرع (١). والأصل في هذا كله حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((فيما سقت السماء، والعيون، أو كان عثريّاً: العشر، وما سُقي بالنضح: نصف العشر)) (٢)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((فيما سقت الأنهارُ والغيمُ: العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر)) (٣)؛ ولحديث معاذ ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فأمرني: ((أن آخذ مما سقتِ السماء العشر، وفيما سُقِيَ بالدوالي نصف العشر)) (٤).
٣ - ويجب ثلاثة أرباع العشر فيما يشرب بمؤنة نصف ، ويشرب بغير مؤنة نصف، ومثاله: نخل يُسقى نصف العام بمؤنة، ويُسقى النصف الثاني من العام بغير مؤنة: أي الصيف يُسقى بمؤنة، والشتاء يُسقى من الأمطار، فهذا فيه ثلاثة أرباع العشر؛ لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٥).
٤ - ما يُسقى بمؤنة وبغير مؤنة مع الاختلاف: أي يُسقى
стр. 112
أحدهما أكثر من الآخر: فالذي يكثر انتفاع النخل بسقيه، أو الشجر، أو الزرع فهو المعتبر، فإذا كان نموّه بمؤنة أكثر منه فيما إذا شرب بلا مؤنة فالمعتبر نصف العشر؛ لأن سقيه بالمؤنة أكثر نفعاً فاعتبر به، وإذا كان نموّه بغير مؤنة أكثر نفعاً فالمعتبر العشر، فاعتبر بالأكثر كالسوم (١).
٥ - وإن جُهِلَ المقدار غلَّبنا إيجاب العشر ؛ لأنه الأصل، فالأصل وجوب الزكاة: العشر حتى نعلم أنه سُقِيَ بمؤنة (٢).
سادساً: خرص النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر:
يُسَنُّ للإمام أن يرسل ساعياً إلى أهل النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه (٣) عليهم؛ ليتصرَّفوا في ثمارهم، ويعرِّف الساعي المالك قدر الزكاة كيلاً، ثم يخلي بينهم وبين ثمرهم؛ ليأكلوا أو يتصرَّفوا فيه، ثم يُؤدُّون الزكاة عند الجذاذ على قدر ما خُرِص، وهذا فيه توسعة على أهل الثمار؛ ليأكلوا، أو يبيعوا، أو يتصرَّفوا (٤) والخرص لثمر النخيل والأعناب فيه مسائل
стр. 113
على النحو الآتي:
١ - ثبتت مشروعية الخرص في السنة عن النبي ﷺ -؛ لحديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك فلما جاء وادي القرى إذا امرأةٌ في حديقةٍ لها فقال النبي ﷺ لأصحابه: ((اخرصوا)) وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: ((أحصي ما يخرج منها)) ... فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: ((كم جاء حديقتك))؟ قالت: ((عشرة أوسقٍ خَرْصَ رسولِ الله ﷺ ... )) (١).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((فيه جواز الخرص حتى يتصرف أهل النخيل في نخيلهم، والخرص يخرص بما يؤول إليه تمراً)) (٢).
٢ - يستحب أن يبعث الإمام من يخرص الثمار عند بدوِّ الصلاح ؛ لحديث ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ حين افتتح خيبر، اشترط عليهم أنَّ له الأرض، وكُلَّ صفراءَ وبيضاء - يعني الذهب والفضة - وقال له أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض فأعطناها على أن نعملها ويكون لنا نصف الثمرة ولكم نصفُها، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين تصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فحزر (٣) النخل، وهو الذي يدعونه أهل المدينة: الخرص، فقال: في ذا كذا وكذا، فقالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أحزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلتُ: قال:
стр. 114
فقالوا: هذا الحقُّ وبه تقوم السماءُ والأرضُ. فقالوا: قد رضينا أن نأخذ بالذي قلتَ (١).
٣ - يجزئ أن يرسل الإمام خارصاً واحداً ؛ للحديث السابق؛ ولأنه يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده فجاز أن يكون واحداً، كالحاكم، ويعتبر أن يكون مسلماً، أميناً، غير متهم، ذا خبرة.
٤ - يخرص الرطب والعنب ؛ لحديث عتابِ بنِ أُسيدٍ ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ : ((أن يُخرصَ العنبُ كما يخرصُ النخلُ، وتؤخَذَ زكاتُهُ زبيباً كما تؤخَذُ صدقةُ النخلِ تمراً)) (٢).
٥ - يترك الخارص لصاحب الثمار الثلث أو الربع ، توسعة على رب المال؛ لأنه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه، ويطعم جيرانه وأهله، ويأكل منها المارَّةُ، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، فلو استوفى الكلّ
стр. 115
أضرّ بِهم، والمرجع في تقدير المتروك إلى اجتهاد الساعي الخارص، فإن رأى الأكلة كثيراً ترك الثلث، وإلا ترك الربع؛ لحديث سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ((إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)) (١) وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على الخرص، وأنه مستحب، فإن تُرِكوا وصُدِّقوا فلا بأس، والخرص عليهم هو السنة؛ لأن فيه مصالح منها:
١ - معرفة مبلغ هذا التمر، والعنب.
٢ - التوسعة على أهله: يتصرَّفون، ويبيعون، وقد عرفوا ما لديهم من الزكاة، والسنة أن يترك لهم الربع أو الثلث، يتحرّى الخارص على حسب ضيوفهم وكثرتهم فيدع ما هو الأنسب)) (٢).
سابعاً: زكاة الحبوب والثمار على مستأجر الأرض:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((ومن استأجر أرضاً فزرعها فالعشر عليه دون مالك الأرض)) (٣) وقال ﵀: ((ولو استعار أرضاً
стр. 116
فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع؛ لأنه مالكه، وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه أيضاً؛ لأنه ثبت على ملكه، وإن أخذه مالكها قبل اشتداد حبه فالعشر عليه، وإن أخذه بعد ذلك احتمل أن يجب عليه أيضاً؛ لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه، فكأنه أخذه من تلك الحال، ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب؛ لأنه كان مالكاً له حين وجوب عشره، وهو حين اشتداد حبه)) (١).
ثامناً: زكاة الحبوب والثمار: المزارعة، والمساقاة .
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وإن زارع رجلاً مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له، وإن كانت صحيحة فعلى كل واحد منهما عشر حصته إن بلغت خمسة أوسق أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق، وإلا فلا عشر عليه)) (٢) أي لا زكاة على من لم يبلغ عنده النصاب.
تاسعاً: يجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية:
الأرض قسمان: أرض صلح، وأرض عنوة:
ف أما أرض الصلح: فهي كل أرض صُولِحَ أهلها عليها؛ لتكون لهم ويؤدون عنها خراجاً معلوماً، فهذه الأرض مِلك لأهلها، وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم لم يكن عليهم خراج. وهذه الأرض تجب الزكاة في حبوبها وثمارها إذا لم يكن
стр. 117
عليها خراج؛ لأن الخراج في أرض الصلح لا يؤخذ إلا من الكفار ولا زكاة فيها في هذه الحالة. أي مادامت في أيدي أهلها الكفار، فإذا أسلموا أو انتقلت إلى مسلم سقط الخراج ووجبت الزكاة في ثمارها وحبوبها إذا اكتملت شروط وجوب الزكاة.
وأما أرض العنوة فهي ما أُجلِيَ عنها أهلها بالسيف؛ لامتناعهم عن الدخول في الإسلام أو عن دفع الجزية، فإذا لم تقسم بين الغانمين فهذه تصير وقفاً للمسلمين يضرب عليها خراجٌ معلومٌ يؤخذ منها في كل عامٍ يكون أجرةً لها، ثم ينظر في باقي ثمرتها وحبوبها فإن كان الباقي نصاباً ففيه الزكاة إن كانت بيد مسلم، وإن لم يبلغ الباقي نصاباً أو بلغ نصاباً ولم يكن لمسلم فلا زكاة فيه.
فعلى هذا يجتمع العشر والخراج في أرض فتحت عنوة: الخراج في رقبتها، والعشر زكاة في غلتها؛ لأن الخراج كالأجرة (١). والله تعالى أعلم (٢).
стр. 118
عاشراً: الزكاة لا تؤخذ من رديء المال ؛ لقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١)؛ ولحديث البراء بن عازب في قوله سبحانه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: ((نزلت في الأنصار؛ كانت الأنصار تخرج – إذا كان جدادُ (٢) النخل – من حيطانها (٣) أقناء البسر (٤) فَيُعلِّقونه على حبلٍ بين اسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل منه فقراء المهاجرين، فيعمد أحدهم فيدخلُ قنواً فيه الحشف (٥) يظن أنه جائز في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنَزَلَ فيمن فعل ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يقول: لا تعمدوا للحشف منه تنفقون ﴿وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، غيظاً أنه بعث إليكم ما لم يكن لكم فيه حاجةٌ، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم)) (٦).
وعن أبي أمامة ﵁: في الآية التي قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: ((هو الجعرور (٧) ولون حبيقٍ (٨)، فنهى رسول الله ﷺ :
стр. 119
أن تؤخذ في الصدقة: الرُّذالة)) (١).
وعن عوف بن مالك ﵁، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ المسجد وبيده عصاً وقد علّق رجل قِنْوَ حشفٍ فجعل يطعن بالعصا في ذلك القِنوِ، وقال: ((لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها)) وقال: ((إن ربَّ هذه الصدقة يأكل حشفاً يوم القيامة)) (٢).
الحادي عشر: زكاة العسل المحمي والمتخذ للتجارة (٣)؛
стр. 120
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال جاء هلال – أحد بني مُتعان - إلى رسول الله ﷺ بعشور نحلٍ له، وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له: سَلَبَة، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما وَلِيَ عمر بن الخطاب ﵁، كتب سفيان بن وهيب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك؛ فكتب عمر ﵁: ((إن أدَّى إليك ما كان يؤدّي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحمِ له سَلَبَةَ، وإلا فإنما هو ذُبابُ غيثٍ يأكله من يشاء)) وفي رواية لأبي داود بنحوه، وقال: ((من كل عشر قربٍ قربة)) (١) فالحديث
стр. 121
محمول على أن أخذ العشر من العسل في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب ﵁، إلا إذا كان العسل من عروض التجارة ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم (١).
الثاني عشر: زكاة المعدن: وهو كل ما خرج من الأرض مما يُخلقُ
стр. 122
فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبح، والكحل، والكبريتات، والذهب، والفضة، والنفط، وغير ذلك مما ينطبق عليه اسم المعدن، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر إذا كمل النصاب، وهل يشترط له الحول أو لا يشترط؟ ذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والأحناف إلى أنه لا يشترط له الحول، وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛ لقول رسول الله ﷺ : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) (١) ورجح شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: أن المعدن لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول (٢).
стр. 123
الثالث عشر: زكاة الركاز ، والركاز: هو دِفنُ الجاهلية وكنزها، وهو المدفون في الأرض، ويقال له: ركاز؛ لأن صاحبه ركزه في الأرض أي أثبته (١) وفيه الخمس؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((العَجماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمعدنُ جبارٌ، وفي الركاز الخمس)) وفي لفظ
стр. 124
لمسلم: ((البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبارٌ وفي الركاز الخمس)) (١). (٢)
والخمس يجب في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك، ويجب على كل من وجده من أهل الزكاة وغيرهم (٣).
стр. 125
المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة، والعملات: الورقية, والمعدنية
أولاًَ: مفهوم الأثمان:
الأثمان لغة: الثمن: العوض، والجمع أثمان، مثل: سبب وأسباب، يقال: ثمَّنته تثميناً: جعلت له ثمناً بالحدس والتخمين (١).
والثمن: العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابلة البيع عيناً كان أو سلعة (٢).
واصطلاحاً: الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات الورقية، أو النحاسية المستعملة الآن، ويقال أيضاً للذهب والفضة: النقدان، وجمعها نقود، والنقد هو العُمْلَةُ من الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات المستعملة بين الناس في البيع والشراء، وأنواع المنافع والمصالح (٣).
والخلاصة: أن النقدين من الذهب والفضة: ما اتَّخذه الناس ثمناً من المعادن المضروبة أو الأوراق المطبوعة الصادرة عن المؤسسة المالية، صاحب الاختصاص، وجمع النقدين: نقود (٤).
ثانياً: زكاة الذهب والفضة: واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ
стр. 126
فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب)) (٢).
وقال الله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣).
وأما السنة؛ فلحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضةلا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع (٥) له زبيبتان (٦) يطوِّقه يوم القيامة،
стр. 127
ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). وفي لفظ: ((يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع يفرُّ منه صاحبه ويطلبه ويقول: أنا كنزك، قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه)) (٢).
أما الإجماع، فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((وأجمعوا على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهمٍ أن الزكاة تجب فيه وانفرد الحسن البصري ... )) (٣). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً، وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، إلا ما اختلف فيه عن الحسن)) (٤).
ثالثاً: نصاب الذهب والفضة على النحو الآتي:
١ - نصاب الفضة، إذا بلغت الفضة مائتي درهم ففيها الزكاة؛
стр. 128
لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة (١) من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) (٢)؛ ولحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ... )) (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس فيما دون خمس أواقٍ [من الورق] صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ [من الإبل] صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ [من التمر] صدقة)) (٤). قال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((الأُقية التي جاء ذكرها في الأحاديث مبلغها أربعون درهماً .. )) (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك
стр. 129
بين علماء الإسلام، وقد بيَّنته السنة التي رويناها بحمد الله، والدراهم التي يعتبر بها النصاب: هي الدراهم التي كلُّ عشرة منها وزنُ سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكلُّ دِرْهَمٍ نصف مثقال وخُمْسُهُ، وهي الدراهم الإسلامية التي تقدَّر بها نُصُبُ الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع في السرقة، وغير ذلك .. )) (١)(٢). وقد ذكر المرداوي ﵀ في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: أن زنة كل مثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة (٣). وقال العلامة عبد الرحمن القاسم: ((المثقال زنة اثنتان وسبعون حبة من حب الشعير الممتلئ، غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالباً)) (٤). وحرر شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ذلك فقال: ((زنة المثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة)) (٥)(٦).
стр. 130
وقد جَرَّبْتُ ذلك بنفسي، فأخذت اثنتين وسبعين حبة من حب الشعير المتوسط ووزنته في ميزان الذهب عند أصحاب الذهب فكان وزنه أربعة غرامات وستة من عشرة (٤.٦) (١). وهذا هو وزن المثقال الواحد، وحرر
стр. 131
شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، وحررت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن نصاب الفضة مائة وأربعون مثقالاً (١)، فيكون النصاب بالغرامات:
٤.٦ جرامات × ١٤٠مثقالاً = ٦٤٤ جراماً، وهذا الوزن هو نصاب الفضة تقريباً، وهو وزن خمس أواقٍ من الفضة، ويعادل مائتي درهم كما تقدم، فإذا نقص المال عن ذلك التقدير فلا زكاة فيه إلا أن يكون في ملكه عروض تجارة؛ فإنها تضم إلى الفضة في تكميل النصاب.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: (( ... عروض التجارة تضمُّ إلى كل واحد من الذهب والفضة، ويكمّل به نصابه، لا نعلم فيه اختلافاً)). قال الخطابي: ((لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها فتقوم بكل واحد منها، فتضم إلى كل واحد منهما، ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع إلى بعضٍ في تكميل النصاب؛ لأن العرض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه، وجَمْع الثلاثة)). فلو كان يملك عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وعقار معروض للبيع، وكلها دار عليها الحول؛ فإنه في هذه الحالة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فيحصي قيمة الذهب، والفضة، والعقار، ثم
стр. 132
يخرج الزكاة (١).
٢ - نصاب الذهب، إذا بلغ الذهب عشرين ديناراً، أو عشرين مثقالاً ففيه الزكاة؛ لحديث علي ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً؛ وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مالٍ زكاة حتى يحول عليه الحول)) (٢)؛ ولحديث عائشة أم المؤمنين وابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً)) (٣)؛ ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة)) (٤).
стр. 133
قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، وانفرد الحسن البصري فقال: ليس فيما دون أربعين ديناراً صدقة، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان أقل من عشرين مثقالاً، ولا يبلغ قيمتها مائتي درهم أن لا زكاة فيه)) (١). وقد حقق الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها؛ للأدلة الثابتة عن النبي ﷺ (٢)؛ ولأن الذهب والفضة مال تجب الزكاة في عينه، فلم يعتبر بغيره كسائر الأموال، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه (٣).
والخلاصة أن نصاب الذهب عشرون ديناراً، وهي عشرون مثقالاً، وزن المثقال الواحد ٤.٦ جرامات، ووزن عشرين مثقالاً يساوي ٩٢ جراماً، وهي تساوي ١١.٥ جنيهاً سعودياً، وزن الجنيه مثقالان إلا ربع، أي: ١.٧٥ أي جنيه وخمسة وسبعون بالمائة تقريباً. قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((وقد حررنا هذا فوجدنا النصاب اثنين وتسعين [يعني جراماً] إلا كسراً يسيراً، يعني عشرين مثقالاً، وهي أحد عشر جنيهاً ونصف جنيه سعودي [لأن زنة الجنيه المذكور مثقالان إلا ربع مثقال].
стр. 134
وقال في موضع آخر: ((ومقدار النصاب بالجنيه السعودي والإفرنجي حتى يمكن تقدير الأوراق النقدية والعروض التجارية بذلك - أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه)) (١). وهكذا قالت
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢). والله تعالى أعلم (٣). وتقدم أن الإمام ابن قدامة ﵀ حكى الإجماع على أن عروض التجارة تضم إلى كل واحدٍ من الذهب والفضة في تكميل النصاب، وكذلك لو كان له ذهب، وفضة، وعروض تجارة لم يبلغ أحد منهم النصاب فإنه يضم بعضها إلى بعض، والخلاف إنما جاء في ضم الفضة إلى الذهب وليس معهما عروض تجارة (٤). فلو كان له عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وبيت قد عرضه للبيع وكلها دار عليها الحول؛ فإنه يحصي قيمة الجميع ثم يخرج زكاتها.
رابعاً: زكاة العملات المعدنية والورقية:
إذا بلغت العملات الورقية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛
стр. 135
فإن حكمها حكم النقدين على القول الصحيح، فينظر إلى ما يقابلها من النقدين؛ فإن بلغت قيمتها عشرين مثقالاً من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وحال عليها الحول ففيها الزكاة (١)؛ لأنها بمنزلة النقدين في وجوب الزكاة؛ لدخولها في عموم قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)؛ ولعموم قوله ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁ حينما بعثه إلى اليمن، وفيه: (( ... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم وتردُّ على فقرائهم .. )) (٣).
فالعملات الورقية، والمعدنية مال، والناس يجعلونها في منزلة النقدين من الذهب والفضة؛ ولهذا تكون الزكاة فيها واجبة إذا بلغت نصاب الذهب أو نصاب الفضة، وحال عليها الحول (٤).
خامساً: حقيقة الأوراق النقدية:
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (١٠) وتاريخ ١٧/ ٤/١٣٩٣هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على توصية رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأمين العام لهيئة كبار العلماء بدراسة موضوع الورق النقدي
стр. 136
من قبل هيئة كبار العلماء؛ استناداً إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في الهيئة التي تنص على أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر، أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة، فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة فيما بين ١/ ٤/١٣٩٣هـ و١٧/ ٤/١٣٩٣هـ، وفي تلك الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم عنه من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد استعراض الأقوال الفقهية التي قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها أسناداً، أو عروضاً، أو فلوساً، أو بدلاً عن ذهب أو فضة، أو نقداً مستقلاً بذاته، وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية – جرى تداول الرأي فيها، ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات. فتنتج عن ذلك عديد من التساؤلات التي تتعلق بالإجراءات المتخذة من قبل الجهات المصدرة لها:
وحيث إن الموضوع من المسائل التي تقضي المادة العاشرة من لائحة سير عمل الهيئة بالاستعانة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة العامة بما في ذلك القضايا البنكية والتجارية والعمالية؛ فإن عليها أن تشرك في البحث معها واحداً أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم – فقد جرى استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أنور علي، وحضر معه الدكتور عمر شابريه أحد المختصين في العلوم الاقتصادية، ووجهت إلى سعادته الأسئلة التالية:
стр. 137
س١: هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقد السعودي نقداً قائماً بذاته أم تعتبره سندات تتعهد الدولة بدفع قيمتها لحاملها، كما هو مُدوَّنٌ على كل فئة من فئات أوراق النقد السعودي، وإذا لم يرد معنى هذه العبارة، فما معنى الالتزام بتسجيلها على كل ورقة، وهل يعني ذلك التعهد أن ورق النقد السعودي مغطى بريالات فضية أم لا؟
س ٢: هل لكل عملة ورقية غطاء مادي محفوظ في خزائن مصدِّريها، وإذا كان كذلك فهل هو غطاء كامل أم غطاء للبعض فقط، وإذا كان غطاء للبعض فما هو الحد الأعلى للتغطية، وما هو الحد الأدنى لها؟
س ٣: ما نوع غطاء العملات الورقية، وهل توجد عملة لأي دولة ما مغطاة بالفضة، وهل هناك جهات إصدار تخلت عن فكرة التغطية المادية مطلقاً؟
س ٤: المعروف أن الورقة النقدية لا قيمة لها في ذاتها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها، فما هي مقومات هذه القيمة؟
س ٥: نرغب شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة، وما هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي والمحلي؟
س ٦: هل الغطاء لا يكون إلا بالذهب، وإذا كان بالذهب وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبار أنه قيمة له، وهل يكفي للغطاء ملاءة ومتانة اقتصادها وقوتها ولو لم يكن لنقدها رصيد؟
س ٧: ما يسمى بالدينار، والجنيه هل هو مغطى بالذهب؛ ولذا سمي ديناراً أو جنيهاً رمزاً لما غطي به، ومثله الريال السعودي هل هو مغطى بفضة
стр. 138
أم أن هذه التسميات يقصد منها المحافظة على التسميات القديمة للعُمَلِ المتداولة فيما مضى بغض النظر عما هي مستندة عليه من ذهب أو فضة؟
س ٨: ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليوم مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعاً لم يسبق له نظير؟
وأجاب سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد المالك إجابة جرى رصد خلاصتها في محضر الجلسة مع سعادته، وقد توصلت بها الأكثرية من الهيئة إلى الاقتناع بما ارتأته فيها من رأي.
ثم بعد إعادة النظر في الأقوال الفقهية التي قيلت فيها على ضوء الإيضاحات التي ذكرها سعادة المحافظ قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: ((وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثماناً ... إلى أن قال: والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت)). اهـ (١).
وذكر نحو ذلك الإمام مالك في (المدونة) من كتاب الصرف حيث قال: ((ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين
стр. 139
لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة)) اهـ (١).
وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولاً عاماً في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياساً للقيم ومستودعاً للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملاً لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزءاً من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهباً، بل يجوز أن يكون من أمور عدة: كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاءً كلياً أو جزئياً لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفاً مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية.
وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلاً، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك, وأبي حنيفة, وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.
стр. 140
وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:
أولاً: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين: الذهب, والفضة, وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:
(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما – نسيئة مطلقاً، فلا يجوز مثلاً بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.
(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد، فلا يجوز مثلاً بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالاً سعودياً ورقاً.
(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً، إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقاً كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يداً بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في
стр. 141
الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانياً: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثاً: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء (١)
عبد الله بن منيع
صالح بن لحيدان (متوقف)
رئيس الدورة الثالثة: محمد الأمين الشنقيطي (متوقف)
عبد العزيز بن باز
عبد الله بن حميد (متوقف)
عبد الرزاق عفيفي: لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بياناً إن شاء الله
عبد الله خياط
محمد الحركان
عبد العزيز بن صالح
عبد المجيد حسن
صالح بن غصون
سليمان بن عبيد
إبراهيم محمد آل الشيخ
محمد بن جبير
راشد بن خنين
عبد الله بن غديان (متوقف)
سادساً: حكم ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب:
قال الإمام الحجَّاوي ﵀: ((ويُضمُّ الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وتضمُّ قيمة العروض إلى كل منهما)) (٢). وقال العلامة محمد بن مفلح المقدسي ﵀: ((ويكمل نصاب أحدهما بالآخر في روايةٍ
стр. 142
اختارها الأكثر: الخلاَّلُ، والخرقيُّ، والقاضي وأصحابه، وصاحب ((المحرر)) وغيرهم، حاضراً (١)، أو دينٌ فيه زكاةٌ؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقةٌ، فهما كنوعي الجنس)) (٢). ((من حبٍّ أو ثمرٍ في ضم أحدهما إلى الآخر، وفي الاجتزاء بأحدهما عن الآخر)) (٣)(٤).
стр. 143
سابعاً: تضم عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة:
عروض التجارة: كل ما أعد للتجارة، وهذه تضم قيمتها إلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب؛ لأن عروض التجارة تضم إليهما في تكميل النصاب، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا نعلم فيه خلافاً)). وقال ابن قدامة ﵀ أيضاً: ((ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض، وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل
стр. 144
واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة ... )) (١). والاختلاف إنما وقع إذا كان للإنسان المسلم من كل واحد من الذهب والفضة مالاً يبلغ نصاباً بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر)) (٢). [وتقدم تفصيل ذلك].
ثامناً: مقدار الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر:
فإذا تمت الفضة مائتي درهمٍ، والذهب عشرين ديناراً فالواجب في كلٍ منهما: ربع العشر، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة: رُبعُ عُشْرِهِ)) (٣). وقد ثبت ذلك في حديث أنس ﵁ الذي كتب له أبو بكر ﵁ في فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، وفيه: ((وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)) (٤)؛ ولحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهماً درهم، وليس عليكم شيء حتى تتمّ مائتي درهمٍ، فإذا كانت مائتي درهمٍ ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك)) (٥)؛ولحديث علي ﵁ أيضاً عن النبي ﷺ ، وفيه: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار،
стр. 145
فما زاد فبحساب ذلك ... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) (١)؛ ولحديث عائشة وابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينارٍ، ومن كل أربعين ديناراً ديناراً)) (٢). وفي الزيادة على نصاب الذهب والفضة الزكاة بحساب ذلك حتى ولو كانت الزيادة قليلة؛ لحديث علي ﵁ عنه المذكور آنفاً (( ... فما زاد فعلى حساب ذلك ... )). وفي لفظ: ((فما زاد فبحساب ذلك)) (٣).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وروي ذلك عن علي, وابن عمر ﵃ موقوفاً عليهما ولم يعرف لهما مخالفاً من الصحابة، فيكون إجماعاً؛ ولأنه مال متَّجرٌ, فلم يكن له عفوٌ بعد النصاب كالحبوب)) (٤).
تاسعاً: كيفية إخراج الزكاة من المال تكون بطرق منها:
الطريقة الأولى: ربع العشر: واحد من أربعين، وهذا يفيد المسلم الذي عنده زكاة: أن يقسم ما عنده من المال على أربعين, فما خرج فهو الزكاة، فمثلاً: أربعون مليوناً تقسيم أربعين يساوي مليوناً، وهذا زكاتها (٥) فعلى هذا يكون الجزء الثابت لحساب الزكاة: هو جميع ما عند المسلم من المال يقسم على أربعين, والناتج: هو زكاة ماله.