الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانياً: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثاً: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء (١)
عبد الله بن منيع
صالح بن لحيدان (متوقف)
رئيس الدورة الثالثة: محمد الأمين الشنقيطي (متوقف)
عبد العزيز بن باز
عبد الله بن حميد (متوقف)
عبد الرزاق عفيفي: لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بياناً إن شاء الله
عبد الله خياط
محمد الحركان
عبد العزيز بن صالح
عبد المجيد حسن
صالح بن غصون
سليمان بن عبيد
إبراهيم محمد آل الشيخ
محمد بن جبير
راشد بن خنين
عبد الله بن غديان (متوقف)
سادساً: حكم ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب:
قال الإمام الحجَّاوي ﵀: ((ويُضمُّ الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وتضمُّ قيمة العروض إلى كل منهما)) (٢). وقال العلامة محمد بن مفلح المقدسي ﵀: ((ويكمل نصاب أحدهما بالآخر في روايةٍ
стр. 142
اختارها الأكثر: الخلاَّلُ، والخرقيُّ، والقاضي وأصحابه، وصاحب ((المحرر)) وغيرهم، حاضراً (١)، أو دينٌ فيه زكاةٌ؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقةٌ، فهما كنوعي الجنس)) (٢). ((من حبٍّ أو ثمرٍ في ضم أحدهما إلى الآخر، وفي الاجتزاء بأحدهما عن الآخر)) (٣)(٤).
стр. 143
سابعاً: تضم عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة:
عروض التجارة: كل ما أعد للتجارة، وهذه تضم قيمتها إلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب؛ لأن عروض التجارة تضم إليهما في تكميل النصاب، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا نعلم فيه خلافاً)). وقال ابن قدامة ﵀ أيضاً: ((ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض، وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل
стр. 144
واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة ... )) (١). والاختلاف إنما وقع إذا كان للإنسان المسلم من كل واحد من الذهب والفضة مالاً يبلغ نصاباً بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر)) (٢). [وتقدم تفصيل ذلك].
ثامناً: مقدار الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر:
فإذا تمت الفضة مائتي درهمٍ، والذهب عشرين ديناراً فالواجب في كلٍ منهما: ربع العشر، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة: رُبعُ عُشْرِهِ)) (٣). وقد ثبت ذلك في حديث أنس ﵁ الذي كتب له أبو بكر ﵁ في فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، وفيه: ((وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)) (٤)؛ ولحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهماً درهم، وليس عليكم شيء حتى تتمّ مائتي درهمٍ، فإذا كانت مائتي درهمٍ ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك)) (٥)؛ولحديث علي ﵁ أيضاً عن النبي ﷺ ، وفيه: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار،
стр. 145
فما زاد فبحساب ذلك ... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) (١)؛ ولحديث عائشة وابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينارٍ، ومن كل أربعين ديناراً ديناراً)) (٢). وفي الزيادة على نصاب الذهب والفضة الزكاة بحساب ذلك حتى ولو كانت الزيادة قليلة؛ لحديث علي ﵁ عنه المذكور آنفاً (( ... فما زاد فعلى حساب ذلك ... )). وفي لفظ: ((فما زاد فبحساب ذلك)) (٣).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وروي ذلك عن علي, وابن عمر ﵃ موقوفاً عليهما ولم يعرف لهما مخالفاً من الصحابة، فيكون إجماعاً؛ ولأنه مال متَّجرٌ, فلم يكن له عفوٌ بعد النصاب كالحبوب)) (٤).
تاسعاً: كيفية إخراج الزكاة من المال تكون بطرق منها:
الطريقة الأولى: ربع العشر: واحد من أربعين، وهذا يفيد المسلم الذي عنده زكاة: أن يقسم ما عنده من المال على أربعين, فما خرج فهو الزكاة، فمثلاً: أربعون مليوناً تقسيم أربعين يساوي مليوناً، وهذا زكاتها (٥) فعلى هذا يكون الجزء الثابت لحساب الزكاة: هو جميع ما عند المسلم من المال يقسم على أربعين, والناتج: هو زكاة ماله.
стр. 146
أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:
١ - رجل يملك خمسة آلاف ريال سعودي فزكاتها:
٥٠٠٠ ÷ ٤٠ = ١٢٥ ريالاً سعودياً.
٢ - شخص يملك عشرة آلاف دولار، فتكون زكاتها:
١٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠ دولاراً.
٣ - امرأة تملك مائة ألف جنيه، فتكون زكاتها:
١٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠٠ جنيهاً.
٤ - مالك يملك مليون ريالاً سعودياً، فزكاتها: ١٠٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠٠٠
٥ - مالك يملك تسعة وتسعين مليون روبية، فزكاته:
٩٩٠٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٤٧٥٠٠٠ روبية
وهكذا يقسم جميع المال على أربعين، والناتج هو زكاة المال.
الطريقة الثانية: اثنين ونصف بالمائة تضرب في جميع المال , ثم يقسم الناتج على مائة, والناتج: هو الزكاة فمثلاً: أربعون مليوناً رأس المال، وزكاتها اثنان ونصف بالمائة ضرب أربعين مليوناً، والناتج يقسم على مائة، والناتج يساوي مليوناً.
والطريقة الأولى أسهل، وأيسر، وأفضل؛ لقول عائشة وابن عمر ﵃: إن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار،
стр. 147
ومن الأربعين ديناراً ديناراً)) (١).
أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:
١ - ٥٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ٥٠٠٠ = ١٢٥٠٠ ÷ ١٠٠ = ١٢٥
٢ - ١٠٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ١٠٠٠٠ = ٢٥٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ٢٥٠
٣ - ١٠٠٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ١٠٠٠٠ = ٢٥٠٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ٢٥٠٠
وهكذا مجموع المال يضرب في اثنين ونصف, والناتج يقسم على مائة، والناتج يكون هو الزكاة المفروضة.
والطريقة الأولى أسهل وأيسر، والله تعالى الموفق.
وتقدم أن العملات الورقية أو المعدنية إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة زكيت؛ لأن حكمها حكم النقدين، وما تقدم هنا يمثل العملات الورقية أو المعدنية.
أما نصاب الذهب فقد سبق أن أقله ((عشرون ديناراً)) وهي تساوي (عشرون مثقالاً) والمثقال يساوي وزنه ٤.٦ جرام وهو وزن ٧٢ حبة شعير متوسطة كما تقدم, فيكون نصاب الذهب ٤.٦ × ٢٠ = ٩٢ جراماً، وهي تساوي بالجنيه السعودي ١١.٥ جنيهاً، ووزن الجنية ٨ جرامات × ١١.٥ = ٩٢ جرام. وسعر جرام الجنيه بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ = ٤٤.٧٠ × ٨ = ٣٥٧.٦ ريال سعودي فيكون سعر نصاب الذهب بالريال السعودي ٣٥٧.٦ × ١١.٥ جنيه = ٤١١٢.٤ ريالاً سعودياً، أو يضرب سعر جرام الجنيه في عدد جرامات النصاب ٤٤.٧ × ٩٢ = ١١٢.٤ ريالاً سعودياً،
стр. 148
وأما نصاب الفضة فقد سبق أن وزن المثقال ٤.٦ جرام × نصاب الفضة ١٤٠ مثقالاً = ٦٤٤ جراماً, وهذا نصاب الفضة بالجرامات تقريباً، وتضرب الجرامات هذه في سعر الجرام بالريال, فينتج النصاب بالعملة الورقية, وكان وزن الريال السعودي الفضّي بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ ١١.٦جرام وسعره=٨ ريالات سعودية ورقية وقد سبق أن النصاب بريالات الفضة ٥٦ ريالاً سعودياً فضِّياً فيكون النصاب أيضاً بجرامات الريال السعودي الفضي = ٥٦ × ١١.٦ = ٦٤٩.٦ جرام, وهذا يزيد ٥.٦ جرام, ولكن هذا يكون بالتقريب.
إذاً يكون نصاب الفضة بالريالات السعودية الورقية في تاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ هو: ٨ × ٥٦ = ٤٤٨ ريالاً تقريباً، والله تعالى أعلم.
عاشراً: إخراج أحد النقدين: من الذهب والفضة عن الآخر في الزكاة:
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر؟ فيه روايتان. نص عليهما: إحداهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي بكر؛ لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار، فمع اختلاف الجنس أولى، والثانية: يجوز وهو أصح إن شاء الله؛ لأن المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر، فيجزئ كأنواع الجنس، وذلك لأن المقصود منهما جميعاً الثمنية، والتوسل بهما إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء، فأشبه إخراج المكسَّرة عن الصحاح بخلاف سائر الأجناس، والأنواع مما تجب فيه الزكاة؛ فإن لكل جنس مقصوداً مختصاً به لا يحصل من الجنس الآخر، وكذلك أنواعها، فلا يحصل
стр. 149
بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل من إخراج الواجب، وههنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه، إذ لا فائدة في اختصاص الأجزاء بعين، مع مساواة غيرها لها في الحكمة؛ وكون ذلك أرفق: بالمعطي والآخذ، وأنفع لهما، ويندفع به الضرر عنهما؛ فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين ديناراً إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله، أو بيع أحدهما نصيبه، فيستضر المالك والفقير، وإذا جاز إخراج الدراهم عنها دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب فيسهل ذلك عليه، وينتفع الفقير من غير كلفة، ولا ضرر ... وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع محض ودفع لهذا الضرر، وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال، فلا حاجة، ولا وجه لمنعه .. )) (١). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((والصحيح أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين يعني بالقيمة)) (٢).
الحادي عشر: ما يباح للرجال: من الفضة والذهب: يباح من ذلك الآتي:
١ - خاتم الفضة ؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى)). وفي لفظ: (( ... كأني أنظر إلى وبيض خاتمه من فضةٍ، ورفع أصبعه اليسرى بالخنصر)). وفي لفظ: ((أن رسول الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فصٌّ حبشيٌّ، كان يجعل فَصَّهُ مما يلي كفه)). وهذه الألفاظ الثلاثة لمسلم، أما ألفاظ البخاري لحديث
стр. 150
أنس هذا فهي: ((أن نبي الله ﷺ أراد أن يكتب إلى رهطٍ أو أناسٍ من الأعاجم [وفي رواية: الروم] فقيل له: إنهم لا يقبلون [وفي رواية: لن يقرؤوا] كتاباً إلا عليه خاتم [وفي رواية: إلا أن يكون مختوماً] فاتخذ النبي ﷺ خاتماً من فضةٍ نقشهُ: محمدٌ رسول الله [وقال: إني اتخذت خاتماً من ورقٍ، ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد على نقشه] فكأني بوبيص أو بصيص الخاتم [وفي رواية: كأني أنظر إلى بياضه] في إصبع النبي ﷺ ، أو في كفه [وفي طريق: قال: فإني لأرى بريقه في خنصره] [قال أنس: كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يَعبثُ به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان - أي في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها - فننزح البئر فلم نجده (([وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر] (١).
وقد جاءت الأحاديث في لبس الخاتم في اليسار، وفي اليمين، قال الإمام النووي ﵀: ((وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء: فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل .. )) (٢).
стр. 151
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وضع الخاتم في الخنصر هو الأفضل, سواء في اليمنى أو اليسرى، ويلبس في الخنصر والبنصر، ولا يتختم في الوسطى والسبابة)) (١).
وقد نهى النبي ﷺ عن التختم في السبابة والوسطى؛ لحديث علي ﵁ قال: ((نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في أصبعي هذه، أو هذه، فأومأ إلى الوسطى والتي تليها)) (٢).
ولفظ النسائي: (( ... ونهاني أن أجعل الخاتم في هذه وهذه، وأشار: يعني بالسبابة والوسطى)) (٣).
قال الإمام النووي ﵀: (( ... وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في أصابع ... ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها؛ لهذا الحديث وهي كراهة تنزيه ... )) (٤).
وما تقدم في أحاديث إباحة خاتم الفضة للرجال، أما الذهب فيحرم على الرجال؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)) فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ )) (٥).
стр. 152
وعن علي ﵁ قال: إن نبي الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: ((إن هذين حرام على ذكور أمتي)) (١).
وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أُحلَّ الذهب والحريرُ لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها)) (٢).
٢ - قبيعة السيف ، ونصل السيف؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((كان نعْلُ سيف رسول الله ﷺ من فضةٍ، وقبيعة سيفه (٣) فِضَّةٌ, وما بين ذلك حِلَقُ فِضَّةٍ)) (٤)؛ ولحديث أبي أمامة، وسعيد ابن أبي الحسن قالا: ((كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة)) (٥)(٦).
стр. 153
٣ - ما دعت إليه ضرورة: كأنفٍ من ذهب، أو ربط الأسنان وشدها بالذهب، أو نحو ذلك؛ لحديث عرفجة بن سعد ﵁ قال: ((أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية, فاتخذت أنفاً من ورقٍ، فأنتن عليَّ، فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفاً من ذهب)) (١).
قال الإمام الترمذي ﵀: ((وقد رُوِيَ عن غير واحد من أهل العلم: أنهم شدّوا أسنانهم بالذهب، وفي الحديث حجة لهم)) (٢).
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب،
منهم: موسى بن طلحة (٣) ونصر بن عمران البصري
أحد الأئمة الثقات (٤) , وثابت البناني (٥)، وإسماعيل بن زيد بن ثابت بن
الضحاك (٦)، والمغيرة بن عبد الله (٧).
الثاني عشر: ما يباح للنساء من الذهب والفضة:
يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهنَّ بلبسه، ولو كثر:
стр. 154
كالطوق (١) والخلخال (٢)، والسوار (٣)، والقرط (٤)، وما في المخانق (٥)، والمقالد (٦)، والتاج، وما أشبه ذلك؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٧)؛ ولقوله ﷺ : ((أُحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها)) (٨)(٩). قال العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀: ((فدل على إباحة التحلي بهما لهن (١٠)، وأجمع العلماء على ذلك؛ لهذا الخبر، وغيره؛ ولأن المرأة محتاجة للتجمل، والتزين لزوجها، فأباح الشارع لها ما تجمل به)) (١١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويباح للنساء من حلي الذهب, والفضة, والجواهر، كلُّ ما جرت عادتهن بلبسه: مثل السوار، والخلخال، والقرط، والخاتم، وما يلبسنه على وجوههن، وفي أعناقهن،
стр. 155
وأيديهن، وأرجلهن، وآذانهن، وغيره، وأما ما لم تجرِ عادتهن بلبسه: كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم ... )) (١).
الثالث عشر: تحريم آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء جميعاً:
اتخاذ آنية الذهب أو الفضة حرام على الرجال والنساء جميعاً، وكذلك استعمالهما؛ لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر (٢) في بطنه نار جهنم)) وفي لفظ لمسلم: ((أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب ... )). وفي لفظ لمسلم أيضاً: ((من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم)) (٣).
وعن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) (٤).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب، وإناء الفضة، على الرجل والمرأة ... )) (٥).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملته: أن اتخاذ آنية الذهب
стр. 156
والفضة حرام على النساء والرجال جميعاً، وكذلك استعمالها)) (١).
الرابع عشر: لا زكاة في الحلي من غير الذهب والفضة: إجماعاً
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((فإن كان في الحلي جوهر، ولآلئ مرصَّعةٌ فالزكاة في الحلي: من الذهب, والفضة, دون الجوهر؛ لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم، فإن كان الحلي للتجارة قوَّمه بما فيه من الجواهر، ولو كانت مفردة وهي للتجارة لقوِّمت وزكيت، فكذلك إذا كانت في حلي التجارة)) (٢) , وقال ﵀: ((ولا زكاة في الجواهر، واللآلئ؛ لأنها معدة للاستعمال، فأشبهت ثياب البذلة، وعوامل الماشية)) (٣).وقال العلامة ابن مفلح ﵀: ((لا زكاة في الجوهر، واللؤلؤ؛ لأنه معدٌّ للاستعمال، كثياب البذلة، ولو كان في حلْي، إلا أن يكون للتجارة، فيقوَّم جميعه تبعاً ... )) (٤).
وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((المجوهرات من غير الذهب والفضة: كالماس، ليس فيها زكاة، إلا أن يراد بها التجارة)) (٥).
والخلاصة: أن جماهير الفقهاء اتفقوا على عدم وجوب الزكاة فيما تستخدمه المرأة: من الجواهر: كاللؤلؤ، والمرجان، والياقوت، والزمرد، وغيرها من الحلي الذي ليس بذهب ولا فضة، إلا أن يقصد به التجارة،
стр. 157
ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم (١).
الخامس عشر: وجوب الزكاة في الحلي المحرم، أو المعد للتجارة: من الذهب والفضة:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وكل ما كان اتخاذه محرماً من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه؛ لأن الأصل وجوب الزكاة فيها؛ لكونها مخلوقة للتجارة، والتوسل بها إلى غيرها، ولم يوجد ما يمنع ذلك، فبقيت على أصلها)) (٢).
وذكر رحمه الله تعالى أثناء كلامه على تحريم آنية الذهب والفضة، فقال: ((إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصاباً بالوزن، أو يكون عنده ما يبلغ نصاباً بضمِّها إليه، وإن زادت قيمته؛ لصياغته، فلا عبرة بها؛ لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع ... )) (٣).
قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حليًّا محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة أو نحوها)) (٤).
السادس عشر: زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، قديماً وحديثاً في زكاة الحلي المباح, الذي أُعد للاستعمال: هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟ (٥).
стр. 158
وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجوب ردِّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)،وقال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ (٣). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة، وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء: من الذهب والفضة، حتى لو كان للاستعمال أو العارية، سواء كانت: قلائد، أو أسورة، أو خواتم، أو ما تُحلَّى به السيوف والخناجر من الذهب والفضة إذا بلغ ذلك نصاباً أو كان عند مالكه من الذهب والفضة أو عروض التجارة ما يكمل به النصاب، والقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال هو أصح أقوال أهل العلم (٤)، وقد رُوي هذا الوجوب: عن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن
стр. 159
مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ﵃، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري ﵏ ورضي عنهم جميعاً (١). واستدلوا بأدلة: من الكتاب، والسنة الثابتة، وأقوال بعض أصحاب النبي ﷺ على النحو الآتي:
١ - عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٢). قال الإمام الطبري ﵀: (( ... قال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته، قالوا: وعنى بقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ ولا يؤدون زكاتها)) ثم ساق بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أنه قال: ((كل مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكل مال لم تؤدَّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفوناً فهو كنز)) (٣). ثم قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى بعد ذكره لأقوال أهل العلم في تفسير الآية: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مالٍ لم تؤدَّ زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله،
стр. 160
إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه، وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة)) (١). والآية عامة في زكاة الذهب والفضة، ويدخل في العموم زكاة الحلي، قال الجصاص رحمه الله تعالى: ((وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له)) (٢). أي: الآية تتناول الذهب والفضة ويدخل في ذلك الحلي، فلا يجوز إخراج الحلي بدون دليل مخصص. وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب ما أدِّيَ زكاته فليس بكنز، ثم ساق خبر ابن عمر ﵄ أنه قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ (٣). قال ابن عمر
﵄: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال)) (٤).
وزكاة الحلي تدخل في هذا العموم، إلا بدليل صحيح صريح مخصص)) (٥).
٢ - روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم
стр. 161
كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .. )) (١). فالحديث عام في وجوب الزكاة في كل ذهب وفضة، بهذا النص الصحيح، ولم يأت إجماع قط بأنه ﵊ لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص صحيح ولا إجماع)) (٢).
٣ - روى أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، واللفظ لأبي داود، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسكتَان (٣) غليظتان من ذهب، فقال لها: ((أتعطين زكاة هذا؟ ((قالت: لا، قال: ((أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّركِ اللهُ بهما يوم القيامة سوارين من نار؟)) قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ولرسوله)) (٤).
وهذا الحديث الثابت عن النبي ﷺ يدل على وجوب الزكاة في الحلي؛
стр. 162
لأنه ﷺ ألحق الوعيد الشديد بترك أداء الزكاة في الحلي كما في هذا الحديث.
٤ - وروى أبو داود، واللفظ له، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فرأى في يديَّ فتخاتٍ (١) من وَرِقٍ، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) فقلت: صنعتهنَّ أتزيَّنُ لك يا رسول الله! قال: ((أتُؤدِّين زكاتهُنَّ؟)) قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: ((هو حَسْبُكِ من النار)) (٢).
وهذا الحديث الصحيح يدل على وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال؛ لأن عائشة ﵂ استعملت الفتخات لتتزين بها لرسول الله ﷺ ، ومع ذلك تَضَمَّن الحديث الوعيد لمن لم يؤدِّ زكاة الحلي، ولم يستثن النبي ﷺ من الحلي شيئاً: لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنصٍّ ثابتٍ يقتضي التخصيص (٣).
٥ - وروى أبو داود بلفظه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي،
стр. 163
عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحاً (١) من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أكنز هُوَ؟ فقال: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكِّي فليس بكنز)) (٢). في هذا الحديث الإشارة إلى اشتراط النصاب، وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزكَّ فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وفي الحديث الدلالة الصريحة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث)) (٣).
٦ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂، قالت: أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه، قالت: فأخذ رسول الله ﷺ مثقالاً وثلاثة أرباع مثقالٍ فوجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله خذ منه الذي جعل الله فيه، قالت: فقسم رسول الله ﷺ على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكره، قالت: قلت: يا رسول الله، رضيت لنفسي ما رضي الله به ورسوله)) (٤). قال العلامة الألباني ﵀: ((وفي هذا الحديث دلالة
стр. 164
صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي ﷺ وجوب الزكاة على حُلي النساء، وذلك بعد أن أمر ﷺ بها في غير ما حديث صحيح، كنت ذكرت بعضها في ((آداب الزفاف))؛ ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس ﵂ بطوقها إلى النبي ﷺ ؛ ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك لعل في ذلك ما يقنع الذين لايزالون يفتون بعدم وجوب الزكاة على الحلي، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء)).
٧ - آثار واردة عن بعض الصحابة ﵃ دالة على وجوب الزكاة في الحُليّ المباح، منها ما يأتي:
الأثر الأول: عن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين ﵁، أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ((أن مرَّ من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنَّ)) (١).
الأثر الثاني: عن ابن عباس ﵄: ((أنه أوجب الزكاة في الحلي)) (٢).
الأثر الثالث: عن ابن مسعود ﵁ أن امرأته سألته عن حلي لها،
стр. 165
فقال: ((إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة))، قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: ((نعم)) (١).
الأثر الرابع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ((أنه كان يزكي حلي نسائه، وبناته)) (٢).
الأثر الخامس: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته)) (٣).
السابع عشر: ترجيح جمع كثير من العلماء لوجوب زكاة الحلي:
أذكر مجموعة من أهل العلم الذين بلغني قولهم بوجوب زكاة الحلي المباح الذي أعد للاستعمال، إذا كمل النصاب ودار عليه الحول، ومنهم على سبيل الإيجاز لا الحصر، ما يأتي:
١ - ابن حزم رحمه الله تعالى، حيث قال: ((والزكاة واجبة في حلي الفضة والذهب، إذا بلغ كل واحد منهما المقدار الذي ذكرنا - النصاب - وأتم عند مالكه عاماً قمريًّا)) (٤).
٢ - الفخر الرازي قال: ((الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي)) (٥).
стр. 166
٣ - الصنعاني ، قال: ((وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها [أي وجوب زكاة الحلي]؛ لصحة الحديث وقوته)) (١).
٤ - أحمد البناء قال: ((وأظهر الأقوال دليلاً، وأقواها، ما ذهب إليه الأولون: من وجوب الزكاة في الحلي)) (٢).
٥ - سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ، يفتي بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال منذ زمن طويل، ومن ذلك قوله ﵀:
((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن حكم زكاة الحلي من الذهب والفضة وما ورد في ذلك من الأدلة؛ ولتعميم الفائدة أجبت بما يلي والله الموفق والهادي إلى الصواب:
لا ريب أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقد دل الكتاب والسنة على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب
стр. 167
والفضة وإن كان هذا للاستعمال أو العارية؛ سواء كانت: قلائد, أو أسورة, أو خواتيم, أو غيرها من أنواع الذهب والفضة، ومثل ذلك ما تحلى به السيوف والخناجر, من الذهب والفضة إذا كان الموجود من ذلك نصاباً، أو كان عند مالكه من الذهب أو الفضة أو عروض التجارة ما يكمل النصاب، وهذا القول هو أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
ومن السنة المطهرة ما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا صُفِّحَتْ له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه, وجبينه, وظهره, كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)) (٢). فهذان النصان العظيمان من الكتاب والسنة يعُمَّان جميع أنواع الذهب والفضة ويدخل في ذلك أنواع الحلي: من الذهب, والفضة، ومن استثنى شيئاً فعليه الدليل المخصص لهذا العموم, لو لم يرد إلا العموم في هذه المسألة، فكيف وقد ورد في هذه المسألة بعينها أحاديث صحيحة دالة على وجوب الزكاة في الحلي، منها ما خرَّجه أبو
стр. 168
داود, والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن امرأة دخلت على النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال النبي ﷺ : ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا. قال: ((أيسرك أن يسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار)) فألقتهما وقالت: هما لله ولرسوله (١).
قال الحافظ ابن القطان: إسناده صحيح. وخرج أبو داود بإسناد جيد عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال ﵊: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي فليس بكنز)) (٢) ففي هذا الحديث فائدتان جليلتان:
إحداهما: اشتراط النصاب, وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب.
والفائدة الثانية: أن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزك فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب.
وفيه أيضاً فائدة ثالثة: وهي المقصود من ذكره, وهي الدالة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث.
ومن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رأى عليها فتخات من فضة, فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) قلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. فقال: ((أتؤدين زكاتهن؟)) قلت: لا. أو ما
стр. 169
شاءالله. قال: ((هو حسبك من النار)) (١).
ففي هذه النصوص الدلالة الظاهرة على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة، وإن أعدت للاستعمال أو العارية؛ لأن الرسول ﷺ أنكر على عائشة والمرأة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو تركُ زكاة حليهما وهما مستعملتان له، ولم يستثن ﷺ من الحلي شيئاً لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنص ثابت يقتضي التخصيص.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس في الحلي زكاة)) (٢). فهو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج ولا يقوى على معارضة أو تخصيص هذه النصوص المتقدم ذكرها، بل قال الحافظ البيهقي: ((إنه حديث باطل لا أصل له)) نقل عنه ذلك الحافظ الزيلعي في نصب الراية، والحافظ ابن حجر في التلخيص (٣).
٦ - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ يفتي بوجوب زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال إذا بلغ نصاباً ودار عليه الحول، وفتاواه كثيرة في هذه المسألة (٤).
وكتب رسالة لطيفة نافعة، ذكر فيها أقوال أهل العلم، وبين أنه يجب على الناس أن يردوا مسائل الخلاف عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله
стр. 170
- ﷺ ، وذكر خمسة أقوال لأهل العلم في مسألة زكاة الحلي، ومن ذلك قوله ﵀: (( ... القول الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهومذهب أبي حنيفة [﵀] ورواية عن أحمد، ﵀، وأحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة، والآثار عليه ... )) ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلاً، ورد على من قال بعدم الوجوب ردًّا مفصلاً. رحمه الله تعالى (١).
٧ - فضيلة الشيخ العلامة المحدث ناصر الدين الألباني ﵀، قال ﵀ على حديث فاطمة بنت قيس في وجوب الزكاة: ((وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي ﷺ وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر ﷺ بها في غير ما حديث صحيح كنت ذكرت بعضها في ((آداب الزفاف ص ٢٦٤))، ولذلك جاءت فاطمة بنت
قيس ﵂ بطوقها إلى النبي ﷺ ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك الأحاديث لعل في ذلك ما يُقنع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحليّ، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء)) (٢).
٨ - فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين رحمه الله تعالى ، قال حينما سُئل عن زكاة الحلي؟: ((لا شك أن هناك خلافاً قوياً، قديماً وحديثاً في حكم زكاة الحلي المستعمل، ولكن القول الذي أختاره لزوم إخراج زكاته كل عام، ولو كان ملبوساً؛ لقوة الأدلة التي تؤيد هذا
стр. 171
القول، وعلى هذا فإنها تقدر بقيمتها الحالية، ولا ينظر إلى رأس مالها، فتزكَّى قيمة الحلي التي يُقوَّم بها في الحال، سواء كان أكثر مما اشترت به، أو أقل، ثم تزكي تلك القيمة بربع العشر، والله أعلم (١).
٩ - جماعة من أهل العلم أيدوا القول بالوجوب ، ورأوا أنه الأسلم للمسلم، والأبرأ للذمة، ومنهم:
١٠ - العلامة الخطابي، قال: ((الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها والله أعلم)) (٢).
١١ - العلامة السندي، قال: (( ... لكن تعدد أحاديث الباب، وتأييد بعضها ببعض يؤيد القول بالوجوب، وهو الأحوط، والله تعالى أعلم)) (٣).
١٢ - فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ ، قال: (( ... قال مقيده - عفا الله عنه - وإخراج زكاة الحلي أحوط؛ لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والعلم عند الله تعالى)) (٤).
١٣ - فضيلة الشيخ محمود محمد خطاب السبكي ، قال ﵀:
стр. 172
((وأظهر الأقوال: القول الأول- القول بالوجوب؛ لقوة أدلته، وهو الأحوط)) (١).
١٤ - الشيخ العلامة أبو بكر الجزائري، قال: ((والأحوط في حلي النساء الزكاة على كل حال)) (٢).
١٥ - فضيلة الشيخ العلامة صالح البليهي، قال: (( ... من كلام الشيخ تقي الدين، وابن القيم أن الزكاة لا تجب في الحلي، وعلى كل حال العمل بالأحوط أحوط، وأسلم للعاقبة، كيف وقد قال ﷺ : ((ما نقص مال من صدقة بل تزده بل تزده)). وقال عليه [الصلاة] والسلام: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين)) (٣).
١٦ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء . تصفّحت جميع الفتاوى في زكاة الحلي في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا ابن باز ﵀، فوجدت أنها كلها تذكر الوجوب، وقد بدأ أصحاب الفضيلة الأعضاء ببحث قيم مفيدٍ عن زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال، وذكروا أقوال أهل العلم في الجملة، وذكروا أدلة كل فريق، ووجه الدلالة، ثم رجحوا القول بالوجوب، ثم بعد هذا البحث والترجيح اتخذوا منهجاً في جميع الفتاوى اللاحقة التي تعرض عليهم، فيفتون بوجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل إذا كمل النصاب، أو كان عند المالك من عروض التجارة ما يكمّل به النصاب، ودار عليه الحول، وأعضاء اللجنة هم:
стр. 173
١٧ - سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رئيس اللجنة.
١٨ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الرزاق عفيفي نائب رئيس اللجنة.
١٩ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن غديان عضو.
٢٠ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن قعود عضو (١).
ومن نماذج الفتاوى، الفتوى رقم (١٧٩٧) قال فيها أصحاب الفضيلة: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حُليَّاً محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة، أو نحوها، أما إذا كان حلياً مباحاً معدًّا للاستعمال أو الإعارة: كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح، فقد اختلف أهل العلم في وجوب زكاته ... )) ثم ذكروا القولين المشهورين، كل قول بدليله، وأجادوا وأفادوا ثم قالوا:
((والأرجح من القولين قول من قال بوجوب الزكاة فيها، إذا بلغت النصاب، أو كان لدى مالكيها: من الذهب، والفضة، أو عروض التجارة، ما يكمل النصاب؛ لعموم الأحاديث في وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وليس هناك مخصص صحيح فيما نعلم؛ ولأحاديث: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة المتقدم ذكرها، وهي أحاديث جيدة الأسانيد، لا مطعن فيها مؤثر، فوجب العمل بها. أما تضعيف الترمذي، وابن حزم لها والموصلي فلا وجه له، فيما نعلم، مع العلم بأن الترمذي ﵀ معذور فيما ذكره؛ لأنه ساق حديث عبد الله بن عمرو من طريق ضعيفة وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق أخرى صحيحة، ولعل الترمذي لم يطلع عليها.
стр. 174
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود، ... عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
стр. 175
المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة
أولاًَ: مفهوم عروض التجارة لغة و اصطلاحاً:
لغةً: العروض: جمع عَرْض بفتح العين وسكون الراء: خلاف النقد من المال، قال الجوهري: العَرْضُ: المتاع، وكل شيء عَرْضٌ سوى الدراهم، والدنانير فإنهما عين، وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيواناً، ولا عقاراً، تقول: اشتريت المتاع بِعَرْضٍ: أي بمتاع مثله، وعارضته بمتاع، أو دابةٍ، أو شيء، معارضةً إذا بادلته به (١).
وأما العَرَض بفتح العين والراء، جمع أعراض فهو متاع الدنيا وحطامها, وهذا شامل لكل أنواع المال قَلَّ أو كثر؛ لقول الله : ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢)، ولقول النبي ﷺ ? ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)) (٣) , وسُمِّي عرضاً؛ لأنه يُعْرَضُ وقتاً ثم يزول (٤). قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾ (٥) , والمقصود هو الأول: ((العَرْض)).
اصطلاحاً: العروض: هو ما أعد للبيع والشراء؛ لأجلِ ربحٍ (٦).
стр. 176
وقيل: هو السلع التجارية، كل ما أعد للبيع والشراء من أجل الأرباح، من أي نوع، ومن أي صنف كان، وهو جميع أصناف الأموال غير الذهب والفضة (١).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((العروض: جمع عَرْضٍ، وهو غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه: من النباتِ، والحيوان، والعقار، وسائر المال)) (٢).
التجارة: البيع والشراء من أجل الربح (٣) في جميع أصناف المال إلا النقدين.
وقيل: كل ما أعد للتجارة كائنة ما كانت سواء من جنسٍ تجب فيه زكاة العين: كالإبل، والبقر، والغنم، أو لا: كالعقار، والثياب، والحمير، والبغال (٤).
ثانياً: زكاة العروض واجبة بعموم الكتاب والسنة، والآثار، وإجماع عامة أهل العلم والقياس .
أما الكتاب فلعموم الآيات الآتية:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٥). وقد فسر مجاهد
стр. 177
رحمه الله تعالى، قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: ((من التجارة)) (١). وفي لفظ: ((من التجارة الحلال)) (٢).
قال الإمام الطبري ﵀: ((من طيبات ما كسبتم)) يعني بذلك جل ثناؤه: زكُّوا من طيبات ما كسبتم، بتصرفكم: إما بتجارة، وإما بصناعة، من الذهب والفضة، ويعني بـ ((الطيبات الجياد)) (٣) وقال الإمام القرطبي ﵀: ((الكسب يكون بتعب بدنٍ: وهي الإجارة، وسيأتي حكمها، أو مقاولةٍ في تجارة: وهو البيع)) (٤). وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ من خيار، قال ابن مسعود ﵃ ومجاهد: من حلالات ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ بالتجارة، والصناعة (٥). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق ... من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، قال مجاهد: يعني التجارة، بتيسيره إياها لهم ... )) (٦). وقال العلامة السعدي ﵀: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب ومما أخرج لهم من الأرض)) (٧).
стр. 178
قال الإمام البخاري ﵀: ((بابُ صدقة الكسب والتجارة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((هكذا أورد هذه الترجمة مقتصراً على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال من التجارة الحلال ... (٢)(٣).
الدليل الثاني من القرآن الكريم، عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (٤).
ذكر الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية مسائل منها:
قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ، والمأخوذ منه، ولا تبين مقدار المأخوذ، ولا المأخوذ منه، وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع، حسب ما نذكره، فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال، وقد أوجب النبي ﷺ الزكاة في المواشي والحبوب، والعين وهذا ما لا خلاف فيه، واختلفوا فيما سوى ذلك: كالخيل وسائر العروض ... )) (٥).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((أمر تعالى رسوله ﷺ بأن يأخذ من أموالهم
стр. 179
صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في ((أموالهم)) إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً)) (١).
الدليل الثالث: عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢). قال قتادة ﵀: ((الحق المعلوم: الزكاة المفروضة)) (٣). وسُئل ابن عمر ﵄ عن هذه الآية: أهي الزكاة؟ فقال: ((إن عليك حقوقاً سوى الزكاة)) (٤).
قال الإمام الطبري ﵀: ((يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حق مؤقت، وهو الزكاة, للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغِنى فهو فقير لا يسأل)) (٥).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات)) (٦). وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٧) قال: ((أي جزء مقسوم, قد أفرزوه للسائل والمحروم)) (٨).
وقال العلامة السعدي ﵀: ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ)) من زكاة وصدقة، ((لِلسَّائِلِ)) الذي يتعرض للسؤال ((وَالْمَحْرُومِ)) وهو
стр. 180
المسكين الذي لا يسأل الناس فيعطوه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه)) (١) قال العلامة محمد بن عثيمين ﵀: ((الزكاة واجبة في عروض التجارة، والدليل على ذلك دخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢)(٣).
وأما السنة؛ فلعموم الأحاديث الآتية:
الدليل الأول: من السنة عموم قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) وفي لفظ لمسلم: (( ... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم)) (٤).
وظاهر الحديث العموم في كل مال، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((ولا شك أن عروض التجارة مال)) (٥).
الدليل الثاني من السنة، حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة فقيل: منع ابنُ جميل، وخالد بنُ الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : ((ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً, قد احتبس أدراعه وأَعتُدَهُ في سبيل الله، وأما