وقيل: هو السلع التجارية، كل ما أعد للبيع والشراء من أجل الأرباح، من أي نوع، ومن أي صنف كان، وهو جميع أصناف الأموال غير الذهب والفضة (١).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((العروض: جمع عَرْضٍ، وهو غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه: من النباتِ، والحيوان، والعقار، وسائر المال)) (٢).
التجارة: البيع والشراء من أجل الربح (٣) في جميع أصناف المال إلا النقدين.
وقيل: كل ما أعد للتجارة كائنة ما كانت سواء من جنسٍ تجب فيه زكاة العين: كالإبل، والبقر، والغنم، أو لا: كالعقار، والثياب، والحمير، والبغال (٤).
ثانياً: زكاة العروض واجبة بعموم الكتاب والسنة، والآثار، وإجماع عامة أهل العلم والقياس .
أما الكتاب فلعموم الآيات الآتية:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٥). وقد فسر مجاهد
стр. 177
رحمه الله تعالى، قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: ((من التجارة)) (١). وفي لفظ: ((من التجارة الحلال)) (٢).
قال الإمام الطبري ﵀: ((من طيبات ما كسبتم)) يعني بذلك جل ثناؤه: زكُّوا من طيبات ما كسبتم، بتصرفكم: إما بتجارة، وإما بصناعة، من الذهب والفضة، ويعني بـ ((الطيبات الجياد)) (٣) وقال الإمام القرطبي ﵀: ((الكسب يكون بتعب بدنٍ: وهي الإجارة، وسيأتي حكمها، أو مقاولةٍ في تجارة: وهو البيع)) (٤). وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ من خيار، قال ابن مسعود ﵃ ومجاهد: من حلالات ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ بالتجارة، والصناعة (٥). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق ... من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، قال مجاهد: يعني التجارة، بتيسيره إياها لهم ... )) (٦). وقال العلامة السعدي ﵀: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب ومما أخرج لهم من الأرض)) (٧).
стр. 178
قال الإمام البخاري ﵀: ((بابُ صدقة الكسب والتجارة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((هكذا أورد هذه الترجمة مقتصراً على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال من التجارة الحلال ... (٢)(٣).
الدليل الثاني من القرآن الكريم، عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (٤).
ذكر الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية مسائل منها:
قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ، والمأخوذ منه، ولا تبين مقدار المأخوذ، ولا المأخوذ منه، وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع، حسب ما نذكره، فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال، وقد أوجب النبي ﷺ الزكاة في المواشي والحبوب، والعين وهذا ما لا خلاف فيه، واختلفوا فيما سوى ذلك: كالخيل وسائر العروض ... )) (٥).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((أمر تعالى رسوله ﷺ بأن يأخذ من أموالهم
стр. 179
صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في ((أموالهم)) إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً)) (١).
الدليل الثالث: عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢). قال قتادة ﵀: ((الحق المعلوم: الزكاة المفروضة)) (٣). وسُئل ابن عمر ﵄ عن هذه الآية: أهي الزكاة؟ فقال: ((إن عليك حقوقاً سوى الزكاة)) (٤).
قال الإمام الطبري ﵀: ((يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حق مؤقت، وهو الزكاة, للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغِنى فهو فقير لا يسأل)) (٥).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات)) (٦). وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٧) قال: ((أي جزء مقسوم, قد أفرزوه للسائل والمحروم)) (٨).
وقال العلامة السعدي ﵀: ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ)) من زكاة وصدقة، ((لِلسَّائِلِ)) الذي يتعرض للسؤال ((وَالْمَحْرُومِ)) وهو
стр. 180
المسكين الذي لا يسأل الناس فيعطوه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه)) (١) قال العلامة محمد بن عثيمين ﵀: ((الزكاة واجبة في عروض التجارة، والدليل على ذلك دخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢)(٣).
وأما السنة؛ فلعموم الأحاديث الآتية:
الدليل الأول: من السنة عموم قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) وفي لفظ لمسلم: (( ... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم)) (٤).
وظاهر الحديث العموم في كل مال، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((ولا شك أن عروض التجارة مال)) (٥).
الدليل الثاني من السنة، حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة فقيل: منع ابنُ جميل، وخالد بنُ الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : ((ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً, قد احتبس أدراعه وأَعتُدَهُ في سبيل الله، وأما
стр. 181
العباس بن عبد المطلب فعمُّ رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها)). ولفظ مسلم: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة ... إلى قوله: وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها ... )) (١).
وقوله ﷺ : ((قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله)) ((وأعتاده)) ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وآلات الحرب. قال الإمام النووي ﵀: ((ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليَّ، فقالوا للنبي ﷺ : إن خالداً منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى تبرعاً, فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة, وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافاً لداود)) (٢).
وقال الخطابي ﵀: ((وتأويل الكلام على وجهين:
أحدهما: أنه إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد على أنها
стр. 182
كانت للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ قد جعلها حبساً في سبيل الله، وفيه دليل على وجوب الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة، وهو كالإجماع من أهل العلم، وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها, هو مسبوق بالإجماع)) (١).
الدليل الثالث: ما روي من حديث أبي ذر ﵁ يرفعه: ((في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته)) (٢).
الدليل الرابع: من السنة، قوله ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٣). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((ولو سألنا التاجر: ماذا يريد بهذه الأموال؟ لقال: أريد الذهب والفضة، أريد النقدين .. فعلى هذا نقول: زكاة العروض واجبة بالنص والقياس)) (٤).
وأما الآثار: فمنها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
الأثر الأول: عن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((ليس في العَرْض زكاة؛
стр. 183
إلا أن يراد به التجارة)) (١).
الأثر الثاني: عن عمر ﵁ كما قال عبد الرحمن بن عبدٍ القارئ, وكان على بيت المال في زمن عمر مع عبيد الله بن الأرقم، فإذا خرج العطاء جمع عمر أموال التجارة فحسب عاجلها وآجلها، ثم يأخذ الزكاة من الشاهد والغائب)) (٢).
الأثر الثالث: عن عمر بن عبد العزيز، قال زريق بن حيان - وكان على جواز مصر في زمن الوليد وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، فذكر ((أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مرَّ بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات: من كل أربعين ديناراً ديناراً، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين ديناراً، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئاً)) (٣).
وأما الإجماع فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((وأجمعوا على
стр. 184
أن في العروض التي تدار للتجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول)) (١).
وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((ولم يختلف العلماء أن العروض كلها: من العبيد، وغير العبيد إذا لم تكن تبتاع للتجارة أنه لا زكاة فيها)) (٢).
وقد نقل الإجماع عن ابن المنذر ﵀ موافقةً له على ذلك: الإمام ابن قدامة ﵀ (٣) والإمام الصنعاني ﵀ في سبل السلام (٤) , والإمام النووي ﵀ (٥) , وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦) , والعلامة الشوكاني ﵀ (٧).
وقال الإمام البغوي ﵀: ((ذهب عامة أهل العلم إلى أن التجارة تجب الزكاة في قيمتها، إذا كانت نصاباً تمام الحول، فيخرج منها ربع العشر)) (٨).
وقال أبو عبيدٍ ﵀: ((أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا)) (٩).
وأما القياس ، فقال الإمام النووي ﵀: ((تجب الزكاة في
стр. 185
عروض التجارة؛ لحديث أبي ذرٍّ ﵁؛ ولأن التجارة يطلب بها نماء المال، فتعلقت بها الزكاة، كالسوم في الماشية)) (١).
وقال الإمام ابنُ رشدٍ ﵀: ((إن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق. أعني الحرث, والماشية، والذهب, والفضة)) (٢).
ثالثاً: وجوب زكاة عروض التجارة:
قال به الأئمة الأعلام المحققون قديماً وحديثاً: من أهل العلم والإيمان والفقه لمقاصد الإسلام, فهو كالإجماع، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:
الفقهاء السبعة (٣)، والأئمة الأربعة (٤): الإمام أبو حنيفة (٥)، والإمام مالك (٦)، والإمام الشافعي (٧) , والإمام أحمد (٨)، وكثير من علماء الإسلام والأئمة الأعلام لا يحصي عددهم إلا الله، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (٩)،
стр. 186
وابن القيم (١)، وأبو عبيد (٢)، والإمام النووي (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، والإمام ابن قدامة (٥)، والعلامة الصنعاني (٦)، والعلامة الشوكاني (٧)، والإمام البغوي (٨)، ومن المعاصرين: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٩)، والإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز (١٠)، والعلامة محمد بن صالح العثيمين (١١)، والعلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين (١٢) وغيرهم كثير, بل هو إجماع بين أهل العلم إلا من شذ؛ ولهذا قال الإمام أبو عُبيدٍ ﵀: ((أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها)) (١٣)، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا)) (١٤)(١٥).
стр. 187
رابعاً: شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة على النحو الآتي:
стр. 188
الشرط الأول: نية التجارة في عروض التجارة؛ لأن العروض مخلوقة في الأصل للاستعمال, فلا تصير للتجارة إلا بالنية، ويعتبر وجود النية في جميع الحول؛ لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول، فاعتبر فيه؛ لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١)(٢).
стр. 189
الشرط الثاني: أن تبلغ قيمة العروض للتجارة نصاباً من أقل الثمنين [ أي الذهب والفضة] قيمةً فإذا بلغ أحدهما نصاباً دون الآخر قوَّمه به، ولا يعتبر ما اشتراه به؛ لأن تقويمه لحظ الفقراء ... فإن بلغ نصاباً من كل واحدٍ: من الذهب والفضة، قوَّمه بما هو أحظ لأهل الزكاة، فإن استويا قومه بما شاء منهما، والأصل في اعتبار النصاب قوله ﷺ : ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة)) (١)؛ ولقوله ﷺ : (( ... فإذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً)) (٢).
الشرط الثالث: الحول ؛ لقوله ﷺ : (( ... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) (٣)، ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول؛ لأن ما اعتبر له الحول والنصاب، اعتبر وجوده في جميعه، كالأثمان.
стр. 190
وإذا اشترى للتجارة عرضاً لا يبلغ نصاباً ثم بلغه انعقد الحول عليه من حين صار نصاباً، وإن ملك نصاباً فنقص انقطع الحول، فإن عاد فنما فبلغ النصاب استأنف الحول، على ما ذكر في زكاة السائمة والأثمان, وإن ملك نصاباً في أوقات فلكلِّ نصابٍ حول، ولا يضم نصابٌ إلى نصاب؛ لأن المال المستفاد يعتبر له الحول على ما ذكر سابقاً، وإن لم يَكْمُل النصاب الأول إلا بالثاني فحولهما منذ ملك الثاني، وإن لم يكملا إلا بالثالث فحول الجميع من حين كمل النصاب.
وإذا اشترى نصاباً للتجارة بآخر لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تتعلق بالقيمة، والقيمة فيهما واحدة انتقلت من سلعة إلى سلعة، فهي كدراهم نقلت من بيت إلى بيت، وإن اشتراه بأثمان لم ينقطع الحول؛ لأن قيمة الأثمان كانت ظاهرة فاستترت في السلعة، وكذلك لو باع نصاب التجارة بنصاب الأثمان، لم ينقطع الحول لذلك، وإن اشترى نصاباً للتجارة بِعَرْضِ للقنية أو بما دون النصاب من الأثمان، أو عَرْض للتجارة انعقد الحول من حين الشراء؛ لأن ما اشترى به لم يجرِ في حول الزكاة، فلم يُبنَ عليه، ولو اشترى نصاباً للتجارة بنصاب سائمة أو سائمة بنصاب تجارة انقطع الحول؛ لأنهما مختلفان، فإن كان نصاب التجارة سائمة فاشترى به نصاب سائمة للقنية لم ينقطع الحول؛ لأن السوم سبب للزكاة، إنما قدم عليه زكاة التجارة لقوَّته فإذا زال المعارض ثبت حكم السوم؛ لظهوره (١).
وإن اشترى أرضاً ونخلاً للتجارة، فزرعت الأرض وأثمر النخل، واتفق حولهما: بأن بدأ الصلاح في الثمر، واشتد الحب، عند تمام الحول،
стр. 191
وكانت قيمة الأرض تبلغ نصاب التجارة، فالأقرب للصواب أنه يزكِّي الجميع زكاة التجارة؛ لأنه مال تجارة تجب فيه زكاة التجارة كالسائمة (١).
وهذه الشروط: من نية التجارة، وبلوغ النصاب، وتمام الحول في عروض التجارة، تضاف إليها الشروط العامة في الزكاة التي ذكرتها في أول الزكاة)) (٢).
خامساً: حول عروض التجارة لا ينقطع بالمبادلة أو البيع:
فإذا اشترى عَرْضاً للتجارة بنقدٍ أو باعه به، بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض، وهي من جنس النقد، وحتى بهيمة الأنعام: من
стр. 192
الإبل، والبقر، والغنم، إذا قصد بها التجارة؛ فإنه يزكيها زكاة العروض، ولا ينقطع الحول إذا باعها وهي من عروض التجارة: سواء باعها بجنسها أو بغير جنسها، قال الإمام البغوي ﵀: ((أما حول [عروض] التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة، والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر)) (١).
سادساً: ربح عروض التجارة حوله حول رأس المال:
فلو ملك نصاباً من عروض التجارة وربح في قيمته، فإنه يزكي الجميع: رأس المال مع الربح، حتى لو لم يربح هذا الربح إلى آخر الحول، فإنه يزكيه مع رأس المال، أما إذا كانت قيمة التجارة دون النصاب ثم حصل الربح، فإن بداية الحول من كمال النصاب بالربح، وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة، وإن نقص سعر التجارة زكَّى القيمة الحاضرة (٢).
وإذا تم الحول على مال المضاربة فعلى صاحب المال زكاة رأس المال، وزكاة حصته من الربح؛ لأن حول الربح حول الأصل)) (٣).
سابعاً: تضم قيمة أنواع العروض إلى بعضها، وإلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب:
стр. 193
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا نعلم فيه خلافاً)) (١)، وقال ﵀ في موضع آخر: ((ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة ... )) (٢)(٣).
قال العلامة ابن عثيمين ﵀: (( ... تضم قيمة العروض إلى قيمة الذهب والفضة؛ لأن المقصود بهما القيمة)) (٤).
ثامناً: كيفية تقويم سلع عروض التجارة بما تبلغ قيمتها:
تقوَّم عروض التجارة عند تمام الحول بالأحظ لأهل الزكاة: من الدنانير من الذهب أو من الدراهم من الفضة، فإذا قُوِّمَت وصارت لا تبلغ النصاب باعتبار الذهب [الدنانير] وتبلغ النصاب باعتبار الفضة [الدراهم] فنأخذ بتقويمها باعتبار الفضة، فالأحظ للفقراء هو ما تبلغ به نصاباً من الذهب أو من الفضة، والعكس بالعكس، ولا يعتبر ما اشتريت به, وإنما المعتبر قيمة العروض عند تمام الحول (٥).
стр. 194
مثال: رجل اشترى عقاراً بمبلغ مليون جنيه وعرضه للتجارة, ودار عليه الحول, فكان سعره ثلاثة ملايين جنيه، فيزكي ثلاثة ملايين، ورجل اشترى بضاعة بمائة ألف, وعندما دار الحول كانت قيمتها خمسين ألفاً، فيزكي خمسين ألفاً، وهكذا، في جميع عروض التجارة: المعتبر قيمة التجارة عند تمام الحول (١).
تاسعاً: لا شيء في آلات التجارة التي لا يراد بيعها ولا في ما أُعدَّ للأجرة ، ولكن الزكاة في الأجرة إذا حال عليها الحول.
فإذا كان التاجر له في مخزنه: دواليب، وآلات، يستخدمها للعمل في تجارته، فلا زكاة فيها إلا إذا أراد بها عروض التجارة، ومثال ذلك: تاجر له: حفارات، ومكائن، وأجهزة يستعملها لإصلاح تجارته، أو له مطابع وآلات، فلا زكاة في هذه الآلات إذا لم يعدها للبيع، وإنما الزكاة في عروض التجارة التي يديرها، إلا إذا أعدها جميعاً للتجارة بحيث نوى أن يبيعها مع عرض التجارة ففيها الزكاة مع عروض التجارة (٢).
والآلات المعدة للإجارة لا زكاة فيها، إنما الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول، وبلغت النصاب.
مثال ذلك: تاجر يملك حفارات، وسيارات، ورافعات، يؤجرها
стр. 195
على الناس ولا يريد بيعها إنما يريد الحصول على أجرتها، فهذه لا زكاة فيها وإنما يزكي أجرتها إذا حال عليها الحول.
وكذلك: العمارات، والأسواق المؤجرة، لا زكاة فيها, إنما الزكاة في أجرتها، وما يحصل منها إذا حال عليها الحول (١).
عاشراً: مقدار الواجب في عروض التجارة: ربع العشر:
الواجب في زكاة عروض التجارة ربع عشر قيمتها عند تمام الحول؛ لقول النبي ﷺ في المقدار الواجب في الفضة: ((وفي الرقة ربع العشر)) (٢)، والرقة: الفضة، وقال في حديث علي ﵁: ((هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهماً درهمٌ وليس عليكم شيء حتى تتمَّ مائتي درهَمٍ، فإذا كانت مائتي درهَمٍ ففيها خمسة دراهم ... )) (٣)، وقال ﷺ في الذهب: (( ... فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار, فما زاد فبحساب ذلك)) (٤). فالواجب في زكاة عروض التجارة ربع عشر قيمتها، من الذهب، أو من الفضة بالأحظ لأهل الزكاة: مثال ذلك شخص يملك عقاراً قيمته عند تمام الحول مليون جنيه، فزكاته هي:
مليون تقسيم أربعين، يساوي خمسة وعشرين ألف جنيهاً
стр. 196
[١٠٠٠.٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥.٠٠٠ جنيهاً]
وشخص آخر له عروض تجارة قيمتها عند تمام الحول خمسون ألف ريالاً سعودياً، فزكاته: خمسون ألف تقسيم أربعين، يساوي: ألف ومائتين وخمسون ريالاً سعودياً.
[٥٠.٠٠٠ ÷ ٤٠ = ١٢٥٠ ريالاً] وهكذا (١).
стр. 197
الحادي عشر: زكاة الأسهم والسندات:
الأسهم والسندات معاملات معاصرة, تحتاج إلى فهمٍ لحقيقتها, ثم النظر في زكاتها على النحو الآتي:
١ - مفهوم الأسهم: ((الأسهم جمع سهم، وهو: حصةٌ في رأس مال شركة ما - أي شركة تجارية، أو عقارية، أو صناعية، ملاك أم شركة عقود - وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال)) (١).
وقيل: ((الأسهم حقوق ملكية جزئية، لرأس مال كبير، للشركات
стр. 198
المساهمة، أو التوصية بالأسهم، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال)) (١).
وقيل: ((السهم: هو صك يمثل حصة من الحصص المتساوية، المقسم إليها رأس المال المطلوب للمساهمة. وهذه المساهمة تخوِّل لصاحبها الحق في الحصول على ما يخصه من أرباح عند اقتسام الممتلكات، أو تحمَّل ما يخصه من الخسارة إن كانت)) (٢).
٢ - مفهوم السند: ((السند تعهد مكتوب: من البنك، أو الشركة، أو الحكومة لحامله بسداد مبلغ مقدر، من قرض في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة)) (٣).
وقيل: ((السند صك يتضمن تعهداً: من المصرف، أو الشركة، أو نحوهما لحامله بسداد مبلغ مقدر، في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة غالباً، بسبب قرضٍ عقدته شركة مساهمة، أو هيئة حكومية، أو أحد الأفراد)) (٤).
وقيل: ((السند هو جزء من قرض طويل الأجل، تدفع عليه فائدة ثابتة في ميعاد معين، وترد قيمته للمقرض في ميعاد متفق عليه)) (٥).
٣ - الفروق بين الأسهم والسندات:
السهم ... السندات
١ - صك يمثل جزءاً من رأس المال. ... ١ - صك يمثل جزءاً من قرض, ولا تدخل قيمته في رأس المال.
стр. 199
٢ - حامله شريك بقدر أسهمه. ... ٢ - حامله دائن وليس بشريك.
٣ - يصدر قبل تأسيس الشركة. ... ٣ - يصدر بعد التأسيس لتوسيع الأعمال.
٤ - كل شركة مساهمة لها أسهم. ... ٤ - لا يلزم أن يكون للشركة المساهمة سندات.
٥ - للمساهم حق الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية. ... ٥ - ليس لصاحبه الحق في الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية.
٦ - قد يفقد المساهم حصته بسبب إفلاس أو ديون الشركة. ... ٦ - لا تقع عليه أي أخطار، بل يتأذى بإعسار الشركة ولكن حصته مضمونة.
٧ - ربح المساهم يأخذه إذا ربحت الشركة وإلا فلا. ... ٧ - لصاحب السند فائدة مضمونة في الموعد المحدد ربحت الشركة أم خسرت.
٨ - لا يمكن إصداره بأقل من قيمته الإسمية. ... ٨ - يمكن إصداره بأقل من قيمته الإسمية.
٩ - أرباح السهم لا يعرف ميعاد دفعها بالضبط. ... ٩ - تدفع الفائدة على السند في ميعاد محدد معروف.
١٠ - لا يمكن خصم كوبون السهم. ... ١٠ - يمكن خصم كوبون السند.
١١ - لا تسدد قيمته إلا عند تصفية الشركة. ... ١١ - للسند وقت محدد لسداده.
١٢ - لا يكون لحامله إلا ما فضل بعد أداء ما على الشركة من ديون. ... ١٢ - لحامله الأولوية عند تصفية الشركة لأنه يمثل جزءاً من ديونها.
١٣ - جواز المعاملة بالسهم بيعاً وشراء إذا كانت الشركة مباحة ومعروفة ومشهورة, وليس فيها غرر ولا جهالة. ... ١٣ - السند بهذه الصفات يحمل قرضاً بفائدة, وهذا العمل حرمه الله ورسوله، وهو من ربا الجاهلية، ومن تعامل به فهو يدخل تحت اللعنة، وهو محارب لله ورسوله ﷺ (١).
٤ - حكم بيع الأسهم , على نوعين:
النوع الأول: أسهم في مؤسسات محرمة ، أو مكسبها حرام، أو تتعاون على الإثم والعدوان كالمصارف: الربوية, والبنوك التي تتعامل بالربا، أو مؤسسات نوادي القمار، أو دور لهو ومجون، أو غير ذلك مما حرم الله تعالى, فالمعاملة في هذه المؤسسات وغيرها مما يشبهها حرام, سواء كانت: مساهمة, أو بيعاً للأسهم, أو تعاملاً، قال الله تعالى:
стр. 200
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
النوع الثاني: أسهم في مؤسسات مباحة: كالشركات التجارية المباحة، والصناعية المباحة، والعقارية المباحة، فهذه المساهمة فيها جائزة والمشاركة فيها وبيع أسهمها، بشرط أن تكون الشركة معروفة، والقائمون عليها ثقات أمناء يراقبون الله تعالى ويتقونه, وليس فيها غرر ولا جهالة، فهذه جائزة؛ لأن السهم جزء من رأس المال يعود على صاحبه بربح ناشئ من كسب التجارة والصناعة المباحة، وهذا حلال بلا شك (٢).
٥ - حكم بيع السندات وشرائها ، والتعامل بها، إذا كانت على الصفات المذكورة في الجدول الموضح في الصفحة قبل السابقة، فهي عبارة عن قرض بفائدة، وهذا عين الربا، الذي كان موجوداً في الجاهلية، فإصدار هذه السندات من أول الأمر عمل غير شرعي، فيكون تداولها بالبيع والشراء غير جائز شرعاً، ولا يصح لحامل السند بيعه بهذه الصفات المذكورة آنفاً، وعليه التوبة، وله رأس ماله: لا يظلم, ولا يظلم (٣).
٦ - كيفية زكاة الأسهم: زكاة الأسهم على نوعين:
стр. 201
النوع الأول: المساهمة في الشركات الصناعية المحضة مثل: شركات الأدوية، والكهرباء، والإسمنت، والحديد، ونحوها من الشركات الصناعية، والمشتركون فيها لا يريدون بيعها, وإنما يريدون استثمارها باستمرار دائم، فهذه تجب الزكاة في صافي أرباحها ربع العشر [٢.٥%] إذا بلغت الأرباح نصاباً وحال عليها الحول، فكل مساهمٍ يجب عليه تزكية أرباح أسهمه كل سنة بالشروط المتقدمة آنفاً، قياساً على العقارات المعدة للأجرة والكراء.
النوع الثاني: المساهمة في شركات تجارية محضة ، تشتري البضائع وتبيعها: كالاستيراد، والتصدير، والبيع, والشراء، والمضاربات، ونحوها من المساهمات في الشركات التجارية المباحة التي لا يقصد المساهم فيها الاستمرار دائماً, وإنما يقصد المتاجرة في البيع والشراء، طلباً للربح، فالزكاة واجبة في جميع ما يملك المساهم وزكاتها: زكاة عروض التجارة، تقوَّم في آخر كل عام, ثم تزكَّى إذا بلغت نصاباً مع أرباحها، فالزكاة تكون في رأس المال مع الربح جميعاً (١). وهذا التقسيم الذي يفتي به شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀، قال ﵀: ((إذا كانت الأسهم للاستثمار لا للبيع فالواجب تزكية أرباحها، من النقود إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب.
أما إذا كانت الأسهم للبيع فإنها تزكى مع أرباحها كلما حال الحول على الأصل، حسب قيمتها حين تمام الحول ... )) (٢).
стр. 202
٧ - زكاة السندات: السندات المذكورة بصفاتها السابقة محرمة لا يجوز التعامل بها: بيعاً, وشراء، ولكن من وقع فيها فعليه التوبة وله رأس ماله، لا يظلم ولا يظلم، وعلى كل حال: فالسندات ديون مؤجلة، ولا يمنع من زكاتها كون الفائدة محرمة, إذ إن التحريم لا يكون سبباً في إعفاء صاحب السند من الزكاة. والصحيح من أقوال أهل العلم في زكاة الدين أنه على نوعين:
النوع الأول: دينٌ على مليء معترفٍ به باذلٍ له، فعلى صاحبه زكاته كل سنة كلما حال عليه الحول كأنه عنده، وهو عند المدين كالأمانات (١).
النوع الثاني: دينٌ على معسرٍ, أو جاحدٍ، أو مماطل، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يلزم صاحب المال زكاته حتى يقبضه، ثم يستقبل به عاماً جديداً, فإذا حال عليه الحول بعد قبضه زكَّاه، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة لما مضى كان أحسن وفيه احتياط، لكن لا يلزمه ذلك (٢).
وأختم هذه المسألة بسؤال وُجِّه للجنة الدائمة, للبحوث العلمية، والإفتاء، هذا نصه, وجوابه:
س: هل على الأسهم والسندات زكاة؟ وكيف نخرجها؟
جـ: تجب الزكاة في الأسهم والسندات إذا كانت تمثل نقوداً، أو
стр. 203
عروضاً للتجارة، بشرط أن يكون من في ذمته النقود ليس معسراً، ولا مماطلاً)) (١).
стр. 204
المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر
أولاًَ: مفهوم زكاة الفطر:
الزكاة لغة: النماء، والزيادة، والطهارة، والبركة، يقال: زكى الزرع: إذا نما وزاد (١).
الفطر: اسم مصدر، من قولك: أفطر الصائم، يفطر إفطاراً؛ لأن المصدر منه: الإفطار، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن، والنفس، وإضافة الزكاة إلى الفطر، من إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن الفطر من رمضان سبب وجوبها، فأضيفت إليه؛ لوجوبها به، فيقال: ((زكاة الفطر)).
وقيل لها: فطرةٌ؛ لأن الفطرة: الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢). أي جِبلَّته التي جبل الناس عليها، وهذه يراد بها الصدقة عن: البدن، والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن المال (٣)، ويقال: ((زكاة الفطر، وصدقة الفطر، ويقال للمُخْرَج: فطرة, وهي اصطلاحية للفقهاء، كأنها من الفطرة التي هي الخلقة: أي زكاة الخلقة)) (٤).
زكاة الفطر في الاصطلاح: ((هي الصدقة تجب بالفطر من رمضان،
стр. 205
طهرة للصائم: من اللغو، والرفث)) (١).
وقيل: ((إنفاق مقدار معلوم، عن كل فرد مسلم يُعيله، قبل صلاة عيد الفطر، في مصارف مخصوصة)) (٢).
وقيل: ((صدقة واجبة بالفطر من رمضان، وتسمى فرضاً، ومصرفها كزكاةٍ)) (٣).
والحدُّ الذي يشمل التعريفات المتقدمة كلها، وهو: أن يقال: زكاة الفطر: صدقة معلومة بمقدار معلوم، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة، عن طائفة مخصوصة، لطائفة مخصوصة، تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، والله تعالى أعلم.
ثانياً: الأصل في وجوب زكاة الفطر: عموم الكتاب وصريح السنة والإجماع:
أما عموم الكتاب ، فقيل: قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٤)(٥). وعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ
стр. 206
فَخُذُوهُ﴾ (١).
وأما السنة ؛ فلأحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله ابن عمر ﵄، وفيه: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين ... )) (٢).
وأما الإجماع ، فأجمع أهل العلم: أن صدقة الفطر فرض، قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض، وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء، إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الأطفال، الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر)) (٣).
ثالثاً: شروط وجوب زكاة الفطر ثلاثة شروط:
الشرط الأول: الإسلام ، فتجب على كل مسلم: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجل أو امرأة، صغيرٍ أو كبيرٍ؛ لحديث ابن عمر ﵄، وفيه: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، على كل نفس من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ)) (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملته أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم، مع الصغر والكبر،
стр. 207
والذكورية والأنوثية, في قول أهل العلم عامة، وتجب على اليتيم, ويخرج عنه وليه من ماله، وعلى الرقيق)) (١).
الشرط الثاني: الغنى ، وهو أن يكون عنده يوم العيد وليلته صاع، زائد عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية (٢).
الشرط الثالث: دخول وقت الوجوب ، وهو غروب الشمس من ليلة الفطر؛ لقول ابن عمر ﵄: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان)) (٣) وذلك يكون بغروب الشمس، من آخر يوم من أيام شهر رمضان، فمن أسلم أو تزوج، أو وُلِدَ له ولد، أو مات قبل الغروب لم تلزمه فطرتهم، وإن غربت وهم عنده ثم ماتوا فعليه فطرتهم؛ لأنها تجب في الذمة، فلم تسقط بالموت ككفارة الظهار (٤).
رابعاً: الحكمة من وجوب زكاة الفطر:
لا شك أن مشروعية زكاة الفطر لها حِكم كثيرة من أبرزها وأهمها الحكم الآتية:
١ - طُهرةٌ للصائم ، من اللغو والرفث، فترفع خلل الصوم، فيكون بذلك تمام السرور.
٢ - طعمةٌ للمساكين ، وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد،
стр. 208
وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع.
٣ - مواساةٌ للمسلمين: أغنيائهم، وفقرائهم ذلك اليوم، فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى، والسرور والاغتباط بنعمه ، وهذه الأمور تدخل في حديث ابن عباس ﵄ ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: طهرة للصائم، من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين ... )) (١).
٤ - حصول الثواب والأجر العظيم بدفعها لمستحقيها في وقتها المحدد؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس المشار إليه آنفاً: ((فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) (٢).
٥ - زكاة للبدن حيث أبقاه الله تعالى عاماً من الأعوام، وأنعم عليه سبحانه بالبقاء؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والحر والعبد، والكامل والناقص في مقدار الواجب: وهو الصاع.
٦ - شكر نعم الله تعالى على الصائمين بإتمام الصيام، ولله حكم، وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين (٣).
стр. 209
خامساً: زكاة الفطر فرض على كل مسلم فَضُل عنده يوم العيد وليلته
صاع من طعام ، عن قوته وقوت أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر في رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، صغيرٍ، أو كبيرٍ، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير)) وهذا لفظ مسلم في رواية, ولفظ البخاري: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)). وفي لفظٍ للبخاري عن نافع عن ابن عمر: ((فرض النبي ﷺ صدقة الفطر – أو قال: رمضان – على الذكر، والأنثى، والحر، والمملوك: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من برٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر, فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيراً، فكان ابن عمر يُعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي بنيَّ، وكان ابن عمر ﵄ يُعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)) (١).
ويستحب إخراج زكاة الفطر عن الحمل؛ لفعل عثمان ﵁ (٢).
стр. 210
وتخرج عن المملوك يخرجها سيده عنه؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده صدقة إلا صدقة الفطر)) (١).
سادساً: وقت إخراج زكاة الفطر:
وقَّت النبي ﷺ وقت إخراج زكاة الفطر في حديث ابن عمر السابق بقول ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : ((وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) (٢). أي صلاة العيد. وفي رواية عن ابن عمر ﵄: ((وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)) (٣)؛ ولكن الأفضل أن تخرج يوم العيد قبل الصلاة؛ لسد حاجة الفقراء يوم العيد، وإغنائهم يوم العيد عن المسألة.
ولا يجوز تأخيرها بعد الصلاة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) (٤).
стр. 211
ولكن زكاة الفطر لا تجب إلا بغروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن أسلم بعد الغروب، أو تزوج، أو وُلِد له وَلدٌ، أو مات قبل الغروب لم تلزم فطرتهم (١).
سابعاً: درجات إخراج زكاة الفطر على النحو الآتي:
الدرجة الأولى: جواز تقديم زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ لحديث ابن عمر ﵄، وفيه: (( ... وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)) (٢)، وفي لفظ للإمام مالك: ((أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة)) (٣). قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((ووقتها ليلة عيد الفطر إلى ما قبل صلاة العيد؛ ويجوز تقديمها يومين أو ثلاثة)) (٤). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((ولا مانع من إخراجه قبله بيوم أو يومين, أو ثلاثة، ولكن لاتؤجل
стр. 212
بعد العيد)) (١)(٢).
الدرجة الثانية: وقت الوجوب: هو غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج، أو ملك عبداً، أو وُلِد له ولد، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة، وإن كان ذلك بعد الغروب لم تلزمه، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه الإمام أحمد، وبه قال الثوري، وإسحاق، ومالك في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه (٣).
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في أول وقت الوجوب لزكاة الفطر: ((إنما يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، وهو أول ليلة من شهر شوال، وينتهي بصلاة العيد؛ لأن النبي
стр. 213
- ﷺ أمر بإخراجها قبل الصلاة)) (١)(٢).
الدرجة الثالثة: المستحب إخراج زكاة الفطر يوم الفطر قبل صلاة العيد؛ لأن النبي ﷺ أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، كما في حديث ابن عمر ﵄ (٣)، وكما قال ابن عباس ﵄ ((فمن أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) (٤).
الدرجة الرابعة: لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد على القول الصحيح، فمن أخَّرها بعد الصلاة بدون عذر، فعليه التوبة، وعليه أن يخرجها على الفور، قال العلامة ابن مفلح ﵀: ((وفي الكراهة بعدها وجهان، والقول بها أظهر؛ لمخالفة الأمر، وقيل: تحرم بعد الصلاة، وذكر صاحب المحرر أن أحمد ﵀: أومأ إليه، وتكون قضاءً، وجزم به ابن الجوزي)) (٥). وقال الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز ﵀: ((الواجب ... إخراجها قبل صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد)) (٦).
وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين، ﵀، في تعمد إخراجها
стр. 214
بعد صلاة العيد: ((والصحيح أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر [﵄: أن النبي] ((أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) (١) فإذا أَخَّرها حتى يخرج الناس من الصلاة، فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود؛ لقوله ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢) بل إن حديث ابن عباس ﵄ صريح في هذا، حيث قال: ((من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) (٣)، وهذا نص في أنها لا تجزئ ... )) (٤). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عندما سُئِلت عن وقت زكاة الفطر هل يمتد الوقت إلى آخر يوم العيد؟ فبينوا وقتها ثم قالوا: (( ... فمن أخرها عن وقتها فقد أثم، وعليه أن يتوب من تأخيره، وأن يخرجها للفقراء)) (٥). وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم (٦)(٧).
стр. 215
ثامناً: مقدار زكاة الفطر وأنواعها:
هو صاع من قوت البلد الذي يأكله الناس، وقد ثبت في حديث ابن عمر ﵄ الذي ذكرته آنفاً أنه قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير ... )). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه كان يقول: ((كنا نخرج زكاة الفطر: صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب)). وفي لفظ للبخاري: ((كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ ... )). وفي لفظ لمسلم: ((كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر: عن كل صغير، وكبير، حرٍّ أو مملوك: صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو معتمراً, فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت)) (١).
وفي لفظ ابن ماجه قال أبو سعيد: ((لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ أبداً ما عشت)) (٢). وفي حديث أبي سعيد زيادات لم أذكرها؛ لأن فيها نظراً (٣)، أما رأي معاوية ﵁ في أن البر يعدل المد منه