وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١).
٢٩ – يزيد الله تعالى من أدى الزكاة طيبة بها نفسه هُدىً وإيماناً ، قال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٣).
وقال في طاعة النبي ﷺ في الأمر والابتعاد عن النهي، ومن ذلك طاعته ﷺ في الزكاة: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٤).
٣٠ – شهد الله تعالى للمنفقين بالهدى والفلاح ، قال الله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥). فأداء الزكاة من أعظم صفات أهل التقوى الذين ينتفعون بالقرآن.
٣١ – أداء الزكاة والصدقة من أعظم قضاء الحوائج وتفريج الكربات والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من
стр. 37
نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... )) (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄, وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) (٢).
٣٢ – أداء الزكاة أو الصدقة إلى الضعفاء الفقراء من أسباب النصر والرزق ؛ لحديث سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟)) (٣)؛ ولحديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان أخوان على عهد النبي ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ ، والآخر يحترف, فشكى المحترف أخاه إلى النبي ﷺ , فقال: ((لعلك تُرزق به)) (٤).
٣٣ – المتصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى يفوز بثناء الله تعالى , وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن، قال الله :
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥).
стр. 38
٣٤ - من أعظم أسباب رحمة الله تعالى للعبد في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).
وقال الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) (٣). وقال ﷺ : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (٤). وقال ﷺ : ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي)) (٥). وقال ﷺ : ((إن أبعد الناس من الله القلب القاسي)) (٦).
٣٥ - وعد الله تعالى المؤمنين المتصدقين بالجنة وما فيها من النعيم المقيم، والرضوان العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 39
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
٣٦ - وعد الله بالفلاح والفردوس لمن قام بأداء الزكاة مع الصفات الجميلة الأخرى , قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
٣٧ - أداء الزكاة من أعظم أنواع الإحسان , وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بما يرغب كل من عرف فضل الإحسان بالإحسان؛ لعظم شأنه عند الله ، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٥). وقال : ﴿إِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
٣٨ - في إعطاء العاملين على الزكاة منها - إذا لم يكن لهم مرتب أو أجرة من بيت المال- كفاية لهم ولأسرهم مدة قيامهم بجبايتها من الناس وصرفها لمستحقيها، وفي إعطائهم منها: إعانة لهم على الخير وتشجيعهم على الاستمرار على هذا العمل؛ ليعينوا إخوانهم الأغنياء على إخراج الزكاة الواجبة عليهم، ويعينوا إخوانهم الفقراء في إيصالهم ما فرض الله
стр. 40
لهم، وتحصيل حقوقهم دون أن تتطلع نفوس العاملين عليها إلى الخيانة فيها وسوء التصرف فيها.
٣٩ - في إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم: ترغيبهم في الإسلام، وتحبيبه إليهم، وتقوية ما في قلوبهم من الإيمان، أو كف شرهم عن المسلمين، وإيصال الدعوة إلى من لديهم من المستضعفين.
٤٠ - في إعطاء الغارمين الزكاة نوع من التخفيف عنهم من همِّ الديون بالليل وتحريرهم من ذلها بالنهار؛ فإن الدين همٌّ على المؤمن بالليل وذلٌّ بالنهار.
٤١ - تجهيز المقاتلين في سبيل الله تعالى، وإعداد ما يلزم من العدد والعتاد، لقتال أعداء الإسلام، ونشر الإسلام بين الأمم والدفاع عن الإسلام وديار المسلمين، وكف الظلم، ودفع العدوان، وقطع دابر الكافرين ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). فتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
٤٢ - مساعدة المسلم المسافر إذا انقطع من النفقة في طريقه لنفاد نفقته أو سرقة أو ضياع، ولم يجد ما يكفيه لمؤنة سفره، ففي إعطائه الزكاة إحسان إليه، ومواساة له في حال غربته، فيعطى من الزكاة ما يسد حاجته حتى يعود إلى بلاده (٢).
٤٣ - في إعطاء الزكاة في تحرير الرقاب تحرير للرقيق الذي أذله الرق،
стр. 41
فيكون بأخذه للزكاة أو إعتاقه منها حرًّا عبداً لله ، يقوم بعبادة الله ، وهو على كمال في الحرية من ملك العباد وتفريغه لعبادة رب العباد.
٤٤ - يترتب على أداء الزكاة الأجر العظيم، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١).
وقال : ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب, ولا يقبل الله إلا الطيب))، [وفي لفظ ((فإن الله يتقبَّلُها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوَّه (٣) , حتى تكون مثل الجبل])) (٤).
стр. 42
المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام
الزكاة: واجبة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على كل مسلم، حر، مالك لنصابٍ، مستقرٍّ، مضى عليه الحول في غير المعشر (١).
أما الكتاب، فلقول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). وفي آيات كثيرة أمر الله فيها بأداء الزكاة.
وأما السنة؛ فلحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فقال: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وفي لفظ: ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله , فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ... )) (٣).
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة إذا اكتملت الشروط، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها (٤).
стр. 43
المبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة خمسة على النحو الآتي:
الشرط الأول: الإسلام ، وضده الكفر، فلا تؤخذ الزكاة من الكافر ولا تقبل منه، سواء كان كافراً أصليًّا أو مرتدًّا؛ لأن الزكاة من فروع الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (١).
ومما يدل على أن الإسلام شرط لوجوب الزكاة قول النبي ﷺ لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ... )) (٢). فجعل الإسلام شرطاً لوجوب الزكاة (٣).
والزكاة طهرة للمسلم، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤). أما الكافر فهو نجس لا يطهر إلا بالدخول في الإسلام (٥).
والكافر لا تقبل منه الزكاة، ولا تؤخذ منه، ويحاسب عليها يوم القيامة، قال الله تعالى عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ
стр. 44
الْمُصَلِّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (١).
فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة وإطعام المسكين ما ذكروا ذلك سبباً في دخولهم النار (٢).
وهذا يدل على أن الكفار يعاقبون ويعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام (٣).
الشرط الثاني: الحرية , وضدها الرق, فلا تجب الزكاة على رقيق – وهو العبد المملوك؛ لأنه لا يملك شيئاً؛ لأن المال الذي بيده لسيده؛ لحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبَّر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع, ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)) (٤). ولا تجب على مكاتب؛ لأنه عبد؛ ولأن ملكه غير تام, فهو كالعبد؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم)) (٥)(٦).
стр. 45
الشرط الثالث: مِلْكُ نصابٍ ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة)) (١). فإذا ملك المسلم نصاباً اعتبر من الأغنياء؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: (( ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ... )) (٢). وملك النصاب يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فلا زكاة عليه حتى يبلغ ماله النصاب الذي قدره الشرع، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك عند الكلام عن أصناف الأموال الزكوية (٣).
الشرط الرابع: استقرار الملك ، بأن يكون المالك للشيء يملكه مِلكاً مستقرًّا (٤)، ويعبر عن هذا الشرط أيضاً: بـ ((تمام الملك)) (٥) أو ((الملك التام)) (٦)، ومعنى تمام الملك: أن لا يتعلق به حق غيره بحيث يكون له التصرف فيه (٧).
стр. 46
فلا زكاة على السيد في دين الكتابة، لعدم استقراره؛ ولنقصان الملك فيه (١)؛ فإن السيد إذا باع مملوكه بدراهم على نفسه وبقيت عند مملوكه المكاتب سنة فلا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه فيقول: لا أستطيع أن أوفي. وإذا كان لا يستطيع أن يؤدي ما عليه فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر (٢).
ولا زكاة في الوقف على غير معين، كالوقوف على فقراء، أو على المساجد، أو المجاهدين، أو المدارس أو غير ذلك من وجوه البر (٣). أما الوقف على معين ففيه الزكاة، كعلى بني فلان (٤)(٥).
وكذلك الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها وجبت فيها الزكاة، ولكن لا يستقر الوجوب إلا بالتمكن منها, فما دامت على رؤوس الشجر أو على رؤوس الزرع فإنه لا يتمكن منها تمكناً تامًّا حتى يحصد الزرع ويؤويه إلى الجرين، وحتى يجذ النخل، فلو أصابت الزرع أو النخل آفة قبل الحصاد والجذاذ وتلف المحصول من غير تفريط من صاحبه فإنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه لم يستقر عليه بعد (٦) والله تعالى أعلم (٧).
стр. 47
الشرط الخامس: مضي الحول في غير المعشر ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) (١)؛ ولحديث علي ﵁ وفيه: ((وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه)) (٣). والمعنى أنه لا زكاة في مال حتى يمر عليه اثنا عشر شهراً من حين تملكه (٤). والحول يشترط لوجوب الزكاة في ثلاثة أموال: السائمة من بهيمة الأنعام، والأثمان: من الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة (٥).
ويستثنى أشياء لا يشترط لها تمام الحول, وهي على النحو الآتي:
الأول: المعشر ، وهو الأموال التي يجب فيها العشر أو نصفه، وهي الحبوب والثمار؛ لأن الخارج من الأرض تجب الزكاة فيه عند حصاده, ولو لم تمر عليه سنة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٦).
стр. 48
الثاني: نتاج السائمة أي أولادها؛ لأن حول أولاد السائمة -من بهيمة الأنعام- حول أمهاتها, فتزكى مع أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصاباً، وإن كانت الأمهات لم تبلغ نصاباً, فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه تبع الأصل.
الثالث: ربح التجارة حوله حول رأس المال ، فلو ملك نصاباً من النقود واتجر به وربح فإنه يزكي الجميع: رأس المال والربح حتى لو لم يربح هذا الربح، إلا في آخر السنة، فإنه يزكيه مع رأس المال.
أما إذا كان رأس المال دون النصاب ثم ربح فإن بداية الحول من كمال النصاب (١).
الرابع: الركاز، وهو ما يوجد من دفن الجاهلية ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً وفيه: (( ... وفي الركاز الخمس)) (٢)، فبمجرد وجوده ففيه الخمس؛ ولأن وجوده يشبه الثمار والحبوب الخارجة من الأرض، تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد (٣).
الخامس: المعدن ، وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبَح،
стр. 49
والكحل، والزاج- الكبريتات- والقار، والنفط، وغير ذلك مما يسمى معدناً, فإذا وجد الإنسان معدناً يبلغ نصاباً, فيجب أداء زكاته فوراً من حين العثور عليه, ولا يعتبر له الحول؛ لأنه كالزروع والثمار، والركاز، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر (١)(٢). قال الإمام الخرقي ﵀: ((وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالاً أو من الورق مائتي درهم، أو قيمة ذلك من الزئبق، والرصاص، والصُّفر أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض فعليه الزكاة من وقته)) (٣). والله تعالى أعلم (٤).
وينقطع الحول بأمور على النحو الآتي:
الأول: إذا نقص النصاب أثناء الحول قبل تمامه انقطع الحول ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة وقبل تمام الحول نقصت واحدة فلا زكاة في الباقي؛ لقوله ﷺ : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) (٥)؛ ولأن وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة.
стр. 50
الثاني: إذا باع النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فراراً من الزكاة انقطع الحول، إلا في عروض التجارة، ومثال ذلك: رجل يملك أربعين شاة سائمة وقبل تمام الحول باعها بدراهم لا فراراً من الزكاة، وهذه الأغنام لا يقصد بها عروض التجارة، ففي هذه الحالة ينقطع الحول.
الثالث: إذا أبدل النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فراراً من الزكاة انقطع الحول، مثال ذلك: رجل عنده أربعون من الغنم أبدلها ببقر، أو أبدلها بإبل، فإن الحول ينقطع, ويبدأ من أول الحول في البقر أو الإبل.
ولا شك أن هذا يدخل في بيع النصاب؛ لأن تعريف البيع ينطبق عليه؛ فإن البيع هو مبادلة مال ولو في الذمة بمثل أحدهما.
أما إذا باعه أو أبدله بجنسه؛ فإن الحول لا ينقطع ، مثال ذلك: رجل باع ذهباً بذهب، أو فضة بفضة أو غير ذلك من جنسه، أو أبدل أربعين شاة بأربعين شاة، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنه أبدله بجنسه، أما إذا فعل شيئاً من ذلك فراراً من الزكاة، فإن الحول لا ينقطع (١).
قال الإمام الخرقي-رحمه الله تعالى-: ((وإذا باع ماشية قبل الحول بمثلها زكَّاها إذا تم حول من وقت مِلكِهِ الأول)) (٢).
قال الإمام ابن قدامة-﵀: ((وجملته أنه إذا باع نصاباً للزكاة مما يعتبر فيه الحول بجنسه: كالإبل بالإبل، أو البقر بالبقر، أو الغنم بالغنم، أو
стр. 51
الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، لم ينقطع الحول, وبنى حول الثاني على حول الأول، وبهذا قال مالك (١) ... ووافقنا أبو حنيفة في الأثمان (٢) ... قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة, فيبيعها بضعفها من الغنم: أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟ قال: بل يزكيها كلها، على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي (٣)؛ لأن نماءها معها قلت: فإن كانت للتجارة، قال يزكيها كلها على حديث حماس (٤). فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مئتان فباعها بمائة فعليه زكاة مئة واحدة)) (٥).
قال الخرقي ﵀: (( ... وكذلك إن أبدل عشرين ديناراً بمائتي درهم أو مائتي درهم بعشرين ديناراً لم تبطل الزكاة بانتقالها (٦))) , قال ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك أنه متى أبدل نصاباً من غير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف
стр. 52
حولاً (١) إلا الذهب بالفضة أو عروض التجارة؛ لكون الذهب والفضة كالمال الواحد, إذ هما أروش الجنايات, وقيم المتلفات, ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة, وكذلك إذا اشترى عرضاً للتجارة بنصاب من الأثمان (٢) , أو باع عرضاً بنصاب لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تجب في قيمة العروض لا في نفسها, والقيمة هي الأثمان (٣) فكانا جنساً واحداً, وإذا قلنا: إن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى صاحبه لم يُبْنَ حول أحدهما على حول الآخر؛ لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر؛ فلم يُبنَ حولُه على حولِه: كالجنسين من الماشية (٤) , وأما عروض التجارة؛ فإن حولها يُبنى على حول الأثمان بكل
стр. 53
حال)) (١)، والله تعالى أعلم (٢).
أما حول عروض التجارة فلا ينقطع الحول بالمبادلة أو البيع , إذا اشترى عرضاً لتجارة بنقد أو باعه به بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض, وهي من جنس النقد, وحتى الإبل والبقر والغنم إذا قصد بها التجارة: فإنه يزكيها زكاة العروض, ولا ينقطع الحول إذا كانت من عروض التجارة, سواء باعها بجنسها أو غير جنسها, إذا كانت من عروض التجارة (٣).
стр. 54
قال الإمام البغوي ﵀: ((أما حول عروض التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة, والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر)) (١). وإذا حصل ربح في التجارة فحول الربح يبنى على حول الأصل, وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة, وإن نقص سعر التجارة زكى القيمة الحاضرة (٢).
стр. 55
المبحث السادس: زكاة الدين على النحو الآتي
١ - الصواب من أقوال أهل العلم أن الدين الذي ينقص النصاب لا يمنع الزكاة , ومثاله: رجل يملك عشرة آلاف ريال حال عليها الحول, وعليه دينٌ يبلغ خمسة آلاف ريال, فعليه زكاة العشرة إلا أن يقضي الدين قبل أن يحول عليه الحول, فليس عليه زكاة إلا في الباقي بعد الدين, وكذلك لو كان عليه دين يستغرق النصاب أو يزيد عليه فعليه زكاة المال الذي يحول عليه الحول وهو عنده, ومثال ذلك: رجل عليه دين ثلاثون ألفاً وعنده خمسة وعشرون ألفاً دار عليها الحول, إنه يزكي
كل ما دار عليه الحول، وإن كان صادقاً فليقضِ الدين قبل أن يحول الحول؛ لأن النبي ﷺ كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة, ولم يأمرهم أن يسألوهم:
هل عليهم دين أم لا؟ ولو كان الدين يمنع الزكاة؛ لأمر النبي ﷺ عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة: هل عليهم دين؟ (١) , وهو قول ربيعة, وحماد بن أبي سليمان, والشافعي في جديد قوليه؛ لأن المالك حر مسلم, ملك نصاباً حولاً فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه (٢).
стр. 56
والله تعالى أعلم (١).
٢ - زكاة الدين على نوعين:
النوع الأول: دينٌ على مليء مُعترفٍ به باذلٍ له , فعلى صاحبه زكاته كل سنة, كلما حال عليه الحول, كأنه عنده وهو عند المدين كالأمانات, وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يختار هذا القول (٢) , وهو قول عثمان, وابن عمر, وجابر ﵃ , وطاوس, والنخعي, وجابر بن زيد, والحسن, وميمون ابن مهران, والزهري, وقتادة, وحماد بن أبي سليمان, والشافعي, وإسحاق, وأبي عبيد, قالوا: عليه إخراج الزكاة في الحال, وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه, فلزمه إخراج زكاته كالوديعة (٣) , وهذا هو الراجح
стр. 57
إن شاءالله تعالى (١).
النوع الثاني: أن يكون الدين على معسر, أو جاحد, أو مماطل , فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يلزم صاحب الدين أداء الزكاة عنه حتى يقبضه من هذا المعسر أو المماطل, فإذا قبضه استقبل به حولاً جديداً, فإذا حال الحول زكاه, ولا تلزمه زكاته إذا قبضه إلا بعد حول كامل على الصحيح، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة كان أحسن وفيه احتياط, لكن لا يلزمه ذلك, وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى يختار هذا القول (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 58
٣ - حكم إسقاط الدين من الزكاة:
لا يجوز إسقاط الدين من الزكاة؛ لأن الواجب إنظار المعسر, حتى يسهل الله له القضاء؛ ولأن الزكاة إيتاء وإعطاء, وبذل للمال لمستحقه وليست إبراء من الديون, وإسقاط الدين عن المعسر ليس إيتاء ولا إعطاء, وإنما هو إبراء؛ ولأنه يقصد من ذلك وقاية المال لا مواساة الفقراء (١).
стр. 59
المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة
المسألة الأولى: تجب الزكاة في عين المال (١) ولها تعلق بالذمة: كالذهب, والفضة, والإبل, والبقر, والغنم السائمة, والحبوب, والثمار بخلاف عروض التجارة تجب في ذمة المزكي, والدليل على وجوبها في عين المال؛ قول النبي ﷺ : (( ... وفي الغنم في كل أربعين شاة ... )) (٢) , وقوله ﷺ في زكاة الحبوب والثمار: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر)) (٣)، وقوله ﷺ في زكاة الإبل: (( ... فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ... )) (٤)، وقوله ﷺ في زكاة البقر: (( ... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة)) (٥)، وقوله ﷺ في زكاة الذهب والفضة: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار ... )) (٦).
стр. 60
وهذا معنى كون الزكاة تجب في عين المال: أي يجب إخراج الزكاة من نفس المال؛ لكن لها تعلق بالذمة: يعني لو تلف المال بعد وجوب الزكاة فيه وهذا المال مستقر في ملكه فإن تلفه لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنها صارت ديناً في ذمته؛ لأنه عندما تم الحول كان عليه أن يبادر بإخراجها ولكنه تأخر.
أما عروض التجارة فتجب زكاتها في الذمة (١).
المسألة الثانية: لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء ؛ لقول النبي
стр. 61
- ﷺ : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) (١). فمفهوم الحديث وجوب الزكاة عند تمام الحول؛ ولأن هذه عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان الأداء، كسائر العبادات؛ فالصوم يجب على الحائض، والمريض العاجز عن أدائه، والصلاة تجب على المغمى عليه، والنائم، والحج يجب على من أيسر في وقت لا يتمكن من الحج فيه، أو منعه من المضي مانع (٢)، فتجب الزكاة في المال الغائب وفي الدين، فكون المالك ليس متمكناً من إخراج الزكاة؛ لغيبة ماله أو كونه ديناً لا يسوغ ذلك إسقاط الزكاة عنه (٣).
المسألة الثالثة: لا يعتبر في وجوب الزكاة بقاء المال ، فالزكاة لا تسقط بتلف المال على الصحيح إذا تعدَّى أو فرط, أما إذا لم يتعدَّ ولم يفرط فإنها تسقط بتلف المال على الصحيح، ومعنى التفريط: أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها, وإن لم يتمكن من إخراجها فليس بمفرط, سواء كان ذلك لعدم المستحق؛ أو لبعد المال عنه؛ أو لكون الفرض لا يوجد في المال, ويحتاج إلى شرائه فلم يجد ما يشتري به، أو كان في طلب الشراء، أو نحو ذلك (٤)، والله
стр. 62
تعالى أعلم (١).
المسألة الرابعة: الزكاة كالدين في التركة ، فلا تسقط بموت صاحب المال، وتخرج من ماله وإن لم يوصِ بها؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت
стр. 63
قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟)) قالت: نعم. قال: ((اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء)) (١). وفي لفظ: ((فاقضوا الله الذي له؛ فإن الله أحق بالوفاء)) (٢). وفي رواية: أن رجلاً قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: ((فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء)) (٣).
وإذا وجبت الزكاة على الميت وعليه دين بَرَهْنٍ وضاق المال قُدِّم الدين برهن، فإن كان عليه دين بدون رهن وضاق المال قسم المال بالحصص بين دين الله ودين الآدمي على القول الراجح (٤)، والله أعلم (٥).
стр. 64
المسألة الخامسة: تجب الزكاة على الفور ، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه والتمكن منه؛ لأن الأمر بالزكاة يقتضي الفور؛ ولذلك يستحق المؤخِّرُ للامتثال العقابَ، ولو أن رجلاً أمر مملوكه أن يسقيه فتأخر ولم يستجب على الفور استحق العقوبة، ولله المثل الأعلى؛ ولأن التأخير ينافي الوجوب؛ لكون الواجب ما يستحق العقاب صاحبه على تركه؛ ولأن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء ونحوهم وهي ناجزة فيجب أن يكون الوجوب ناجزاً، فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحقُّ بها من ذوي القرابة، أو ذوي الحاجة الشديدة جاز إذا كان وقتاً يسيراً وإن كان كثيراً لم يجز، لكن لو عجلها إليهم قبل نهاية الحول جاز، فإن أخرج الزكاة فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت لم تسقط عنه الزكاة؛ لأن الزكاة حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلم يبرأ منه بذلك كدين الآدمي (١)(٢).
стр. 65
المسألة السادسة: شروط صحة الزكاة: النية والمتابعة:
١ - النية: لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية، والنية نيتان:
أ - نية المعمول له وهو الله تعالى ، وهي نية الإخلاص لله تعالى، بحيث يقصد بذلك وجه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).
وقال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٢).
ب - نية العمل وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض ، ومن العبادات العظيمة أداء الزكاة، فتجب النية في أداء الزكاة؛ للحديث السابق؛ لأن الزكاة عمل؛ ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل فافتقرت إلى النية، كالصلاة، والنية في أداء الزكاة: أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه: كالصبي والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل العبادات كلها القلب (٣).
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((النية في إخراج الزكاة على أربعة أقسام:
الأول: أن تكون شرطاً من المالك فقط، وذلك فيما إذا فرقها مالكها المكلف بنفسه.
الثاني: أن تكون شرطاً من غيره فقط وذلك فيما إذا كان المالك غير مكلف، فينوي إخراجها وليه في ماله.
стр. 66
الثالث: أن تكون شرطاً من المالك ومن غيره، وذلك فيما إذا وَكَّل في إخراجها وبعد الزمن فتشترط من الوكيل أيضاً عند دفعها للفقير.
الرابع: أن لا تشترط النية أصلاً وذلك في ثلاث صور.
الأولى: إذا تعذَّر الوصول إلى المالك بحبس أو غيره فأخذها الإمام أو الساعي، وتجزئ ظاهراً وباطناً.
الثانية: إذا امتنع المالك من أدائها فأخذها الإمام أو الساعي قهراً، فتجزئ ظاهراً لا باطناً.
الثالثة: إذا غيّب ماله فأخذها الإمام أو الساعي بعد العثور عليه، وتجزئ ظاهراً لا باطناً)) (١).
٢ - المتابعة للنبي ﷺ -؛ لأن العبادات توقيفية؛ لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢). وفي رواية: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٣)(٤).
المسألة السابعة: وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون ، فلا يشترط البلوغ والعقل في وجوب الزكاة على الصحيح، فإذا تمت الشروط لوجوب الزكاة: من الإسلام، والحرية، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول وجبت الزكاة في المال، ومنه مال الصبي والمجنون؛ لأن البلوغ
стр. 67
والعقل ليسا من شروط وجوب الزكاة، فلا يشترط البلوغ ولا العقل؛ لعموم الأدلة في وجوب الزكاة كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١)؛ وقول النبي ﷺ : ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة, تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ... )) (٢).
وقد جاءت الروايات عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يزكون مال اليتيم، وهم: عمر بن الخطاب ﵁ (٣)، وعلي بن أبي طالب ﵁ (٤)، وعبد الله بن عمر ﵄ (٥)، وجابر ﵁ (٦)، وعائشة ﵂ (٧).
والصواب إن شاء الله تعالى وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون يخرجها الوكيل، وينوي بها الزكاة عنهم من أموالهم (٨).
стр. 68
وأما صدقة التطوع فلا يجوز التصدق من مال اليتيم والمجنون؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها, أما الزكاة فهي فريضة تنشغل الذمة بتركها (١).
المسألة الثامنة: المال المستفاد - بغير ربح التجارة أو نتاج السائمة - لا يضم إلى ما عند المالك من المال ، وإنما يكون له حولاً جديداً يبدأ من وقت ما ملكه، مثال ذلك: المال الحاصل بالإرث، والهبة، والهدية، وصداق المرأة، ونحو ذلك، وإذا كان عنده مال لم يبلغ نصاباً فاستفاد مالاً جديداً من جنسه كمل به النصاب؛ فإن الحول يبدأ من وقت اكتمال النصاب، ومن ذلك إذا مات المالك في أثناء الحول وانتقل المال إلى الورثة، فإن الوارث لا يبني على حول المالك الذي مات بل يستأنف حولاً جديداً يبدأ به من حين انتقل إليه الملك (٢)؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)) (٣).
المسألة التاسعة: جواز تقديم الزكاة إذا وُجد سبب وجوبها وهو النصاب الكامل؛ لحديث علي ﵁: أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته
стр. 69
قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك، فأذن له في ذلك (١). ولفظ أبي عبيد في الأموال عن علي ﵁: ((أن النبي ﷺ تعجَّل من العباس صدقته سنتين)) (٢). فجاز؛ لأنه تعجيل لمالٍ وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق، ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب (٣)، وإن تلف النصاب الذي عجل زكاته وقعت الزكاة نفلاً (٤)، فإن حال الحول, وقد زاد النصاب نصاباً آخر بالتوالد لزمه زكاة النصاب الثاني، وإن كان قدم الزكاة سنتين فحال الحول الثاني وقد زاد المال نصاباً أو أكثر, وحال على هذه الزيادة حول فإن عليه زكاة المال الزائد, الذي حال عليه الحول على حسب الأدلة في ذلك (٥)(٦).
المسألة العاشرة: كل شيء ليس لعروض التجارة لا زكاة فيه: كالعمارات المعدة للسكن، والعقارات التي ليست للبيع، والسيارات الخاصة، والمكائن، وكل ما يستعمله الإنسان ولا ينوي به التجارة، كحاجاته الأصلية: كالثياب وغيرها، ما عدا الذهب والفضة؛ لحديث
стр. 70
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة)). وفي لفظ: ((ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه)) (١).
стр. 71
المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة
الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف: السّائمة من بَهِيمة الأنعام، والخارج من الأرض: من الحبوب والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة.
زكاة السائمة (١) من بهيمة (٢) الأنعام (٣): الإبل، والبقر، والغنم:
تجب الزكاة في بهيمة الأنعام بشروط أربعة:
الشرط الأول: أن تتخذ للدرِّ والنسل، والتسمين ، لا للعمل؛ فإن الإبل المعدَّة للعمل والركوب، والسقي، وبقر الحرث والسقي لا زكاة فيها عند جمهور العلماء (٤).
стр. 72
الشرط الثاني: السوم أكثر الحول ، ومعنى السائمة: الراعية، أما المعلوفة وهي التي يعلفها صاحبها وينفق عليها، ولا ترعى أكثر الحول فلا زكاة فيها عند جمهور أهل العلم (١)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً، وفيه: (( ... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة، وليس على العوامل شيء ... )) (٢) وأما السائمة أكثر الحول ففيها الزكاة؛ لحديث أنس ﵁، وفيه: (( ... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ... )) (٣)؛ ولحديث بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون ... )) (٤) أما السائمة
стр. 73
التي أعدها مالكها للتجارة فزكاتها زكاة عروض التجارة.
الشرط الثالث: أن يحول عليها الحول عند مالكها حولاً كاملاً ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) (١).
ويستثنى نتاج السائمة، فحولها حول أمهاتها، فتزكى مع أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصاباً، فإن لم تبلغ الأمهات نصاباً فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل (٢).
الشرط الرابع: أن تبلغ النصاب الشرعي ، وأما ما دون النصاب من الأعداد اليسيرة فلا زكاة فيها، ونصاب بهيمة الأنعام بالتفصيل على النحو الآتي:
أولاً: نصاب الإبل لا زكاة فيها حتى تبلغ خمس ذود، وهذا أقل نصاب الإبل، وتفصيل ذلك في حديث أنس ﵁: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لمّا وجهه إلى البحرين: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بِها رسوله،
стр. 74
فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم (١) من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض (٢) أنثى، فإذا بلغت ستّاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى (٣)، فإذا بلغت ستّاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل (٤) فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة (٥)، فإذا بلغت- يعني ستّاً وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة ... )) (٦)(٧).
стр. 75
ويوضح ذلك الجدول الآتي:
زكاة الإبل
المقدار ... زكاته
من ... إلى
٥ ... ٩ ... شاة
١٠ ... ١٤ ... شاتان
١٥ ... ١٩ ... ثلاث شياه
٢٠ ... ٢٤ ... أربع شياه
٢٥ ... ٣٥ ... بنت مخاض ... فإن لم توجد أجزأ ابن لبون ذكر